الآية ١ من سورة الفيل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 105 الفيل > الآية ١ من سورة الفيل

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 139 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الفيل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١ من سورة الفيل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الفيل وهي مكية .

هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش ، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل ، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود ، فأبادهم الله ، وأرغم آنافهم ، وخيب سعيهم ، وأضل عملهم ، وردهم بشر خيبة .

وكانوا قوما نصارى ، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان .

ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ، ولسان حال القدر يقول : لم ننصركم - يا معشر قريش - على الحبشة لخيريتكم عليهم ، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه ، خاتم الأنبياء .

وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب ، قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس - وكان آخر ملوك حمير وكان مشركا - هو الذي قتل أصحاب الأخدود ، وكانوا نصارى ، وكانوا قريبا من عشرين ألفا ، فلم يفلت منهم إلادوس ذو ثعلبان ، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام - وكان نصرانيا - فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة ; لكونه أقرب إليهم ، فبعث معه أميرين : أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف ، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار ، واستلبوا الملك من حمير ، وهلك ذو نواس غريقا في البحر .

واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران : أرياط وأبرهة فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا ، فقال أحدهما للآخر : إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا ، ولكن ابرز إلي وأبرز إليك ، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك .

فأجابه إلى ذلك فتبارزا - وخلف كل واحد منهما قناة - فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف ، فشرم أنفه وفمه وشق وجهه ، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ، ورجع أبرهة جريحا ، فداوى جرحه فبرأ ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن .

فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته .

فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه ، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف ، وبجراب فيها من تراب اليمن ، وجز ناصيته فأرسلها معه ، ويقول في كتابه : ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك .

فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه ، ورضي عنه ، وأقره على عمله .

وأرسل أبرهة يقول للنجاشي : إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها .

فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء ، عالية الفناء ، مزخرفة الأرجاء .

سمتها العرب القليس ; لارتفاعها ; لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها .

وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة ، ونادى بذلك في مملكته ، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك ، وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا ، حتى قصدها بعضهم ، وتوصل إلى أن دخلها ليلا .

فأحدث فيها وكر راجعا .

فلما رأى السدنة ذلك الحدث ، رفعوا أمرهم إلى ملكهم أبرهة وقالوا له : إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به ، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة ، وليخربنه حجرا حجرا .

وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارا ، وكان يوما فيه هواء شديد فأحرقته ، وسقطت إلى الأرض .

فتأهب أبرهة لذلك ، وصار في جيش كثيف عرمرم ; لئلا يصده أحد عنه ، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله ، يقال له : محمود ، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك .

ويقال : كان معه أيضا ثمانية أفيال .

وقيل : اثنا عشر فيلا .

وقيل غيره ، والله أعلم .

يعني ليهدم به الكعبة بأن يجعل السلاسل في الأركان ، وتوضع في عنق الفيل ، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة .

فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدا ، ورأوا أن حقا عليهم المحاجبة دون البيت ، ورد من أراده بكيد .

فخرج إليه رجل [ كان ] من أشراف أهل اليمن وملوكهم ، يقال له " ذو نفر " فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله ، وما يريد من هدمه وخرابه .

فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم لما يريده الله عز وجل من كرامة البيت وتعظيمه ، وأسر " ذو نفر " فاستصحبه معه .

ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخشعمي في قومه : شهران وناهس فقاتلوه ، فهزمهم أبرهة ، وأسر نفيل بن حبيب ، فأراد قتله ثم عفا عنه ، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز .

فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم ، الذي عندهم ، الذي يسمونه اللات .

فأكرمهم وبعثوا معه " أبا رغال " دليلا .

فلما انتهى أبرهة إلى المغمس - وهو قريب من مكة - نزل به وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها ، فأخذوه .

وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب .

وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة ، وكان يقال له : " الأسود بن مفصود " فهجاه بعض العرب - فيما ذكره ابن إسحاق - وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش ، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت .

فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم ، وبلغه عن أبرهة ما قال ، فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخلي بينه وبينه ، فوالله ما عندنا دفع عنه .

فقال له حناطة : فاذهب معي إليه .

فذهب معه ، فلما رآه أبرهة أجله ، وكان عبد المطلب رجلا جميلا حسن المنظر ، ونزل أبرهة عن سريره ، وجلس معه على البساط ، وقال لترجمانه : قل له : حاجتك ؟

فقال للترجمان : إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي .

فقال أبرهة لترجمانه : قل له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ، لا تكلمني فيه ؟!

فقال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه .

قال : ما كان ليمتنع مني !

قال : أنت وذاك .

ويقال : إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت ، فأبى عليهم ، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله ، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة والتحصن في رءوس الجبال ، تخوفا عليهم من معرة الجيش .

ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة : لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك قال ابن إسحاق : ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب ، ثم خرجوا إلى رءوس الجبال .

وذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة ، لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق ، فينتقم الله منه .

فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله - وكان اسمه محمودا - وعبأ جيشه ، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال ابرك محمود ، وارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله الحرام " .

ثم أرسل أذنه ، فبرك الفيل .

وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل .

وضربوا الفيل ليقوم فأبى .

فضربوا في رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم ، فأبى ; فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول .

ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك .

ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك, فترى بها( كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) الذين قَدِموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحبشة ورئيسهم أبرهة الحبشيّ الأشرم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة الفيل وهي مكية بإجماع .

وهي خمس آياتبسم الله الرحمن الرحيمألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيلفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : ألم تر أي ألم تخبر .

وقيل : ألم تعلم .

وقال ابن عباس : ألم تسمع ؟

واللفظ استفهام ، والمعنى تقرير .

والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ; ولكنه عام ; أي ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل ; أي قد رأيتم ذلك ، وعرفتم موضع منتي عليكم ، فما لكم لا تؤمنون ؟

وكيف في موضع نصب ب فعل ربك لا ب ألم تر كيف من معنى الاستفهام .الثانية : قوله تعالى : بأصحاب الفيل الفيل معروف ، والجمع أفيال : وفيول ، وفيلة .

قال ابن السكيت : ولا تقل أفيلة .

والأنثى فيلة وصاحبه فيال .

قال سيبويه : يجوز أن يكون أصل فيل فعلا ، فكسر من أجل الياء ; كما قالوا : أبيض وبيض .

وقال الأخفش : هذا لا يكون في الواحد ، إنما يكون في الجمع .

ورجل فيل الرأي ، أي ضعيف الرأي .

والجمع أفيال .

ورجل فال ; أي ضعيف الرأي ، مخطئ الفراسة .

وقد فال الرأي يفيل فيولة ، وفيل رأيه تفييلا : أي ضعفه ، فهو فيل الرأي .الثالثة : في قصة أصحاب الفيل ; وذلك أن ( أبرهة ) بنى القليس بصنعاء ، وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض ، وكان نصرانيا ، ثم كتب إلى النجاشي : إني قد بنيت لك [ ص: 169 ] أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب فلما تحدث العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي ، غضب رجل من النسأة ، فخرج حتى أتى الكنيسة ، فقعد فيها - أي أحدث - ثم خرج فلحق بأرضه ; فأخبر بذلك أبرهة ، فقال : من صنع هذا ؟

فقيل : صنعه رجل من أهل هذا البيت ، الذي تحج إليه العرب بمكة ، لما سمع قولك : ( أصرف إليها حج العرب ) غضب ، فجاء فقعد فيها .

أي أنها ليست لذلك بأهل .

فغضب عند ذلك أبرهة ، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه ، وبعث رجلا كان عنده إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة ; فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل ; فزاد أبرهة ذلك غضبا وحنقا ، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت ، ثم سار وخرج معه بالفيل ; وسمعت بذلك العرب ، فأعظموه وفظعوا به ، ورأوا جهاده حقا عليهم ، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام .

فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم ، يقال له ذو نفر ، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة ، وجهاده عن بيت الله الحرام ، وما يريد من هدمه وإخرابه ; فأجابه من أجابه إلى ذلك ، ثم عرض له فقاتله ، فهزم ذو نفر وأصحابه ، وأخذ له ذو نفر فأتي به أسيرا ; فلما أراد قتله قال له ذو نفر : أيها الملك لا تقتلني ، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي ; فتركه من القتل ، وحبسه عنده في وثاق ، وكان أبرهة رجلا حليما .

ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك ، يريد ما خرج له ، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم : شهران وناهس ، ومن تبعه من قبائل العرب ; فقاتله فهزمه أبرهة ، وأخذ له نفيل أسيرا ; فأتي به ، فلما هم بقتله قال له نفيل : أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم : شهران وناهس ، بالسمع والطاعة ; فخلى سبيله .

وخرج به معه يدله ، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف ، فقالوا له : أيها الملك ، إنما نحن عبيدك ; سامعون لك مطيعون ، ليس عندنا لك خلاف ، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة ، نحن نبعث معك من يدلك عليه ; فتجاوز عنهم .

وبعثوا معه أبا رغال ، حتى أنزله المغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هناك ، فرجمت قبره العرب ; فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس ، وفيه يقول الشاعر :وأرجم قبره في كل عام كرجم الناس قبر أبي رغال[ ص: 170 ] فلما نزل أبرهة بالمغمس ، بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له ، حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم ، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها ; فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله ; ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به ، فتركوا ذلك .

وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ، وقال له : سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ، ثم قل له : إن الملك يقول : إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تعرضوا لي بحرب ، فلا حاجة لي بدمائكم ; فإن هو لم يرد حربي فأتني به .

فلما دخل حناطة مكة ، سأل عن سيد قريش وشريفها ; فقيل له : عبد المطلب بن هاشم ; فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة ; فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك منه طاقة ، هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم - عليه السلام - ، أو كما قال ، فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته ، وإن يحل بينه وبينه ، فوالله ما عندنا دفع عنه .

فقال له حناطة : فانطلق إليه ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك ; فانطلق معه عبد المطلب ، ومعه بعض بنيه ، حتى أتى العسكر ; فسأل عن ذي نفر ، وكان صديقا له ، حتى دخل عليه وهو في محبسه ، فقال له : يا ذا نفر ، هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟

فقال له ذو نفر ; وما غناء رجل أسير بيدي ملك ، ينتظر أن يقتله غدوا وعشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك ، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي ، فسأرسل إليه ، وأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلمه بما بدا لك ، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك ; فقال حسبي .

فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فقال له : إن عبد المطلب سيد قريش ، وصاحب عين مكة ، ويطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت ; فقال : أفعل .

فكلم أنيس أبرهة ، فقال له : أيها الملك ، هذا سيد قريش ببابك ، يستأذن عليك ، وهو صاحب عين مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رءوس الجبال ; فأذن له عليك ، فيكلمك في حاجته .

قال : فأذن له أبرهة .وكان عبد المطلب أوسم الناس ، وأعظمهم وأجملهم ، فلما رآه أبرهة أجله ، وأعظمه عن أن يجلسه تحته ; فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه .

ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك ؟

فقال له ذلك الترجمان ، فقال : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي .

فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا [ ص: 171 ] هو دينك ودين آبائك ، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه .

قال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه .

قال : ما كان ليمتنع مني قال أنت وذاك .

فرد عليه إبله .

وانصرف عبد المطلب إلى قريش ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب ، تخوفا عليهم معرة الجيش .

ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش ، يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة :لا هم إن العبد يمنع رحله فامنع حلالكلا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالكإن يدخلوا البلد الحرام فأمر ما بدا لكيقول : أي شيء ما بدا لك ، لم تكن تفعله بنا .

والحلال : جمع حل .

والمحال : القوة وقيل : إن عبد المطلب لما أخذ بحلقة باب الكعبة قال :يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكاإن عدو البيت من عاداكا إنهم لن يقهروا قواكاوقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي :لا هم أخز الأسود بن مقصود الأخذ الهجمة فيها التقليدبين حراء وثبير فالبيد يحبسها وهي أولات التطريدفضمها إلى طماطم سود قد أجمعوا ألا يكون معبودويهدموا البيت الحرام المعمود والمروتين والمشاعر السودأخفره يا رب وأنت محمودقال ابن إسحاق : ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة ، ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال ، فتحرزوا فيها ، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها .

فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة ، وهيأ فيله ، وعبأ جيشه ، وكان اسم الفيل محمودا ، وأبرهة مجمع لهدم البيت ، ثم الانصراف إلى اليمن ، فلما وجهوا الفيل إلى مكة ، أقبل نفيل بن حبيب ، حتى قام إلى جنب الفيل ، ثم أخذ بأذنه فقال له : ابرك محمود ، وارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك [ ص: 172 ] في بلد الله الحرام .

ثم أرسل أذنه ، فبرك الفيل .

وخرج نفيل بن حبيب يشتد ، حتى أصعد في الجبل .

وضربوا الفيل ليقوم فأبى ، فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى ; فأدخلوا محاجن لهم في مراقه ، فبزغوه بها ليقوم ، فأبى ، فوجهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ، ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ، ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى مكة فبرك .

وأرسل الله عليهم طيرا من البحر ، أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ، أمثال الحمص والعدس ، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ; وليس كلهم أصابت .

وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاءوا منها ، ويسألون عن نفيل بن حبيب ; ليدلهم على الطريق إلى اليمن .

فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته :أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالبوقال أيضا :حمدت الله إذ أبصرت طيرا وخفت حجارة تلقى علينافكل القوم يسأل عن نفيل كأن علي للحبشان دينافخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون بكل مهلك على كل سهل ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة ، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما ; حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون .وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان - يزيد أحدهما وينقص - : سبب الفيل ما روي أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي ، فنزلوا على ساحل البحر إلى بيعة للنصارى ، تسميها النصارى الهيكل ، فأوقدوا نارا لطعامهم وتركوها وارتحلوا ; فهبت ريح عاصف على النار فأضرمت البيعة نارا ، فاحترقت ، فأتى الصريخ إلى النجاشي فأخبره ، فاستشاط غضبا .

فأتاه أبرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وأبو يكسوم الكنديون ; وضمنوا له إحراق الكعبة [ ص: 173 ] وسبي مكة .

وكان النجاشي هو الملك ، وأبرهة صاحب الجيش ، وأبو يكسوم نديم الملك ، وقيل وزير ، وحجر بن شرحبيل من قواده ، وقال مجاهد : أبو يكسوم هو أبرهة بن الصباح .

فساروا ومعهم الفيل .

قال الأكثرون : هو فيل واحد .

وقال الضحاك : هي ثمانية فيلة .

ونزلوا بذي المجاز ، واستاقوا سرح مكة ، وفيها إبل عبد المطلب .

وأتى الراعي نذيرا ، فصعد الصفا ، فصاح : واصباحاه ثم أخبر الناس بمجيء الجيش والفيل .

فخرج عبد المطلب ، وتوجه إلى أبرهة ، وسأله في إبله .

واختلف في النجاشي ، هل كان معهم ; فقال قوم كان معهم .

وقال الأكثرون : لم يكن معهم .

ونظر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر ; فقال عبد المطلب : " إن هذه الطير غريبة بأرضنا ، وما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية " وإنها أشباه اليعاسيب .

وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة ; فلما أطلت على القوم ألقتها عليهم ، حتى هلكوا .

قال عطاء بن أبي رباح : جاءت الطير عشية ; فباتت ثم صبحتهم بالغداة فرمتهم .وقال الكلبي : في مناقيرها حصى كحصى الخذف ، أمام كل فرقة طائر يقودها ، أحمر المنقار ، أسود الرأس ، طويل العنق .

فلما جاءت عسكر القوم وتوافت ، أهالت ما في مناقيرها على من تحتها ، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه المقتول به .

وقيل : كان على كل حجر مكتوب : من أطاع الله نجا ، ومن عصاه غوى .

ثم انصاعت راجعة من حيث جاءت .

وقال العوفي : سألت عنها أبا سعيد الخدري ، فقال : حمام مكة منها .

وقيل : كان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها ، ويقع في دماغه ، ويخرق الفيل والدابة .

ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه .

وكان أصحاب الفيل ستين ألفا ، لم يرجع منهم إلا أميرهم ، رجع ومعه شرذمة لطيفة .

فلما أخبروا بما رأوا هلكوا .وقال الواقدي : أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبرهة هو الأشرم ، سمي بذلك لأنه تفاتن مع أرياط ، حتى تزاحفا ، ثم اتفقا على أن يلتقيا بشخصيهما ، فمن غلب فله الأمر .

فتبارزا - وكان أرياط جسيما عظيما ، في يده حربة ، وأبرهة قصيرا حادرا ذا دين في النصرانية ، ومع أبرهة وزير له يقال له عتودة - فلما دنوا ضرب أرياط بحربته رأس أبرهة ، فوقعت على جبينه ، فشرمت عينه وأنفه وجبينه وشفته ; فلذلك سمي الأشرم .وحمل عتودة على أرياط فقتله .

فاجتمعت الحبشة [ ص: 174 ] لأبرهة ; فغضب النجاشي ، وحلف ليجزن ناصية أبرهة ، ويطأن بلاده .

فجز أبرهة ناصيته وملأ مزودا من تراب أرضه ، وبعث بهما إلى النجاشي ، وقال : إنما كان عبدك ، وأنا عبدك ، وأنا أقوم بأمر الحبشة ، وقد جززت ناصيتي ، وبعثت إليك بتراب أرضي ، لتطأه وتبر في يمينك ; فرضي عنه النجاشي .

ثم بنى أبرهة كنيسة بصنعاء ، ليصرف إليها حج العرب ; على ما تقدم .الرابعة : قال مقاتل : كان عام الفيل قبل مولد النبي صلى الله عليه بأربعين سنة .

وقال الكلبي وعبيد بن عمير : كان قبل مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث وعشرين سنة .

والصحيح ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ولدت عام الفيل .

وروي عنه أنه قال : يوم الفيل .

حكاه الماوردي في التفسير له .

وقال في كتاب أعلام النبوة : ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ، وكان بعد الفيل بخمسين يوما .

ووافق من شهور الروم العشرين من أسباط ، في السنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان .

قال : وحكى أبو جعفر الطبري أن مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لاثنتين وأربعين سنة من ملك أنوشروان .

وقد قيل : إنه - عليه السلام - حملت به أمه آمنة في يوم عاشوراء من المحرم ، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ; فكانت مدة حمله ثمانية أشهر كملا ويومين من التاسع .

وقيل : إنه ولد يوم عاشوراء من شهر المحرم ; حكاه ابن شاهين أبو حفص ، في فضائل يوم عاشوراء له .ابن العربي : قال ابن وهب عن مالك : ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل ، وقال قيس بن مخرمة : ولدت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل .

وقد روى الناس عن مالك أنه قال : من مروءة الرجل ألا يخبر بسنه ; لأنه إن كان صغيرا استحقروه وإن كان كبيرا استهرموه .

وهذا قول ضعيف ; لأن مالكا لا يخبر بسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكتم سنه ; وهو من أعظم العلماء قدوة به .

فلا بأس بأن يخبر الرجل بسنه كان كبيرا أو صغيرا .

وقال عبد الملك بن مروان لعتاب بن أسيد : أنت أكبر أم النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟

فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - أكبر مني ، وأنا أسن منه ; ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل ، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس ، وقيل لبعض القضاة : كم سنك ؟

قال : سن عتاب بن أسيد حين ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة ، وكان سنه يومئذ دون العشرين .الخامسة : قال علماؤنا : كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت قبله وقبل التحدي ; لأنها كانت توكيدا لأمره ، وتمهيدا لشأنه .

ولما تلا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة ، كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة ; ولهذا قال : ألم تر ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس .

وقالت عائشة - رضي الله عنها - مع [ ص: 175 ] حداثة سنها : لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس .

وقال أبو صالح : رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك الحجارة ، سودا مخططة بحمرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه، ورحمته بعباده، وأدلة توحيده، وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ما فعله الله بأصحاب الفيل، الذين كادوا بيته الحرام وأرادوا إخرابه، فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم الفيلة لهدمه، وجاءوا بجمع لا قبل للعرب به، من الحبشة واليمن، فلما انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، وخرج أهل مكة من مكة خوفًا على أنفسهم منهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) ؟

وكانت قصة أصحاب الفيل - على ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس وذكره الواقدي - : أن النجاشي ملك الحبشة كان قد بعث " أرياط " إلى أرض اليمن فغلب عليها ، فقام رجل من الحبشة ، يقال له : " أبرهة بن الصباح " [ أبو يكسوم ] ، ، فساخط " أرياط " في أمر الحبشة ، حتى انصدعوا صدعين ، وكانت طائفة مع أرياط ، وطائفة مع أبرهة ، فتزاحفا فقتل أبرهة ، أرياط ، واجتمعت الحبشة لأبرهة ، وغلب على اليمن وأقره النجاشي ، على عمله .

ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله ، فبنى كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي : إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها ، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب ، فسمع به رجل من بني مالك بن كنانة [ فخرج إليها مستخفيا ] فدخلها ليلا فقعد فيها وتغوط بها ، ولطخ بالعذرة قبلتها ، فبلغ ذلك أبرهة فقال : من اجترأ علي ولطخ كنيستي بالعذرة ؟

فقيل له : صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع بالذي قلت ، فحلف أبرهة عند ذلك : ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها ، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه بفيله ، وكان له فيل يقال له محمود ، وكان فيلا لم ير مثله عظما وجسما وقوة ، فبعث به إليه ، فخرج أبرهة من الحبشة سائرا إلى مكة ، وخرج معه الفيل ، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم ، فخرج ملك من ملوك اليمن ، يقال له : ذو نفر ، بمن أطاعه من قومه ، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر ، فقال : أيها الملك لا تقتلني فإن استبقائي خير لك من قتلي ، فاستحياه وأوثقه .

وكان أبرهة رجلا حليما .

ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم ، خرج نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن ، فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلا فقال نفيل : أيها الملك إني دليل بأرض العرب ، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة ، فاستبقاه ، وخرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف فقال : أيها الملك نحن عبيدك ، ليس لك عندنا خلاف ، وإنما تريد البيت الذي بمكة ، نحن نبعث معك من يدلك عليه ، فبعثوا معه أبا رغال ، مولى لهم ، فخرج حتى إذا كان [ بالمغمس ] مات أبو رغال وهو الذي يرجم قبره ، وبعث أبرهة من المغمس رجلا من الحبشة ، يقال له : الأسود بن مسعود ، على مقدمة خيله ، وأمره بالغارة على نعم الناس ، فجمع الأسود إليه أموال الحرم ، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير .

ثم إن أبرهة بعث حباطة الحميري إلى أهل مكة ، وقال : سل عن شريفها ثم أبلغه ما أرسلك به إليه ، أخبره أني لم آت لقتال ، إنما جئت لأهدم هذا البيت .

فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم ، فقال : إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه ، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم .

فقال عبد المطلب : ما له عندنا قتال ولا لنا به يد إلا أن نخلي بينه وبين ما جاء له ، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم - عليه السلام - ، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة .

قال : فانطلق معي إلى الملك ، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم المعسكر ، وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب فأتاه فقال : يا ذا نفر ، هل عندك من [ غناء ] فيما نزل بنا ؟

فقال : ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا ، ولكن سأبعث إلى أنيس ، سائس الفيل ، فإنه لي صديق فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم خطرك ومنزلتك عنده ، قال : فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له : إن هذا سيد قريش صاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي ، أحب ، ما وصل إليه من الخير ، فدخل أنيس على أبرهة فقال : أيها الملك هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال ، يستأذن إليك وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك ، وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك ، فأذن له ، وكان عبد المطلب رجلا جسيما وسيما ، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه ، وكره أن يجلس معه على السرير وأن يجلس تحته ، فهبط إلى البساط فجلس عليه ثم دعاه فأجلسه معه ، ثم قال لترجمانه قل له : ما حاجتك إلى الملك ؟

فقال له الترجمان ذلك ، فقال عبد المطلب : حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي ، فقال أبرهة لترجمانه قل له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ، وقد زهدت فيك ، قال [ عبد المطلب ] : لم ؟

قال : جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها ؟

قال عبد المطلب : أنا رب هذه الإبل وإن لهذا البيت ربا سيمنعه ، قال ما كان ليمنعه مني ، قال فأنت وذاك ، فأمر بإبله فردت عليه .

فلما ردت الإبل إلى عبد المطلب خرج فأخبر قريشا الخبر ، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رءوس الجبال ، تخوفا عليهم من معرة الجيش ، ففعلوا ، وأتى عبد المطلب الكعبة ، وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول : يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا وقال أيضا : لا هم إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك فلم أسمع بأرجس من رجال أرادوا الغزو ينتهكوا حرامك ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه ، وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول وعبأ جيشه وهيأ فيله ، وكان فيلا لم ير مثله في العظم والقوة ويقال كان معه اثنا عشر فيلا .

فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه فقال : ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت [ فإنك ] في بلد الله الحرام ، فبرك الفيل فبعثوه فأبى ، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى ، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ليقوم فأبى ، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم .

وخرج نفيل يشتد حتى [ صعد ] في الجبل ، وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل [ طائر ] منها ثلاثة أحجار : حجران في رجليه ، وحجر في منقاره ، أمثال الحمص والعدس ، فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك ، وليس كل القوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي جاءوا منه ، يتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن ، ونفيل ينظر إليهم من بعض تلك الجبال ، فصرخ القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل [ مهلك ] .

وبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملة اتبعتها [ مدة من قيح ودم ] ، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك .

قال الواقدي : وأما محمود ، فيل النجاشي ، فربض ولم [ يسر ] على الحرم فنجا ، والفيل الآخر شجع فحصب .

وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جرأ أصحاب الفيل : أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فدنوا من ساحل البحر وثم بيعة للنصارى تسميها قريش " الهيكل " ، فنزلوا فأججوا نارا واشتووا فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فعجت الريح فاضطرم الهيكل نارا فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأسف غضبا للبيعة ، فبعث أبرهة لهدم الكعبة .

وقال فيه : إنه كان بمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي وكان مكفوف البصر يصيف بالطائف ويشتو بمكة ; وكان رجلا نبيها نبيلا تستقيم الأمور برأيه ، وكان خليلا لعبد المطلب ، فقال له عبد المطلب : ماذا عندك هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك ؟

فقال أبو مسعود : اصعد بنا إلى حراء فصعد الجبل ، فقال أبو مسعود لعبد المطلب : اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها لله وقلدها نعلا ثم أرسلها في الحرم لعل بعض هذه السودان يعقر منها شيئا ، فيغضب رب هذا البيت فيأخذهم ، ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها وجعل عبد المطلب يدعو ، فقال أبو مسعود : إن لهذا البيت ربا يمنعه ، فقد نزل تبع ، ملك اليمن صحن هذا البيت وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه ، وأظلم عليه ثلاثة أيام ، فلما رأى تبع ذلك كساه القباطي البيض ، وعظمه ونحر له جزورا .

[ ثم قال أبو مسعود ] فانظر نحو البحر ، فنظر عبد المطلب فقال : أرى طيرا بيضاء نشأت من شاطئ البحر ، فقال : ارمقها ببصرك أين قرارها ؟

قال أراها قد دارت على رءوسنا ، قال : فهل تعرفها ؟

قال : فوالله ما أعرفها ما هي بنجدية ولا تهامية ولا غربية ولا شامية ، قال : ما قدها ؟

قال : أشباه [ اليعاسيب ] ، في منقارها حصى كأنها حصى الحذف ، قد أقبلت كالليل يكسع بعضها بعضا ، أمام كل رفقة طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق ، فجاءت حتى إذا حاذت بعسكر القوم [ وكدت ] فوق رءوسهم ، فلما توافت الرجال كلها أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها ، مكتوب في كل حجر اسم صاحبه ، ثم إنها انصاعت راجعة من حيث جاءت ، فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا ربوة فلم يؤنسا أحدا ثم دنوا ربوة فلم يسمعا حسا فقالا بات القوم [ ساهرين ] ، فأصبحوا نياما ، فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون ، وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه ويخرق الفيل والدابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه ، فعمد عبد المطلب فأخذ فأسا من فؤوسهم فحفر حتى أعمق في الأرض فملأه من أموالهم ، من الذهب الأحمر والجوهر ، وحفر لصاحبه حفرة فملأها كذلك ، ثم قال لأبي مسعود : هات فاختر إن شئت حفرتي وإن شئت حفرتك ، وإن شئت فهما لك معا ، قال أبو مسعود : اختر لي على نفسك ، فقال عبد المطلب إني لم آل أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهو لك ، وجلس كل واحد منهما على حفرته ، ونادى عبد المطلب في الناس ، فتراجعوا وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعا ، وساد عبد المطلب بذلك قريشا وأعطته المقادة ، فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنى من ذلك المال ، ودفع الله عن كعبته وبيته .

واختلفوا في تاريخ عام الفيل ; فقال مقاتل : كان قبل مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأربعين سنة .

وقال الكلبي : بثلاث وعشرين سنة .

والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قوله - عز وجل - : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) ؟

قال مقاتل : كان معهم فيل واحد .

وقال الضحاك : كانت الفيلة ثمانية .

وقيل اثنا عشر ، سوى الفيل الأعظم ، وإنما وحد لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم .

وقيل : لوفاق رءوس الآي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم تر» استفهام تعجب، أي اعجب «كيف فعل ربك بأصحاب الفيل» هو محمود وأصحابه أبرهة ملك اليمن وجيشه، بنى بصنعاء كنيسة ليصرف إليها الحجاج عن مكة فأحدث رجل من كنانة فيها ولطخ قبلتها بالعذرة احتقارا بها، فحلف أبره ليهدمنَّ الكعبة، فجاء مكة بجيشه على أفيال اليمن مقدمها محمود، فحين توجهوا لهدم الكعبة أرسل الله عليهم ما قصَّه في قوله:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تعلم -أيها الرسول- كيف فعل ربك بأصحاب الفيل: أبرهة الحبشي وجيشه الذين أرادوا تدمير الكعبة المباركة؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ .

.

.

) للتقرير بما تواتر نقله وعمله صلى الله عليه وسلم وعلمه غيره علما مستفيضا .

.

حتى إن العرب كانوا يؤرخون بتلك الحادثة ، فيقولون : هذا الأمر حدث فى عام الفيل ، أو بعده أو قبله .

.

والمراد بالرؤية هنا : العلم المحقق .وعبر - سبحانه - عن العلم بالرؤية ، لأن خبر هذه القصة - كما أشرنا كان من الشهرة بمكان ، فالعلم الحاصل بها مساو فى قوة الثبوت للرؤية والمشاهدة .والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - علما لا يخالطه ريب أو لبس ، ما فعله ربك بأصحاب الفيل ، الذين جاءوا لهدم الكعبة ، حيث أهلكناهم إهلاكا شنيعا ، كانت فى العبرة والعظة ، والدلالة الواضحة على قدرتنا ، وعلى حمايتنا لبيتنا الحرام .وأوقع - سبحانه - الاستفهام عن كيفية ما أنزله بهم ، لا عن الفعل ذاته ، لأن الكيفية أكثر دلالة على قدرته - تعالى - وعلى أنه - سبحانه - لا يعجزه شئ .وفى التعبير بقوله : ( فَعَلَ رَبُّكَ .

.

.

) إشارة إلى أن هذا الفعل لا يقدر عليه أحد سواه - سبحانه - فهو الذى ربى نبيه صلى الله عليه وسلم وتعهده بالرعاية ، وهو الكفيل بنصره على أعدائه ، كما نصر أهل مكة ، على جيوش الحبشة .

.

وهم أصحاب الفيل .ووصفوا بأنهم " أصحاب الفيل " لأنهم أحضروا معهم الفيلة ، ليستعينوا بها على هدم الكعبة ، وعلى إذلال أهل مكة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج من بني كنانة رجل وتغوط فيها ليلاً فأغضبه ذلك.

وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قوياً عظيماً، وثمانية أخرى، وقيل: إثنا عشر، وقيل: ألف، فلما بلغ قريباً من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ جيشه، وقدم الفيل فكانوا كلما وجهوه إلى جهة الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى جهة اليمن أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليهم فيها فعظم في عين أبرهة وكان رجلاً جسيماً وسيماً، وقيل: هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة فلما ذكر حاجته، قال: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك فألهاك عنه ذود أخذلك، فقال أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعك عنه، ثم رجع وأتى البيت وأخذ بحلقته وهو يقول: لاهم إن المرء يم *** نع حله فامنع حلالك وانصر على آل الصلي *** ب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم *** ومحالهم عدوا محالك إن كنت تاركهم وكع *** بتنا فأمر ما بدالك ويقول: يا رب لا أرجو لهم سواكايا *** رب فامنع عنهم حماكا فالتفت وهو يدعو، فإذا هو بطير من نحو اليمن، فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانيء نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفارى، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه فهلكوا في كل طريق ومنهل، ودوى أبرهة فتساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر وخر ميتاً بين يديه، وعن عائشة قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان، ثم في الآية سؤالات.

الأول: لم قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ مع أن هذه الواقعة وقعت قبل المبعث بزمان طويل؟

الجواب: المراد من الرؤية العلم والتذكير، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر فكان العلم الحاصل به ضرورياً مساوياً في القوة والجلاء للرؤية، ولهذا السبب قال لغيره على سبيل الذم: ﴿ أَ لَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون  ﴾ لا يقال: فلم قال: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  ﴾ لأنا نقول: الفرق أن مالا يتصور إدراكه لا يستعمل فيه إلا العلم لكونه قادراً، وأما الذي يتصور إدراكه كفرار الفيل، فإنه يجوز أن يستعمل فيه الرؤية.

السؤال الثاني: لم قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ ولم يقل: ألم تر ما فعل ربك؟

الجواب: لأن الأشياء لها ذوات، ولها كيفيات باعتبارها يدل على مداومتها وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات ولهذا قال: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بنيناها  ﴾ ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة على قدرة الصانع وعلمه وحكمته، وكانت دالة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن مذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيساً لنبوتهم وإرهاصاً لها، ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، وعند المعتزلة أن ذلك لا يجوز، فلا جرم زعموا أنه لابد وأن يقال: كان في ذلك الزمان نبي (أو خطيب) كخالد بن سنان أو قس بن ساعدة، ثم قالوا: ولا يجب أن يشتهر وجودهما، ويبلغ إلى حد التواتر، لاحتمال أنه كان مبعوثاً إلى جمع قليلين، فلا جرم لم يشتهر خبره.

واعلم أن قصة الفيل واقعة على الملحدين جداً، لأنهم ذكروا في الزلازل والرياح والصواعق وسائر الأشياء التي عذب الله تعالى بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة فلا تجري فيها تلك الأعذار، لأنها ليس في شيء من الطبائع والحيل أن يقبل طير معها حجارة، فتقصد قوماً دون قوم فتقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة لأنه لم يكن بين عام الفيل ومبعث الرسول إلا نيف وأربعون سنة ويوم تلا الرسول هذه السورة كان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة، ولو كان النقل ضعيفاً لشافهوه بالتكذيب، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا سبب للطعن فيه.

السؤال الثالث: لم قال: ﴿ فِعْلَ ﴾ ولم يقل: جعل ولا خلق ولا عمل؟

الجواب: لأن خلق يستعمل لابتداء الفعل، وجعل للكيفيات قال تعالى: ﴿ خُلِقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ وعمل بعد الطلب وفعل عام فكان أولى لأنه تعالى خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كانت عليه، وسألوه أن يحفظ البيت، ولعله كان فيهم من يستحق الإجابة، فلو ذكر الألفاظ الثلاثة لطال الكلام فذكر لفظاً يشمل الكل.

السؤال الرابع: لما قال: ﴿ ربك ﴾ ، ولم يقل: الرب؟

الجواب: من وجوه: أحدها: كأنه تعالى قال: إنهم لما شاهدوا هذا الانتقام ثم لم يتركوا عبادة الأوثان، وأنت يا محمد ما شاهدته ثم اعترفت بالشكر والطاعة، فكأنك أنت الذي رأيت ذلك الانتقام، فلا جرم تبرأت عنهم واخترتك من الكل، فأقول: ربك، أي أنا لك ولست لهم بل عليهم.

وثانيها: كأنه تعالى قال: إنما فعلت بأصحاب الفيل ذلك تعظيماً لك وتشريفاً لمقدمك، فأنا كنت مربياً لك قبل قومك، فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك، ففيه بشارة له عليه السلام بأنه سيظفر.

السؤال الخامس: قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ مذكور في معرض التعجب وهذه الأشياء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى ليست عجيبة، فما السبب لهذا التعجب؟

الجواب: من وجوه: أحدها: أن الكعبة تبع لمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن العلم يؤدى بدون المسجد أما لا مسجد بدون العالم فالعالم هو الدر والمسجد هو الصدف، ثم الرسول الذي هو الدر همزه الوليد ولمزه حتى ضاق قلبه، فكأنه تعالى يقول: إن الملك العظيم لما طعن في المسجد هزمته وأفنيته، فمن طعن فيك وأنت المقصود من الكل ألا أفنيه وأعدمه!

إن هذا لعجيب.

وثانيها: أن الكعبة قبلة صلاتك وقلبك قبلة معرفتك، ثم أنا حفظت قبلة عملك عن الأعداء، أفلا تسعى في حفظ قبلة دينك عن الآثام والمعاصي!.

السؤال السادس: لم قال: ﴿ أصحاب الفيل ﴾ ولم يقل: أرباب الفيل أو ملاك الفيل؟

الجواب: لأن الصاحب يكون من الجنس، فقوله: ﴿ أصحاب الفيل ﴾ يدل على أن أولئك الأقوام كانوا من جنس الفيل في البهيمية وعدم الفهم والعقل، بل فيه دقيقة، وهي: أنه إذا حصلت المصاحبة بين شخصين، فيقال: للأدون إنه صاحب الأعلى، ولا يقال: للأعلى إنه صاحب الأدون، ولذلك يقال: لمن صحب الرسول عليه السلام: إنهم الصحابة، فقوله: ﴿ أصحاب الفيل ﴾ يدل على أن أولئك الأقوام كانوا أقل حال وأدون منزلة من الفيل، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ ومما يؤكد ذلك أنهم كلما وجهوا الفيل إلى جهة الكعبة كان يتحول عنه ويفر عنه، كأنه كان يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عزمي حميد فلا أتركه وهم ما كانوا يتركون تلك العزيمة الردية فدل ذلك على أن الفيل كان أحسن حالاً منهم.

السؤال السابع: أليس أن كفار قريش كانوا ملأوا الكعبة من الأوثان من قديم الدهر، ولا شك أن ذلك كان أقبح من تخريب جدران الكعبة، فلم سلط الله العذاب على من قصد التخريب، ولم يسلط العذاب على من ملأها من الأوثان؟

والجواب: لأن وضع الأوثان فيها تعد على حق الله تعالى، وتخريبها تعد على حق الخلق، ونظيره قاطع الطريق، والباغي والقاتل يقتلون مع أنهم مسلمون، ولا يقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة، وإن كانوا كفاراً، لأنه لا يتعدى ضررهم إلى الخلق.

السؤال الثامن: كيف القول في إعراب هذه الآية؟

الجواب: قال الزجاج: ﴿ كيف ﴾ في موضع نصب بفعل لا بقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ لأن كيف من حروف الاستفهام واعلم أنه تعالى ذكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي أنّ أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القُليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً، فأغضبه ذلك.

وقيل: أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف ليهدمنّ الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل له اسمه محمود، وكان قوياً عظيماً، واثنا عشر فيلاً غيره.

وقيل: ثمانية وقيل: كان معه ألف فيل، وقيل كان وحده؛ فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى وعبأ جيشه وقدّم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيرها من الجهات هرول؛ فأرسل الله طيراً سوداً.

وقيل: خضراً وقيل: بيضاً، مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى منها عند أم هانيء نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفارى، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل؛ ودوى أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه.

وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائره يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما اتمّها وقع عليه الحجر فخرّ ميتاً بين يديه.

وقيل: كان أبرهة جدّ النجاشي الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل: بثلاث وعشرين سنة.

وعن عائشة رضي الله عنها: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان.

وفيه أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليه فيها، فجهره وكان رجلاً جسيماً وسيماً.

وقيل: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني، جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم في قديم الدهر، فألهاك عنه ذود أخذ لك؛ فقال أنا رب الإبل، وللبيت رب سيمنعه، ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: لاَهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْ ** نَعُ رحله فَامنَعْ حَلاَلَكْ لاَ يغْلِبَنَّ صَلُيبُهُم ** وَمُحَالُهُمْ عَدْواً مْحَالَكْ إنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَكَع ** بَتَنَا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ يَا رَبِّ لاَ أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ** يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي ببحرية ولا تهامية.

وفيه: أنّ أهل مكة قد احتووا على أموالهم، وجمع عبد المطلب من جواهرهم وذهبهم الجور، وكان سبب يساره.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سئل عن الطير فقال: حمام مكة منها.

وقيل: جاءت عشية ثم صبحتهم.

وعن عكرمة: من أصابته جدّرته وهو أوّل جدري ظهر.

وقرئ: ﴿ ألم تر ﴾ بسكون الراء للجد في إظهار أثر الجازم: والمعنى: أنك رأيت أثار فعل الله بالحبشة، وسمعت الأخبار به متواترة، فقامت لك مقام المشاهدة.

و ﴿ كَيْفَ ﴾ في موضع نصب بفعل ربك، لا بألم تر؛ لما في ﴿ كَيْفَ ﴾ من معنى الاستفهام ﴿ فِى تَضْلِيلٍ ﴾ في تضييع وإبطال.

يقال: ضلل كيده، إذا جعله ضالاً ضائعاً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِي ضلال ﴾ [غافر: 25] وقيل: لامريء القيس: الملك الضليل؛ لأنه ضلل ملك أبيه، أي: ضيعه، يعني: أنهم كادوا البيت أوّلاً ببناء القليس، وأرادوا أن ينسخوا أمره بصرف وجوه الحاج إليه، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه؛ وكادوه ثانياً بإرادة هدمه، فضلل بإرسال الطير عليهم ﴿ أَبَابِيلَ ﴾ حزائق، الواحدة: إبالة.

وفي أمثالهم: ضغث على إبالة، وهي: الحزمة الكبيرة، شبهت الحزقة من الطير في تضامّها بالإبالة.

وقيل: أبابيل مثل عباديد، وشماطيط لا واحد لها، وقرأ أبو حنيفة رحمه الله: ﴿ يرميهم ﴾ أي: الله تعالى أو الطير، لأنه اسم جمع مذكر؛ وإنما يؤنث على المعنى.

وسجيل: كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، كما أن سجيناً علم لديوان أعمالهم، كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدوّن، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال؛ لأنّ العذاب موصوف بذلك، وأرسل عليهم طيراً، ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ [الأعراف: 133] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر.

وقيل: هو معرب من سنككل.

وقيل: من شديد عذابه؛ ورووا بيت ابن مقبل: ضَرْباً تَوَاصَتْ بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّيلاَ وإنما هو سجينا، والقصيدة نونية مشهورة في ديوانه؛ وشبهوا بورق الزرع إذا أكل، أي: وقع فيه الأكال: وهو أن يأكله الدود.

أو بتبن أكلته الدواب وراثته، ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن، كقوله: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ [المائدة: 75] أو أريد: أكل حبه فبقي صفراً منه.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ، وهي خَمْسُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  ، وهو وإنْ لَمْ يَشْهَدْ تِلْكَ الوَقْعَةَ لَكِنْ شاهَدَ آثارَها وسَمِعَ بِالتَّواتُرِ أخْبارَها فَكَأنَّهُ رَآها، وإنَّما قالَ: كَيْفَ ولَمْ يَقُلْ ما لِأنَّ المُرادَ تَذْكِيرُ ما فِيها مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وعِزَّةِ بَيْتِهِ وشَرَفِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّها مِنَ الإرْهاصاتِ.

إذْ رُوِيَ أنَّها وقَعَتْ في السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ  .

قِصَّتُها أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ الأشْرَمَ مَلِكَ اليَمَنِ مِن قَبْلِ أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ- بَنى كَنِيسَةً بِصَنْعاءَ وسَمّاها القُلَّيْسَ، وأرادَ أنْ يَصْرِفَ الحاجَّ إلَيْها، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ فَقَعَدَ فِيها لَيْلًا فَأغْضَبَهُ ذَلِكَ، فَحَلَفَ لَيَهْدِمَنَّ الكَعْبَةَ فَخَرَجَ بِجَيْشِهِ ومَعَهُ فِيلٌ قَوِيٌّ اسْمُهُ مَحْمُودٌ، وفِيَلَةٌ أُخْرى فَلَمّا تَهَيَّأ لِلدُّخُولِ وعَبّى جَيْشَهُ قَدَّمَ الفِيلَ، وكانَ كُلَّما وجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ بَرَكَ ولَمْ يَبْرَحْ، وإذا وجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ أوْ إلى جِهَةٍ أُخْرى هَرْوَلَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى طَيْرًا، كُلُّ واحِدٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، أكْبَرُ مِنَ العَدَسَةِ وأصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ، فَتَرْمِيهِمْ فَيَقَعُ الحَجَرُ في رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ فَهَلَكُوا جَمِيعًا.

وقُرِئَ «ألَمْ تَرَ» جِدًّا في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ، وكَيْفَ نُصِبَ بِفِعْلٍ لا بَتْرَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.

﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ ﴾ في تَعْطِيلِ الكَعْبَةِ وتَخْرِيبِها.

﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ بِأنْ دَمَّرَهم وعَظَّمَ شَأْنَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ} في تضييع وإبطال يقال ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعا وقيل لامرئ القيس الملك الضليل لأنه ضلل ملك أبيه أى ضيعه يعنى أنهم كادوا البيت او ببناء القليس ليصرفوا وجو الحاج إليه فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه وكادوه ثانيا بارادة هدمه فضلل كيدهم بارسل الطير عليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ بِلا خِلافٍ فِيهِما، وكَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ الهَمْزَ واللَّمْزَ مِنَ الكَفَرَةِ نَوْعَ كَيْدٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الفِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عُقْبى كَيْدِهِمْ في الدُّنْيا تَدْمِيرُهُمْ؛ فَإنَّ عِنايَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْوى وأتَمُّ مِن عِنايَتِهِ سُبْحانَهُ بِالبَيْتِ، فالسُّورَةُ مُشِيرَةٌ إلى مَآلِهِمْ في الدُّنْيا إثْرَ بَيانِ مَآلِهِمْ في الأُخْرى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كالِاسْتِدْلالِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما قَبْلَها مِن أنَّ المالَ لا يُغْنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا، أوْ عَلى قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى إنْفاذِ ما تَوَعَّدَ بِهِ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ ﴾ إلَخْ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والهَمْزَةُ لِتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْكارِ عَدَمِها وهي بَصَرِيَّةٌ تُجُوِّزَ بِها عَنِ العِلْمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّها سَبَبِيَّةٌ، ويَجُوزُ جَعْلُها عِلْمِيَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّ ذاكَ أبْلَغُ وعِلْمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ سَمِعَهُ مُتَواتِرًا.

و«كَيْفَ» في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِ «فَعَلَ»، والمَعْنى: أيَّ فِعْلٍ فَعَلَ.

وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ، والكَيْفِيَّةُ حَقِيقَةٌ لِلْفِعْلِ بِ ( ألَمْ تَرَ ) لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِـ «تَرَ».

وجَوَّزَ بَعْضُهم نَصْبَ: «كَيْفَ» بِ «تَرَ» لِانْسِلاخِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنْهُ كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ.

وصَرَّحَ أبُو حَيّانَ بِامْتِناعِهِ لِأنَّهُ يُراعِي صَدارَتَهُ إبْقاءً لِحُكْمِ أصْلِهِ وتَعْلِيقِ الرُّؤْيَةِ بِكَيْفِيَّةِ فِعْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ لا بِنَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: ألَمْ تَرَ ما فَعَلَ رَبُّكَ إلَخْ.

لِتَهْوِيلِ الحادِثَةِ والإيذانِ بِوُقُوعِها عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ وهَيْئَةٍ عَجِيبَةٍ دالَّةٍ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وغَرِيبَتِهِ وشَرَفِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: مِنَ الإرْهاصاتِ لِما رُوِيَ أنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ في السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ إبْراهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ شَيْخُ البُخارِيِّ: لا يَشُكُّ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ وعَلَيْهِ الإجْماعُ، وكُلُّ ما خالَفَهُ وهْمٌ؛ أيْ: مِن أنَّها كانَتْ قَبْلُ بِعَشْرِ سِنِينَ أوْ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ بِثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً أوْ بِثَلاثِينَ سَنَةً أوْ بِأرْبَعِينَ سَنَةً أوْ بِسَبْعِينَ سَنَةً، الأقْوالُ المَذْكُورَةُ في كُتُبِ السِّيَرِ، وعَلى الأوَّلِ المُرَجَّحُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ قِيلَ وِلادَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَوْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ الطَّيْرَ عَلى أصْحابِ الفِيلِ مِن ذَلِكَ العامِ وهو المَذْكُورُ في تارِيخِ ابْنِ حِبّانَ وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: وُلِدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الفِيلِ، وذَهَبَ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وُلِدَ بَعْدَها بِخَمْسِينَ يَوْمًا وكانَتْ في المُحَرَّمِ، والوِلادَةُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ.

وقالَ الحافِظُ الدِّمْياطِيُّ: بِخَمْسَةٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ، وقِيلَ: بِشَهْرٍ.

والمَشْهُورُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ( رَبُّكَ ) نَوْعُ رَمْزٍ إلى الإرْهاصِ وكَوْنِ ذَلِكَ لِشَرَفِ البَيْتِ ودَعْوَةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنافِي الإرْهاصَ وكَذا لا يُنافِيهِ «قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الحُدَيْبِيَةِ لَمّا بَرَكَتْ ناقَتُهُ وقالَ النّاسُ: خَلَأتْ؛ أيْ: حَرَنَتْ: «ما خَلَأتْ ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ»».

إذْ لَمْ يَدَّعِ أنَّ ما كانَ لِلْإرْهاصِ لا غَيْرَ، ومِثْلُ هَذِهِ العِلَلِ لا يَضُرُّ تَعَدُّدُها، ويُؤَيِّدُ الإرْهاصَ قِصَّةُ القَرامِطَةِ وغَيْرِهِمْ.

وتَفْصِيلُ القِصَّةِ أنَّ أبْرَهَةَ الأشْرَمَ بْنَ الصَّباحِ الحَبَشِيَّ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ وهو الَّذِي يُكَنّى بِأبِي يَكْسُومَ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ ولا يَأْباهُ التَّسْمِيَةُ بِأبْرَهَةَ بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ بِالحَبَشَةِ الأبْيَضُ الوَجْهِ كَما لا يَخْفى.

وقِيلَ: إنَّهُ الحِمْيَرِيُّ خَرَجَ عَلى أرْباطِ مَلِكِ اليَمَنِ مِن قَبْلِ أصْحَمَةَ النِّجاشِيِّ - بِكَسْرِ النُّونِ - بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِن سُلْطانِهِ فَتَبارَزا وقَدْ أرْصَدَ الأشْرَمُ خَلْفَهُ غُلامَهُ عُتُورَةَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ أرْباطُ بِحَرْبَةٍ فَضَرَبَهُ يُرِيدُ يافُوخَهُ فَوَقَعَتْ عَلى جَبْهَتِهِ فَشَرَمَتْ حاجِبَهُ وأنْفَهُ وعَيْنَهُ وشَفَتَهُ ولِذا سُمِّيَ الأشْرَمَ، فَحَمَلَ عَتُّورَةُ مِن خَلْفِ أبْرَهَةَ فَقَتَلَهُ ومَلَكَ مَكانَهُ، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ فاسْتَرْضاهُ فَرَضِيَ فَأثْبَتَهُ.

ثُمَّ إنَّهُ بَنى بِصَنْعاءَ كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُها في زَمانِها سَمّاها القُلَّيْسَ بِقافٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ كَما في دِيوانِ الأدَبِ أوْ مُخَفَّفَةٍ كَما قِيلَ وبَعْدَها ياءٌ مُثَنّاةٌ سُفْلِيَّةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، وكانَ يَنْقُلُ إلَيْها الرُّخامَ المُجَزَّعَ والحِجارَةَ المَنقُوشَةَ بِالذَّهَبِ عَلى ما يُقالُ مِن قَصْرِ بِلْقِيسَ زَوْجِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَتَبَ إلى النِّجاشِيِّ: إنَّنِي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أيُّها المَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُها قِبَلَكَ، ولَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَلَمّا تَحَدَّثَتِ العَرَبُ بِكِتابِهِ ذَلِكَ غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسّاءَةِ، أحَدُ بَنِي فَقِيمِ بْنِ عَدِيٍّ مِن كِنانَةَ؛ فَخَرَجَ حَتّى أتاها فَقَعَدَ فِيها؛ أيْ أحْدَثَ ولَطَّخَ قِبْلَتَها بِحَدَثِهِ ثُمَّ خَرَجَ ولَحِقَ بِأرْضِهِ، فَأُخْبِرَ أبْرَهَةُ، فَقالَ: مَن صَنَعَ هَذا؟

فَقِيلَ: رَجُلٌ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الَّذِي تَحُجُّ إلَيْهِ العَرَبُ بِمَكَّةَ غَضِبَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَكَ: أصْرِفُ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ؛ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فاسْتَشاطَ أبْرَهَةُ غَضَبًا وحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى البَيْتِ حَتّى يَهْدِمَهُ.

وقِيلَ: أجَّجَتْ رُفْقَةٌ مِنَ العَرَبِ نارًا حَوْلَها فَحَمَلَتْها الرِّيحُ فَأحْرَقَتْها؛ فَغَضِبَ لِذَلِكَ فَأمَرَ الحَبَشَةَ فَتَهَيَّأتْ وتَجَهَّزَتْ، فَخَرَجَ في سِتِّينَ ألْفًا عَلى ما قِيلَ مِنهم ومَعَهُ فِيلٌ اسْمُهُ مَحْمُودٌ، وكانَ قَوِيًّا عَظِيمًا واثْنا عَشَرَ فِيلًا غَيْرَهُ، وقِيلَ: ثَمانِي؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: ألْفُ فِيلٍ، وقِيلَ: مَعَهُ مَحْمُودٌ فَقَطْ؛ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ الأوْفَقُ بِظاهِرِ الآيَةِ، فَسَمِعَتِ العَرَبُ بِذَلِكَ فَأعْظَمُوهُ وقَلِقُوا بِهِ ورَأوْا جِهادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن أشْرافِ اليَمَنِ ومُلُوكِهِمْ يُقالُ لَهُ: ذُو نَفَرٍ بِمَن أطاعَهُ مِن قَوْمِهِ وسائِرِ العَرَبِ فَقاتَلَهُ فَهَزَمَ وأُخِذَ أسِيرًا فَأرادَ قَتْلَهُ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، لا تَقْتُلْنِي فَعَسى أنْ يَكُونَ بَقائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِن قَتْلِي، فَتَرَكَهُ وحَبَسَهُ عِنْدَهُ حَتّى إذا كانَ بِأرْضِ خَثْعَمَ عَرَضَ لَهُ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الخَثْعَمِيُّ بِمَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ فَقاتَلَهُ فَهُزِمَ وأُخِذَ أسِيرًا فَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَقالَ نَحْوَ ما سَبَقَ فَخَلّى سَبِيلَهُ، وخَرَجَ بِهِ يَدُلُّهُ حَتّى إذا مَرَّ بِالطّائِفِ خَرَجَ إلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبِ بْنِ مالِكٍ الثَّقَفِيُّ في رِجالٍ مِن ثَقِيفٍ فَقالَ لَهُ: أيُّها المَلِكُ، إنَّما نَحْنُ عَبِيدُكَ سَمّاعُونَ لَكَ مُطِيعُونَ.

لَيْسَ لَكَ عِنْدَنا خِلافٌ ولَيْسَ بَيْتَنا هَذا الَّذِي تُرِيدُ -يَعْنُونَ بَيْتَ اللّاتِ- إنَّما تُرِيدُ البَيْتَ الَّذِي بِمَكَّةَ ونَحْنُ نَبْعَثُ مَعَكَ مَن يَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَتَجاوَزَ عَنْهم فَبَعَثُوا مَعَهُ أبا رِغالٍ فَخَرَجَ ومَعَهُ أبُو رِغالٍ حَتّى أنْزَلَهُ المُغَمَّسَ - كَمُعَظَّمٍ - مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الطّائِفِ مَعْرُوفٌ، فَلَمّا نَزَلَهُ ماتَ أبُو رِغالٍ ودُفِنَ هُناكَ فَرَجَمَتْ قَبْرَهُ العَرَبُ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ.

وقِيلَ: القَبْرُ الَّذِي هُناكَ لِأبِي رِغالٍ رَجُلٍ مِن ثَمُودَ وهو أبُو ثَقِيفٍ كانَ بِالحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمّا خَرَجَ مِنهُ أصابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أصابَتْ قَوْمَهُ بِالمُغْمَسِ فَدُفِنَ فِيهِ واخْتارَهُ صاحِبُ القامُوسِ ذاكِرًا فِيهِ حَدِيثًا رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.

وقالَ فِيما تَقَدَّمَهُ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ: لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وجَمَعَ بَعْضٌ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَبْرانِ لِرَجُلَيْنِ كُلٌّ مِنهُما أبُو رِغالٍ ثُمَّ إنَّ أبْرَهَةَ بَعَثَ وهو بِالمُغْمَسِ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ يُقالُ لَهُ الأسْوَدُ بْنُ مَقْصُورٍ حَتّى انْتَهى إلى مَكَّةَ فَساقَ أمْوالَ أهْلِ تِهامَةَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ وأصابَ فِيها مِائَتَيْ بَعِيرٍ وقِيلَ أرْبَعُمِائَةِ بَعِيرٍ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَ قُرَيْشٍ، فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ وكِنانَةُ وهُذَيْلٌ ومَن كانَ بِالحَرَمِ بِحَرْبِهِ فَعَرِفُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِ فَكَفُّوا.

وبَعَثَ أبْرَهَةُ حِياطَةَ الحِمْيَرِيَّ إلى مَكَّةَ وقالَ: قُلْ لِسَيِّدِ أهْلِ هَذا البَلَدِ: إنَّ المَلِكَ يَقُولُ: إنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكم إنَّما جِئْتُ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، فَإنْ لَمْ تَعْرِضُوا دُونَهُ بِحَرْبٍ فَلا حاجَةَ لِي بِدِمائِكُمْ، فَإنْ هو لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ، فَلَمّا دَخَلَ حِياطَةُ دُلَّ عَلى عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقالَ لَهُ ما أُمِرَ بِهِ فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: واللَّهِ ما نُرِيدُ حَرْبَهُ وما لَنا بِهِ طاقَةٌ، هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنْ يَمْنَعْهُ مِنهُ فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَواللَّهِ ما عِنْدَنا دَفْعٌ عَنْهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ ومَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ حَتّى أتى العَسْكَرَ فَسَألَ عَنْ ذِي نَفَرٍ وكانَ صَدِيقَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ مِن غَناءٍ فِيما نَزَلَ بِنا؟

فَقالَ: وما غَناءُ رَجُلٍ أسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أنْ يَقْتُلَهُ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما عِنْدِي غَناءٌ في شَيْءٍ مِمّا نَزَلَ بِكَ إلّا أنَّ أنِيسًا سائِسَ الفِيلِ سَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِكَ وأُعَظِّمُ عَلَيْهِ حَقَّكَ وأسْألُهُ أنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلى المَلِكِ فَتُكَلِّمُهُ بِما بَدا لَكَ ويَشْفَعُ لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرٍ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ.

فَقالَ: حَسْبِي، فَبَعَثَ إلَيْهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ وصاحِبُ عَيْنِ مَكَّةَ ويُطْعِمُ النّاسَ بِالسَّهْلِ والوُحُوشَ في رُؤُوسِ الجِبالِ، وقَدْ أصابَ المَلِكُ لَهُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ فاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ وأنْفِعْهُ عِنْدَهُ بِما اسْتَطَعْتَ.

فَقالَ: أفْعَلُ.

فَكَلَّمَ أبْرَهَةَ ووَصَفَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بِما وصَفَهُ بِهِ ذُو نَفَرٍ فَأذِنَ لَهُ، وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أوْسَمَ النّاسِ وأجْمَلَهُمْ، فَلَمّا رَآهُ أكْرَمَهُ عَنْ أنْ يَجْلِسَ تَحْتَهُ وكَرِهَ أنْ تَراهُ الحَبَشَةُ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلى بِساطِهِ وأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إلى جَنْبِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ أعْظَمَهُ لِما رَأى مِن نُورِ النُّبُوَّةِ الَّذِي كانَ في وجْهِهِ ضَعِيفٌ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ القِصَّةِ قَبْلَ وِلادَةِ عَبْدِ اللَّهِ وهو خِلافُ ما عَلِمْتَ مِنَ القَوْلِ المُرَجَّحِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَجَلّى فِيهِ ذَلِكَ النُّورُ وإنْ كانَ قَدِ انْتَقَلَ.

ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ؟

فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ = عَلَيَّ المَلِكُ إبِلِي.

فَقالَ أبْرَهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: قَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصَبْتُها لَكَ وتَتْرُكُ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ فَلا تُكَلِّمُنِي فِيهِ.

فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ إنِّي رَبُّ الإبِلِ، وإنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ.

قالَ: ما كانَ لِيَمْنَعَ مِنِّي.

قالَ: أنْتَ وذاكَ.

وفي رِوايَةٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ مَعَ عَبْدِ المُطَّلِبِ ثُفانَةُ بْنُ عَدِيٍّ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ وخُوَيْلِدُ بْنُ واثِلَةَ سَيِّدُ هُذَيْلٍ فَعَرَضا عَلَيْهِ ثُلْثَ أمْوالِ أهْلِ تِهامَةَ عَلى أنْ يَرْجِعَ ولا يَهْدِمَ البَيْتَ فَأبى فَرَدَّ الإبِلَ عَلى عَبْدِ المُطَّلِبِ فانْصَرَفَ إلى قُرَيْشٍ فَأُخْبِرُهُمُ الخَبَرَ فَتَحَرَّزُوا في شَعَفِ الجِبالِ تَخَوُّفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ ثُمَّ قامَ فَأخَذَ بِحَلْقَةِ بابِ الكَعْبَةِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ويَسْتَنْصِرُونَهُ فَقالَ وهو آخِذٌ بِالحَلْقَةِ: لا هُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِي ∗∗∗ بِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم عَدْوًا مِحالَكْ جَرُّوا جُمُوعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ عَمَدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ إنْ كُنْتَ تارَكَهم وكَعْبَ ∗∗∗ تَنا فَأْمُرْ ما بَدا لَكْ وقالَ أيْضًا: يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ عَنْهم حِماكا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا فِناكا ثُمَّ أرْسَلَ الحَلْقَةَ وانْطَلَقَ هو ومَن مَعَهُ إلى شَعَفِ الجِبالِ يَنْتَظِرُونَ ما أبْرَهَةُ فاعِلٌ بِمَكَّةَ إذا دَخَلَها، فَلَمّا أصْبَحَ تَهَيَّأ لِلدُّخُولِ وعَبّى جَيْشَهُ وهَيَّأ الفِيلَ، فَلَمّا وجَّهُوهُ إلى مَكَّةَ أقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حَتّى قامَ إلى جَنْبِهِ فَأخَذَ بِأُذُنِهِ، فَقالَ: ابْرُكْ مَحْمُودُ وارْجِعْ راشِدًا مِن حَيْثُ جِئْتَ؛ فَإنَّكَ في بَلَدِ اللَّهِ الحَرامِ، ثُمَّ أرْسَلَ أُذُنَهُ فَبَرَكَ؛ أيْ سَقَطَ وخَرَجَ نُفَيْلٌ يَشْتَدُّ حَتّى أصْعَدَ في الجَبَلِ فَضَرَبُوا الفِيلَ وأوْجَعُوهُ لِيَقُومَ فَأبى ووَجَّهُوهُ راجِعًا إلى اليَمَنِ فَقامَ يُهَرْوِلُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى مَكَّةَ فَبَرَكَ، فَسَقَوْهُ الخَمْرَ لِيَذْهَبَ تَمْيِيزُهُ فَلَمْ يُنْجِعْ ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ هو الَّذِي عَرَكَ أُذُنَهُ وقالَ لَهُ ما ذُكِرَ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ وادِي مُحَسِّرٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى طَيْرًا مِنَ البَحْرِ قِيلَ سُودًا وقِيلَ خُضْرًا وقِيلَ بَيْضًا مِثْلَ الخَطاطِيفِ مَعَ كُلِّ طائِرٍ مِنها ثَلاثَةُ أحْجارٍ يَحْمِلُها؛ حَجْرٌ في مِنقارِهِ، وحَجَرانِ في رِجْلَيْهِ أمْثالَ الحِمَّصِ والعَدَسِ لا تُصِيبُ أحَدًا مِنهم إلّا هَلَكَ، ويُرْوى أنَّهُ يُلْقِيها عَلى رَأْسِ أحَدِهِمْ فَتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ ويَتَساقَطُ لَحْمُهُ، فَخَرَجُوا هارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي مِنهُ جاءُوا يَسْألُونَ عَنْ نُفَيْلٍ لِيَدُلَّهم عَلى الطَّرِيقِ إلى اليَمَنِ، فَقالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأى ما نَزَلَ بِهِمْ: أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ وقالَ أيْضًا: ألا حُيِّيتِ عَنّا يا رُدَيْنا ∗∗∗ نَعِمْناكُمُ عَنِ الإصْباحِ عَيْنا رُدَيْنَةُ لَوْ رَأيْتِ ولا تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جَنْبِ المُحَصَّبِ ما رَأيْنا إذًا لَعَذَرْتِنِي وحَمِدْتِ أمْرِي ∗∗∗ ولا تَأسَيْ عَلى ما فاتَ بَيْنا فَكُلُّ القَوْمِ تَسْألُ عَنْ نُفَيْلٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلَيْهِ لِلْحُبْشانِ دَيْنا وجَعَلُوا يَتَساقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ ويَهْلَكُونَ في كُلِّ مَنهَلٍ، وأُصِيبَ أبْرَهَةُ في جَسَدِهِ وخَرَجُوا بِهِ مَعَهم تَسْقُطُ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً كُلَّما سَقَطَتْ أُنْمُلَةٌ تَبِعَها مِنهُ مِدَّةٌ ثُمَّ دَمٌ وقَيْحٌ حَتّى قَدِمُوا صَنْعاءَ وهو مِثْلُ فَرْخِ الطّائِرِ، فَما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ ابْنُ الزِّبَعْرى بِقَوْلِهِ مِن أبْياتٍ يَذْكُرُ فِيها مَكَّةَ: سائِلْ أمِيرَ الحُبْشِ عَنّا ما تَرى ∗∗∗ ولَسَوْفَ يُنْبِي الجاهِلِينَ عَلِيمُها سِتُّونَ ألْفًا لَمْ يَؤُوبُوا أرْضَهم ∗∗∗ بَلْ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ الإيابِ سَقِيمُها ولَهم في ذَلِكَ شِعْرٌ كَثِيرٌ، ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ جُمْلَةً مِنهُ في سِيَرِهِ، وفِيها أنَّ الطَّيْرَ لَمْ تُصِبْ كُلَّهُمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنهم غَيْرُ واحِدٍ دَخَلَ عَلى النِّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ والطَّيْرُ عَلى رَأْسِهِ، فَلَمّا فَرَغَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الحَجَرُ فَخَرَقَتِ البِناءَ ونَزَلَتْ عَلى رَأْسِهِ فَألْحَقَتْهُ بِهِمْ.

وقِيلَ: إنَّ سائِسَ الفِيلِ وقائِدَهُ تَخَلَّفا في مَكَّةَ فَسَلِما.

فَعَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أدْرَكْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِسَهُ بِمَكَّةَ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ.

وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ مَن أصابَهُ الحَجَرُ جَدَرَتْهُ، وهو أوَّلُ جُدَرِيٍّ ظَهَرَ؛ أيْ بِأرْضِ العَرَبِ، فَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ أنَّهُ حَدَّثَ أنَّ أوَّلَ ما رُئِيَتِ الحَصْبَةُ والجُدَرِيُّ بِأرْضِ العَرَبِ ذَلِكَ العامَ، وأنَّهُ أوَّلُ ما رُئِيَ بِها مَرائِرُ الشَّجَرِ: الحَرْمَلُ والحَنْظَلُ والعُشَرُ ذَلِكَ العامَ أيْضًا.

ويُرْوى أنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا ذَهَبَ إلى شَعَفِ الجِبالِ بِمَن مَعَهُ بَقِيَ يَنْتَظِرُ ما يَفْعَلُ القَوْمُ وما يُفْعَلُ بِهِمْ، فَلَمّا أصْبَحَ بَعَثَ أحَدَ أوْلادِهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ يَنْظُرُ ما لَقُوا فَذَهَبَ فَإذا القَوْمُ مُشَدَّخِينَ جَمِيعًا فَرَجَعَ رافِعًا رَأْسَهُ كاشِفًا عَنْ فَخْذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: ألا إنَّ ابْنِي أفَرَسُ العَرَبِ، وما كَشَفَ عَنْ عَوْرَتِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا، فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ قالُوا: ما وراءَكَ؟

قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ إلَيْهِمْ فَأخَذُوا أمْوالَهُمْ، وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنْتَ مَنَعْتَ الحَبَشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأحْبالا وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكُلَّ أمْرٍ مِنهُمُ مِعْضالا شُكْرًا وحَمْدًا لَكَ ذا الجَلالا هَذا ومَن أرادَ اسْتِيفاءَ القِصَّةِ عَلى أتَمَّ مِمّا ذُكِرَ فَعَلَيْهِ بِمُطَوَّلاتِ كُتُبِ السِّيَرِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ: «ألَمْ تَرْ» بِسُكُونِ الرّاءِ جِدًّا في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ لِأنَّ جَزْمَهُ بِحَذْفِ آخِرِهِ، فَإسْكانُ ما قَبْلَ الآخِرِ لِلِاجْتِهادِ في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ، قِيلَ: والسِّرُّ فِيهِ هُنا الإسْراعُ إلى ذِكْرِ ما يَهُمُّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أمْرِ الأُلُوهِيَّةِ والنُّبُوَّةِ أوِ الإشارَةِ إلى الحَثِّ في الإسْراعِ بِالرُّؤْيَةِ إيماءً إلى أنَّ أمْرَهم عَلى كَثْرَتِهِمْ كانَ كَلَمْحِ البَصَرِ مَن لَمْ يُسارِعْ إلى رُؤْيَتِهِ لَمْ يُدْرِكْهُ حَقَّ إدْراكِهِ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ تَقْلِيلَ البِنْيَةِ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ المَعْنى وهو الرُّؤْيَةُ لا عَلى قِلَّةِ زَمانِهِ.

وقِيلَ: لَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ الرَّمْزُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى كَثْرَةِ الحَذْفِ في أُولَئِكَ القَوْمِ فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي خمس آيات مكية قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ يعني: ألم تخبر بالقرآن.

ويقال: ألم تر، يعني: ألم يبلغك الخبر.

ويقال: اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإخبار، يعني: اعلم واعتبر بصنيع ربك كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ يعني: كيف عذب ربك بِأَصْحابِ الْفِيلِ وكان بدء أصحاب الفيل، ما ذكرناه في سورة البروج، أن زرعة قتل المسلمين بالنار، فهرب رجل منهم إلى ملك الحبشة، وأخبره بذلك.

فبعق ملك الحبشة جيشاً إلى أرض اليمن، فأمَّر عليهم أرياطاً، ومعه في جنده أبرهة الأشرم، فركب البحر بمن معه، حتى أتوا ساحلاً، مما يلي أرض اليمن، فدخلوها ومع أرياط سبعون ألفاً من الحبشة، وهزم جنود زرعة، وألقى زرعة نفسه في الماء، فهلك وأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه.

ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة أبرهة، وكان من أصحابه، ممن وجّهه معه النجاشي إلى اليمن وخالفه أبرهة وتفرق الجند في أرض اليمن، وصار إلى كل واحد منهما طائفة منهم.

ثم خرجوا للقتال، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض، أرسل أبرهة إلى أرياط، أن لا تصنع شيئاً، بأن تلقي الحبشة بعضها في بعض، حتى تفنيها.

فأبرز لي وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إلى جنده، فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفت فاخرج، فخرج إليه أبرهة، وكان رجلاً قصيراً، وخرج إليه أرياط وكان رجلاً طويلاً عظيماً، في يده حربة، وخلف أبرهة عبداً يقال له عنودة وروي عن بعضهم عيودة بالياء، فلما دنا أحدهما من صاحبه، رفع أرياط الحربة، فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخة، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فخدشت حاجبيه وعينه وأنفه وشفتيه.

فلذلك سمي أبرهة الأشرم، وحمل عيودة على أرياط من خلف أبرهة، فقتل أرياط، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن.

وكل ما صنع أبرهة من غير علم النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك، غضب غضباً شديداً.

وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري.

ثم حلف أن لا يدع أبرهة، حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته.

فلما بلغ ذلك أبرهة، حلق رأسه، وملأ جراباً من تراب أرض اليمن.

ثم بعث إلى النجاشي، وكتب إليه، أيها الملك: إنما كان أرياط عبدُك، وأنا عبدك، واختلفنا في أمرك، وكل طاعة لك.

إلا أني قد كنت أقوى على أمر الجيش منه، وأضبط له، وقد حلقت رأسي حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضي، ليضعه تحت قدميه، فيبر قسمه.

فلما وصل كتاب أبرهة إلى النجاشي- رضي عنه- وكتب إليه، أن أثبت بأرض اليمن، حتى يأتيك أمري.

وقال أبرهة لعتودة حين قتل أرياط.

حكمك يعني: أحكم عليّ بما شئت، فقال: حكمي أن لا تدخل عروس من نساء أهل اليمن على زوجها، حتى أصيبها قبله.

قال: ذلك لك.

فأقام أبرهة باليمن، وغلامه عتودة يصنع باليمن ما كان أعطاه في حكمه.

ثم عدل عليه رجل من حمير، أو من خَثْعم فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله، وكان أبرهة رجلاً حليماً، ودعا في دينه من النصرانية.

فقال: قد آن لكم يا أهل اليمن، أن يكون منكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال، إني والله لو علمت حين حكمته، أنه يسأل من الذي سأل ما حكمته، وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل، ولا قود.

ثم إن أبرهة بنى بصنعاء كنيسة، لم يُر مثلها في زمانه في أرض الروم، ولا في أرض الشام.

ثم كتب إلى النجاشي الأكبر، ملك الحبشة، أني قد بنيت لك كنيسة، لم يكن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب، فلما علمت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي، خرج رجل من بني كنانة من الحمس، حتى قدم اليمن، فدخل الكنيسة، فنظر فيها، ثم خرى فيها فدخلها أبرهة، فوجد تلك العذرة فيها فقال: من اجترأ عليّ بهذا، فقال له أصحابه: أيها الملك، رجل من أهل ذلك البيت الذي يحجه العرب.

فقال: أعليّ اجْتَرأ بهذا.

ثم قال بالنصرانية: لأهْدِمَنَّ ذلك البيت ولأُخَرِّبنه، حتى لا يحجه حاج أبداً.

فدعا بالفيل وأذن قومه بالخروج.

وروي في رواية أُخرى أن فئة من قريش، خرجوا إلى أرض النجاشي، فأوقدوا ناراً، فلما رجعوا، تركوا النار في يوم ريح عاصف، حتى وقعت النار في الكنيسة، فأحرقتها.

فعزم أبرهة، وهو خليفة النجاشي.

أن يخرج إلى مكة فيهدم الكعبة، وينقل أحجارها إلى اليمن، فيبني هناك بيتاً ليحج الناس إليه.

وروي في رواية أُخرى، أن رجلاً من أهل مكة، خرج إلى اليمن، فأخذ جزعة من القصب ذات ليلة، وأضرم النار في الكنيسة فأحرقها ثم هرب.

فبناها أبرهة مرة أخرى، فحلف بعيسى ابن مريم بأن يهدم الكعبة، لكي يتحول الحج إلى كنيسته، فتجهز فخرج معه حتى إذا كان في بعض طريقه، بعث رجلاً من بني سليم، ليدعو الناس في حج بيته الذي بناه، فتلقاه رجل من اليمن بني كنانة، فقتله.

فازداد أبرهة بذلك غضباً، وحث على المسير والانطلاق، حتى إذا كان بأرض جعم فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم، يقال له ذو يفن.

فدعا القوم، وأحبابه من سائر العرب، إلى حرب أبرهة، وصده عن بيت الله، فقاتله فهرب ذو يفن وأصحابه، وأخذوا ذا يفن، وأتى به أسيراً.

فلما أراد قتله قال: أيها الملك، لا تقتلني، فإنه عسى أن أكون معك خير لك من قتلي، فتركه وحبسه عنده في وثاقه.

ثم مضى على وجهه ذلك، حتى إذا كان بأرض خشعم، عرض له فقيل ابن حبيب الخشعي، فقاتله فهزمه، وأخذ أسيراً.

فلما أتي به، وهم بقتله فقال: أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، فتركه وخلى سبيله، وخرج به معه يدله على أرض العرب.

حتى إذا مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن مغيث، التقى في رجال من ثقيف فقالوا: أيها الملك إنما نحن عبيدك، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا الذي تريد، يعنون اللات والعزى، وليست بالتي يحج إليه العرب، وإنما ذلك بيت قريش الذي بمكة، فنحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبا رغال، فخرج يهديهم الطريق، حتى أنزلهم بالمغمس وهي على ستة أميال من مكة، فمات أبو رغال هناك، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي ترجمه الناس بالمغمس.

ثم إن قريشاً لما علموا، أن لا طاقة لهم بالقتال مع هؤلاء القوم، لم يبق بمكة أحد، إلا خرج إلى الشعاب والجبال، ولم يبق أحد إلا عبد المطلب على سقايته وشيبه، أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي البيت ويقول: لا هم إن المرء يمنع رحله، فامنع رحالك لا يغلبوا بصليبهم، فأمر ما بدا لك.

ثم إن أبرهة بعث رجلاً من الحبشة على جمل له، حتى انتهى إلى مكة، وساق إلى أبرهة أموال قريش وغيرها.

فأصاب مائتي بعير لعبد المطلب، وهو يومئذٍ كبير قريش وسيدها.

ثم بعثت أبرهة رجلاً من أهل حمير إلى مكة، وقال أرسل إلى سيد هذا البيت وشريفهم.

ثم قال له: إن الملك يقول لك، إني لم آت لأخرجكم، وإنما جئت لأهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا إلى دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم.

فلما دخل الرسول مكة، جاء إلى عبد المطلب، وأدى إليه الرسالة، فقال له عبد المطلب: ما نريد حربه، وما لنا بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي يفن، وكان صديقاً له، فجاءه وهو في مجلسه فقال له: هل عندك من عناء بما نزل بنا، فقال له ذو يفن: ما عناء رجل أسير بيد ملك ينتظر بأن يقتله، عدواً أو مشياً ألا إن صاحب الفيل صديق لي، فأرسل إليه فأوصيه لك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه أنت بما بدا لك.

فقال حسبي ففعل ذلك، فلما دخل عبد المطلب على الملك وكلمه، فأعجبه كلامه.

ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك، قال عبد المطلب: حاجتي إليك، أن ترد إلي مائتي بعير لي، فلما قال ذلك، قال له أبرهة: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم إني رجوت.

يعني: كرهت فيك حيث كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه.

لا تكلمني فيه.

قال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه.

فقال: ما كان يمنع مني، قال: أنت وذلك فرد عليه الإبل، فانصرف عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم الخبر، وأمر بالخروج لمن بقي من أهل مكة إلى الجبال، وفي بطون الشعاب.

ثم إن عبد المطلب، أخذ بحلقتي باب الكعبة، وقال: اللهم إن المرء يمنع رحله، وذكر كلمات في ذلك.

ثم أرسل حلقتي الباب، وانطلق ومن معه إلى الجبال، ينتظرون ما يصنع أبرهة بمكة.

فلما أصبح أبرهة، تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله وجيشه، وكان اسم الفيل محموداً، وكنيته أبو العباس.

وكتبه أبو البكشوم، فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي، حتى جاء إلى جنب الفيل.

ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محموداً، وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك والله في بلد الله الحرام.

ثم أرسل أذنه فاضطجع، فضربه ليقوم فأبى، فضربوه ليقوم فأبى وضربوا بالطبرزين فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة، فبرك وأرسل الله تعالى عليهم طيراً من البحر، أمثال الخطاطيف.

مع كل طير منها ثلاثة أحجار، حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمصة والعدسة، لا تصيب أحداً منهم إلا هلك.

فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه، ويتساءلون عن نفل بن حبيب، ليدلهم على الطريق، فخرج نفيل يشتد، حتى صعد الجبل، فخرجوا معه يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا معه فيسقط من جسده أنملة أنملة، كلما سقطت منه أنملة، خرجت منه مدة قيح ودم، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم مات، فملك ابنه يكثوم بن أبرهة ملك اليمن.

وروي في الخبر، أنه أول ما وقعت الحصبة، والجدري بأرض العرب ذلك العام.

وقال بعضهم: كان أمر أصحاب الفيل، قبل مولد النبيّ  ، بثلاث وعشرين سنة.

وقال بعضهم: كان ذلك في عام مولده-  -.

وروي عن قبس بن مخرمة أنه قال: ولدت أنا ورسول الله  في عام الفيل.

فنزل قوله أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ يعني: كيف عاقب ربك أصحاب الفيل، بالحجارة، حين أرادوا هدم الكعبة.

قال تعالى: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ يعني: في خسارة.

ويقال: معناه ألم يجعل صنيعهم في أباطيل وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ يعني: متتابعاً بعضها على أثر بعض، أرسل عليهم الله طيوراً بيضاً صغاراً.

وقال عبيد بن عمير: أرسل عليهم طيراً بلقا من البحر، كأنها الخطاطيف.

وروى عطاء عن ابن عباس قال: طيراً سوداً، جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً.

ثم قال تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال سعيد بن جبير، الحجارة أمثال الحمصة.

وروي عن ابن عباس قال: رأيت عند أم هانئ من تلك الحجارة، مثل بعر الغنم، مخططة بحمرة.

وروى إسرائيل، عن جابر بن أسباط قال: طيراً كأنها رجال الهند، جاءت من قبل البحر، تحمل الحجارة في مناقيرها وأظافيرها، أكبرها كمبارك الإبل، وأصغرها كرؤوس الإنسان تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ يعني: من طين خلط بالحجارة، ويقال: طين مطبوخ كما يطبخ الآجُرْ.

وذكر مقاتل، عن عكرمة قال: هي طير جاءت من قبل البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع، لم تر قبل يومئذ ولا بعده، فجعلت ترميهم بالحجارة، فتجدر جلودهم.

وكان أول يوم رأى فيه الجدري.

ويقال: مكتوب في كل حجر اسم الرجل، واسم أبيه، ولا يصيب الرجل شيء، إلا نفذه فيها وقع على رأس رجل، إلا خرج من دبره، وما وقعت على جانبه، إلا خرجت من الجانب الآخر.

وقال وهب بن منبه بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال بالفارسية سنك وكل يعني: حجارة وطين.

وروى موسى بن بشار عن عكرمة بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال: سنك وكل.

ثم قال عز وجل: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ يعني: كزرع بالٍ، فأخبر الله تعالى أنه سلط على الجبابرة أضعف خلقه، كما سلط على النمرود بعوضة، فأكلت من دماغه أربعين يوماً، فمات من ذلك.

والله أعلم بالصواب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

ومَعْنى الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ.

وأصْحابُ الفِيلِ هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ.

وَفِي سَبَبِ قَصْدِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ أبَرْهَةَ بَنِي بِيعَةَ وقالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أُضِيفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَها لَيْلًا، فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَرْهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا في تِجارَةٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ فَنَزَلُوا في جَنْبِ بَيْعَةٍ، فَأوْقَدُوا نارًا، وشَوَوْا لَحْمًا، فَلَمّا رَحَلُوا هَبَّتِ الرِّيحُ، فاضْطَرَمَ المَكانُ نارًا، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ لِأجْلِ البَيْعَةِ، فَقالَ لَهُ كُبَراءُ أصْحابِهِ -مِنهم حِجْرُ بْنُ شَراحِيلَ، وأبُو يَكْسُومَ-: لا تَحْزَنْ، فَنَحْنُ نَهْدِمُ الكَعْبَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أبُو يَكْسُومَ اسْمُهُ أبْرَهَةُ بْنُ الأشْرَمِ.

وقِيلَ: وزِيرُهُ، وحِجْرٌ مِن قُوّادِهِ.

ذِكْرُ الإشارَةِ إلى القِصَّةِ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أبَرْهَةَ لَمّا سارَ بِجُنُودِهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَهْدِمَها خَرَجَ مَعَهُ بِالفِيلِ، فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِالغارَةِ عَلى نَعَمِ النّاسِ، فَأصابُوا إبِلًا لِعَبْدِ المُطَلِّبِ، وبَعَثَ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ، وأخْبِرْهُ أنِّي لَمْ آتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْتُ لِأهْدِمَ هَذا البَيْتَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَقِيَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ هاشِمٍ، فَقالَ: إنَّ المَلِكَ أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتالٍ إلّا أنْ تُقاتِلُوهُ، إنَّما جاءَ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ما لَهُ عِنْدَنا قِتالٌ، وما لَنا بِهِ يَدٌ، إنّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما جاءَ لَهُ، فَإنَّ هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ يَمْنَعْهُ، فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَواللَّهِ ما لَنا بِهِ قُوَّةٌ.

قالَ: فانْطَلِقْ مَعِي إلى المَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى أبَرْهَةَ أعْظَمَهُ، وكَرَّمَهُ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ إلى المَلِكِ؟

فَقالَ لَهُ التُّرْجُمانُ، فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابَها.

فَقالَ أبَرْهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، ولَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إلى بَيْتٍ هو دِينُكَ لِأهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمَتْنِي لِإبِلٍ أصَبْتُها.

فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ هَذِهِ الإبِلِ، ولِهَذا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ.

فَأمَرَ بِإبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، وأمَرَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ورُؤُوسِ الجِبالِ خَوْفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، فَأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ، فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ، وجَعَلَ يَقُولُ: يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخْرِبُوا قُراكا وَقالَ أيْضًا لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم غَدَوًا مِحالَكْ جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ عَمِدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكْ ثُمَّ إنْ أبَرْهَةَ أصْبَحَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأبى، فَضَرَبُوهُ فَأبى، فَوَجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ راجِعًا، فَقامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وإلى المَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ، فَأبى، فَأرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ.

واخْتَلَفُوا في صِفَتِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ لَهم خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ لَها رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّباعِ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أمْثالَ الخَطاطِيفِ.

واخْتَلَفُوا في ألْوانِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها كانَتْ خَضْراءَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: سَوْداءُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: بَيْضاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ: وكانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٍ في مِنقارِهِ.

واخْتَلَفُوا في صِفَةِ الحِجارَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ كَأمْثالِ الحُمُّصِ والعَدَسِ.

وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَلْ كانَ الحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ والجَمَلِ، فَلَمّا غَشِيَتِ القَوْمَ أرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الحِجارَةُ أحَدًا إلّا هَلَكَ.

وكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وقِيلَ: كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، فَهَلَكُوا ولَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وبَعَثَ اللَّهُ عَلى أبَرْهَةَ داءٌ في جَسَدِهِ، فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، ورَأى أهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ وقَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ.

ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ ويَقُولُ: هَلَكَ القَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَغَنِمُوا أمْوالَهم.

وقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ القَوْمِ إلّا أبُو يَكْسُومَ، فَسارَ، وطائِرٌ يَطِيرُ مِن فَوْقِهِ، ولا يَشْعُرُ بِهِ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَأخْبَرَهُ بِما أصابَ القَوْمَ، فَلَمّا أتَمَّ كَلامَهُ رَماهُ الطّائِرُ فَماتَ، فَأرى اللَّهَ تَعالى النَّجاشِيَّ كَيْفَ كانَ هَلاكُ أصْحابِهِ.

واخْتَلَفُوا كَمْ كانَ بَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ  وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  وُلِدَ عامَ الفِيلِ وهو الأصَحُّ والثّانِي: كانَ بَيْنَهُما ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، حَكاهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ ﴾ وهو ما أرادُوا مِن تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ.

والمَعْنى: أنَّ كَيْدَهم ضَلَّ عَمّا قَصَدُوا لَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرادِهِمْ ﴿ وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ ﴾ .

وَفِي " الأبابِيلِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن هاهُنا وهاهُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأخْفَشُ.

والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ.

والرّابِعُ: أنَّها الجَمْعُ بَعْدَ الجَمْعِ، قالَهُ عَطاءٌ، وأبُو صالِحٍ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: " الأبابِيلُ ": جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.

والخامِسُ: المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: " الأبابِيلُ " لا واحِدَ لَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْمِيهِمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " يَرْمِيهِمْ " بِالياءِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ سِجِّيلٍ ﴾ في [هُودٍ: ٨٢] ومَعْنى " العَصْفِ " في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٢] عَزَّ وجَلَّ.

وَفِي مَعْنى ﴿ مَأْكُولٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُ أُخِذَ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ فَأُكِلَ، وبَقِيَ هو لا حَبَّ فِيهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ العَصْفَ مَأْكُولُ البَهائِمِ، كَما يُقالُ لِلْحِنْطَةِ: هَذا المَأْكُولُ ولَمّا يُؤْكَلْ.

ولِلْماءِ: هَذا المَشْرُوبُ ولَمّا يُشْرَبُ، يُرِيدُ أنَّهُما مِمّا يُؤْكَلُ ويَشْرَبُ، ذَكَرَهُما ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَأْكُولَ هاهُنا: الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأُكالُ.

فالمَعْنى: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ: أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الفِيلِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِ الرُواةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ ﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ ﴾ ﴿ وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ ﴾ ﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ ﴾ ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ "كَيْفَ" نَصَبَ بِـ "فِعْلٍ"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ: ثَمانِيَةٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ، وحَكى النَقّاشُ ثَلاثَةَ عَشَرَ.

وهَذِهِ السُورَةُ تَنْبِيهٌ عَلى اعْتِبارٍ في أخْذِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأبْرَهَةَ مَلِكُ الحَبَشَةِ ولِجَيْشِهِ حِينَ أمَّ بِهِ الكَعْبَةَ لِيَهْدِمَها، وكانَ صاحِبَ فِيلٍ يَرْكَبُهُ.

وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ في السِيرَةِ الطَوِيلَةِ، واخْتِصارُها أنَّهُ بَنى في اليَمَنِ بَيْتًا، وأرادَ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ حَجَّ العَرَبِ، فَذَهَبَ عَرَبِيٌّ فَأحْدَثَ في البَيْتِ الَّذِي بَناهُ أبَرْهَةُ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ واحْتَفَلَ في جُمُوعِهِ، ورَكِبَ الفِيلَ وقَصَدَ مَكَّةَ، وغَلَبَ مِن تَعَرَّضَهُ في طَرِيقِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، فَلَمّا وصَلَ ظاهِرَ مَكَّةَ، وفَرَّ عَبْدُ المُطَّلِبِ وقُرَيْشٌ إلى الجِبالِ والشِعابِ، وأسْلَمُوا لَهُ البَلَدَ، وغَلَبَ طُغْيانُهُ، ولَمْ يَكُنْ لِلْبَيْتِ مِنَ البَشَرِ مَن يَعْصِمُهُ، جاءَتْ قُدْرَةُ الواحِدِ القَهّارِ، وأخْذِ العَزِيزِ المُقْتَدِرِ الجَبّارِ، فَأصْبَحَ أبَرْهَةُ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ ويَهْدِمَ الكَعْبَةَ، فَبَرَكَ فِيلُهُ بِذِي المَغْمَسِ ولَمْ يَتَوَجَّهْ قِبَلَ مَكَّةَ، فَبَضَعُوهُ بِالحَدِيدِ فَلَمْ يَمْشِ إلى ناحِيَةِ مَكَّةَ، وكانَ إذا وجَّهُوهُ إلى غَيْرِها هَرْوَلَ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ في أمْرِ الفِيلِ بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَيْرًا جَماعاتٍ جَماعاتٍ سُودًا مِنَ البَحْرِ -وَقِيلَ خُضْرًا-، عِنْدَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ في مِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ، وكُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، فَرَمَتْهم بِتِلْكَ الحِجارَةِ، وَكانَ الحَجَر مِنها يَقْتُلُ المَرْمِيَّ، وتَتَهَرّى لُحُومُهم جَرْبًا وأسْقامًا، وانْصَرَفَ أبَرْهَةُ بِمَن مَعَهُ يُرِيدُ اليَمَنَ، فَماتُوا في طَرِيقِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ في كُلِّ مَرْحَلَةٍ، وتَقَطَّعَ أبَرْهَةُ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً حَتّى ماتَ، وحَمى اللهُ تَعالى بَيْتَهُ المُرَفَّعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ مُنَبِّهَةً عَلى الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ القِصَّةِ، لِيَعْلَمَ الكُلُّ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويَسْتَسْلِمُوا لِلْإلَهِ الَّذِي ظَهَرَتْ في ذَلِكَ قُدْرَتُهُ حِينَ لَمْ تُغْنِ الأصْنامُ شَيْئًا فَأصْحابُ الفِيلِ هم أبَرْهَةُ المَلِكُ ورِجالُهُ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "ألَمْ تَرْ" بِسُكُونِ الراءِ، و"التَضْلِيلُ": الخَسارُ والتَلَفُ.

و"الأبابِيلُ": الجَماعاتُ تَجِيءُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا هو الصَحِيحُ، لا ما تَكَلَّفَهُ بَعْضُ النُحاةِ وقالَ كَعْبٌ: كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجَرْدِ الأبابِيلِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "حِجارَةِ السِجِّيلِ" غَيْرَ مَرَّةٍ، وهي مِن "سَنْجٍ وكِلٍّ"، أيْ: ماءٍ وطِينٍ، كَأنَّها الآجُرُّ ونَحْوُهُ مِمّا طُبِخَ وهي المُسَوَّمَةُ عِنْدَ اللهِ تَعالى لِلْكُفّارِ والظالِمِينَ.

و"العَصْفُ": ورَقُ الحِنْطَةِ وتِبْنُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: تُسْقى مَذانِبَ قَدْ زالَتْ عَصِيفَتُها ∗∗∗ حَدُورُها مِن أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ والمَعْنى: صارُوا طَحِينًا ذاهِبًا كَوَرَقِ الحِنْطَةِ أكَلَتْهُ الدَوابُّ وِراثَتْهُ فَجَمَعَ المَهانَةَ والخِسَّةَ والتَلَفَ.

وقَرَأ أبُو المَلِيحِ الهُذَلِيِّ "فَتَرَكَهم كَعَصْفٍ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "فَجَعَلَتْهُمْ" -يَعْنُونَ الطَيْرَ- بِفَتْحِ اللامِ وتاءٍ ساكِنَةٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: العَصْفُ: حَبُّ البُرِّ إذا أكَلَ فَصارَ أجْوَفَ، وقالَ الفَرّاءُ: هو أطْرافُ الزَرْعِ قَبْلَ أنْ يُسَنْبَلَ.

وهَذِهِ السُورَةُ مُتَّصِلَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِسُورَةِ "لِإيلافِ قُرَيْشٍ"، لا فَصْلَ بَيْنَهُما، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كانَ لَنا إمامٌ يَقْرَأُ بِهِما مُتَّصِلَةً سُورَةٌ واحِدَةٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الفِيلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استفهام تقريري وقد بيّنّا غير مرة أن الاستفهام التقريري كثيراً ما يكون على نفي المقرَّر بإثباته للثقة بأن المقرَّر لا يسعه إلا إثبات المنفي وانظر عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ في سورة البقرة (243).

والاستفهام التقريري هنا مجاز بعلاقة اللزوم وهو مجاز كثر استعماله في كلامهم فصار كالحقيقة لشهرته.

وعليه فالتقرير مستعمل مجازاً في التكريم إشارة إلى أن ذلك كان إرهاصاً للنبيء فيكون من باب قوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 1، 2]، وفيه مع ذلك تعريض بكفران قريش نعمة عظيمة من نعم الله عليهم إذ لم يزالوا يعبدون غيره.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه قوله: ﴿ ربك ﴾ .

فمهيع هذه الآية شبيه بقوله تعالى: ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ﴾ [الضحى: 6] الآيات وقوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 1، 2] على أحد الوجوه المتقدمة.

فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر المرئي لتواتر ما فعل الله بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك يشاهدونه.

وقال أبو صالح: رأيت في بيت أم هاني بنتتِ أبي طالب نحواً من قفيزين من تلك الحجارة سُوداً مخططة بحمرة.

وقال عتاب بن أسِيدْ: أدركت سائس الفيل وقائده أعميين مُقْعَدين يستطعمان الناس.

وقالت عائشة: لقد رأيْتُ قائد الفيل وسائقه أعمَيين يستطعمان الناس.

وفعل الرؤية معلق بالاستفهام.

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسبة لمن تجاوز سنهُ نيفاً وخمسين سنة عند نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاماً أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي بن خلف.

و ﴿ كيف ﴾ للاستفهام سَدّ مسدّ مفعوليْ أو مفعول ﴿ تَر ﴾ ، أي لم تر جواب هذا الاستفهام، كما تقول: علمتُ هل زيد قائم؟

وهو نصب على الحال من فاعل ﴿ تَر ﴾ .

ويجوز أن يكون ﴿ كيف ﴾ مجرداً عن معنى الاستفهام مراداً منه مجرد الكيفية فيكون نصباً على المفعول به.

وإيثار ﴿ كيف ﴾ دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل: ألم تر ما فعل ربك، أو الذي فعل ربك، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم تفصيل القصة.

وأوثر لفظ ﴿ فعل ربك ﴾ دون غيره لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالاً كثيرة لا يدل عليها غيره.

وجيء في تعريف الله سبحانه بوصف (رب) مضافاً إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم النبي صلى الله عليه وسلم إرهاصاً لنبوءته إذ كان ذلك عام مولده.

وأصحاب الفيل: الحَبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمِرين هدم الكعبة انتقاماً من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر الحج.

وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود التي عَذَّب فيها الملكُ ذو نواس النصارى، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلاً يقال له: (أبرهة) وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القَلِيس (بفتح القاف وكسر اللام بعدما تحتية ساكنة، وبعضهم يقولها بضم القاف وفتح اللام وسكون التحتية).

وفي «القاموس» بضم القاف وتشديد اللام مفتوحة وسكون الياء.

وكتبه السهيلي بنون بعد اللام ولم يضبطه وزعم أنه اسم مأخوذ من معاني القَلْس للارتفاع.

ومنه القلنسوة واقتصر على ذلك ولم أعرف أصل هذا اللفظ فإما أن يكون اسم جنس للكنيسة ولعل لفظ كنيسة في العربية معرّب منه، وإما أن يكون علماً وضعوه لهذه الكنيسة الخاصة وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة فروي أن رجلاً من بني فُقَيم من بني كنانة وكانوا أهل النسيء للعرب كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ في سورة براءة (37)، قَصد الكنانيُّ صنعاء حتى جاء القليس فأحدث فيها تحقيراً لها ليتسامَعَ العربُ بذلك فغضب أبرهة وأزمع غزو مكة ليهدم الكعبة وسار حتى نزل خارج مكة ليلاً بمكان يقال له المُغَمَّس (كمعظم موضع قرب مكة في طريق الطائف) أو ذو الغميس (لم أر ضبطه) وأرسل إلى عبد المطلب ليحذره من أن يحاربوه وجرى بينهما كلام، وأمر عبد المطلب آله وجميع أهل مكة بالخروج منها إلى الجبال المحيطة بها خشية من معرة الجيش إذا دخلوا مكة.

فلما أصبح هيّأ جَيْشه لدخول مكة وكان أبرهة راكباً فيلاً وجيشه معه فبينا هو يَتهيّأ لذلك إذ أصاب جنده داء عضال هو الجُدريّ الفتاك يتساقط منه الأنامل، ورأوا قبل ذلك طيراً ترميهم بحجارة لا تصيب أحداً إلا هلك وهي طير من جند الله فهلك معظم الجيش وأدبر بعضهم ومرض (أبرهة) فقفل راجعاً إلى صنعاء مريضاً، فهلك في صنعاء وكفى الله أهل مكة أمر عدوّهم.

وكان ذلك في شهر محرم الموافق لشهر شباط (فبراير) سنة 570 بعد ميلاد عيسى عليه السلام، وبعد هذا الحادث بخمسين يوماً ولد النبي على أصح الأخبار وفيها اختلاف كثير.

والتعريف في الفيل} للعهد، وهو فيل أبرهة قائد الجيش كما قالوا للجيش الذي خرج مع عائشة أم المؤمنين أصحاب الجَمل يريدون الجمل الذي كانت عليه عائشة، مع أن في الجيش جمالاً أخرى.

وقد قيل: إن جيش أبرهة لم يكن فيه إلا فيل واحد، وهو فيل أبرهة، وكان اسمه محمود.

وقيل: كان فيه فِيَلَة أخرى، قيل ثمانية وقيل: اثنا عشر.

وقال بعضٌ: ألف فيل.

ووقع في رجز ينسب إلى عبد المطلب: أنتَ منعتَ الحُبْشَ والأفْيالا *** فيكون التعريف تعريف الجنس ويكون العهد مستفاداً من الإِضافة.

والفيل: حيوان عظيم من ذوات الأربع ذواتتِ الخف، من حيوان البلاد الحارة ذات الأنهار من الهند والصين والحبشة والسودان، ولا يوجد في غير ذلك إلا مجلوباً، وهو ذكي قابل للتأنس والتربية، ضخم الجثة أضخم من البعير، وأعلى منه بقليل وأكثر لحماً وأكبر بطناً.

وخف رجله يشبه خف البعير وعنقه قصير جداً له خرطوم طويل هو أنفه يتناول به طعامه وينتشق به الماء فيفرغه في فيه ويدافع به عن نفسه يختطف به ويلويه على ما يريد أذاه من الحيوان، ويلقيه على الأرض ويدوسه بقوائمه.

وفي عينيه خزر وأذناه كبيرتان مسترخيتان، وذَنبه قصير أقصر من ذنب البعير وقوائمه غليظة.

ومناسمه كمناسم البعير وللذكر منه نابان طويلان بارزان من فمه يتخِذ الناس منها العاجَ.

وجلده أجرد مثل جلد البقر، أصهب اللون قاتم كلون الفار ويكون منه الأبيض الجلد.

وهو مركوبٌ وحاملُ أثقال وأهل الهند والصين يجعلون الفيل كالحصن في الحرب يجعلون محفة على ظهره تسع ستة جنود.

ولم يكن الفيل معروفاً عند العرب فلذلك قلّ أن يُذكر في كلامهم وأول فيل دخل بلاد العرب هو الفيل المذكور في هذه السورة.

وقد ذكرت أشعار لهم في ذكر هذه الحادثة في السيرة.

ولكن العرب كانوا يسمعون أخبار الفيل ويتخيلونه عظيماً قوياً، قال لبيد: ومقاممٍ ضيِّق فرَّجْتُه *** ببياننٍ ولسان وجَدل لو يقومُ الفيلُ أوفَيَّالُه *** زل عن مثل مقامي ورحل وقال كَعب بن زهير في قصيدته: لقَدْ أقومُ مقاماً لو يقوم به *** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظلَّ يَرْعد إلا أنْ يكون له *** من الرسول بإذن الله تنويل وكنت رأيْتُ أنّ....

قال إن أمه أرته أو حدثته أنها رأت روث الفيل بمكة حول الكعبة ولعلهم تركوا إزالته ليبقى تذكرة.

وعن عائشة وعتاب بن أسيد: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.

والمعنى: ألم تعلم الحالة العجيبة التي فعلها الله بأصحاب الفيل، فهذا تقرير على إجمال يفسره ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الفِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.

الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ  لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.

واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ  ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» .

واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.

∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟

قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.

∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.

∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.

المِحالُ: القُوَّةُ.

الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ!

ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.

واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.

وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.

وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.

المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.

وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.

وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.

وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.

∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.

﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.

يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.

∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.

ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.

فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟

قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.

وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.

الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.

﴿ وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.

واخْتُلِفَ في ﴿ أبابِيلَ ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.

الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا ايْ مُتَفَرِّقِينَ.

الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.

وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.

واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.

﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.

وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل ﴿ ألم تر كيف فعل ربك ﴾ بمكة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس قال: كان من حديث أصحاب الفيل أن أبرهة الأشرم الحبشي كان ملك اليمن، وإن ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميريّ خرج حاجاً، فلما انصرف من مكة نزل في كنيسة بنجران فغدا عليها ناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحليّ وأخذوا متاع أكسوم، فانصرف إلى جده مغضباً، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له شهر بن معقود على عشرين ألفاً من خولان والاشعريين فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم فتنحت خثعم عن طريقهم، فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف فقالوا: ما حاجتك إلى طائفنا، وإنما هي قرية صغيرة، ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد وحرز من لجأ إليه من ملكه تم له ملك العرب، فعليك به ودعنا منك فأتاه حتى إذا بلغ المغمس وجد إبلاً لعبد المطلب مائة ناقة مقلدة فاتهبها بين أصحابه، فلما بلغ ذلك عبد المطلب جاءه، وكان جميلاً، وكان له صديقاً من أهل اليمن يقال له ذو عمرو فسأله أن يرد عليه إبله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئت أدخلتك على الملك فقال عبد المطلب افعل.

فأدخله عليه فقال له: إن لي إليك حاجة.

قال: قضيت كل حاجة تطلبها.

قال: أنا في بلد حرام وفي سبيل بين أرض العرب وأرض العجم، وكانت مائة ناقة لي مقلدة ترعى بهذا الوادي بين مكة وتهامة عليها عير أهلها وتخرج إلى تجارتنا وتتحمل من عدوّنا عدا عليها جيشك فأخذوها، وليس مثلك يظلم من جاوره.

فالتفت إلى ذي عمرو ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجباً فقال: لو سألني كل شيء أحوزه أعطيته إياه أما ابلك فقد رددنا إليك ومثلها معها، فما يمنعك أن تكلمني في بنيتكم هذه وبلدكم هذه فقال له عبد المطلب: أما بنيتنا هذه وبلدنا هذه فإن لهما رباً إن شاء أن يمنعهما منعهما، ولكني إنما أكلمك في مالي فأمر عند ذلك بالرحيل وقال: لتهدمن الكعبة ولتنهبن مكة فانصرف عبد المطلب وهو يقول: لا همّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك ** لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك فإذا فعلت فربما تحمى فأمر ما بدا لك ** فإذا فعلت فإنه أمر تتم به فعالك وغدوا غداً بجموعهم والفيل كي يسبوا عيالك ** فإذا تركتهم وكعبتا فوا حرباً هنالك فلما توجه شهر وأصحاب الفيل وقد أجمعوا ما أجمعوا طفق كلما وجهوه أناخ وبرك فإذا صرفوه عنها من حيث أتى أسرع السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل وخرجت عليهم طير من البحر لهم خراطيم كأنها البلس شبيهة بالوطواط حمر وسود، فلما رأوها أشفقوا منها وسقط في أيديهم فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق تقع على رأس الرجل فتخرج من جوفه، فلما أصبحوا من الغد أصبح عبد المطلب ومن معه على جبالهم فلم يروا أحداً غشيهم فبعث ابنه على فرس له سريع ينظر ما لقوا فإذا هم مشدخين جميعاً، فرجع يرفع رأسه كاشفاً عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيراً أو نذيراً، فلما دنا من ناديهم قالوا؟

ما وراءك؟

قال: هلكوا جميعاً.

فخرج عبد المطلب وأصحابه، فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب شعراً في المعنى: أنت منعت الجيش والأفيالا ** وقد رعوا بمكة الأفيالا وقد خشينا منهم القتالا ** وكل أمر منهم معضالا شكراً وحمداً لك ذا الجلالا فانصرف شهر هارباً وحده، فأول منزل نزله سقطت يده اليمنى، ثم نزل منزلاً آخر فسقطت رجله اليمنى، فأتى منزله وقومه وهو جسد لا أعضاء له، فأخبرهم الخبر ثم فاضت نفسه وهم ينظرون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معافي الدلائل عن ابن عباس قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحد.

قالوا: لا نرجع حتى نهدمه وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سوداً عليهم الطين، فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منه أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا؟

ألا بعثت فنأتيك بكل شيء أردت؟

فقال: أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمن فجئت أخيف أهله فقال: إنا نأتيك بكل شيء تريد فارجع، فأبى أن يرجع إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله.

ثم قال: اللهم إن لكل إله حلالاً فامنع حلالك، لا يغلبن محالهم أبداً محالك.

اللهم فإن فعلت فأمر ما بدا لك.

فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طيراً أبابيل التي قال الله ترميهم بحجارة من سجيل فجعل الفيل يعج عجاً فجعلهم كعصف مأكول.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ قال: أقبل أبرهة الأشرم بالحبشة ومن تبعه من غواة أهل اليمن إلى بيت الله ليهدموه من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم حتى إذا كانوا بالصفاح فكانوا إذا وجهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه إلى الأرض، فإذا وجهوه قبل بلادهم انطلق وله هرولة، حتى إذا كانوا ببجلة اليمانية بعث الله عليهم طيراً أبابيل بيضاً وهي الكبيرة، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله كعصف مأكول، فنجا أبو يكسوم فجعل كلما نزل أرضاً تساقط بعض لحمه حتى إذا أتى قومه فأخبرهم الخبر ثم هلك.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ قال: أبو يكسوم جبار من الجبابرة جاء بالفيل يسوقه معه الحبش ليهدم- زعم- بيت الله من أجل بيعة كانت هدمت باليمن، فلما دنا الفيل من الحرم ضرب بجرانه، فإذا أرادوا به الرجعة عن الحرم أسرع الهرولة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: أقبل أبو يسكوم صاحب الحبشة ومعه الفيل فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل فأبى أن يدخل الحرم، فإذا وجه راجعاً أسرع راجعاً وإذا ارتد على الحرم أبى فأرسل الله عليهم طيراً صغاراً بيضاً في أفواهها حجارة أمثال الحمص لا تقع على أحد إلا هلك.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت لم يسلط عليه أحد.

قالوا: لا نرجع حتى نهدمه، وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تاخر فدعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذت بهم صفت عليهم ثم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أصابته الحكة.

وكانوا لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط جلده.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل جعل لا يقع منها حجر إلا سقط وذلك ما كان الجدري، ثم أرسل الله سيلاً فذهب بهم فألقاهم في البحر.

قيل: فما الأبابيل؟

قال: الفرق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: هي الفرق.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: فوجاً بعد فوج، كانت تخرج عليهم من البحر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: خضر لها خراطيم كخراطيم الإِبل وأنف كأنف الكلاب.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: لها أكفّ كأكفّ الرجل وأنياب كأنياب السباع.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عبيد بن عمير الليثي قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث الله عليهم طيراً نشأت من البحر كأنها الخطاطيف بكف كل طير منها ثلاثة أحجار مجزعة في منقاره حجر وحجران في رجليه، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحاً شديداً فضربت أرجلها فزادها شدة فأهلكوا جميعاً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عكرمة ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: طير بيض، وفي لفظ: خضر جاءت من قبل البحر كأن وجوهها وجوه السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده، فأثرت في جلودهم مثل الجدري، فإنه أول ما رؤي الجدري.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ لما أقبل أصحاب الفيل يريدون مكة ورأسهم أبو يكسوم الحبشي حتى أتوا المغمس أتتهم طير في منقار كل طير حجر، وفي رجليه حجران فرمتهم بها، فذلك قوله: ﴿ وأرسل عليهم طيراً أبابيل ﴾ يقول: يتبع بعضها بعضاً ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل ﴾ يقول من طين.

قال: وكانت من جزع أظفار مثل بعر الغنم فرمتهم بها ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ وهو ورق الزرع البالي المأكول: يقول: خرقتهم الحجارة كما يتخرق ورق الزرع البالي المأكول.

قال: وكان إقبال هؤلاء إلى مكة قبل أو يولد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث وعشرين سنة.

وأخرج ابن المنذر عن أبي الكنود ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل ﴾ قال: دون الحمصة وفوق العدسة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عمران ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: طير كثيرة جاءت بحجارة كثيرة أكبرها مثل الحمصة وأصغرها مثل العدسة.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل ﴾ قال: بحجارة مثل البندق وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره، حلقت عليهم من السماء ثم أرسلت تلك الحجارة عليهم فلم تعد عسكرهم.

وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الديلمي قال: رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار.

وأخرج أبو نعيم عن حكيم بن حزام قال: كانت في المقدار من الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختمة كالجزع فلولا أنه عذب به قوم أخذت منه ما اتخذه لي مسجداً وهي بمكة كثير.

وأخرج أبو نعيم عن أم كرز الخزاعية قالت: رأيت الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل حمراً مختمة كأنها جزع ظفار فمن قال غير ذلك فلم ير منها شيئاً، ولم يصبهم كلهم، وقد أفلت منهم.

وأخرج أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال: جاؤوا بفيلين، فأما محمود فربض، وأما الآخر فشجع فحصب.

وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار قال: حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه قال لهما: أخبراني خبر الفيل قالا: أقبلنا به وهو فيل الملك النجاشي الأكبر لم يسر به قط إلى جمع إلا هزمهم، فلما دنا من الحرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يربض، فتارة نضربه فيهبط وتاره نضربه حتى نمل ثم نتركه، فلما انتهى إلى المغمس ربض فلم يقم فطلع العذاب فقلنا: نجا غيركما؟

قالا: نعم.

ليس كلهم أصابه العذاب.

وولى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده كلما دخلوا أرضاً وقع منهم عضو حتى انتهوا إلى بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات.

وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم ﴿ طيراً أبابيل ﴾ يريد مجتمعة لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها وحصاتين في رجليها ترسل واحدة على رأس الرجل فيسيل لحمه ودمه وتبقى عظاماً خاوية لا لحم عليه ولا جلد ولا دم.

وأخرج أبو نعيم عن عثمان بن عفان أنه سأل رجلاً من هذيل قال: أخبرني عن يوم الفيل، فقال: بعثت يوم الفيل طليعة على فرس لي أنثى فرأيت طيراً خرجت من الحرم في كل منقار طير منها حجر، وفي رجل كل طير منها حجر، وهاجت ريح وظلمة حتى قعدت بي فرسي مرتين فمسحتهم مسحة كلفته كرداك وانجلت الظلمة، وسكنت الريح.

قال: فنظرت إلى القوم خامدين.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح أنه رأى عند أم هانئ بنت أبي طالب من تلك الحجارة نحواً من قفيز مخططة بحمرة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ فجعلهم كعصف ﴾ يقول: كالتبن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ قال: ورق الحنطة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: العصف المأكول ورق الحنطة.

وأخرج عبد بن حميد عن طاوس ﴿ كعصف مأكول ﴾ قال: ورق الحنطة فيها النقب.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ كعصف مأكول ﴾ قال: إذا أكل فصار أجوف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس ﴿ كعصف مأكول ﴾ قال: هو الطيور عصافة الزرع.

وأخرج ابن إسحاق في السيرة والواقدي وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة قالت: لقد رأيت سائس الفيل وقائده بمكة أعميين مقعدين يستطعمان.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن ابن أبزى قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل.

وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.

وأخرج البيهقي عن محمد بن جبير بن مطعم قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وبني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين من الفيل.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ (١) (٢) (٣) (قال الفراء: يريد ألم تُخبر (٤) وقال الزجاج: معنى "ألم تر" ألم) (٥) (٦) وقال صاحب النظم: هي كلمة وضعت لمعنى (التعجب (٧) (٨) (وقوله: ﴿ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ قال أبو إسحاق: كيف في موضع نصب) (٩) (١٠) وقوله: ﴿ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾ يعني الذين غزوا البيت، وقصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، والفيل معروف، ويجمع على الفيلة، والأفيال، وسايسه (١١) (١٢) لو يَقُومُ الفِيلُ أو فَيّاله ...

زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَامي وزَحَلْ (١٣) وأكثر أهل التاريخ على أنهم لم يكن معهم غير فيل واحد، وكان (فيلًا كبيرًا) للنجاشي، لم ير مثله في الأرض عظمًا (وجسمًا وقوة) (١٤) (١٥) وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانية (١٦) وعلى هذا: الفيل: اسم الجنس، والصحيح هو الأول يدل عليه قول أبي الصلت (الثقفي (١٧) (١٨) إن آياتِ رَبِّنا بينات ...

ما يُماري بهنَّ إلا الكفورُ حَبَسَ الفيلَ بالمُغَمَّسِ ...

حتّى ظَلَّ يَحْبو كأنَّهُ مَعْقُورُ (١٩) أخبر عن فيل واحد.

ثم ذكر ما فعل بهم فقال: (١) ساقط من (أ).

(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٤) "معاني القرآن" 3/ 291.

(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 363.

(٧) "الوسيط" 4/ 554.

(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 363 بنصه.

(١١) السايس: القائم على الشيء بما يصلحه، والسياسة فعل السائس.

"لسان العرب" 6/ 108 (سوس).

(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٣) "ديوانه" ص 147، ط.

دار صادر، زحل: زل عن مكانه.

الفيال: صاحب الفيل، توهم لبيد أنه لا بد أن يكون قويًا ليقدر على تصرف الفيل، وقد عاب العلماء هذا البيت على لبيد.

ديوانه.

(١٤) ما بين الأقواس ساقط من (أ).

(١٥) وممن ذكر أنه قيل واحد: الطبري في "تاريخه" 2/ 154، وابن هشام "السيرة" 1/ 46، وابن الأثير في "الكامل في التاريخ" 1/ 260، وابن كثير في "البداية والنهاية" م 1 ج 2/ 158.

(١٦) "الكشف والبيان" 13/ 157/ أ، و"البحر المحيط" 8/ 512.

(١٧) أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، تقدمت ترجمته.

(١٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٩) ورد البيتان في: "سيرة ابن هشام" 1/ 63 برواية: (ثاقبات) بدلًا من (بينات)، و"البداية والنهاية": م 1، ج 2/ 163 بنفس رواية ابن هشام ولكن منسوبة إلى أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة، و"النكت والعيون" 6/ 341 برواية: (ناطقات لا يماري) و (مر يعوي) ونسبة إلى أبي الصلت بن مسعود، و"الكشف والبيان" 13/ 156 أو نسبة إلى أبي الصلت بن أمية ابن مسعود، و"لباب التأويل" 4/ 409 برواية (ساطعات) و (ظل يعوي) "تفسير القرآن العظيم" 4/ 491 برواية (باقيات) و (حتى صار يحبو).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ﴾ معناه: ألم تعلم، وكيف في موضع نصب بفعل ربك لا بألم تر، والجملة معمول ألم تر ﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ أي إبطال وتخسير ﴿ أَبَابِيلَ ﴾ معناها جماعات شيئاً بعد شيء قال الزمخشري: واحدها أبالة، وقال جمهور الناس هو جمع لا واحد له من لفظه ﴿ بِحِجَارَةٍ ﴾ روي أن كل حجر منها كان فوق العدسة ودون الحمصة.

قال ابن عباس: إنه أدرك عند أم هانئ نحو قفتين من هذه الحجارة، وأنها كانت مخططة بحمرة وروي أنه كان على كل حجر اسم من يقع عليه مكتوباً ﴿ سِجِّيلٍ ﴾ قد ذكر ﴿ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ العصف ورق الزرع وتبنه والمراد أنهم صاروا رميماً، وفي تشبيههم به ثلاثة أوجه الأول أنه شبههم بالتبن إذا أكلته الدواب ثم راثته فجمع التلف والخسة، ولكن الله كنّى عن هذا على حسب آدب القرآن.

الثاني أنه أراد ورق الزرع إذا أكلته الدود، الثالث أنه أراد كعصف ماكول زرعه وبقي هو لا شيء.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف ﴿ الفيل ﴾ ه ط ﴿ تضليل ﴾ ه لا ﴿ أبابيل ﴾ ه لا ﴿ سجيل ﴾ ه لا ﴿ مأكول ﴾ ه.

التفسير: روي أن أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بني كنيسة بصنعاء وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج من كنانة فتغوط فيها ليلاً فأغضبه ذلك.

وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمنّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيل له اسمه محمود وكان قوياً عظيماً.

وقيل: كان معه اثنا عشر فيلاً غيره.

وقيل: ألف فيل، فلما بلغ قريباً من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبى جيشه وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل الله  عليهم طيراً سوداً أو خضراً أو بيضاً أو بلقاً كالخطاطيف على اختلاف الأقاويل مع كل طير حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة.

قال ابن عباس: إني رأيت منها عند أم هانىء نحو قفيز مخططة محمرة كالجزع الظفاري، وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا فهلكوا في كل طريق ومرض أبرهة فتساقطت أناملة وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتاً بين يديه.

وعن عائشة رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان.

قال أهل التاريخ: كان أبرهة جد النجاشي الذي عاصر رسول الله  وكان بين عام الفيل وبين المبعث نيف وأربعون سنة، وكان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة وقد بلغت حد التواتر حينئذ فما ذاك إلا إرهاص للرسول  .

وزعمت المعتزلة أنها كانت معجزة لنبي قبله كخالد بن سنان أو قس ابن ساعدة.

ويروى أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه يطلبها وقل لأبرهة: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال.

وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً فعظم في عين أبرهة، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم من قديم الدهر فألهاك عنه ذود أخذ لك فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه.

ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: لا هم أن المرء يمـ *** ـنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم *** ومحالهم عدواً ومحالك الحلال جمع حل وهو الموضع الذي يحل فيه الناس والمحال المماكرة كقوله ﴿ وهو شديد المحال  ﴾ ثم قال: إن كنت تاركهم وكعـ *** ـبتنا فأمر ما بدا لك وقال أيضاً: يا رب فامنع منهم حماكا *** يا رب لا أرجو لهم سواكا فالتفت فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا تهامية، فأهلكتهم كما ذكرنا.

ثم إن أهل مكة قد احتووا على أموالهم وجمع عبد المطلب منها ما صار سبب يساره.

وسئل أبو سعيد الخدري عن الطير فقال: حمام مكة منها.

وقيل: جاءت عشية ثم صبحتهم هلكى.

وعن عكرمة: من أصابته أصابه جدري وهو أول جدري ظهر في الأرض.

ولنرجع إلى تفسير الألفاظ.

وإنما لم يقل " ألم تعلم " إما لأن الخطاب لكل راء، أو لأنه  كان يعلم علماً كالمشاهد المرئي لتواتره ولقرب عهده به.

قال النحويون: قوله ﴿ كيف ﴾ مفعول فعل لأن الاستفهام يقتضي صدر الكلام فيقدم على فعله بالضرورة.

ثم إن قوله ﴿ ألم تر ﴾ وقع على مجموع تلك الجملة.

وقال في الكشاف ﴿ كيف ﴾ في موضع نصب بـ ﴿ فعل ربك ﴾ لا ﴿ بألم تر ﴾ لما في ﴿ كيف ﴾ من معنى الاستفهام.

قلت: أما قول صاحب الكشاف في غاية الإجمال لأن المنصوبات بالفعل أنواع شتى.

وأما قول غيره فقريب من الإجمال لأن المفاعيل خمسة، والقول المبين فيه أنه مفعول مطلق والمعنى فعل أي فعل يعني فعلاً ذا عبرة لأولي الأبصار.

وتقدير الكلام: ألم تر ربك أو إلى ربك كيف فعل بأصحاب الفيل فعلاً كاملاً في باب الاعتبار لأنه خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كان عليه، واستجاب دعاء أهل الشرك تعظيماً لبيته، وإن أريد بالفعل المفعول لم يبعد أن يكون مفعولاً به كقولك " يفعل ما يشاء ".

وفي قوله ﴿ ربك ﴾ إشارة إلى أني ربيتك وحفظت البيت لشرف قومك وهم كفرة فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك وإسلام أكثر قومك؟

وفي القصة إشارة إلى أني حفظت البيت وهو موضع العلم للعالم أفلا أحفظ العالم وهو من المسجد كالدر من الصدف؟

فمن أراد تخريب البيت وهدمه وكسره دمرته فالذي همزه ولمزه في العالم وهو المقصود من البيت أفلا أدمره؟

وههنا تظهر المناسبة بين هذه السورة والسورة المتقدمة وهذه القصة تجري مجرى مثال آخر لخسران الإنسان.

قال بعضهم: إنما قال ﴿ أصحاب الفيل ﴾ ولم يقل أرباب الفيل أو ملاك الفيل لأن الصاحب يكون من جنس القوم فكأنه أشار إلى أنهم من جنس البهائم بل هم أضل لأن الفيل كان لا يقصد البيت ويقول بلسان الحال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأنهم لم يفهموا رمزه سؤال، أليس أن كفار مكة ملؤا البيت من الأوثان؟

ألم يكن أفحش من تخريب الجدران؟

ثم إنه  لم يسلط عليهم الطير؟

الجواب قال بعضهم: وضع الأوثان في البيت إضاعة حق الله وتخريب الجدران تعدٍ على الخلق وإنه  يقدم حق العباد على حق نفسه ولهذا أمر بقتل قاطع الطريق والقاتل وإن كانا مسلمين، ولا يأمر بقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة وإن كانوا كفاراً لأنهم لا يتعدى ضررهم إلى الخلق.

وأقول: لا نسلم أنه  لم يسلط على كفار مكة عذابه لأنه أمر نبيه  بقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم، ثم فصل الفعل المذكور المتعجب منه بقوله ﴿ ألم يجعل كيدهم في تضليل ﴾ أي في تضييع وإبطال يقال: ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً ومنه قولهم لا مرىء القيس" الملك الضليل " لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه.

كادوا البيت أولاً ببناء الكنيسة وصرف وجوه الحاج إليها فضلل الله كيدهم بأن أوقع الحريق فيه.

وكادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم.

ومعنى أبابيل طرائق أي جماعات متفرقة الواحدة إبالة وفي أمثالهم " ضغث على إبالة " شبهت الطير في اجتماعها بالإبالة وهي الحزمة الكبيرة، قال أبوعبيدة: وقيل أبابيل مثل عباديد لا واحد لها، والعباديد الفرق الذاهبون في كل وجه قاله الأخفش والفراء.

وقال الكسائي: سمعت بعضهم يقولون: واحدها أبول كعجول وعجاجيل.

والتنكير في ﴿ طيراً ﴾ إما للتفخيم لأنها كانت طيراً أعاجيب أو للتحقير لأنها كانت صغار الجثة وهذا أدل على كمال القدرة.

وذكروا في وصفها عن ابن مسعود وعن ابن عباس أنها كانت لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكف كاكف الكلاب.

وفي ﴿ سجيل ﴾ أقوال أحدها: أن اللام مبدلة من النون وأصله سجين وقد مر أنه علم لديوان الشر كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون.

وجوز في الكشاف أن يكون اشتقاقه من الإسجال والإرسال لأن العذاب موصوف بذلك.

وعن ابن عباس أنه معرب سنك كل وقيل: هو طين مطبوخ والعصف ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد تفتته الرياح وتأكله المواشي.

وقال أبو مسلم: هو التبن كقوله ﴿ والحب ذو العصف والريحان  ﴾ وقال الفراء: هو أطراف الزرع.

وقيل: هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره، والمأكول الذي وقع فيه الأكال أي الدود ونحوه أي الذي أكلته الدواب وراثته إلا أنه جاء على آداب القرآن كقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام  ﴾ قاله مقاتل وقتادة وعطاء عن ابن عباس.

وقيل: مأكول حبه كما مر.

وتشبيههم بورق الزرع المذكور إشارة إلى تدميرهم وتصييرهم أيادي سبا.

قالوا: إن الحجاج خرب البيت ولم يحدث شيء من ذلك.

وأجيب بأن قصده لم يكن تخريب الكعبة وإنما كان شيئاً آخر.

وأيضاً كان إرسال الطير عليهم، إرهاصاً للنبي صلى الله عليه آله وبعد تقرير نبوته لم يكن افتقار إلى الإرهاص والله  عالم بحقائق أحكامه وبه التوفيق وعليه التكلان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ ﴾ ، اختلفوا في السبب الذي به وقع القصد من أصحاب الفيل إلى تهديم البيت وتخريبه: فمنهم من قال: إنهم اتخذوا بيتا في بلادهم، وسموه: كعبة؛ لكي ينتاب الناس إليه كما ينتابون إلى الكعبة، فأبى الناس إتيان ذلك البيت؛ فغاظهم ذلك حتى قصدوا [تهديم البيت].

ومنهم من قال: إن العرب حرقوا بيعة كانت لهم، وخربوها؛ فغاظهم ذلك حتى أرادوا تهديم هذا البيت؛ جزاء بما فعلت العرب بهم.

ومنهم من قال: إنهم كانوا ملوكا وفراعنة، ومن عادتهم أنهم يعادون من ضادهم في ملكهم وسلطانهم.

وأي ذلك لكان، فلا حاجة إلى معرفته، وإنما حاجتنا إلى تعريف المعنى الذي به أنزلت السورة وثبتت.

وتأويل ذلك يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن الله -  - ذكرهم تلك النعمة التي أنعمها عليهم ي صرف من أراد إهلاكهم؛ فإنهم كانوا قصدوا قتل أهل مكة، وسبي نسائهم وذراريهم، وأخذ أموالهم؛ فذكرهم الله -  - جميل صنعه بهم؛ ليشكروا له، ويعبدوه حق عبادته، وينزجروا عن عبادة غيره.

والوجه الثاني: أن الله -  - خوف أهل مكة.

ووجه ذلك: أن الله -  - لما أهلك أصحاب الفيل بما ضيعوا حرمة بيته؛ فلا يأمن أهل مكة من إهلاكه إياهم وتعذيبهم بما ضيعوا حرمة [رسول الله  ] مع أن حرمة الرسول أعظم من حرمة البيت، فلما نزل بأولئك ما نزل لما جاء منهم من تضييع حرمة بيته؛ فلأن تخشى عذابه ونقمته من تضييع حرمة رسول أولى.

والوجه الثالث: أن الله -  - أهلك أولئك لما أراهم من آياته فلم ينصرفوا؛ لأنه ذكر أنهم كانوا إذا وجهوا الفيل نحو البيت امتنع ووقع، وإذا وجهوه نحو أرضهم هرول وسارع، فلما رأوا ذلك، ولم ينصرفوا أهلكهم الله -  - فلا يؤمن على أهل مكة - أيضا - أنهم لما رأوا الآيات المعجزة من الرسول -  - فلم يؤمنوا، أن يهلكهم الله -  - فينتقم منهم بعقوبته؛ فعلى ما ذكرنا يخرج معنى نزول السورة.

وقيل: إنه على البشارة لرسول الله  الإشارة أنه لم يكن للبيت ناصر في ذلك الوقت ولا معين؛ بل كان وحده، فنصره الله -  - حتى لم يتمكن أعداؤه من هدمه؛ فعلى ذلك ينصرك ويعينك، ويهلك عدوك، وإن كنت أنت وحدك؛ إذ كان وقت نزول هذه السورة لم يكن له كثير أعوان، وقد فعل ذلك يوم بدر.

ثم قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف استعمل في تذاكر أعجوبة قد كانت، وعرفوها، ثم غفلوا عنها، أو فيما لم يكن؛ فيعجبهم بما فعل بأعدائه؛ ليحملهم على الزجر والانتهاء عما حرم الله -  - فكأنه قال: رأيت ربك كيف فعل بأصحال الفيل؟!.

ويجوز أن يكون الخطاب منه للنبي  ، والمراد غيره.

ويجوز أن يكون هذا الخطاب منه للنبي  ، والمراد غيره.

ويجوز أن يكون هذا خطابا لكل واحد منهم.

ثم تسميتهم: أصحاب الفيل، ونسبة الفيل إليهم يحتمل وجهين: أحدهما: أي: الذي صحبوا الفيل.

والثاني: ﴿ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ ﴾ ، أي: أرباب الفيل؛ كما يقال: رب الدار، وصاحب الدار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ ، أي: أبطل ما قدروه عند أنفسهم من تخريب البيت وتهديمه؛ فالكيد: ما ذكرنا بدءا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ ﴾ : جماعات متفرقة، جماعة جماعة، وهكذا السنة في الخروج لمحاربة أعداء الله -  - أن يخرجوا جماعة جماعة.

وقيل: هي طير لم ير قبلها ولا بعدها مثلها، لها رءوس كالسباع.

وقيل: شبيهة برجال الهند.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ ، اختلفوا في السجيل: قال بعضهم: هو اسم موضع، خلقت حجارته؛ لتعذيب الفراعنة، وإهلاكهم.

وقال بعضهم: فارسية معربة، وهي "سنك وكل"، وهو الآجر في التقدير.

وقال بعضهم: هذه عبارة عن شدة الحجارة وقوتها.

وقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ ، قالوا: العصف: هو ورق الزرع، أو ورق كل نابت.

وقوله: ﴿ مَّأْكُولٍ ﴾ ينحو نحوين، وتيوجه وجهين: إلى ما قد أكل وإلى ما لم يؤكل؛ إذ ما يؤكل إذا ما كان معدا للأكل، سمي: مأكولا، فإن كان غير المأكول، فكأنه قال: جعلهم في الضعف والرخاوة - مع قوتهم وسلطانهم - كعلف الدواب؛ حتى لا يخاف منهم بعد ذلك أبدا.

وإن كان على المأكول فهو [أنه  ] جعلهم كالمأكول التي أكلتها الدواب؛ فيكون فيها ثبت، والله أعلم [بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تعلم -أيها الرسول- كيف فعل ربك بأبْرَهَة وأصحابه أصحاب الفيل حين أرادوا هدم الكعبة؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.j2voe"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(ألم تر): أي ألم تنظر أو ألم تعلم (كيف فعل ربك): أي الحالة التي وقع عليها عمل الله الذي يتولى أمرك.

﴿ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ  ﴾ : وهو الحيوان المعروف.

وبين تلك الحالة التي وقع عليها الفعل الإلهي بقوله: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ  ﴾ : الكيد: هو تدبير السوء.

والتضليل: التضييع.

والهمزة في ألم تر وألم يجعل للتقرير.

أي أنك ترى ما كان عليه فعل الله بأولئك القوم، وذلك أنه ضيع تدبيرهم وخيب سعيهم، (وأرسل عليهم طيرًا أبابيل).

الأبابيل: الفرق والجماعات يتبع بعضها بعضًا من طير أو خيل مثلًا.

والطير هو ما يطير في الهواء، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان مرئيًا لك أم غير مرئي.

والسجيل: الطين المتحجر -وأصل الكلمة فارسية دخلت في العربية- أي حجارة من طين متحجر.

والعصف: ورق الزرع.

والمأكول: الذي أكله الدود أو السوس، أو أكل الدواب بعضه، وتناثر من بين أسنانها بعضه.

السورة الكريمة تعلمنا أن الله سبحانه يريد أن يذكر نبيه، ومن تبلغه رسالته، بعمل عظيم من أعماله الدالة على عظم قدرته، وأن كل قدرة دونها فهي خاضعة لسلطانها، وأنه القاهر فوق عباده لا يمنعهم منه عزة، ولا تتعاصى عليه منهم قوة...

ذلك العمل العظيم هو أن قومًا أرادوا أن يتعززوا بفيلهم ليغلبوا بعض عباده على آمرهم، ويصلوا إليهم بشر وأذى، فأهلكهم الله، ورد كيدهم، وأبطل تدبيرهم بعد أن كانوا في ثقة بعَدَدهم وعُدَدهم، فلم يفدهم ذلك شيئًا.

وكان يمكننا أن نكتفي بذلك المعنى من الآيات، ولا نزيد عليه أدنى تفصيل.

وهو كاف في الاعتبار والعظة، كما اكتفينا بذلك في أصحاب الأخدود...

لكن في هذه السورة يجوز لنا التفصيل، لأن واقعة الفيل في ذاتها -كما ورد في هذه الآيات- معروفة متواترة الرواية، حتى أنهم جعلوها مبدأ تاريخ يحددون به أوقات الحوادث..

فيقولون: ولد عام الفيل، وحدث كذا لسنتين بعد عام الفيل.

ونحو ذلك.

وما تواتر من الواقعة، هو أن قائدًا حبشيًا -ممن كانوا قد غلبوا على اليمن- أراد أن يعتدي على الكعبة المشرفة ويهدمها ليمنع العرب من الحج إليها، أو ليقهرهم ويذلهم، فتوجه بجيش جرار إلى مكة لذلك، واستصحب معه فيلًا أو فيلة كثيرة زيادة في الإرهاب وحشر الخوف إلى القلوب.

ولم يزل سائرًا يغلب من يلاقيه حتى وصل إلى "المُغَمَّس" بالقرب من مكة، ثم أرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما أتى لهدم البيت.

ففزعوا منه، وانطلقوا إلى شعف الجبال ينتظرون ما هو فاعل.

وفي اليوم الثاني فشا في جند الحبشي داء الجدري والحصبة...

قال عكرمة: وهو أول جدري ظهر ببلاد العرب.

وقال يعقوب بن عتبة فيما حدث: إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري ببلاد العرب ذلك العام.

وقد فعل ذلك الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط.

فذعر الجيش وصاحبه وولوا هاربين، وأصيب الحبشي، ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة وأنملة أنملة حتى انصدع صدره ومات في صنعاء.

هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به.

وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح.

فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه.

وأن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر وأن هذا الحيوان الصغير -الذي يسمونه الآن بالمكروب- لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها..

ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصه به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها..

فلله جند من كل شيء.

وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد وليس في الكون قوة إلا وهي خاضعة لقوته.

فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت، أرسل الله عليه من الطير ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه قبل أن يدخل مكة.

وهي نعمة من الله غمر بها أهل حرمه -على وثنيتهم- حفظًا لبيته حتى يرسل من يحميه بقوة دينه،  ...

وإن كانت نقمة من الله حلت بأعدائه أصحاب الفيل الذين أرادوا الاعتداء على البيت دون جرم اجترمه ولا ذنب اقترفه.

هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله إلا بتأويل إن صحت روايته...

ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل -وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسمًا- ويهلك بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر.

لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر!!

مزيد من التفاسير لسورة الفيل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله