الآية ٨٦ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٨٦ من سورة يونس

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٦ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٦ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ونجنا برحمتك ) أي : خلصنا برحمة منك وإحسان ، ( من القوم الكافرين ) أي : الذين كفروا الحق وستروه ، ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونجِّنا يا ربنا برحمتك، فخلِّصنا من أيدي القوم الكافرين ، قوم فرعون، لأنهم كان يستعبدونهم ويستعملونهم في الأشياء القَذِرة من خدمتهم.

* * *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ونجنا برحمتك من القوم الكافرين قوله تعالى ونجنا برحمتك أي خلصنا .من القوم الكافرين أي من فرعون وقومه لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } لنسلم من شرهم، ولنقيم [على] ديننا على وجه نتمكن به من إقامة شرائعه، وإظهاره من غير معارض، ولا منازع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ونجنا برحمتك من القوم الكافرين".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونجّنا برحمتك من القوم الكافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ونجِّنا برحمتك من القوم الكافرين فرعون وملئه؛ لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضافوا إلى هذا دعاء آخر ، أكثر صراحة من سابقه فى المباعدة بينهم وبين الظالمين فقالوا ( وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين ) .أى : نحن لا نلتمس منك يا مولانا ألا تجعلنا فتنة لهم فقط ، بل نلتمس منك - أيضا - أن تنجينا من شرور القوم الكافرين ، وأن تخلصنا من سوء جوارهم ، وأن تفرق بيننا وبينهم كما فرقت بين أهل المشرق وأهل المغرب .قال الإِمام الشوكانى : " وفي هذا الدعاء الذي تضرعوا به إلى الله - دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كنتم مسلمين ﴾ جزاء معلق على شرطين: أحدهما متقدم والآخر متأخر، والفقهاء قالوا: المتأخر يجب أن يكون متقدماً والمتقدم يجب أن يكون متأخراً ومثاله أن يقول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً وإنما كان الأمر كذلك، لأن مجموع قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، صار مشروطاً بقوله إن كلمت زيداً، والمشروط متأخر عن الشرط، وذلك يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ متقدماً في المعنى، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخراً في المعنى والتقدير: كأنه يقول لامرأته حال ما كلمت زيداً إن دخلت الدار فأنت طالق، فلو حصل هذا التعليق قبل إن كلمت زيداً لم يقع الطلاق.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كنتم مسلمين ﴾ يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطاً لأن يصيروا مخاطبين بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فعليه توكلوا ﴾ فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل، والأمر كذلك، لأن الإسلام عبارة عن الاستسلام، وهو إشارة إلى الانقياد للتكاليف الصادرة عن الله تعالى وإظهار الخضوع وترك التمرد، وأما الإيمان فهو عبارة عن صيرورة القلب عارفاً بأن واجب الوجود لذاته واحد وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه، وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله فهذه الآية من لطائف الأسرار، والتوكل على الله عبارة عن تفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأحوال على الله تعالى.

واعلم أن من توكل على الله في كل المهمات كفاه الله تعالى كل الملمات لقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ  ﴾ .

المسألة الثانية: أن هذا الذي أمر موسى قومه به وهو التوكل على الله هو الذي حكاه الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال: ﴿ فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ  ﴾ وعند هذا يظهر التفاوت بين الدرجتين لأن نوحاً عليه السلام وصف نفسه بالتوكل على الله تعالى، وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فكان نوح عليه السلام تاماً، وكان موسى عليه السلام فوق التمام.

المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ ﴾ ولم يقل توكلوا عليه، لأن الأول يفيد الحصر كأنه عليه السلام أمرهم بالتوكل عليه ونهاهم عن التوكل على الغير، والأمر كذلك، لأنه لما ثبت أن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وتسخيره وتحت حكمه وتدبيره، امتنع في العقل أن يتوكل الإنسان على غيره، فلهذا السبب جاءت هذ الكلمة بهذه العبارة، ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا قوله: ﴿ فَقَالُواْ عَلَى الله تَوَكَّلْنَا ﴾ أي توكلنا عليه، ولا نلتفت إلى أحد سواه، ثم لما فعلوا ذلك اشتغلوا بالدعاء، فطلبوا من الله تعالى شيئين: أحدهما: أن قالوا: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا لوقع في قلوبهم أنا لو كنا على الحق لما سلطتهم علينا، فيصير ذلك شبهة قوية في إصرارهم على الكفر فيصير تسليطهم علينا فتنة لهم.

الثاني: أنك لو سلطتهم علينا لاستوجبوا العقاب الشديد في الآخرة وذلك يكون فتنة لهم.

الثالث: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لَهُمْ ﴾ أي موضع فتنة لهم، أي موضع عذاب لهم.

الرابع: أن يكون المراد من الفتنة المفتون، لأن إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق، والتكوين بمعنى المكون، والمعنى: لا تجعلنا مفتونين، أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالظلم والقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه، وهذا التأويل متأكد بما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿ فَمَا ءامَنَ لموسى إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ  ﴾ وأما المطلوب الثاني في هذا الدعاء فهو قوله تعالى: ﴿ وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين ﴾ .

واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، وذلك لأنا إن حملنا قولهم: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل فتضرعوا إلى الله تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين كان ذلك أيضاً دليلاً على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إن كُنْتُمْ ءَامَنْتُم بِاللهِ ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ ﴾ فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون.

ثم شرط في التوكل الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله، أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظّ للشيطان فيها؛ لأن التوكل لا يكون مع التخليط.

ونظيره في الكلام: إن ضربك زيد فاضربه، وإن كانت بك قوّة ﴿ فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا ﴾ إنما قالوا ذلك، لأن القوم كانوا مخلصين، لا جرم أن الله سبحانه قبل توكلهم، وأجاب دعاءهم، ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في أرضه، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه والتفويض إليه، فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً ﴾ موضع فتنة لهم، أي: عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا.

أو فتنة لهم يفتتنون بنا ويقولون: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ مُوسى ﴾ لَمّا رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ بِهِ.

﴿ يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ فَثِقُوا بِهِ واعْتَمِدُوا عَلَيْهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ، فَإنَّ المُعَلَّقَ بِالإيمانِ وُجُوبُ التَّوَكُّلِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ، والمَشْرُوطَ بِالإسْلامِ حُصُولُهُ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مَعَ التَّخْلِيطِ ونَظِيرُهُ إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ.

﴿ فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم.

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ﴾ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ.

﴿ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.

﴿ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ مِن كَيْدِهِمْ ومِن شُؤْمِ مُشاهَدَتِهِمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ أوَّلًا لِتُجابَ دَعْوَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين} أي من تعذيبهم وتسخيرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ دُعاءٌ بِالإنْجاءِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ بَعْدَ الإنْجاءِ مِن ظُلْمِهِمْ، ولِذا عَبَّرَ عَنْهم بِالكُفْرِ بَعْدَ ما وُصِفُوا بِالظُّلْمِ فَفِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ المَلَأُ الَّذِينَ تَخَوَّفُوا مِنهم ومِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ وإنْ كانَ بَيانًا لِامْتِثالِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ الدّاعِيَ حَقُّهُ أنْ يَبْنِيَ دُعاءَهُ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ أرْجى لِلْإجابَةِ ولا يَتَوَهَّمَنَّ أنَّ التَّوَكُّلَ مُنافٍ لِلدُّعاءِ لِأنَّهُ أحَدُ الأسْبابِ لِلْمَقْصُودِ، والتَّوَكُّلُ قَطْعُ الأسْبابِ لِأنَّ المُرادَ بِذاكَ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ العادِيَّةِ وقِصَرُهُ عَلى مُسَبِّبِها عَزِّ وجَلَّ واعْتِقادُ أنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الشَّخْصَ إذا تَعاطى الأسْبابَ مُعْتِقَدًا ذَلِكَ يُعَدُّ مُتَوَكِّلًا أيْضًا، ومِثْلُ التَّوَكُّلِ في عَدَمِ المُنافاةِ لِلدُّعاءِ عَلى ما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ الِاسْتِسْلامُ نَعَمْ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِسْلامَ مِن صِفاتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن آثارِهِ تَرْكُ الدُّعاءِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ واكْتِفاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِلْمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، ما يُشْعِرُ بِالمُنافاةِ، ومَن عَرَفَ المَقاماتِ وأمْعَنَ النَّظَرَ هانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجَمْعِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال: وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ يعني: حاذقا بالسّحر.

قرأ حمزة والكسائي: سَحَّارٍ، على معنى المبالغة، وقرأ الباقون: بِكُلِّ ساحِرٍ فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ يعني: اطرحوا ما في أيديكم من العصيّ والحبال إلى الأرض فَلَمَّا أَلْقَوْا ما معهم من الحبال والعِصِيِّ إلى الأرض قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ يعني: العمل الذي عملتم به هو السِّحر إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ يعني: سيهلكه إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يعني: لا يرضى عمل المفسدين.

قرأ أبو عمرو: السِّحر، بالمدِّ على وجه الاستفهام، ويكون معناه: قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ يَعني ما الَّذي جئتم به؟

وتمَّ الكلام.

ثم قال: السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يعني: عمل السحرة.

قوله تعالى: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ يعني: يظهر دينه الإسلام بتحقيقه وبنصرته وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ يعني: فرعون وقومه.

قَالَ الله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى يعني: ما صدَّق بموسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ يعني: قبيلته من قومه الذين كانت أمَّهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط.

وروى مقاتل، عن ابن عباس أنه قال: إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، يعني: من قوم موسى وهم بنو إسرائيل، وهم ستمائة ألف.

وكان يعقوب حين ركب إلى مصر من كنعان في اثنين وسبعين إنساناً، فتوالدوا بمصر حتّى بلغوا ستمائة ألف.

ويقال: إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، يعني: خربيل وهو الذي قال في آية أخرى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: 28] .

ثم قال تعالى: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ- أي: فما أمن لموسى خوفا من فرعون وَمَلَائِهِمْ أي قومهم (١)  خاصة أَنْ يَفْتِنَهُمْ يعني: يقتلهم وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ يعني: لَعات.

ويقال: لغالب، ويقال: المخالف والمتكبر في أرض مصر وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ يعني: لمن المشركين.

روى موسى بن عبيدة، عن محمد بن المنكدر، قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة، منها مائتين وعشرين سنة لم ير مكروهاً، ودعاه موسى  ثمانين سنة.

وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ يعني: ثقوا بالله وذلك حين قالوا له: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا [الأعراف: 129] فلما قال لهم هذا موسى  فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا يعني: فوَّضنا أمرنا إليه، رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً يقول: بَلِيَّةً وَعِبْرَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

يعني: لا تنصرهم علينا.

قال مجاهد: يعني: لا تعذّبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كانوا على الحقّ، ما عُذِّبوا وما سُلِّطْنَا عليهم، فَيُفْتَنُوا بنا، وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ يعني: بنعمتك مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يعني: فرعون وقومه.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مدلولُهما، والاستفهام هنا: على سبيل التحقِيرِ.

انتهى.

وهو حَسَن.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِيجاب عن عِدَّةٍ من اللَّه تعالى.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ: يحتمل أنْ يكون ابتداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتملُ أَنْ يكون من كلام موسَى عليه السلام، وكذلك قوله: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ ...

الآية، محتملٌ للوجهين، وكون ذلك كلُّه من كلام موسَى أقربُ، وهو الذي ذكر «١» الطبريُّ، وأما قوله: بِكَلِماتِهِ: فمعناه بكلماته السابقةِ الأزليَّة في الوعد بذلك.

فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)

وقوله عز وجل: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ اختلف المتأوِّلون في عود الضمير الذي في قَوْمِهِ، فقالتْ فرقة: هو عائدٌ على موسَى، وذلك في أول مبعثه، وَمَلأُ الذُّرِّيَّةِ، هم أشرافُ بني إِسرائيل.

قال ص: وهذا هو الظاهر، وقالت فرقةٌ: الضميرُ في قَوْمِهِ عائدٌ على فِرْعَوْنَ، وضمير مَلَائِهِمْ عائدٌ على الذريَّة.

قال ع: ومما يضعِّف عوْدَ الضميرِ علَى موسَى: أَنَّ المعروفَ مِنْ أخبار بني إِسرائيل أنهم كانوا قوماً تقدَّمت فيهم النبوَّاتِ، ولم يُحفَظْ قطُّ أَنَّ طائفة من بَني إِسرائيل كَفَرَتْ به، فدَلَّ على أن الذريَّة مِنْ قوم فِرعون.

وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ...

الآية:

هذا ابتداءُ حكايةِ قوْلِ موسَى لجماعةِ بني إِسرائيل مُؤَنِّساً لهم، ونادباً إِلى التوكُّل على اللَّه عزَّ وجلَّ الذي بيده النصْرُ قال المُحَاسِبيُّ: قُلْتُ لأبي جعفرٍ محمَّدِ بنِ موسَى: إِنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣] فما السَّبِيلُ إِلى هذا التوكُّل الذي نَدَبَ اللَّه إِلَيْهِ، وكيف دُخُولُ الناس فيه؟

قال: إِن الناس متفاوِتُون في التوكُّل، وتوكُّلُهم علَى قَدْرِ إِيمانهم وقوَّةِ عُلُومهم، قُلْتُ: فما معنى إِيمانهم؟

قال: تصديقُهُم بمواعيدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وثِقَتُهُم بضَمَانِ اللَّه تبارَكَ وتعالَى، قلْتُ: مِنْ أَيْنَ فَضَلَتِ الخاصّة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ ﴾ في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ: القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى، ماتَ آباؤُهم لِطُولِ الزَّمانِ وآمَنُوا هم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ نَشَؤُوا مَعَ مُوسى حِينَ كَفَّ فِرْعَوْنُ عَنْ ذَبْحِ الغِلْمانِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قِيلَ لِهَؤُلاءِ " ذُرِّيَّةٌ " لِأنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسى، وإنْ كانُوا بالِغِينَ.

والثّالِثُ أنَّهم قَوْمٌ، أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

قالَ: وإنَّما سُمُّوْا ذُرِّيَّةً كَما قِيلَ لِأوْلادِ فارِسَ: الأبْناءُ، لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ مِن غَيْرِ جِنْسِ آبائِهِمْ.

وفي هاءِ " قَوْمِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى فِرْعَوْنَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ أيْ: ومَلَإ فِرْعَوْنَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " ومَلَئِهِمْ " بِالجَمْعِ، وفِرْعَوْنُ واحِدٌ، لِأنَّ المَلِكَ إذا ذُكِرَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلَيْهِ وإلى مَن مَعَهُ، تَقُولُ: قَدِمَ الخَلِيفَةُ فَكَثُرَ النّاسُ، تُرِيدُ: بِمَن مَعَهُ.

وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ: آلَ فِرْعَوْنَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

وعَلى القَوْلِ الثّانِي: يَرْجِعُ ذِكْرُ المَلَإ إلى الذُّرِّيَّةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّهُ كانَ في الذُّرِّيَّةِ مَن أبَوْهُ قِبْطِيٌّ وأُمُّهُ إسْرائِيلِيَّةٌ، فَهو مَعَ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَقُلْ: يَفْتِنُوهم، لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا عَلى مَن كانَ عَلَيْهِ.

وفي هَذِهِ الفِتْنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّعْذِيبُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَطاوِلٌ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ حِين كانَ عَبْدًا فادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ لَمّا شَكا بَنُو إسْرائِيلَ إلى مُوسى ما يُهَدِّدُهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن ذَبْحِ أوْلادِهِمْ، واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، قالَ لَهم هَذا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تُهْلِكْنا بِعَذابٍ عَلى أيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن قِبَلِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُوا بِنا، لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مِجْلَزٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُرْسِلَ مُوسى،أمَرَ فِرْعَوْنُ بِمَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ فَخُرِّبَتْ كُلُّها، ومُنِعُوا مِنَ الصَّلاةِ،كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في الكَنائِسِ فَأُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّونَ فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ.

" وتَبَوَّآ " مَعْناهُ: اتَّخِذا، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٧٤) .

وفي المُرادِ بِمِصْرَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَلَدُ المَعْرُوفُ بِمِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْكَنْدَرِّيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي البُيُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اجْعَلُوها مَساجِدَ، رَواهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فِرْعَوْنَ أمَرَ بِهَدْمِ مَساجِدِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً بَدَلًا مِنَ المَساجِدِ.

والثّانِي: اجْعَلُوها قِبَلَ القِبْلَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قِبَلَ مَكَّةَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوها مُسْتَقْبِلَةَ الكَعْبَةِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: اجْعَلُوها يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَإنْ قِيلَ: البُيُوتُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ " قِبْلَةً " عَلى التَّوْحِيدِ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْن الأنْبارِيِّ، فَقالَ: مَن قالَ: المُرادُ بِالقِبْلَةِ الكَعْبَةُ، قالَ: وُحِّدَتِ القِبْلَةُ لِتَوْحِيدِ الكَعْبَةِ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبَلًا، فاكْتَفى بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ يُرِيدُ: إنّا إخْوَتُكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَدَّ " قِبْلَةً " لِأنَّهُ أجْراها مَجْرى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم إقْبالًا عَلى اللَّهِ، وقَصْدًا لَمّا كُنْتُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُ في المَساجِدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَّدَها، والمَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم شَيْئًا قِبْلَةً، ومَكانا قِبْلَةً، ومَحَلَّةً قِبْلَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتِمُّوا الصَّلاةَ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ لَهم مِن لَدُنْ فُسْطاطِ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وزَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ وفي لامِ " لِيُضِلُّوا " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها لامُ " كَيْ " والمَعْنى: آتَيْتَهم ذَلِكَ كَيْ يُضِلُّوا وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَهم ذَلِكَ فَأصارَهم إلى الضَّلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ أيْ: آلَ أمْرُهم إلى أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا، لا أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وهَذا كَما تَقُولُ لِلَّذِي كَسَبَ مالًا فَأدّاهُ إلى الهَلاكِ: إنَّما كَسَبَ فُلانٌ لِحَتْفِهِ، وهو لَمْ يَكْسِبِ المالَ طَلَبًا لِلْحَتْفِ، وأنْشَدُوا: ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مِرْضَعَةٍ ∗∗∗ ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النّاسُ عُمْرانًا وَقالَ آخَرُ: ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الوالِداتُ سِخالَها ∗∗∗ كَما لِخَرابِ الدُّورِ تُبْنى المَساكِنُ وَقالَ آخَرُ: فَإنْ يَكُنِ المَوْتُ أفْناهم ∗∗∗ فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَهْ أرادَ: عاقِبَةُ الأمْرِ ومَصِيرُهُ إلى ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّها لامُ الدُّعاءِ، والمَعْنى: رَبَّنا ابْتَلِهِمْ بِالضَّلالِ عَنْ سَبِيلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها لامُ أجْلِ، فالمَعْنى: آتَيْتَهم لِأجْلِ ضَلالَتِهِمْ عُقُوبَةً مِنكَ لَهم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ  ﴾ أيْ: لِأجْلِ إعْراضِكم، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا المُفَضَّلَ، وزَيْدٌ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لِيُضِلُّوا غَيْرَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ ﴾ رَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " اطْمُسْ " بِضَمِّ المِيمِ، " عَلى أمْوالِهِمْ " وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جُعِلَتْ حِجارَةً، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.

وقالَ القُرَظِيُّ: جَعَلَ سُكَّرُهم حِجارَةً.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَ ذَهَبُهم ودَراهِمُهُم وعَدَسُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَخَ اللَّهُ النَّخْلَ والثِّمارَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً، فَكانَتْ إحْدى الآياتِ التِّسْعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَطْمِيسُ الشَّيْءِ: إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ والِانْتِفاعُ بِهِ عَلى الحالِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها.

والثّانِي: أنَّها هَلَكَتْ فالمَعْنى: أهْلَكَ أمْوالَهم، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ يُقالُ: طُمِسَتْ عَيْنُهُ، أيْ: ذَهَبَتْ، وطُمِسَ الطَّرِيقُ إذا عَفا ودَرَسَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اطْبَعْ عَلَيْها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أهْلِكْهم كُفّارًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: قَسِّ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: فَلا آمَنُوا، قالَ الأعْشى: فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ مَعْناهُ: لا انْبَسَطَ ولا لَقِيتَنِي والثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، فالمَعْنى: أنَّك آتَيْتَهم لِيُضِلُّوا فَلا يُؤْمِنُوا، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الغَرَقُ، وكانَ مُوسى يَدْعُو، وهارُونُ يُؤَمِّنُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ ، وكانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " دَعْوَتُكُما " وهُما دَعْوَتانِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّعْوَةَ تَقَعُ عَلى دَعْوَتَيْنِ وعَلى دَعَواتٍ وكَلامٍ يَطُولُ كَما بَيَّنّا في (الأعْرافِ:١٥٨) أنَّ الكَلِمَةَ تَقَعُ عَلى كَلِماتٍ قالَ الشّاعِرُ: وكانَ دَعا دَعْوَةً قَوْمَهُ ∗∗∗ هَلُمَّ إلى أمْرِكم قَدْ صُرِمَ فَأوْقَعَ " دَعْوَةً " عَلى ألْفاظٍ بَيَّنَها آخِرَ بَيْتِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعَواتُكُما، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِن ذِكْرِ الجَمِيعِ، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " دَعَواتُكُما " بِالألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ مُوسى هو الَّذِي دَعا، فالدَّعْوَةُ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا أمَّنَ هارُونُ، أُشْرِكَ بَيْنَهُما في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ التَّأْمِينَ عَلى الدَّعْوَةِ مِنها.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَقِيما ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاسْتَقِيما عَلى الرِّسالَةِ وما أمَرْتُكُما بِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فاسْتَقِيما عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: فاسْتَقِيما في دُعائِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

والرّابِعُ: فاسْتَقِيما عَلى دِينِي، ذَكَرَهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ تاءِ " تَتَّبِعانِّ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى تَشْدِيدِ نُونِ " تَتَّبِعانِّ "، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ لِلنَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، واخْتِيرَ لَها الكَسْرُ لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ، فَشُبِّهَتْ بِنُونِ الِاثْنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن خَفَضَ النُّونَ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ النُّونَ الثَّقِيلَةَ، فَإنْ شِئْتَ كانَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، والمَعْنى الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: " يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ " [البَقَرَةِ:٢٢٨ و٢٣٤] و ﴿ تُضارَّ والِدَةٌ  ﴾ أيْ: لا يَنْبَغِي ذَلِكَ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: " فاسْتَقِيما " تَقْدِيرُهُ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعَيْنِ.

وفي المُرادِ بِسَبِيلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَدْعُوَ مُوسى عَلى قَوْمِهِ ؟

فالجَوابُ: أنْ بَعْضَهم يَقُولُ: كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ، وهو قَوْلٌ صَحِيحٌ، لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ أنْ يُقْدِمَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ إلّا عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ دُعاءَهُ سَبَبٌ لِلِانْتِقامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتْبَعَهم وتَبِعَهم سَواءٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أتْبَعَهم: لَحِقَهم.

﴿ بَغْيًا وعَدْوًا ﴾ أيْ: ظُلْمًا.

وقَرَأ الحَسَنُ " فاتَّبَعَهم " بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ شَدَّدُوا " وعُدُّوًا " مَعَ ضَمِّ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " أنَّهُ " بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى: آمَنتُ بِأنَّهُ فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وصَلَ الفِعْلُ إلى " أنْ " فَنُصِبَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنَّهُ " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ قالَ: آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَنَحَ فِرْعَوْنُ إلى التَّوْبَةِ حِينَ أُغْلِقَ بابُها لِحُضُورِ المَوْتِ ومُعايَنَةِ المَلائِكَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ آلآنَ ﴾ أيْ: الآنَ تَتُوبُ وقَدْ أضَعْتَ التَّوْبَةَ في وقْتِها، ﴿ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟

والمُخاطِبُ لَهُ بِهَذا كانَ جِبْرِيلُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ الطِّينَ في فَمِ فِرْعَوْنَ خَشْيَةَ أنْ يُغْفَرَ لَهُ.

قالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، وكانَ يَذْكُرُ اللَّهَ، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ سَألَ اللَّهَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " نُنْجِيكَ " مُخَفَّفَةً.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ، مِنهم يُونُسُ وأبُو عُبَيْدَةَ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ: ارْتِفاعٍ، لِيَصِيرَ عَلَمًا أنَّهُ قَدْ غَرِقَ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " نُنَحِّيكَ " بِحاءٍ.

وفي سَبَبِ إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ بَعْدَ غَرَقِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى وأصْحابَهُ لَمّا خَرَجُوا، قالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَدائِنِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما أُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّهُ هو وأصْحابَهُ يَتَصَيَّدُونَ في جَزائِرِ البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَكانَتْ نَجاةَ عِبْرَةٍ، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى البَحْرِ: أنِ الفِظْ ما فِيكَ، فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ بِالسّاحِلِ، ولَمْ يَكُنْ يَلْفِظُ غَرِيقًا، فَصارَ لا يَقْبَلُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أصْحابَ مُوسى قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ ما غَرِقَ، ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ، فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَأخْرَجَهُ حَتّى أيْقَنُوا بِهَلاكِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: لَمْ يَغْرَقْ فِرْعَوْنُ، دَعا مُوسى، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ الحَدِيدُ، فَأخَذَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ يُمَثِّلُونَ بِهِ.

وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ إنَّما أُخْرِجَ مِنَ البَحْرِ وحْدَهُ دُونَ أصْحابِهِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِغَرَقِهِ، فَرَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى رَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: عَرَفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ بِدِرْعٍ كانَ لَهُ مِن لُؤْلُؤٍ لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ مِثْلُها.

فَأمّا وجْهُهُ فَقَدْ غَيَّرَهُ سُخْطُ اللَّهِ تَعالى.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، وكانَ يَعْبُدُهُ قَوْمٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ، فَأغْرَقَهُ وأصْحابَهُ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مِن بَيْنِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِجَسَدِكَ مِن غَيْرِ رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وذِكْرُ البَدَنِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الرَّوْحِ.

والثّانِي: بِدِرْعِكَ، قالَهُ أبُو صَخْرٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ كانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ، فَعُرِفَ بِدِرْعِهِ.

والثّالِثُ: نُلْقِيكَ عُرْيانًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: نُنَجِّيكَ وحْدَكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِتَكُونَ لِمَن بَعْدَكَ في النَّكالِ آيَةً لِئَلّا يَقُولُوا مِثْلَ مَقالَتِكَ، فَإنَّكَ لَوْ كُنْتَ إلَهًا ما غَرِقْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " خَلْفَكَ " بِمَعْنى بَعْدَكَ، والآيَةُ: العَلامَةُ.

والثّانِي: لِتَكُونَ لِبَنِي إسْرائِيلَ آيَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لِمَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِهِ، لِأنَّهم أنْكَرُوا غَرَقَهُ عَلى ما ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ، فَخَرَجَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبْرَةٌ لِلنّاسِ.

والثّانِي: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى غَرَقِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الآيَةُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، فَبانَ أمْرُهُ، وأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ لَمّا غَرِقُوا.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ " لِمَن خَلَقَكَ " بِالقافِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ المَعْنى: فَما صَدَّقَ مُوسى، ولَفْظَةُ "ءامَنَ" تَتَعَدّى بِالباءِ، وتَتَعَدّى بِاللامِ وفي ضِمْنِ المَعْنى الباءُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ الَّذِي في "قَوْمِهِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، فَمَن قالَ إنَّ العَوْدَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ وصْفُ حالِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ مَبْعَثِهِ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِهِ إلّا فِتْيانٌ وشَبابٌ أكْثَرُهم أُولُو آباءٍ كانُوا تَحْتَ خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ، فالضَمِيرُ في "المَلَإ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، وتَكُونُ الفاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ لا مُرَتِّبَةً.

وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ بِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وإنَّما آمَنَ ذُرِّيّاتُهم بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ واضِحٍ، وإذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنًى لِتَخْصِيصِهِمْ بِاسْمِ الذُرِّيَّةِ، وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا، وهَيْئَةُ قَوْلُهُ: ﴿ فَما آمَنَ ﴾ تُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوجَبَهُ لِلْبَعْضِ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لِأوجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الذُرِّيَّةِ: "إنَّهُ القَلِيلُ"، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَةَ الذُرِّيَّةِ هي بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذَرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتَهم كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، فَكانَ يُقالُ لَهُمُ:الذُرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهْرَزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، والأمْرُ بِكَمالِهِ في السِيَرِ.

وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا يُضْعِفُ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ تَقَدَّمَتْ فِيهِمُ النُبُوّاتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ وقَدْ رَجَوا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أصَفُقُوا عَلَيْهِ واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ؟

فالَّذِي يَتَرَجَّحُ -بِحَسَبِ هَذا- أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ: "هَذا سِحْرٌ"، فَذَكَرَ اللهُ ذَلِكَ عنهُمْ، ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ هَذِهِ أقْوالُهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ، -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- والسَحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وتَكُونُ القِصَّةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةٌ لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ.

ولِاعْتِقادِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَخَبَّطُوا في عَوْدِ الضَمِيرِ في "مَلَئِهِمْ"، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ذِكْرُ فِرْعَوْنَ وهو المَلِكُ يَتَضَمَّنُ الجَماعَةَ والجُنُودَ، كَما تَقُولُ: "جاءَ الخَلِيفَةُ، وسافَرَ المَلِكُ" وأنْتَ تُرِيدُ جُيُوشَهُ مَعَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: "عَلى خَوْفٍ مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ"، وهو مِن بابِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَنْظِيرُ غَيْرُ جَيِّدٍ لِأنَّ إسْقاطَ المُضافِ في قَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ هو سائِغٌ بِسَبَبِ ما يُعْقَلُ مِن أنَّ القَرْيَةَ لا تَسْألُ، فَفي الظاهِرِ دَلِيلٌ عَلى ما أُضْمِرَ، وأمّا هاهُنا فالخَوْفُ مِن فِرْعَوْنَ مُتَمَكِّنٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى إضْمارٍ، إمّا إنَّهُ رُبَّما احْتَجَّ أنَّ الضَمِيرَ المَجْمُوعَ في "وَمَلَئِهِمْ" يَقْتَضِي ذَلِكَ، والخَوْفُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الأفْعالِ والأحْداثِ الَّتِي لِلْجُثَّةِ، ولَكِنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ولِقَصْدِ الإيجازِ أُضِيفَ إلى الأشْخاصِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن "فِرْعَوْنَ" وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، فَـ "أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَرّاحُ "أنْ يُفْتِنَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ، ثُمَّ أخْبَرَ عن فِرْعَوْنَ بِالعُلُوِّ في الأرْضِ والإسْرافِ في الأفْعالِ والقَتْلِ والدَعاوى لِيَتَبَيَّنَ عُذْرَ الخائِفِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ ﴾ إلى ﴿ الكافِرِينَ ﴾ .

ابْتِداءُ حِكايَةِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِجَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ المُؤْمِنِينَ مِنهم مُؤْنِسًا لَهم ونادِبًا إلى التَوَكُّلِ عَلى اللهِ الَّذِي بِيَدِهِ النَصْرُ، ومَسْألَةُ التَوَكُّلِ مُتَشَعِّبَةٌ لِلنّاسِ فِيها خَوْضاتٌ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ التَوَكُّلَ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ هو مُقْتَرِنٌ بِتَسَبُّبٍ جَمِيلٍ عَلى مُقْتَضى الشَرْعِ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ  : « "قَيِّدْها وتَوَكَّلْ"»، فَقَدْ جَعَلَهُ مُتَوَكِّلًا مَعَ التَقْيِيدِ، والنَبِيُّ  رَأْسُ المُتَوَكِّلِينَ، وقَدْ تَسَبَّبَ عُمْرَهُ كُلَّهُ، وكَذَلِكَ السَلَفُ كُلُّهُ، فَإنْ شَذَّ مُتَوَكِّلٌ فَتَرَكَ التَسَبُّبَ جُمْلَةً فَهي رُتْبَةٌ رَفِيعَةٌ ما لَمْ يُسْرِفْ بِها إلى حَدِّ قَتْلِ نَفْسِهِ وإهْلاكِها، كَمَن يَدْخُلُ غارًا خَفِيًّا يَتَوَكَّلُ فِيهِ فَهَذا ونَحْوُهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وما رُوِيَ مِن إقْدامِ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ عَلى الأسَدِ ونَحْوِ ذَلِكَ كُلِّهِ ضَعِيفٌ، ولِلصَّحِيحِ مِنهُ قَرائِنُ تُسَهِّلُهُ، ولِلْمُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ  ﴾ ، ولَهم قالَ: ﴿ وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا  ﴾ ، «وَقَوْلُ النَبِيِّ  في مَدْحِ السَبْعِينَ ألْفًا مِن أُمَّتِهِ: ( وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )» لَيْسَ فِيهِ أنَّهم يَتْرُكُونَ التَسَبُّبَ جُمْلَةً واحِدَةً، ولا حُفِظَ عن عُكّاشَةَ أنَّهُ تَرَكَ التَسَبُّبَ، بَلْ كانَ يَغْزُو ويَأْخُذُ سِهامَهُ، وأعْنِي بِذَلِكَ تَرْكَ التَسَبُّبِ في الغِذاءِ، وأمّا تَرْكُ التَسَبُّبِ في الطِبِّ فَسَهْلٌ وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ جُبِلَ عَلَيْهِ دُونَ نِيَّةٍ وحِسْبَةٍ، فَكَيْفَ بِمَن يَحْتَسِبُ؟

وقالَ لَهُمْ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: "إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ" تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ يُرِيدُ: أهْلَ طاعَةٍ مُنْضافَةٍ إلى الإيمانِ المَشْرُوطِ، فَذِكْرُ الإسْلامِ فِيهِ زِيادَةُ مَعْنًى، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أجابَ بَنُو إسْرائِيلَ بِنِيَّةِ التَوَكُّلِ عَلى اللهِ والنُطْقِ بِذَلِكَ، ثُمَّ دَعَوْا في ألّا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلظَّلَمَةِ، والمَعْنى: لا تُنْزِلْ بِنا بَلاءً بِأيْدِيهِمْ أو بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُجاوَرَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ إهْلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الدُعاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَتَضَمَّنُ دَفْعَ فَصْلَيْنِ، أحَدُهُما: القَتْلُ والبَلاءُ الَّذِي تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُونَ، والآخَرُ: ظُهُورُ الشِرْكِ بِاعْتِقادِ أهْلِهِ أنَّهم أهْلُ الحَقِّ، وفي ذَلِكَ فَسادُ الأرْضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ  : "بِئْسَ المَيِّتُ أبُو أُمامَةَ لِيَهُودَ والمُشْرِكِينَ، يَقُولُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ"»، ويَحْتَمِلِ اللَفْظُ مِنَ التَأْوِيلِ، وقَدْ قالَتْهُ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى: لا تَفْتِنْهم وتَبْتَلِهِمْ بِقَتْلِنا فَتُعَذِّبَهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ قَلَقٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف بقية القصة على أولها فهو عطف على جملة ﴿ وقال فرعون ﴾ [يونس: 79]، وهذا خطاب موسى لجميع قومه وهم بنو إسرائيل الذين بمصر، وهو يدل على أنه خاطبهم بذلك بعد أن دعاهم وآمنوا به كما يؤذن به قوله: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ .

والغرض منه تثبيت الذين آمنوا به في حضرة فرعون على توكلهم، وأمْرُ مَن عداهم الذين خاف ذريتُهم أن يؤنبوهم على إظهار الإيمان بأن لا يُجبِّنوا أبناءهم، وأن لا يخشوا فرعون، ولذلك قال: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ﴾ .

والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله حقاً كما أظهرتْه أقوالكم فعليه اعتمدوا في نصركم ودفع الضر عنكم ولا تعتمدوا في ذلك على أنفسكم بمصانعة فرعون ولا على فرعون بإظهار الولاء له.

وأراد إثارة صدق إيمانهم وإلهابَ قلوبهم بجعل إيمانهم معلقاً بالشرط محتمل الوقوع، حيث تخوفوا من فرعون أن يفتنهم فأرادوا أن يكتموا إيمانهم تقية من فرعون وملئهم، وإنما جَعل عدم اكتراثهم ببطش فرعون علامة على إيمانهم لأن الدعوة في أول أمرها لا تتقوم إلا بإظهار متبعيها جماعتَهم، فلا تغتفر فيها التقية حينئذٍ.

وبذلك عمل المسلمون الأولون مثل بلال، وعمار، وأبي بكر، فأعلنوا الإيمان وتحملوا الأذى، وإنما سوغت التقية للآحاد من المؤمنين بعد تقوم جامعة الإيمان فذلك محل قوله تعالى: ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ [النحل: 106].

فتقديم المجرور على متعلقه في قوله: ﴿ فعليه توكلوا ﴾ لإفادة القصر، وهو قصر إضافي يفسره قوله: ﴿ على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ﴾ [يونس: 83]، فآل المعنى إلى نهيهم عن مخافة فرعون.

والتوكلُ: تقدم آنفاً في قصة نوح.

وجملة: ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ شرط ثان مؤكد لشرط ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ ، فحصل من مجموع الجملتين أن حصول هذا التوكل متوقف على حصول إيمانهم وإسلامهم، لمزيد الاعتناء بالتوكل وأنه ملازم للإيمان والإسلام، ومبين أيضاً للشرط الأول، أي إن كان إيمانكم إيمان مسلم لله، أي مخلص له غير شائب إياه بتردد في قدرة الله ولا في أن وعده حق، فَحصَل من مجموع الشرطين ما يقتضي تعليق كل من الشرطين على الشرط الآخر.

وهذا من مسألة تعليق الشرط على الشرط، والإيمان: تصديق الرسول فيما جاء به وهو عمل قلبي، ولا يعتبر شرعاً إلا مع الإسلام، والإسلامُ: النطق بما يدل على الإيمان ولا يعتبر شرعاً إلا مع الإيمان، فالإيمان انفعال قلبي نفساني، والإسلام عمل جسماني، وهما متلازمان في الاعتداد بهما في اتّباع الدين إذ لا يعلم حصول تصديق القلب إلا بالقول والطاعة، وإذ لا يكون القول حقاً إلا إذا وافق ما في النفس، قال تعالى: ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 14].

وقد ورد ذلك صريحاً في حديث سؤال جبريل في «الصحيحين».

وليس المراد أنهم إن لم يتوكلوا كانوا مؤمنين غير مسلمين، ولا أنهم إن توكلوا كانوا مسلمين غير مؤمنين، لأن ذلك لا يساعد عليه التدين بالدين.

ومن ثم كان قوله: ﴿ فعليه توكلوا ﴾ جواباً للشرطين كليهما.

أي يقدر للشرط الثاني جواب مماثل لجواب الشرط الأول.

هذا هو محمل الآية وما حاوله كثير من المفسرين خروج عن مهيع الكلام.

وقد كان صادق إيمانهم مع نور الأمر النبوي الذي واجههم به نبيئهم مسرعاً بهم إلى التجرد عن التخوف والمصانعة، وإلى عقد العزم على التوكل على الله، فلذلك بادروا بجوابه بكلمة ﴿ على الله توكلنا ﴾ مشتملة على خصوصية القصر المقتضي تجردهم عن التوكل على غير الله تعالى.

وأشير إلى مبادرتهم بأن عطفت جملة قولهم ذلك على مقالة موسى بفاء التعقيب خلافاً للأسلوب الغالب في حكاية جمل الأقوال الجارية في المحاورات أن تكون غير معطوفة، فخولف مقتضى الظاهر لهذه النكتة.

ثم ذيَّلوا كلمتهم بالتوجه إلى الله بسؤالهم منه أن يقيهم ضر فرعون، ناظرين في ذلك إلى مصلحة الدين قبل مصلحتهم لأنهم إن تمكن الكفرة من إهلاكهم أو تعذيبهم قويت شوكة أنصار الكفار فيقولون في أنفسهم: لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ما أصابهم فيفتتن بذلك عامةُ الكفرة ويظنون أن دينهم الحق.

والفتنة: تقدم تفسيرها آنفاً.

وسموا ذلك فتنة لأنها تزيد الناس توغلا في الكفر، والكفر فتنة.

والفتنة مصدر.

فمعنى سؤالهم أن لا يجعلهم الله فتنة هو أن لا يجعلهم سبب فتنة، فتعدية فعل ﴿ تجعلنا ﴾ إلى ضميرهم المخبر عنه بفتنة تعدية على طريقة المجاز العقلي، وليس الخبر بفتنة من الإخبار بالمصدر إذ لا يفرضون أن يكونوا فاتنين ولا يسمح المقام بأنهم أرادوا لا تجعلنا مفتونين للقوم الظالمين.

ووصفوا الكفار ب ﴿ الظالمين ﴾ لأن الشرك ظلم، ولأنه يشعر بأنهم تلبسوا بأنواع الظلم: ظلم أنفسهم، وظلم الخلائق، ثم سألوا ما فيه صلاحهم فطلبوا النجاة من القوم الكافرين، أي من بطشهم وإضرارهم.

وزيادة ﴿ برحمتك ﴾ للتبرؤ من الإدلال بإيمانهم لأن المنة لله عليهم، قال تعالى: ﴿ قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ﴾ [الحجرات: 17].

وذكر لفظ القوم في قوله: ﴿ للقوم الظالمين ﴾ وقوله: ﴿ من القوم الكافرين ﴾ للوجه الذي أشرنا إليه في أواسط البقرة، وفي هذه السورة غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في الإسْلامِ إلَيْهِ.

الثّانِي: في الثِّقَةِ بِهِ.

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونَنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُونَ بِنا لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى وأبُو مِجْلَزٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ يَعْنِي تَخَيَّرا واتَّخِذا لَهم بُيُوتًا يَسْكُنُونَها، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِمِصْرَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ البَلَدُ المُسَمّى مِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ بُيُوتًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُصُورًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: واجْعَلُوها مَساجِدَ تُصَلُّونَ فِيها، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ فِرْعَوْنَ أنْ يُصَلُّوا في كَنائِسِهِمْ ومَساجِدِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ والنَّخَعِيُّ.

الثّانِي: واجْعَلُوا مَساجِدَكم قِبَلَ الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في بُيُوتِكم لِتَأْمَنُوا فِرْعَوْنَ.

الثّانِي: إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ لِتَصِحَّ صَلاتُكم.

﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذرية ﴾ قال: الذرية القليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذرية من قومه ﴾ قال: من بني إسرائيل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ﴾ قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الذرية التي آمنت بموسى من أناس بني إسرائيل من قوم فرعون، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ونعيم بن حماد في الفتن وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على الحق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي قلابة رضي الله عنه في قول موسى عليه السلام ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: سأل ربه أن لا يظهر علينا عدوّنا فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ قال: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَنَجِّنَا ﴾ الآية، وذلك أنهم كانوا يستعبدونهم ويأخذونهم بالأعمال الشاقة والمهن الخسيسة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ أي لا تمكنهم من عذابنا فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما عذبناهم فيفتنون بذلك ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ أي اتخذ لهم بيوتاً للصلاة والعبادة، وقيل: إنه أراد الإسكندرية ﴿ واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ أي مساجد وقيل: موجهة إلى جهة القبلة، فإن قيل: لم خص موسى وهارون بالخطاب في قوله أن تبوآ.

ثم خاطب معهما بنو إسرائيل في قوله: واجعلوا، فالجواب: أن قوله تبوّآ من الأمور التي يختص بها الأنبياء وأولوا الأمر ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ أمر لموسى عليه السلام، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: من بعد من ذكرنا من الرسل.

﴿ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ : بعثهما إلى الملأ وغير الملأ.

﴿ بِآيَـٰتِنَا ﴾ : يحتمل الوجوه التي ذكرنا.

﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ : هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها آيات، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قوماً مجرمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: الحجج والآيات من عندنا، ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى، ﴿ لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يسمون الحجج والبراهين سحراً لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا للحجج إنها سحر، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم فيتبعونه.

وقال بعضهم: الحق هو الإسلام والدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ .

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدين لأنه جاءهم بالدين، وجاءهم أيضاً بحجج الدين وآياته، قالوا: الحجج: الدين، والإسلام: سحر، ففي التأويلين جميعاً سموا الحجج سحراً.

وقوله: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: بأمرنا، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ أي: الإسلام هو الدين [الذي] أمر الله به، لا أنه يفهم للـ (عند) مكان ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن معنى الـ (عند) معنى الأمر، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ  ﴾ يعني الملائكة ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  ﴾ أي: [إن] الذين بأمر ربّك يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته لما أنه لم يفهم من مجيء الحق من عنده مكان، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ  ﴾ المكان أو قرب المكان منه، ولكن التأويل ما ذكرنا أن المفهوم من عند الله أمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا ﴾ : والحق ما ذكرنا.

﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ : الإفلاح هو الظفر بالحاجة، يقول: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا [يظفر الساحر] بالحاجة ولا يغلب؛ لأن السحر باطل ولا يغلب الباطل الحق، بل الحق هو الغالب.

والسحر هو المغلوب على ما غلب الحق الذي جاء به موسى السحر الذي جاء سحرة فرعون.

أو يقول: لا يفلح الساحرون في الآخرة بسحرهم في الدنيا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ بسحرهم في حال سحرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ  ﴾ ، و ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 117\] أي: لا يفلحون بظلمهم في حال ظلمهم، وأما إذا تركوا الظلم فقد أفلحوا، فعلى ذلك السحرة إذ تركوا السحر فقد أفلحوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ﴾ قيل: لتصرفنا وتصدنا.

قال القتبي: لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه وهو الانصراف.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ أي: تردنا وتصرفنا على ما ذكر القتبي، قال: يقال: لفته يلفته لفتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ : من عبادة الأصنام والأوثان.

ويحتمل ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والطاعة له.

﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: الكبرياء الملك والسلطان والشرف، أي: الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما [باتباع الناس لكما؛ لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف ويحتمل ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: الألوهية التي كان يدعى فرعون لنفسه لكما] لأن عندهم أن كل من أطيع واتبع فقد عبد ونصب إلها.

﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بمصدقين فيما تدعوننا إليه أو ما تدعون من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ هذا من فرعون ينقض ما ادعى من الألوهية؛ حيث أظهر الحاجة إلى غيره ولا يجوز أن يكون المحتاج إلهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقَواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أي: سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به، أي: يجعله مغلوباً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا يغلب الساحرون ولا يظفرون بالحاجة.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: لا يصلح ما أفسدوا من أعمالهم فيجعلهم صالحين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ يُصْلِحُ ﴾ أي: لا يرضي بعمل المفسدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : ذكر أن يحق الحق والحق حق وإن لم يحق الحق، وكذلك ذكر في الباطل ليبطل الباطل والباطل باطل وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ ﴾ ويبطل الباطل، أي: ليجعل الحق في الابتداء حقا فيصير حقا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلا، فيكون باطلا أي: بإبطاله الباطل يكون باطلا وبتحقيقه الحق [يكون حقّاً وهو ما يقال: هداه فاهتدى، وأضله فضل، أي: بهدايته اهتدى وبضلاله ضل؛ فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل وبتحقيقه الحق حق]، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل يحق الحق بكلماته [أي: برسله؛ إذ بالرسل يظهر الحق وبهم يظهر بطلان الباطل وهم حجج الله في الأرض وبالحجج يظهر الحق، وكذلك الباطل.

ويحتمل ما ذكر أهل التأويل بكلماته: آياته التي أنزل عليه، بها ظهر حقيقة ما أتى به موسى وبها ظهر بطلان ما أتى به السحرة من السحر.

ويحتمل كلماته] ما وعد موسى قومه من العذاب الذي وعد [من الظفر بأعدائهم والنصر عليهم وغير ذلك ما وعد من] النعمة لهم؛ كقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم موسى لما قيل: إن موسى كان من أولاد إسرائيل، فهم من ذريته من هذا الوجه، يقال: أهل بيت فلان وإن لم يكن البيت له.

ويحتمل [قوله]: ﴿ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم فرعون فهو نسب إليه لما ذكرنا.

وقال أهل التأويل: أراد بالذرية القليل منهم، أي: ما آمن منهم إلا القليل، ولكن لا ندري ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ ﴾ .

يحتمل: ما آمن من آمن من قومه إلا على خوف من فرعون وملئه أي: آمنوا، أي: وإن خافوا من فرعون وملئه.

ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ  ﴾ كان مؤمناً فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ وختم بالإسلام بقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك تضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه، والله أعلم.

والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية.

وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة لما آمنوا: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 124]، فقال عند ذلك: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ ﴾ في دفع ذلك عنكم، فقالوا: ﴿ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل ما قاله على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ما قيل أي: يقتلهم ويعذبهم، والله أعلم.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ونحن على ضلال وباطل.

والثاني: لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ فيه أن قوله: الظالمين والكافرين واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وخلِّصنا برحمتك -ربنا- من أيدي قوم فرعون الكافرين، فقد استعبدونا وآذونا بالتعذيب والقتل.

<div class="verse-tafsir" id="91.2Z3vP"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله