تفسير الآية ١٠٧ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٠٧ من سورة هود

خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠٧ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠٧ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير : من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت : " هذا دائم دوام السموات والأرض " ، وكذلك يقولون : هو باق ما اختلف الليل والنهار ، وما سمر ابنا سمير ، وما لألأت العفر بأذنابها .

يعنون بذلك كلمة : " أبدا " ، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم ، فقال : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) .

قلت : ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض : الجنس; لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض ، كما قال تعالى : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) [ إبراهيم : 48 ] ; ولهذا قال الحسن البصري في قوله : ( ما دامت السماوات والأرض ) قال : تبدل سماء غير هذه السماء ، وأرض غير هذه الأرض ، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ( ما دامت السماوات والأرض ) قال : لكل جنة سماء وأرض .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما دامت الأرض أرضا ، والسماء سماء .

وقوله : ( إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) كقوله تعالى : ( النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ) [ الأنعام : 128 ] .

وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء ، على أقوال كثيرة ، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " زاد المسير " وغيره من علماء التفسير ، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله ، في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان ، والضحاك ، وقتادة ، وأبي سنان ، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا : أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين ، من الملائكة والنبيين والمؤمنين ، حين يشفعون في أصحاب الكبائر ، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين ، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقال يوما من الدهر : لا إله إلا الله .

كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمضمون ذلك من حديث أنس ، وجابر ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وغيرهم من الصحابة ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها .

وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة .

وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وجابر ، وأبي سعيد ، من الصحابة .

وعن أبي مجلز ، والشعبي ، وغيرهما من التابعين .

وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة ، أقوال غريبة .

وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير ، عن أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي ، ولكن سنده ضعيف ، والله أعلم .

وقال قتادة : الله أعلم بثنياه .

وقال السدي : هي منسوخة بقوله : ( خالدين فيها أبدا ) [ النساء : 57 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد)، يعني تعالى ذكره بقوله: (خالدين فيها)، لابثين فيها (20) ، ويعني بقوله: (ما دامت السماوات والأرض)، أبدًا .

(21) * * * وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض ، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: " هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار ".

و " ما سمر ابنا سَمِير "، و " ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله " أبدا ".

فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.

* * * وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.

18572- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.

* * * ثم قال: (إلا ما شاء ربك)، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد ، أنه يخرجهم من النار إذا شاء ، بعد أن أدخلهم النار.

*ذكر من قال ذلك: 18573- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) ، قال: الله أعلم بثُنَياه.

(22) وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، (23) ثم يدخلهم الجنة.

18574- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، والله أعلم بثَنيَّته .

(24) ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم : " الجهنَّميُّون ".

18575- حدثنا محمد بن المثني قال ، حدثنا شيبان بن فروخ قال ، حدثنا أبو هلال قال ، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) ، إلى قوله: (لما يريد) ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يَخْرج قومٌ من النار ، قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء.

(25) 18576- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ )، قال: استثناء في أهل التوحيد.

18577- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ )، إلى قوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.

18578- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ، [سورة النبأ: 23] ، وقوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، أنهما في أهل التوحيد.

(26) * * * وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: (إلا ما شاء ربك) ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار.

ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ) ، (إلا ما شاء ربك)، لا من " الخلود ".

*ذكر من قال ذلك: 18579- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد ، يعني الخدري ، أو : عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في قوله: (إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن (خالدين فيها)، تأتي عليه ، قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.

* * * وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.

*ذكر من قال ذلك : 18580- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض)، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، (إلا ما شاء ربك) ، قال: استثناءُ الله.

قال: يأمر النار أن تأكلهم.

قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها ، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.

18581- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.

* * * وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض .قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار.

وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة ، وجائز أن تكون في النقصان.

*ذكر من قال ذلك: 18582- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، فقرأ حتى بلغ: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع ، (27) بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(28) وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك ، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة ، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها ، مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا ، وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: " لا يدخل الجنة فاسق ، ولا النار مؤمن "، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم ، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا فسد هذان الوجهان ، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.

* * * ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله .

(29) .

* * * وقوله: (إن ربك فعال لما يريد) ، يقول تعالى ذكره: إن ربك ، يا محمد ، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره ، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه ، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ.

(30) --------------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .

(21) انظر تفسير " ما دام " 10 : 185 / 11 : 74 ، 238 .

(22) " الثنيا " ( بضمك فسكون ) و " الثنية " ، على وزن ( فعيلة ) ، و " المثنوية " ، كله الاستثناء .

(23) " سفعته النار والشمس سفعًا " ، لفحته لفحًا يسيرًا ، فغيرت لون بشرته وسودته .

(24) انظر التعليق رقم : 1 .

(25) " أهل حروراء " ، هم الخوارج ، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار ، لأنهم يكفرون أهل الكبائر .

(26) الأثر : 18578 - " عامر بن جشيب الحمصي " ، روى عن أبي أمامة ، وخالد بن معدان ، وغيرهما .

ثقة .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 319 .

وكان في المطبوعة : " جشب " ، وهو خطأ ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة .

وهذا الخبر سيأتي في التفسير 30 : 8 ، 9 ، ( بولاق ) في تفسير سورة " النبأ " .

(27) في المطبوعة : " كذا قد بينا " ، وهو كلام غث ، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ .

(28) غاب عني مكانه ، فمن وجده فليثبته .

(29) انظر ما سيأتي ص : 487 - 489 .

(30) في المطبوعة والمخطوطة : " ولكنه يفعل ما يشاء ، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه " ، وهو غير مستقيم ، والآفة من الناسخ ، والصواب ما أثبت ، بتقديم " فعله " الأولى .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ما دامت في موضع نصب على الظرف ; أي دوام السماوات والأرض ، والتقدير : وقت ذلك .

واختلف في تأويل هذا ; فقالت طائفة منهم الضحاك : المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما ، والسماء كل ما علاك فأظلك ، والأرض ما استقر عليه قدمك ; وفي التنزيل : وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء .

وقيل : أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده ; كقولهم : لا آتيك ما جن ليل ، أو سال سيل ، وما [ ص: 88 ] اختلف الليل والنهار ، وما ناح الحمام ، وما دامت السماوات والأرض ، ونحو هذا مما يريدون به طولا من غير نهاية ; فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك .

وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض .

وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش ، وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه ; فهما دائمتان أبدا في نور العرش .قوله تعالى : إلا ما شاء ربك في موضع نصب ; لأنه استثناء ليس من الأول ; وقد اختلف فيه على أقوال عشرة : الأولى : أنه استثناء من قوله : ففي النار كأنه قال : إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك ; وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر - رضي الله عنهما - .

وإنما لم يقل من شاء ; لأن المراد العدد لا الأشخاص ; كقوله : ما طاب لكم .

وعن أبي نضرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية .

الثاني : أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار ; وعلى هذا يكون قوله : فأما الذين شقوا عاما في الكفرة والعصاة ، ويكون الاستثناء من " خالدين " ; قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم .

وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحممة أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون وقد تقدم هذا المعنى في " النساء " وغيرها .

الثالث : أن الاستثناء من الزفير والشهيق ; أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره ، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر ، وما لم يذكر .

حكاه ابن الأنباري .

الرابع : قال ابن مسعود : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها إلا ما شاء ربك وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم .

قلت : وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل ، وتجديد الخلق .

الخامس : أن إلا بمعنى " سوى " كما تقول في الكلام : ما معي رجل إلا زيد ، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك .

قيل : فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود .

السادس : أنه استثناء من الإخراج ، وهو لا يريد أن يخرجهم منها .

كما تقول في الكلام : أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره ، وأنت مقيم على ذلك الفعل ; فالمعنى أنه لو [ ص: 89 ] شاء أن يخرجهم لأخرجهم ; ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها ، ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة ، قال : ولأهل المعاني قولان آخران ، فأحد القولين : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم على رأس قبورهم ، وللمحاسبة ، وقدر مكثهم في الدنيا ، والبرزخ ، والوقوف للحساب .

والقول الآخر : وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب ، وتقديره : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم ، وزيادة العذاب لأهل الجحيم .

قلت : فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا ، واختاره الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي ، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض ، وذلك مدة العالم ، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه ، وهو قوله سبحانه : يوم تبدل الأرض غير الأرض فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم ، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة ، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق ، فمن وفى بذلك العهد فله الجنة ، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض ; فإنما دامتا للمعاملة ; وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك ; فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله ; قال الله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما ، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة ; ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية ; فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داره أبدا ، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا ; فأعلم الله العباد مقدار الخلود ، ثم قال : إلا ما شاء ربك من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها ; فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا .

وقد قيل : إن إلا بمعنى الواو ، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو الثامن : والمعنى : وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا .

وقد قيل في قوله تعالى : إلا الذين ظلموا أي ولا الذين ظلموا .

وقال الشاعر :وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدانأي والفرقدان .

وقال أبو محمد مكي : وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون إلا بمعنى الواو ، وقد مضى في البقرة بيانه .

وقيل : معناه كما شاء ربك ; كقوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أي كما قد سلف ، وهو : التاسع ، [ ص: 90 ] العاشر : وهو أن قوله تعالى : إلا ما شاء ربك إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام ; فهو على حد قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين فهو استثناء في واجب ، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك ; كأنه قال : إن شاء ربك ; فليس يوصف بمتصل ولا منقطع ; ويؤيده ويقويه قوله تعالى : عطاء غير مجذوذ ونحوه عن أبي عبيد قال : تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين ; فوقع لفظ الاستثناء ، والعزيمة قد تقدمت في الخلود ، قال : وهذا مثل قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وقد علم أنهم يدخلونه حتما ، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا ; إذ المشيئة قد تقدمت ، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام ; ونحوه عن الفراء .

وقول - حادي عشر - : وهو أن الأشقياء هم السعداء ، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم ، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم ; وبيانه أن " ما " بمعنى " من " ، استثنى الله - عز وجل - من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما معهم من الإيمان ، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة .

وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني ; كأنه قال تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ألا يخلده فيها ، وهم الخارجون منها من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بإيمانهم وبشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ; فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء ، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء ; كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال : الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة .

وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي وأما الذين سعدوا بضم السين .

وقال أبو عمرو : والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا .

قال النحاس : ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية !

إذ كان هذا لحنا لا يجوز ; لأنه إنما يقال : سعد فلان وأسعده الله ، وأسعد مثل أمرض ; وإنما احتج الكسائي بقولهم : مسعود ولا حجة له فيه ; لأنه يقال : مكان مسعود فيه ، ثم يحذف فيه ويسمى به .

وقال المهدوي : ومن ضم السين من سعدوا فهو محمول على قولهم : مسعود وهو شاذ قليل ; لأنه لا يقال : سعده الله ; إنما يقال : أسعده الله .

وقال الثعلبي : سعدوا بضم السين أي رزقوا السعادة ; يقال : سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون " سعدوا " بفتح السين قياسا على [ ص: 91 ] شقوا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم .

وقال الجوهري : والسعادة خلاف الشقاوة ; تقول : منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد ، مثل سلم فهو سليم ، وسعد فهو مسعود ; ولا يقال فيه : مسعد ، كأنهم استغنوا عنه بمسعود .

وقال القشيري أبو نصر عبد الرحيم : وقد ورد سعده الله فهو مسعود ، وأسعده الله فهو مسعد ; فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه : لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان ; لأنه مما لا يتعدى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ خَالِدِينَ فِيهَا ْ} أي: في النار، التي هذا عذابها { مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ْ} أي: خالدين فيها أبدا، إلا المدة التي شاء الله, أن لا يكونوا فيها، وذلك قبل دخولها، كما قاله جمهور المفسرين، فالاستثناء على هذا، راجع إلى ما قبل دخولها، فهم خالدون فيها جميع الأزمان، سوى الزمن الذي قبل الدخول فيها.

{ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ْ} فكل ما أراد فعله واقتضته حكمته فعله، تبارك وتعالى، لا يرده أحد عن مراده.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( خالدين فيها ) لابثين مقيمين فيها ( ما دامت السماوات والأرض ) قال الضحاك : ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما ، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء ، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض .

وقال أهل المعاني : هذا عبارة عن التأبيد على عادة العرب ، يقولون : لا آتيك ما دامت السماوات والأرض ، ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار ، يعنون : أبدا .

قوله تعالى : ( إلا ما شاء ربك ) .

اختلفوا في هذين الاستثناءين ، فقال بعضهم : الاستثناء في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها ، ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء من غير الجنس ، لأن الذين أخرجوا من النار سعداء استثناهم [ الله من جملة الأشقياء ] وهذا كما : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة ، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ، فيقال لهم : الجهنميون " .

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا مسدد ، أخبرنا يحيى ، عن الحسن بن ذكوان ، أنبأنا أبو رجاء ، حدثني عمران بن حصين رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ، فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين " .

وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة .

وقيل : إلا ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث ، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار .

يعني : هم خالدون في الجنة أو النار إلا هذا المقدار .

وقيل : إلا ما شاء ربك : سوى ما شاء ربك ، [ معناه خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك ] .

من الزيادة على قدر مدة بقاء السماوات والأرض ، وذلك هو الخلود فيها ، كما تقول : لفلان علي ألف إلا الألفين ، أي : سوى الألفين اللتين تقدمتا .

وقيل : إلا بمعنى الواو ، أي : وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة ، كقوله : ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ) ( البقرة - 150 ) ، أي : ولا الذين ظلموا .

وقيل : معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء أنه حكم لهم بالخلود .

قال الفراء : هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله ، كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، وعزيمتك أن تضربه .

( إن ربك فعال لما يريد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض» أي مدة دوامهما في الدنيا «إلا» غير «ما شاء ربك» من الزيادة على مدتهما مما لا منتهى له والمعنى خالدين فيها أبدا «إن ربك فعال لما يريد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأما الذين شَقُوا في الدنيا لفساد عقيدتهم وسوء أعمالهم، فالنار مستقرهم، لهم فيها من شدة ما هم فيه من العذاب زفير وشهيق، وهما أشنع الأصوات وأقبحها، ماكثين في النار أبدًا ما دامت السموات والأرض، فلا ينقطع عذابهم ولا ينتهي، بل هو دائم مؤكَّد، إلا ما شاء ربك من إخراج عصاة الموحدين بعد مدَّة من مكثهم في النار.

إن ربك -أيها الرسول- فعَّال لما يريد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - خلودهم فى النار فقال : ( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض .

.

.

)أى أن الأشقياء لهم فى النار العذاب الأليم ، وهم ماكئون فيها مكث بقاء وخلود لا يبرحونها مدة دوام السموات التى تظلمهم ، والأرض التى تقلهم فهو فى معنى قوله - تعالى - ( خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) قال الآلوسى ما ملخصه : والمقصود من هذا التعبير : التأبيد ونفى الانقطاع على منهاج قول العرب لا أفعل كذا ، مالاح كوكب ، وما أضاء الفجر ، وما اختلف الليل والنهار .

.

.

إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم .

.

.وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السموات والأرض ، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها .وجوز أن يحمل ذلك على التعليق ، ويراد بالسموات والأرض ، سماوت الآخرة وأرضها ، وهما دائمتان أبدا .

.

.

)أما قوله - سبحانه - ( إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ) فقد ذكر العلماء فى المقصود به أقوالا متعددة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر قولا من أشهرها :أن هذا الأستثناء فى معنى الشرط فكأنه - سبحانه - يقول :1 - خالدين فيها خلودا أبديا إن شاء ربك ذلك إذ كل شئ خاضع لمشيئة ربك وإرادته .

.

وعليه يكون المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله إرشاد العباد إلى وجوب تفويض الأمور إليه - سبحانه - وإعلامهم بأن كل شئ خاضع لإرادته ومشيئته فهو الفاعل المختار الذى لا يجب عليه شئ ولا حق لأحد عليه ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) .وليس المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله نفى خلودهم فى النار لأنه لا يلزم من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع المشيئة ولأنه قد أخبرنا - سبحانه - فى كتابه بخلود الكافرين خلودا أبديا فى النار .قال - تعالى - ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً .

إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ) وشبيه بهذا الاستثناء ما حكاه - سبحانه - عن نبيه شعيب - عليه السلام - فى قوله : ( قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ .

قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً .

.

.

) فشعيب - عليه السلام - مع ثقته المطلقة فى أنه لن عود هو وأتباعه على ملة الكفر ، نراه يفوض الأمر إلى مشيئة الله تأدبا معه - سبحانه .

.فيقول : وما يكون لنا أن نعود فيها - أى ملة الكفر - إلا أن يشاء ربنا شيئا غير ذلك وهذا من الأدب العالى فى مخاطبة الأنبياء لخالقهم - عز وجل .وقد ذكر كثير من المفسرين هذا القول ضمن الأقوال فى معنى الآية ، وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه ، ومن هذا البعض صاحب المنار ، وصاحب محاسن التأويل .

.

.أما صاحب المنار فقد قال : قوله ( إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ) أى : أن هذا الخلود الدائم هو والمعد لهم فى الآخرة .

.

.

إلا ما شاء ربك من تغيير فى هذا النظام فى طور آخر ، فهو إنما وضع بمشيئته ، وسيبقى فى قبضة مشيئته ، وقد عهد مثل هذا الاستثناء فى سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها يمشيئة الله - تعالى .

.

فقط ، لا لإِفادة عدم عمومها .

.

.وأما صاحب محاسن التأويل فقد قال : فإن قلت : ما معنى الاستثناء بالمشيئة ، وقد ثبت خلودا أهل الدارين فيهما من غير استثناء؟فالجواب : أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل فى أسلوب القرآن ، للدلالة على الثبوت والاستمرار .والنكتة فى الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة ، إنما كانت كذلك بمشيئة الله - تعالى - لا بطبيعتها فى نفسها ، ولو شاء - تعالى - أن يغيرها لفعل .وابن كثير قد أشار إلى ذلك بقوله : " يعنى أن دوامهم فيها ليس أمرا واجبا بذاته ، بل هو موكول إلى مشيئته - تعالى - "2 - أن الاستثناء هنا خاص بالعصاة من المؤمنين .ومن العلماء الذني رجحوا هذا القول الإِمامان : ابن جرير وابن كثير ." وأولى الأقوال فى تأويل هذه الآية بالصواب ، القول الذى ذكرناه عن الضحاك وقتادة من أن ذلك استثناء فى أهل التوحيد من أهل الكبائر ، أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبدا ، إلا ما شاء تركهم فيها أقل من ذلك ، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة - أى العصاة من المؤمنين .

.

.

"وأما ابن كثير فقد وضح ما اختاره ، ابن جرير ورجحه فقال ما ملخصه :وقد اختلف المفسرون فى المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة .

.

.

نقل كثيرا منها الإِمام ابن جرير ، واختار : أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين ، من الملائكة والنبيين والمؤمنين ، حين يشفعون فى أصحاب الكبائر ، ثم تأتى رحمة أرحم الراحمين ، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقال يوما من الدهر : لا إله إلا الله ، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يبقى بعد ذلك فى النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ، ولا محيد له عنها ، وهذا الذى عليه كثير من العلماء قديما وحديثا فى تفسير هذه الآية الكريمة .وقد ذكر الشيخ الشوكانى هذا القول ضمن أحد عشر قولا فقال ما ملخصه :وقوله ( إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ) : قد اختلف أهل العلم فى هذا الاستثناء على أقوال منها :( أ ) أنه من قوله ( فَفِي النار ) كأنه قال : إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك ..

.( ب ) أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين وإنهم يخرجون بعد مدة من النار ، وعلى هذا يكون قوله ( فَأَمَّا الذين شَقُواْ ) عاما فى الكفرة والعصاة ، ويكون الاستثناء من خالدين ، وتكون ( ما ) بمعنى ( من ) ، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد العلم الضرورى بأنه يرخج من النار أهل التوحيد ، فكان ذلك مخصصا لكل عموم .( ج ) أن الاستثناء من الزفير والشهيق ، أى لهم فيها زفير وشهيق ( إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ) من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق .

.

.ويبدو لن أن الرأى الأول أرجح الآراء ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) أى فهو إن شاء غير ذلك فعله ، وإن شاء ذلك فعله ، ما شاء من الأفعال كان وما لم يشاء لم يكن .وجاء - سبحانه - بصيغة المبالغة ( فعال ) للإِشارة إلى أنه - سبحانه - لا يتعاصى عليه فعل من الأفعال بأى وجه من الوجوه .ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة السعداء فقال : ( وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ ) أى فى الآخرة بسبب إيمانهم وتقواهم فى الدنيا ، ( فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) أى : عطاء منه - سبحانه - لهم غير مقطوع عنهم ، يقال : جذ الشئ يجذه جذا ، أى : كسره وقطعه ، ومنه الجذاذ - بضم الجيم - لما تكسر من الشئ كما فى قوله - تعالى - حكاية عما فعله إبراهيم - عليه السلام - بالأصنام ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ ) وبذلك نرى أن هذه الآيات قد فصلت أحوال السعداء والأشقياء ، تفصيلا يدعو العقلاء إلى أن يسلكوا طريق السعداء ، وأن يتجنبوا طريق الأشقياء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم والجحدري: ﴿ إِذْ أَخَذَ القرى ﴾ بألف واحدة، وقرأ الباقون بألفين.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول- عليه السلام- في كتابه بما فعل بأمم من تقدم من الأنبياء لما خالفوا الرسل وردوا عليهم من عذاب الاستئصال، وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا قال بعده: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِىَ ظالمة ﴾ فبين أن عذابه ليس بمقتصر على من تقدم، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك وقوله: ﴿ وَهِىَ ظالمة ﴾ الضمير فيه عائد إلى القرى وهو في الحقيقة عائد إلى أهلها، ونظيره قوله: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظالمة  ﴾ وقوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة ثم بين أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيداً وتقوية فقال: ﴿ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ فوصف ذلك العذاب بالإيلام وبالشدة، ولا منغصة في الدنيا إلا الألم، ولا تشديد في الدنيا وفي الآخرة، وفي الوهم والعقل إلا تشديد الألم.

واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين، لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِىَ ظالمة ﴾ فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلابد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة ﴾ قال القفال: تقرير هذا الكلام أن يقال: إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك وهي دار العمل، فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان أولى.

واعلم أن كثيراً ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه، بل هو ضعيف، وذلك لأنَّ على هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب الاستئصال في الدنيا دليلاً على أن القول بالقيامة والبعث والنشر حق وصدق، وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال، لأن القفال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلاً للعلم بأن القيامة حق، فبطل ما ذكره القفال والأصوب عندي أن يقال: العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر لوجود هذه السموات والأرضين فاعل مختار لا موجب بالذات وما لم يعرف الإنسان أن إله العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات وأن جميع الحوادث الواقعة في السموات والأرضين لا تحصل إلا بتكوينه وقضائه، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال، وذلك لأن الذين يزعمون أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، يزعمون أن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء مثل الغرق والحرق والخسف والمسخ والصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب واتصال بعضها ببعض، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء، فأما الذي يؤمن بالقيامة، فلا يتم ذلك الإيمان إلا إذا اعتقد أنه إله العالم فاعل مختار وأنه عالم بجميع الجزئيات، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه الحوادث الهائلة والوقائع العظيمة إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها وأنها ليست بسبب طوالع الكواكب وقراناتها، وحينئذ ينتفع بسماع هذه القصص، ويستدل بها على صدق الأنبياء، فثبت بهذا صحة قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين: أحدهما: أنه يوم مجموع له الناس، والمعنى أن خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون.

والثاني: أنه يوم مشهود قال ابن عباس رضي الله عنهما يشهده البر والفاجر.

وقال آخرون يشهده أهل السماء وأهل الأرض، والمراد من الشهود الحضور، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه، فبين تعالى أن تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة والمساءلة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ والمعنى أن تأخير الآخرة وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود وكل ماله عدد فهو متناه وكل ما كان متناهياً فإنه لابد وأن يفنى، فيلزم أن يقال إن تأخير الآخرة سينتهي إلى وقت لابد وأن يقيم الله القيامة فيه، وأن تخرب الدنيا فيه، وكل ما هو آت قريب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قراءة العامّة بفتح الشين.

وعن الحسن ﴿ شقوا ﴾ بالضم، كما قرئ: ﴿ سعدوا ﴾ والزفير: إخراج النفس.

والشهيق: ردّه.

قال الشماخ: بَعِيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أَوَّلُ صَوْتِهِ ** زَفِيرٌ وَيَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ ﴿ مَا دَامَتِ السماوات والأرض ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن تراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد.

والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء ﴾ [الزمر: 74] ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء.

والثاني أن يكون عبارة عن التأييد ونفي الانقطاع.

كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد.

فإن قلت: فما معنى الاستثناء في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ وقدثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء؟

قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة: وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم.

وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعاً منهم، وهو رضوان الله، كما قال: ﴿ وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله ﴾ [التوبة: 72] ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء.

والدليل عليه قوله: ﴿ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] ومعنى قوله في مقابلته: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ ﴾ أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له، فتأمّله فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، ولا يخدعنك عنه قول المجبرة.

إنّ المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فإنّ الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم.

وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد؛ وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً، وقد بلغني أن من الضلال من اغترّ بهذا الحديث، فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار.

وهذا ونحوه والعياذ بالله من الخذلان المبين، زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهاً على أن نعقل عنه، ولئن صح هذا عن ابن العاص، فمعناه أنهم يخرجون من حرّ النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها، وأقول: ما كان لابن عمرو في سيفيه، ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما يشغله عن تسيير هذا الحديث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ والشَّهِيقُ رَدُّهُ، واسْتِعْمالُهُما في أوَّلِ النَّهِيقِ وآخِرِهِ والمُرادُ بِهِما الدَّلالَةُ عَلى شِدَّةِ كَرْبِهِمْ وغَمِّهِمْ وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِمَنِ اسْتَوْلَتِ الحَرارَةُ عَلى قَلْبِهِ وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ صُراخِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ وقُرِئَ (شُقُوا) بِالضَّمِّ.

﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ لَيْسَ لِارْتِباطِ دَوامِهِمْ في النّارِ بِدَوامِهِما فَإنَّ النُّصُوصَ دالَّةٌ عَلى تَأْبِيدِ دَوامِهِمْ وانْقِطاعِ دَوامِهِما.

بَلِ التَّعْبِيرُ عَنِ التَّأْبِيدِ والمُبالَغَةِ بِما كانَتِ العَرَبُ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَوْ كانَ لِلِارْتِباطِ لَمْ يَلْزَمْ أيْضًا مِن زَوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ زَوالُ عَذابِهِمْ ولا مِن دَوامِهِ دَوامُهُما إلّا مِن قَبِيلِ المَفْهُومِ، لِأنَّ دَوامَهُما كالمَلْزُومِ لِدَوامِهِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَفْهُومَ لا يُقاوِمُ المَنطُوقَ.

وقِيلَ المُرادُ سَمَواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ ﴾ وإنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا بُدَّ لَهم مِن مُظِلٍّ ومُقِلٍّ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وجُودَهُ ودَوامَهُ، ومَن عَرَفَهُ فَإنَّما يَعْرِفُهُ بِما يَدُلُّ عَلى دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَلا يُجْدِي لَهُ التَّشْبِيهُ.

﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ لِأنَّ بَعْضَهم وهم فُسّاقُ المُوَحِّدِينَ يَخْرُجُونَ مِنها، وذَلِكَ كافٍ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ زَوالَ الحُكْمِ عَنِ الكُلِّ يَكْفِيهِ زَوالُهُ عَنِ البَعْضِ، وهُمُ المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ الثّانِي فَإنَّهم مُفارِقُونَ عَنِ الجَنَّةِ أيّامَ عَذابِهِمْ، فَإنَّ التَّأْبِيدَ مِن مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ يُنْتَقَضُ بِاعْتِبارِ الِابْتِداءِ كَما يُنْتَقَضُ بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ، وهَؤُلاءِ وإنْ شَقَوْا بِعِصْيانِهِمْ فَقَدْ سَعِدُوا بِإيمانِهِمْ، ولا يُقالُ فَعَلى هَذا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ تَقْسِيمًا صَحِيحًا لِأنَّ مِن شَرْطِهِ أنْ تَكُونَ صِفَةُ كُلِّ قِسْمٍ مُنْتَفِيَةً عَنْ قَسِيمِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ حَيْثُ التَّقْسِيمُ لِانْفِصالٍ حَقِيقِيٍّ أوْ مانِعٍ مِنَ الجَمْعِ وها هُنا المُرادُ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنِ القِسْمَيْنِ، وأنَّ حالَهم لا يَخْلُو عَنِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ في شَخْصٍ بِاعْتِبارَيْنِ، أوْ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يُنْقَلُونَ مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أحْيانًا، وكَذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ يُنَعَّمُونَ بِما هو أعْلى مِنَ الجَنَّةِ كالِاتِّصالِ بِجَنابِ القُدُسِ والفَوْزِ بِرِضْوانِ اللَّهِ ولِقائِهِ، أوْ مِن أصْلِ الحُكْمِ والمُسْتَثْنى زَمانُ تَوَقُّفِهِمْ في المَوْقِفِ لِلْحِسابِ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في النّارِ حِينَ يَأْتِي اليَوْمُ، أوْ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ إنْ كانَ الحُكْمُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِاليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ عَلى ما عَرَفْتَ.

وقِيلَ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ وقِيلَ إلّا ها هُنا بِمَعْنى سِوى كَقَوْلِكَ عَلى ألِفٍ إلّا الألِفانِ القَدِيمانِ والمَعْنى سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخَرَ لَها عَلى مُدَّةِ بَقاءِ السَّمَواتِ والأرْضِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{خالدين فِيهَا} حال مقدرة {مَا دَامَتِ السماوات والأرض} في موضع النصب أي مدة دوام السموات والأرض والمراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات وقيل مادام فوق وتحت ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء أو عرش وكل ما أظلك فهو سماء أو هو عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع كقول العرب مالاح كوكب وغير ذلك من كلمات التأبيد {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} هو استثناء من الخلود في عذاب النار وذلك لأن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وأنواع من العذاب سوى عذاب النار أو ماشاء بمعنى من شاء وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم الجهنميون وهو المستثنون من أهل الجنة أيضاً لمفارقتهم إياها بكونهم في النار أياماً فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد ولا سعدوا سعادة من لا تمسه النار وهو مروى عن ابن عباس والضحاك وقتادة رضى الله عنهم {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} بالشقي والسعيد

هود (١٠٨ _ ١١١)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ خَلا أنَّهُ إنْ أُرِيدَ حُدُوثُ كَوْنِهِمْ في النّارِ فالحالُ مُقَدَّرَةٌ ﴿ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ أيْ مُدَّةَ دَوامِها، وهَذا عِبارَةٌ عَنِ التَّأْيِيدِ ونَفْيِ الِانْقِطاعِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِ العَرَبِ: لا أفْعَلُ كَذا ما لاحَ كَوْكَبٌ، وما أضاءَ الفَجْرُ، وما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، وما تَغَنَّتْ حَمامَةٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كَلِماتِ التَّأْيِيدِ عِنْدَهم لا تَعْلِيقَ قَرارِهِمْ فِيها بِدَوامِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ النُّصُوصَ القاطِعَةَ دالَّةٌ عَلى تَأْبِيدِ قَرارِهِمْ فِيها وانْقِطاعِ دَوامِهِما، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، وجَوَّزَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّعْلِيقِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، وهي دائِمَةٌ لِلْأبَدِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لَها سَماواتٍ وأرْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم إمّا سَماءٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى أوْ يُظِلُّهُمُ العَرْشُ، وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، انْتَهى.

قالَ القاضِي: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وُجُودَهُ ودَوامَهُ، ومَن عَرَفَهُ فَإنَّما عَرَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَلا يُجْدِي لَهُ التَّشْبِيهُ، وأجابَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ إذا أُرِيدَ ما يُظِلُّهم وما يُقِلُّهم فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ لِأنَّ هَذا القَدْرَ مَعْلُومُ الوُجُودِ لِكُلِّ عاقِلٍ، وأمّا الدَّوامُ فَلَيْسَ مُسْتَفادًا مِن دَلِيلِ دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ بَلْ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَوامِ الجَنَّةِ والنّارِ سَواءٌ عَرَفَ أنَّهُما دارُ الثَّوابِ والعِقابِ وأنَّ أهْلَهُما السُّعَداءَ والأشْقِياءَ مِنَ النّاسِ أوْ لا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَشْبِيهِ ما يَعْرِفُ بِما لا يَعْرِفُ بَلِ العَكْسُ، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ الجَلْبِيُّ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِكُلِّ عاقِلٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ إلّا المُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: الدَّوامُ مُسْتَفادٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَوامِ الجَنَّةِ والنّارِ لا يَدْفَعُ ما ذَكَرَهُ القاضِي لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ لَيْسَ أعْرَفَ مِنَ المُشَبَّهِ لا عِنْدَ المُتَدَيِّنِ لِأنَّهُ يَعْرِفُ كِلَيْهِما مِن قِبَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ أعْرَفِيَّةَ دَوامِ سَماواتِ الآخِرَةِ وأرْضِها، ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ دَوامَهُما مُسْتَفادٌ مِن خُصُوصِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ بِعَيْنِهِ فَإنَّهُ لا يُهِمُّهُ لِيَمْنَعَ ولا عِنْدَ غَيْرِ المُتَدَيِّنِ فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِهِ ولا بِها ولا يَعْرِفُهُ، وقَوْلُهُ: عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَشْبِيهٍ إلَخْ..

مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَشْبِيهُ تِلْكَ الدّارِ بِهَذِهِ الدّارِ ولَيْسَ بِذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ التَّشْبِيهُ الضِّمْنِيُّ لِدَوامِهِمْ بِدَوامِهِما انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ.

والحَقُّ أنَّ صِحَّةَ إرادَةِ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وفي الأخْبارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ، ومَن تَأمَّلَ مُنْصِفًا بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ هُناكَ تَشْبِيهًا يَظْهَرُ لَهُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أعْرَفُ مِنَ المُشَبَّهِ وأقْرَبُ إلى الذِّهْنِ، واتِّحادُ طَرِيقِ العِلْمِ بِهِما لا يَضُرُّ في ذَلِكَ شَيْئًا بَداهَةً أنَّ ثُبُوتَ الحَيِّزِ أعْرَفُ وأقْرَبُ إلى الذِّهْنِ مِن ثُبُوتِ ما تَحَيَّزَ فِيهِ وإنْ ورَدا مِن طُرُقِ السَّمْعِ كَما لا يَخْفى عَلى أنَّ اشْتِراطَ كَوْنِ المُشَبَّهِ بِهِ أعْرَفَ في كُلِّ تَشْبِيهٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ النّاظِرِ في المَعانِي، نَعَمِ المُتَبادَرُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ هَذِهِ الأجْرامُ المَعْهُودَةُ عِنْدَنا، فالأوْلى أنْ تَبْقى عَلى ظاهِرِها ويُجْعَلُ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ ما اعْتادَتْهُ العَرَبُ في مُحاوَراتِهِمْ عِنْدَ إرادَةِ التَّبْعِيدِ والتَّأْبِيدِ، وهو أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، ولَعَلَّ هَذا أوْلى أيْضًا مِمّا في تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن حَمْلِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الجِنْسِ الشّامِلِ لِما في الدُّنْيا والآخِرَةِ أيِ المُظِلِّ والمُقِلِّ في كُلِّ دارٍ، وفي الدُّرَرِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم خالِدُونَ بِمِقْدارِ مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي يُعْلَمُ انْقِطاعُها ثُمَّ يَزِيدُهم سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ ويُخَلِّدُهم ويُؤَبِّدُ مَقامَهُمْ، ولَعَلَّهُ أرادَ مُدَّةَ بَقائِهِما مُنْذُ خَلَقَهُما اللَّهُ تَعالى إلى أنْ يُبَدِّلَهُما لا مُدَّةَ بَقائِهِما بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُما يُبَدَّلانِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ، والآيَةُ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ ، ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ قِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( خالِدِينَ ) وتَكُونُ (ما) واقِعَةً عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ ، أوْ واقِعَةً عَلى مَن يَعْقِلُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى وُقُوعَها عَلَيْهِ مُطْلَقًا.

والمُرادُ بِمَن شاءَ فُسّاقُ المُوَحِّدِينَ فَإنَّهم يَخْرُجُونَ مِنها كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، وذَلِكَ كافٍ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ زَوالَ الحُكْمِ عَنِ الكُلِّ يَكْفِيهِ زَوالُهُ عَنِ البَعْضِ وهُمُ المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ الثّانِي فَإنَّهم مُفارِقُونَ عَنِ الجَنَّةِ أيّامَ عَذابِهِمْ، والتَّأْبِيدُ مِن مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَقِضُ بِاعْتِبارِ الِابْتِداءِ كَما يَنْتَقِضُ بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: مَكَثْتُ يَوْمَ الخَمِيسِ في البُسْتانِ إلّا ثَلاثَ ساعاتٍ جازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّمانُ الواقِعُ فِيهِ عَدَمُ المُكْثِ مِن أوَّلِهِ ومِن آخِرِهِ، وهَؤُلاءِ وإنْ شَقُوا بِعِصْيانِهِمْ فَقَدْ سَعِدُوا بِإيمانِهِمْ، ولا يُقالُ: فَعَلى هَذا لا يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ تَقْسِيمًا صَحِيحًا لِأنَّ مِن شَرْطِهِ أنْ تَكُونَ صِفَةُ كُلِّ قِسْمٍ مَنفِيَّةً عَنْ قِسْمَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ حَيْثُ الِانْفِصالُ حَقِيقِيٌّ أوْ مانِعٌ مِنَ الجَمْعِ، وهَهُنا المُرادُ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ مِنَ القِسْمَيْنِ وأنَّ حالَهم لا تَخْلُو عَنِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ في شَخْصٍ واحِدٍ بِاعْتِبارَيْنِ انْتَهى، وهو ما ذَكَرَهُ الإمامُ وآثَرَهُ القاضِي، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلى المَبْدَأِ المُعَيَّنِ ولَوْ سَلِمَ فالِاسْتِثْناءُ يَقْتَضِي إخْراجًا عَنْ حُكْمِ الخُلُودِ، وهو لا مَحالَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَكَيْفَ يَنْتَقِضُ بِما سَبَقَ عَلَيْهِ؟

كَيْفَ وقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: (فِي الجَنَّةِ)؟

ثُمَّ قِيلَ: فَإنْ قُلْتَ: زَمانُ تَفَرُّقِهِمْ عَنِ المَوْقِفِ هو الِابْتِداءُ وهو آخِرُ يَوْمٍ يَأْتِي، قُلْتُ: إنِ ادَّعى أنَّ الِابْتِداءَ مِنِ ابْتِداءِ ذَلِكَ الزَّمانِ جازَ أنْ يُسَلِّمَ دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ ولا يَنْفَعُ لِأنَّ الكُلَّ في الدّارَيْنِ غَيْرُ خالِدِينَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأمّا جَعْلُ ابْتِداءِ المُدَّةِ مِنِ انْتِهائِهِ فَلا، وبِأنَّ تَقابُلَ الحُكْمَيْنِ يَدُلُّ عَلى تَقابُلِ القِسْمَيْنِ بِمَعْنى مَنعِ الجَمِيعِ مُطْلَقًا؛ وأُجِيبَ -بَعْدَ غَمْضِ العَيْنِ عَمّا في ذَلِكَ مِنَ الخُرُوجِ عَنْ آدابِ المُناظَرَةِ- بِأنَّ مَبْدَأ زَمانِ خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن زَمانِ دُخُولِ أهْلِ النّارِ في النّارِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اتِّحادُ مِعْيارِ الخُلُودَيْنِ، وهو ﴿ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى زَمانِ خُلُودِهِما ولا اتِّحادَ مَعَ الِاخْتِلافِ في المَبْدَأِ، والِاسْتِثْناءُ عَنْ حُكْمِ الخُلُودِ مِن مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ يَكُونُ بِالإخْراجِ عَنْ حُكْمِ الدُّخُولِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الخُلُودُ فِيها لا مَحالَةَ.

وخُلاصَةُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ السُّعَداءَ كُلَّهم خالِدُونَ في الجَنَّةِ مِن زَمانِ دُخُولِ أهْلِ النّارِ في النّارِ إلّا العُصاةَ مِنهُمُ الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ دُخُولَهم في النّارِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً عِلْمُها عِنْدَهُ جَلَّ وعَلا، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ تَقابُلِ الحُكْمَيْنِ إنْ أُرِيدَ تُقابُلُهُما بِمَعْنى مَنعِ الجَمْعِ، فَلا تَقابُلَ فِيهِما بِهَذا المَعْنى لِاجْتِماعِهِما في العُصاةِ، وإنْ أُرِيدَ مُطْلَقًا فَلا دَلالَةَ عَلى تَقابُلِ القِسْمَيْنِ بِذَلِكَ المَعْنى، انْتَهى.

ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ ما في ذَلِكَ القَوْلِ مِنَ التَّكَلُّفِ ومُخالَفَةِ الظّاهِرِ والِانْتِصارِ لَهُ بِما ذُكِرَ لا يُجْدِيهِ نَفْعًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُتَقَدِّمِ إلّا أنَّ الحُكْمَ الخُلُودُ في عَذابِ النّارِ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ: إنَّ الحُكْمَ فِيهِ الخُلُودُ في نَعِيمِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ يُنْقَلُونَ مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أحْيانًا، وكَذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ بِما هو أعْلى مِنها كالِاتِّصالِ بِجَنابِ القُدْسِ والفَوْزِ بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أكْبَرُ، وما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ مِمّا لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ سالًّا سَيْفَ البَغِيِّ والِاعْتِزالِ وقَدْ رَدَّهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ ذَلِكَ في أهْلِ النّارِ ظاهِرٌ لِأنَّهم يُنْقَلُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، والرَّدُّ بِأنَّ النّارَ عِبارَةٌ عَنْ دارِ العِقابِ غَيْرُ وارِدٍ لِأنّا لا نُنْكِرُ اسْتِعْمالَ النّارِ فِيها تَغْلِيبًا، أمّا دَعْوى الغَلَبَةِ حَتّى يَهْجُرَ الأصْلَ فَكَلّا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نارًا تَلَظّى)، ﴾ ﴿ نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ)؟

﴾ وكَمْ، وكَمْ، وأمّا رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ وهم فِيها فَيَأْبى الِاسْتِثْناءَ كَيْفَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ لا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّهم مُنْعَمُونَ بِها فَضْلًا عَنِ انْفِرادِها بِتَنَعُّمِهِمْ إلّا أنْ يُخَصَّصَ بِجَنَّةِ الثَّوابِ لا مَحْضِ التَّفَضُّلِ، وكَفاهُ بُطْلانًا التَّخْصِيصُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ لَكَ أنْ تَقُولَ: هَجَرَ الأصْلَ في الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَتا عِلْمٌ مِنَ الوَصْفِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُها في مُقابَلَةِ الجَنَّةِ يُعَضِّدُ أنَّ المُرادَ بِها دارُ العِقابِ مُطْلَقًا.

وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ و(ما) عَلى أصْلِها لِما لا يَعْقِلُ وهو الزَّمانُ والحُكْمُ الكَوْنُ في النّارِ، والمَعْنى أمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ في كُلِّ زَمانٍ بَعْدَ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا زَمانًا شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ عَدَمَ كَوْنِهِمْ فِيها وهو زَمانُ مَوْقِفِ الحِسابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ الدّاخِلِينَ النّارَ إمّا سُعَداءُ فَيَلْزَمُ أنْ يَخْلُدُوا في الجَنَّةِ فِيما سِوى الزَّمانِ المُسْتَثْنى ولَيْسَ كَذَلِكَ، أوْ أشْقِياءُ فَيَلْزَمُ أنْ يَخْلُدُوا في النّارِ وهو خِلافُ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأيْضًا تَأخُّرُهُ عَنِ الحالِ -ولا مَدْخَلَ لَها في الِاسْتِثْناءِ- لا يُفْصِحُ، والإبْهامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إلّا ما شاءَ رَبُّكَ ) والتَّفْخِيمُ الَّذِي يُعْطِيهِ لا يَبْقى لَهُ رَوْنَقٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ يَخُصُّ الأشْقِياءَ بِالكُفّارِ والسُّعَداءَ بِالأتْقِياءِ، ويَكُونُ العُصاةُ مَسْكُوتًا عَنْهم هُنا فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ كانَ سُنِّيًّا وإنْ كانَ مُعْتَزِلِيًّا، فَقَدْ وافَقَ سَنَنَ طَبْعِهِ، ويُجابُ عَمّا بَعْدُ بِالمَنعِ، وقِيلَ: أمْرُ الِاسْتِثْناءِ ما عَلِمْتُ إلّا أنَّ المُسْتَثْنى مُدَّةُ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا أوِ البَرْزَخِ، ويَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ ( يَوْمَ يَأْتِي ) والمَعْنى أنَّهم في النّارِ جَمِيعَ أزْمانِ وُجُودِهِمْ إلّا زَمانًا شاءَ اللَّهُ تَعالى لَبْثَهم في الدُّنْيا أوِ البَرْزَخِ، والمُرادُ مَعَ زَمانِ المَوْقِفِ إذْ لَيْسُوا في زَمانِهِ أيْضًا في النّارِ إلّا أنْ يُرادَ بِالنّارِ العَذابُ فَلا يَحْتاجُ لِلْمَعِيَّةِ، لَكِنْ يَرِدُ أنَّهم مُعَذَّبُونَ في البَرْزَخِ أيْضًا إلّا أنْ يُقالَ: لا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ لِأنَّهُ عَذابٌ غَيْرُ تامٍّ لِعَدَمِ تَمامِ حَياتِهِمْ فِيهِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ما أوْرَدَ عَلى ما قَبْلَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَرِدُ لَوْ كانَ المُسْتَثْنى في الِاسْتِثْناءِ الثّانِي هو ذَلِكَ الزَّمانُ المُسْتَثْنى في الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَلْيَكُنِ المُسْتَثْنى مِنهُ زَمانَ لَبْثِهِمْ في النّارِ مَعَ ذَلِكَ الزَّمانِ المُسْتَثْنى في الآيَةِ الأُولى، فَإنَّ المُسْتَثْنى لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ زَمانٍ حَتّى لا يُمْكِنَ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ ورَدَ بِأنَّ المُقابِلَ لا يَجْرِي فِيهِ هَذا ويَبْقى الإشْكالُ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ ما تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ والِاطِّرادُ لَيْسَ بِلازِمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إلّا بَيانَ ضَعْفِ هَذا الوَجْهِ، وكَفى بِعَدَمِ الِاطِّرادِ ضَعْفًا، وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى سِوى كَقَوْلِكَ: لَكَ عَلَيَّ ألْفانِ إلّا الألْفَ الَّتِي كانَتْ يَعْنِي سِواها، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ، والسَّجاوِنْدِيِّ، والمَعْنى سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها عَلى مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ، والِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرِ صِفَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى يَخْلُدُونَ فِيها مِقْدارَ مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ سِوى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا يَتَناهى، وضَعْفُ هَذا القِيلِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حَمْلُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَذَيْنِ الجِسْمَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَعْنى التَّأْبِيدِ وهو فاسِدٌ، وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى الواوِ أيْ وما شاءَ رَبُّكَ زائِدًا عَلى ذَلِكَ، واسْتُشْهِدَ عَلى مَجِيئِها بِمَعْنى الواوِ بِقَوْلِهِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرِ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ وفِيهِ أنَّ هَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ عِنْدَ النُّحاةِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنْ يُحْمَلَ (ما) عَلى مَن لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ وهي المَرْحُومِيَّةُ، و( خالِدِينَ ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ الِاسْتِقْرارِ أيْ في النّارِ، والمَعْنى وأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ إلّا المَرْحُومَ الَّذِي شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَسْتَقِرَّ مُخَلَّدًا فَيُفِيدُ أنْ لا يَسْتَقِرَّ فِيها مُطْلَقًا أوْ يَسْتَقِرَّ غَيْرَ مُخَلَّدٍ، وأحْوالُ العُصاةِ عَلى هَذا النَّهْجِ كَما عُلِمَ مِنَ النُّصُوصِ، وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ إخْراجَهم بِمَحْضِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَجْرِي في المُقابِلِ إلّا بِتَأْوِيلِ الإمامِ وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ، أوْ بِجَعْلِهِ مِن أصْلِ الحُكْمِ ويَقْتَضِي أنْ لا يَدْخُلُوا أصْلًا، وإذا أُوِّلَ بِمُقَدَّرِينَ فَلَوْ جُعِلَ اسْتِثْناءً مِن مُقَدِّرِينَ لَمْ يَتَّجِهْ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: (فِي النّارِ) فَلا يَكُونُ لَهم دُخُولٌ أصْلًا، ودَلالَةُ (ما) لِإبْهامِها إمّا عَلى التَّفْخِيمِ أوِ التَّحْقِيرِ ولا يُطابِقُ المَقامَ، وقِيلَ: وقِيلَ، والأوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، فَمَعْنى إلّا ما شاءَ إنْ شاءَ أيْ لَوْ فُرِضَ أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ إخْراجَهم مِنَ النّارِ أوِ الجَنَّةِ في زَمانٍ لَكانَ مُسْتَثْنًى مِن مُدَّةِ خُلُودِهِمْ، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ لِدَلالَةِ القَواطِعِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ، وهَذا كَما قالَ الطِّيبِيُّ مِن أُسْلُوبِ ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ ، و ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ وذَكَرَ أنَّهُ وقَفَ عَلى نَصٍّ مِن قَبْلِ الزَّجّاجِ يُوافِقُ ذَلِكَ.

وفِي المَعالِمِ عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا ما يُوافِقُهُ حَيْثُ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ سُبْحانَهُ ولا يَفْعَلُهُ كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ وعَزِيمَتُكَ أنْ تَضْرِبَهُ، وحَذْوُ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ ما نَقَلَهُ قَبْلُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المَعْنى لَوْ شاءَ لَأخْرَجَهم لَكِنَّهُ لا يَشاءُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ لَهم بِالخُلُودِ.

وفِي البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ ما هو بِمَعْناهُ أيْضًا حَيْثُ قالَ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ شاءَ رَبُّكَ فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا مُنْقَطِعٍ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أيْضًا الفاضِلُ مَيْرَزاجانُ الشِّيرازِيُّ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى تَفْسِيرِ القاضِي، ونَصَّ عَلى أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّعْلِيقِ بِالمَحالِّ حَتّى يُثْبِتَ مَحالِيَّةَ المُعَلَّقِ ويَكُونُ كَدَعْوى الشَّيْءِ مَعَ بَيِّنَةٍ، وهو أحَدُ الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَها السَّيِّدُ المُرْتَضى في دُرَرِهِ، وتَفْسِيرُ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بِالشَّرْطِ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، ولَعَلَّ النُّكْتَةَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى ما قِيلَ: إرْشادُ العِبادِ إلى تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وإعْلامُهم بِأنَّها مَنُوطَةٌ بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ ولا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ).

﴾ وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ فائِدَتَهُ دَفْعَ تَوَهُّمِ كَوْنِ الخُلُودِ أمْرًا واجِبًا عَلَيْهِ تَعالى لا يُمْكِنُ لَهُ سُبْحانَهُ نَقْضُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ حَيْثُ أخْبَرَ بِهِ جَلَّ وعَلا مُؤَكِّدًا، والمُرادُ -بِالَّذِينِ شَقُوا- عَلى هَذا الوَجْهِ الكَفّارُ فَقَطْ فَإنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِهَذا الِاسْمِ عَلى الحَقِيقَةِ -وبِالَّذِينِ سَعِدُوا- المُؤْمِنُونَ كافَّةً مُطِيعُهم وعاصِيهِمْ فَيَكُونُ التَّقْسِيمُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ لِلِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفِي الجَنَّةِ ﴾ لِأنَّهُ يَصْدُقُ بِالدُّخُولِ في الجُمْلَةِ.

وفِي الكَشْفِ بَعْدُ نُقِلَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن بابِ ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ ﴾ فَإنْ قُلْتَ: فَقَدْ حَصَلَ مَغْزى الزَّمَخْشَرِيِّ مِن خُلُودِ الفُسّاقِ، قُلْتُ: لا كَذَلِكَ لِأنَّهم داخِلُونَ في السُّعَداءِ، والآيَةُ تَقْتَضِي خُلُودَ السَّعِيدِ وذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيها لا مَحالَةَ، ولا تَنْفِي كَيْنُونَتَهُ في النّارِ قَبْلَ دُخُولِهِ في الجَنَّةِ فَإنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي أنْ يَدْخُلُوا -أعْنِي السُّعَداءَ- كُلُّهم في الجَنَّةِ مَعًا كَيْفَ والقاطِعُ يَدُلُّ عَلى دُخُولِهِمْ أوَّلًا فَأوَّلًا عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمُ، انْتَهى، فَتَأمَّلْ، فَإنَّ الآيَةَ مِنَ المُعْضِلاتِ.

وإنَّما لَمْ يُضْمِرْ في ( إنَّ رَبَّكَ ) إلَخْ..

كَما هو الظّاهِرُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، واللّامُ في ( لِما ) قِيلَ لِلتَّقْوِيَةِ، أيْ فَعّالٌ ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ لا يَتَعاصى عَلَيْهِ شَيْءٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ يعني: هكذا عقوبة ربك، إِذا أَخَذَ الْقُرى يعني: إِذا عاقب القرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ يعني: أهلها كفار جاحدون بوحدانية الله تعالى.

قرأ عاصم الجحدري: إِذا أَخَذَ، بألف واحدة، لأن إذ تستعمل للماضي، وإذا تستعمل للمستقبل، وهذه حكاية عن الماضي، يعني: حين أخذ ربك القرى.

وهي قراءة شاذة، وقراءة العامة: إِذا أَخَذَ بألفين، ومعناه: هكذا أخذ ربك، متى أخذ القرى.

ثم قال: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ يعني: عقوبته مؤلمة شديدة.

وروى أبو موسى الأشعري، عن رسول الله  ، أنه قال: «إن الله تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» (١) ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ الآية.

ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: في الذي أخبرتك عن الأمم الخالية لعبرة، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ويقال: في عذابهم موعظة وعبرة بالغة لمن آمن بالله واليوم الآخر.

ويقال: فيه عبرة لمن أيقن بالنار، وأقرّ بالبعث ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ يعني: مجموع فيه الناس، يعني: يجمع فيه الأولون والآخرون وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يشهده أهل السموات، وأهل الأرض.

قوله تعالى: وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يعني: إلى حين معلوم.

ويقال: لانقضاء أيام الدنيا.

ومعناه: أنا قادر على إقامتها الآن، ولكن أؤخرها إلى وقت معدود، يَوْمَ يَأْتِ يعني: إذا جاء يوم القيامة، ويقال: يَوْمَ يَأْتِ ذلك اليوم، لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ يعني: لا تتكلم نفس بالشفاعة، إلا بأمره، ويقال: معناه: لا يجترئ أحد أن يتكلم من هيبته وسلطانه بالاحتجاج وإقامة العذر، إلا بإذنه.

قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، يَوْمَ يَأْتِ بغير ياء في الوصل والقطع، وقرأ الباقون: بالياء عند الوصل.

قال أبو عبيدة: القراءة عندنا على حذف الياء في الوصل والوقف.

قال: ورأيت في مصحف الإمام عثمان: يَوْمَ يَأْتِ بغير ياء، وهي لغة هذيل.

قال: وروي عن عثمان، أنه عرض عليه المصحف، فوجد فيه حروفاً من اللحن، فقال: لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل، لم توجد فيه هذه الحروف، فكأنه قدم هذيلاً في الفصاحة.

ثم قال تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ يعني: يوم القيامة من الناس شَقِيٌّ يعني: يعذب في النار، وَسَعِيدٌ، يعني: مكرم في الجنة.

قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا يعني: كتب عليهم الشقاوة، فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ قال الربيع بن أنس: الزَّفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عن ابن عباس، أنه قال: «زفير كزفير الحمار، وهو أول ما ينهق الحمار، والشهيق وهو أول ما يفرغ من نهيقه في آخره» .

ويقال: زفير وشهيق، معناه: أنيناً وصراخاً، خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين دائمين في النار ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يعني: سماء الجنة وأرضها إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ يعني: إلا من أخرجهم منها وهم الموحدون.

وقال الكلبي، ومقاتل: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يعني: كما تدوم السموات والأرض لأهل الدنيا، فكذلك يدوم الأشقياء في النار إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أي: يخرجون من النار.

وقال الضحاك: يعني: سماء القيامة وأرضها، وهما باقيتان.

ويقال: العرب كانت من عادتهم، أنهم إذا ذكروا الأبد يقولون: ما دامت السموات والأرض، فذكر على عادتهم على ما يتعاهدون ويتفاهمون، ومعناه: إنهم خالدون فيها أبداً.

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ إن شاء أدخل النار خالداً، وإن شاء أخرجه إن كان موحداً، وأدخله الجنة.

(١) حديث أبي موسى: أخرجه البخاري (4686) ومسلم (2583) والترمذي (3110) وابن ماجة (4018) والبيهقي: 6/ 96 والبغوي (4162) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في كلام العرب: العطيّة.

وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ...

الآية: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال تَتْبِيبٍ: الخُسْرَانُ ومنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] .

وقوله: وَكَذلِكَ: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة» : أعمُّ من «كافرة» ، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى أن رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه» ، ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ...

الآية «١» ، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وهو يومُ الحَشْر، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ في قول الجمهور، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ يَعْنِي ما ذُكِرَ مِن عَذابِ الأُمَمِ وأخْذِهِمْ.

والآيَةُ: العِبْرَةُ والعِظَةُ.

﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ ﴾ لِأنَّ الخَلْقَ يُحْشَرُونَ فِيهِ، ويَشْهَدُهُ البَرُّ والفاجِرُ، وأهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.

.

﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ ﴾ ورَوى زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ " وما يُؤَخِّرُهُ " بـالياءِ والمَعْنى: وما نُؤَخِّرُ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ ﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ.

والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ ظالِمَةٌ ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ ﴾ » الآيَةَ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿ إذا أخَذَ القُرى ﴾ ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ ، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿ الناسُ ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿ مَجْمُوعٌ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.

وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿ مَشْهُودٌ ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما نُؤَخِّرُهُ ﴾ الآيَةَ.

المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما وَقَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ ﴾ ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ".

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ : وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ نَفْسٌ ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بيان للتعريض وتصريح بعد تلويح.

والمعنى: وكذلك أخذ ربك فاحْذروه وحذروا ما هو أشدّ منه وهو عذاب الآخرة.

والإشارة إلى الأخذ المتقدّم.

وفي هذا تخلّص إلى موعظة المسلمين والتّعريض بمدحهم بأن مثلهم من ينتفع بالآيات ويعتبر بالعبر كقوله: ﴿ وما يعقلها إلاّ العالمون ﴾ [العنكبوت: 43].

وجُعل عذاب الدنيا آية دالة على عذاب الآخرة لأنّ القرى الظالمة توعّدها الله بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿ وإنّ للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ [الطور: 47] فلمّا عاينوا عذاب الدّنيا كان تحققه أمارة على تحقق العذاب الآخر.

وجملة ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ معترضة للتنويه بشأن هذا اليوم حتّى أنّ المتكلّم يبتدئ كلاماً لأجل وصفه.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى الآخرة لأنّ ماصدقها يومُ القيامة، فتذكير اسم الإشارة مراعاة لمعنى الآخرة.

واللاّم في ﴿ مجموع له ﴾ لام العلّة، أي مجموع الناس لأجله.

ومجيء الخبر جملة اسمية في الإخبار عن اليوم يدلّ على معنى الثّبات، أي ثابت جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم، فيدلّ على تمكن تعلق الجمع بالنّاس وتمكّن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتّى لقّب ذلك اليوم يومَ الجمع في قوله تعالى: ﴿ يوم يجمعكم ليوم الجمع ﴾ [التغابن: 9].

وعطف جملة ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ على جملة ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ لزيادة التّهويل لليوم بأنّه يُشهد.

وطُوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده الشّاهدون، إذ ليس القصد إلى شاهِدين معيّنين.

والإخبار عنه بهذا يُؤذن بِأنّهم يشهدونه شهوداً خاصاً وهو شهود الشيء المهول، إذ من المعلوم أن لا يقصد الإخبار عنه بمجرّد كونه مرئياً لكن المراد كونه مرئياً رؤية خاصة.

ويجوز أن يكون المشهود بمعنى المحقّق أيّ مشهود بوقوعه، كما يقال: حقّ مشهود، أيْ عليه شهود لا يستطاع إنكاره، واضح للعيان.

ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشّاهدين إياه لشهرته، كقولهم: لفلان مجلس مشهود، كقول أم قيس الضبّيّة: ومشهد قد كفيتَ الناطقين به *** في محفل من نواصي الخيل مَشهود فيكون من نحو قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً يومئذٍ يوَدّ الذين كفروا ﴾ [النساء: 41، 42] الآية.

وجملة ﴿ وما نؤخّره إلاّ لأجل معدود ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ذلك يوم مجموع له النّاس ﴾ وبين جملة ﴿ يوم يأتي لا تكلّم نفس ﴾ [هود: 105] الخ.

والمقصود الردّ على المنكرين للبعث مستدلّين بتأخير وقوعه في حين تكذيبهم به يحسبون أنّ تكذيبهم به يغيظ الله تعالى فيعجّله لهم جهلاً منهم بمقام الإلهيّة، فبيّن الله لهم أن تأخيره إلى أجل حدّده الله له من يوم خَلَقَ العالم كما حدّد آجال الأحياء، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قُلْ لكم ميعاد يوممٍ لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون ﴾ [سبأ: 29، 30].

والأجل: أصله المدة المنظَر إليها في أمر، ويطلق أيضاً على نهاية تلك المدّة، وهو المراد هنا بقرينة اللاّم، كما أريد في قوله تعالى: ﴿ فإذا جاء أجلهم ﴾ [الأعراف: 34].

والمعدود: أصله المحسوب، وأطلق هنا كناية عن المعيّن المضبوط بحيث لا يتأخر ولا يتقدم لأنّ المعدود يلزمه التعيّن، أو كناية عن القرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الزَّفِيرَ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقَ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الزَّفِيرَ في الحَلْقِ مِن شِدَّةِ الحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفِيرِ، والشَّهِيقُ في الصَّدْرِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الزَّفِيرَ تَرَدُّدُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وهو الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ لِشِّدَّتِهِ، والشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ طَوِيلٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّ الزَّفِيرَ أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ آخِرُ نَهِيقِهِ، قالَ الشّاعِرُ: حَشْرَجَ في الجَوْفِ سَحِيلًا أوْ شَهِقَ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خالِدِينَ فِيها ما دامَتْ سَماءُ الدُّنْيا وأرْضُها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلَيْها بَعْدَ فَناءِ مُدَّتِها حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: ما دامَتْ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن قَدْرِ وُقُوفِهِمْ في القِيامَةِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الثّالِثُ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، أيْ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الرّابِعُ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ أنْ يُخْرِجَهم مِنها بَعْدَ إدْخالِهِمْ إلَيْها، قالَهُ قَتادَةُ، فَيَكُونُونَ أشْقِياءَ في النّارِ سُعَداءَ في الجَنَّةِ، حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (يَدْخُلُ ناسٌ جَهَنَّمَ حَتّى إذا صارُوا كالحَمْحَمَةِ أُخْرِجُوا مِنها وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ فَيُقالُ هَؤُلاءِ الجَهَنَّمِيُّونَ.

» الخامِسُ: إلّا ما شاءَ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ أنْ لا يُدْخِلَهم إلَيْها، قالَهُ أبُو نَضْرَةَ يَرْوِيهِ مَأْثُورًا عَنِ النَّبِيِّ  .

السّادِسُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن كُلِّ مَن دَخَلَ النّارَ مِن مُوَحِّدٍ ومُشْرِكٍ أنْ يُخْرِجَهُ مِنها إذا شاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى قَوْلِهِمْ ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن أنْواعِ العَذابِ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَفِيرٍ ولا شَهِيقٍ مِمّا لَمْ يُسَمَّ ولَمْ يُوصَفْ ومِمّا قَدْ سُمِّيَ ووُصِفَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ﴿ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الثّامِنُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ واقِعٌ عَلى مَعْنى لَوْ شاءَ رَبُّكَ أنْ لا يُخَلِّدَهم لَفَعَلَ ولَكِنَّ الَّذِي يُرِيدُهُ ويَشاؤُهُ ويَحْكُمُ بِهِ تَخْلِيدُهم.

وَفي تَقْدِيرِ خُلُودِهِمْ بِمُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها سَماواتُ الدُّنْيا وأرْضُها، ولَئِنْ كانَتْ فانِيَةً فَهي عِنْدَ العَرَبِ كالباقِيَةِ عَلى الأبَدِ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ وعُرْفِهِمْ كَما قالَ زُهَيْرٌ: ألا لا أرى عَلى الحَوادِثِ باقِيًا ∗∗∗ ولا خالِدًا إلّا الجِبالَ الرَّواسِيا والوَجْهُ الثّانِي: أنَّها سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها لِبَقائِها عَلى الأبَدِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله يوم يأت قال ذلك اليوم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال: كلام الناس يوم القيامة السريانية.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمر بن ذر.

أنه قرأ ﴿ يوم يأتون لا تكلم منهم دابة إلا بإذنه ﴾ .

وأخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ قلت: يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟

قال «بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ ، الأكثرون من أهل المعاني والتفسير على أن قوله: ﴿ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ للتأبيد (١) قال الضحاك (٢) وقال الحسن (٣) وقال ابن قتيبه (٤) وقال ابن الأنباري (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ عندكم وليست عندنا دائمة، كما قال -يعني أبا جهل-: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ  ﴾ أي عند نفسك، فأما عندنا فلا.

فعلى هذا القول معنى الاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ ؛ قال الفراء: (٩) ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ ، ولا يشاؤه.

هذا كلامه وزاده أبو بكر بيانا فقال: يجوز أن يكون الاستثناء ذكره الله تعالى وهو لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا، كما يقول الرجل لغلامه: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوي إلا ضربه، فمعنى الاستثناء منه أني لو شئت أني لا أضربك لقدرت، غير أني مجمع على ضربك، وكذلك معنى الآية خالدين فيها أبدًا إلا أن يشاء ربك، وهو لا يشاء إلا تخليدهم، فوقع الاستثناء على معنى لو شاء أن لا يخلدهم لقدر، والدليل على أن الاستثناء هاهنا لا يعود إلى (١٠) (١١) (١٢) وهذا القول ذكره أبو إسحاق (١٣) (١٤) وقال ابن كيسان: الاستثناء وقع بمقدار تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، واختاره ابن قتيبة (١٥) وقيل: الاستثناء يعود إلى حبس الفريقين في البرزخ، وهذه الأقوال قريبة من السواء؛ لأنه يمكنك الجمع بينها فتقول: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب، ثم يصيرون إلى النار أبدًا أو إلى الجنة أبدًا.

وقال جماعة (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ مَا شَاءَ ﴾ ولم يقل من شاء؛ لأن المذنبين من المؤمنين لا يكونون أشقياء، والأشقياء هم الكافرون.

قال أبو إسحاق (٢٠) (٢١) ﴿ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ (٢٢) (٢٣) ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ  ﴾ ، فأراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، إلا ما شاء ربك من الزيادة المضاعفة لا إلى نهاية، و (إلا) هاهنا تكون بمعنى سوى أو (الواو) كما تقول في الكلام: لك عندي ألف إلا ألفين؛ أي سوى الألفين الذين لك عندي، والمعنى على هذا: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وهذا أحد قولي الفراء (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال النحويون: إذا استثنينا (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من إخراج أهل التوحيد من النار.

(١) الطبري 12/ 117، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 159، ابن عطية 7/ 401، القرطبي 9/ 99.

(٢) الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، القرطبي 9/ 99.

(٣) الثعلبي 7/ 56 ب.

وأخرج ابن أبي حاتم 6/ 2086، وأبو الشيخ عن الحسن قال: "تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السموات وتلك الأرض" "الدر" 3/ 634.

(٤) "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 213.

(٥) "زاد المسير" 4/ 159.

(٦) "البيان والتبيين" 3/ 7.

(٧) في (ب): (النار).

(٨) في الثعلبي 7/ 57 أ "وما لألأت العُفْر بأذنابها".

ويقال "ما لألأت الفوز بأذنابها" أي لا أفعل ذلك ما حركت الظباء أذنابها.

انظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 281، "اللسان" (لأ لأ، فور)، "سمط اللآلئ" ص 5، وفيه (ما لألأت العفر).

(٩) "معاني القرآن" 2/ 28.

(١٠) في (ي): (على).

(١١) ساقط من (ب).

(١٢) هذا المثل يضرب في الاستحالة، انظر: "المستقصى" 2/ 59، "فصل المقال" 474، 482، "تمثال الأمثال" 422.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79.

(١٤) ما بين المعقوفين مطموس في (ب).

(١٥) "مشكل القرآن وغريبه" (1/ 214، "تأويل مشكل القرآن" / 76.

(١٦) ذكره الطبري 12/ 120 عن قتادة وأبي سنان، والضحاك، وخالد بن معدان.

الثعلبي 7/ 57 أ، البغوي 4/ 250، "زاد المسير" 4/ 160 وعزاه لابن عباس والضحاك.

(١٧) ساقط من (ي).

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(١٩) الثعلبي 7/ 57 أ، وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2086، وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس كما في "الدر" 6/ 634، "زاد المسير" 4/ 160.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 80.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٣) "تنوير المقباس" ص 145، والثعلبي 7/ 56 ب.

(٢٤) "معاني القرآن" 2/ 28.

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79.

(٢٦) ذهب الكوفيون وعلى رأسهم الفراء وثعلب -كما ذكر أبو حيان- ومن تبعهم كأبي عبيدة والأخفش والهروي وابن فارس والجرجاني وبعض أصحاب المعاجم كالجوهري وابن منظور والفيروزآبادي إلى أن (إلا) تأتي بمعنى الواو العاطفة، واحتجوا بكثرة مجيئه في كتاب الله وكلام العرب.

وذهب البصريون ومن تبعهم كالطبري ومكي القيسي وأبي البركات الأنباري وابن مالك والمالقي والمرادي وابن عقيل وابن القيم إلى أن (إلا) لا تأتي بمعنى الواو، وعللوا صحة ما ذهبوا إليه بأمرين: أحدهما: أن الأصل أن ينفرد كل حرف بمعنى، ولا يقع حرف بمعنيين؛ لما في ذلك من الاشتراك الملبس، وما صح منه عن العرب يقتصر عليه، ولا يقاس.

الثاني: أن (إلا) للاستثناء، وهو إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجميع، وهو يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر؛ لأن المعنيين متباينان.

وأجابوا عما احتج به الكوفيون من الآيات والأبيات بأنها جميعًا محمولة على الاستثناء المنقطع.

== ورجح أبو حيان مذهب البصريين، قال: وإثبات (إلا) بمعنى الواو لا يقوم عليه دليل والاستثناء سائغ فيما ادُّعي فيه أن (إلا) بمعنى (الواو).

راجع: "الإنصاف" 1/ 266 - 272، "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 219، "معاني القرآن" للفراء 1/ 89 - 90، 2/ 287 - 288، "مجاز القرآن" 1/ 60، "البحر المحيط" 1/ 442، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 152، "التبيين" 403، "الصحاح" (إلا) 6/ 2545، "لسان العرب" (إلا) 1/ 104، "القاموس المحيط" (إلا) 962، "معاني الحروف" / 128، "سر صناعة الإعراب" 1/ 303، "بدائع الفوائد" 3/ 70 - 71.

(٢٧) في (ي): (استثنى).

(٢٨) في (ب): (يشاء).

(٢٩) قال القرافي -بعد أن ذكر الأقوال الذي الاستثناء في هذه الآية-: وهذه كلها أقوال لا حاجة إليها ولا ضرورة، بل الاستثناء صحيح على بابه لمقتضى ظاهر اللفظ، وأنه ما تقدم من الدوام قبل الدخول هذا كله إذا قلنا سموات الدنيا وأرضها، وإن قلنا سموات الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها فهي تدوم لا إشكاك في الدوام.

أ.

هـ "الاستغناء في معنى الاستثناء" /420.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا ﴾ أي بالمعجزات ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي برهان بين ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي يتقدم قدّامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النار ﴾ الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه ﴿ وَيَوْمَ القيامة ﴾ عطف على في هذه فإن المراد به في الدنيا ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ أي العطية المعطاة ﴿ قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ باق وداثر ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشريك ﴿ تَتْبِيبٍ ﴾ أي تخسير ﴿ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ﴾ أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع أبلغ من لفظ يجمع ﴿ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ أي يحضره الأولون والآخرون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.

﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.

التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.

﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.

وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.

والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.

وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.

قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.

وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.

قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه  نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟

والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.

وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.

وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير  ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.

ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.

قالت المعتزلة.

في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.

وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.

قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.

وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.

والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً  كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.

ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.

وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.

وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.

ثم أشار  إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟

﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.

فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.

والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.

أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.

ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.

أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.

وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.

ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.

كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.

وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.

وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.

ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.

ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.

ثم وصف الله  بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .

ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.

ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.

وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.

فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.

قوله  ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.

والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.

وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.

ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.

ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.

وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.

والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.

ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.

وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.

و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.

وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.

﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.

عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.

تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.

كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.

ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.

التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.

﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.

﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.

﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.

﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.

ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ وهي الحجج.

يحتمل قوله: ﴿ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ واحد، على التكرار، فإن كانت الآيات هي الأوامر والنواهي، وما يؤتى وما يتقى فقوله: ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ هي الحجج والبراهين على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾ قد ذكرنا أن الملأ هو اسم لشيئين: اسم الجماعة، واسم الأجلة والأشراف، وهو كان مبعوثاً إلى الأشراف من قومه، وإلى الجماعة جميعاً؛ خصّ بعثه إلى فرعون وقومه وإن كان مبعوثاً إلى الكل؛ لما العرف في الملوك أنهم إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف، وإن كان [المقصود من الخطاب] الكل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: هو ما ذكر في حم المؤمن حيث قال لهم: ﴿ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ فأطاعوا فرعون في قوله؛ يقول الله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ \[أي\]: يهدي، أو يقول: ما الأمر الذي عليه فرعون برشيد؛ بل هو ضلال.

ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام وغيره، وهو ما ذكر: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أي: ليس بهدى؛ بل كان أمره ضلالا؛ حيث كان هو ضالا مضلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ قال بعضهم: أي: صار قدامهم.

وقال بعضهم: يقدم أي: يقود قومه إلى النار حتى يوردهم النار.

ويحتمل قوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي: يكون إماماً لهم يوم القيامة يتبعون أثره، كما كان إمامهم في الدنيا فاتبعوه؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ  ﴾ أخبر أنهم يكونون أئمة لهم في الآخرة.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ﴾ أي: دعاهم في الدنيا، وأمرهم بأمور توردهم النار تلك الأعمال كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ أي: ما أصبرهم على عمل أهل النار.

وقال بعضهم: يتبعونه حتى يدخلهم النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ قال بعضهم: بئس المدخل المدخول، والورد هو الدخول، والمورود المدخول؛ سمي الجزاء باسم سببه.

قال ابن عباس -  -: جميع ما ذكر في القرآن من الورود فهو دخول منهم، قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً  ﴾ فقال: والله ليردنها كل برّ وفاجر ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل: اللعنة في الدنيا: العذاب الذي نزل بهم.

ويحتمل لعن الخلائق يلعنهم من ذكرهم.

وفي الآخرة يحتمل الوجهين جميعاً.

يحتمل: يعذبون في الآخرة - أيضاً - كما عذبوا في الدنيا.

ويحتمل: لعن الخلائق - أيضاً - من رآهم لعنهم، واللعن هو الطرد في اللغة: طردوا عن رحمة الله ولم يرحموا في عذاب الدنيا؛ ولا يرحمون في عذاب الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ عن ابن عباس: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ يقول: لعنة الدنيا والآخرة.

وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله: لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة، ولكن على زعمهم يجيء أن يقال: الردف من الترادف.

وقال بعضهم: الردف العون، وهو قول القتبي.

وقال القتبي: الرفد: العطية، والمرفود: المعطي؛ يقال: رفدته: إذا أعطيته وأعنته، كما يقال: بئس العطاء المعطي، وكذلك قال أبو عوسجة: بئس ما أعطوا وأعينوا، وبئس المعطي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ماكثون فيها أبدًا، لا يخرجون منها ما دامت السماوات والأرض، إلا من شاء الله إخراجه من عصاة الموحدين، إن ربك -أيها الرسول- فَغَال لما يريده، فلا مُسْتَكْرِه له سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.jYA8J"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل