الآية ٨٣ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٨٣ من سورة يونس

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى ، عليه السلام ، مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات ، إلا قليل من قوم فرعون ، من الذرية - وهم الشباب - على وجل وخوف منه ومن ملئه ، أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر ؛ لأن فرعون كان جبارا عنيدا مسرفا في التمرد والعتو ، وكانت له سطوة ومهابة ، تخاف رعيته منه خوفا شديدا .

قال العوفي : عن ابن عباس : ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ) قال : فإن الذرية التي آمنت لموسى ، من أناس غير بني إسرائيل ، من قوم فرعون يسير ، منهم : امرأة فرعون ، ومؤمن آل فرعون ، وخازن فرعون ، وامرأة خازنه .

وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ) يقول : بني إسرائيل .

وعن ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة ( الذرية ) : القليل .

وقال مجاهد في قوله : ( إلا ذرية من قومه ) يقول : بني إسرائيل .

قال : هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى ، من طول الزمان ، ومات آباؤهم .

واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية : أنها من بني إسرائيل لا من قوم فرعون ، لعود الضمير على أقرب المذكورين .

وفي هذا نظر ؛ لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل ، فالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى ، عليه السلام ، واستبشروا به ، وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة ، وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه ؛ ولهذا لما بلغ هذا فرعون حذر كل الحذر فلم يجد عنه شيئا .

ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى ، و ( قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) [ الأعراف : 129 ] .

وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى ، وهم بنو إسرائيل ؟

.

( على خوف من فرعون وملئهم ) أي : وأشراف قومهم أن يفتنهم ، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان سوى قارون ، فإنه كان من قوم موسى ، فبغى عليهم ؛ لكنه كان طاويا إلى فرعون ، متصلا به ، متعلقا بحباله ومن قال : إن الضمير في قوله : ( وملئهم ) عائد إلى فرعون ، وعظم الملك من أجل اتباعه أو بحذف " آل " فرعون ، وإقامة المضاف إليه مقامه - فقد أبعد ، وإن كان ابن جرير قد حكاهما عن بعض النحاة .

ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلم يؤمن لموسى ، مع ما أتاهم به من الحجج والأدلّة (إلا ذرية من قومه ) خائفين من فرعون وملئهم.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى الذرية في هذا الموضع.

فقال بعضهم: الذرية في هذا الموضع: القليل.

*ذكر من قال ذلك: 17774- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه) ، قال، كان ابن عباس يقول: " الذرية ": القليل.

17775- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) ، " الذرية "، القليل، كما قال الله تعالى: كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [سورة الأنعام: 133] * * * وقال آخرون: معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل لطول الزمان، لأن الآباء ماتوا وبقي الأبناء، فقيل لهم " ذرية "، لأنهم كانوا ذرية من هلك ممن أرسل إليهم موسى عليه السلام.

(12) *ذكر من قال ذلك: 17776- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم من طول الزمان ، ومات آباؤهم.

17777- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، 17778- وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

17779- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى ، من طول الزمان ومات آباؤهم.

17780- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن الأعمش: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) ، قال: أبناء أولئك الذين أرسل إليهم ، فطال عليهم الزمان وماتت آباؤهم.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون.

*ذكر من قال ذلك: 17781- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) ، قال: كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل ، من قوم فرعون يسير، منهم : امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.

* * * وقد روي عن ابن عباس خبرٌ يدل على خلاف هذا القول، وذلك ما:- 17782- حدثني به المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (ذرية من قومه) ، يقول: بني إسرائيل.

* * * ، فهذا الخبر ، ينبئ عن أنه كان يرى أن " الذرية " في هذا الموضع ، (13) هم بنو إسرائيل دون غيرهم من قوم فرعون.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية، القولُ الذي ذكرته عن مجاهد، وهو أن " الذرية " ، في هذا الموضع أريد بها ذُرّية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرُّوا بنبوته لطول الزمان، فأدركت ذريّتهم ، فآمن منهم من ذكر الله ، بموسى.

وإنما قلت : " هذا القولُ أولى بالصواب في ذلك " ، لأنه لم يجر في هذه الآية ذكرٌ لغير موسى، فَلأن تكون " الهاء " ، في قوله : " من قومه " ، من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون ، لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليلٌ ، من خبرٍ ولا نظرٍ.

وبعدُ، فإن في قوله: (على خوف من فرعون وملئهم)، الدليلُ الواضح على أن الهاء في قوله: (إلا ذرية من قومه)، من ذكر موسى، لا من ذكر فرعون، لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام ، " على خوف منه "، ولم يكن (على خوف من فرعون) .

* * * وأما قوله: (على خوف من فرعون) ، فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرية قوم موسى بموسى ، فتأويل الكلام: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ، من بني إسرائيل ، وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم.

* * * وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: " فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه "، لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط، فقيل لهم " الذرية " ، من أجل ذلك، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم: " أبناء ".

(14) .

والمعروف من معنى " الذرية " في كلام العرب: أنها أعقاب من نسبت إليه من قبل الرجال والنساء، كما قال جل ثناؤه: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ، [سورة الإسراء: 3] ، وكما قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ثم قال بعد: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ ، [سورة الأنعام: 84، 85] ، فجعل من كان من قبل الرجال والنساء من ذرية إبراهيم.

* * * وأما قوله: (وملئهم)، فإن " الملأ ": الأشراف.

(15) وتأويل الكلام: على خوف من فرعون ومن أشرافهم.

* * * واختلف أهل العربية فيمن عُني بالهاء والميم اللتين في قوله: (وملئهم) ، فقال بعض نحويي البصرة: عُني بها الذرية.

وكأنّه وجَّه الكلام إلى: ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون) وملأ الذرِّية من بني إسرائيل.

* * * وقال بعض نحويي أهل الكوفة: (16) عني بهما فرعون.

قال: وإنما جاز ذلك وفرعون واحد، لأن الملك إذا ذكر بخوفٍ أو سفر أو قدوم من سفر ، (17) ذهب الوهم إليه وإلى من معه.

وقال: ألا ترى أنك تقول: " قدم الخليفة فكثر الناس "، تريد ، بمن معه ، " وقدم فغلت الأسعار " ، لأنك تنوي بقدومه قدوم من معه.

(18) * * * قال: وقد يكون أن تريد أن بـ " فرعون " آل فرعون، وتحذف " الآل " ، (19) فيجوز، كما قال: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، [سورة يوسف: 82] ، يريد أهل القرية، والله أعلم.

قال: ومثله قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ، [سورة الطلاق: 1].

(20) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: " الهاء والميم " عائدتان على " الذرية ".

ووجَّه معنى الكلام إلى أنه : على خوف من فرعون، وملأ الذرية ، لأنه كان في ذرية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيًا وأمه إسرائيلية.

فمن كان كذلك منهم، كان مع فرعون على موسى.

* * * وقوله: (أن يفتنهم) ، يقول: كان إيمان من آمن من ذرية قوم موسى على خوف من فرعون ، " أن يفتنهم " بالعذاب، فيصدّهم عن دينهم، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله.

(21) وقال: (أن يفتنهم) ، فوحَّد ولم يقل: " أن يفتنوهم "، لدليل الخبر عن فرعون بذلك : أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه ، لما قد تقدم من قوله: (على خوف من فرعون وملئهم).

* * * وقوله: (وإن فرعون لعال في الأرض) ، يقول تعالى ذكره: وإن فرعون لجبّارٌ مستكبر على الله في أرضه ، " وإنه لمن المسرفين "، وإنه لمن المتجاوزين الحقّ إلى الباطل، (22) وذلك كفره بالله وتركه الإيمان به ، وجحودُه وحدانية الله ، وادّعاؤه لنفسه الألوهة ، وسفكه الدماء بغير حِلِّها.

----------------------- الهوامش : (12) انظر تفسير " الذرية " فيما سلف 12 : 127 ، 128 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

وانظر تفسير بمعنى " القليل " في معاني القرآن للفراء 1 : 476 .

(13) في المطبوعة : " ينبئ عنه " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(14) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 476 .

(15) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 155 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(16) في المطبوعة : " نحويي الكوفة " ، وأثبت ما في المخطوطة " .

(17) في المطبوعة : "الخوف" ، والصواب من معاني القرآن للفراء .

أما المخطوطة فقد أسقط ناسخها وكتب : "لأن الملك ، وقال : ألا ترى" .

(18) في المطبوعة " : لأنا ننوي بقدومه .

.

.

" ، وفي المخطوطة : " لأنا ننوي بقدومه وقدوم من معه " ، وهو خطأ ، وأثبت ما في معاني القرآن للفراء .

(19) في المطبوعة ، " وبحذف " ، وفي المخطوطة : " فتحذف آل فرعون " ، وهو خطأ ، صوابه من معاني القرآن .

(20) هذا الذي مضى نص مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 476 ، 477 .

(21) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف من فهارس اللغة ( فتن ) .

(22) انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفينقوله تعالى فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه الهاء عائدة على موسى .

قال مجاهد : أي لم يؤمن منهم أحد ، وإنما آمن أولاد من أرسل موسى إليهم من بني إسرائيل ، لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء فآمنوا ; وهذا اختيار الطبري .

والذرية أعقاب الإنسان وقد تكثر .

وقيل : أراد بالذرية مؤمني بني إسرائيل .

قال ابن عباس : كانوا ستمائة ألف ، وذلك أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة [ ص: 277 ] ألف .

وقال ابن عباس أيضا : من قومه يعني من قوم فرعون ; منهم مؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأته وماشطة ابنته وامرأة خازنه .

وقيل : هم أقوام آباؤهم من القبط ، وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا باليمن وبلاد العرب الأبناء ; لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم ; قال الفراء .

وعلى هذا فالكناية في قومه ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات ، وإلى فرعون إذا كانوا من القبط .على خوف من فرعون لأنه كان مسلطا عليهم عاتيا ( وملئهم ) ولم يقل وملئه ; وعنه ستة أجوبة : أحدها : أن فرعون لما كان جبارا أخبر عنه بفعل الجميع .

الثاني : أن فرعون لما ذكر علم أن معه غيره ، فعاد الضمير عليه وعليهم ; وهذا أحد قولي الفراء .

الثالث : أن تكون الجماعة سميت بفرعون مثل ثمود .

الرابع : أن يكون التقدير : على خوف من آل فرعون ; فيكون من باب حذف المضاف مثل : ( واسأل القرية ) ، وهو القول الثاني للفراء .

وهذا الجواب على مذهب سيبويه والخليل خطأ ، لا يجوز عندهما قامت هند ، وأنت تريد غلامها .

الخامس : مذهب الأخفش سعيد أن يكون الضمير يعود على الذرية ، أي ملأ الذرية ; وهو اختيار الطبري .

السادس : أن يكون الضمير يعود على قومه .

قال النحاس : وهذا الجواب كأنه أبلغها .

" أن يفتنهم " : وحد " يفتنهم " على الإخبار عن فرعون ، أي يصرفهم عن دينهم بالعقوبات ، وهو في موضع خفض على أنه بدل اشتمال .

ويجوز أن يكون في موضع نصب ب خوف .

ولم ينصرف فرعون لأنه اسم أعجمي وهو معرفة .

وإن فرعون لعال في الأرض أي عات متكبر وإنه لمن المسرفين أي المجاوزين الحد في الكفر ; لأنه كان عبدا فادعى الربوبية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } أي: شباب من بني إسرائيل، صبروا على الخوف، لما ثبت في قلوبهم الإيمان.

{ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ } عن دينهم { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ } أي: له القهر والغلبة فيها، فحقيق بهم أن يخافوا من بطشته.

{ و } خصوصًا { إِنَّهُ } كان { لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ } أي: المتجاوزين للحد، في البغي والعدوان.

والحكمة -والله أعلم- بكونه ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، أن الذرية والشباب، أقبل للحق، وأسرع له انقيادًا، بخلاف الشيوخ ونحوهم، ممن تربى على الكفر فإنهم -بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة- أبعد من الحق من غيرهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فما آمن لموسى ) لم يصدق موسى مع ما آتاهم به من الآيات ، ( إلا ذرية من قومه ) اختلفوا في الهاء التي في " قومه " ، قيل : هي راجعة إلى موسى ، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر وخرجوا معه .

قال مجاهد : كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل ، هلك الآباء وبقي الأبناء .

وقال الآخرون : الهاء راجعة إلى فرعون .

روى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا ، منهم امرأة فرعون ، ومؤمن آل فرعون ، وخازن فرعون ، وامرأة خازنه ، وماشطته ، وعن ابن عباس رواية أخرى : أنهم كانوا سبعين ألف بيت من القبط من آل فرعون ، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله .

وقيل : هم قوم نجوا من قتل فرعون ، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة من بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا من القتل ، فنشئوا عند القبط ، وأسلموا في اليوم الذي غلبت السحرة .

قال الفراء : سموا ذرية ؛ لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل ، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين سقطوا إلى اليمن : الأبناء ، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم .

( على خوف من فرعون وملئهم ) قيل : أراد بفرعون آل فرعون ، أي : على خوف من آل فرعون وملئهم ، كما قال : " واسأل القرية " ( يوسف - 82 ) أي : أهل القرية .

وقيل : إنما قال : " وملئهم " وفرعون واحد ؛ لأن الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه ، كما يقال : قدم الخليفة ؛ يراد هو ومن معه .

وقيل : أراد ملأ الذرية ، فإن ملأهم كانوا من قوم فرعون .

( أن يفتنهم ) أي : يصرفهم عن دينهم ولم يقل يفتنوهم لأنه أخبر عن فرعون وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون ، ( وإن فرعون لعال ) لمتكبر ، ( في الأرض وإنه لمن المسرفين ) المجاوزين الحد ، لأنه كان عبدا فادعى الربوبية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فما آمن لموسى إلا ذرية» طائفة «من» أولاد «قومه» أي فرعون «على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم» يصرفهم عن دينه بتعذيبه «وإن فرعون لعال» متكبر «في الأرض» أرض مصر «وإنه لمن المسرفين» المتجاوزين الحد بادعاء الربوبية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فما آمن لموسى عليه السلام مع ما أتاهم به من الحجج والأدلة إلا ذرية من قومه من بني إسرائيل، وهم خائفون من فرعون وملئه أن يفتنوهم بالعذاب، فيصدُّوهم عن دينهم، وإن فرعون لَجبار مستكبر في الأرض، وإنه لمن المتجاوزين الحد في الكفر والفساد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الجمل : " قوله - سبحانه - ( فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ .

.

.

) .

لما ذكر الله - تعالى - ما أتى به موسى - عليه السلام - من المعجزات العظيمة الباهرة ، أخبر - سبحانه - أنه مع مشاهدة هذه المعجزات ، ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه .

وإنما ذكر الله هذا تسلية لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه ، وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإِيمان به ، واستمرارهم على الكفر والتكذيب ، فبين الله له أن له أسوة بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .

لأن ما جاء به موسى من المعجزات ، كان أمرا عظيما .

ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من قومه .والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يدل عليه السياق ، والتقدير : لقد أتى موسى - عليه السلام - بالمعزات التي تشهد بصدقه ، والتى على رأسها ، أن ألقى عصاه فإذا هى تتبلع ما فعله السحرة ، ومع كل تلك البراهين الدالى على صدقه ، فما آمن به إلا ذرية من قومه .والمراد بالذرية هنا : العدد القليل من الشباب ، الذين آمنوا بموسى ، بعد أن تخلف عن الإِيمان آباؤهم وأغنياؤهم .قال الآلوسى : قوله ( إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ) أى : إلا أولاد بعض بنى إسرائيل حيث دعا - عليه السلام - الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون ، وأجابته طائفة من شبابهم فالمراد من الذرية : الشبيان لا الأطفال .والضمير في قوله ( مِّن قَوْمِهِ ) يعود لموسى - عليه السلام - وعليه يكون المعنى :فما آمن لموسى - عليه السلام - فى دعوته إلى وحدانية الله ، إلا عدد قليل من شباب قومه بنى إسرائيل ، الذين كانوا يعيشون فى مصر ، والذين كان فرعون يسومهم سوء العذاب ، أما آباؤهم وأصحاب الجاه فيهم ، فقد انحازوا إلى فرعون طمعا فى عطائه ، وخوفا من بطشه بهم .ويرى بعض المفسرين أن الضمير فى قوله ( مِّن قَوْمِهِ ) يعود إلى فرعون لا إلى موسى .فيكون المعنى : فما آمن لموسى إلا عدد قليل من شباب قوم فرعون .قال ابن كثير ما ملخصه مرجحا هذا الرأى : " يخبر الله - تعالى - أنه لم يؤمن بموسى - عليه السلام - مع ما جاء به الآيات والحجج ، إلا قليل من قوم فرعون ، من الذرية - وهم الشباب - ، على وجل وخوف منه ومن ملئه .قال العوفى عن ابن عباس : " إن الذرية التي آمنت لموسى من قوم فرعون منهم : امرأته ، ومؤمن آل فرعون ، وخازنة ، وامرأة خازنه " .ثم قال : " واختار ابن جرير قول مجاهد فى الذرية ، أنها من بني إسرائيل ، لا من قوم فرعون .

لعود الضمير على أقرب مذكور .وفي هذا نظر ، لأن من المعروف أن بنى إسرائيل كلهم آمنوا بموسى .

واستبشروا به ، فقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به .وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل؟

.والذي نراه أن ما اختاره ابن جرير من عودة الضمير إلى موسى - عليه السلام - أرجح ، لأن هناك نوع خفاء في إطلاق كلمة الذرية على من آمن من قوم فرعون ، ومنهم زوجته ، وامرأة خازنه .ولأنه لا دليل على أن بنى إسرائيل كلهم قد آمنوا بموسى ، بل الحق أن منهم من آمن به ومنهم من كفر به ، كقارون والسامرى وغيرهما .ولأن رجوع الضمير إلى موسى - هو الظاهر المتبادر من الآية ، لأنه أقرب مذكور ، وليس هناك ما يدعو إلى صرف الآية الكريمة عن هذا الظاهر .ورحم الله ابن جرير فقد قال في ترجيحه لما ذهب إليه من دعوة الضمير إلى موسى - عليه السلام - ما ملخصه :وأولى هذه الأقوال عندى بتأويل الآية ، القول الذي ذكرته عن مجاهد وهو أن الذرية فى هذا الموضع ، أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بنى إسرائيل ، وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب ، لأنه لم يجر فى هذه الآية ذكر لغير موسى ، فلأن تكون الهاء فى قوله ( مِّن قَوْمِهِ ) من ذكر موسى لقربها من ذكره أولى من أن تكون من ذكر فرعون ، لبعد ذكره منها .ولأن فى قوله ( على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ) الدليل الواضح على أن الهاء في قوله ( إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ) من ذكر موسى لقربها من ذكره أولى من أن تكون من ذكر فرعون ، لبعد ذكره منها .وقوله : ( على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ) الدليل الواضح على أن الهاء فى قوله ( إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ) من ذكر موسى لا من ذكر فرعون ، لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام على خوف منه ، ولم يكن على خوف من فرعون .

.

"وقوله : ( على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ .

.

) حال من كلمة ( ذرية ) و ( على ) هنا بمعنى مع .

والضمير في قوله ( وَمَلَئِهِمْ ) يعود إلى ملأ الذرية ، وهم كبار بني إسرائيل الذين لاذوا بفرعون طمعا في عطائه أو خوفا من عقابه ولم يتبعوا موسى - عليه السلام - .والمعنى : فما آمن لموسى إلا عدد قليل من شباب قومه ، والحال أن إيمانهم كان مع خوف من فرعون ومن أشراف قومهم أن يفتنوهم عن دينهم ، أى : يعذبوهم ليحملوهم على ترك اتباع موسى - عليه السلام .والضمير فى ( يفتنهم ) يعود إلى فرعون خاصة ، لأنه هو الآمر بالتعذيب ولأن الملأ إنما كنوا يأتمرون بأمره ، وينتهون عن نهيه ، فهم كالآلة فى يده يصرفها كيف يشاء .وجملة ( أَن يَفْتِنَهُمْ ) فى تأويل مصدر ، بدل اشتمال من فرعون ، أى : على خوف من فرعون فتنته .وقوله : ( وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين ) اعتراض تذييلي مؤكد لمضمون ما قبله ، ومقرر لطغيان فرعون وعتوه .أى : وإن فرعون المتكبر متجبر فى أرض مصر كلها ، وإنه لمن المسرفين المتجاوزين لكل حد في الظلم والبغى وادعاء ما ليس له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة وما ظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر، ثم إنه تعالى بين أنهم مع مشاهدة المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية من قومه، وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر، فبين أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة، لأن الذي ظهر من موسى عليه السلام كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم، ومع ذلك فما آمن به منهم إلا ذرية.

واختلفوا في المراد بالذرية على وجوه: الأول: أن الذرية هاهنا معناها تقليل العدد.

قال ابن عباس: لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير، ولا سبيل إلى حمله على التقدير على وجه الإهانة في هذا الموضع فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد.

الثاني: قال بعضهم: المراد أولاد من دعاهم، لأن الآباء استمروا على الكفر، إما لأن قلوب الأولاد ألين أو دواعيهم على الثبات على الكفر أخف.

الثالث: أن الذرية قوم كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

الرابع: الذرية من آل فرعون آسية امرأة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطتها.

وأما الضمير في قوله: ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ فقد اختلفوا أن المراد من قوم موسى أو من قوم فرعون، لأن ذكرهما جميعاً قد تقدم والأظهر أنه عائد إلى موسى، لأنه أقرب المذكورين ولأنه نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل.

أما قوله: ﴿ على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: أن أولئك الذين آمنوا بموسى كانوا خائفين من فرعون جداً، لأنه كان شديد البطش وكان قد أظهر العداوة مع موسى، فإذا علم ميل القوم إلى موسى كان يبالغ في إيذائهم، فلهذا السبب كانوا خائفين منه.

البحث الثاني: إنما قال: ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ مع أن فرعون واحد لوجوه: الأول: أنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع، والمراد التعظيم قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ الثاني: أن المراد بفرعون آل فرعون.

الثالث: أن هذا من باب حذف المضاف كأنه أريد بفرعون آل فرعون.

ثم قال: ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ أي يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

ثم قال: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الارض ﴾ أي لغالب فيها قاهر ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين ﴾ قيل: المراد أنه كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في أمر من الأمور، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين، وقيل: إنما كان مسرفاً لأنه كان من أخس العبيد فادعى الإلهية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَمَا ءامَنَ لموسى ﴾ في أوّل أمره ﴿ إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ ﴾ إلاّ طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قيل: إلاّ أولاد من أولاد قومه.

وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف.

وقيل: الضمير في قومه لفرعون، والذرية: مؤمن آل فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه وماشطته.

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ ؟

قلت: إلى فرعون، بمعنى آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومضر.

أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له.

ويجوز أن يرجع إلى الذرية، أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم.

ويدلّ عليه قوله: ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ يريد أن يعذبهم ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض ﴾ لغالب فيها قاهر ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين ﴾ في الظلم والفساد، وفي الكبر والعتوّ بادعائه الربوبية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى ﴾ أيْ في مَبْدَإ أمْرِهِ.

﴿ إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ ﴾ إلّا أوْلادٌ مِن أوْلادِ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ دَعاهم فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ إلّا طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ والذُّرِّيَّةُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ آمَنُوا بِهِ، أوْ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ آسِيَةُ وخازِنُهُ وزَوْجَتُهُ وماشِطَتُهُ ﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ أيْ مَعَ خَوْفٍ مِنهم، والضَّمِيرُ لِـ ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ وجَمْعُهُ عَلى ما هو المُعْتادُ في ضَمِيرِ العُظَماءِ، أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ آلُهُ كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ، أوْ لِلْـ ﴿ ذُرِّيَّةٌ ﴾ أوْ لِلْقَوْمِ.

﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهم فِرْعَوْنُ، وهو بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَفْعُولُ خَوْفٍ وإفْرادُهُ بِالضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَوْفَ مِنَ المَلَإ كانَ بِسَبَبِهِ.

﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ لَغالِبٌ فِيها.

﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ واسْتَرَقَ أسْباطَ الأنْبِياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)

{فما آمن لموسى} فى أول امره {إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ} إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل كأنه قيل إلااولاد من أولاد قومه وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف أو الضمير في قومه لفرعون والذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنة وماشطته والضمير في {وملئهم} يرجع إلى فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر أولأنه ذو أصحاب يأتمرون له أو إلى الذرية أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم دليله قوله {أَن يَفْتِنَهُمْ} يريد أن يعذبهم فرعون {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض} لغالب فيها قاهر {وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين} في الظلم والفساد وفي الكبر والعتو بادعائه الربوبية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ فُصِّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أيْ ﴿ فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ﴾ إلَخْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ذَلِكَ وإيثارًا لِلْإيجازِ وإيذانًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ مَما لا يَحْتَمِلُ الخُلْفَ أصْلًا ولَعَلَّ عَطْفَهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ بِاعْتِبارِ الإيجابِ الحادِثِ الَّذِي هو أحَدُ مَفْهُومَيْ الحَصْرِ فَإنَّهم قالُوا: مَعْنى ما قامَ إلّا زِيدٌ قامَ زَيْدٌ ولَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ وبَعْضُهم لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ عَطْفَهُ بِالفاءِ عَلى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عَدَمًا مُسْتَمِرًّا مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ ﴾ وما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِحَسْبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ أيْ فَما آمَنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَبْدَأِ أمْرِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ أيْ إلّا أوْلادُ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ فالمُرادُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الشُّبّانُ لا الأطْفالُ.

و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلِابْتِداءِ والتَّبْعِيضُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّنْوِينِ والضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِفِرْعَوْنَ وبِهِ قالَ جَمْعٌ فالمُؤْمِنُونَ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِنهم زَوْجَتُهُ آسِيَةُ وماشِطَتُهُ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ والخازِنُ وامْرَأتُهُ وفي إطْلاقِ الذَّرِّيَّةِ عَلى هَؤُلاءِ نَوْعُ خَفاءٍ ورَجَّحَ بَعْضُهم إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وبِأنَّ المُناسِبَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ الإضْمارُ فِيما بَعْدُ ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّ المَعْرُوفَ في القَصَصِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في قَهْرِ فِرْعَوْنَ وكانُوا قَدْ بُشِّرُوا بِأنَّ خَلاصَهم عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَكُونُ نَبِيًّا صِفَتُهُ كَذا كَذا، فَلَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّبَعُوهُ ولَمْ يُعْرَفْ أنَّ أحَدًا مِنهم خالَفَهُ فالظّاهِرُ القَوْلُ الثّانِي وما ذُكِرَ مِن أنَّ المُحَدِّثَ عَنْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يُقابِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الكَلامَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُمُ القائِلُونَ إنَّهُ ساحِرٌ ولِأنَّ وعْظَ أهْلِ مَكَّةَ وتَخْوِيفَهُمُ المَسُوقَ لَهُ الآياتُ قاضٍ بِأنَّ المَقْصُودَ هُنا شَرْحُ أحْوالِهِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ لِلْبَحْثِ في هَذا مَجالًا والمَعْرُوفُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا لا يَضُرُّ القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ فَما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أخْفَوْهُ ولَمْ يُظْهِرُوهُ ﴿ عَلى خَوْفٍ ﴾ حالٌ مِن ذُرِّيَّةٍ و ﴿ عَلى ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ﴾ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ كائِنِينَ مَعَ خَوْفٍ عَظِيمٍ ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ والجَمْعُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ عَلى ما هو المُعْتادُ في ضَمائِرِ العُظَماءِ ورَدَ بِأنَّ الوارِدَ في كَلامِ العَرَبِ الجَمْعُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَنَحْنُ وضَمِيرِ المُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ وقَوْلِهِ: ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ.

ولَمْ يُنْقَلْ في ضَمِيرِ الغائِبِ كَما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ، وأُجِيبُ بِأنَّ الثَّعالِبِيَّ والفارِسِيَّ نَقَلاهُ في الغائِبِ أيْضًا والمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي وبِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَعْظِيمَ فِرْعَوْنَ فَإنْ كانَ عَلى زَعْمِهِ وزَعْمِ قَوْمِهِ فَإنَّما يَحْسُنُ في كَلامٍ ذُكِرَ أنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنْهم ولَيْسَ فَلَيْسَ.

ويُجابُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّعْظِيمِ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ المُتَعَدِّدِ، وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ في حَيِّزِ المَنعِ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ عِظَمِ الخَوْفِ المُتَضَمِّنِ زِيادَةَ مَدْحِ المُومِنِينَ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ وارِدٌ عَلى عادَتِهِمْ في مُحاوَراتِهِمْ في مُجَرَّدِ جَمْعِ ضَمِيرِ العُظَماءِ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ التَّعْظِيمُ أصْلًا فَتَأمَّلْهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِأنَّ المُرادَ مِن ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ آلُهُ كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ.

واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا إنَّما عُرِفَ في القَبِيلَةِ وأبِيها إذْ يُطْلَقُ اسْمُ الأبِ عَلَيْهِمْ وفِرْعَوْنُ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ، عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ إطْلاقَ أبِي نَحْوَ القَبِيلَةِ عَلَيْها لا يَجُوزُ ما لَمْ يُسْمَعْ ويَتَحَقَّقْ جَعْلُهُ عَلَمًا لَها ألا تَراهم لا يَقُولُونَ: فُلانٌ مِن هاشِمٍ ولا مِن عَبْدِ المُطَّلِبِ بَلْ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَكَيْفَ يُرادُ مِن فِرْعَوْنَ آلُهُ ولَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ جَعْلُهُ عَلَمًا لَهُمْ، ودَعْوى التَّحَقُّقِ هُنا أوَّلُ المَسْألَةِ فالقَوْلُ بِأنَّ الجَمْعَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ آلُهُ كَرَبِيعَةَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنْ يُرادَ أنَّ فِرْعَوْنَ ونَحْوَهُ مِنَ المُلُوكِ إذا ذُكِرَ خَطَرَ بِالبالِ خَطَرُ أتْباعِهِ مَعَهُ فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ما في الذِّهْنِ، وتَمْثِيلُهُ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ نُطِيرُهُ في الجُمْلَةِ ثُمَّ إنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ مِن فِرْعَوْنَ آلُهُ يَنْبَغِي أنْ يُرادَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ عَلى التَّغْلِيبِ وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ آلَ فِرْعَوْنَ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ وفِيهِ أنَّ الحَذْفَ يَعْتَمِدُ القَرِينَةَ ولا قَرِينَةَ هُنا وضَمِيرُ الجَمْعِ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ كَما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَلا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ قَرِينَةً وأمّا أنَّ المَحْذُوفَ لا يَعُودُ إلَيْهِ ضَمِيرٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ فَلَيْسَ بِذاكَ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّهُ لا يَعُودُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وإنْ أُرِيدَ إذا حُذِفَ لِقَرِينَةٍ فَمَمْنُوعٌ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ في قُوَّةِ المَذْكُورِ وقَدْ كَثُرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وقَرِيبٌ مِن هَذا القِيلِ زَعَمَ أنَّ هُناكَ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا إلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما قِيلَ: إنَّ هَذا الحَذْفَ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلذُّرِّيَّةِ أوْ لِلْقَوْمِ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمُ أوْ عَلى أنْفُسِهِمُ أوْ مِن أشْرافِ القِبْطِ ورُؤَسائِهِمْ حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَهم انْتِصارًا لِفِرْعَوْنَ، ولَعَلَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ رُجُوعُهُ إلى الذُّرِّيَّةِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهم آمَنُوا عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ قَوْمِهِمُ ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ أيْ يَبْتَلِيَهم ويُعَذِّبَهُمْ، وأصْلُ الفِتَنِ كَما قالَ الرّاغِبُ: إدْخالُ الذَّهَبِ النّارَ لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِن رَداءَتِهِ واسْتُعْمِلَ في إدْخالِ الإنْسانِ النّارَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ويُسَمّى ما يَحْصُلُ مِنهُ العَذابُ فِتْنَةً ويُسْتَعْمَلُ في الِاخْتِبارِ وبِمَعْنى البَلاءِ والشِّدَّةِ وهو المُرادُ هُنا، و(أنْ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ فِتْنَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ﴿ خَوْفٍ ﴾ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ كَثُرَ إعْمالُهُ وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والأصْلُ لِأنْ يَفْتِنَهم فَحَذَفَ الجارَّ وهو مِمّا يَطَّرِدُ فِيهِ الحَذْفُ ولا يَضُرُّ في مِثْلِ هَذا عَدَمُ اتِّحادِ فاعِلِ المَصْدَرِ والمَعَلَّلِ بِهِ عَلى أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِ الأئِمَّةِ عَدَمُ اشْتِراطِ ذَلِكَ في جَوازِ النَّصْبِ وإلَيْهِ مالَ الرَّضِيُّ وأيَّدَهُ بِما ذَكَرْناهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ خاصَّةً لِأنَّهُ مَدارُ أمْرِ التَّعْذِيبِ، وفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ في رَأْيٍ حَيْثُ أُرِيدَ مِن فِرْعَوْنَ أوَّلًا آلُهُ وثانِيًا هو وحْدَهُ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ.

﴿ وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ أيْ لَغالِبٌ قاهِرٌ في أرْضِ مِصْرَ، واسْتِعْمالُ العُلُوِّ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ مَجازٌ مَعْرُوفٌ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ 83﴾ أيِ المُتَجاوِزِي الحَدَّ في الظُّلْمِ والفَسادِ بِالقَتْلِ وسَفْكِ الدِّماءِ أوْ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ واسْتَرْقَ أسْباطَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ وفِيهِما مِنَ التَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال: وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ يعني: حاذقا بالسّحر.

قرأ حمزة والكسائي: سَحَّارٍ، على معنى المبالغة، وقرأ الباقون: بِكُلِّ ساحِرٍ فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ يعني: اطرحوا ما في أيديكم من العصيّ والحبال إلى الأرض فَلَمَّا أَلْقَوْا ما معهم من الحبال والعِصِيِّ إلى الأرض قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ يعني: العمل الذي عملتم به هو السِّحر إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ يعني: سيهلكه إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يعني: لا يرضى عمل المفسدين.

قرأ أبو عمرو: السِّحر، بالمدِّ على وجه الاستفهام، ويكون معناه: قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ يَعني ما الَّذي جئتم به؟

وتمَّ الكلام.

ثم قال: السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يعني: عمل السحرة.

قوله تعالى: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ يعني: يظهر دينه الإسلام بتحقيقه وبنصرته وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ يعني: فرعون وقومه.

قَالَ الله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى يعني: ما صدَّق بموسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ يعني: قبيلته من قومه الذين كانت أمَّهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط.

وروى مقاتل، عن ابن عباس أنه قال: إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، يعني: من قوم موسى وهم بنو إسرائيل، وهم ستمائة ألف.

وكان يعقوب حين ركب إلى مصر من كنعان في اثنين وسبعين إنساناً، فتوالدوا بمصر حتّى بلغوا ستمائة ألف.

ويقال: إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، يعني: خربيل وهو الذي قال في آية أخرى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: 28] .

ثم قال تعالى: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ- أي: فما أمن لموسى خوفا من فرعون وَمَلَائِهِمْ أي قومهم (١)  خاصة أَنْ يَفْتِنَهُمْ يعني: يقتلهم وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ يعني: لَعات.

ويقال: لغالب، ويقال: المخالف والمتكبر في أرض مصر وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ يعني: لمن المشركين.

روى موسى بن عبيدة، عن محمد بن المنكدر، قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة، منها مائتين وعشرين سنة لم ير مكروهاً، ودعاه موسى  ثمانين سنة.

وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ يعني: ثقوا بالله وذلك حين قالوا له: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا [الأعراف: 129] فلما قال لهم هذا موسى  فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا يعني: فوَّضنا أمرنا إليه، رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً يقول: بَلِيَّةً وَعِبْرَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

يعني: لا تنصرهم علينا.

قال مجاهد: يعني: لا تعذّبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كانوا على الحقّ، ما عُذِّبوا وما سُلِّطْنَا عليهم، فَيُفْتَنُوا بنا، وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ يعني: بنعمتك مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يعني: فرعون وقومه.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مدلولُهما، والاستفهام هنا: على سبيل التحقِيرِ.

انتهى.

وهو حَسَن.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِيجاب عن عِدَّةٍ من اللَّه تعالى.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ: يحتمل أنْ يكون ابتداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتملُ أَنْ يكون من كلام موسَى عليه السلام، وكذلك قوله: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ ...

الآية، محتملٌ للوجهين، وكون ذلك كلُّه من كلام موسَى أقربُ، وهو الذي ذكر «١» الطبريُّ، وأما قوله: بِكَلِماتِهِ: فمعناه بكلماته السابقةِ الأزليَّة في الوعد بذلك.

فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)

وقوله عز وجل: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ اختلف المتأوِّلون في عود الضمير الذي في قَوْمِهِ، فقالتْ فرقة: هو عائدٌ على موسَى، وذلك في أول مبعثه، وَمَلأُ الذُّرِّيَّةِ، هم أشرافُ بني إِسرائيل.

قال ص: وهذا هو الظاهر، وقالت فرقةٌ: الضميرُ في قَوْمِهِ عائدٌ على فِرْعَوْنَ، وضمير مَلَائِهِمْ عائدٌ على الذريَّة.

قال ع: ومما يضعِّف عوْدَ الضميرِ علَى موسَى: أَنَّ المعروفَ مِنْ أخبار بني إِسرائيل أنهم كانوا قوماً تقدَّمت فيهم النبوَّاتِ، ولم يُحفَظْ قطُّ أَنَّ طائفة من بَني إِسرائيل كَفَرَتْ به، فدَلَّ على أن الذريَّة مِنْ قوم فِرعون.

وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ...

الآية:

هذا ابتداءُ حكايةِ قوْلِ موسَى لجماعةِ بني إِسرائيل مُؤَنِّساً لهم، ونادباً إِلى التوكُّل على اللَّه عزَّ وجلَّ الذي بيده النصْرُ قال المُحَاسِبيُّ: قُلْتُ لأبي جعفرٍ محمَّدِ بنِ موسَى: إِنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣] فما السَّبِيلُ إِلى هذا التوكُّل الذي نَدَبَ اللَّه إِلَيْهِ، وكيف دُخُولُ الناس فيه؟

قال: إِن الناس متفاوِتُون في التوكُّل، وتوكُّلُهم علَى قَدْرِ إِيمانهم وقوَّةِ عُلُومهم، قُلْتُ: فما معنى إِيمانهم؟

قال: تصديقُهُم بمواعيدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وثِقَتُهُم بضَمَانِ اللَّه تبارَكَ وتعالَى، قلْتُ: مِنْ أَيْنَ فَضَلَتِ الخاصّة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ ﴾ في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ: القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى، ماتَ آباؤُهم لِطُولِ الزَّمانِ وآمَنُوا هم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ نَشَؤُوا مَعَ مُوسى حِينَ كَفَّ فِرْعَوْنُ عَنْ ذَبْحِ الغِلْمانِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قِيلَ لِهَؤُلاءِ " ذُرِّيَّةٌ " لِأنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسى، وإنْ كانُوا بالِغِينَ.

والثّالِثُ أنَّهم قَوْمٌ، أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

قالَ: وإنَّما سُمُّوْا ذُرِّيَّةً كَما قِيلَ لِأوْلادِ فارِسَ: الأبْناءُ، لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ مِن غَيْرِ جِنْسِ آبائِهِمْ.

وفي هاءِ " قَوْمِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى فِرْعَوْنَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ أيْ: ومَلَإ فِرْعَوْنَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " ومَلَئِهِمْ " بِالجَمْعِ، وفِرْعَوْنُ واحِدٌ، لِأنَّ المَلِكَ إذا ذُكِرَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلَيْهِ وإلى مَن مَعَهُ، تَقُولُ: قَدِمَ الخَلِيفَةُ فَكَثُرَ النّاسُ، تُرِيدُ: بِمَن مَعَهُ.

وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ: آلَ فِرْعَوْنَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

وعَلى القَوْلِ الثّانِي: يَرْجِعُ ذِكْرُ المَلَإ إلى الذُّرِّيَّةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّهُ كانَ في الذُّرِّيَّةِ مَن أبَوْهُ قِبْطِيٌّ وأُمُّهُ إسْرائِيلِيَّةٌ، فَهو مَعَ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَقُلْ: يَفْتِنُوهم، لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا عَلى مَن كانَ عَلَيْهِ.

وفي هَذِهِ الفِتْنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّعْذِيبُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَطاوِلٌ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ حِين كانَ عَبْدًا فادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ لَمّا شَكا بَنُو إسْرائِيلَ إلى مُوسى ما يُهَدِّدُهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن ذَبْحِ أوْلادِهِمْ، واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، قالَ لَهم هَذا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تُهْلِكْنا بِعَذابٍ عَلى أيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن قِبَلِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُوا بِنا، لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مِجْلَزٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُرْسِلَ مُوسى،أمَرَ فِرْعَوْنُ بِمَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ فَخُرِّبَتْ كُلُّها، ومُنِعُوا مِنَ الصَّلاةِ،كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في الكَنائِسِ فَأُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّونَ فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ.

" وتَبَوَّآ " مَعْناهُ: اتَّخِذا، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٧٤) .

وفي المُرادِ بِمِصْرَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَلَدُ المَعْرُوفُ بِمِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْكَنْدَرِّيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي البُيُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اجْعَلُوها مَساجِدَ، رَواهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فِرْعَوْنَ أمَرَ بِهَدْمِ مَساجِدِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً بَدَلًا مِنَ المَساجِدِ.

والثّانِي: اجْعَلُوها قِبَلَ القِبْلَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قِبَلَ مَكَّةَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوها مُسْتَقْبِلَةَ الكَعْبَةِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: اجْعَلُوها يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَإنْ قِيلَ: البُيُوتُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ " قِبْلَةً " عَلى التَّوْحِيدِ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْن الأنْبارِيِّ، فَقالَ: مَن قالَ: المُرادُ بِالقِبْلَةِ الكَعْبَةُ، قالَ: وُحِّدَتِ القِبْلَةُ لِتَوْحِيدِ الكَعْبَةِ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبَلًا، فاكْتَفى بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ يُرِيدُ: إنّا إخْوَتُكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَدَّ " قِبْلَةً " لِأنَّهُ أجْراها مَجْرى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم إقْبالًا عَلى اللَّهِ، وقَصْدًا لَمّا كُنْتُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُ في المَساجِدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَّدَها، والمَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم شَيْئًا قِبْلَةً، ومَكانا قِبْلَةً، ومَحَلَّةً قِبْلَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتِمُّوا الصَّلاةَ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ لَهم مِن لَدُنْ فُسْطاطِ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وزَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ وفي لامِ " لِيُضِلُّوا " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها لامُ " كَيْ " والمَعْنى: آتَيْتَهم ذَلِكَ كَيْ يُضِلُّوا وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَهم ذَلِكَ فَأصارَهم إلى الضَّلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ أيْ: آلَ أمْرُهم إلى أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا، لا أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وهَذا كَما تَقُولُ لِلَّذِي كَسَبَ مالًا فَأدّاهُ إلى الهَلاكِ: إنَّما كَسَبَ فُلانٌ لِحَتْفِهِ، وهو لَمْ يَكْسِبِ المالَ طَلَبًا لِلْحَتْفِ، وأنْشَدُوا: ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مِرْضَعَةٍ ∗∗∗ ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النّاسُ عُمْرانًا وَقالَ آخَرُ: ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الوالِداتُ سِخالَها ∗∗∗ كَما لِخَرابِ الدُّورِ تُبْنى المَساكِنُ وَقالَ آخَرُ: فَإنْ يَكُنِ المَوْتُ أفْناهم ∗∗∗ فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَهْ أرادَ: عاقِبَةُ الأمْرِ ومَصِيرُهُ إلى ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّها لامُ الدُّعاءِ، والمَعْنى: رَبَّنا ابْتَلِهِمْ بِالضَّلالِ عَنْ سَبِيلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها لامُ أجْلِ، فالمَعْنى: آتَيْتَهم لِأجْلِ ضَلالَتِهِمْ عُقُوبَةً مِنكَ لَهم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ  ﴾ أيْ: لِأجْلِ إعْراضِكم، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا المُفَضَّلَ، وزَيْدٌ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لِيُضِلُّوا غَيْرَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ ﴾ رَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " اطْمُسْ " بِضَمِّ المِيمِ، " عَلى أمْوالِهِمْ " وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جُعِلَتْ حِجارَةً، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.

وقالَ القُرَظِيُّ: جَعَلَ سُكَّرُهم حِجارَةً.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَ ذَهَبُهم ودَراهِمُهُم وعَدَسُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَخَ اللَّهُ النَّخْلَ والثِّمارَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً، فَكانَتْ إحْدى الآياتِ التِّسْعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَطْمِيسُ الشَّيْءِ: إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ والِانْتِفاعُ بِهِ عَلى الحالِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها.

والثّانِي: أنَّها هَلَكَتْ فالمَعْنى: أهْلَكَ أمْوالَهم، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ يُقالُ: طُمِسَتْ عَيْنُهُ، أيْ: ذَهَبَتْ، وطُمِسَ الطَّرِيقُ إذا عَفا ودَرَسَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اطْبَعْ عَلَيْها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أهْلِكْهم كُفّارًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: قَسِّ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: فَلا آمَنُوا، قالَ الأعْشى: فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ مَعْناهُ: لا انْبَسَطَ ولا لَقِيتَنِي والثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، فالمَعْنى: أنَّك آتَيْتَهم لِيُضِلُّوا فَلا يُؤْمِنُوا، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الغَرَقُ، وكانَ مُوسى يَدْعُو، وهارُونُ يُؤَمِّنُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ ، وكانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " دَعْوَتُكُما " وهُما دَعْوَتانِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّعْوَةَ تَقَعُ عَلى دَعْوَتَيْنِ وعَلى دَعَواتٍ وكَلامٍ يَطُولُ كَما بَيَّنّا في (الأعْرافِ:١٥٨) أنَّ الكَلِمَةَ تَقَعُ عَلى كَلِماتٍ قالَ الشّاعِرُ: وكانَ دَعا دَعْوَةً قَوْمَهُ ∗∗∗ هَلُمَّ إلى أمْرِكم قَدْ صُرِمَ فَأوْقَعَ " دَعْوَةً " عَلى ألْفاظٍ بَيَّنَها آخِرَ بَيْتِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعَواتُكُما، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِن ذِكْرِ الجَمِيعِ، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " دَعَواتُكُما " بِالألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ مُوسى هو الَّذِي دَعا، فالدَّعْوَةُ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا أمَّنَ هارُونُ، أُشْرِكَ بَيْنَهُما في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ التَّأْمِينَ عَلى الدَّعْوَةِ مِنها.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَقِيما ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاسْتَقِيما عَلى الرِّسالَةِ وما أمَرْتُكُما بِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فاسْتَقِيما عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: فاسْتَقِيما في دُعائِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

والرّابِعُ: فاسْتَقِيما عَلى دِينِي، ذَكَرَهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ تاءِ " تَتَّبِعانِّ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى تَشْدِيدِ نُونِ " تَتَّبِعانِّ "، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ لِلنَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، واخْتِيرَ لَها الكَسْرُ لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ، فَشُبِّهَتْ بِنُونِ الِاثْنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن خَفَضَ النُّونَ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ النُّونَ الثَّقِيلَةَ، فَإنْ شِئْتَ كانَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، والمَعْنى الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: " يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ " [البَقَرَةِ:٢٢٨ و٢٣٤] و ﴿ تُضارَّ والِدَةٌ  ﴾ أيْ: لا يَنْبَغِي ذَلِكَ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: " فاسْتَقِيما " تَقْدِيرُهُ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعَيْنِ.

وفي المُرادِ بِسَبِيلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَدْعُوَ مُوسى عَلى قَوْمِهِ ؟

فالجَوابُ: أنْ بَعْضَهم يَقُولُ: كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ، وهو قَوْلٌ صَحِيحٌ، لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ أنْ يُقْدِمَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ إلّا عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ دُعاءَهُ سَبَبٌ لِلِانْتِقامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتْبَعَهم وتَبِعَهم سَواءٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أتْبَعَهم: لَحِقَهم.

﴿ بَغْيًا وعَدْوًا ﴾ أيْ: ظُلْمًا.

وقَرَأ الحَسَنُ " فاتَّبَعَهم " بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ شَدَّدُوا " وعُدُّوًا " مَعَ ضَمِّ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " أنَّهُ " بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى: آمَنتُ بِأنَّهُ فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وصَلَ الفِعْلُ إلى " أنْ " فَنُصِبَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنَّهُ " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ قالَ: آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَنَحَ فِرْعَوْنُ إلى التَّوْبَةِ حِينَ أُغْلِقَ بابُها لِحُضُورِ المَوْتِ ومُعايَنَةِ المَلائِكَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ آلآنَ ﴾ أيْ: الآنَ تَتُوبُ وقَدْ أضَعْتَ التَّوْبَةَ في وقْتِها، ﴿ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟

والمُخاطِبُ لَهُ بِهَذا كانَ جِبْرِيلُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ الطِّينَ في فَمِ فِرْعَوْنَ خَشْيَةَ أنْ يُغْفَرَ لَهُ.

قالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، وكانَ يَذْكُرُ اللَّهَ، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ سَألَ اللَّهَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " نُنْجِيكَ " مُخَفَّفَةً.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ، مِنهم يُونُسُ وأبُو عُبَيْدَةَ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ: ارْتِفاعٍ، لِيَصِيرَ عَلَمًا أنَّهُ قَدْ غَرِقَ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " نُنَحِّيكَ " بِحاءٍ.

وفي سَبَبِ إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ بَعْدَ غَرَقِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى وأصْحابَهُ لَمّا خَرَجُوا، قالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَدائِنِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما أُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّهُ هو وأصْحابَهُ يَتَصَيَّدُونَ في جَزائِرِ البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَكانَتْ نَجاةَ عِبْرَةٍ، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى البَحْرِ: أنِ الفِظْ ما فِيكَ، فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ بِالسّاحِلِ، ولَمْ يَكُنْ يَلْفِظُ غَرِيقًا، فَصارَ لا يَقْبَلُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أصْحابَ مُوسى قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ ما غَرِقَ، ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ، فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَأخْرَجَهُ حَتّى أيْقَنُوا بِهَلاكِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: لَمْ يَغْرَقْ فِرْعَوْنُ، دَعا مُوسى، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ الحَدِيدُ، فَأخَذَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ يُمَثِّلُونَ بِهِ.

وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ إنَّما أُخْرِجَ مِنَ البَحْرِ وحْدَهُ دُونَ أصْحابِهِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِغَرَقِهِ، فَرَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى رَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: عَرَفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ بِدِرْعٍ كانَ لَهُ مِن لُؤْلُؤٍ لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ مِثْلُها.

فَأمّا وجْهُهُ فَقَدْ غَيَّرَهُ سُخْطُ اللَّهِ تَعالى.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، وكانَ يَعْبُدُهُ قَوْمٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ، فَأغْرَقَهُ وأصْحابَهُ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مِن بَيْنِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِجَسَدِكَ مِن غَيْرِ رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وذِكْرُ البَدَنِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الرَّوْحِ.

والثّانِي: بِدِرْعِكَ، قالَهُ أبُو صَخْرٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ كانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ، فَعُرِفَ بِدِرْعِهِ.

والثّالِثُ: نُلْقِيكَ عُرْيانًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: نُنَجِّيكَ وحْدَكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِتَكُونَ لِمَن بَعْدَكَ في النَّكالِ آيَةً لِئَلّا يَقُولُوا مِثْلَ مَقالَتِكَ، فَإنَّكَ لَوْ كُنْتَ إلَهًا ما غَرِقْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " خَلْفَكَ " بِمَعْنى بَعْدَكَ، والآيَةُ: العَلامَةُ.

والثّانِي: لِتَكُونَ لِبَنِي إسْرائِيلَ آيَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لِمَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِهِ، لِأنَّهم أنْكَرُوا غَرَقَهُ عَلى ما ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ، فَخَرَجَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبْرَةٌ لِلنّاسِ.

والثّانِي: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى غَرَقِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الآيَةُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، فَبانَ أمْرُهُ، وأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ لَمّا غَرِقُوا.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ " لِمَن خَلَقَكَ " بِالقافِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ المَعْنى: فَما صَدَّقَ مُوسى، ولَفْظَةُ "ءامَنَ" تَتَعَدّى بِالباءِ، وتَتَعَدّى بِاللامِ وفي ضِمْنِ المَعْنى الباءُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ الَّذِي في "قَوْمِهِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، فَمَن قالَ إنَّ العَوْدَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ وصْفُ حالِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ مَبْعَثِهِ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِهِ إلّا فِتْيانٌ وشَبابٌ أكْثَرُهم أُولُو آباءٍ كانُوا تَحْتَ خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ، فالضَمِيرُ في "المَلَإ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، وتَكُونُ الفاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ لا مُرَتِّبَةً.

وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ بِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وإنَّما آمَنَ ذُرِّيّاتُهم بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ واضِحٍ، وإذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنًى لِتَخْصِيصِهِمْ بِاسْمِ الذُرِّيَّةِ، وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا، وهَيْئَةُ قَوْلُهُ: ﴿ فَما آمَنَ ﴾ تُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوجَبَهُ لِلْبَعْضِ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لِأوجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الذُرِّيَّةِ: "إنَّهُ القَلِيلُ"، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَةَ الذُرِّيَّةِ هي بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذَرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتَهم كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، فَكانَ يُقالُ لَهُمُ:الذُرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهْرَزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، والأمْرُ بِكَمالِهِ في السِيَرِ.

وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا يُضْعِفُ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ تَقَدَّمَتْ فِيهِمُ النُبُوّاتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ وقَدْ رَجَوا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أصَفُقُوا عَلَيْهِ واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ؟

فالَّذِي يَتَرَجَّحُ -بِحَسَبِ هَذا- أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ: "هَذا سِحْرٌ"، فَذَكَرَ اللهُ ذَلِكَ عنهُمْ، ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ هَذِهِ أقْوالُهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ، -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- والسَحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وتَكُونُ القِصَّةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةٌ لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ.

ولِاعْتِقادِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَخَبَّطُوا في عَوْدِ الضَمِيرِ في "مَلَئِهِمْ"، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ذِكْرُ فِرْعَوْنَ وهو المَلِكُ يَتَضَمَّنُ الجَماعَةَ والجُنُودَ، كَما تَقُولُ: "جاءَ الخَلِيفَةُ، وسافَرَ المَلِكُ" وأنْتَ تُرِيدُ جُيُوشَهُ مَعَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: "عَلى خَوْفٍ مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ"، وهو مِن بابِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَنْظِيرُ غَيْرُ جَيِّدٍ لِأنَّ إسْقاطَ المُضافِ في قَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ هو سائِغٌ بِسَبَبِ ما يُعْقَلُ مِن أنَّ القَرْيَةَ لا تَسْألُ، فَفي الظاهِرِ دَلِيلٌ عَلى ما أُضْمِرَ، وأمّا هاهُنا فالخَوْفُ مِن فِرْعَوْنَ مُتَمَكِّنٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى إضْمارٍ، إمّا إنَّهُ رُبَّما احْتَجَّ أنَّ الضَمِيرَ المَجْمُوعَ في "وَمَلَئِهِمْ" يَقْتَضِي ذَلِكَ، والخَوْفُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الأفْعالِ والأحْداثِ الَّتِي لِلْجُثَّةِ، ولَكِنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ولِقَصْدِ الإيجازِ أُضِيفَ إلى الأشْخاصِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن "فِرْعَوْنَ" وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، فَـ "أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَرّاحُ "أنْ يُفْتِنَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ، ثُمَّ أخْبَرَ عن فِرْعَوْنَ بِالعُلُوِّ في الأرْضِ والإسْرافِ في الأفْعالِ والقَتْلِ والدَعاوى لِيَتَبَيَّنَ عُذْرَ الخائِفِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ ﴾ إلى ﴿ الكافِرِينَ ﴾ .

ابْتِداءُ حِكايَةِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِجَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ المُؤْمِنِينَ مِنهم مُؤْنِسًا لَهم ونادِبًا إلى التَوَكُّلِ عَلى اللهِ الَّذِي بِيَدِهِ النَصْرُ، ومَسْألَةُ التَوَكُّلِ مُتَشَعِّبَةٌ لِلنّاسِ فِيها خَوْضاتٌ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ التَوَكُّلَ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ هو مُقْتَرِنٌ بِتَسَبُّبٍ جَمِيلٍ عَلى مُقْتَضى الشَرْعِ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ  : « "قَيِّدْها وتَوَكَّلْ"»، فَقَدْ جَعَلَهُ مُتَوَكِّلًا مَعَ التَقْيِيدِ، والنَبِيُّ  رَأْسُ المُتَوَكِّلِينَ، وقَدْ تَسَبَّبَ عُمْرَهُ كُلَّهُ، وكَذَلِكَ السَلَفُ كُلُّهُ، فَإنْ شَذَّ مُتَوَكِّلٌ فَتَرَكَ التَسَبُّبَ جُمْلَةً فَهي رُتْبَةٌ رَفِيعَةٌ ما لَمْ يُسْرِفْ بِها إلى حَدِّ قَتْلِ نَفْسِهِ وإهْلاكِها، كَمَن يَدْخُلُ غارًا خَفِيًّا يَتَوَكَّلُ فِيهِ فَهَذا ونَحْوُهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وما رُوِيَ مِن إقْدامِ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ عَلى الأسَدِ ونَحْوِ ذَلِكَ كُلِّهِ ضَعِيفٌ، ولِلصَّحِيحِ مِنهُ قَرائِنُ تُسَهِّلُهُ، ولِلْمُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ  ﴾ ، ولَهم قالَ: ﴿ وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا  ﴾ ، «وَقَوْلُ النَبِيِّ  في مَدْحِ السَبْعِينَ ألْفًا مِن أُمَّتِهِ: ( وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )» لَيْسَ فِيهِ أنَّهم يَتْرُكُونَ التَسَبُّبَ جُمْلَةً واحِدَةً، ولا حُفِظَ عن عُكّاشَةَ أنَّهُ تَرَكَ التَسَبُّبَ، بَلْ كانَ يَغْزُو ويَأْخُذُ سِهامَهُ، وأعْنِي بِذَلِكَ تَرْكَ التَسَبُّبِ في الغِذاءِ، وأمّا تَرْكُ التَسَبُّبِ في الطِبِّ فَسَهْلٌ وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ جُبِلَ عَلَيْهِ دُونَ نِيَّةٍ وحِسْبَةٍ، فَكَيْفَ بِمَن يَحْتَسِبُ؟

وقالَ لَهُمْ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: "إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ" تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ يُرِيدُ: أهْلَ طاعَةٍ مُنْضافَةٍ إلى الإيمانِ المَشْرُوطِ، فَذِكْرُ الإسْلامِ فِيهِ زِيادَةُ مَعْنًى، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أجابَ بَنُو إسْرائِيلَ بِنِيَّةِ التَوَكُّلِ عَلى اللهِ والنُطْقِ بِذَلِكَ، ثُمَّ دَعَوْا في ألّا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلظَّلَمَةِ، والمَعْنى: لا تُنْزِلْ بِنا بَلاءً بِأيْدِيهِمْ أو بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُجاوَرَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ إهْلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الدُعاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَتَضَمَّنُ دَفْعَ فَصْلَيْنِ، أحَدُهُما: القَتْلُ والبَلاءُ الَّذِي تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُونَ، والآخَرُ: ظُهُورُ الشِرْكِ بِاعْتِقادِ أهْلِهِ أنَّهم أهْلُ الحَقِّ، وفي ذَلِكَ فَسادُ الأرْضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ  : "بِئْسَ المَيِّتُ أبُو أُمامَةَ لِيَهُودَ والمُشْرِكِينَ، يَقُولُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ"»، ويَحْتَمِلِ اللَفْظُ مِنَ التَأْوِيلِ، وقَدْ قالَتْهُ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى: لا تَفْتِنْهم وتَبْتَلِهِمْ بِقَتْلِنا فَتُعَذِّبَهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ قَلَقٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على ما تقدم من المحاورة، أي فتفرع على ذلك أن فرعون وملأه لم يؤمنوا بموسى لأن حصر المؤمنين في ذرية من قوم موسى يفيد أن غيرهم لم يؤمنوا وهو المقصود، فكانت صيغة القصر في هذا المقام إيجازاً.

والتقدير: تفرع على ذلك تصميم على الإعراض.

وقد طوي ما حدث بين المحاورة وبين تصميمهم على الإعراض، وهو إلقاء موسى عصاه والتقامُها ما ألقوه من سحرهم، لعدم تعلق الغرض ببيان ذلك إذ المقصود الإفضاء إلى أنهم صمموا على الإعراض لأن ذلك محل تمثيل أعمالهم بحال مشركي أهل مكة.

وفعل ﴿ آمن ﴾ أصله (أَأْمن) بهمزتين: إحداهما أصلية في الكلمة لأن الكلمة مشتقة من الأمانة، والثانية همزة مزيدة للتعدية، أي جعله ذَا أمانة، أي غير كاذب فصار فعل ﴿ آمن ﴾ بمعنى صدّق، وحقه أن يعدى إلى المفعول بنفسه ولكن عدي باللام للتفرقة بين (آمن) بمعنى صدّق من الأمانة وبين (آمن) بمعنى جَعله في أمن، أي لا خوف عليه منه.

وهذه اللام سماها ابنُ مالك لامَ التبيين وتبعه ابن هشام، وهي تدخل على المفعول لتقوية معنى المفعولية، ويؤكد قصد التقوية في مثل فعل (آمن) بمعنى صدّق دفعُ أن يلتبس بفعل (آمنه) إذا جعله في أمن وسيأتي في قوله تعالى: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ في سورة [الإسراء: 90].

وقد يعدى بالباء لتضمنه معنى صدّق كما في قوله تعالى: ﴿ قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ [يونس: 90].

والذرية: الأبناء وتقدم في قوله: ﴿ ذُرية بعضها من بعض ﴾ في سورة [آل عمران: 34].

أي فما آمن بما جاء به موسى إلا أبناء بني إسرائيل ولم تبلغ دعوته بقية قومه أو لم يؤمر بالتبليغ إليهم حينئذٍ.

و (على) في قوله: ﴿ على خوف من فرعون ﴾ بمعنى (مع) مثل وآتى المال على حبه أي آمنوا مع خوفهم، وهي ظرف مستقر في موضع الحال من (ذرية)، أي في حال خوفهم المتمكن منهم.

وهذا ثناء عليهم بأنهم آمنوا ولم يصدهم عن الإيمان خَوفهم من فرعون.

والمعنى: أنهم آمنوا عند ظهور معجزته، أي أعلنوا الإيمان به في ذلك الموطن لأن الإيمان لا يعرف إلا بإظهاره ولا فائدة منه إلا ذلك الإظهار.

أي من الحاضرين في ذلك المشهد من بني إسرائيل فإن عادة هذه المجامع أن يغشاها الشباب واليافعون فعبر عنهم بالذرية أي الأبناء، كما يُقال: الغلمان، فيكونون قد آمنوا من تلقاء أنفسهم، وكل هذا لا يقتضي أن بقية قومه كفروا به، إذ يحتمل أن يكونوا آمنوا به بعد ذلك لما بلغتهم دعوته لأنه يكون قد ابتدأ بدعوة فرعون مبادرة لامتثال الأمر من الله بقوله: ﴿ اذهبا إلى فرعون إنه طغى ﴾ [طه: 43] فيكون المأمور به ابتداء هو دعوة فرعون وتخليص بني إسرائيل من الأسر.

و (الملأ) تقدم آنفاً في هذه القصة، وأضيف الملأ إلى ضمير الجمع وهو عائد إلى الذرية، أي على خوف من فرعون وعلى خوف من قومهم، وهم بقية القوم الذين لم يحضروا ذلك المشهد خشية أن يغضبوا عليهم ويؤذوهم لإيمانهم بموسى لما يتوقعون من مؤاخذة فرعون بذلك جميع قبيلتهم على عادة الجبابرة في أخذ القبيلة بفعلة من بعض رجالها.

و (الفتن) ادخال الروع والاضطراب على العقل بسبب تسليط ما لا تستطيع النفس تحمله، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ في سورة [البقرة: 191].

فهذا وجه تفسير الآية.

وجملة: وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } في موضع الحال فهي عطف على قوله: ﴿ على خوف من فرعون ﴾ وهي تفيد معنى التعليل لخوفهم من فرعون، أي أنهم محقون في خوفهم الشديد، فبعد أن أثنى عَليهم بأنهم آمنوا في حال شدة الخوف زاد فبين أنهم أحقاء بالخوف، وفي هذا زيادة ثناء على قوة إيمانهم إذ آمنوا في حال خوفهم من الملك مع قدرته على أذاهم، ومن مَلئهم، أي قومهم، وهو خوف شديد، لأن آثاره تتطرق المرء في جميع أحواله حتى في خلوته وخويصته لشدة ملابسةِ قومه إياه في جميع تقلباته بحيث لا يجد مفراً منهم، ثم اتبعه ببيان اتساع مقدرة فرعون بيان تجاوزه الحد في الجور، ومَن هذه حالته لا يزَعه عن إلحاق الضر بأضداده وازع.

وتأكيد الخبر ب (إن) للاهتمام بتحقيق بطش فرعون.

والعلو: مستعار للغلبة والاستبداد، كقوله تعالى: ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ وقوله: ﴿ أن لا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ [النمل: 31].

والإسراف: تجاوز حد الاعتدال المعروف في فعل، فهو تجاوز مذموم، وأشهر موارده في الإنفاق، ولم يذكر متعلَّق الإفراط فتعيَّن أن يكون إسرافاً فيما عُرف به ملوك زمانهم من الصفات المكروهة عند الناس الملازمة للملوك في العادة.

وقوله: ﴿ من المسرفين ﴾ أبلغ في وصفه بالإسراف من أن يقال: وإنه لَمُسرف لما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قد ضللتُ إذن وما أنا من المهتدين ﴾ في [الأنعام: 56].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الذَّرِّيَّةَ القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الغِلْمانُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَذْبَحُهم فَأسْرَعُوا إلى الإيمانِ بِمُوسى، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: أنَّهم أوْلادُ الزَّمَنِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ ذُرِّيَّةَ قَوْمِ مُوسى نِساؤُهم ووِلْدانُهم.

﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ يَعْنِي وعُظَمائِهِمْ وأشْرافِهِمْ.

﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُعَذِّبَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنْ يُكْرِهَهم عَلى اسْتِدامَةِ ما هم عَلَيْهِ.

﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُتَجَبِّرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: باغٍ طاغٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ يَعْنِي في بَغْيِهِ وطُغْيانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذرية ﴾ قال: الذرية القليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذرية من قومه ﴾ قال: من بني إسرائيل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ﴾ قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الذرية التي آمنت بموسى من أناس بني إسرائيل من قوم فرعون، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ونعيم بن حماد في الفتن وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على الحق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي قلابة رضي الله عنه في قول موسى عليه السلام ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: سأل ربه أن لا يظهر علينا عدوّنا فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ﴾ الآية، قال الفراء: فسر المفسرون الذرية: القليل (١) (٢) (٣) واختلفوا في هؤلاء الذرية من هم؛ فقال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف من بني إسرائيل (٤)  دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانًا، فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف، كانوا ذرية ذلك القوم الذين دخلوا مصر مع يعقوب من أولاده (٥) (٦) وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال ابن عباس في رواية عطية: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) قال الفراء: وهؤلاء إنما سموا ذرية؛ لأن أمهاتهم كن من غير جنس آبائهم، كما سمي أولاد الفرس الذين سقطوا إلى اليمن فتزوجوا نساء اليمن الأبناء (١٨) ﴿ قَوْمَهِ ﴾ تعود على فرعون (١٩) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾ ، قال الفراء: إنما قال: ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ وفرعون واحد؛ لأن الملك يُخبَر عنه بخبر الجمع؛ لأن الوهم يذهب إليه وإلى من معه من تُبّاعه (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ قَوْمِهِ ﴾ ] (٢٤) ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ إلى القوم.

وقوله (٢٥) ﴿ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ أي: يصرفهم عن دينهم بمحنة وبلية يوقعهم فيها، وهو إخبار عن فرعون؛ لأن الملأ كانوا على مثل ما كان عليه، ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: متطاول في أرض مصر (٢٦) ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾ الإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحد، قال المفسرون: وإسرافه أنه كان عبدًا فادعى الربوبية (٢٧) (١) "معاني القرآن" 1/ 476.

(٢) من (ى) وفي بقية النسخ: (الأسنان)، وما أثبته أولى بالسياق.

(٣) رواه ابن جرير 11/ 149، وابن أبي حاتم 6/ 1975، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في"الدر المنثور" 3/ 565، وقد بين ابن عطية مراد ابن عباس فقال: هيئة قوله (فما آمن) يعطي تقليل المؤمنين به؛ لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض، ولو كان الأكثر مؤمنًا لأوجب الإيمان أولاً ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية: إنه القليك، لا أنه أراد أن لفظة (الذرية) هي بمعنى القليل كما ظنه مكي وغيره.

"المحرر الوجيز" 7/ 197 - 198.

وقد ذهب الزمخشري في "كشافه" 248/ 2، إلى أن هذا في أول أمر موسي، == وفي بداية دعوته، وهذا الرأي هو الظاهر من السياق، إذ إن الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَمَا آمَنَ ﴾ للتعقيب، أي: إن الله أيد موسى بالمعجزة الكبرى وأبطل كيد السحرة وأظهر الحق فما آمن من بني إسرائيل في تلك اللحظة إلا القليل من الشباب خوفًا من بطش فرعون، ولا يعني هذا أن غيرهم لم يؤمن بعد، كما توهمه ابن عطية في "المحرر" 7/ 198.

وبهذا يتبين الجواب عن القول بأن السحرة وبعض آل فرعون آمنوا، وكذلك القول بأن جميع بني إسرائيل تابعوا موسى وخرجوا معه من مصر، فكيف يقال بأنه لم يؤمن إلا القليل من ذرلة بني إسرائيل؟

فالآية تتحدث عمن آمن من قوم موسى في أول أمره والله أعلم.

(٤) رواه ابن جرير 11/ 491 - 150، وابن أبي حاتم 6/ 1975، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 565، لكنهم لم يذكروا العدد، ورواه الثعلبي 7/ 23 أ، فذكر العدد ولم يذكر لفظ (من بني إسرائيل).

(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 23 أ، والسمرقندي 2/ 107.

وهذا الخبر من القسم الثالث من أقسام الإسرائيليات وهو ما لم يرد في شرعنا ما يؤيده أو ينفيه فلا يصدق ولا يكذب.

(٦) رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 23 أ.

(٧) في (ى) هلك الآباء فلم يؤمنوا وبقي ...

إلخ، وهذه الزيادة غير موجودة في مصادر تخريج الأثر.

(٨) رواه الثعلبي 7/ 23/ أ، وبنحوه ابن جرير 11/ 149 - 150، وابن أبي شيبة وابن == المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 565، ومعناه: إن من أُرسل إليهم موسي من قومه لم يؤمنوا به، وطال الزمن حتى كان لهم ذرية آمنت به ثم هلك الآباء الذين لم يؤمنوا، وبقي الأبناء المؤمنون.

وهذا القول غير صحيح لعدة أوجه: أ- قول الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ، يدل على أن قوم موسى صغارًا وكبارًا آمنوا به وتركوا ما كان يعبد فرعون.

ب- أن مواقف بني إسرائيل المخزية مع نبيهمِ موسى  كأقوالهم فيما أخبر الله عنهم ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا ﴾ ، و ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، و ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ ، و ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ﴾ ، وغير ذلك كثير، يدل دلالة واضحة أن جلّ بني إسرائيل آمنوا على كبر، وليس المؤمنون منهم ذريةً صغيرة نشأت على يد موسى وغذاها بغذاء الإيمان.

ج- أن المفسرين ذكروا أن الحكمة من ضرب التيه على بني إسرائيل هلاك الآباء ونشوء ذرية تتربى على عين موسى.

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 197، "في ظلال القرآن" 2/ 871، وقول مجاهد يقتضي أن هلاك الآباء كان في أرض مصر.

د- أن تاريخ بني إسرائيل لا يؤيد قول مجاهد هذا، إذ إن من تتبع قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم وفي ما ورد من أخبارهم يعلم يقينًا أنهم أمة قد نالها من ذل فرعون وطغيانه ما جعلهم يأملون الخلاص من ظلمه على يد نبي منهم، فالعقل والعادة يقتضيان إطباقهم على الإيمان بموسى قناعة بما جاء به، أو رغبة في إصلاح دنياهم وتغيير أوضاعهم ودرء الظلم عنهم، ومجاهد يقول إن الآباء لم يؤمنوا.

(٩) ساقط من (ح) و (ز).

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30، وليس في كلامه ما يدل على أنه اختار هذا القول، بل صدّره بقوله: قيل: إنه مكث ...

إلخ.

وهو أسلوب يقتضي عادة عدم القناعة التامة.

(١١) في (ي): (الوجهين).

(١٢) هي آسية بنت مزاحم المؤمنة الصابرة زوج الطاغية فرعون، وقد جاء في شأنها عدة روايات تبين فضلها، منها: أ- روى أحمد في "المسند" 1/ 316، والحاكم في "المستدرك" 2/ 594، وصححه ووافقه الذهبي عن رسول الله  قال: "أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد  ، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون".

ب- وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة.

قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 377 - 378: أخرجه أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح اهـ، وقد رواه أيضًا الحاكم بنحوه في "المستدرك" 2/ 499، عن سلمان وصححه ووافقه الذهبي.

ج- روى الطبراني كما في "الدر المنثور" 6/ 378، عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله  : "إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى" لكن سنده ضعيف كما في "ضعيف الجامع الصغير" 2/ 90.

(١٣) روى الإمام أحمد في "المسند" 1/ 309، عن رسول الله  قال: "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت يا جبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟

فقال: هذه ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت وما شأنها؟

قال: بينا هي تمشي ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يديها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟

قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟

قالت: نعم، فأخبرته فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربًا غيري؟

قالت: نعم، ربي وربك، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟

قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق".

(١٤) قيل كان أسمه سمعان، وقيل كان اسمه حبيبًا.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" == 4/ 371، "الدر المنثور" 7/ 285، وانظر قصته ومناظرته فرعون وقومه في سورة غافر، الآيات (28 - 45).

(١٥) رواه ابن جرير 11/ 150 بلفظ: من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه، ورواه الثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 145 بنحو رواية ابن جرير وزادا: (وماشطته) هكذا والأثر من رواية عطية العوفي المسلسلة بـ"الضعفاء".

(١٦) في (خ) و (ز): (كانوا).

(١٧) رواه الثعلبي 7/ 23 أ، وبنحوه البغوي 4/ 145.

(١٨) "معاني القرآن" 1/ 476، والفراء يعني أن هذا اصطلاح لبني إسرائيل كاصطلاح أهل اليمن على إطلاق الأبناء على أولاد الفرس من أمهات عرب، لا أن اللغة تقتضي ذلك.

(١٩) رجح هذا القول ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 198 - 199، بينما رده ابن جرير في "تفسيره" 11/ 150، ورجح عود الضمير إلى موسى  ؛ لأنه أقرب مذكور يعود إليه الضمير ولظهور اسم فرعون في قوله تعالى: ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ ﴾ ولو كان الضمير الأول يعود إليه لقال: على خوف منه.

(٢٠) في "لسان العرب" (تبع) 1/ 416: التابع: التالي، والجمع: تُبّع وتُنّاع وتبعة.

(٢١) "معاني القرآن" 1/ 476 بمعناه.

(٢٢) في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30: جاز أن يقال: (وملئهم) لأن فرعون ..

إلخ.

(٢٣) انظر قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 477، وانظر القول غير منسوب في "تفسير الرازي" 17/ 144 - 145، "التبيان" للعكبري ص 443، قال العكبري: وهذا عندنا غلط؛ لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير؛ إذ لو جاز ذلك لجاز أن تقول: زيد قاموا، وأنت تريد غلمان زيد قاموا، وانظر رد هذا القول أيضًا: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 71 - 72، "المحرر الوجيز" 7/ 199.

(٢٤) ساقط من (ى).

(٢٥) بياض في (م).

(٢٦) "الوسيط" 2/ 556، "زاد المسير" 4/ 53.

(٢٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 23 ب، والبغوي 4/ 147، وابن الجوزي 4/ 53، ومعناه في "تفسير ابن جرير" 11/ 151.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ الضمير عائد على موسى، ومعنى الذرية شبان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوف من فرعون، وقيل: إن الضمير عائد على فرعون، فالذرية على هذا من قوم فرعون، وروي في هذا أنها امرأة فرعون وخازنته وامرأة خازنه، وهذا بعيد، لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور ﴿ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾ الضمير يعود على الذرية أي آمنت الذرية من بني إسرائيل، على خوف من فرعون وملأ من بني إسرائيل، لأن الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفاً من فرعون، وقيل: يعود على فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ بدل من فرعون ﴿ لَعَالٍ فِي الأرض ﴾ أي متكبر قاهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: من بعد من ذكرنا من الرسل.

﴿ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ : بعثهما إلى الملأ وغير الملأ.

﴿ بِآيَـٰتِنَا ﴾ : يحتمل الوجوه التي ذكرنا.

﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ : هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها آيات، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قوماً مجرمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: الحجج والآيات من عندنا، ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى، ﴿ لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يسمون الحجج والبراهين سحراً لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا للحجج إنها سحر، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم فيتبعونه.

وقال بعضهم: الحق هو الإسلام والدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ .

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدين لأنه جاءهم بالدين، وجاءهم أيضاً بحجج الدين وآياته، قالوا: الحجج: الدين، والإسلام: سحر، ففي التأويلين جميعاً سموا الحجج سحراً.

وقوله: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: بأمرنا، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ أي: الإسلام هو الدين [الذي] أمر الله به، لا أنه يفهم للـ (عند) مكان ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن معنى الـ (عند) معنى الأمر، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ  ﴾ يعني الملائكة ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  ﴾ أي: [إن] الذين بأمر ربّك يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته لما أنه لم يفهم من مجيء الحق من عنده مكان، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ  ﴾ المكان أو قرب المكان منه، ولكن التأويل ما ذكرنا أن المفهوم من عند الله أمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا ﴾ : والحق ما ذكرنا.

﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ : الإفلاح هو الظفر بالحاجة، يقول: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا [يظفر الساحر] بالحاجة ولا يغلب؛ لأن السحر باطل ولا يغلب الباطل الحق، بل الحق هو الغالب.

والسحر هو المغلوب على ما غلب الحق الذي جاء به موسى السحر الذي جاء سحرة فرعون.

أو يقول: لا يفلح الساحرون في الآخرة بسحرهم في الدنيا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ بسحرهم في حال سحرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ  ﴾ ، و ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 117\] أي: لا يفلحون بظلمهم في حال ظلمهم، وأما إذا تركوا الظلم فقد أفلحوا، فعلى ذلك السحرة إذ تركوا السحر فقد أفلحوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ﴾ قيل: لتصرفنا وتصدنا.

قال القتبي: لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه وهو الانصراف.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ أي: تردنا وتصرفنا على ما ذكر القتبي، قال: يقال: لفته يلفته لفتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ : من عبادة الأصنام والأوثان.

ويحتمل ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والطاعة له.

﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: الكبرياء الملك والسلطان والشرف، أي: الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما [باتباع الناس لكما؛ لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف ويحتمل ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: الألوهية التي كان يدعى فرعون لنفسه لكما] لأن عندهم أن كل من أطيع واتبع فقد عبد ونصب إلها.

﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بمصدقين فيما تدعوننا إليه أو ما تدعون من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ هذا من فرعون ينقض ما ادعى من الألوهية؛ حيث أظهر الحاجة إلى غيره ولا يجوز أن يكون المحتاج إلهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقَواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أي: سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به، أي: يجعله مغلوباً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا يغلب الساحرون ولا يظفرون بالحاجة.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: لا يصلح ما أفسدوا من أعمالهم فيجعلهم صالحين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ يُصْلِحُ ﴾ أي: لا يرضي بعمل المفسدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : ذكر أن يحق الحق والحق حق وإن لم يحق الحق، وكذلك ذكر في الباطل ليبطل الباطل والباطل باطل وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ ﴾ ويبطل الباطل، أي: ليجعل الحق في الابتداء حقا فيصير حقا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلا، فيكون باطلا أي: بإبطاله الباطل يكون باطلا وبتحقيقه الحق [يكون حقّاً وهو ما يقال: هداه فاهتدى، وأضله فضل، أي: بهدايته اهتدى وبضلاله ضل؛ فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل وبتحقيقه الحق حق]، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل يحق الحق بكلماته [أي: برسله؛ إذ بالرسل يظهر الحق وبهم يظهر بطلان الباطل وهم حجج الله في الأرض وبالحجج يظهر الحق، وكذلك الباطل.

ويحتمل ما ذكر أهل التأويل بكلماته: آياته التي أنزل عليه، بها ظهر حقيقة ما أتى به موسى وبها ظهر بطلان ما أتى به السحرة من السحر.

ويحتمل كلماته] ما وعد موسى قومه من العذاب الذي وعد [من الظفر بأعدائهم والنصر عليهم وغير ذلك ما وعد من] النعمة لهم؛ كقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم موسى لما قيل: إن موسى كان من أولاد إسرائيل، فهم من ذريته من هذا الوجه، يقال: أهل بيت فلان وإن لم يكن البيت له.

ويحتمل [قوله]: ﴿ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم فرعون فهو نسب إليه لما ذكرنا.

وقال أهل التأويل: أراد بالذرية القليل منهم، أي: ما آمن منهم إلا القليل، ولكن لا ندري ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ ﴾ .

يحتمل: ما آمن من آمن من قومه إلا على خوف من فرعون وملئه أي: آمنوا، أي: وإن خافوا من فرعون وملئه.

ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ  ﴾ كان مؤمناً فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ وختم بالإسلام بقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك تضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه، والله أعلم.

والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية.

وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة لما آمنوا: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 124]، فقال عند ذلك: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ ﴾ في دفع ذلك عنكم، فقالوا: ﴿ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل ما قاله على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ما قيل أي: يقتلهم ويعذبهم، والله أعلم.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ونحن على ضلال وباطل.

والثاني: لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ فيه أن قوله: الظالمين والكافرين واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

صَمَّم القوم على الإعراض، فما صدَّق بموسى  -مع ما جاء به من الآيات الظاهرة، والحجج الواضحة- إلا شباب من قومه بني إسرائيل، مع خوف من فرعون وكبراء قومه أن يصرفوهم عن إيمانهم بما يذيقونهم من العذاب إن كشف أمرهم، وإن فرعون لمتكبر متسلط على مصر وأهلها، بيانه لمن المتجاوزين للحد في الكفر والتقتيل والتعذيب لبني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir" id="91.MNaM8"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله