تفسير الآية ٢ من سورة الفيل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 105 الفيل > الآية ٢ من سورة الفيل

أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍۢ ٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 15 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢ من سورة الفيل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.

تفسير الآية ٢ من سورة الفيل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

بأن الله سبحانة أهلكهم ودمرهم وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرا.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ) يقول: ألم يجعل سعي الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة ( فِي تَضْلِيلٍ ) يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم يجعل كيدهم في تضليلقوله تعالى : ألم يجعل كيدهم في تضليل أي في إبطال وتضييع ; لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي ، والبيت بالتخريب والهدم .

فحكي عن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله على فرس له ، ينظر ما لقوا من تلك الطير ، فإذا القوم مشدخين جميعا ، فرجع يركض فرسه ، كاشفا عن فخذه ، فلما رأى ذلك أبوه قال : إن ابني هذا أفرس العرب .

وما كشف عن فخذه إلا بشيرا أو نذيرا .

فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت ، قالوا : ما وراءك ؟

قال : هلكوا جميعا .

فخرج عبد المطلب وأصحابه ، فأخذوا أموالهم .

وكانت أموال بني عبد المطلب منها ، وبها تكاملت رياسة عبد المطلب ; لأنه احتمل ما شاء من صفراء وبيضاء ، ثم خرج أهل مكة بعده ونهبوا .

وقيل : إن عبد المطلب حفر حفرتين فملأهما من الذهب والجوهر ، ثم قال لأبي مسعود الثقفي وكان خليلا لعبد المطلب - : اختر أيهما شئت .

ثم أصاب الناس من أموالهم حتى ضاقوا ذرعا ، فقال عبد المطلب عند ذلك :أنت منعت الحبش والأفيالا وقد رعوا بمكة الأجبالا وقد خشينا منهم القتالاوكل أمر لهم معضالاشكرا وحمدا لك ذا الجلالاقال ابن إسحاق : ولما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا ، وقالوا : هم : أهل الله ، قاتل الله عنهم وكفاهم مئونة عدوهم .

وقال عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، في قصة أصحاب الفيل :أنت الجليل ربنا لم تدنس أنت حبست الفيل بالمغمسمن بعد ما هم بشر مبلس حبسته في هيئة المكركسوما لهم من فرج ومنفسوالمكركس : المنكوس المطروح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كفى الله شرهم، ورد كيدهم في نحورهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألم يجعل كيدهم في تضليل ) " كيدهم " يعني مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة .

وقوله : " في تضليل " عما أرادوا ، وأضل كيدهم حتى لم يصلوا إلى الكعبة ، وإلى ما أرادوه بكيدهم .

قال مقاتل : في خسارة ، وقيل : في بطلان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم يجعل» أي جعل «كيدهم» في هدم الكعبة «في تضليل» خسارة وهلاك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم يجعل ما دبَّروه من شر في إبطال وتضييع؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ) للتقرير - أيضا - أى : لقد جعل الله - تعالى - مكر أصحابا الفيل وسعيهم لتخريب الكعبة ، فى ( تَضْلِيلٍ ) أى : فى تخسير وإبطال وتضييع ، بأن تبرهم - سبحانه - تتبيرا ودمرهم تدميرا .والكيد : إرادة وقوع الإِضرار بالغير فى خفية ، وسمى - سبحانه - ما فعله أبراهة وجيشه كيدا ، مع أنهم جاءوا لهدم الكعبة جهارا نهارا .

.

لأنهم كانوا يضمرون من الحقد والحسد والعداوة لأهل مكة ، أكثر مما كانوا يظهرونه ، فهم - كما قال - تعالى - : ( قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ .

.

) والمقصود بالتضليل هن : التضييع والإِبطال .

تقول : ضللت كيد فلان ، إذا جعلته باطلا ضائعا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية، إن قيل: فلم سماه كيداً وأمره كان ظاهراً، فإنه كان يصرح أنه يهدم البيت؟

قلنا: نعم، لكن الذي كان في قلبه شر مما أظهر، لأنه كان يضمر الحسد للعرب، وكان يريد صرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة منهم ومن بلدهم إلى نفسه وإلى بلدته.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه تعالى لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته، كقوله: الصوم لي والجواب: أنه ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فلم لا يكفي في حسن هذه الإضافة وقوعه مطابقاً لإرادتهم واختيارهم؟.

المسألة الثالثة: ﴿ فِى تَضْلِيلٍ ﴾ أي في تضييع وإبطال يقال: ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِي ضلال  ﴾ وقيل لامرئ القيس الملك الضليل، لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه بمعنى أنهم كادوا البيت أولاً ببناء القليس وأرادوا أن يفتتحوا أمره بصرف وجوه الحاج إليه، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه، ثم كادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل بإرسال الطير عليهم، ومعنى حرف الظرف كما يقال: سعى فلان في ضلال، أي سعيهم كان قد ظهر لكل عاقل أنه كان ضلال وخطأ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ، وهي خَمْسُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  ، وهو وإنْ لَمْ يَشْهَدْ تِلْكَ الوَقْعَةَ لَكِنْ شاهَدَ آثارَها وسَمِعَ بِالتَّواتُرِ أخْبارَها فَكَأنَّهُ رَآها، وإنَّما قالَ: كَيْفَ ولَمْ يَقُلْ ما لِأنَّ المُرادَ تَذْكِيرُ ما فِيها مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وعِزَّةِ بَيْتِهِ وشَرَفِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّها مِنَ الإرْهاصاتِ.

إذْ رُوِيَ أنَّها وقَعَتْ في السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ  .

قِصَّتُها أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ الأشْرَمَ مَلِكَ اليَمَنِ مِن قَبْلِ أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ- بَنى كَنِيسَةً بِصَنْعاءَ وسَمّاها القُلَّيْسَ، وأرادَ أنْ يَصْرِفَ الحاجَّ إلَيْها، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ فَقَعَدَ فِيها لَيْلًا فَأغْضَبَهُ ذَلِكَ، فَحَلَفَ لَيَهْدِمَنَّ الكَعْبَةَ فَخَرَجَ بِجَيْشِهِ ومَعَهُ فِيلٌ قَوِيٌّ اسْمُهُ مَحْمُودٌ، وفِيَلَةٌ أُخْرى فَلَمّا تَهَيَّأ لِلدُّخُولِ وعَبّى جَيْشَهُ قَدَّمَ الفِيلَ، وكانَ كُلَّما وجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ بَرَكَ ولَمْ يَبْرَحْ، وإذا وجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ أوْ إلى جِهَةٍ أُخْرى هَرْوَلَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى طَيْرًا، كُلُّ واحِدٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، أكْبَرُ مِنَ العَدَسَةِ وأصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ، فَتَرْمِيهِمْ فَيَقَعُ الحَجَرُ في رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ فَهَلَكُوا جَمِيعًا.

وقُرِئَ «ألَمْ تَرَ» جِدًّا في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ، وكَيْفَ نُصِبَ بِفِعْلٍ لا بَتْرَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.

﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ ﴾ في تَعْطِيلِ الكَعْبَةِ وتَخْرِيبِها.

﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ بِأنْ دَمَّرَهم وعَظَّمَ شَأْنَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ} في تضييع وإبطال يقال ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعا وقيل لامرئ القيس الملك الضليل لأنه ضلل ملك أبيه أى ضيعه يعنى أنهم كادوا البيت او ببناء القليس ليصرفوا وجو الحاج إليه فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه وكادوه ثانيا بارادة هدمه فضلل كيدهم بارسل الطير عليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ ﴾ إلَخْ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ كَما سَبَقَ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ ما بَعْدَها كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جُعِلَ كَيْدُهم في تَعْطِيلِ الكَعْبَةِ وتَخْرِيبِها وصَرْفِ شَرَفِ أهْلِها لَهم في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ؛ بِأنْ دَمَّرَهم أشْنَعَ تَدْمِيرٍ، وأصْلُ التَّضْلِيلِ مِن ضَلَّ عَنْهُ إذا ضاعَ فاسْتُعِيرَ هُنا لِلْإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ الضِّلِّيلُ؛ لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ وضَيَّعَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استفهام تقريري وقد بيّنّا غير مرة أن الاستفهام التقريري كثيراً ما يكون على نفي المقرَّر بإثباته للثقة بأن المقرَّر لا يسعه إلا إثبات المنفي وانظر عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ في سورة البقرة (243).

والاستفهام التقريري هنا مجاز بعلاقة اللزوم وهو مجاز كثر استعماله في كلامهم فصار كالحقيقة لشهرته.

وعليه فالتقرير مستعمل مجازاً في التكريم إشارة إلى أن ذلك كان إرهاصاً للنبيء فيكون من باب قوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 1، 2]، وفيه مع ذلك تعريض بكفران قريش نعمة عظيمة من نعم الله عليهم إذ لم يزالوا يعبدون غيره.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه قوله: ﴿ ربك ﴾ .

فمهيع هذه الآية شبيه بقوله تعالى: ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ﴾ [الضحى: 6] الآيات وقوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 1، 2] على أحد الوجوه المتقدمة.

فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر المرئي لتواتر ما فعل الله بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك يشاهدونه.

وقال أبو صالح: رأيت في بيت أم هاني بنتتِ أبي طالب نحواً من قفيزين من تلك الحجارة سُوداً مخططة بحمرة.

وقال عتاب بن أسِيدْ: أدركت سائس الفيل وقائده أعميين مُقْعَدين يستطعمان الناس.

وقالت عائشة: لقد رأيْتُ قائد الفيل وسائقه أعمَيين يستطعمان الناس.

وفعل الرؤية معلق بالاستفهام.

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسبة لمن تجاوز سنهُ نيفاً وخمسين سنة عند نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاماً أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي بن خلف.

و ﴿ كيف ﴾ للاستفهام سَدّ مسدّ مفعوليْ أو مفعول ﴿ تَر ﴾ ، أي لم تر جواب هذا الاستفهام، كما تقول: علمتُ هل زيد قائم؟

وهو نصب على الحال من فاعل ﴿ تَر ﴾ .

ويجوز أن يكون ﴿ كيف ﴾ مجرداً عن معنى الاستفهام مراداً منه مجرد الكيفية فيكون نصباً على المفعول به.

وإيثار ﴿ كيف ﴾ دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل: ألم تر ما فعل ربك، أو الذي فعل ربك، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم تفصيل القصة.

وأوثر لفظ ﴿ فعل ربك ﴾ دون غيره لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالاً كثيرة لا يدل عليها غيره.

وجيء في تعريف الله سبحانه بوصف (رب) مضافاً إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم النبي صلى الله عليه وسلم إرهاصاً لنبوءته إذ كان ذلك عام مولده.

وأصحاب الفيل: الحَبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمِرين هدم الكعبة انتقاماً من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر الحج.

وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود التي عَذَّب فيها الملكُ ذو نواس النصارى، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلاً يقال له: (أبرهة) وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القَلِيس (بفتح القاف وكسر اللام بعدما تحتية ساكنة، وبعضهم يقولها بضم القاف وفتح اللام وسكون التحتية).

وفي «القاموس» بضم القاف وتشديد اللام مفتوحة وسكون الياء.

وكتبه السهيلي بنون بعد اللام ولم يضبطه وزعم أنه اسم مأخوذ من معاني القَلْس للارتفاع.

ومنه القلنسوة واقتصر على ذلك ولم أعرف أصل هذا اللفظ فإما أن يكون اسم جنس للكنيسة ولعل لفظ كنيسة في العربية معرّب منه، وإما أن يكون علماً وضعوه لهذه الكنيسة الخاصة وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة فروي أن رجلاً من بني فُقَيم من بني كنانة وكانوا أهل النسيء للعرب كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ في سورة براءة (37)، قَصد الكنانيُّ صنعاء حتى جاء القليس فأحدث فيها تحقيراً لها ليتسامَعَ العربُ بذلك فغضب أبرهة وأزمع غزو مكة ليهدم الكعبة وسار حتى نزل خارج مكة ليلاً بمكان يقال له المُغَمَّس (كمعظم موضع قرب مكة في طريق الطائف) أو ذو الغميس (لم أر ضبطه) وأرسل إلى عبد المطلب ليحذره من أن يحاربوه وجرى بينهما كلام، وأمر عبد المطلب آله وجميع أهل مكة بالخروج منها إلى الجبال المحيطة بها خشية من معرة الجيش إذا دخلوا مكة.

فلما أصبح هيّأ جَيْشه لدخول مكة وكان أبرهة راكباً فيلاً وجيشه معه فبينا هو يَتهيّأ لذلك إذ أصاب جنده داء عضال هو الجُدريّ الفتاك يتساقط منه الأنامل، ورأوا قبل ذلك طيراً ترميهم بحجارة لا تصيب أحداً إلا هلك وهي طير من جند الله فهلك معظم الجيش وأدبر بعضهم ومرض (أبرهة) فقفل راجعاً إلى صنعاء مريضاً، فهلك في صنعاء وكفى الله أهل مكة أمر عدوّهم.

وكان ذلك في شهر محرم الموافق لشهر شباط (فبراير) سنة 570 بعد ميلاد عيسى عليه السلام، وبعد هذا الحادث بخمسين يوماً ولد النبي على أصح الأخبار وفيها اختلاف كثير.

والتعريف في الفيل} للعهد، وهو فيل أبرهة قائد الجيش كما قالوا للجيش الذي خرج مع عائشة أم المؤمنين أصحاب الجَمل يريدون الجمل الذي كانت عليه عائشة، مع أن في الجيش جمالاً أخرى.

وقد قيل: إن جيش أبرهة لم يكن فيه إلا فيل واحد، وهو فيل أبرهة، وكان اسمه محمود.

وقيل: كان فيه فِيَلَة أخرى، قيل ثمانية وقيل: اثنا عشر.

وقال بعضٌ: ألف فيل.

ووقع في رجز ينسب إلى عبد المطلب: أنتَ منعتَ الحُبْشَ والأفْيالا *** فيكون التعريف تعريف الجنس ويكون العهد مستفاداً من الإِضافة.

والفيل: حيوان عظيم من ذوات الأربع ذواتتِ الخف، من حيوان البلاد الحارة ذات الأنهار من الهند والصين والحبشة والسودان، ولا يوجد في غير ذلك إلا مجلوباً، وهو ذكي قابل للتأنس والتربية، ضخم الجثة أضخم من البعير، وأعلى منه بقليل وأكثر لحماً وأكبر بطناً.

وخف رجله يشبه خف البعير وعنقه قصير جداً له خرطوم طويل هو أنفه يتناول به طعامه وينتشق به الماء فيفرغه في فيه ويدافع به عن نفسه يختطف به ويلويه على ما يريد أذاه من الحيوان، ويلقيه على الأرض ويدوسه بقوائمه.

وفي عينيه خزر وأذناه كبيرتان مسترخيتان، وذَنبه قصير أقصر من ذنب البعير وقوائمه غليظة.

ومناسمه كمناسم البعير وللذكر منه نابان طويلان بارزان من فمه يتخِذ الناس منها العاجَ.

وجلده أجرد مثل جلد البقر، أصهب اللون قاتم كلون الفار ويكون منه الأبيض الجلد.

وهو مركوبٌ وحاملُ أثقال وأهل الهند والصين يجعلون الفيل كالحصن في الحرب يجعلون محفة على ظهره تسع ستة جنود.

ولم يكن الفيل معروفاً عند العرب فلذلك قلّ أن يُذكر في كلامهم وأول فيل دخل بلاد العرب هو الفيل المذكور في هذه السورة.

وقد ذكرت أشعار لهم في ذكر هذه الحادثة في السيرة.

ولكن العرب كانوا يسمعون أخبار الفيل ويتخيلونه عظيماً قوياً، قال لبيد: ومقاممٍ ضيِّق فرَّجْتُه *** ببياننٍ ولسان وجَدل لو يقومُ الفيلُ أوفَيَّالُه *** زل عن مثل مقامي ورحل وقال كَعب بن زهير في قصيدته: لقَدْ أقومُ مقاماً لو يقوم به *** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظلَّ يَرْعد إلا أنْ يكون له *** من الرسول بإذن الله تنويل وكنت رأيْتُ أنّ....

قال إن أمه أرته أو حدثته أنها رأت روث الفيل بمكة حول الكعبة ولعلهم تركوا إزالته ليبقى تذكرة.

وعن عائشة وعتاب بن أسيد: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.

والمعنى: ألم تعلم الحالة العجيبة التي فعلها الله بأصحاب الفيل، فهذا تقرير على إجمال يفسره ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي (تَضْلِيلٍ) (١) (٢) ﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ قال عطاء: في باطل.

(وقال الكلبي: في أباطيل (٣) (٤) وقال مقاتل: في خسار (٥) وقال أبو إسحاق: في ذهاب (٦) والمعنى: في تضليل عما قصدوا له من تخريب الكعبة، ضلل كيدهم حتى لم يصل إلى البيت، وإلى ما أرادوه بكيدهم.

(١) ساقط من (أ).

(٢) لعله نقله عن الثعلبي بتصرف انظر: "الكشف والبيان" 13/ 57 أ.

(٣) لم أعثر على مصدر لقولهما، وقد ورد بمثله من غير عزو في: "الكشف والبيان" 13/ 157 أ.

(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٥) "تفسير مقاتل" 253 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 157 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 528.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 5: 363.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد جعل الله تدبيرهم السيئ لهدمها في ضياع، فما نالوا ما تمنّوه من صرف الناس عن الكعبة، وما نالوا منها شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.XlzX9"

مزيد من التفاسير لسورة الفيل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد