الآية ٦١ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦١ من سورة يونس

وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى نبيه ، صلوات الله عليه وسلامه أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته ، وجميع الخلائق في كل ساعة وآن ولحظة ، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين ، كقوله : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [ الأنعام : 59 ] ، فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) [ الأنعام : 38 ] ، وقال تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] .

وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء ، فكيف بعلمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة ، كما قال تعالى : ( وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) [ الشعراء : 217 - 219 ] ؛ ؛ ولهذا قال تعالى : ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) أي : إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون ، ولهذا قال ، عليه السلام لما سأله جبريل عن الإحسان [ قال ] أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وما تكون)، يا محمد ، (في شأن) ، يعني: في عمل من الأعمال ، (وما تتلوا منه من قرآن)، يقول: وما تقرأ من كتاب الله من قرآن (14) (ولا تعملون من عمل)، يقول: ولا تعملون من عمل أيها الناس ، من خير أو شر ، (إلا كنَّا عليكم شهودًا) ، يقول: إلا ونحن شهود لأعمالكم وشئونكم ، إذ تعملونها وتأخذون فيها.

(15) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك رُوي القول عن ابن عباس وجماعة.

ذكر من قال ذلك: 17696- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (إذ تفيضون فيه) ، يقول: إذ تفعلون.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تشيعون في القرآن الكذبَ.

*ذكر من قال ذلك: 17697- حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: (إذ تفيضون فيه) ، يقول: تشيعون في القرآن من الكذب.

(16) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تفيضون في الحق.

*ذكر من قال ذلك: 17698- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إذ تفيضون فيه)، في الحق ما كان.

17699- .

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17700- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه، لأنه تعالى ذكره أخبر أنه لا يعمل عباده عملا إلا كان شاهدَه، ثم وصل ذلك بقوله: (إذ يفيضون فيه) ، فكان معلومًا أن قوله: (إذ تفيضون فيه) إنما هو خبرٌ منه عن وقت عمل العاملين أنه له شاهد ، لا عن وَقْت تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، لأن ذلك لو كان خبرًا عن شهوده تعالى ذكره وقتَ إفاضة القوم في القرآن، لكانت القراءة بالياء: " إذ يفيضون فيه " خبرًا منه عن المكذبين فيه.

فإن قال قائل: ليس ذلك خبرًا عن المكذبين، ولكنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، (17) أنه شاهده إذْ تلا القرآن.

، فإن ذلك لو كان كذلك لكان التنـزيل : (إذ تفيضون فيه) ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم واحدٌ لا جمع، كما قال: (وما تتلوا منه من قرآن)، فأفرده بالخطاب ، ولكن ذلك في ابتدائه خطابَه صلى الله عليه وسلم بالإفراد ، ثم عَوْده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، [سورة الطلاق: 1] ، وذلك أن في قوله: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، دليلا واضحًا على صرفه الخطابَ إلى جماعة المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع جماعة الناس غيره، لأنه ابتدأ خطابه ، ثم صرف الخطابَ إلى جماعة الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم.

، وخبرٌ عن أنه لا يعمل أحدٌ من عباده عملا إلا وهو له شاهد ، (18) يحصى عليه ويعلمه كما قال: (وما يعزب عن ربك) ، يا محمد ، عمل خلقه، ولا يذهب عليه علم شيء حيث كان من أرض أو سماء.

* * * وأصله من " عزوب الرجل عن أهله في ماشيته "، وذلك غيبته عنهم فيها، يقال منه: " عزَبَ الرَّجل عن أهله يَعْزُبُ ويَعْزِبُ".

* * * ، لغتان فصيحتان، قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء.

وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لاتفاق معنييهما واستفاضتهما في منطق العرب، غير أني أميل إلى الضم فيه ، لأنه أغلب على المشهورين من القراء.

* * * وقوله: (من مثقال ذرة)، يعني: من زنة نملة صغيرة.

* * * يحكى عن العرب: " خذ هذا فإنه أخف مثقالا من ذاك، أي: أخفُّ وزنًا.

(19) * * * و " الذرّة " واحدة : " الذرّ"، و " الذرّ"، صغار النمل.

(20) * * * قال أبو جعفر: وذلك خبَرٌ عن أنه لا يخفى عليه جل جلاله أصغر الأشياء، وإن خف في الوزن كلّ الخفة، ومقاديرُ ذلك ومبلغه، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه، وكم مبلغ ذلك .

يقول تعالى ذكره لخلقه: فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضي ربَّكم عنكم، فإنّا شهود لأعمالكم، لا يخفى علينا شيء منها، ونحن محصُوها ومجازوكم بها.

* * * واختلفت القراء في قراءة قوله: ( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) .

فقرأ ذلك عامة القراء بفتح الراء من (أَصْغَرَ) و (أَكْبَرَ) على أن معناها الخفض، عطفًا بالأصغر على الذرة ، وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما ، لأنهما لا يُجْرَيان.

* * * وقرأ ذلك بعض الكوفيين: [وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ] رفعًا، عطفًا بذلك على معنى المثقال، لأن معناه الرفع.

وذلك أن (مِنْ) لو ألقيت من الكلام ، لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذٍ: " وما يعزُب عن ربك مثقالُ ذرة ولا أصغرُ من مثقال ذرة ولا أكبرُ" ، وذلك نحو قوله: مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ، و غَيْرُ اللَّهِ ، [سورة فاطر: 3].

(21) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ بالفتح ، على وجه الخفض والردّ على الذرة، لأن ذلك قراءة قراء الأمصار ، وعليه عَوَامٌّ القراء، وهو أصحُّ في العربية مخرجًا ، وإن كان للأخرى وجهٌ معروفٌ.

* * * وقوله: (إلا في كتاب) ، يقول: وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله ، (مبين) ، عن حقيقة خبر الله لمن نظر فيه.

(22) أنه لا شيء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جل ثناؤه فيه، وأنه لا يعزُب عن الله علم شيء من خلقه حيث كان من سمائه وأرضه.

* * * 17701- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (وما يعزب) ، يقول: لا يغيب عنه.

17702- حدثني محمد بن عمارة قال ، حدثنا عبد الله قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: (وما يعزب عن ربك)، قال: ما يغيب عنه.

------------------------ الهوامش: (14) انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف من فهارس اللغة ( تلا .

) .

(15) انظر تفسير " الإفاضة " فيما سلف 4 : 170 .

(16) في المطبوعة : " فتشيعون " بالفاء ، لم يحسن قراءة المخطوطة .

(17) في المطبوعة : " ولكن خطاب " ، بحذف الهاء ، وأثبتها من المخطوطة .

(18) قوله : " وخبر عن أنه لا يعمل أحد " معطوف على قوله في أول هذه الفقرة : " إنما هو خبر عن وقت عمل العاملين .

.

.

" .

(19) انظر تفسير " المثقال " فيما سلف 8 : 360 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 278 ، وهو نص كلامه .

(20) انظر تفسير " الذرة " فيما سلف 8 : 360 ، 361 .

(21) لم يذكر أبو جعفر قراءة الرفع في هذه الآية ، في موضعها من تفسير " سورة فاطر " ، فيما سيأتي 22 : 77 ( بولاق ) ، وسأشير إلى ذلك في موضعه هناك .

وهذا دليل آخر على اختصار أبي جعفر ، تفسيره في مواضع ، كما أشرت إليه في كثير من تعليقاتي .

(22) انظر تفسير " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين )

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبينقوله تعالى وما تكون في شأن ( ما ) للجحد ; أي لست في شأن ، يعني من عبادة أو غيرها إلا والرب مطلع عليك .

والشأن الخطب ، والأمر ، وجمعه شئون .

قال الأخفش : تقول العرب ما شأنت شأنه ، أي ما عملت عمله .وما تتلو منه من قرآن قال الفراء والزجاج : الهاء في ( منه ) تعود على الشأن ، أي تحدث شأنا فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف حكمه ، أو ينزل فيه قرآن فيتلى .

وقال الطبري : ( منه ) أي من كتاب الله تعالى .

( من قرآن ) أعاد تفخيما ; كقوله : إني أنا الله .ولا تعملون من عمل يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والأمة .

وقوله : وما تكون في شأن خطاب له والمراد هو وأمته ; وقد يخاطب الرسول والمراد هو وأتباعه .

وقيل : المراد كفار قريش .إلا كنا عليكم شهودا أي نعلمه ; ونظيره ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهمإذ تفيضون فيه أي تأخذون فيه ، والهاء [ ص: 266 ] عائدة على العمل ; يقال : أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه .

قال الراعي :فأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأباطح إذ رعين حقيلاابن عباس : ( تفيضون فيه ) تفعلونه .

الأخفش : تتكلمون .

ابن زيد : تخوضون .

ابن كيسان : تنشرون القول .

وقال الضحاك : الهاء عائدة على القرآن ; المعنى : إذ تشيعون في القرآن الكذب .وما يعزب عن ربك قال ابن عباس : يغيب .

وقال أبو روق : يبعد .

وقال ابن كيسان : يذهب .

وقرأ الكسائي " يعزب " بكسر الزاي حيث وقع ; وضم الباقون ; وهما لغتان فصيحتان ; نحو يعرش ويعرش .( من مثقال ) ( من ) صلة ; أي وما يعزب عن ربك مثقال ذرة أي وزن ذرة ، أي نميلة حمراء صغيرة ; وقد تقدم في النساءفي الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر عطف على لفظ ( مثقال ) ، وإن شئت على ( ذرة ) .

وقرأ يعقوب وحمزة برفع الراء فيهما عطفا على موضع ( مثقال ) لأن ( من ) زائدة للتأكيد .

وقال الزجاج : ويجوز الرفع على الابتداء .

وخبره إلا في كتاب مبين يعني اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به .

قال الجرجاني ( إلا ) بمعنى واو النسق ، أي وهو في كتاب مبين ; كقوله تعالى : إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم أي ومن ظلم .

وقوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم أي والذين ظلموا منهم ; ف ( إلا ) بمعنى واو النسق ، وأضمر هو بعده كقوله : ( وقولوا حطة ) .

أي هي حطة .

وقوله : ولا تقولوا ثلاثة أي هم ثلاثة .

ونظير ما نحن فيه : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو في كتاب مبين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى، عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكناتهم، وفي ضمن هذا، الدعوة لمراقبته على الدوام فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ‏}‏ أي‏:‏ حال من أحوالك الدينية والدنيوية‏.‏ ‏{‏وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ‏}‏ أي‏:‏ وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك‏.‏ ‏{‏وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ‏}‏ صغير أو كبير ‏{‏إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به‏.‏ فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم، وما يكره الله تعالى، فإنه مطلع عليكم، عالم بظواهركم وبواطنكم‏.‏ ‏{‏وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ‏}‏ أي‏:‏ ما يغيب عن علمه، وسمعه، وبصره ومشاهدته ‏{‏مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه‏.‏ وهاتان المرتبتان من مراتب القضاء والقدر، كثيرًا ما يقرن الله بينهما، وهما‏:‏ العلم المحيط بجميع الأشياء، وكتابته المحيطة بجميع الحوادث، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وما تكون ) يا محمد ، ( في شأن ) عمل من الأعمال ، وجمعه شئون ، ( وما تتلو منه ) من الله ، ( من قرآن ) نازل ، وقيل : " منه " أي من الشأن من قرآن ، نزل فيه ، ثم خاطبه وأمته فقال : ( ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) أي : تدخلون وتخوضون فيه ، الهاء عائدة إلى العمل ، والإفاضة : الدخول في العمل .

وقال ابن الأنباري : تندفعون فيه .

وقيل : تكثرون فيه .

والإفاضة : الدفع بكثرة .

( وما يعزب عن ربك ) يغيب عن ربك ، وقرأ الكسائي " يعزب " بكسر الزاي ، وقرأ الآخرون بضمها ، وهما لغتان .

( من مثقال ذرة ) أي : مثقال ذرة ، و " من " صلة ، والذرة هي : النملة الحميراء الصغيرة .

( في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ) أي : من الذرة ، ( ولا أكبر ) قرأ حمزة ويعقوب : برفع الراء فيهما ، عطفا على موضع المثقال قبل دخول " من " ، وقرأ الآخرون : بنصبهما ، إرادة للكسرة ، عطفا على الذرة في الكسر .

( إلا في كتاب مبين ) وهو اللوح المحفوظ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما تكون» يا محمد «في شأن» أمر «وما تتلو منه» أي من الشأن أو الله «من قرآن» أنزله عليك «ولا تعملون» خاطبهُ وأمته «من عمل إلا كنا عليكم شهودا» رقباء «إذ تُفيضون» تأخذون «فيه» أي العمل «وما يَعْزُبُ» يغيب «عن ربك من مثقال» وزن «ذرة» أصغر نملة «في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» بيِّن هو اللوح المحفوظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما تكون -أيها الرسول- في أمر مِن أمورك وما تتلو من كتاب الله من آيات، وما يعمل أحد من هذه الأمة عملا من خير أو شر إلا كنا عليكم شهودًا مُطَّلِعين عليه، إذ تأخذون في ذلك، وتعملونه، فنحفظه عليكم ونجزيكم به، وما يغيب عن علم ربك -أيها الرسول- من زنة نملة صغيرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر الأشياء ولا أكبرها، إلا في كتاب عند الله واضح جلي، أحاط به علمه وجرى به قلمه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله ، وما يجب عليهم من شكره ، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير في هذا الكون فقال : ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً .

.

.

) .أي : وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو في حال من الأحوال .وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدي إلى الرشد .ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا ، إلأا كنا عليكم مطلعين .ومن في قوله ( منه ) للتعليل ، والضمير يعود إلى الشأن ، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - هذا .

ولذا خصت بالذكر .

ويجوز أن يعود للقرآن الكريم ، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه ، وتعظيم أمره .ومن في قوله ( مِن قُرْآنٍ ) مزيدة لتأكيد النفي .وقال الآلوسى : " والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنساني ، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا .

وقوله ( وَلاَ تَعْمَلُونَ .

.

.

) عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى في كل من المقامين ما يليق به ، فعبر في مقام الخصوص فى الأول بالشأن ، لأن عمل العظيم عظيم ، وفى الثاني بالعمل العام للجليل والحقير .

وقيل : الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما في قوله - تعالى - ( ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ ) وقوله : ( إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ) استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة .

أي : وما تلابسون بشيء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه ، حافظين له " .وقوله : ( إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) أي : تخوضون وتندفعون في ذلك العمل ، لأن الإِفاضة في الشيء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة .وقوله : ( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء ) بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شيء .ويعزب : أى يبعد ويغيب ، وأصله من قولهم : عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب .

والكلام على حذف مضاف .أي : وما يغيب ويخفي عن عمل ربك مثقال ذرة في الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، إلا وهو معلوم ومسجل عنده في كتاب عظيم الشأن ، تام البيان .وقوله : ( مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ) تمثل لقلة الشيء ودقته ، ومن فيه لتأكيد النفي وقدمت الأرض على السماء هنا ، لأن الكلام في حال أهلها ، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها .فكأنه - سبحانه - يقول : إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم - .وقوله : ( وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها .و ( لا ) نافية للجنس و ( أصغر ) اسمها منصوب لشبهه بالمضاف ، و ( أكبر ) معطوف عليه .

و ( فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) متعلق بمحذوف خبرها .وقدم ذكر الأصغر على الأكبر ، لأنه هو الأهم في سياق العلم بما خفى من الأمور .وقرأ حمزة ويعقوب وخلف ( وَلاَ أَصْغَرَ ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف .

أى : ولا ما هو أصغر في ذلك .والمراد بالكتاب المبين : علم الله الذي وسع كل شىء ، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شيء .وبذلك نرى أأن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شيء ، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات ، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور .وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات ، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله ، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته ، وشمول علمه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم، وفي أمره بتحمل أذاهم، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين، وتمام الخوف والفزع للمذنبين، وهو كونه سبحانه عالماً بعمل كل واحد، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكاً وطاعة وزهداً وتقوى، ويكون باطنه مملوأ من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك فإذا كان الحق سبحانه عالماً بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد، أما الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام.

فالأول: منهما قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ واعلم أن ﴿ مَا ﴾ هاهنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤن، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله، قال الأخفش: وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله، وفيه وجهان: قال ابن عباس: وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها.

والثاني: منهما قوله تعالى: ﴿ وَمَا نتلوا منه من قرآن ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ إلى ماذا يعود؟

وذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو معظم شأنه، وعلى هذا التقدير، فكان هذا داخلاً تحت قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ إلا أنه خصه بالذكر تنبيهاً على علو مرتبته، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ وكما في قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم  ﴾ والثاني: أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير: وما تتلو من القرآن من قرآن، وذلك لأن كما أن القرآن اسم للمجموع، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والإضمار قبل الذكر، يدل على التعظيم.

الثالث: أن يكون التقدير: وما تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله.

وأقول: قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ ﴾ أمران مخصوصان بالرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة.

والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولاً، ثم عمم الخطاب مع الكل، هو أن قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ ﴾ وإن كان بحسب الظاهر خطاباً مختصاً بالرسول، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه، لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء  ﴾ ثم إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ﴾ وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل شيء، وعالم بكل شيء، أما على أصول أهل السنة والجماعة، فالأمر فيه ظاهر، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى.

فكل ما يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة، فكلها حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه.

والموجد للشيء لابد وأن يكون عالماً به، فوجب كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، وأما على أصول المعتزلة، فقد قالوا: إنه تعالى حي وكل من كان حياً، فإنه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات، والموجب لتلك العالمية، هو ذاته سبحانه.

فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر المعلومات، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات.

أما قوله تعالى: ﴿ إِذْ تفيضون فِيهِ ﴾ فاعلم أن الإفاضة هاهنا الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل، يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم، فتفرقوا.

فإن قيل: ﴿ إِذْ ﴾ هاهنا بمعنى حين، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم شهوداً حين تفيضون فيه، وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل.

قلنا: هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبارة عن علمه، وهذا ممنوع، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه، وأما العلم، فلا يمتنع تقدمه على الشيء، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غداً كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها.

واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد، فقال: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الارض وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ في كتاب مبين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصل العزوب من البعد.

يقال: كلأ عازب إذا كان بعيد المطلب، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل، والرجل سمي عزباً لبعده عن الأهل، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد.

المسألة الثانية: قرأ الكسائي ﴿ وَمَا يَعْزُبُ ﴾ بكسر الزاي، والباقون بالضم، وفيه لغتان: عزب يعزب، وعزب يعزب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ أي وزن ذرة، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل، والمعنى: ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة، وهي تكون خفيفة الوزن جداً، وقوله: ﴿ فِي الارض وَلاَ فِي السماء ﴾ فالمعنى ظاهر.

فإن قيل: لم قدم الله ذكر الأرض هاهنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ: ﴿ عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الارض  ﴾ .

قلنا: حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع.

ثم قال: ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ وفيه قراءتان قرأ حمزة ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ ﴾ بالرفع فيهما، والباقون بالنصب.

واعلم أن قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ ﴿ مِثْقَالَ ﴾ عند دخول كلمة ﴿ مِنْ ﴾ عليه مجرور بحسب الظاهر، ولكنه مرفوع في المعنى، فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجروراً إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف، فكان مفتوحاً وإن عطف على المحل، وجب كونه مرفوعاً، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل، وكذا قوله: ﴿ مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ  ﴾ وغيره وقال الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** هذا ما ذكره النحويون، قال صاحب الكشاف: لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب: وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله تعالى وأنه باطل.

وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين: الوجه الأول: أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد.

وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المخلوقة على قسمين: قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول، مثل: الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالماً بها محيطاً بأحوالها، والغرض منه الرد على من يقول: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات، وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ .

والوجه الثاني: في الجواب أن نجعل كلمة ﴿ إِلا ﴾ في قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ استثناء منقطعاً لكن بمعنى هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم عنه جواباً آخر فقال: قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ هاهنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب مبين.

قال: والعرب تضع إلا موضع واو النسق كثيراً على معنى الابتداء، كقوله تعالى: ﴿ لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون إَلاَّ مَن ظَلَمَ  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ  ﴾ يعني والذين ظلموا، وهذا الوجه في غاية التعسف.

وأجاب صاحب الكشاف: بوجه رابع فقال: الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله: ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ على قوله: ﴿ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل، لكنا لا نقول ذلك، بل نقول: الوجه في القراءة بالنصب في قوله: ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ﴾ الحمل على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء، وخبره قوله: ﴿ فِى كتاب مُّبِينٍ ﴾ وهذا الوجه اختيار الزجاج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ (ما) نافية والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشأن: الأمر، وأصله الهمز بمعنى القصد، من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

والضمير في ﴿ مِنْهُ ﴾ للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو معظم شأنه، أو للتنزيل، كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن، لأنّ كلّ جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له.

أو لله عزّ وجلّ.

وما ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ أنتم جميعاً ﴿ مِنْ عَمَلٍ ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ﴾ شاهدين رقباء نحصي عليكم ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه ﴿ وَمَا يَعْزُبُ ﴾ .

قرئ بالضم والكسر (وما يبعد وما يغيب)، ومنه: الروض العازب ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ القراءة بالنصب والرفع، والوجه النصب على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه، وفي العطف على محل ﴿ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ أو على لفظ ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40] فتحاً في موضع الجرّ لامتناع الصرف: إشكال، لأنّ قولك: (لا يعزب عنه شيء إلاّ في كتاب) مشكل.

فإن قلت: لم قدّمت الأرض على السماء، بخلاف قوله: في سورة سبأ ﴿ عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض ﴾ [سبأ: 3] ؟

قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ [سبأ: 3] لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء، على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ ﴾ ولا تَكُونُ في أمْرٍ، وأصْلُهُ الهَمْزُ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتُ قَصْدَهُ والضَّمِيرُ في ﴿ وَما تَتْلُو مِنهُ ﴾ لَهُ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ مُعَظِّمٌ شَأْنَ الرَّسُولِ، أوْ لِأنَّ القِراءَةَ تَكُونُ لِشَأْنٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن أجْلِهِ ومَفْعُولُ تَتْلُو ﴿ مِن قُرْآنٍ ﴾ عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أوْ لِـ ﴿ قُرْآنٍ ﴾ ، وإضْمارُهُ قَبْلَ الذِّكْرِ ثُمَّ بَيانُهُ تَفْخِيمٌ لَهُ أوْ لِلَّهِ.

﴿ وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِمَن هو رَأْسُهم، ولِذَلِكَ ذُكِرَ حَيْثُ خَصَّ ما فِيهِ فَخامَةٌ وذُكِرَ حَيْثُ عَمَّ ما يَتَناوَلُ الجَلِيلَ والحَقِيرَ.

﴿ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ﴾ رُقَباءَ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ.

﴿ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ تَخُوضُونَ فِيهِ وتَنْدَفِعُونَ.

﴿ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ ولا يَبْعُدُ عَنْهُ ولا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزّايِ هُنا وفي « سَبَأٍ» .

﴿ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ ﴾ مُوازِنُ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ أوْ هَباءٍ.

﴿ فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ أيْ في الوُجُودِ والإمْكانِ فَإنَّ العامَّةَ لا تَعْرِفُ مُمْكِنًا غَيْرَهُما لَيْسَ فِيهِما ولا مُتَعَلِّقًا بِهِما، وتَقْدِيمُ الأرْضِ لِأنَّ الكَلامَ في حالِ أهْلِها والمَقْصُودُ مِنهُ البُرْهانُ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ بِها.

﴿ وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ كَلامٌ بِرَأْسِهِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ و (لا) نافِيَةٌ و ﴿ أصْغَرَ ﴾ اسْمُها و ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ خَبَرُها.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَن عَطَفَ عَلى لَفْظِ ﴿ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ﴾ وجَعَلَ الفَتْحَ بَدَلَ الكَسْرِ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ أوْ عَلى مَحَلِّهِ مَعَ الجارِّ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا، والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ} ما نافية والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والشأن الأمر {وما تتلو منه} من التنزيل كأنه قيل وما تتلوا من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له أو من الله عز وجل {وَلاَ تَعْمَلُونَ} أنتم جميعاً {مِنْ عَمَلٍ} أي عمل {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} شاهدين رقباء نحصى عليكم {إذ تفيضون فيه} تخوضون فِيهِ تخوضون من أفاض في الأمر إذا

اندفع فيه {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ} وما يبعد وما يغيب وبكسر الزاي على حيث كان {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ} وزن نملة صغيرة {فِي الأرض وَلاَ فِى السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ} رفعهما حمزة على الابتداء والخبر {إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ} يعني اللوح المحفوظ ونصبهما غيره على نفي الجنس وقدمت الأرض على السماء هنا وفي سبأ قدمت السموات لأن العطف بالواو وحكمه حكم التثنية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما تَكُونُ في شَأْنٍ ﴾ أيْ في أمْرٍ مُعْتَنًى بِهِ مِن شَأنَهُ بِالهَمْزِ كَسَألَهُ إذا قَصَدَهُ وقَدْ تُبْدَلُ هَمْزَتُهُ ألِفًا وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ وقَدْ أُرِيدَ المَفْعُولُ ﴿ وما تَتْلُو مِنهُ ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلشَّأْنِ والتِّلاوَةُ أعْظَمُ شُئُونِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِذا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ و(مِن) قِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الثّالِثِ والَّتِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن قُرْآنٍ ﴾ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القُطْبُ وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ (مِن) الأُولى عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ وعَلى الثّانِي الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلشَّأْنِ والظَّرْفِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلاوَةً كائِنَةً مِنَ الشَّأْنِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وتَبْعِيضِيَّةٌ أوْ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ ومِنِ الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وبَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الوَجْهِ الثّانِي والثّالِثِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ والتِزامُ تَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ كَذَلِكَ في جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ.

نَعَمِ اللّازِمُ بِناءٌ عَلى المَشْهُورِ أنْ لا يَتَعَلَّقَ حَرْفانِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلشَّأْنِ و(مِن) الأُولى لِلْأجَلِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ و(مِن) الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وما بَعْدَها مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتْلُوَ ولَهُ وجْهٌ ومِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (مِنهُ) لِلشَّأْنِ إمّا عَلى تَقْدِيرِ ما تَتْلُو حالَ كَوْنِ القِراءَةِ بَعْضَ شُئُونِكَ وإمّا أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ وما تَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ بِأنْ يَحْدُثَ لَكَ شَأْنٌ فَتَتْلُو القُرْآنَ مِن أجْلِهِ فَإنَّ الحالِيَّةَ مِمّا لا تَكادُ تَخْطِرُ بِبالِ مِن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في العَرَبِيَّةِ ولَمْ نَرَ القَوْلَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في الكَلامِ إذا كانَ فِيهِ مِنَ الأجَلِيَّةِ أوْ نَحْوِها وما في كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأفاضِلِ في أمْثالِ ذَلِكَ تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ ويَبْعُدُ حَمْلُ هَذا البَعْضِ عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى (هَذا) ثُمَّ إنَّ القُرْآنَ عامٌّ لِلْمَقْرُوءِ كَلّا وبَعْضًا وهو حَقِيقَةٌ في كُلٍّ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ والقَوْلُ بِأنَّهُ مَجازٌ في البَعْضِ بِإطْلاقِ الكُلِّ وإرادَةِ الجُزْءِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ﴿ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ أيْ أيُّ عَمَلٍ كانَ، والخِطابُ الأوَّلُ خاصٌّ بِرَأْسِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَذا عامٌّ ويَشْمَلُ سائِرَ العِبادِ بَرَّهُمَ وفاجِرَهم لا الأخِيرَيْنِ فَقَطْ وقَدْ رُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ فَعَبَّرَ في مَقامِ الخُصُوصِ في الأوَّلِ بِالشَّأْنِ لِأنَّ عَمَلَ العَظِيمِ عَظِيمٌ وفي الثّانِي بِالعَمَلِ العامِّ لِلْجَلِيلِ والحَقِيرِ وقِيلَ: الخِطابُ الأوَّلُ عامٌّ لِلْأُمَّةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ ﴿ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ أحْوالِ المُخاطَبِينَ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ أيْ وما تُلابِسُونَ بِشَيْءٍ مِنها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ كَوْنَنا رُقَباءَ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ حافِظِينَ لَهُ كَذا قالُوا ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ ولَعَلَّ تَقْدِيمَهُ لِلِاهْتِمامِ بِتَخْوِيفِ مَن أُرِيدَ تَخْوِيفُهُ مِنَ المُخاطِبِينَ وكَأنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ جِيءَ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ وأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعُ عَلى عَمَلِهِمْ ﴿ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أيْ تَشْرَعُونَ فِيهِ وتَتَلَبَّسُونَ بِهِ وأصْلُ الإفاضَةِ الِانْدِفاعُ بِكَثْرَةٍ أوْ بِقُوَّةٍ وحَيْثُ أُرِيدَ بِالأفْعالِ السّابِقَةِ الحالَّةِ المُسْتَمِرَّةِ الدّائِمَةِ المُقارَنَةُ لِلزَّمانِ الماضِي أيْضًا أُوثِرَ في الِاسْتِثْناءِ صِيغَةُ الماضِي وفي الظَّرْفِ كَلِمَةُ إذا الَّتِي تُفِيدُ المُضارِعَ مَعْنى الماضِي كَذا قِيلَ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِبَيانِ وجْهِ اخْتِيارِ النَّفْيِ بِما الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلْحالِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عِنْدَ انْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافَهُ في الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ والنَّفْيُ بِلا الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ في الجُمْلَةِ الثّالِثَةِ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلافِ الخِطابِ خُصُوصًا وعُمُومًا فَتَأمَّلَهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ جِدًّا ﴿ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ أيْ ما يَبْعُدُ وما يَغِيبُ ومِنهُ يُقالُ: الرَّوْضُ العازِبُ ورَوْضٌ عَزِيبٌ إذا كانَ بَعِيدًا مِنَ النّاسِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وما يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ رَبِّكَ عَزَّ وجَلَّ أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الإشْعارِ بِاللُّطْفِ ما لا يَخْفى وقَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الزّايِ ﴿ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ ﴾ مِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والمِثْقالُ اسْمٌ لِما يُوازِنُ الشَّيْءَ ويَكُونُ في ثِقَلِهِ وهو في الشَّرْعِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا فَقَدْ نَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الرّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: أجْمَعَ أهْلُ العَصْرِ الأوَّلِ عَلى التَّقْدِيرِ بِهَذا الوَزْنِ وهو أنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوانِيقَ وكُلُّ عَشَرَةِ دَراهِمَ سَبْعَةُ مَثاقِيلَ ولَمْ يَتَغَيَّرِ المِثْقالُ في الجاهِلِيَّةِ ولا في الإسْلامِ والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ وهو النَّمْلُ الأحْمَرُ الصَّغِيرُ وسُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنْها فَقالَ: إنَّ مِائَةَ نَمْلَةِ وزْنُ حَبَّةٍ والذَّرَّةُ واحِدَةٌ مِنها وقِيلَ: الذَّرَّةُ لَيْسَ لَها وزْنٌ ويُرادُ بِها ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ الدّاخِلِ في النّافِذَةِ ﴿ فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ أيْ في جِهَتَيِ السُّفْلِ والعُلْوِ أوْ في دائِرَةِ الوُجُودِ والإمْكانِ لِأنَّ العامَّةَ لا تَعْرِفُ سِواهُما مُمْكِنًا لَيْسَ فِيهِما ولا مُتَعَلِّقًا بِهِما والكَلامُ شامِلٌ لَهُما أنْفُسِهِما أيْضًا كَما لا يَخْفى وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ مَعَ أنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْها في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ووَقَعَتْ أيْضًا في سَبَأٍ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مُقَدَّمَةً لِأنَّ الكَلامَ في حالِ أهْلِها والمَقْصُودِ إقامَةُ البُرْهانِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِتَفاصِيلِها وذَكَرَ السَّماءَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وحاصِلُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ ومَن يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ لا يَعْلَمُ حالَ أهْلِ الأرْضِ وما هم عَلَيْهِ مَعَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها ولا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ وأصْغَرَ اسْمُها مَنصُوبٌ لِشَبَهِهِ بِالمُضافِ وكَذا أكْبَرُ لِتَقْدِيرِ عَمَلِهِ وقَوْلُ السَّمِينِ: إنَّهُما مَبْنِيّانِ عَلى الفَتْحِ ضَعِيفٌ وهو مَذْهَبُ البَغْدادِيِّينَ وزَعَمَ أنَّهُ سَبَقَ قَلَمٌ مُتَأخِّرٌ عَنْ حَيِّزِ القَبُولِ و(فِي كِتابٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وسَهْلٌ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ ولا يَجُوزُ إلْغاؤُها إذا تَكَرَّرَتْ وأما قَوْلُهُمْ: إنَّ الشَّبِيهِ بِالمُضافِ يَجِبُ نَصْبُهُ فالمُرادُ مِنهُ المَنعُ مِنَ البِناءِ لا المَنعُ مِنَ الرَّفْعِ والإلْغاءِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى جَعْلِ لا عامِلَةً عَمَلَ لَيْسَ وقِيلَ: إنَّ أصْغَرَ عَلى القِراءَةِ الأُولى عَطْفٌ عَلى مِثْقالُ أوْ ذَرَّةٍ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وجِيءَ بَدَلًا عَنِ الكَسْرِ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ لِلْوَصْفِ ووَزْنِ الفِعْلِ وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى مَعْطُوفٌ عَلى مِثْقالٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ ومِن كَما عَرَفْتَ مَزِيدٌ واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ مِنهُ إلّا في كِتابٍ فَيَعْزُبُ عَنْهُ ومَعْناهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ انْقِطاعِهِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ لَكِنْ لا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ إلّا هو في كِتابٍ مُبِينٍ وهو مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ إلَخْ وأجابَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ بِأنَّهُ عَلى حَدٍّ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ في رَأْيٍ فالمَعْنى لا يَبْعُدُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ إلّا ما في اللَّوْحِ الَّذِي هو مَحَلُّ صُوَرِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى شَأْنُهُ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الكِتابِ المُبِينِ بِهِ أوْ إلّا ما في عِلْمِهِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ الكِتابَ العِلْمُ فَإنْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ العُزُوبِ فَهو عازِبٌ عَنْ عِلْمِهِ وظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العُزُوبِ قَطْعًا فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ قَطْعًا ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ في دَفْعِ الإشْكالِ أنَّ العُزُوبَ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ البُعْدِ والمَخْلُوقاتُ قِسْمانِ قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كالأرْضِ والسَّماءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِسْمٌ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِثْلَ الحَوادِثِ في العالَمِ وقَدْ تَتَباعَدُ سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ والمَعْلُولِيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ فالمَعْنى لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ تَعالى ذَرَّةً في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ أثْبَتَ فِيهِ سُبْحانَهُ تِلْكَ المَعْلُوماتِ فَهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ وإثْباتُ العُزُوبِ بِمَعْنى البُعْدِ عَنْهُ تَعالى في سِلْسِلَةِ الإيجادِ لا مَحْذُورَ فِيهِ وهو وجْهٌ دَقِيقٌ إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِتَدْقِيقاتِ الحُكَماءِ وإنْ خالَفَ ما هم عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ وقالَ الكَواشِيُّ: مَعْنى يَعْزُبُ يَبِينُ ويَنْفَصِلُ أيْ لا يَصْدُرُ عَنْ رَبِّكَ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ إلّا وهو في اللَّوْحِ وتَلْخِيصُهُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تَفْسِيرَهُ بِيبَيْنِ ويَنْفَصِلُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وقِيلَ: المُرادُ بِالبُعْدِ عَنِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ البُعْدُ والخُرُوجُ عَنْ غَيْبِهِ أيْ لا يَخْرُجُ عَنْ غَيْبِهِ إلّا ما كانَ في اللَّوْحِ فَيَعْزُبُ عَنِ الغَيْبِ ويَبْعُدُ إذْ لا يَبْقى ذَلِكَ غَيْبًا حِينَئِذٍ لِاطِّلاعِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ عَلَيْهِ فَيُفِيدُ إحاطَةَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ ومِن هُنا يَظْهَرُ وجْهٌ آخَرُ لِتَقْدِيمِ الأرْضِ عَلى السَّماءِ وقِيلَ: إنَّ (إلّا) عاطِفَةٌ بِمَنزِلَةِ الواوِ كَما قالَ بِذَلِكَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ والأخْفَشُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ وقَوْمٌ في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ ﴾ وهو مُقَدَّرٌ بَعْدَها والكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أكْبَرَ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ أيْ وهُو فِيَ كِتابٍ ونَقَلَ ذَلِكَ مَكِّيٌّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الحَسَنِ بْنِ يَحْيى الجُرْجانِيِّ ثُمَّ قالَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا أنَّ جَمِيعَ البَصْرِيِّينَ لا يَعْرِفُونَ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ والإنْصافُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلى ذَلِكَ ولَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ إنْسُهم وجِنُّهم عَلى مَجِيءِ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ أيْ ولا شَيْءَ إلّا في كِتابٍ ونَظِيرُهُ ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ويَكُونُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ إثْباتُ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ مَعْلُومٍ وإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ في الكِتابِ ويَشْهَدُ لِهَذا عَلى ما قِيلَ كَثِيرٌ مِن أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ كِتابِ تَبْصِرَةِ المُتَذَكِّرِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (لا يَعْزُبُ) ويَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَرْتِيبُها وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا في كُتّابٍ مُبِينٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ إلَيَّ ولا أكْبَرُ وتَخْلِيصُهُ وما مِن شَيْءٍ إلّا وهو في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ونَحْنُ نُشاهِدُهُ في كُلِّ آنٍ ونَظَرَ فِيهِ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ بِالِاسْتِغْناءِ بِالفَتْحِ المُبِينِ في الِاسْتِثْناءِ في ﴿ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ بِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِتَرْكِيبٍ في الكَلامِ المَجِيدِ لَمْ يُوجَدْ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُهُ أعْنِي إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ولَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرٌ أمْرِرْ رَبِّهِمْ إلّا الفَتى إلّا العُلا كَما لا يَخْفى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أقَلَّ الأقْوالِ تَكَلُّفًا القَوْلُ بِالِانْقِطاعِ وأجَلُّها قَدْرًا وأدَقُّها سِرًّا القَوْلُ بِالِاتِّصالِ وإخْراجُ الكَلامِ مَخْرَجَ ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ نَثْرًا ونَظْمًا ولا عَيْبَ فِيهِ إلّا أنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ أبْلَغُ فَلْيُفْهَمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ، يقول: وما تكون يا مُحَمَّدُ في أمر من الأمور، وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ يعني: وما تقرأ من الله من قرآن، يعني: ممَّا أوحي إليك.

فخاطب النبيّ  ، وخاطب أمته أيضاً، فقال تعالى: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً يعني: عالماً بكم وبأعمالكم، فلا تنسوه.

ويقال: إلاّ جعل عليكم شاهداً من الملائكة، وهم الحفظة إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ يعني: حين تأخذون في قراءة القرآن، ويقال: حين تخوضون فيه.

وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ قرأ الكِسَائِيُّ: وَما يَعْزُبُ بكسر الزَّاي.

وقرأ الباقون: بالضّم، وهما لغتان.

وهكذا روي عن الفَرَّاءِ.

يعني: وما يغيب عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ قال الكَلْبِيّ: الذرة هي النَّملة الحُمَيْرَاءُ.

وقال مقاتل: أصغر نملة في الأرض.

ويقال: الذّرة ما يرى في شعاع الشَّمس، والمثقال: عبارة عن الوزن.

يعني: لا يغيب عنه وزن الذَّرَّة فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ يعني: ولا أخف من وزن الذَّرَّة وَلا أَكْبَرَ، يعني: ولا أثقل من وزن الذَّرَّة.

ويقال: لا أقلَّ منه، ولا أعظم، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.

يعني: مكتوباً في اللَّوح المحفوظ.

قرأ حمزة: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ بضمِّ الرَّاءين، ومعناه: ولا يغيب عنه أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ، وَلاَ أكبر منه، فيصير رفعاً لأنه فاعل.

وقرأ الباقون بالنَّصب، لأن معناه: ولا يغيب عنه بمثقال ذرة في الأرض ولا في السَّماء، ولا بمثقال ذرَّة أصغر من ذلك.

فموضعه خَفْضٌ، إلاّ أنّه لا ينصرف فصار نصبا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ: هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى اتباع شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى/ الآية: قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس: بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل: كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله: لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠] وفي قوله: لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] .

قيل: إِن الفرح إِذا ورد مقيَّداً في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّداً في شرٍّ، أو مطلقاً لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه.

وقوله: مِمَّا يَجْمَعُونَ: يريد: مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المردي في الآخرة.

وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ...

الآية.

قال ص: أَرَأَيْتُمْ: مضمَّن معنى: أَخْبِروني، و «ما» موصولة.

قال ع «٢» : هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله: أَنْزَلَ: لفظةً فيها تجوّز.

وقوله: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ آية وعيدٍ- لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها أنهم مفترون على اللَّه- عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ الافتراء، أي: ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع الافتراء والعصيان إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تعمّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ ﴾ أيْ: في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ، وجَمْعُهُ: شُؤُونٌ.

﴿ وَما تَتْلُو مِنهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الشَّأْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أيُّ وقْتٍ تَكُونُ في شَأْنٍ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، وما تَلَوْتَ مِنَ الشَّأْنِ مِن قُرْآنٍ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى: وما تَلَوْتَ مِنَ اللَّهِ، أيْ: مِن نازِلٍ مِنهُ مِن قُرْآنٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، وأُمَّتُهُ داخِلُونَ فِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَمَعَ في هَذا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم داخِلُونَ في الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى العَمَلِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُفِيضُونَ بِمَعْنى تَأْخُذُونَ فِيهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَنْتَشِرُونَ فِيهِ، يُقالُ: أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ: إذا انْتَشَرُوا فِيهِ وخاضُوا.

﴿ وَما يَعْزُبُ ﴾ مَعْناهُ: وما يَبْعُدُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما يَبْعُدُ ولا يَغِيبُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ هاهُنا وفي (سَبَإٍ:٣) .

وقَدْ بَيَّنّا ﴿ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ في سُورَة ِ(النِّساءِ:٤٠) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الرّاءِ فِيهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِرَفْعِ الرّاءِ فِيهِما.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ، ولا مِثْقالٍ أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ، والمَوْضِعُ مَوْضِعُ خَفْضٍ، إلّا أنَّهُ فُتِحَ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ.

ومَن رَفَعَ، فالمَعْنى: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقالُ ذَرَّةٍ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ.

ويَجُوزُ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ المَعْنى ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ، ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عن رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ قَصْدُ الآيَةِ وصْفُ إحاطَةِ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى اللَفْظِ: وما تَكُونُ يا مُحَمَّدُ -والمُرادُ هو وغَيْرُهُ- في شَأْنٍ مِن جَمِيعِ الشُؤُونِ، ﴿ وَما تَتْلُو مِنهُ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "شَأْنٍ" أيْ فِيهِ وبِسَبَبِهِ مِن قُرْآنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْبِيهٌ، و ﴿ تُفِيضُونَ ﴾ : تَأْخُذُونَ وتَنْهَضُونَ بِجِدٍّ، يُقالُ: أفاضَ الرَجُلُ في سَيْرِهِ وفي حَدِيثِهِ، ومِنهُ الإفاضَةُ في الحَجِّ، ومُفِيضُ القِداحِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ "فاضَ" عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ.

و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ حَتّى يَخْفى، حَتّى قالُوا لِلْبَعِيدِ: عازِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَوازِبُ لَمْ تَسْمَعْ نُبُوحَ مُقامَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَرَ نارًا تِمَّ حَوْلٍ مُجَرَّمِ وقِيلَ لِلْغائِبِ عن أهْلِهِ: عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وفي السِيَرِ أنَّ بَيْتَ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ كانَ يُقالُ لَهُ: بَيْتُ العُزّابِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "يَعْزُبُ" بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ مِنهُمْ: "يَعْزِبُ" بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِالضَمِّ والكَسْرِ لُغَةٌ.

والمِثْقالُ: الوَزْنُ، وهو اسْمٌ لا صِفَةٌ كَمِعْطارٍ ومِضْرابٍ، والذَرُّ: صِغارُ النَمْلِ، جَعَلَها اللهُ مِثالًا إذْ لا يُعْرَفُ في الحَيَوانِ المُتَغَذِّي المُتَناسِلِ المَشْهُورِ النَوْعِ والمَوْضِعِ أصْغَرُ مِنهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، وأكْثَرُ السَبْعَةِ: "وَلا أصْغَرَ" "وَلا أكْبَرَ" بِفَتْحِ الراءِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ لَكِنْ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ امْتِناعُ الصَرْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلا أصْغَرُ" "وَلا أكْبَرُ" عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِثْقالِ"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: وما يَعْزُبُ عن رَبِّكِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، والكِتابُ المُبِينُ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ، كَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَحْصِيلَ الكَتَبَةِ، ويَكُونُ القَصْدُ ذِكْرَ الأعْمالِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وتَقْدِيمُ الأصْغَرِ في التَرْتِيبِ جَرى عَلى قَوْلِهِمُ:القَمَرَيْنِ والعُمَرَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً  ﴾ ، والقَصْدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهُ الأقَلِّ، وأنَّ الحُكْمَ المَقْصُودَ إذا وقَعَ عَلى الأقَلِّ فَأحْرى أنْ يَقَعَ عَلى الأعْظَمِ.

و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، وأولِياءُ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ والَوْهُ بِالطاعَةِ والعِبادَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أولِياءِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَنْبِيهَ حَذَرًا مِن بَعْضِ الوَصْفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ: عن أولِياءِ اللهِ؟

فَقالَ: "الَّذِينَ إذا رَأيْتَهم ذَكَرْتَ اللهَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وصْفٌ لازِمٌ لِلْمُتَّقِينَ لِأنَّهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِعُونَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أيْضًا أنَّهُ قالَ:« "أولِياءُ اللهِ قَوْمٌ تَحابُّوا في اللهِ واجْتَمَعُوا في ذاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهم قَرابَةٌ ولا مالٌ يَتَعاطَوْنَهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أيْ: لا يَهْتَمُّونَ بِهَمِّها، ولا يَخافُونَ عَذابًا ولا عِقابًا ولا يَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ ذَلِكَ في الدُنْيا، أيْ: لا يَخافُونَ أحَدًا مِن أهْلِ الدُنْيا ولا مِن أعْراضِها، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والعُمُومُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ، لا يَخافُونَ في الآخِرَةِ جُمْلَةً، ولا في الدُنْيا الخَوْفَ الدُنْيَوِيَّ الَّذِي هو في فَوْتِ آمالِها، وزَوالِ مَنازِلِها، وكَذَلِكَ في الحُزْنِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِثْلَ ما في الحَدِيثِ مِنَ الأولِياءِ الَّذِينَ إذا رَآهم أحَدٌ ذَكَرَ اللهَ، ورُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ: « "إنَّ أولِياءَ اللهِ هم قَوْمٌ يَتَحابُّونَ في اللهِ، وتُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرُ مِن نُورٍ، وتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ"».

ورُوِيَ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "إنَّ مِن عِبادِ اللهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللهِ، قالُوا: ومَن هم يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ" الحَدِيثُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "الأولِياءِ".

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الَّذِينَ"، وكَثِيرًا ما يُفْعَلُ ذَلِكَ بِنَعْتِ ما عَمِلَتْ فِيهِ "إنَّ" إذا جاءَ بَعْدَ خَبَرِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ( هُمُ البُشْرى )، وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في تَقْوى الشِرْكِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معطوفة على جملة ﴿ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ﴾ [يونس: 60] عطفَ غرض على غرض، لأن فصل الغرض الأول بالتذييل دليل على أن الكلام قد نقل إلى غرض آخر، وذلك الوعدُ بالثواب للرسول على ما هو قائم به من تبليغ أمر الله وتدبير شؤون المسلمين وتأييد دين الإسلام، وبالثواب للمسلمين على اتباعهم الرسول فيما دعاهم إليه.

وجاء هذا الوعد بطريقة التعريض بحصول رضى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ لأنهم يعلمون أن عملهم وعمل النبي ما كان إلا في مرضاة الله، فهو كقوله تعالى: ﴿ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ﴾ .

ويتضمن ذلك تنويهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم في جليل أعماله وتسلية على ما يُلاقيه من المشركين من تكذيب وأذى، لأن اطلاع الله على ذلك وعلمه بأنه في مرضاته كاف في التسلية، كقوله: ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾ [الطور: 48]، ولذلك توجه الخطاب ابتداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم توجه إليه وإلى من معه من المسلمين.

و ﴿ ما ﴾ الأولى و ﴿ ما ﴾ الثانية نافيتان.

والشأن: العمل المهم والحال المهم.

و(في) للظرفية المجازية التي بمعنى شدة التلبس.

وضمير (منه) إما عائد إلى (شأن)، أي وما تتلو من الشَّأن قرآناً فتكون (مِن) مبينة ل (ما) الموصولة أو تكون بمعنى لام التعليل، أي تتلو من أجل الشأن قرآناً.

وعَطْف ﴿ وما تتلو ﴾ من عطف الخاص على العام للاهتمام به، فإن التلاوة أهم شؤون الرسول عليه الصلاة والسلام.

وإما عائد إلى ﴿ قرآن ﴾ ، أي وما تتلو من القرآن قرآناً، فتكون ﴿ منه ﴾ للتبعيض، والضمير عائد إلى مؤخر لتحصيل التشويق إليه حتى يتمكن في نفس السامع.

وواو (تتلو) لام الكلمة، والفعل محتمل لضمير مفرد لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم فيكون الكلام قد ابتدئ بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم التي منها ما هو من خواصّه كقيام الليل، وثُنِّي بما هو من شؤونه بالنسبة إلى الناس وهو تلاوة القرآن على الناس، وثُلِّث بما هو من شؤون الأمة في قوله: ﴿ ولا تعمَلون من عمل ﴾ فإنه وإن كان الخطاب فيه شاملاً للنبيء صلى الله عليه وسلم إلا أن تقديم ذكر شأن في أول الآية يخصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ تَعملون ﴾ فلا يبقى مراداً منه إلا ما يعمله بقية المسلمين.

ووقع النفي مرتين بحرف (ما) ومرة أخرى بحرف (لا) لأن حرف (ما) أصله أن يخلص المضارع للحال، فقصد أولاً استحضار الحال العظيم من شأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن قراءته القرآن، ولما نفي عمل الأمة جيء بالحرف الذي الأصل فيه تخليصه المضارع للاستقبال للتثنية من أول الكلام على استمرار ذلك في الأزمنة كلها.

ويعلم من قرينة العموم في الأفعال الثلاثة بواسطة النكرات الثلاث المتعلقة بتلك الأفعال والواقعة في سياق النفي أن ما يحصل في الحال وما يحصل في المستقبل من تلك الأفعال سواءٌ، وهذا من بديع الإيجاز والإعجاز.

وكذلك الجمع بين صيغ المضارع في الأفعال المعممة ﴿ تكونُ وتتلو وتعملون ﴾ وبين صيغة الماضي في الفعل الواقع في موضع الحال منها ﴿ إلاَّ كنا ﴾ للتنبيه على أن ما حصل ويحصل وسيحصل سواء في علم الله تعالى على طريقة الاحتباس كأنه قيل: وما كنتم وتكون وهكذا، إلاَّ كنا ونكون عليكم شهودا.

و ﴿ من عمل ﴾ مفعول ﴿ تعملون ﴾ فهو مصدر بمعنى المفعول وأدخلت عليه (من) للتنصيص على التعميم ليشمل العمل الجليل والحقير والخير والشر.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاَّ كنا عليكم شهوداً ﴾ استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الشأن وعموم التلاوة وعموم العَمل، أي إلا في حالة علمْنا بذلك، فجملة ﴿ كنا عليكم ﴾ في موضع الحال.

ووجود حرف الاستثناء أغنى عن اتصال جملة الحال بحرف (قد) لأن الربط ظاهر بالاستثناء.

والشهود: جمع شاهد.

وأخبر بصيغة الجمع عن الواحد وهو الله تعالى تبعاً لضمير الجمع المستعمل للتعظيم، ومثله قوله تعالى: ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ [الأنبياء: 104].

ونظيره في ضمير جماعة المخاطبين في خطاب الواحد في قول جعفر بن عُلبة الحارثِي: فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم *** لشيء ولا أني من الموت أفرق وذلك استعارة بتشبيه الواحد بالجماعة في القوة لأن الجماعة لا تخلو من مزايا كثيرة موزعة في أفرادها.

والشاهد: الحاضر، وأطلق على العالم بطريقة المجاز المرسل ولذلك عدي بحرف (على).

و ﴿ إذْ ﴾ ظرف، أي حين تفيضون.

والإفاضة في العمل: الاندفاع فيه، أي الشروع في العمل بقوة واهتمام، وهذه المادة مؤذنة بأن المراد أعمالهم في مرضاة الله ومصابرتهم على أذى المشركين.

وخصت هذه الحالة وهذا الزمان بالذكر بعد تعميم الأعمال اهتماماً بهذا النوع فهو كذكر الخاص بعد العام، كأنه قيل: ولا تعملون من عمللٍ مَّا وعمللٍ عظيممٍ تفيضون فيه إلا كنا عليكم شهوداً حين تعملونه وحين تفيضون فيه.

وجملة: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ الخ عطف على جملة: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ ، وهي بمنزلة التذييل لما فيها من زيادة التعميم في تعلق علم الله تعالى بجميع الموجودات بعد الكلام على تعلقه بعمل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.

والعزوب: البعد، وهو مجاز هنا للخفاء وفواتتِ العلم، لأن الخفاء لازم للشيء البعيد، ولذلك علق باسم الذات دون صفة العلم فقال: ﴿ عن ربك ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ يعزب ﴾ بضم الزاي، وقرأه الكسائي بكسر الزاي وهما وجهان في مضارع (عزب).

و (من) في قوله: ﴿ من مثقال ذرة ﴾ مزيدة لتأكيد عموم النفي الذي في ﴿ ما يعزب ﴾ .

والمِثقال: اسم آلة لما يعرف به مقدار ثِقَل الشيء فهو وزن مِفعال من ثَقُل، وهو اسم لصنج مقدر بقدر معين يوزن به الثقل.

والذرة: النملة الصغيرة، ويطلق على الهباءة التي ترى في ضوء الشمس كغبارٍ دقيق جداً، والظاهر أن المراد في الآية الأولُ.

وذُكرت الذرة مبالغة في الصغر والدقة للكناية بذلك عن إحاطة العلم بكل شيء فإن مَا هو أعظم من الذرة يكون أولى بالحكم.

والمراد بالأرض والسماء هنا العالم السفلي والعالم العلوي.

والمقصود تعميم الجهات والأبعاد بأخصر عبارة.

وتقديم الأرض هنا لأن ما فيها أعلق بالغرض الذي فيه الكلام وهو أعمال الناس فإنهم من أهل الأرض بخلاف ما في سورة [سبأ: 3] ﴿ عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ﴾ فإنه لما كان المقام لذكر علم الغيب والغيب ما غاب عن الناس ومعظمه في السماء لاءم ذلك أن قدمت السماء على الأرض.

وعطف ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ على ﴿ ذرة ﴾ تصريحاً بما كني عنه بمثقال ذرة من جميع الأجرام.

و ﴿ أصغر ﴾ بالفتح في قراءة الجمهور ممنوعاً من الصرف لأنه معطوف على ﴿ ذرة ﴾ المجرور على أنَّ ﴿ لا ﴾ مقحمة لتأكيد النفي.

وجوز أن يكون العطف عطف جملة وتكون ﴿ لا ﴾ نافية للجنس ﴿ وأصغر ﴾ اسمها مبنياً على الفتح فيكون ابتداء كلام.

وقرأ حمزة وخلف ويعقوب ﴿ ولا أصغرُ ولا أكبرُ ﴾ برفعهما باعتبار عطف ﴿ أصغر ﴾ على محل ﴿ مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ في المعنى، وكسرته كسرة جر الحرف الزائد وهو وجه من فصيح الاستعمال، أو باعتبار عطف الجملة على الجملة وتكون ﴿ لا ﴾ نافية عاملة عمل ليس و ﴿ أصغر ﴾ اسمها.

والاستثناء على الوجهين الأوَّلين من قراءتي نصب ﴿ أصغرَ ﴾ ورفعه استثناء منقطع بمعنى (لكن)، أي لا يعزب ذلك ولكنه حاضر في كتاب، وجوز أن يكون استثناء متصلاً من عموم أحوال عزوب مثقال الذرة وأصغرَ منها وأكبر.

وتأويله أن يكون من تأكيد الشيء بما يشبه ضده.

والمعنى لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في حال كونه في كتاب مُبين، أي إلا معلوماً مكتوباً ويعلم السامع أن المكتوب في كتاب مبين لا يمكن أن يعزب، فيكون انتفاء عزوبه حاصلاً بطريق برهاني.

والمجرور على هذا كله في محل الحال، وعلى الوجهين الأخيرين من القراءتين يكون الاستثناء متصلاً والمجرور ظرفاً مستقلاً في محل خبر (لا) النافية فهو في محل رفع أو في محل نصب، أي لا يوجد أصغر من الذرة ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله تعالى: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ [الأنعام: 59].

والكتاب: علم الله، استعير له الكتاب لأنه ثابت لا يخالف الحق بزيادة ولا نقصان.

ومبين: اسم فاعل من أبان بمعنى بان، أي واضح بيّن لا احتمال فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْل اللَّه وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، ورَحْمَتَهُ تَوْفِيقُهُ.

الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ والتَّوْفِيقِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِالإسْلامِ والقُرْآنِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: فَلْتَفْرَحْ قُرَيْشٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وعَلَّمَهُ القُرْآنَ ثُمَّ شَكا الفاقَةَ كَتَبَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ قال: إذ تفعلون.

وأخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وما يعزب ﴾ قال: ما يغيب.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ﴾ قال: لا يغيب عنه وزن ذرة ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ﴾ قال: هو الكتاب الذي عند الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ الآية، قال الفراء: (ما) هاهنا جحد لا موضع لها (١) قال الأخفش: وتقول ما شأنتُ شأنه أي: ما عملت عمله (٢) وقال غيره: يقال: أتاني فلان وما شأنتُ شأنه، إذا لم تكترث له (٣) (٤) (٥) (٦) قال ابن عباس: (وما تكون) يا محمد (في شأن) يريد من أعمال البر (٧) وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا، وحوائجك فيها (٨) (٩) يا طالب الجود [إن الجود] (١٠) (١١) أي ولا من قصدك الجود، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ ﴾ اختلفوا في الكناية في (منه)، فقيل: إنه كناية عن القرآن (١٢) ﴿ مِنْ قُرْآنٍ ﴾ أي من (١٣) ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ  ﴾ والمعنى وما تتلو من القرآن من سورة.

وقال بعض أهل المعاني: ذكر القرآن بالإضمار ثم بالإظهار لتفخيم ذكره، على نحو قوله: ﴿ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ ، قال ابن عباس: خاطبه وأمته جميعًا (١٩) ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو ﴾ خطاب للنبي  ، وأمته داخلون فيه، ومعنيون به، ومعروف عندهم أن يخاطب الرئيس والمراد هو وأتباعه إذ كان هو زعيمهم، يدل على هذا قوله ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ ، ثم جمع في قوله: ﴿ وَلَا تَعْمَلُونَ ﴾ ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين الذين أفردا (٢٠)  (٢١) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ﴾ ، قال الفراء: يقول: الله شاهد على كل شيء، وهو كقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ يقول: إلا هو شاهدهم (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ ، معنى الإفاضة هاهنا: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه، وهو الانبساط في العمل، قال ابن الأنباري: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ إذ تندفعون فيه وتنبسطون في ذكره، يقال: قد أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال الزجاج: إذ تنتشرون فيه، وأفاض القوم في الحديث: إذا انتشروا فيه (٢٨) (٢٩) وقال ابن عباس: يقول الله تعالى: شهدت ذلك منكم إذ تأخذون فيه (٣٠) قال صاحب النظم: (إذ) هاهنا بمعنى حين، ولذلك جاز في المستقبل، والمعنى حين تفيضون فيه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ أي: وما يبعد وما يغيب، قاله ابن عباس (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ أي وزن ذرة، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، والمعنى: ما يزن ذرة، والذر صغار النمل، واحدها ذرة (٣٦) ﴿ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ ﴾ ويقرآن بالرفع (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ  ﴾ ، [هود: 50، 61، 84]، [المؤمنون: 23، 32] وغَيْرِهِ (٤٠) (٤١) وشرحه أبو علي الفارسي فقال: من فتح الراء من ﴿ وَلَا أَصْغَرَ ﴾ ، ﴿ وَلَا أَكْبَرَ ﴾ ؛ فلأن (أفعل) في الموضعين في موضع جر؛ لأنه صفة للمجرور الذي هو (مثقال)، وإنما فتح لأن (أفعل) إذا اتصل به (من) كان صفة، [وإذا كان صفة] (٤٢) (٤٣) ﴿ مِن مِّثقَالِ ﴾ الجار والمجرور فيه في موضع رفع، كما كان (٤٤) ﴿ كَفَى بِاللَّهِ ﴾ (٤٥) ألم يأتيك والأنباء تنمي ...

بما لاقت ..............

(٤٦) ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ وقوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ ، وقول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٤٧) قال: وقد يجوز أن يعطف قوله: ﴿ وَلَا أَصْغَرَ ﴾ على ﴿ ذَرَّةٍ ﴾ فيكون التقدير: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا مثقال أصغر، فإذا حمل على هذا لم يجز فيه إلا الجر؛ لأنه لا موضع للذرة غير لفظها كما كان لقوله: ﴿ مِنْ مِثْقَالِ ﴾ (٤٨) ﴿ ذَرَّةٍ ﴾ وجب أن يكون مجرورًا (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: اللوح المحفوظ (٥١) ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  ﴾ مشروحًا، وذكر أبو علي الجرجاني هاهنا فصلاً لابد من الوقوف عليه وهو أنه قال: قول: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا أَكْبَرَ ﴾ كلام تام نفى الله عز وجل (٥٢) (٥٣) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ خبرآخر منقطع بما قبله؛ لأنه لو كان متصلًا بما قبله فيكون محققًا من قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ ؛ وجب أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ نفيًا منتظرًا له تحقيق، وإذا كان النفي منتظرًا له التحقيق كان نفيًا (٥٤) ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ متصلًا بقوله: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ لوجب أن يكون قد عزب عن الله أو يعزب عنه مثقال ذرة وأصغر وأكبر (٥٥) (٥٦) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ فيكون ما يعزب عنه من ذلك مستدركًا في الكتاب وفي هذا ما فيه، ونظيره من الكلام قول القائل (ما يغيب عني زيد إلا في بيته)، فالغيبة واجبة بهذه الحال.

وإذا كان كان آخر الكلام منقطعًا من الأول لم يؤد (٥٧) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ \[أي: وهو أيضًا في كتاب مبين\] (٥٨) ﴿ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ  ﴾ يعني ومن ظلم، وقوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ معنى (إلا) هاهنا: واو النسق، وأضمر بعده (هو)، والعرب تضمر (هو) وما يتصرف منه كقوله: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ  ﴾ ، أي: هي حطة، وقوله: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ  ﴾ أي: هم ثلاثة، ومما جاء من (٦٣) ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا يَابِسٍ ﴾ فهذا تمام، ثم قال: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ \[المعنى: وهو في كتاب مبين\] (٦٤) وذكر أبو إسحاق على قراءة من قرأ (ولا أصغرُ، ولا أكبرُ) رفعًا وجهًا للرفع سوى ما ذكرنا يستغنى فيه عن هذا التطويل الذي ذكره الجرجاني، وهو (٦٥) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (٦٦) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ خبر المبتدأ، وهذا مستقيم، ولكن لا يستقيم هذا الوجه في قراءة من قرأ بالفتح وهو قراءة أكثر القراء (٦٧) (١) اهـ.

كلام الفراء، "معاني القرآن" 1/ 470.

(٢) "الكشف والبيان" 7/ 18 أ، "تفسير الرازي" 17/ 121، والقرطبي 8/ 356، ولم يذكره الأخفش في كتابه "معاني القرآن" كما لم أجد من أشار إليه من أهل اللغة.

(٣) هذا قول الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (شأن) 3/ 1814.

(٤) "الصحاح" (شأن) 5/ 2142.

(٥) في (م): (الفسد)، وهو خطأ.

(٦) انظر: "تفسير ابن جرير" 17/ 121، والسمرقندي 2/ 103، والثعلبي 7/ 18 أ.

(٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 121.

(٨) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 121، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 551.

(٩) "مقاييس اللغة" 3/ 238.

(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(١١) في (م): (الجودُ)، والصواب ما أثبته إذ هو مفعول به للمصدر (شأن) الذي هو بمعنى القصد كما بينه المؤلف.

(١٢) هذا قول ابن جرير 11/ 129، واحد قولي الزمخشري في "كشافه" 2/ 242.

(١٣) ساقط من (ح).

(١٤) وقد اعتمد هذا القول الزمخشري 2/ 242، وانظر: "الدر المصون" 6/ 228.

(١٥) هذا قول السمرقندي 2/ 103، والثعلبي 7/ 18 أ، والبغوي 4/ 139، وهو القول الآخر للزمخشري 2/ 242.

(١٦) هذا قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26، وذكره عن الفراء أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 65، ومكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 348.

(١٧) قال النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 65 بعد ذكر قول الفراء: وهذا كلام يحتاج إلى شرح، يكون المعنى: وما تتلو من الشأن، أي من أجل الشأن، أي يحدث شأن فيتلى من أجله القرآن ليعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26.

(١٩) "الوجيز" 1/ 502.

(٢٠) في (ى): (افردوا)، وهو خطأ.

(٢١) ذكر بعض قول ابن الأنباري هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 45، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 553.

(٢٢) "معاني القرآن" 1/ 470.

(٢٣) ساقط من (ى).

(٢٤) لم يذكره الفراء في "معاني القرآن"، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 552.

(٢٥) في (ى): (انتشروا).

(٢٦) في (م): (فتعرفوا)، وفي (ح) و (ز): (فنفروا)، وأثبت ما في (ى) لأمرين: أ- ما جاء في "تهذيب اللغة" (فاض) ونصه: كل ما في اللغة من باب الإفاضة فليس يكون إلا عن تفرق وكثرة.

ب- موافقته لـ"تفسير الرازي"، وهو كثير النقل من "البسيط".

(٢٧) ذكره مختصرًا البغوي 4/ 139، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 552.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26.

(٢٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 18/ أ، والقرطبي 8/ 356.

(٣٠) رواه بمعناه مختصرًا ابن جرير 11/ 129، وابن أبي حاتم 6/ 1962، والثعلبي 7/ 18 أ، وذكره بلفظه مختصرًا المؤلف في "الوسيط" 2/ 552.

(٣١) رواه ابن أبي حاتم 6/ 1963، والثعلبي 7/ 18 أ، وانظر كتاب "غريب القرآن" لابن عباس ص 48.

(٣٢) انظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 171، ولابن قتية ص 203، "تفسير ابن جرير" 11/ 131، "نزهة القلوب" للسجستاني ص 498، "تفسير الثعلبي" 7/ 18 أ.

(٣٣) في (ى): (العزب).

(٣٤) ساقط من (ى).

(٣٥) وقد قرأ الكسائي بكسر الزاي، وقرأ الباقون بضمها.

انظر كتاب "السبعة" ص 328، "الغاية" ص 172، "النشر" 2/ 285.

(٣٦) انظر: "لسان العرب" (ذرر) 3/ 1494، وفيه أيضًا في نفس الموضع: وقيل: الذرة ليس لها وزن، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة.

(٣٧) قرأهما بالرفع حمزة ويعقوب وخلف، والباقون بالنصب.

انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.

(٣٨) في (ح): (واحد).

(٣٩) يعني بالجر والرفع، فجره باعتباره صفة لأحد، ورفعه باعتبار معنى (أحد) لأنك لو حذفت (من) لكان فاعلًا مرفوعًا.

(٤٠) قال الإمام ابن الجزري: قرأ أبو جعفر والكسائي (من إله غيره) بخفض الراء وكسر الهاء بعدها، والباقون بالرفع والضم حيث وقع.

"تقريب النشر" ص 115، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 286.

(٤١) "معاني القرآن" 1/ 470.

(٤٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٤٣) في (م): (وقال)، وهو خطأ.

(٤٤) في "الحجة": (كانا).

(٤٥) وقد وردت أيضًا في مواضع كثيرة مسبوقة بالواو.

(٤٦) وعجزه بتمامه: بما لاقت لبون بني زياد والبيت لقيس بن زهير، كما في "الأغاني" 17/ 131، "خزانة الأدب" 8/ 359، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 340، "شرح شواهد الشافية" ص 408، "الخصائص" 1/ 333.

وكان قيس هذا استاق إبل الربيع بن زياد العبسي وباعها بمكة؛ لأن الربيع كان قد أخذ منه درعًا ولم يردها عليه فقال قيس في ذلك قصيدة مطلعها هذا البيت.

(٤٧) عجز بيت وصدره: معاوي إننا بشر فأَسْجِح والبيت لعقبة أو عقيبة الأسدي كما في "خزانة الأدب" 2/ 260، "سر صناعة الإعراب" 1/ 131، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 300، "شرح شواهد المغني" 2/ 870، "كتاب سيبويه" 1/ 67، "لسان العرب" (غمز) 6/ 3296.

ومعنى الإسجاح: حسن العفو والتسهيل.

انظر: "لسان العرب" (سجح) (1944).

(٤٨) في "الحجة": من مثقال ذرة.

(٤٩) في "الحجة": وجب أن يكون (أصغر) مجرورًا.

(٥٠) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 285 بتصرف.

(٥١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 43، والمؤلف "الوسيط" 2/ 552،== وبنحوه رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عند تفسير آية الأنعام كما في "الدر المنثور" 3/ 29.

(٥٢) ساقط من (ح) و (ز).

(٥٣) في (ى): (تحقيق).

(٥٤) ساقط من (ح) و (ز).

(٥٥) في (ي): (أو أكبر أو أصغر).

(٥٦) ساقط من (م).

(٥٧) في (خ) و (ز): (يرد).

(٥٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٥٩) وقد كتب نساخ (ح) و (ز) و (ى) و (ص) الآية هكذا: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ وأسقط ناسخ (م) لفظ (للناس) ولا توجد آية بأحد هذين اللفظين، وفي قول الله تعالى: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا  ﴾ ، ودلالة السياق تدل على أن المؤلف أراد آية سورة البقرة وعندها ذكر أبو عبيدة مذهبه.

(٦٠) انظر قول أبي علي الجرجاني في "تفسير الرازي" 17/ 124، "الدر المصون" 6/ 231 مختصرًا، وقال الرازي: هذا الوجه في غاية التعسف.

اهـ.

وقال السمين الحلبي: هذا الذي قاله الجرجاني ضعيف جدًا، ولم يثبت ذلك بدليل صحيح.

(٦١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 60، وانظر أيضًا: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 162 فهو يجيز أن تكون (إلا) بمنزلة الواو.

(٦٢) انظر النسخة الأزهرية 1/ 97 أ.

(٦٣) ساقط من (ى).

(٦٤) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).

(٦٥) في (ح) و (ز): (وهذا).

(٦٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26 بمعناه.

(٦٧) سبق تخريج القراءة عند أول تفسير الجملة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ الشأن الأمر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها: وما تعملون من عمل بمخاطبة الجماعة، ومعنى الآية: إحاطة علم الله بكل شيء ﴿ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: ما تتلو شيئاً من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، والأول أرجح، لأن الاضمار قبل الذكر تفخيم للشيء ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ يقال: أفاض الرجل في الأمر إذا أخذ فيه بجدّ ﴿ وَمَا يَعْزُبُ ﴾ ما يغيب ﴿ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ وزنها والذرة صغار النمل، قال الزمخشري: إن قلت لم قدمت الأرض على السماء بخلاف سورة سبأ؟

فالجواب: أن السماء تقدمت في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ ﴾ من قرأهما بالفتح فهو عطف على لفظ مثقال، ومن قرأهما بالرفع فهو عطف على موضعه أو رفع بالابتداء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: في شأن: في أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ أي: في عبادة.

﴿ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ : تبلغهم به الرسالة.

﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾ : يخاطب نبيه تنبيهاً منه وإيقاظاً والمراد منه هو وغيره، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ ﴾ من عمل عمهم جميعاً في ذلك، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبداً منتبهين [متيقظين ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ تأخذون فيه وتخوضون فيه.

وقيل: تقولون فيه.] وقيل: يكثرون فيه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ في الحق، ويحتمل في الدين، ويحتمل في القرآن، ويحتمل في رسول الله؛ يقول: أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول الله، أو في دينه، أو فيما يتلو عليكم.

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : لا يعزب، [أي: لا يغيب] عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا نهي ولا كلفة، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب عنه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هو تحذير وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح؛ لأن الوعيد على وجهين: أحدهما: على التمثيل، والآخر على التقرير في عينه وتصريح.

وقوله - عز وجل - ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ قيل: ما قل وما كثر إلا في كتاب، أي: إلا في اللوح المحفوظ [مبين]، ويحتمل إلا في كتاب مبين، أي: في الكتب المنزلة من السماء والله أعلم.

وقال أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ : أي تنتشرون، وتأويله ولا تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهوداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا أولياء الله، وإذا كانوا أولياء الله لكان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن [دل أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - والله أعلم -:] ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما يكون لأهل الدنيا في الدنيا من الخوف والحزن، إنما خوفهم وحزنهم لعاقبتهم، ويشبه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الجنة، وهكذا يكون إذا دخلوا الجنة يأمنون عن جميع ما ينقصهم.

وقال بعضهم: ﴿ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ ﴾ هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد لأهل التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعاً، لا لأهل الاعتقاد خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الرؤيا الصالحة؛ وعلى ذلك رويت الأخبار عن رسول الله  أنه سئل عن هذه الآية ففسر بالرؤيا الصالحة، فإن ثبت فهو الحق.

وقال بعضهم: لا تحتمل الرؤيا الصالحة [؛ لأنه نسق البشرى في الآخرة على البشرى في الحياة الدنيا، ولا شك أنه لا يكون في الآخرة الرؤيا الصالحة،] ولكن إن ثبت ما ذكرنا من الخبر؛ فهو ذلك.

ويشبه أن يكون البشارة التي ذكر هاهنا؛ نحو قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ...

﴾ الآية [الزمر: 17-18]، وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، وأمثال ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: لهم البشرى في الحياة الدنيا تبشرهم الملائكة عند الموت وفي الآخرة الجنة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل لا تبديل لكلمات الله من وعده ووعيده، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل.

ويحتمل ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد وغيره.

ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات؛ كقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً  ﴾ وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا تبديل للبشرى التي ذكر لهؤلاء الذين تقدم ذكرهم.

ويحتمل لا تبديل لحجج الله وبراهينه، أو لا تبديل لوعيد الله ووعده ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ أي: تلك البشرى هي الفوز العظيم، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم؛ إذ لا خوف بعده.

وقال بعضهم من أهل التأويل: لا خوف عليهم من النار، ولا هم يحزنون أن يخرجوا من الجنة أبداً، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يحتمل قولهم: ما قالوا في الله بما لا يليق به من الولد والشريك؛ يقول: لا يحزنك ذلك ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه مفترى، أو قالوا في رسول الله  : إنه ساحر وإنه يفتري على الله كذباً.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ مكرهم الذي مكروا به، وكيدهم الذي كادوه، يؤيد ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: إن العزة في المكر والكيد لله؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً  ﴾ أي: مكره ينقض مكرهم ويمنعه، وكيده يفسخ كيدهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: ينقض جميع ما يمكرون بك ويكيدونك، و ﴿ ٱلْعِزَّةَ ﴾ القوة؛ يقول: إن القوة لله ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كيدهم ومكرهم الذي هموا بك.

﴿ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : [لقولهم] الذي قالوه العليم بمصالحهم، أو السميع المجيب للدعاء العليم بما يكون منهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما تكون -أيها الرسول- في أمر من الأمور، وما تقرأ من قرآن، وما تعملون -أيها المؤمنون- من عمل إلا كنا نراكم عالمين بكم ونسمعكم حين تشرعون في العمل مندفعين فيه، وما يغيب عن علم ربك وزن ذرة في السماء أو في الأرض، ولا أصغر من وزنها ولا أكبر، إلا وهو مسجل في كتاب واضح لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

من فوائد الآيات عظم ما ينتظر المشركين بالله من عذاب، حتَّى إنهم يتمنون دفعه بكل ما في الأرض، ولن يُقْبلَ منهم.

القرآن شفاء للمؤمنين من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات بما فيه من الهدايات والدلائل العقلية والنقلية.

ينبغي للمؤمن أن يفرح بنعمة الإسلام والإيمان دون غيرهما من حطام الدنيا.

دقة مراقبة الله لعباده وأعمالهم وخواطرهم ونياتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.r8aZB"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله