الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦٠ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦٠ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقد أنكر [ الله ] تعالى على من حرم ما أحل الله ، أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء ، التي لا مستند لها ولا دليل عليها .
ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة ، فقال : ( وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ) أي : ما ظنهم أن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة .
وقوله : ( إن الله لذو فضل على الناس ) قال ابن جرير : في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا .
قلت : ويحتمل أن يكون المراد : لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا ، ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم .
( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) بل يحرمون ما أنعم الله [ به ] عليهم ، ويضيقون على أنفسهم ، فيجعلون بعضا حلالا وبعضا حراما .
وهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم ، وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم .
وقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، حدثنا رباح ، حدثنا عبد الله بن سليمان ، حدثنا موسى بن الصباح في قول الله عز وجل : ( إن الله لذو فضل على الناس ) قال : إذا كان يوم القيامة ، يؤتى بأهل ولاية الله عز وجل ، فيقومون بين يدي الله عز وجل ثلاثة أصناف قال : فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول : عبدي ، لماذا عملت ؟
فيقول : يا رب : خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها ، وحورها ونعيمها ، وما أعددت لأهل طاعتك فيها ، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليها .
قال : فيقول الله تعالى : عبدي ، إنما عملت للجنة ، هذه الجنة فادخلها ، ومن فضلي عليك أن أعتقتك من النار ، [ ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي ] قال : فيدخل هو ومن معه الجنة .
قال : ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني ، قال : فيقول : عبدي ، لماذا عملت ؟
فيقول : يا رب ، خلقت نارا وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها ، وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفا منها .
فيقول : عبدي ، إنما عملت ذلك خوفا من ناري ، فإني قد أعتقتك من النار ، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي .
فيدخل هو ومن معه الجنة .
ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث ، فيقول : عبدي ، لماذا عملت ؟
فيقول : رب حبا لك ، وشوقا إليك ، وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليك وحبا لك ، فيقول تبارك وتعالى : عبدي ، إنما عملت حبا لي وشوقا إلي ، فيتجلى له الرب جل جلاله ، ويقول : ها أنا ذا ، انظر إلي ثم يقول : من فضلي عليك أن أعتقك من النار ، وأبيحك جنتي ، وأزيرك ملائكتي ، وأسلم عليك بنفسي .
فيدخل هو ومن معه الجنة .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما ظن هؤلاء الذين يتخرَّصون على الله الكذبَ فيضيفون إليه تحريم ما لم يحرّمه عليهم من الأرزاق والأقوات التي جعلها الله لهم غذاءً، أنَّ الله فاعلٌ بهم يوم القيامة بكذبهم وفريتهم عليه؟
أيحسبون أنه يصفح عنهم ويغفر؟
كلا بل يصليهم سعيرًا خالدين فيها أبدًا ، (إن الله لذو فضل على الناس) ، يقول: إن الله لذو تفضُّل على خلقه بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا ، وإمهاله إياه إلى وروده عليه في القيامة ، (ولكن أكثرهم لا يشكرون) ، يقول: ولكن أكثر الناس لا يشكرونه على تفضُّله عليهم بذلك ، وبغيره من سائر نعمه.
* * *
قوله تعالى وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرونقوله تعالى وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ( يوم ) منصوب على الظرف ، أو بالظن ; نحو ما ظنك زيدا ; والمعنى : أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به .إن الله لذو فضل على الناس أي في التأخير والإمهال .
وقيل : أراد أهل مكة حين جعلهم في حرم آمن .( ولكن أكثرهم ) يعني الكفار ( لا يشكرون ) الله على نعمه ولا في تأخير العذاب عنهم .
وقيل : لا يشكرون لا يوحدون .
{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أن يفعل الله بهم من النكال، ويحل بهم من العقاب، قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} . {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} كثير، وذو إحسان جزيل، وَلَكِنَّ أكثر الناس لا يشكرون، إما أن لا يقوموا بشكرها، وإما أن يستعينوا بها على معاصيه، وإما أن يحرموا منها، ويردوا ما منَّ الله به على عباده، وقليل منهم الشاكر الذي يعترف بالنعمة، ويثني بها على الله، ويستعين بها على طاعته. ويستدل بهذه الآية على أن الأصل في جميع الأطعمة الحل، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، لأن الله أنكر على من حرم الرزق الذي أنزله لعباده.
( وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ) أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به ولا يعاقبهم عليه ، ( إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ) .
«وما ظن الذين يفترون على الله الكذب» أي أيّ شيء ظنهم به «يوم القيامة» أيحسبون أنه لا يعاقبهم لا «إن الله لذو فضل على الناس» بإمهالهم والإنعام عليهم «ولكن أكثرهم لا يشكرون».
وما ظنُّ هؤلاء الذين يتخرصون على الله الكذب يوم الحساب، فيضيفون إليه تحريم ما لم يحرمه عليهم من الأرزاق والأقوات، أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم وفِرْيَتِهم عليه؟
أيحسبون أنه يصفح عنهم ويغفر لهم؟
إن الله لذو فضل على خلقه؛ بتركه معاجلة مَن افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا وإمهاله إياه، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على تفضله عليهم بذلك.
ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال ( وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب يَوْمَ القيامة .
.
.
) .أى : هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟
أيظنون أن الله ستيركهم بدون عقاب؟
كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب .وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم ، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى - :وقال - سبحانه - ( وَمَا ظَنُّ .
.
.
) بصيغة الماضي لتحقيق الوقوع ، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض .وقوله : ( إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ) تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم ، واتباع شريعته فيما أحل وحرم .أى : إن الله لذو فضل عظيم على عباده ، حيث خلقهم ورزقهم ، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم ، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم ، لأنهم يستعملونها في غير ما خلقت له .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً، ولا أستحسن واحداً منها.
والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى وجهان: الأول: أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة.
وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم: إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على الله تعالى، أو تعلمون أنه حكم حكم الله به والأول طريق باطل بالاتفاق، فلم يبق إلا الثاني، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة، ولما بطل هذا، ثبت أن هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله الله إليكم ونبي بعثه الله إليكم، وحاصل الكلام أن حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة، يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول.
الطريق الثاني: في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد، والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب.
المسألة الثانية: المراد بالشيء الذي جعلوه حراماً ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضاً قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا ﴾ وأيضاً قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين ﴾ والدليل عليه أن قوله: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا ﴾ إشارة إلى أمر تقدم منهم، ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا، فوجب توجه هذا الكلام إليه، ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ قُلِ الله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾ وهذه القسمة صحيحة، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله تعالى أو لم تكن من الله فإن كانت من الله تعالى، فهو المراد بقوله: ﴿ الله أَذِنَ لَكُمْ ﴾ وإن كانت ليست من الله.
فهو المراد بقوله: ﴿ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب ﴾ وهذا وإن كان في صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله.
وقرأ عيسى بن عمر ﴿ وَمَا ظَنُّ ﴾ على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجيء به على لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي.
ثم قال: ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ أي بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ فلا يستعملون العقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب الله.
المسألة الثالثة: (ما) في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في الاستفهام، فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج، ومعنى أنزل هاهنا خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج ﴾ وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال، لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من السماء من ضرع وزرع وغيرهما، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أخبروني.
و ﴿ مَّاَ أَنزَلَ الله ﴾ (ما) في موضع النصب، بأنزل، أو بأرأيتم، في معنى: أخبرونيه ﴿ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً ﴾ أي أنزله الله رزقاً حلالاً كله فبعضتموه وقلتم: هذا حلال وهذا حرام، كقولهم: ﴿ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، ﴿ مَا فِي بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا ﴾ ﴿ الله أَذِنَ لَكُمْ ﴾ متعلق بأرأيتم.
وقل: تكرير للتوكيد.
والمعنى: أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه.
ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، وأم منقطعة بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريراً للافتراء.
وكفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسئل عنه من الأحكام.
وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلاّ بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلاّ فهو مفتر على الله ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ منصوب بالظن، وهو ظنّ واقع فيه، يعني: أي شيء ظنّ المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره.
وقرأ عيسى ابن عمر: ﴿ وما ظنّ ﴾ على لفظ الفعل.
ومعناه: وأي ظنّ ظنّوا يوم القيامة.
وجيء به على لفظ الماضي لأنه كائن فكأن قد كان ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ ﴾ جُعِلَ الرِّزْقُ مُنَزَّلًا لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ في السَّماءِ مُحَصَّلٌ بِأسْبابٍ مِنها، وما في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿ أنْزَلَ ﴾ أوْ بِـ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ فَإنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، ولَكم دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَلَّ ولِذَلِكَ وبَّخَ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا ﴾ مِثْلَ: ﴿ هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ \[وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى\] ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ ﴿ قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ ﴾ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ فَتَقُولُونَ ذَلِكَ بِحُكْمِهِ.
﴿ أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُنْفَصِلَةُ مُتَّصِلَةً بِـ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ وقُلْ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ وأنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، و ﴿ أمْ ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها تَقْرِيرٌ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ.
﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم.
﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيَحْسَبُونَ أنْ لا يُجازَوْا عَلَيْهِ، وهو مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ كائِنٌ، وفي إبْهامِ الوَعِيدِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ وهَداهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ النِّعْمَةَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب} ينسبون ذلك إليه {يَوْمُ القيامة} منصوب بالظن وهو ظن واقع فيه أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه
﴿ وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ هَوْلِ ما سَيَلْقَوْنَهُ غَيْرَ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِقَطْعِ احْتِمالِ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ التَّرْدِيدِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالِافْتِراءِ وزِيادَةِ الكَذِبِ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لِإظْهارِ لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما افْتَعَلُوا وكَوْنُهُ كَذِبًا في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ و ﴿ ظَنُّ ﴾ خَبَرُها هو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ الظَّنِّ لا بِيَفْتَرُونَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مَعْنًى ولا بِمُقَدَّرٍ لِأنَّ التَّقْدِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ أيْ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أنِّي فاعِلٌ بِهِمْ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ ويَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِهِ بِالظَّنِّ قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ (وما ظَنُّ) بِصِيغَةِ الماضِي و(ما) في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الظَّنِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ وأكْثَرُ أحْوالِ القِيامَةِ يُعَبَّرُ عَنْها بِذَلِكَ في القُرْآنِ لِما ذُكِرَ والعَمَلُ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ لا يُمْنَعُ لِتَصْيِيرِهِ الفِعْلَ نَصًّا في الِاسْتِقْبالِ التَّجَوُّزُ المَذْكُورُ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ لِتَحَقُّقِهِ أيْضًا ماضِيًا وقِيلَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ظَنُّهُمُ اليَوْمَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ تَنْزِيلًا لَهُ ولِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ لِمَكانِ وُضُوحِ أمْرِهِ في التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ مَنزِلَةَ المُسْلِمِ عِنْدَهم أيْ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم لِما سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ أيَحْسَبُونَ أنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ افْتِرائِهِمْ أوْ لا يُجازُونَ عَلَيْهِ أوْ يُجازُونَ جَزاءً يَسِيرًا ولِذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ يَفْعَلُونَ كَلّا إنَّهم لَفي أشَدِّ العَذابِ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم أشَدُّ المَعاصِي والآيَةُ السّابِقَةُ قِيلَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: حَيْثُ أقَرُّوا أنَّهُ سُبْحانَهُ الرَّزّاقُ قُلْ لَهم أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَخْ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ إلَخْ وذَلِكَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِما وصَفَهُ وأمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرْغَبَ بِاغْتِنامِ ما فِيهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُخالَفَتِهِمْ لِما جاءَ بِهِ وتَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّ وقِيلَ: إنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ سُوءَ اعْتِقادِهِمْ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ نَعى عَلَيْهِمْ أُصُولَهم بَيَّنَ بُطْلانَ فُرُوعِهِمْ ولَعَلَّ خَيْرَ الثَّلاثَةِ وسَطُها ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ ﴾ أيْ عَظِيمٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ﴿ عَلى النّاسِ ﴾ جَمِيعًا حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ ورَحِمَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وبَيَّنَ لَهم ما لا تَسْتَقِلُّ عُقُولُهم بِإدْراكِهِ وأرْشَدَهم إلى ما يُهِمُّهم مِن أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ ورَغَّبَهم ورَهَّبَهم وشَرَحَ لَهُمُ الأحْوالَ وما يَلْقاهُ الحائِدُ عَنِ الرَّشادِ مِنَ الأهْوالِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ 60﴾ ذَلِكَ الفَضْلَ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ولَعَلَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ في الكتاب، ويقال: من السَّماء، ويقال: ما أعطاكم الله من الرِّزق والحرث والأنعام والبحيرة والسّائبة.
وبيّن في كتاب الله تحليلها.
فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا يعني: حراماً على النساء، وحلالاً على الرجال قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ يعني: الله عزّ وجل أمركم بتحريمه وبتحليله؟
أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ يعني: تختلقون على الله كذباً ما لم يقله، ولم يأمر به.
ويقال: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ؟
أي أمركم بتحريمه فقالوا: بلى، أمرنا بها، فقال الله تعالى: أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ، يعني: على الله تختلقون.
ثم قال تعالى: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يعني: وما ظنُّهم حين ينزل بهم العذاب يَوْمَ الْقِيامَةِ؟
وكيف ينجون منه؟
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني: لذو مَنَ على النَّاس، بتأخير العذاب عنهم، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ نعمة الله تعالى عليهم، بتأخير العذاب عنهم.
<div class="verse-tafsir"
حَرْفُ القسم، وقد لا يجيء تقُولُ: إِي وربّي، وإي ربّي، وبِمُعْجِزِينَ: معناه مفلتين.
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)
وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ ...
الآية، وأَسَرُّوا: لفظة تجيءُ بمعنى «أَخْفَوا» ، وهي حينئذٍ من السِّرِّ، وتجيء بمعنى «أظْهَرُوا» ، وهي حينئذٍ من أسارِيرِ الوَجْهِ.
ص: قال أبو البقاء: وهو مستأنَفٌ، وهو حكاية ما يكون في الآخرة.
وقوله تعالى: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية، «أَلاَ» استفتاح وتنبيهٌ، وباقي الآية بيّن.
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...
الآية: هذه آية خُوطِبَ بها جميعُ العَالَم، وال مَوْعِظَةٌ: القرآن لأن الوعظ إِنما هو بقولٍ يأْمُرُ بالمعروف ويزجُرُ، ويرقِّق القلوب، ويَعِدُ ويُوعِدُ، وهذه صفة «الكتاب العزيز» ، وقوله:
مِنْ رَبِّكُمْ يريد: لم يختلقها محمّد ولا غيره، ولِما فِي الصُّدُورِ: يريد به الجَهْلَ ونحوَهُ، وجَعْلُهُ موعظةً بحَسَب النَّاسِ أَجْمَعَ، وجعْلُه هدىً ورحمةً بحسب المؤمنين فَقَطْ، وهذا تفسيرٌ صحيحُ المعنَى، إِذا تُؤُمِّلَ، بان وجْهُه.
وقوله سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، قال ابن عباس «١» وغيره: الفضل: الإِسلام، والرحمة: القرآن، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: الفَضْل: القرآن، والرحمة: أن جعلهم مِنْ أهله.
وقال زيْدُ بن أسلم والضّحّاك: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بِكَذِبِهِمْ، ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ حِينَ لَمْ يَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللهُ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهِ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُفّارِ العَرَبِ الَّذِينَ جَعَلُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ والنَصِيبَ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ، وإنَّما اخْتَلَقُوهُ بِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ ﴾ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ أو نُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللهِ في ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُمُ افْتَرَوْهُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، لَمّا تَحَقَّقَ عَلَيْهِمْ بِتَقْسِيمِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم مُفْتَرُونَ عَلى اللهِ، عَظَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ جُرْمَ الِافْتِراءِ، أيْ: ظَنُّهم في غايَةِ الرَداءَةِ بِحَسَبِ سُوءِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ ثَنّى بِإيجابِ الفَضْلِ عَلى الناسِ في الإمْهالِ لَهم مَعَ الِافْتِراءِ والعِصْيانِ: والإمْهالُ داعِيَةٌ إلى التَوْبَةِ والإنابَةِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذِكْرَ مَن لا يَرى حَقَّ الإمْهالِ ولا يَشْكُرُهُ ولا يُبادِرُ فِيهِ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، والآيَةُ بَعْدَ هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ فَضْلِ اللهِ وجَمِيعَ تَقْصِيرِ الخَلْقِ في شُكْرِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ جملة قل أرأيتم ﴾ [يونس: 59]، فهو كلام غير داخل في القول المأمور به، ولكنه ابتداء خطاب لجميع الناس.
و ﴿ ما ﴾ للاستفهام.
والاستفهام مستعمل في التعجيب من حالهم.
والمقصود به التعريض بالمشركين ليستفيقوا من غفلتهم ويحاسبوا أنفسهم.
ولذلك كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير (هم) مضافاً إليه الظن إما ضميرَ خطاب أو غيبة.
فيقال: وما ظنكم أو وما ظنهم، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى الإتيان بالموصول بالصلة المختصة بهم للتنبيه على أن الترْديد بين أن يكون الله أذن لهم فيما حرَّموه وبين أن يكونوا مفترين عليه قد انحصر في القسم الثاني، وهو كونهم مفترين إذ لا مساغ لهم في ادعاء أنه أذن لهم، فإذ تعين أنهم مفترون فقد صار الافتراء حالهم المختص بهم.
وفي الموصول إيذان بعلة التعجيب من ظنهم بأنفسهم يوم القيامة.
وحذف مفعولا الظن لقصد تعميم ما يصلح له، أي ما ظنهم بحالهم وبجزائهم وبأنفسهم.
وانتصب ﴿ الكذبَ ﴾ على المفعول المطلق، واللام فيه لتعريف الجنس، كأنه قيل كذباً، ولكنه عرف لتفظيع أمره، أي هو الكذب المعروف عند الناس المستقبح في العقول.
و ﴿ يوم القيامة ﴾ منصوب على الظرفية وعامله الظن، أي ما هو ظنهم في ذلك اليوم أي إذا رأوا الغضب عليهم يومئذٍ ماذا يكون ظنهم أنهم لاقون، وهذا تهويل.
وجملة: ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ تذييل للكلام المفتتح بقوله: ﴿ يأيها الناس قد جاءتكم موْعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ﴾ [يونس: 57].
وفيه قطع لعذر المشركين، وتسجيل عليهم بالتمرد بأن الله تفضل عليهم بالرزق والموعظة والإرشاد فقابلوا ذلك بالكفر دون الشكر وجعلوا رزقهم أنهم يكذبون في حين قابله المؤمنون بالفرح والشكر فانتفعوا به في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهو طَلَبُ النَّبَأِ.
﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البَعْثُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: العَذابُ في الآخِرَةِ.
﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ فَأقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ حَقٌّ تَأْكِيدًا.
﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمُمْتَنِعِينَ.
الثّانِي: بِسابِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْفَوُا النَّدامَةَ وكَتَمُوها عَنْ رُؤَسائِهِمْ، وقِيلَ بَلْ كَتَمَها الرُّؤَساءُ عَنْ أتْباعِهِمْ.
الثّانِي: أظْهَرُوها وكَشَفُوها لَهم.
وَذَكَرَ المُبَرَّدُ فِيهِ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ وهي تَكاسِيرُ الجَبْهَةِ.
﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤَسائِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: قَضى عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ الآية.
قال: هم أهل الشرك كانوا يحلون من الحرث والأنعام ما شاؤوا، ويحرمون ما شاؤوا.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: أتى وفد أهل مصر عثمان بن عفان رضي الله عنه فقالوا له: ادع بالمصحف وافتتح السابعة- وكانوا يسمون سورة يونس السابعة- فقرأها حتى أتى على هذه الآية ﴿ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً ﴾ فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحم أَأَلله أذن لك أم على الله تفتري؟
فقال: امضه إنما نزلت في كذا وكذا، فاما الحمى فإن عمر رضي الله عنه حمى الحمى لإِبل الصدقة، فلما وليت وزادت إبل الصدقة زدت في الحمى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الظرف متعلق بالظن على معنى: ما ظنهم في ذلك اليوم؟
وهو استفهام تقريع وتوبيخ، قال مقاتل: وما ظن الذين يتقولون على الله الكذب بأن الله أمرهم بتحريمه (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: أهل مكة حين جعلهم في أمن وحرم (٣) ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ﴾ .
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ ، قال: يريد: لا يوحدون ولا يطيعون (٤) (٥) ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ تأخير العذاب عنهم (٦) (١) في (م): (بتكذيبه)، وهو خطأ.
(٢) "الوسيط" 2/ 551، ولفظه في "تفسير مقاتل" 141 ب: ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ﴾ في الدنيا، ﴿ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ فزعموا أن له شريكًا ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ .
(٣) "الوجيز" 7/ 171، ولا دليل على هذا التخصيص، والأصل بقاء اللفظ على عمومه.
(٤) "الوجيز" 7/ 171.
(٥) " تفسير مقاتل" 141 ب بنحوه.
(٦) ساقط من (ى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ الآية: مخاطبة لكفار العرب الذي حرّموا البَحيرة والسائبة وغير ذلك ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ متعلق بأرأيتم، وكرر قل للتأكيد، ولما قسم الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم ثبت افتراؤهم، لأنهم معترفون أن الله لم يأذن لهم في ذلك ﴿ وَمَا ظَنُّ ﴾ وعيد للذين يفترون ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك اليوم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.
وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.
والباقون على الغيبة فيهما.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.
التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.
قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي بخلاف النظر.
فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.
ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.
وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .
والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.
ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.
فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.
وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.
وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.
ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.
قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.
وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.
والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.
وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.
قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!
وفيه شهادة من الله على خسرانهم.
وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.
ثم سلى رسوله فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.
وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.
ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.
ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.
وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.
ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.
فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.
وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.
ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.
﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.
و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟
أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟
وقيل: الضمير في "منه" لله وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.
وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.
﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟
أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.
وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟
وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.
وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟
وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.
وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.
ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.
فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.
ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.
والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.
ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".
وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.
أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.
والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.
وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.
ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.
وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.
وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.
وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.
ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.
والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.
الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.
الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.
الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.
وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.
والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.
ولما أرشد إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.
والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.
وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.
ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.
ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.
وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.
وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.
ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.
ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.
وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وغير ذلك.
﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.
وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.
ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.
ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟
وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.
التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.
﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.
﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.
﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.
﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.
﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.
ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: إن ما في السماوات والأرض كلهم عبيده [وإماؤه وملكه]، لا لمن [تعبدون دونه] من الأصنام والأوثان، فمن عند من يملك الدنيا والآخرة اطلبوا ذلك منه؛ لا من عند من لا يملك يبين سفههم في طلبهم الدنيا من عند من يعلمون أنه لا يملك ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : في كل وعد ووعيد أنه كائن لا محالة عذابا أو رحمة.
﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بعلمهم، فنفى عنهم العلم وإن علموا؛ لما لم ينتفعوا به.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لم يكتسبوا سبب العلم، [وهو التأويل والنظر في آياته وحججه.
ويحتمل نفي العلم عنهم لما أعطوا أسباب العلم] فلم يعلموا، فإن كان على هذا فيكونون معذورين، وإن كان على الوجهين الأولين فلا عذر لهم في ذلك.
وفي قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة إثبات البعث من وجهين: أحدهما: فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما [بغلظهما وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما]، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر وتوهمهم، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم.
والثاني: يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما، والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء، وأن كل شيء منها قد وضع مواضعها، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئاً عبثاً باطلا ولو كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجاً عن الحكمة، فظهر أنه خلقهم لأمر أراد بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: تعلمون أنه هو أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضاً وهو كقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولاً بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : وهو هذا القرآن قال بعضهم: الموعظة: النهي كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا.
وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقال بعضهم [العظة] هي [التي] تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق.
وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي الصدور المظلمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ : إن للدين آفات وداء تضر به وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان [المؤرقة] المريضة؛ فعلى ذلك جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدين وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ قيل: هدى من الضلالة، ورحمة من عذابه.
أو يقول: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ هدى أي: يدعوا إلى كل خير ويهدي [إليه]، ورحمة: لمن اتبعه، هو هدى ورحمة لمن اتبعه وتمسك به، وعمى وضلال لمن خالفه وترك اتباعه وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، وقال: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ أي: زاد للمؤمنين إيماناً إلى إيمانهم، و ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ أي: زاد للكافرين رجساً إلى رجسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : قال بعضهم: فضل الله ورحمته القرآن.
وقال قائلون: فضل الله القرآن، ورحمته الإيمان، وفيه أنه بإنزال القرآن متفضل إذ له ألا ينزل، وفيه أن أهل الفترة يؤاخذون في حال فترتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: فرحكم بما ذكر [هو] خير مما تجمعون من الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : إنما خاطب المؤمنين بقول: قل للمؤمنين بفضل الله: الإسلام، وبرحمته: يعني القرآن فبذلك يعني فبهذا الفضل والرحمة فليفرحوا يعني المؤمنين، هو خير مما يجمعون يعني مما يجمع الكفار من الأموال من الذهب والفضة وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ .
[يحتمل ﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ ] أضاف إنزاله إلى السماء، وإن كانت الأرزاق إنما تخرج من الأرض لما كانت أسبابها متعلقة بالسماء، يكون نضج الأنزال وينع الأعناب وإصلاح الأشياء كلها أعني أسباب الأرزاق من نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات وبه يخرج جميع أنواع الخارج مما يكون فيه غذاء البشر والدواب، ومن نحو الشمس التي [ينضج بها] الأنزال وبها تينع الأعناب وجميع الفواكه ونحوه أضاف ذلك إلى السماء لما ذكرنا.
وكذلك قوله: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: أسباب ذلك في السماء؛ لا أن عين ذلك في السماء.
ويحتمل قوله: ﴿ قُمَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ أي: ما خلق الله لكم؛ وكذلك جميع ما يضاف إلى الله إنما يضاف إليه بحق الخلق أي خلقه منزلا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ونحو ذلك، أي: خلق لكم مما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً ﴾ : قال بعضهم: ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما ذكر في سورة الأنعام والمائدة.
وقال بعضهم: ما حرموا الآلهة التي كانوا عبدوها، أي: جعلوها للأصنام وهو ما ذكر في الأنعام، وهو قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً...
﴾ الآية [الأنعام: 136] نحو ما ذكرنا في الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ أي: آلله أذن لكم في تحريم ما حرمتم وتحليل ما أحللتم أم على الله تفترون: [بل على الله تفترون] وذلك أن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل والكتب، وإنما يوصل إلى معرفة [المحرم والمحلل] بالرسل والكتب والخبر عن الله، وهم لم يكونوا مؤمنين بواحد مما ذكرنا، فكيف جعلتم منه حراماً وحلالا وأنتم لا تؤمنون بما به يعرف الحلال من الحرام، فكيف حرمتم ما أحل لكم أو أحللتم ما حرم عليكم؟!
يخبر عن سفههم وعنادهم وافترائهم على الله، فإذا اجترءوا أن يفتروا على الله فعلى غيره أجرأ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : فإن قيل كيف أوعدوا بيوم القيامة وهم كانوا لا يؤمنون بالبعث؟!
قيل: قد ألزمهم الحجة بكون البعث بما أظهر من كذبهم وافترائهم على الله في التحريم والتحليل، فذلك يظهر كذبهم بتكذيبهم البعث.
وبعد فإنه قد يوعد المرء بما لا يتيقن به ويتخوف عليه ويحذر وإن لم يحط علمه به، فكذلك هذا.
وبعد فإنه قد جعل في عقولهم ما يلزمهم الإيمان بالبعث والجزاء للأعمال؛ إذ ليس من الحكمة خلق الخلق للفناء خاصة.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقول: وما ظن الذين يفترون على الله الكذب لو خرج الأمر حقّاً، وكان صدقاً على ما أخبر رسول الله وقاله من البعث والجزاء لما اكتسبوا؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ : هو ذو فضل على جميع الناس من [جهة ما ساق] إلى الكل من الرزق كافرهم ومؤمنهم وأنواع النعم، وما أخر عنهم العذاب إلى وقت، أو لما بعث إليهم الرسل والكتب من غير أن كان منهم إلى الله سابقة صنع يستوجبون به ذلك ومنه خصوص فضل على المؤمنين ليس ذلك على الكافرين، ولكن أكثرهم لا يشكرون لفضله وما أنعم عليهم.
<div class="verse-tafsir"
وأي شيء يظنه مختلقو الكذب عليه واقعًا بهم يوم القيامة؟!
أيظنون أن يغفر لهم؟!
هيهات، إن الله لذو إفضال على الناس بإمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، ولكن أكثرهم جاحدون نعم الله عليهم فلا يشكرونها.
<div class="verse-tafsir" id="91.QoNmR"