تفسير الآية ٤ من سورة الفيل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 105 الفيل > الآية ٤ من سورة الفيل

تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍۢ مِّن سِجِّيلٍۢ ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 40 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤ من سورة الفيل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.

تفسير الآية ٤ من سورة الفيل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ، أمثال الحمص والعدس ، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت .

وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق ، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق هذا .

ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز ، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة ، وجعل نفيل يقول : أين المفر ؟

والإله الطالب والأشرم المغلوب غير الغالب قال ابن إسحاق : وقال نفيل في ذلك أيضا : ألا حييت عنا يا ردينا نعمناكم مع الإصباح عينا ردينة لو رأيت - ولا تريه لدى جنب المحصب - ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمري ولم تأسي على ما فات بينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا وخفت حجارة تلقى علينا فكل القوم يسأل عن نفيل كأن علي للحبشان دينا !

وذكر الواقدي بأسانيده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل ، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب [ فيها ] فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح .

وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه ، ليقهر الفيل على دخول الحرم .

وطال الفصل في ذلك .

هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة ، منهم المطعم بن عدي وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومسعود [ بن عمرو ] الثقفي ، على حراء ينظرون إلى ما الحبشة يصنعون ، وماذا يلقون من أمر الفيل ، وهو العجب العجاب .

فبينما هم كذلك ، إذ بعث الله عليهم طيرا أبابيل ، أي قطعا قطعا صفرا دون الحمام ، وأرجلها حمر ، ومع كل طائر ثلاث أحجار ، وجاءت فحلقت عليهم ، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا .

وقال محمد بن كعب : جاءوا بفيلين فأما محمود فربض ، وأما الآخر فشجع فحصب .

وقال وهب بن منبه : كان معهم فيلة ، فأما محمود - وهو فيل الملك - فربض ، ليقتدي به بقية الفيلة ، وكان فيها فيل تشجع فحصب ، فهربت بقية الفيلة .

وقال عطاء بن يسار ، وغيره : ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة ، بل منهم من هلك سريعا ، ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا وهم هاربون ، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوا عضوا ، حتى مات ببلاد خثعم .

قال ابن إسحاق : فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون على كل منهل ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون .

وذكر مقاتل بن سليمان : أن قريشا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم ، وما كان معهم ، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة .

وقال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة : أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام ، وأنه أول ما رؤي به مرائر الشجر الحرمل ، والحنظل والعشر ، ذلك العام .

وهكذا روي عن عكرمة من طريق جيد .

قال ابن إسحاق : فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله ، ما رد عنهم من أمر الحبشة ، لبقاء أمرهم ومدتهم ، فقال : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ) ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) [ سورة قريش ] أي : لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها ، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه .

قال ابن هشام : الأبابيل الجماعات ، ولم تتكلم العرب بواحدة .

قال : وأما السجيل ، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب : الشديد الصلب .

قال : وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية ، جعلتهما العرب كلمة واحدة ، وإنما هو سنج وجل يعني بالسنج : الحجر ، والجل : الطين .

يقول : الحجارة من هذين الجنسين : الحجر والطين .

قال : والعصف : ورق الزرع الذي لم يقضب ، واحدته عصفة .

انتهى ما ذكره .

وقد قال حماد بن سلمة : عن عاصم ، عن زر عن عبد الله - وأبو سلمة بن عبد الرحمن - : ( طيرا أبابيل ) قال : الفرق .

وقال ابن عباس والضحاك : أبابيل يتبع بعضها بعضا .

وقال الحسن البصري وقتادة : الأبابيل : الكثيرة .

وقال مجاهد : أبابيل : شتى متتابعة مجتمعة .

وقال ابن زيد : الأبابيل : المختلفة ، تأتي من هاهنا ، ومن هاهنا ، أتتهم من كل مكان .

وقال الكسائي : سمعت [ النحويين يقولون : أبول مثل العجول .

قال : وقد سمعت ] بعض النحويين يقول : واحد الأبابيل : إبيل .

وقال ابن جرير : [ حدثنا ابن المثنى ] حدثني عبد الأعلى ، حدثني داود عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ; أنه قال في قوله : ( وأرسل عليهم طيرا أبابيل ) هي : الأقاطيع ، كالإبل المؤبلة .

وحدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس : ( وأرسل عليهم طيرا أبابيل ) قال : لها خراطيم كخراطيم الطير ، وأكف كأكف الكلاب .

وحدثنا يعقوب ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله : ( طيرا أبابيل ) قال : كانت طيرا خضرا خرجت من البحر ، لها رءوس كرءوس السباع .

وحدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير : ( طيرا أبابيل ) قال : هي طير سود بحرية ، في منقارها وأظافيرها الحجارة .

وهذه أسانيد صحيحة .

وقال سعيد بن جبير : كانت طيرا خضرا لها مناقير صفر ، تختلف عليهم .

وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء : كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب .

رواه عنهم ابن أبي حاتم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن عبيد بن عمير ، قال : لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل ، بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر ، أمثال الخطاطيف .

كل طير منها تحمل ثلاثة أحجار مجزعة : حجرين في رجليه وحجرا في منقاره .

قال : فجاءت حتى صفت على رءوسهم ، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها ، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره ، ولا يقع على شيء من جسده إلا وخرج من الجانب الآخر .

وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا .

وقال السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( حجارة من سجيل ) قال : طين في حجارة : " سنك - وكل " وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) يقول تعالى ذكره: ترمي هذه الطير الأبابيل التي أرسلها الله على أصحاب الفيل, بحجارة من سجيل.

وقد بيَّنا معنى سجيل في موضع غير هذا, غير أنا نذكر بعض ما قيل من ذلك في هذا الموضع, من أقوال مَنْ لم نذكره في ذلك الموضع.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن السديّ, عن عكرمة, عن ابن عباس ( حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: طين في حجارة.

حدثني الحسين بن محمد الذارع, قال: ثنا يزيد بن زُرَيع, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن عكرمة, عن ابن عباس ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: من طين.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن السدي, عن عكرمة, عن ابن عباس ( حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: سنك وكل.

حدثني الحسين بن محمد الذارع, قال: ثنا يزيد بن زريع, عن عمارة بن أبي حفصة, عن عكرمة, في قوله: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: من طين.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن شرقي, قال: سمعت عكرمة يقول: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: سنك وكل.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن عكرمة, قال: كانت ترميهم بحجارة معها, قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيّ, قال: كان أوّل يوم رُؤى فيه الجدريّ; قال: لم ير قبل ذلك اليوم, ولا بعده.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن موسى بن أبي عائشة, قال: ذكر أبو الكُنود, قال: دون الحِمَّصة وفوق العدسة.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن موسى بن أبي عائشة, قال: كانت الحجارة التي رُمُوا بها أكبر من العدسة; وأصغر من الحِمَّصَةِ.

قال: ثنا أبو أحمد الزُّبيريّ, قال: ثنا إسرائيل, عن موسى بن أبي عائشة, عن عمران, مثله.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن السديّ, عن عكرِمة, عن ابن عباس: سجِّيل بالفارسية: سنك وكل, حَجَر وطين.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر بن سابط, قال: هي بالأعجمية: سنك وكل.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: كانت مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه, وحجر في منقاره, فجعلت ترميهم بها.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: هي من طين.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: هي طير بيض, خرجت من قِبَل البحر, مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه, وحجر في منقاره, ولا يصيب شيئا إلا هشَمه.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن يعقوب أن أباه أخبره أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة, كأنت تحملها بأفواهها, ثم إذا ألقتها نَفِط لها الجلد.

وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من سماء الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: السماء الدنيا, قال: والسماء الدنيا اسمها سجيل, وهي التي أنـزل الله جلّ وعزّ على قوم لوط.

قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنا عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال, أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة, أنها طير تخرج من البحر, وأن سجيل: السماء الدنيا.

وهذا القول الذي قاله ابن زيد لا نعرف لصحته وجها في خبر ولا عقل, ولا لغة, وأسماء الأشياء لا تدرك إلا من لغة سائرة, أو خبر من الله تعالى ذكره.

كان السبب الذي من أجله حلَّت عقوبة الله تعالى بأصحاب الفيل, مسير أبرهة الحبشيّ بجنده معه الفيل, إلى بيت الله الحرام لتخريبه.

وكان الذي دعاه إلى ذلك فيما حدثنا به ابن حميد, قال: ثنا سلمة بن الفضل, قال: ثنا ابن إسحاق, أن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء, وكان نصرانيا, فسماها القليس; لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض; وكتب إلى النجاشيّ ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة, لم يبن مثلها لملك كان قبلك, ولستُ بمُنتهٍ حتى أصرف إليها حاجّ العرب (2) .

فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك للنجاشي, غضب رجل من النَّسأة أحد بني فقيم, ثم أحد بني مالك, فخرج حتى أتى القُليس, فقعد فيها, ثم خرج فلحق بأرضه, فأخبر أبرهة بذلك, فقال: من صنع هذا ؟

فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت, الذي تحجّ العرب إليه بمكة, لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب, فغضب, فجاء فقعد فيها, أي أنها ليست لذلك بأهل; فغضب عند ذلك أبرهة, وحلف ليسيرنّ إلى البيت فيهدمه, وعند أبرهة رجال من العرب قد قَدِموا عليه يلتمسون فضله, منهم محمد بن خُزَاعي بن حِزَابة الذَّكواني, ثم السُّلَمي, في نفر من قومه, معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي; فبينما هم عنده, غَشِيهم عبد لأبرهة, فبعث إليهم فيه بغذائه, وكان يأكل الخُصَى; فلما أتى القوم بغذائه, قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقينا, فقام محمد بن خزاعي, فجاء أبرهة فقال: أيها الملك, إن هذا يوم عيد لنا, لا نأكل فيه إلا الجنُوب والأيدي, فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم, فإنما أكرمتكم بغذائي, لمنـزلتكم عندي.

ثم إن ابرهة توج محمد بن خُزَاعِي, وأمَّره على مضر, وأمره أن يسير في الناس, يدعوهم إلى حج القُلَّيس, كنيسته التي بناها, فسار محمد بن خزاعي, حتى إذا نـزل ببعض أرض بني كنانة, وقد بلغ أهل تهامة أمره, وما جاء له, بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عُرْوة بن حياض الملاصي, فرماه بسهم فقتله; وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس بن خزاعي, فهرب حين قُتل أخوه, فلحق بأبرهة فأخبره بقتله, فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا , وحلف ليغزونّ بني كنانة, وليهدمنّ البيت.

ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت, أمر الحُبْشان فتهيأت وتجهَّزت, وخرج معه بالفيل, وسمعت العرب بذلك, فأعظموه, وفُظِعوا به, ورأوا جهاده حقا عليهم, حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة, بيت الله الحرام, فخرج رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم, يقال له ذو نَفْر, فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب, إلى حرب أبرهة, وجهاده عن بيت الله, وما يريد من هدمه وإخرابه, فأجابه من أجابه إلى ذلك, وعَرَض له, وقاتله, فهزم وتفرق أصحابه, وأُخِذَ له ذو نفر أسيرا; فلما أراد قتله, قال ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني, فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي; فتركه من القتل, وحبسه عنده في وثاق.

وكان أبرهة رجلا حليما.

ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له, حتى إذا كان بأرض خثعم, عرض له نفيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلتي خثعم: شهران, وناهس, ومن معه &; 24-611 &; من قبائل العرب, فقاتله فهزمه أبرهة, وأُخِذ له أسيرا, فأتي به; فلما همّ بقتله, قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني, فإني دليلك بأرض العرب, وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم: شهران, وناهس, بالسمع والطاعة; فأعفاه وخلَّى سبيله, وخرج به معه, يدله على الطريق; حتى إذا مرّ بالطائف, خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف, فقال: أيها الملك, إنما نحن عبيدك, سامعون لك مطيعون, ليس لك عندنا خلاف, وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة - يعنون الكعبة - ونحن نبعث معك من يدلك, فتجاوز عنهم, وبعثوا معهم أبا رغال; فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنـزله المغمِّس, فلما أنـزله به مات أبو رغال هناك, فرَجَمت العرب قبره, فهو القبر الذي ترجم الناس بالمغمِّس.

ولما نـزل أبرهة المغمس, بعث رجلا من الحبشة, يقال له الأسود بن مقصود, على خيل له حتى انتهى إلى مكة, فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم, وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم, وهو يومئذ كبير قريش وسيدها; وهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس بقتاله, ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به, فتركوا ذلك, وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة, وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم, ثم قل له: إن الملك يقول لكم: إني لم آت لحربكم, إنما جئت لهدم البيت, فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم, فإن لم يُرِد حربي فأتني به.

فلما دخل حناطة مكة, سأل عن سيد قريش وشريفها, فقيل: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ, فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة, قال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه, وما لنا بذلك من طاقة; هذا بيت الله الحرام, وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإن يمنعه فهو بيته وحرمه, وإن يُخْلِ بينه وبينه, فو الله ما عندنا له من دافع عنه, أو كما قال; فقال له حناطة: فانطلق إلى الملك, فإنه قد أمرني أن آتيه بك.

فانطلق معه عبد المطلب, ومعه بعض بنيه, حتى أتى العسكر, فسأل عن ذي نفر, وكان له صديقا, فدل عليه, فجاءه وهو في محبسه, فقال: يا ذا نفر, هل عندك غَنَاء فيما نـزل بنا ؟

فقال له ذو نفر, وكان له صديقا: وما غناء رجل أسير في يدي ملك, ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا!

ما عندي &; 24-612 &; غناء في شيء مما نـزل بك, إلا أن أنيسا سائق الفيل لي صديق, فسأرسل إليه, فأوصيه بك, وأعظم عليه حقك, وأساله أن يستأذن لك على الملك, فتكلمه بما تريد, ويشفع لك عنده بخير, إن قدر على ذلك.

قال: حسبي, فبعث ذو نفر إلى أنيس, فجاء به, فقال: يا أنيس إن عبد المطلب سيد قريش, وصاحب عير مكة, يطعم الناس بالسهل, والوحوش في رءوس الجبال, وقد أصاب الملك له مئتي بعير, فاستأذن له عليه, وانفعه عنده بما استطعت, فقال: أفعل.

فكلَّم أنيس أبرهة, فقال: أيها الملك, هذا سيِّد قريش ببابك, يستأذن عليك, وهو صاحب عير مكة, يُطعم الناس بالسهل, والوحوش في رءوس الجبال, فأْذَنْ له عليك, فليكلمك بحاجته, وأحسن إليه.

قال: فأذن له أبرهة, وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما جسيما; فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه أن يجلس تحته, وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه, فنـزل أبرهة عن سريره, فجلس على بساطه, فأجلسه معه عليه إلى جنبه, ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك إلى الملك ؟

فقال له ذلك الترجمان, فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ عليّ مئتي بعير أصابها لي; فلما قال له ذلك, قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك, ثم زهدت فيك حين كلَّمتَني, أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك, وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك, قد جئت لهدمه فلا تكلمني فيه ؟

قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل, وإن للبيت ربا سيمنعه, قال: ما كان ليمنع مني, قال: فأنت وذاك, أردد إليّ إبلي.

وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطب إلى أبرهة, حين بعث إليه حناطة, يعمر بن نفاثة بن عديّ بن الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة, وهو يومئذ سيِّد بني كنانة, وخويلد بن واثلة الهُذَليّ وهو يومئذ سيد هُذَيل, فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة, على أن يرجع عنهم, ولا يهدم البيت, فأبي عليهم, والله أعلم.

وكان أبرهة, قد ردّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له, فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش, فأخبرهم الخبر, وأمرهم بالخروج من مكة, والتحرزّ في شعف الجبال والشعاب, تخوّفا عليهم من مَعَرّة الجيش; ثم قام عبد المطلب, فأخذ بحلقة الباب, باب الكعبة, وقام معه نفر من قريش يدعون الله, ويستنصرونه على أبرهة وجنده, فقال عبد المطلب, وهو آخذ حلقة باب الكعبة: يــا رَبِّ لا أرْجُــو لَهُــمْ سِـوَاكا يــا رَبِّ فــامْنَعْ مِنْهُــم حِماكـا إنَّ عَــدُوَّ الْبَيْــتِ مَــنْ عادَاكـا امْنَعْهُـــمُ أنْ يُخَـــربُوا قُرَاكــا (3) وقال أيضا: لا هُــــمَّ إنَّ العَبْــــدَ يَـــمْ نَـــعُ رَحْلَــهُ فــامْنَع حِــلالكْ لا يَغْلِبَــــــنَّ صَلِيبُهُــــــمْ ومِحَـــالُهُمْ غَـــدْوا مِحَـــالكْ فَلَئِــــنْ فَعَلْــــتَ فَرُبَّمَــــا أوْلــى فــأمْرٌ مــا بَــدَا لَــكْ وَلئِــــنْ فَعَلْــــتَ فإنَّــــهُ أمْـــرٌ تُتِـــمُّ بِـــهِ فِعَــالكْ (4) وقال أيضا: وكُــنْتُ إذَا أتــى بــاغٍ بِسَــلْمٍ نُرَجِّــي أن تَكُــونَ لَنَــا كَـذلِكْ فَوَلَّــوْا لَــمْ يَنـالُوا غَـيْرَ خِـزْيٍ وكــانَ الحَــيْنُ يُهْلِكُــهُمْ هُنَـالكْ وَلَــمْ أسْـمَعْ بـأرْجَسَ مِـنْ رِجـالٍ أرَادُوا العِــزَّ فــانْتَهَكُوا حَــرامَكْ جَــــرُّوا جُـــمُوعَ بِلادِهِـــمْ والْفِيــلَ كَــيْ يَســبُوا عِيَــالكْ (5) ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة, وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شَعَف الجبال, فتحرّزوا فيها, ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها; فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة, وهيأ فيله, وعبأ جيشه, وكان اسم الفيل محمودا, وأبرهة مُجْمِعٌ لهدم البيت, ثم الانصراف إلى اليمن.

فلما وجَّهوا الفيل, أقبل نفيل بن حبيب الخثعميّ, حتى قام إلى حنبه, ثم أخذ بأذنه فقال: أبرك محمود, وارجع راشدا من حيث جئت, فإنك في بلد الله الحرام; ثم أرسل أذنه, فبَرَك الفيل, وخرج نُفَيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل.

وضربوا الفيل ليقوم فأبى, وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم, فأبى, فأدخلوا محاجن لهم في مراقه, فبزغوه بها ليقوم, فأبى, فوجَّهوه راجعا إلى اليمن, فقام يهرول, ووجَّهوه إلى الشام, ففعل مثل ذلك, ووجهوه إلى المشرق, ففعل مثل ذلك, ووجهوه إلى مكة فبرك, وأرسل الله عليهم طيرا من البحر, أمثال الخطاطيف, مع كل طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره, وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس, لا يصيب منهم أحدا إلا هلك, وليس كلهم أصابت, وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا, ويسألون عن نفيل بن حبيب, ليدلهم على الطريق إلى اليمن, فقال نُفَيل بن حبيب حين رأى ما أنـزل الله بهم من نقمته: أيْــنَ المَفَــرُّ والإلَــهُ الطَّــالِبْ والأشْــرَمُ المَغْلُـوبُ غَـيْرُ الْغَـالِبْ (6) فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق, ويهلكون على كلّ منهل, فأصيب أبرهة في جسده, وخرجوا به معهم, فسقطت أنامله أنملة أنملة, كلما سقطت أنملة أتبعتها مِدّة تَمُثُّ قيحا ودما, حتى قَدِموا به صنعاء, وهو مثل فرخ الطير, فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن يعقوب بن عتبة بن المُغيرة بن الأخنس, أنه حدّث, أن أوّل ما رُؤيت الحصبة والجدريّ بأرض العرب ذلك العام, وأنه أوّل ما رؤي بها مُرار الشجر: الحرملُ والحنظلُ والعُشرُ ذلك العام.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة يوما ومن معه من عداد أهل اليمن, إلى بيت الله ليهدمه من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن, فأقبلوا بفيلهم, حتى إذا كانوا بالصَّفَّاح برك; فكانوا إذا وجَّهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه على الأرض, وإذا وجهوه إلى بلدهم انطلق وله هرولة, حتى إذا كان بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرا بيضا أبابيل.

والأبابيل: الكثيرة, مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه, وحجر في منقاره, فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله عزّ وجلّ كعصف مأكول; قال: فنجا أبو يكسوم وهو أبرهة, فجعل كلما قدم أرضا تساقط بعض لحمه, حتى أتى قومه, فأخبرهم الخبر ثم هلك.

------------------------ الهوامش: (2) في سيرة ابن هشام طبعة الحلبي الأولى ( 1 : 45 ) حج العرب .

(3) هذان البيتان ينسبان إلى عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم زعموا أنه قالهما في حرب الفيل .

وقد ذكرهما الثعلبي المفسر في العرائس المعروف بقصص الأنبياء ( طبعة الحلبي 442 ) .

(4) بعض هذه الأبيات ينسب إلى عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان رئيس مكة وهو القائم بأمر البيت ، قالها عند قصد الحبشة لغزو مكة ، وهدم الكعبة .

وقد أورد ابن إسحاق منها ثلاثة أبيات ، وهي : لا هُــــمَّ إنَّ الْعَبْـــدَ يَـــمْـ ـنَــعُ رَحْلَــهُ فــامْنَعْ حِــلالكْ لا يَغْلِبَـــــنَّ صَلِيبُهُــــــمْ ومِحَـــالُهُمْ غَـــدْوًا مِحـــالَكْ إنْ كُـــنْتَ تـــارِكَهُمْ وقِـــبْ لَتَنــا فــأمْرٌ مــا بَــدَا لَــكْ قال ابن هشام : هذا ما صح له منها .

وقال السهيلي في الروض الأنف تعليقًا على قول عبد المطلب هذا : وفي الرجز بيت ثالث لم يقع في الأصل ، وهو قوله : وانْصُـــر عــلى آلِ الصَّــلِيـ ـبِ وعابِدِيـــهِ اليَـــوْمَ آلـــكْ وقوله : حلالك : هم القوم الحالون في المكان .

ا هـ .

وقيل : إن البيت الثالث مما رواه الواقدي ، ولم يروه ابن إسحاق .

ا هـ .

(5) الأبيات الثلاثة الأولى من بحر الوافر .

أما البيت الرابع فليس منها لأنه من مجزوء الرجز ، كالأبيات السابقة ، فهو أحرى أن يلحق بها .

ولكنها هكذا جاءت مختلطة في الأصل ، وهذا من إفساد الناسخين ، والله أعلم .

وينبغي أن تكون قافية هذه الأبيات الكاف ؛ لا اللام ، لأن الشاعر لم يلتزم اللام في البيت الثالث ، ولو لزمها لجاز أن تكون هي القافية .

(6) البيت نسبه الثعلبي المفسر في ( العرائس ) إلى نفيل بن حبيب الخثعمي 443 وقال السهيلي في الروض الأنف ( 1 : 45 ) : ونفيل الذي ذكر : هو نفيل بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك ...

بن خثعم ، كذلك نسبه البرقي .

وفي الكتاب : نفيل بن حبيب ، يريد بالكتاب كتاب السيرة لمحمد بن إسحاق ، وقد ورد اسم نفيل في قصة الفيل .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ترميهم بحجارة من سجيلفي الصحاح : حجارة من سجيل قالوا : حجارة من طين ، طبخت بنار جهنم ، مكتوب فيها أسماء القوم ; لقوله تعالى : لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة .

وقال عبد الرحمن بن أبزى : من سجيل : من السماء ، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط .

وقيل من الجحيم .

وهي ( سجين ) ثم أبدلت اللام نونا ; كما قالوا في أصيلان أصيلال .

قال ابن مقبل :[ ورجلة يضربون البيض عن عرض ] ضربا تواصت به الأبطال سجيناوإنما هو سجيلا .

وقال الزجاج : من سجيل أي مما كتب عليهم أن يعذبوا به ; مشتق من السجل .

وقد مضى القول في سجيل في ( هود ) مستوفى .

قالعكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم .

وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة .

وقال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده ، فكان ذلك أول الجدري .

وقراءة العامة ترميهم بالتاء ، لتأنيث جماعة الطير .

وقرأ الأعرج وطلحة ( يرميهم ) بالياء ; أي يرميهم الله ; دليله قوله تعالى : ولكن الله رمى ويجوز أن يكون راجعا إلى الطير ، لخلوها من علامات التأنيث ، ولأن تأنيثها غير حقيقي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تحمل حجارة محماة من سجيل، فرمتهم بها، وتتبعت قاصيهم ودانيهم، فخمدوا وهمدوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ترميهم بحجارة من سجيل ) قال [ ابن عباس ] وابن مسعود : صاحت الطير ورمتهم بالحجارة ، فبعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر ، وإن وقع على رأسه خرج من دبره .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ترميهم بحجارة من سجيل» طين مطبوخ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وبعث عليهم طيرًا في جماعات متتابعة، تقذفهم بحجارة من طين متحجِّر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجملة : " ترميهم بحجارة من سجيل " بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن الله - تعالى - ، وهى حال من قوله ( طيرا ) ، والسجيل : الطين اليابس المتحجر .

.قال بعض العلماء : قوله : ( تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ) أى : من طين متحجر محرق .

أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون فى السجيل ، وهو الديوان الذى كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن السجيل هو الديوان الذى كتبت فيه أعمالهم .

واشتقاقه من الإِسجال بمعنى الإِرسال .وعن عكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها كالحِمَّصةِ ، فإذا أصاب أحدَهم حجرٌ منها ، خرج به الجُدَرِى ، وكان ذلك أول يوم رئى فيه الجدرى بأرض العرب .وقال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده أى : احترق - فكان ذلك أول الجدرى .

وقيل : إن أول ما رؤيت الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام .وقال ابن جُزَى فى تفسيره : إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم ويخرج من أسفله .ووقع فى سائرهم الجدرى والأسقام ، وانصرفوا وماتوا فى الطريق متفرقين ، وتمزق أبرهة قطعة قطعة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو حيوة: (يرميهم) أي الله أو الطير لأنه اسم جمع مذكر، وإنما يؤنث على المعنى.

المسألة الثانية: ذكروا في كيفية الرمي وجوهاً أحدها: قال مقاتل: كان كل طائر يحمل ثلاثة أحجار، واحد في منقاره واثنان في رجليه يقتل كل واحد رجلاً، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه ما وقع منها حجر على موضع إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره.

وثانيها: روى عكرمة عن ابن عباس، قال: لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل لم يقع حجر على أحد منهم إلا نفط جلده وثار به الجدري، وهو قول سعيد بن جبير، وكانت تلك الأحجار أصغرها مثل العدسة، وأكبرها مثل الحمصة.

واعلم أن من الناس من أنكر ذلك، وقال: لو جوزنا أن يكون في الحجارة التي تكون مثل العدسة من الثقل ما يقوى به على أن ينفذ من رأس الإنسان ويخرج من أسفله، لجوزنا أن يكون الجبل العظيم خالياً عن الثقل وأن يكون في وزن التبنة، وذلك يرفع الأمان عن المشاهدات، فإنه متى جاز ذلك فليجز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار ولا نراها، وأن يحصل الإدراك في عين الضرير حتى يكون هو بالمشرق ويرى بقعة في الأندلس، وكل ذلك محال.

واعلم أن ذلك جائز على مذهبنا إلا أن العادة جارية بأنها لا تقع.

المسألة الثالثة: ذكروا في السجيل وجوهاً أحدها: أن السجيل كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، كما أن سجيناً علم لديوان أعمالهم، كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون، واشتقاقه من الإسجال، وهو الإرسال، ومنه السجل الدلو المملوء ماء، وإنما سمي ذلك الكتاب بهذا الاسم لأنه كتب فيه العذاب، والعذاب موصوف بالإرسال لقوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان  ﴾ فقوله: ﴿ مّن سِجّيلٍ ﴾ أي مما كتبه الله في ذلك الكتاب.

وثانيها: قال ابن عباس: سجيل معناه سنك وكل، يعني بعضه حجر وبعضه طين.

وثالثها: قال أبو عبيدة: السجيل الشديد.

ورابعها: السجيل اسم لسماء الدنيا.

وخامسها: السجيل حجارة من جهنم، فإن سجيل اسم من أسماء جهنم فأبدلت النون باللام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ، وهي خَمْسُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  ، وهو وإنْ لَمْ يَشْهَدْ تِلْكَ الوَقْعَةَ لَكِنْ شاهَدَ آثارَها وسَمِعَ بِالتَّواتُرِ أخْبارَها فَكَأنَّهُ رَآها، وإنَّما قالَ: كَيْفَ ولَمْ يَقُلْ ما لِأنَّ المُرادَ تَذْكِيرُ ما فِيها مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وعِزَّةِ بَيْتِهِ وشَرَفِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّها مِنَ الإرْهاصاتِ.

إذْ رُوِيَ أنَّها وقَعَتْ في السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ  .

قِصَّتُها أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ الأشْرَمَ مَلِكَ اليَمَنِ مِن قَبْلِ أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ- بَنى كَنِيسَةً بِصَنْعاءَ وسَمّاها القُلَّيْسَ، وأرادَ أنْ يَصْرِفَ الحاجَّ إلَيْها، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ فَقَعَدَ فِيها لَيْلًا فَأغْضَبَهُ ذَلِكَ، فَحَلَفَ لَيَهْدِمَنَّ الكَعْبَةَ فَخَرَجَ بِجَيْشِهِ ومَعَهُ فِيلٌ قَوِيٌّ اسْمُهُ مَحْمُودٌ، وفِيَلَةٌ أُخْرى فَلَمّا تَهَيَّأ لِلدُّخُولِ وعَبّى جَيْشَهُ قَدَّمَ الفِيلَ، وكانَ كُلَّما وجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ بَرَكَ ولَمْ يَبْرَحْ، وإذا وجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ أوْ إلى جِهَةٍ أُخْرى هَرْوَلَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى طَيْرًا، كُلُّ واحِدٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، أكْبَرُ مِنَ العَدَسَةِ وأصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ، فَتَرْمِيهِمْ فَيَقَعُ الحَجَرُ في رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ فَهَلَكُوا جَمِيعًا.

وقُرِئَ «ألَمْ تَرَ» جِدًّا في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ، وكَيْفَ نُصِبَ بِفِعْلٍ لا بَتْرَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.

﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ ﴾ في تَعْطِيلِ الكَعْبَةِ وتَخْرِيبِها.

﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ بِأنْ دَمَّرَهم وعَظَّمَ شَأْنَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ترميهم} وقرأ أبو حنيفة رضى الله عنه يرميهم أي الله أو الطير لأنه اسم جمع مذكر وإنما يؤنث على المعنى {بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ} هو معرب من سنككل وعليه الجمهور أي الآجر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِطَيْرٍ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ واسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ.

وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يَعْمُرَ وعِيسى وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ: «يَرْمِيهِمْ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلطَّيْرِ أيْضًا والتَّذْكِيرِ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ وهو عَلى ما حَكى الخَفاجِيُّ لازِمُ التَّذْكِيرِ فَتَأْنِيثُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ الأمْرانِ وهو ظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ ولَيْسَ بِذاكَ، ونِسْبَةُ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَكاها في البَحْرِ، وعَنْ صاحِبِ النَّشْرِ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا قِراءَةَ لَهُ، وأنَّ القِراءاتِ المَنسُوبَةَ لَهُ مَوْضُوعَةٌ.

﴿ مِن سِجِّيلٍ ﴾ صِفَةُ حِجارَةٍ؛ أيْ: كائِنَةٌ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ مُعَرَّبُ«سنك كل».

وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مِنَ السِّجْلِ بِالكَسْرِ وهو الدَّلْوُ الكَبِيرَةُ، ومَعْنى كَوْنِ الحِجارَةِ مِنَ الدَّلْوِ أنَّها مُتَتابِعَةٌ كَثِيرَةٌ كالماءِ الَّذِي يُصَبُّ مِنَ الدَّلْوِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ.

وقِيلَ: مِنَ الإسْجالِ بِمَعْنى الإرْسالِ والمَعْنى مِن مِثْلِ شَيْءٍ مُرْسَلٍ، و«مِن» في جَمِيعِ ذَلِكَ ابْتِدائِيَّةٌ، وقِيلَ: مِنَ السِّجِلِّ وهو الكِتابُ أُخِذَ مِنهُ السِّجِّينُ، وجُعِلَ عَلَمًا لِلدِّيوانِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ عَذابُ الكُفّارِ، والمَعْنى مِن جُمْلَةِ العَذابِ المَكْتُوبِ المُدَوَّنِ، فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ.

واخْتُلِفَ في حَجْمِ تِلْكَ الطَّيْرِ وكَذا في حَجْمِ تِلْكَ الحِجارَةِ فَمَرَّ أنَّها مِثْلُ الخَطاطِيفِ، وأنَّ الحِجارَةَ أمْثالُ الحِمَّصِ والعَدَسِ.

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ أبِي مُعاوِيَةَ الدَّيْلِمِيِّ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الحَصى الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ حَصًى مِثْلُ الحِمَّصِ وأكْبَرُ مِنَ العَدَسِ حُمْرٌ بِحُتْمَةٍ كَأنَّها جَزْعُ ظَفارٍ.

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حِجارَةٌ مِثْلُ البُنْدُقِ.

وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ: مِثْلُ بَعْرِ الغَنَمِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هي طَيْرٌ خَرَجَتْ مِن قِبْلَةِ البَحْرِ كَأنَّها رِجالُ السَّنَدِ مَعَها حِجارَةٌ أمْثالُ الإبِلِ البَوارِكِ وأصْغَرُها مِثْلُ رُؤُوسِ الرِّجالِ لا تُرِيدُ أحَدًا مِنهم إلّا أصابَتْهُ ولا أصابَتْهُ إلّا قَتَلَتْهُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ الطَّيْرَ في الحَجْمِ كالخَطاطِيفِ، وأنَّ الحِجارَةَ مِنها ما هو كالحِمَّصَةِ ودُوَيْنَها وفُوَيْقَها.

ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلى الحَجَرِ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ، واسْمُ أبِيهِ، وأنَّهُ رَأى ذَلِكَ عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استفهام تقريري وقد بيّنّا غير مرة أن الاستفهام التقريري كثيراً ما يكون على نفي المقرَّر بإثباته للثقة بأن المقرَّر لا يسعه إلا إثبات المنفي وانظر عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ في سورة البقرة (243).

والاستفهام التقريري هنا مجاز بعلاقة اللزوم وهو مجاز كثر استعماله في كلامهم فصار كالحقيقة لشهرته.

وعليه فالتقرير مستعمل مجازاً في التكريم إشارة إلى أن ذلك كان إرهاصاً للنبيء فيكون من باب قوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 1، 2]، وفيه مع ذلك تعريض بكفران قريش نعمة عظيمة من نعم الله عليهم إذ لم يزالوا يعبدون غيره.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه قوله: ﴿ ربك ﴾ .

فمهيع هذه الآية شبيه بقوله تعالى: ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ﴾ [الضحى: 6] الآيات وقوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 1، 2] على أحد الوجوه المتقدمة.

فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر المرئي لتواتر ما فعل الله بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك يشاهدونه.

وقال أبو صالح: رأيت في بيت أم هاني بنتتِ أبي طالب نحواً من قفيزين من تلك الحجارة سُوداً مخططة بحمرة.

وقال عتاب بن أسِيدْ: أدركت سائس الفيل وقائده أعميين مُقْعَدين يستطعمان الناس.

وقالت عائشة: لقد رأيْتُ قائد الفيل وسائقه أعمَيين يستطعمان الناس.

وفعل الرؤية معلق بالاستفهام.

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسبة لمن تجاوز سنهُ نيفاً وخمسين سنة عند نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاماً أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي بن خلف.

و ﴿ كيف ﴾ للاستفهام سَدّ مسدّ مفعوليْ أو مفعول ﴿ تَر ﴾ ، أي لم تر جواب هذا الاستفهام، كما تقول: علمتُ هل زيد قائم؟

وهو نصب على الحال من فاعل ﴿ تَر ﴾ .

ويجوز أن يكون ﴿ كيف ﴾ مجرداً عن معنى الاستفهام مراداً منه مجرد الكيفية فيكون نصباً على المفعول به.

وإيثار ﴿ كيف ﴾ دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل: ألم تر ما فعل ربك، أو الذي فعل ربك، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم تفصيل القصة.

وأوثر لفظ ﴿ فعل ربك ﴾ دون غيره لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالاً كثيرة لا يدل عليها غيره.

وجيء في تعريف الله سبحانه بوصف (رب) مضافاً إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم النبي صلى الله عليه وسلم إرهاصاً لنبوءته إذ كان ذلك عام مولده.

وأصحاب الفيل: الحَبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمِرين هدم الكعبة انتقاماً من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر الحج.

وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود التي عَذَّب فيها الملكُ ذو نواس النصارى، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلاً يقال له: (أبرهة) وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القَلِيس (بفتح القاف وكسر اللام بعدما تحتية ساكنة، وبعضهم يقولها بضم القاف وفتح اللام وسكون التحتية).

وفي «القاموس» بضم القاف وتشديد اللام مفتوحة وسكون الياء.

وكتبه السهيلي بنون بعد اللام ولم يضبطه وزعم أنه اسم مأخوذ من معاني القَلْس للارتفاع.

ومنه القلنسوة واقتصر على ذلك ولم أعرف أصل هذا اللفظ فإما أن يكون اسم جنس للكنيسة ولعل لفظ كنيسة في العربية معرّب منه، وإما أن يكون علماً وضعوه لهذه الكنيسة الخاصة وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة فروي أن رجلاً من بني فُقَيم من بني كنانة وكانوا أهل النسيء للعرب كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ في سورة براءة (37)، قَصد الكنانيُّ صنعاء حتى جاء القليس فأحدث فيها تحقيراً لها ليتسامَعَ العربُ بذلك فغضب أبرهة وأزمع غزو مكة ليهدم الكعبة وسار حتى نزل خارج مكة ليلاً بمكان يقال له المُغَمَّس (كمعظم موضع قرب مكة في طريق الطائف) أو ذو الغميس (لم أر ضبطه) وأرسل إلى عبد المطلب ليحذره من أن يحاربوه وجرى بينهما كلام، وأمر عبد المطلب آله وجميع أهل مكة بالخروج منها إلى الجبال المحيطة بها خشية من معرة الجيش إذا دخلوا مكة.

فلما أصبح هيّأ جَيْشه لدخول مكة وكان أبرهة راكباً فيلاً وجيشه معه فبينا هو يَتهيّأ لذلك إذ أصاب جنده داء عضال هو الجُدريّ الفتاك يتساقط منه الأنامل، ورأوا قبل ذلك طيراً ترميهم بحجارة لا تصيب أحداً إلا هلك وهي طير من جند الله فهلك معظم الجيش وأدبر بعضهم ومرض (أبرهة) فقفل راجعاً إلى صنعاء مريضاً، فهلك في صنعاء وكفى الله أهل مكة أمر عدوّهم.

وكان ذلك في شهر محرم الموافق لشهر شباط (فبراير) سنة 570 بعد ميلاد عيسى عليه السلام، وبعد هذا الحادث بخمسين يوماً ولد النبي على أصح الأخبار وفيها اختلاف كثير.

والتعريف في الفيل} للعهد، وهو فيل أبرهة قائد الجيش كما قالوا للجيش الذي خرج مع عائشة أم المؤمنين أصحاب الجَمل يريدون الجمل الذي كانت عليه عائشة، مع أن في الجيش جمالاً أخرى.

وقد قيل: إن جيش أبرهة لم يكن فيه إلا فيل واحد، وهو فيل أبرهة، وكان اسمه محمود.

وقيل: كان فيه فِيَلَة أخرى، قيل ثمانية وقيل: اثنا عشر.

وقال بعضٌ: ألف فيل.

ووقع في رجز ينسب إلى عبد المطلب: أنتَ منعتَ الحُبْشَ والأفْيالا *** فيكون التعريف تعريف الجنس ويكون العهد مستفاداً من الإِضافة.

والفيل: حيوان عظيم من ذوات الأربع ذواتتِ الخف، من حيوان البلاد الحارة ذات الأنهار من الهند والصين والحبشة والسودان، ولا يوجد في غير ذلك إلا مجلوباً، وهو ذكي قابل للتأنس والتربية، ضخم الجثة أضخم من البعير، وأعلى منه بقليل وأكثر لحماً وأكبر بطناً.

وخف رجله يشبه خف البعير وعنقه قصير جداً له خرطوم طويل هو أنفه يتناول به طعامه وينتشق به الماء فيفرغه في فيه ويدافع به عن نفسه يختطف به ويلويه على ما يريد أذاه من الحيوان، ويلقيه على الأرض ويدوسه بقوائمه.

وفي عينيه خزر وأذناه كبيرتان مسترخيتان، وذَنبه قصير أقصر من ذنب البعير وقوائمه غليظة.

ومناسمه كمناسم البعير وللذكر منه نابان طويلان بارزان من فمه يتخِذ الناس منها العاجَ.

وجلده أجرد مثل جلد البقر، أصهب اللون قاتم كلون الفار ويكون منه الأبيض الجلد.

وهو مركوبٌ وحاملُ أثقال وأهل الهند والصين يجعلون الفيل كالحصن في الحرب يجعلون محفة على ظهره تسع ستة جنود.

ولم يكن الفيل معروفاً عند العرب فلذلك قلّ أن يُذكر في كلامهم وأول فيل دخل بلاد العرب هو الفيل المذكور في هذه السورة.

وقد ذكرت أشعار لهم في ذكر هذه الحادثة في السيرة.

ولكن العرب كانوا يسمعون أخبار الفيل ويتخيلونه عظيماً قوياً، قال لبيد: ومقاممٍ ضيِّق فرَّجْتُه *** ببياننٍ ولسان وجَدل لو يقومُ الفيلُ أوفَيَّالُه *** زل عن مثل مقامي ورحل وقال كَعب بن زهير في قصيدته: لقَدْ أقومُ مقاماً لو يقوم به *** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظلَّ يَرْعد إلا أنْ يكون له *** من الرسول بإذن الله تنويل وكنت رأيْتُ أنّ....

قال إن أمه أرته أو حدثته أنها رأت روث الفيل بمكة حول الكعبة ولعلهم تركوا إزالته ليبقى تذكرة.

وعن عائشة وعتاب بن أسيد: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.

والمعنى: ألم تعلم الحالة العجيبة التي فعلها الله بأصحاب الفيل، فهذا تقرير على إجمال يفسره ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾ .

روى (عطاء) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال ابن سابط: كانت تحمل الحجارة لا تريد شيئًا فتخطئه، ولا تصيب شيئاً إلا أحرقته (٨) (٩) وروى موسى بن أبي عائشة (١٠) (١١) (١٢) قال عبيد بن عمير: ما أرادت أصابت، وما أصابت قتلت (١٣) وقال مقاتل: كان الطائر الواحد يحمل ثلاثة أحجاش، واحد في منقاره، واثنان في رجليه، يقتل بكل واحد رجل ث مكتوب على كل حجر اسم صاحبه (١٤) قال ابن مسعود: ما وقع منها حجر علي رجل إلا خرج من الجانب الآخر، (وإن وقع على رأسه خرج من دبره (١٥) وقال عطاء عن ابن عباس: كانت تحمل حصاة في) (١٦) (١٧) (١٨) (١) ساقط من (أ).

(٢) ساقط من (أ).

(٣) نفط: البثرة: يقال: نفطت يده نفطًا من باب تعب، ونفيطًا إذا صار بين الجلد واللحم ماء، الواحدة نفطة، والجمع نفط، وهو الجدري.

"المصباح المنير" 2/ 757 (نفط).

(٤) الجدري: هو عبارة عن بثرات تخرج من البدن يقال لصاحبها: مجدور، فإن بالغت قلت: مجدر، ويقال: جَدري أيضًا -بفتح الجيم؛ منسوب إلى جدر العضاة، وهي كالبثرات، أو إلى الجدرة، وهي ورم كالسَّلْعة في الحلق وغيره، وإذا ضممت الجيم يكون من تغيير النسب، وهو مرض معدٍ، وقد قضي عليه تمامًا بالتطعيم.

انظر: "المجموع المغيث" 1/ 303 - 304 (جدر)، وانظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 246 (جدر)، وانظر: "الموسوعة العربية العالمية" 8/ 220.

(٥) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 296، بنحوه من طريق عكرمة عن ابن عباس، و"التفسير الكبير" 32/ 100، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 198 مختصرًا، وعن عكرمة بنحوه "جامع البيان" 30/ 299 (٦) "التفسير الكبير" 30/ 100.

(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٨) بياض في (ع).

(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٠) تقدمت ترجمته في سورة النور.

(١١) العدسة: من الحبوب، والجمع: العَدَس.

"لسان العرب" 6/ 132 (عدس).

(١٢) "جامع البيان" 30/ 299.

(١٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٤) بمعناه في: "تفسير مقاتل" 252 أ، و"التفسير الكبير" 32/ 100.

(١٥) "الكشف والبيان" 13/ 57 اب، بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 343، و"معالم التنزيل" 4/ 529، و"لباب التأويل" 4/ 410، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 199.

(١٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٨) ورد معنى قوله في: "فتح القدير" 5/ 496 وعزاه إلى أبي نعيم في الدلائل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ترميهم بحجارة من طين مُتَحَجِّر.

<div class="verse-tafsir" id="91.05ElK"

مزيد من التفاسير لسورة الفيل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله