الآية ١٠٨ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٠٨ من سورة هود

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ ١٠٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٨ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٨ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وأما الذين سعدوا ) وهم أتباع الرسل ، ( ففي الجنة ) أي : فمأواهم الجنة ، ( خالدين فيها ) أي : ماكثين مقيمين فيها أبدا ، ( ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) معنى الاستثناء هاهنا : أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ، ليس أمرا واجبا بذاته ، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى ، فله المنة عليهم [ دائما ] ، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس .

وقال الضحاك ، والحسن البصري : هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ، ثم أخرجوا منها .

وعقب ذلك بقوله : ( عطاء غير مجذوذ ) أي : غير مقطوع - قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية وغير واحد ، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعا ، أو لبسا ، أو شيئا بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع .

كما بين هنا أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته ، وأنه بعدله وحكمته عذبهم; ولهذا قال : ( إن ربك فعال لما يريد ) [ هود : 107 ] كما قال ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] ، وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله : ( عطاء غير مجذوذ ) .

يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ، ويا أهل النار ، خلود فلا موت .

وفي الصحيحين أيضا : " فيقال يا أهل الجنة ، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قراء المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: (وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا)، بفتح السين.

* * * وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا)، بضم السين، بمعنى: رُزِقوا السعادة.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ، أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: (سُعِدُوا) ، فيما لم يسمَّ فاعله، ولم يقل: " أسعدوا "، وأنت لا تقول في الخبر فيما سُمِّى فاعله : " سعده الله "، بل إنما تقول: " أسعده الله "؟

قيل ذلك نظير قولهم: " هو مجنون " و " محبوب "، (31) فيما لم يسمَّ فاعله، فإذا سموا فاعله قيل: " أجنه الله " ، و " أحبه "، والعرب تفعل ذلك كثيرًا.

وقد بينا بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا.

(32) * * * وتأويل ذلك: وأما الذين سعدوا برحمة الله، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يقول: أبدًا ، (إلا ما شاء ربك).

* * * فاختلف أهل التاويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: (إلا ما شاء ربك )، من قدر ما مكثوا في النار قبل دخُولهم الجنة.

قالوا: وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة.

*ذكر من قال ذلك : 18583- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك في قوله: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، قال: هو أيضًا في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة.

يقول: خالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك.

يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: (إلا ما شاء ربك ) ، من الزيادة على قدر مُدّة دوام السموات والأرض، قالوا: وذلك هو الخلود فيها أبدًا.

*ذكر من قال ذلك : 18584- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، قال: ومشيئته خلودهم فيها، ثم أتبعها فقال: (عطاء غير مجذوذ).

* * * واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع.

فقال بعضهم في ذلك معنيان: أحدهما : أن تجعله استثناءً يستثنيه ولا يفعله، كقولك: " والله لأضربنَّك إلا أن أرى غير ذلك "، وعزمُك على ضربه.

(33) قال: فكذلك قال: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، ولا يشاؤه، [وهو أعلم].

(34) قال: والقول الآخر: أنّ العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله ، ومع ما هو أكثر منه ، (35) كان معنى " إلا " ومعنى " الواو " سواء.

فمن كان قوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) ، سوى ما شاء الله من زيادة الخلود، فيجعل " إلا " مكان " سوى " فيصلح، وكأنه قال: " خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد ".

ومثله في الكلام أن تقول: لي عليك ألف إلا ألفين اللذين [مِنْ قِبَل فلان " ، أفلا ترى أنه في المعنى : لي عليك ألفٌ سِوَى الألفين ] ؟

(36) قال: وهذا أحبُّ الوجهين إليّ ، لأنّ الله لا خُلْفَ لوعده.

(37) وقد وصل الاستثناء بقوله: (عطاء غير مجذوذ) ، فدلَّ على أن الاستثناء لهم بقوله في الخلود غير منقطعٍ عنهم.

* * * وقال آخر منهم بنحو هذا القول.

وقالوا: جائز فيه وجه ثالثٌ: وهو أن يكون استثنى من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث ، وهو البرزخ ، إلى أن يصيُروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد.

يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرْزَخ.

* * * وقال آخر منهم: جائز أن يكون دوام السموات والأرض ، بمعنى : الأبد ، على ما تعرف العرب وتستعمل ، وتستثنى المشيئة من داومها ، لأنَّ أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقاتِ دوام السموات والأرض في الدنيا ، لا في الجنة، فكأنه قال: خالدين في الجنة ، وخالدين في النار ، دوامَ السماء، والأرض ، إلا ما شاء ربُّك من تعميرهم في الدنيا قبلَ ذلك.

* * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، القولُ الذي ذكرته عن الضحاك، وهو (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، من قدر مُكْثِهم في النار، من لدن دخلوها إلى أن ادخلوا الجنة، وتكون الآية معناها الخصوص ، لأن الأشهر من كلام العرب في " إلا " توجيهها إلى معنى الاستثناء ، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها ، إلا أن يكون معها دلالةٌ تدلُّ على خلاف ذلك.

ولا دلالة في الكلام ، أعني في قوله: (إلا ما شاء ربك) ، تدلُّ على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام، فيُوَجَّه إليه.

* * * وأما قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، فإنه يعني : عطاءً من الله غيرَ مقطوع عنهم.

* * * من قولهم: " جذذت الشيء أجذّه جذًّا " ، إذا قطعته، كما قال النابغة: (38) تَجــذُّ السَّـلُوقِيَّ المُضَـاعَفَ نَسْـجُهُ وَيوقِــدْنَ بِالصُّفَّـاحِ نَـارَ الحُبَـاحِبِ (39) يعني بقوله: " تجذ ": تقطع.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك : 18585- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (عطاء غير مجذوذ) ، قال: غير مقطوع.

18586- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، يقول: غير منقطع.

18587- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (عطاء غير مجذوذ) ، يقول: عطاء غير مقطوع.

18588- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (مجذوذ)، قال: مقطوع.

18589- حدثني المثني قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، قال: غير مقطوع.

18590- .

.

.

.

قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

18591- ....

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.

18592- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج.

عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

18593- .

.

.

.

قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، قال: أما هذه فقد أمضَاها.

يقول: عطاء غير منقطع.

18594- حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (عطاء غير مجذوذ) ، غير منـزوع منهم.

------------------------ الهوامش: (31) في المطبوعة والمخطوطة : " هو مجنون ، محبوب " ، والأجود الفصل بالواو .

(32) غاب أيضًا عني مكانه ، فمن وجده فليقيده .

(33) في معاني القرآن للفراء : " وعزيمتك على ضربه " ، وهذا نص كلام الفراء .

(34) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء .

(35) في المطبوعة والمخطوطة : " ومع ما هو أكثر منه " ، والصواب من معاني القرآن : " أو مع .

.

" .

(36) كان في المطبوعة والمخطوطة : " إلا الألفين اللذين قبلهما " ، وليس فيهما بقية ما أثبت ، وهو كلام مبهم ، نقلت سائره ، وزدته بين القوسين من معاني القرآن للفراء ، فهذا نص كلامه .

(37) في المطبوعة : " لا خلف لوعده " ، وفي المخطوطة ؛ " لا مخلف لوعده " ، والصواب من معاني القرآن .

(38) في المخطوطة : " كما قال الشاعر النابغة " ، وهي زيادة لا تجدي .

(39) ديوانه : 44 ، واللسان ( حبحب ) ، ( سلق ) ، ( صفح ) ، من قصيدته المشهورة ، يقول فيه قبله ، في صفة سيوف الغسانيين ، وذلك في مدحه عمرو بن الحراث الأعرج : وَلاَ عَيْــبَ فِيهِـمْ غَـيْرَ أَنَّ سُـيُوفَهُمْ بِهِــنَّ فُلُـولٌ مِـنْ قِـرَاعِ الْكَتَـائِبِ تُــوُرِّثْن مِـنْ أَزْمَـانِ يَـوْمِ حَلِيمـةٍ إلـى اليَـوْمِ قَـدْ جُـرِّبنَ كُلَّ التَّجَارِبِ تَقُـــدُّ السُّـــلُوقيّ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وهذه رواية الديوان .

و " السلوقي " ، الدروع ، منسوبة إلى " سلوق " ، وهي مدينة .

و " الصفاح " حجارة عراض .

و " نار الحباحب " ، الشرر الذي يسقط من الزناد .

ورواية الديوان : " وتوقد بالصفاح " ، وهما سواء .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع ; من جذه يجذه أي قطعه ; قال النابغة :تجذ السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ْ} أي: حصلت لهم السعادة، والفلاح، والفوز { فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ْ} ثم أكد ذلك بقوله: { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ْ} أي: ما أعطاهم الله من النعيم المقيم، واللذة العالية، فإنه دائم مستمر، غير منقطع بوقت من الأوقات، نسأل الله الكريم من فضله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأما الذين سعدوا ) قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ( سعدوا ) بضم السين [ وكسر العين ] ، أي : رزقوا السعادة ، وسعد وأسعد بمعنى واحد .

وقرأ الآخرون بفتح السين قياسا على " شقوا " .

( ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) قال الضحاك : إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة .

قال قتادة : الله أعلم بثنياه .

( عطاء غير مجذوذ ) أي غير مقطوع .

قال ابن زيد : أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة ، فقال : ( عطاء غير مجذوذ ) ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد ، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله .

ومعناه عند أهل السنة إن ثبت : أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان .

وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأما الذين سَُعدوا» بفتح السين وضمها «ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا» غير «ما شاء ربك» كما تقدم، ودل عليه فيهم قوله «عطاءً غير مجذوذ» مقطوع وما تقدم من التأويل هو الذي ظهر وهو خال من التكلف والله أعلم بمراده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأما الذين رزقهم الله السعادة فيدخلون الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، إلا الفريق الذي شاء الله تأخيره، وهم عصاة الموحدين، فإنهم يبقون في النار فترة من الزمن، ثم يخرجون منها إلى الجنة بمشيئة الله ورحمته، ويعطي ربك هؤلاء السعداء في الجنة عطاء غير مقطوع عنهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه من أذى ، وما فيه تثبيت لقلوب المؤمنين ، وما فيه إرشاد لهم إلى ما يقربهم من الخير ، ويبعدهم عن الشر فقال - تعالى :( وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي .

.

.

) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلى الله عليه وسلم - أحوال الكفار من قومه فقال : ( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ .

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ﴿ يَأْتِ ﴾ بحذف الياء والباقون بإثبات الياء.

قال صاحب الكشاف: وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل وسيبويه.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: فاعل يأتي هو الله تعالى كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله  ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ  ﴾ ويعضده قراءة من قرأ ﴿ وَمَا يؤخره ﴾ بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل، لأن قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ حكاه الله تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود، وذلك ليس فيه حجة وكذا قوله: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ﴾ أما هاهنا فهو صريح كلام الله تعالى وإسناد فعل الإتيان إليه مشكل.

فإن قالوا: فما قولك في قوله تعالى: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ ﴾ .

قلنا: هناك تأويلات، وأيضاً فهو صريح، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال: المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم، فحذف الله تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: العامل في انتصاب الظرف هو قوله: ﴿ لاَ تَكَلَّمُ ﴾ أو إضمار اذكر.

أما قوله: ﴿ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ففيه حذف، والتقدير: لا تكلم نفس فيه إلا بإذن الله تعالى.

فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا  ﴾ ومنها أنهم يكذبون ويحلفون بالله عليه وهو قولهم: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤلون  ﴾ ومنها قوله: ﴿ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يؤذن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ .

والجواب من وجهين: الأول: أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة.

الثاني: أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم.

أما قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الضمير في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ لأهل الموقف ولم يذكر لأنه معلوم ولأن قوله: ﴿ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله: ﴿ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ يدل ظاهره على أن أهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين.

فإن قيل: أليس في الناس مجانين وأطفال وهم خارجون عن هذين القسمين؟

قلنا: المراد من يحشر ممن أطلق للحساب وهم لا يخرجون عن هذين القسمين.

فإن قيل: قد احتج القاضي بهذه الآية على فساد ما يقال إن أهل الأعراف لا في الجنة ولا في النار فما قولكم فيه؟

قلنا: لما سلم أن الأطفال والمجانين خارجون عن هذين القسمين لأنهم لا يحاسبون فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن أصحاب الأعراف خارجون عنه لأنهم أيضاً لا يحاسبون، لأن الله تعالى علم من حالهم أن ثوابهم يساوي عذابهم، فلا فائدة في حسابهم.

فإن قيل: القاضي استدل بهذه الآية أيضاً على أن كل من حضر عرصة القيامة فإنه لابد وأن يكون ثوابه زائداً أو يكون عقابه زائداً، فأما من كان ثوابه مساوياً لعقابه فإنه وإن كان جائزاً في العقل، إلا أن هذا النص دل على أنه غير موجود.

قلنا: الكلام فيه ما سبق من أن السعيد هو الذي يكون من أهل الثواب، والشقي هو الذي يكون من أهل العقاب، وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث، والدليل على ذلك: أن أكثر الآيات مشتملة على ذكر المؤمن والكافر فقط، وليس فيه ذكر ثالث لا يكون لا مؤمناً ولا كافراً مع أن القاضي أثبته، فإذا لم يلزم من عدم ذكر ذلك الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من ذكر هذا الثالث عدمه.

المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيدٌ، وعلى بعضهم بأنه شقيٌ، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذباً وعلمه جاهلاً وذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً وأن الشقي لا ينقلب سعيداً، وتقرير هذا الدليل مر في هذا الكتاب مراراً لا تحصى.

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ قلت يا رسول الله فعلى ماذا نعمل على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟

فقال: على شيء قد فرغ منه يا عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار، ولكن كل ميسر لما خلق له وقالت المعتزلة: نقل عن الحسن أنه قال: فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله.

قلنا: الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات وأيضاً فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما كان ذلك العمل حاصلاً بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقياً.

واعلم أنه تعالى لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل واحد منهما فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الفرق بين الزفير والشهيق وجوهاً: الوجه الأول: قال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ولم يخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس، وقال الفراء: يقال للفرس إنه عظيم الزفرة أي عظيم البطن وأقول إن الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب فإذا انحصر الروح قويت الحرارة وعظمت وعند ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء كثيراً بارداً حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة، فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل البدن وحينئذ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، ولما كانت الحرارة الغريزية والروح الحيواني محصوراً داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء الخارجة فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصراً في الصدر ويقرب من أن يختنق الإنسان منه وحينئذ تجتهد الطبيعة في إخراج ذلك الهواء فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه، والشهيق هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه وكل واحدة من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.

الوجه الثاني: في الفرق بين الزفير والشهيق.

قال بعضهم: الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق.

وأما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار.

الوجه الثالث: قال الحسن: قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع.

فنقول: الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من جهنم، وذلك قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ فارتفاعهم في النار هو الزفير وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.

الوجه الرابع: قال أبو مسلم: الزفير: ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق: هوا الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما تبعهما الغشية، وربما حصل عقيبه الموت.

الوجه الخامس: قال أبو العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر.

الوجه السادس: قال قوم: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.

الوجه السابع: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ يريد ندامة ونفساً عالية وبكاء لا ينقطع وحزناً لا يندفع.

الوجه الثامن: الزفير مشعر بالقوة، والشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب اللغة.

إذا عرفت هذا فنقول: لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم إلى عالم الدنيا وإلى اللذات الجسدانية، والمراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد بعالم الروحانيات والاستكمال بالأنوار الإلهية والمعارج القدسية.

ثم قال تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلا ما شاء رَبَّكَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية، واحتجوا بالقرآن والمعقول.

أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة.

الثاني: أن قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضاً قوله تعالى في سورة عم يتساءلون: ﴿ لابثين فِيهَا أَحْقَاباً  ﴾ بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقاباً معدودة.

وأما العقل فوجهان: الأول: أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز.

الثاني: أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحاً بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لكونه متعالياً عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز، وأما الجمهور الأعظم من الأمة، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية.

أما قوله: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ فذكروا عنه جوابين: الأول: قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها.

قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضاً قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء  ﴾ وأيضاً لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسموات.

ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوماً مقرراً فيشبه به غيره تأكيداً لثبوت الحكم في المشبه ووجود السموات والأرض في الآخرة غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلوماً إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم، فإذا كان أصل وجودهما مجهولاً لأكثر الخلق ودوامهما أيضاً مجهولاً للأكثر، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلاماً عديم الفائدة، أقصى ما في الباب أن يقال: لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به، وحينئذ يحسن التشبيه، إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل، فكذا هاهنا.

والوجه الثاني: في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السموات والأرض، ونظيره أيضاً قولهم ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع.

ولقائل أن يقول: هل تسلمون أن قول القائل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى، فإن كان الأول، فالإشكال لازم، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السموات، ثم ثبت أنه لابد من فناء السموات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات والأرض، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب ألبتة، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع.

واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر، وهو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرض دائمتين، كان كونهم في النار باقياً فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط: ألا ترى أنا نقول: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان.

فإن قلنا: لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلاً، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم.

فإن قالوا: فإذا كان العقاب حاصلاً سواء بقيت السموات أو لم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة؟

قلنا بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهراً دهراً، وزماناً لا يحيط العقل بطوله وامتداده، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئاً من المعقولات.

وأما الشبهة الثانية: وهي التمسك بقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ فقد ذكروا فيه أنواعاً من الأجوبة.

الوجه الأول: في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء.

قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله ألبتة، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه، فكذا هاهنا وطولوا في تقرير هذا الجواب، وفي ضرب الأمثلة فيه، وحاصله ما ذكرناه.

ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأنه إذا قال: لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، معناه: لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهذا لا يدل ألبتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك، فهاهنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزماً، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام.

الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن كلمة ﴿ إِلا ﴾ هاهنا وردت بمعنى: سوى.

والمعنى أنه تعالى لما قال: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولاً في خلودهم ماليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ المعنى: إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها.

الوجه الثالث: في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون في النار، وقال أبو بكر الأصم المراد إلا ما شاء ربك وهو حال كونهم في القبر، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم في الدنيا وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة، والمعنى: خالدين فيها بمقدار مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون إلى النار.

الوجه الرابع: في الجواب قالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ وتقريره أن نقول: قوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالدين فِيهَا ﴾ يفيد حصول الزفير والشهيق مع الخلود فإذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع أجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء فرد واحد من أجزائه فإذا انتهوا آخر الأمر إلى أن يصيروا ساكنين هامدين خامدين فحينئذ لم يبق لهم زفير وشهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة إلى الحكم بانقطاع كونهم في النار.

الوجه الخامس: في الجواب أن يحمل هذا الاستثناء على أن أهل العذاب لا يكونون أبداً في النار، بل قد ينقلون إلى البرد والزمهرير وسائر أنواع العذاب وذلك يكفي في صحة هذا الاستثناء.

الوجه السادس: في الجواب قال قوم: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: ﴿ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار ﴾ يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع.

ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة، وهذا كلام قوي في هذا الباب.

فإن قيل: فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها، فما الدليل على فسادها، وأيضاً فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء، فإنه تعالى قال: ﴿ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إلا مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ .

قلنا: إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار.

قلنا: أما حمل كلمة إلا على سوى فهو عدول عن الظاهر، وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضاً، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار، وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء.

وأما قوله الاستثناء عائد إلى الزفير والشهيق فهذا أيضاً ترك للظاهر، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه، وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار إلى الزمهرير.

فنقول: لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض.

والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مراراً فبطل هذا الوجه، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحداً يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات.

أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ ﴾ وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد وليس لأحد عليَّ حكم ألبتة.

ثم قال: ﴿ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ سُعِدُواْ ﴾ بضم السين والباقون بفتحها وإنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال.

المسألة الثانية: الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم وهاهنا وجه آخر وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى.

قال الله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أكبر  ﴾ وقوله: ﴿ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: جذه يجذه جذاً إذا قطعه وجذ الله دابرهم، فقوله: ﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ  ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ولم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع، فهذا تمام الكلام في هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ غير مقطوع، ولكنه ممتدّ إلى غير نهاية، كقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [فصلت: 8] لما قصّ قصص عبدة الأوثان، وذكر ما أحلّ بهم من نقمه، وما أعدّ لهم من عذابه قال: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء ﴾ أي: فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذ القصص في سوء عاقبة عبادتهم وتعرّضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدة بالانتقام منهم ووعيداً لهم ثم قال: ﴿ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابآؤهُم ﴾ يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالين، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلنّ بهم مثله، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية.

و (ما) في مما، وكما: يجوز أن تكون مصدرية وموصولة، أي: من عبادتهم، وكعبادتهم.

أو مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أي حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم.

فإن قلت: كيف نصب ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ حالاً عن النصيب الموفى؟

قلت: يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل.

ألا تراك تقول.

وفيته شطر حقه، وثلث حقه، وحقه كاملاً وناقصاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ الثَّوابَ لا يَنْقَطِعُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في الثَّوابِ لَيْسَ الِانْقِطاعُ، ولِأجْلِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّوابِ والعِقابِ بِالتَّأْبِيدِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ سُعِدُوا ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن سَعَدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ، و ﴿ عَطاءً ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ أُعْطُوا عَطاءً أوِ الحالُ مِنَ الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ} سُعدوا حمزة وعلي وحفص سَعد لازم وسعَده يسعَده متعد {فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} هو استثناء من الخلود في نعيم الجنة وذلك أن لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وهو رؤية الله تعالى ورضوانه أو معناهاإلا من شاء أن يعذبه بقدر ذنبه قبل أن يدخله الجنة وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال الاستثناء في الآيتين لأهل الجنة ومعناه ما ذكرنا أنه لا يكون

للمسلم العاصي الذي دخل النار خلود في النار حيث يخرج منها ولا يكون له أيضاً خلود في الجنة لأنه لم يدخل الجنة ابتداء والمعتزلة لما لم يروا خروج العصاة من النار ردوا الأحاديث المروية في هذا الباب وكفى به اثما مبينا {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير نهاية كقوله لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ممنون وهو نصب فى المصدر أي أعطوا عطاء قيل كفرت الجهمية بأربع آيات عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ أُكُلُهَا دَائِمٌ وما عند الله باق لا مقطوعة ولا ممنوعة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ الكَلامُ فِيهِ ما عَلِمْتَ خَلا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَهُنا أنَّ لَهم بَهْجَةً وسُرُورًا كَما ذَكَرَ في أهْلِ النّارِ ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ)؛ ﴾ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، و ﴿ سُعِدُوا ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِرَءاةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، ونُسِبَتْ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ (سَعِدُوا) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، واخْتارَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، وكانَ يَقُولُ: عَجَبًا مِنَ الكِسائِيِّ كَيْفَ قَرَأ (سُعِدُوا) مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، وهَذا عَجِيبٌ مِنهُ فَإنَّهُ ما قَرَأ إلّا ما صَحَّ عِنْدَهُ ولَمْ يَقْرَأْ بِالرَّأْيِ ولَمْ يَتَفَرَّدْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ مَسْعُودًا فِيهِ، وذَكَرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنَّ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى أسْعَدَهُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ، وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مُسْعَدٌ، وما ألْطَفَ الإشارَةَ في -شَقُوا وسَعِدُوا- عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ في الأوَّلِ، والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في الثّانِي، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى، ومَن لَمْ يَجِدْ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْهم ولا مُخْتَرَمٍ، ومَصْدَرُهُ الجَذُّ، وقَدْ جاءَتْ جَذَذْتُ وجَدَدْتُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ والدّالِ كَما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وبِالمُعْجَمَةِ أكْثَرُ، ونُصِبَ (عَطاءً) عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ﴾ يَقْتَضِي إعْطاءً وإنْعامًا فَكَأنَّهم قِيلَ: يُعْطِيهِمْ إعْطاءً وهو إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ هو الإعْطاءُ، أوْ مَصْدَرٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ وقِيلَ: هو نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ المُقَدَّرِ لِلْمَشِيئَةِ، أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنَّ نِسْبَةَ مَشِيئَةِ الخُرُوجِ إلى اللَّهِ تَعالى تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ عَطاءٍ مَجْذُوذٍ، وعَلى جِهَةِ عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ فَهو رافِعٌ لِلْإبْهامِ عَنِ النِّسْبَةِ، ولَعَلَّ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْلى وكَأنَّهُ جِيءَ بِذَلِكَ اعْتِناءً ومُبالَغَةً في التَّأْبِيدِ ودَفْعًا لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ الِاسْتِثْناءِ مِن الِانْقِطاعِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ -وهُوَ إمّا نَفْسُ الدُّخُولِ أوْ ما هو كاللّازِمِ البَيِّنِ لَهُ- لا يَنْقَطِعُ فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْقِطاعِ كَما في العِقابِ بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرادُفِ نِعَمٍ ورُضْوانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِبَيانِ النَّقْصِ مِن جانِبِ المَبْدَأِ، ولِهَذا فَرَّقَ في النَّظْمِ بَيْنَ التَّأْبِيدِ مِن حَيْثُ تَمَّمَ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُنَعِّمُ بَعْضَ مَن يُعَذِّبُهُ ويُبْقِي غَيْرَهُ كَما يَشاءُ ويَخْتارُ؛ والثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى ( عَطاءً ) إلَخْ ..

بَيانًا لِأنَّ إحْسانَهُ لا يَنْقَطِعُ، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِصَدْرِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْقى في النّارِ أحَدٌ ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ في الجَنَّةِ، وتَقْوى مَطْلَبِهِ ذاكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُمَرُ: لَوْ لَبِثَ أهْلُ النّارِ في النّارِ كَقَدْرِ رَمْلِ عالِجَ لَكانَ لَهم يَوْمٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ، وبِما أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَيَأْتِي عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ لا يَبْقى فِيها أحَدٌ، وقَرَأ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى لِأهْلِ النّارِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ( ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتْ السَّماوات والأرْض إلّا ما شاءَ رَبُّك ﴾ ) قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْها زَمانٌ تُصَفِّقُ فِيهِ أبْوابُها، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: جَهَنَّمُ أسْرَعُ الدّارَيْنِ عُمْرانًا وأسْرَعُهُما خَرابًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ.

وقَدْ نَصَّ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَلى وضْعِ بَعْضِها كَخَبَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ يَأْتِي عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ ما فِيها مِنِ ابْنِ آدَمَ أحَدٌ تُصَفِّقُ أبْوابُها كَأنَّها أبْوابُ المُوَحِّدِينَ، وأوَّلَ البَعْضُ بَعْضَها، ومَرَّ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ خُلُودَ الكُفّارِ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ولا عِبْرَةَ بِالمُخالِفِ، والقَواطِعُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولا يُقاوِمُ واحِدًا مِنها كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الأخْبارِ، ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما يَقُولُهُ المُخالِفُ لِما عَلِمْتَهُ مِنَ الوُجُوهِ فِيها، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ فِيها كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ في مِثْلِ ذَلِكَ، هَذا وقَدْ ذُكِرَ أنَّ في الآيَةِ صِيغَةَ الجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ والتَّقْسِيمِ، أمّا الجَمْعُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ فَإنَّ النَّفْسَ كَما تَقَرَّرَ عامَّةٌ لِكَوْنِها نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأمّا التَّفْرِيقُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ ) وأمّا التَّقْسِيمُ فَفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ إلَخْ ونَظِيرُها في ذَلِكَ قَوْلُ الشَّرِيفِ القَيْرَوانِيِّ: لِمُخْتَلِفِي الحاجاتِ جَمْعٌ بِبابِهِ فَهَذا لَهُ فَنٌّ وهَذا لَهُ فَنٌّ فَلِلْخامِلِ العُلْيا ولِلْمُعْدَمِ الغِنى ولِلْمُذْنِبِ العُتْبى ولِلْخائِفِ الأمْنُ ومِن هُنا يُعْلَمُ حالُ الفاءَيْنِ فاءِ ( فَمِنهم ) وفاءِ ( فَأمّا ) إلَخْ..

قِيلَ: وفي العُدُولِ عَنْ فَأمّا الشَّقِيُّ فَفي النّارِ خالِدًا فِيها إلَخْ..

وأمّا السَّعِيدُ -أوِ المَسْعُودُ- فَفي الجَنَّةِ خالِدًا فِيها إلَخْ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ هَذِهِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ، وأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي يَدِهِ كِتابانِ فَقالَ: ”أتَدْرُونَ ما هَذانِ الكِتابانِ؟

قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ أما تُخْبِرُنا؟

فَقالَ لِلَّذِي في يَدِهِ اليُمْنى: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ الجَنَّةِ وآبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَهم عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ لِلَّذِي في شَمالِهِ: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ النّارِ وآبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَهم عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، فَقالَ أصْحابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؟

فَقالَ: سَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، وإنَّ صاحِبَ النّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِيَدِهِ فَنَبَذَهُما وقالَ: فَرَغَ رَبُّكم مِنَ العِبادِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ“».

وجاءَ في حَدِيثٍ: «الشَّقِيِّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ» وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِالنُّطْفَةِ وإلّا فالأمْرُ قَبْلَ ذَلِكَ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الأُمَّ بِالثُّبُوتِ العِلْمِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ المَعْلُومُ مِنهُ إلى هَذا الوُجُودِ الخارِجِيِّ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى، ولا يَأْبى هَذِهِ الإشارَةَ عِنْدَ التَّأمُّلِ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلامَ نَعْمَلُ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أوْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ؟

قالَ: بَلْ عَلى شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ يا عُمَرُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“،» وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ هُنا التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ وأتى بِالمَوْصُولِ جَمْعًا إيذانًا بِأنَّ المُرادَ -بِشَقِيٍّ وسَعِيدٍ- فَرِيقٌ شَقِيٌّ وفَرِيقٌ سَعِيدٌ، ولَمْ يَقُلْ أشْقِياءَ وسُعَداءَ لِأنَّ الإفْرادَ أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وقِيلَ: الإفْرادُ أوَّلًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِالشَّقاوَةِ أوِ السَّعادَةِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وجَمْعٌ ثانِيًا لِما أنَّ دُخُولَ كُلِّ فَرِيقٍ في الجَنَّةِ والنّارِ لَيْسَ جُمْلَةً واحِدَةً بَلْ جَمْعًا جَمْعًا وزُمْرَةً زُمْرَةً ولَهُ شَواهِدُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: سُعِدُوا بضم السين، وقرأ الباقون بنصب السين.

فمن قرأ بالنصب، فمعناه: الذين استوجبوا السعادة في الجنة، ومن قرأ بالضم، فمعناه: وأما الذين سُعِدُوا، أي قدر عليهم السعادة، وخلقوا للسعادة فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ أن يحبس في المحشر، وعلى الصراط.

ويقال: الذين شقوا يعني الكفار، والذين سعدوا المؤمنين، ومعناه: الكفار في النار إلا ما شاء الله إن يسلموا، والمؤمنون في الجنة إلا ما شاء الله أن يرجعوا عن الإسلام.

ويقال: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يعني: قد شاء ربك.

ثم قال: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ يعني: رزقاً غير منقطع عنهم، ولا ينقص من ثمارهم، ولا من نعمتهم.

ثم قال تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ يعني: في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ إن الله تعالى يعاقبهم بذلك، مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: لا يرغبون في التوحيد، كما لم يرغب آباؤهم من قبل الذين هلكوا، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ يعني: نوف لهم ولآبائهم حظهم، من العذاب غير منقوص عنهم، وهو قول مقاتل.

وقال سعيد بن جبير: معنى نصيبهم من الكتاب، الذي كتب في اللوح المحفوظ، من السعادة والشقاوة.

وقال مجاهد: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ يعني: ما قدر لهم من خير أو شر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ص: والظاهر أنَّ ضمير فاعل: «يأت» : يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ «نُؤَخِّره» ، والناصبُ ل «يَوْم» «لا تَكَلَّمُ» ، والمعنى: لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه.

انتهى.

وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ: عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله: نَفْسٌ، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ: الزَّفير: أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ: آخره «١» ، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية: «الزفير» : من الصدر، و «الشهيق» : من الحَلْق «٢» ، والظاهر ما قال أبو العالية.

وقوله سبحانه: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: يُرْوَى عن ابن عباس:

أَنَّ اللَّه خلق السموات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إلى هنالك/ في الآخرة «٣» ، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل: معنى: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول: لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السموات والأرْضُ، وقيل غير هذا.

قال ص: وقيل: المراد سموات الآخرةِ، وأَرْضها يدلُّ عليه قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم: ٤٨] انتهى.

وأما قوله: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ:

في الاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ:

أحدها: أنه متَّصل، أي: إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين وعلَى هذا يكونُ قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا عاماً في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ، ويكون الاستثناء من خالِدِينَ،

وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ «١» .

الثَّاني: أنَّ هذا الاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق الاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام فهو على نحو قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [الفتح: ٢٧] .

الثالث: أَنَّ «إِلا» في هذه الآية بمعنى «سوى» ، والاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر الاستثناء المنقطع ب «سِوَى» وسيبَوَيْهِ يقدِّره ب «لكن» ، أيْ: سوَى ما شاء اللَّه زائداً على ذلك ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، وقيل: سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل: الاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل: الاستثناء في الآية الأولى:

من طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا.

قال ع «٢» : وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين «٣» ، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزاً.

ت: وهذا هو الصوابُ- إِن شاء اللَّه- وهو تأويل صاحب «العاقبة» أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في «الأنعام» : خالِدِينَ فِيها إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٢٨] .

قال ع «٤» : والأقوال المترتِّبة في الاستثناء الأوَّلِ مرتبةٌ في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال: هو استثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم فإِنه لا يترتَّب هنا، وال مَجْذُوذٍ: المقْطُوع، والإِشارة بقوله: مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ إِلى كفَّار العرب، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ معناه: من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس:

وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ: قال: ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: " يَوْمَ يَأْتِي " بِياءٍ في الوَصْلِ، وحَذَفُوها في الوَقْفِ؛ غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ كانَ يَقِفُ بِالياءِ، ويَصِلُ بِالياءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي يَخْتارُهُ النَّحْوِيُّونَ " يَوْمَ يَأْتِي " بِإثْباتِ الياءِ، والَّذِي في المُصْحَفِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ القِراءاتِ بِكَسْرِ التّاءِ، وهُذَيْلٌ تَسْتَعْمِلُ حَذْفَ هَذِهِ الياءاتِ كَثِيرًا.

وقَدْ حَكى الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: لا أدْرِ، فَتَحْذِفُ الياءَ، وتَجْتَزِئُ بِالكَسْرَةِ ويَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.

وقالَ الفَرّاءُ: كُلُّ ياءٍ ساكِنَةٍ وما قَبْلَها مَكْسُورٌ، أوْ واوٍ ساكِنَةٍ وما قَبْلَها مَضْمُومٌ، فَإنَّ العَرَبَ تَحْذِفُها وتَجْتَزِئُ بِالكَسْرَةِ مِنَ الياءِ، وبِالضَّمَّةِ مِنَ الواوِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما قالَ المُفَسِّرُونَ: وقَوْلُهُ: " يَوْمَ يَأْتِي " يَعْنِي: يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ، لا تُكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَكُلُّ الخَلائِقِ ساكِتُونَ، إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ في الكَلامِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الكَلامِ الشَّفاعَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم شَقِيٌّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهم مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، ومِنهم مَن كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الزَّفِيرَ كَزَفِيرِ الحِمارِ في الصَّدْرِ، وهو أوَّلُ ما يَنْهَقُ، والشَّهِيقُ كَشَهِيقِ الحِمارِ في الحَلْقِ، وهو آخِرُ ما يَفْرَغُ مِن نَهِيقِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّفِيرُ: شَدِيدُ الأنِينِ وقَبِيحُهُ، والشَّهِيقُ: الأنِينُ الشَّدِيدُ المُرْتَفِعُ جِدًّا، وهُما مِن أصْواتِ المَكْرُوبِينَ.

وزَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الزَّفِيرَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ في النَّهِيقِ، والشَّهِيقَ بِمَنزِلَةِ آخِرِ صَوْتِهِ في النَّهِيقِ.

والثّانِي: أنَّ الزَّفِيرَ في الحَلْقِ، والشَّهِيقَ في الصُّدُورِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشَّهِيقُ ضِدُّ الزَّفِيرِ، لِأنَّ الشَّهِيقَ رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيَر إخْراجُ النَّفَسِ.

وقالَ غَيْرُهُ: الزَّفِيرُ: الشَّدِيدُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ، وهو الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ؛ والشَّهِيقُ: النَّفَسُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ، أيْ: طَوِيلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الزَّفِيرَ زَفِيرُ الحِمارِ، والشَّهِيقَ شَهِيقُ البِغالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ المَعْرُوفُ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها السَّمَواتُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَنا، والأرْضُ المَعْرُوفَةُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: لِلْعَرَبِ في مَعْنى الأبَدِ ألْفاظٌ؛ تَقُولُ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، وما اخْتَلَفَتِ الجِرَّةُ والدِّرَّةُ، وما أطَّتِ الإبِلُ، في أشْباهٍ لِهَذا كَثِيرَةٍ، ظَنًّا مِنهم أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَتَغَيَّرُ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ بِما يَسْتَعْمِلُونَ في كَلامِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها سَماواتُ الجَنَّةِ والنّارِ وأرْضُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ في الِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ في حَقِّ أهْلِ النّارِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِثْناءَ في حَقِّ المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِالشَّفاعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ لا يَفْعَلُهُ، تَقُولُ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْر ذَلِكَ، وعَزِيمَتُكَ عَلى ضَرْبِهِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ قالَ: فَقَدْ شاءَ أنْ يُخَلَّدُوا فِيها.

قالَ الزَّجّاجُ: وفائِدَةُ هَذا، أنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يَرْحَمَهم لَرَحِمَهم، ولَكِنَّهُ أعْلَمَنا أنَّهم خالِدُونَ أبَدًا.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: خالِدِينَ فِيها أبَدًا، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ النّارَ فَتَأْكُلُهم وتُفْنِيهِمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهم، فَيَرْجِعُ الِاسْتِثْناءُ إلى تِلْكَ الحالِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والرّابِعُ: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " سِوى " تَقُولُ: لَوْ كانَ مَعَنا رَجُلٌ إلّا زِيدٌ أيْ: سِوى زَيْدٍ؛ فالمَعْنى: خالِدِينَ فِيها مِقْدارَ دَوامِ السَّمَواتِ والأرْضِ سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الخُلُودِ والزِّيادَةِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: لَأُسْكِنَنَّكَ في هَذِهِ الدّارِ حَوْلًا إلّا ما شِئْتُ؛ تُرِيدُ: سِوى ما شِئْتُ أنْ أزِيدَكَ.

والخامِسُ: أنَّهم إذا حُشِرُوا وبُعِثُوا، فَهم في شُرُوطِ القِيامَةِ؛ فالِاسْتِثْناءُ واقِعٌ في الخُلُودِ بِمِقْدارِ مَوْقِفِهِمْ في الحِسابِ، فالمَعْنى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ إلّا مِقْدارَ مَوْقِفِهِمْ لِلْمُحاسَبَةِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الِاسْتِثْناءُ يَعُودُ إلى مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ والوُقُوفِ لِلْحِسابِ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فالمَعْنى: خالِدِينَ في النّارِ وخالِدِينَ في الجَنَّةِ دَوامَ السَّماءِ والأرْضِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَعْمِيرِهِمْ في الدُّنْيا قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ جَعَلَ دَوامَ السَّماءِ والأرْضِ بِمَعْنى الأبَدِ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ، وإنْ كانَتا قَدْ تَتَغَيَّرانِ.

واسْتَثْنى المَشِيئَةَ مِن دَوامِهِما، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ والنّارِ قَدْ كانُوا في وقْتٍ مِن أوْقاتِ دَوامِ السَّماءِ والأرْضِ في الدُّنْيا، لا في الجَنَّةِ، ولا في النّارِ.

والسّادِسُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَلى أنَّ لَهم فِيها زَفِيرًا وشَهِيقًا، إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن أنْواعِ العَذابِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ؛ وكَذَلِكَ لِأهْلِ الجَنَّةِ نَعِيمٌ مِمّا ذُكِرَ، ولَهم مِمّا لَمْ يُذْكَرْ ما شاءَ رَبُّكَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا.

والسّابِعُ: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " كَما " ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَأمّا الِاسْتِثْناءُ في حَقِّ أهْلِ الجَنَّةِ، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ لا يَفْعَلُهُ.

والثّانِي: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " سِوى " .

والثّالِثُ: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ ولُبْثِهِمْ في القُبُورِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ بِمَعْنى: إلّا ما شاءَ أنْ يَزِيدَهم مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ.

والخامِسُ: أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " كَما "، وهَذِهِ الأقْوالُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُها.

والسّادِسُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى لُبْثِ مَن لَبِثَ في النّارِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، ثُمَّ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ مُكْثَ أهْلِ الذُّنُوبِ مِنَ المُسْلِمِينَ في النّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن إخْراجِ المُذْنِبِينَ إلى الجَنَّةِ، وخالِدِينَ في الجَنَّةِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن إدْخالِ المُذْنِبِينَ النّارَ مُدَّةً.

واخْتَلَفَ القُرّاء في " سُعِدُوا " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " سَعِدُوا " بِفَتْحِ السِّينِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ نُصِبَ عَطاءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قالَ: أعْطاهم النَّعِيمَ عَطاءً.

والمَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ جَذَذْتُ، وجَدَدْتُ، وجَذَفْتُ، وجَدَفْتُ: إذا قَطَعْتَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبُّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ شَقُوا ﴾ -عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ -يُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يُعَذَّبُ مِن كافِرٍ وعاصٍ، وعَلى بَعْضِها- كُلُّ مَن يُخَلَّدُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الكَفَرَةِ خاصَّةً.

والزَفِيرُ: صَوْتٌ شَدِيدٌ خاصٌّ بِالمَحْزُونِ أوِ الوَجَعِ أوِ المُعَذَّبِ ونَحْوِهِ، والشَهِيقُ كَذَلِكَ، كَما يَفْعَلُ الباكِي الَّذِي يَصِيحُ خِلالَ بُكائِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الزَفِيرُ: صَوْتٌ حادٌّ.

و الشَهِيقُ: صَوْتٌ ثَقِيلٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الزَفِيرُ مِنَ الصَدْرِ، و الشَهِيقُ مِنَ الحَلْقِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَفِيرُ: أوَّلُ صَوْتِ الحِمارِ، و الشَهِيقُ: آخِرُهُ، فَصِياحُ أهْلِ النارِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الزَفِيرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الزَفْرِ وهو الشِدَّةُ، و الشَهِيقُ: مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ عالٍ، فَهُما -عَلى هَذا المَعْنى- واحِدٌ أو مُتَقارِبٌ، والظاهِرُ ما قالَ أبُو العالِيَةِ، فَإنَّ الزَفْرَةَ هي الَّتِي يُعَظَّمُ مَعَها الصَدْرُ والجَوْفُ، والشَهْقَةُ هي الوَقْعَةُ الأخِيرَةُ مِنَ الصَوْتِ المُنْدَفِعِ مَعَها النَفَسُ أحْيانًا، فَقَدْ يَشْهَقُ المُحْتَضِرُ ويَشْهَقُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ.

وأُمًّا قَوْلُهُ: ﴿ ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يُبَدِّلُ السَمَواتِ والأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجْعَلُ الأرْضَ مَكانًا لِجَهَنَّمَ والسَماءَ مَكانًا لِلْجَنَّةِ، ويَتَأبَّدُ ذَلِكَ، فَقَرَنَتِ الآيَةُ خُلُودَ هَؤُلاءِ بِبَقاءِ هَذِهِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِن نُورِ العَرْشِ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى هُنالِكَ في الآخِرَةِ، فَلَهُما ثُمَّ بَقاءٌ دائِمٌ".

وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ ﴾ العِبارَةُ عن التَأْبِيدِ: بِما تَعْهَدُهُ العَرَبُ، وذَلِكَ أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِها إذا أرادَتْ أنْ تُخْبِرَ عن تَأْبِيدِ شَيْءٍ أنْ تَقُولَ: "لا أفْعَلُ كَذا وكَذا مَدى الدَهْرِ، وما ناحَ الحَمامُ، وما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ"، ونَحْوَ هَذا مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِن غَيْرِ نِهايَةٍ، فَأفْهَمَهُمُ اللهُ تَعالى تَخْلِيدَ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ أخْبَرَ بِزَوالِ السَماواتِ والأرْضِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ  ﴾ اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا بِمُنْقَطِعِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها وتُغْلَقُ أبْوابُها، فَهم -عَلى هَذا- يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ، والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ إنَّما هو الدَرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى جَهَنَّمَ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا.

وقِيلَ: إنَّما اسْتُثْنى ما يَلْطُفُ اللهُ تَعالى بِهِ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في إخْراجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النارِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ ما، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَحّاكِ، وأبِي سِنانَ، وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ عامًّا في الكَفَرَةِ والعُصاةِ كَما قَدَّمْنا، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن ﴿ خالِدِينَ ﴾ ، وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: "وَما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا البَيْتُ يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ بِهِ عَلى مُعْتَقَدِنا في فَناءِ الفَرْقَدَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ العالَمِ، وأمّا إنْ كانَ قائِلُهُ مِن دَهْرِيَّةِ العَرَبِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ يَرى ذَلِكَ مُؤَبَّدًا فَأجْرى "إلّا" عَلى بابِها.

وقِيلَ: "إلّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، كَما تَقُولُ: "لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ، إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ "، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ سِوى ما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءَ، فَإنَّهُ يُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ بِ "سِوى"، وسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُهُ بِـ "لَكِنْ"، وقِيلَ: "سِوى ما أعَدَّهُ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ"، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَماواتِ والأرْضِ، المُدَّةِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُنْيا، وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النارِ، إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَفِي النارِ ﴾ ، كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرٍ عن ذَلِكَ"، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عن جابِرٍ أو عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ- "سَعِدُوا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ-: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِينِ، وهي شاذَّةٌ ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِمْ: "مَسْعُودٌ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أسْعَدَ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ، كَما يُقالُ: مَحْبُوبٌ، مِن أحَبَّ، ومَجْنُونٌ مِن أجَنَّهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ في مَسْعُودٍ: إنَّما أصْلُهُ الوَصْفُ لِلْمَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ ثُمَّ نُقِلَ إلى التَسْمِيَةِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعَدَهُ اللهُ، بِمَعْنى: أسْعَدَهُ، وبِضَمِّ السِينِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ.

والأقْوالُ المُتَرَتِّبَةُ في اسْتِثْناءِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ تَتَرَتَّبُ هاهُنا إلّا تَأْوِيلَ مَن قالَ: "هُوَ اسْتِثْناءُ المُدَّةِ الَّتِي تُخَرَّبُ فِيها جَهَنَّمُ"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَزِيدُ هُنا قَوْلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في المُدَّةِ الَّتِي يُقِيمُها العُصاةُ في النارِ، ولا يَتَرَتَّبُ أيْضًا تَأْوِيلُ مَن قالَ في تِلْكَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفِي النارِ ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و المَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ، والجَذُّ: القَطْعُ، وكَذَلِكَ الجَدُّ، وكَذَلِكَ (الحَزُّ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ يوم يَأتي لا تكلّم نَفْسٌ ﴾ تفصيل لمدلول جملة ﴿ ذلك يوم مجموع له النّاس ﴾ [هود: 103] الآية، وبينت عظمة ذلك اليوم في الشرّ والخير تبعاً لذلك التفصيل.

فالقصد الأوّل من هذه الجملة هو قوله: ﴿ فمنهم شقيّ وسعيد ﴾ وما بعده، وأمّا ما قبله فتمهيد له أفصح عن عظمة ذلك اليوم.

وقد جاء نظم الكلام على تقديم وتأخير اقتضاه وضع الاستطراد بتعظيم هول اليوم في موضع الكلام المتّصل لأنّه أسعد بتناسب أغراض الكلام، والظروف صالحة لاتّصال الكلام كصلاحيّة الحروف العاطفة وأدوات الشرط.

و ﴿ يوم ﴾ من قوله: ﴿ يوم يأتي ﴾ مستعمل في معنى (حين) أو (ساعة)، وهو استعمال شائع في الكلام العربيّ في لفظ (يوم) و(ليلة) توسّعاً بإطلاقهما على جزء من زمانهما إذ لا يخلو الزّمان من أن يقع في نهار أو في ليل فذلك يوم أو ليلة فإذا أطلقا هذا الإطلاق لم يستفد منهما إلاّ معنى (حين) دون تقدير بمدّة ولا بنهار وَلاَ لَيْللٍ، ألاَ ترى قول النابغة: تخيّرن من أنهار يوم حليمة *** فأضاف (أنهار) جمع نهار إلى اليوم.

وروي: من أزمان يوم حليمة.

وقول توبة بن الحُميّر كأن القلب ليلة قيل: يُغدَى *** بليلي الأخيلية أو يراح أراد ساعة، قيل: يُغدى بليلى، ولذلك قال: يغدى أو يراح، فلم يراقب ما يناسب لفظ ليلة من الرّواح.

فقوله تعالى: ﴿ يوم يأتي ﴾ معناه حين يأتي.

وضمير (يأتي) عائد إلى ﴿ يوم مشهود ﴾ [هود: 103] وهو يوم القيامة.

والمراد بإتيانه وقوعه وحلوله كقوله: ﴿ هل ينظرون إلاّ الساعة أن تأتيهم ﴾ [الزخرف: 66].

فقوله: ﴿ يوم يأتي ﴾ ظرف مُتَعلّق بقوله: ﴿ لا تكلّم نفس إلاّ بإذنه ﴾ .

وجملة ﴿ لا تكلم نفس ﴾ مستأنفة ابتدائية.

قدّم الظرف على فعلها للغرض المتقدم.

والتّقدير: لا تكلّم نفس حينَ يحلّ اليوم المشهود.

والضّمير في ﴿ بإذنه ﴾ عائد إلى الله تعالى المفهوم من المقام ومن ضمير ﴿ نؤخّره ﴾ [هود: 104].

والمعنى أنّه لا يتكلّم أحد إلاّ بإذن من الله، كقوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صواباً ﴾ [النبأ: 38].

والمقصود من هذا إبطال اعتقاد أهل الجاهلية أنّ الأصنام لها حقّ الشفاعة عند الله.

و ﴿ نفس ﴾ يَعمّ جميع النفوس لوقوعه في سياق النفي، فشمل النفوس البرة والفاجرة، وشمل كلام الشافع وكلام المجادل عن نفسه.

وفُصّل عموم النفوس باختلاف أحوالها.

وهذا التفصيل مفيد تفصيل الناس في قوله: ﴿ مجموع له النّاس ﴾ [هود: 103]، ولكنّه جاء على هذا النسج لأجل ما تخلّل ذلك من شبه الاعتراض بقوله: ﴿ وما نؤخّره إلاّ لأجل معدود ﴾ [هود: 104] إلى قوله: ﴿ بإذنه ﴾ وذلك نسيج بديع.

والشقيّ: فعيل صفة مشبهة من شَقِيَ، إذا تلبّس بالشّقاء والشقاوة، أي سوء الحالة وشرّها وما ينافر طبع المتّصف بها.

والسّعيد: ضدّ الشقيّ، وهو المتلبّس بالسّعادة التي هي الأحوال الحسنة الخيّرة الملائمة للمتّصف بها.

والمعنى: فمنهم يومئذٍ من هو في عذاب وشدّة ومنهم من هو في نعمة ورخاء.

والشّقاوة والسّعادة من المواهي المقولة بالتّشكيك فكلتاهما مراتب كثيرة متفاوتة في قوّة الوصف.

وهذا إجمال تفصيله ﴿ فأمّا الذين شقُوا ﴾ إلى آخره.

والزّفير: إخراج الأنفاس بدفع وشدّة بسبب ضغط التنفّس.

والشّهيق: عكسه وهو اجتلاب الهواء إلى الصّدر بشدّة لقوة الاحتياج إلى التنفس.

وخص بالذّكر من أحوالهم في جهنّم الزّفير والشّهيق تنفيراً من أسباب المصير إلى النّار لما في ذكر هاتين الحالتين من التّشويه بهم وذلك أخوف لهم من الألم.

ومعنى ﴿ ما دامت السّماوات والأرض ﴾ التأييد لأنّه جرى مجرى المثَل، وإلاّ فإنّ السّماوات والأرض المعرُوفة تضمحلّ يومئذٍ، قال تعالى: ﴿ يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ [إبراهيم: 48] أو يراد سماوات الآخرة وأرضها.

و ﴿ إلاّ ما شاء ربك ﴾ استثناء من الأزمان التي عمّها الظرف في قوله: ﴿ ما دامت ﴾ أي إلاّ الأزمان التي شاء الله فيها عدم خلودهم، ويستتبع ذلك استثناء بعض الخالدين تبعاً للأزمان.

وهذا بناء على غالب إطلاق ﴿ ما ﴾ الموصولة أنّها لغير العاقل.

ويجوز أن يكون استثناء من ضمير ﴿ خالدين ﴾ لأنّ ﴿ ما ﴾ تطلق على العاقل كثيراً، كقوله: ﴿ ما طاب لكم من النّساء ﴾ [النساء: 3].

وقد تكرّر هذا الاستثناء في الآية مرّتين.

فأمّا الأوّل منهما فالمقصود أنّ أهل النّار مراتب في طول المدة فمنهم من يعذّب ثمّ يعفى عنه، مثل أهل المعاصي من الموحّدين، كما جاء في الحديث: أنّهم يقال لهم الجهنميون في الجنّة، ومنهم الخالدون وهم المشركون والكفّار.

وجملة ﴿ إنّ ربّك فعّال لما يريد ﴾ استئناف بيانيّ ناشئ عن الاستثناء، لأنّ إجمال المستثنى ينشئ سؤالاً في نفس السّامع أن يقول: ما هو تعيين المستثنى أو لماذا لم يكن الخلود عاماً.

وهذا مظهر من مظاهر التفويض إلى الله.

وأمّا الاستثناء الثاني الواقع في جانب ﴿ الذّين سعدوا ﴾ فيحتمل معنيين: أحدهما أن يراد: إلاّ ما شاء ربك في أوّل أزمنة القيامة، وهي المدّة التي يدخل فيها عصاة المؤمنين غير التّائبين في العذاب إلى أن يعفو الله عنهم بفضله بدون شفاعة، أو بشفاعة كما في الصّحيح من حديث أنس: «يدخل ناسٌ جنّم حتى إذا صاروا كالحُمَمَة أخرجوا وأدخلوا الجنّة فيقال: هؤلاء الجهنميون».

ويحتمل أن يقصد منه التّحذير من توهّم استحقاق أحد ذلك النعيم حقاً على الله بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرّحمة.

وليس يلزم من الاستثناء المُعلّق على المشيئة وقوع المشيئة بل إنّما يقتضي أنّها لو تعلّقت المشيئة لوقع المستثنى، وقد دلّت الوعود الإلهية على أنّ الله لا يشاء إخراج أهل الجنة منها.

وأيّاً ما كان فهم إذا أدخلوا الجنّة كانوا خالدين فيها فلا ينقطع عنهم نعيمها.

وهو معنى قوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ .

والمجذوذ: المقطوع.

وقرأ الجمهور ﴿ سَعِدوا ﴾ بفتح السّين، وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف بضم السّين على أنّه مبني للنائب، وإن كان أصل فعله قاصراً لا مفعول له؛ لكنّه على معاملة القاصر معاملة المتعدّي في معنى فُعِل به ما صيّره صاحب ذلك الفعل، كقولهم: جُنّ فلان، إذا فُعل به ما صار به ذَا جنون، ف ﴿ سُعِدوا ﴾ بمعنى أسعدوا.

وقيل: سَعِد متعدّ في لغة هذيل وتميم، يقولون: سَعِدَه اللّهُ بمعنى أسْعَدَهُ.

وخُرّج أيضاً على أن أصله أسعدوا، فحُذف همز الزيادة كما قالوا مجنُوب (بموحدة في آخره)، ومنه قولهم: رجل مَسعود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فِيها خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: دامَتْ سَماواتُ الدُّنْيا وأرْضُها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلَيْها في الخُلُودِ فِيها: الثّانِي: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مُدَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ.

الثّالِثُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في النّارِ إلى أنْ يَخْرُجُوا مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: خالِدِينَ فِيها يَعْنِي أهْلَ التَّوْحِيدِ، إلّا ما شاءَ رَبُّكَ يَعْنِي أهْلَ الشِّرْكِ، وهو يُشْبِهُ قَوْلَ أبِي نَضْرَةَ.

الخامِسُ: خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ أيْ ما شاءَ مِن عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ، فَتَكُونُ ( إلّا ) هُنا بِمَعْنى الواوِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرِ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ أيْ والفَرْقَدانِ.

﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرُ مَقْطُوعٍ.

الثّانِي: غَيْرُ مَمْنُوعٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هاتان من المخبآت، قول الله: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ و ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ [ المائدة: 109] أما قوله: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ فهم قوم من أهل الكبائر من أهل هذه القبلة، يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم، ثم يأذن في الشفاعة لهم فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم في النار ﴿ فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ حين أذن في الشفاعة لهم وأخرجهم من النار، وأدخلهم الحنة وهم هم ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ يعني بعد الشقاء الذي كانوا فيه ﴿ ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ يعني الذين كانوا في النار.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن قتادة.

أنه تلا هذه الآية ﴿ فأما الذين شقوا ﴾ فقال: حدثنا أنس رضي الله عنه.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار ولا نقول كما قال أهل حروراء» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فأما الذين شقوا ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شاء الله أن يخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: إنها في التوحيد من أهل القبلة.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: إلا ما استثنى من أهل القبلة.

وأخرج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أو عن أبي سعيد الخدري أو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ﴾ قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول: حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن أبي نضرة قال: ينتهي القرآن كله إلى هذه لآية ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ الآية.

قال: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، يقول: خالدين في الجنة ﴿ ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة.

وأخرج أبو الشيخ عن سنان قال: استثنى في أهل التوحيد، ثم قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: سماء الجنة وأرضها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة أخذ الله السموات السبع والأرضين فطهرهن من كل قذر ودنس، وفصيرهن أرضاً بيضاء فضة نوراً يتلألأ، فصيرهن أرضاً للجنة، والسموات والأرض اليوم في الجنة كالجنة في الدنيا يصيرهن الله على عرض الجنة ويضع الجنة عليها، وهي اليوم على أرض زعفرانية عن يمين العرش، فأهل الشرك خالدين في جهنم ما دامت أرضاً للجنة.

وأخرج البيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وأن يخلد هؤلاء في الجنة.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأما الذين شقوا...

﴾ قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله فنسخها، فأنزل الله بالمدينة ﴿ إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً ﴾ [ النساء: 168] إلى آخر الآية.

فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها وأوجب لهم خلود الأبد.

وقوله: ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ الآية.

قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ﴾ [ النساء: 122] إلى قوله: ﴿ ظلاً ظليلاً ﴾ [ النساء: 57] فأوجب لهم خلود الأبد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: استثنى الله أمر النار أن تأكلهم.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر رضي الله عنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه.

وأخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ ﴿ فأما الذين شقوا...

﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية ﴿ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ قال: وقال ابن مسعود ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً، وأسرعهما خراباً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: الله أعلم بمشيئته على ما وقعت.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قد أخبر الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل.

أنه كان إذا سئل عن الشيء من القرآن؟

قال: قد أصاب الله به الذي أراد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ قال: الزفير الصوت الشديد في الحلق، والشهيق الصوت الضعيف في الصدر.

وفي قوله: ﴿ غير مجذوذ ﴾ قال: غير مقطوع.

وفي لفظ: غير منقطع.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ما الزفير؟

قال: زفير كزفير الحمار.

قال فيه أوس بن حجر: ولا عذران لاقيت أسماء بعدها ** فيغشى علينا إن فعلت وتعذر فيخبرها أن رب يوم وقفته ** على هضبات السفح تبكي وتزفر <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ﴾ ، يقال (١) ﴿ سُعِدُوا ﴾ بضم السين (٢) [يكشف عن] (٣) (٤) وإنما هو المدلي، وكذلك قوله (٥) ومَهْمَهِ هالك من تعرجا في أحد القولين، والقول الآخر: أن تميمًا تقول: هلكني زيد، ومن الحذف قوله (٦) يخرجن من أجواز ليل غاض يريد: مُغْض، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ  ﴾ وهي تلقح الشجر فإذا لقحتها وجب أن يكون الجمع: ملاقح: فجاء على حذف الزيادة، [وكذلك (مسعود) يجوز أن يكون على حذف الزيادة] (٧) ﴿ سُعِدُوا ﴾ أيضًا من أسعده الله، وقد جاء على حذف الزيادة كما ذكرنا في مسعود، هذا كلام المحققين من أهل اللغة (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، انتصب (عطاء) على المصدر بما دل عليه الأول، كأنه قيل: إعطاهم النعيم عطاءً غير مجذوذ، ويكون العطاء اسما أقيم مقام المصدر، كقول القطامي (١٦) وبعد عطائك المائة الرتاعا والمجذوذ: المقطوع في قول المفسرين (١٧) (١٨) والآية تدل على أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع أبدًا.

(١) "تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690، اللسان (سعد) 4/ 2012.

(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (سَعِدوا) بفتح السين وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم (سُعِدوا) بضم السين، "السبعة" 339 "الكشف" 1/ 536 "إتحاف" ص 260، الطبري 12/ 119.

(٣) ساقط من (ي).

(٤) من رجز ينسب للعجاج وبعده: عباءة غبراء من أجن طال انظر: "ديوانه" 321/ 2 الملحقات، "اللسان" (دلا) 3/ 1417، "أدب الكاتب" / 612، "تاج العروس" 7/ 193 (غثر)، "تهذيب اللغة" 2/ 1213.

(٥) القائل العجاج وقبله: عصرًا وخُضْنا عيشَهُ المعُدْلَجا والمعنى: من أقام بهذا المهمه فقد هلك: "ديوانه": 2/ 43، "الخصائص" 2/ 210، "المحتسب" 1/ 92 "المخصص" 6/ 127 "المقتضب" 4/ 180.

(٦) من أرجوزة لرؤبة يمدح فيها بلال بن أبي بردة، وبعده: نضو قداح النايل النواضي انظر: "ديوانه" 82، "المقتضب" 4/ 179، "المحتسب" 2/ 242، "اللسان" (غضا).

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٨) ما سبق نقله بتصرف عن أبي علي الفارسي في كتابه "الحجة" 4/ 378 - 380.

(٩) باب الوفاق هو من كتاب "فعلت وأفعلت" للزجاج، وهو مرتب على الحروف فيذكر ما ورد على صيغة (فعلت وأفعلت) في كل حرف ويقسمه إلى قسمين: الوفاق: وهو ما اتفق في المعنى، والخلاف: ما اختلف في المعنى.

انظر: الإحالة هنا في كتاب "فعلت وأفعلت" ص 21.

(١٠) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (بمعنى) بالباء.

(١١) في (ي): (معنى الإسعاد في باب الفعل فعل يفعل).

وينظر: "ديوان الأدب" للفارابي 2/ 201.

(١٢) "تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690.

(١٣) "الدر المصون" 4/ 131.

(١٤) "البحر" 5/ 264، وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص، وابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش.

(١٥) "البحر" 5/ 264، "الدر المصون" 4/ 131.

(١٦) القطامي وصدره: أكفرًا بعد رد الموت عني انظر: "ديوانه" / 37، "الخزانة" 1/ 391 "شرح الشواهد" للعيني 3/ 505، "اللسان" (عطا) 5/ 3001، السيوطي / 287، "الدرر" 1/ 161، 2/ 127، "تذكرة النحاة" ص 456، "معاهد التنصيص" 1/ 179، "المقاصد النحوية" 3/ 505.

(١٧) رواه الطبري 15/ 490 عن الضحاك وقتادة وابن عباس ومجاهد وأبي العالية وابن زيد، وانظر: الثعلبي 7/ 58 أ، البغوي 4/ 201، "زاد المسير" 4/ 162، القرطبي 9/ 103 ابن كثير 2/ 504.

(١٨) النابغة الذبياني من قصيدته المشهورة في مدح عمرو بن الحارث الأعرج يقول في وصف سيوف الغسانين، و (السلوقي) الدروع منسوبة إلى سلوق مدينة باليمن،== "الصفاح": الحجارة العراض، "الحباحب" الشرر الذي يسقط من الزناد، وانظر: "ديوانه" ص 32 "أمالي ابن الشجري" 2/ 269، "اللسان" (سلق)، "تهذيب اللغة" 2/ 1737، الطبري 15/ 489، الزجاج 3/ 80 والقرطبي 9/ 103.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ العامل في الظرف لا تكلم أو فعل مضمر؛ وفاعل يأت ضمير يعود على يوم مشهود وقال الزمخشري يعود على الله تعالى كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ [الأنعام: 158] ويعضده عود الضمير عليه في قوله بإذنه ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ الضمير يعود على أهل الموقف الذي دل عليهم قوله: لا تكلم نفس ﴿ زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ الزفير: إخراج النفس، والشهيق ردّه، وقيل: الزفير صوت المحزون، والشهيق صوت الباكي، وقيل: الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض ﴾ فيه وجهان أحدهما أن يراد به سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة أبداً، والآخر أن سكون عبارة عن التأبيد كقول العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام وشبه ذلك مما يقصد به الدوام ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: قيل إنه على طريق التأدب مع الله كقولك: إن شاء الله، وإن كان الأمر واجباً، وقيل: المراد به زمان خروج المذنبين من النار، ويكون الذين شقوا على هذا يعم الكفار والمذنبين، وقيل: استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث دون الثاني ﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء: يعقوب والمفضل.

الباقون بالنون ﴿ يوم يأتي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.

الآخرون بحذف الياء ﴿ لا تكلم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ سعدوا ﴾ بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص.

قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن ﴿ سعدوا ﴾ لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها ﴿ وإن كلاً ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد.

الباقون بالتشديد.

﴿ لما ﴾ مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق".

الباقون بالتخفيف ﴿ وزلفاً ﴾ بضمتين: يزيد.

الآخرون بفتح اللام ﴿ فؤادك ﴾ وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يرجع ﴾ مجهولاً: نافع وحفص والمفضل ﴿ تعملون ﴾ خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ مشهود ﴾ ه ﴿ معدود ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب.

﴿ وسعيد ﴾ ه ﴿ شهيق ﴾ ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ﴿ شاء ربك ﴾ ط ﴿ يريد ﴾ ه ﴿ شاء ربك ﴾ ط لأن التقدير يعطون عطاء ﴿ مجذوذ ﴾ ه ﴿ هؤلاء ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ منقوص ﴾ ه ﴿ فاختلف فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ خيبر ﴾ ه ﴿ ولا تطغوا ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا ﴿ تنصرون ﴾ ه ﴿ من الليل ﴾ ط ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ للذاكرين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لأن التقدير وقد اتبع ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مصلحون ﴾ ه ﴿ مختلفين ﴾ ه لا ﴿ رحم ربك ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ فؤادك ﴾ ج إذ التقدير وقد جاءك ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ مكانكم ﴾ ط ﴿ عاملون ﴾ ه لا للعطف ﴿ وانتظروا ﴾ ج أي فإنا ﴿ منتظرون ﴾ ط ﴿ وتوكل عليه ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم ﴿ لآية ﴾ لعبرة ﴿ لمن خاف ﴾ أي لمن هو أهل لأن يخاف ﴿ عذاب الآخرة ﴾ كقوله: ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن انتفاعه يعود إليهم.

قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى.

واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا.

والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام.

أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار.

أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير.

﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى  ﴾ ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون  ﴾ ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك يوم مجموع ﴾ أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ الناس ﴾ وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك.

فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به.

والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه.

والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات.

وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها ﴿ وما نؤخره إلا ﴾ لانتهاء ﴿ لأجل معدود ﴾ أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب.

ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ﴿ يوم يأت ﴾ حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل ﴿ يأتي ﴾ قيل: الله كقوله: ﴿ أو يأتي ربك  ﴾ أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ .

وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.

وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم.

وانتصاب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ لا تكلم ﴾ أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله  : ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ {النحل: 111] وكقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب.

ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي ومنه سعيد.

ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً.

قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث.

أما قوله في صفة أهل النار ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.

والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره.

وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.

وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت.

وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.

وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.

وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع.

وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق.

ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول.

أما القرآن فقوله  : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ أي مدة بقائهما ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق.

الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.

وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله  ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً.

وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم.

والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم.

وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات  ﴾ ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام.

وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب.

وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار".

و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب".

ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً.

وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم.

فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة.

وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك.

وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً.

ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا  ﴾ فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له.

وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف.

وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود.

وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ فكأنه  يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة.

وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار.

فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وآية الوعد بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع.

وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها.

وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى.

وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له.

أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله.

ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله  بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً ﴿ فلا تك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال ﴿ في مرية ﴾ في شك ﴿ مما يعبد ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة ﴿ هؤلاء ﴾ أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم.

ثم علل النهي مستأنفاً فقال: ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ﴾ كالذي يعبده ﴿ آباؤهم ﴾ أو كعبادة آبائهم.

والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد.

﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم.

وفي الكشاف أن ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه.

قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر.

فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر.

وعاد السؤال.

فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين  ﴾ أي إفساداً.

ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله  فقال: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال.

﴿ لقضي بينهم ﴾ بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً ﴿ وإنهم ﴾ يعني قوم موسى أو قومك ﴿ لفي شك منه ﴾ من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء.

ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: ﴿ وإن كلاً ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه.

ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك".

ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان".

ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع.

والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود.

ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها.

ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين.

وقرأ أبيّ ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده.

منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة.

ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ عن جعفر الصادق  .

معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ﴿ ومن تاب معك ﴾ عطف على الضمير في ﴿ فاستقم ﴾ وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه.

ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ﴿ ولا تطغوا ﴾ والطغان مجاوزة الحد.

وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق.

وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله.

وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات.

ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات.

وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان.

والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه.

ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله  آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال  : " شيبتني هود " أعني هذه الآية منها.

ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ﴿ ولا تركنوا ﴾ أي لا تميلوا بالمحبة والهوى ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.

أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ﴿ أليس الله بكاف عبده  ﴾ وفي قوله: ﴿ فتمسكم النار ﴾ إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار  ﴾ ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.

وقوله: ﴿ وما لكم من دون الله ﴾ من تتمة الجزاء.

وقال في الكشاف: الواو للحال ﴿ من أولياء ﴾ من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو.

﴿ ثم لا تنصرون ﴾ ثم لا ينصركم هو أيضا.

وفيه إقناط كلي.

وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم.

قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ أي الذين حدث منهم الظلم.

فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟

عن رسول الله  "من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" .

وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.

وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء.

ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟

فقال: لا.

فقيل له: يموت.

فقال: دعه يموت.

ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً.

غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات.

وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ ﴿ وزلفاً ﴾ جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات ﴿ من الليل ﴾ قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه.

وقرىء ﴿ زلفاً ﴾ بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر".

والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر".

وقيل: ﴿ زلفاً ﴾ أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.

وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء.

وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن.

هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.

ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب.

ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي.

واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي  في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي  يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا.

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا.

فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله  فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت.

فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟

فقال: بل للناس عامة.

وروي أنه  قال له: " توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين" .

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة.

وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة.

﴿ ذلك ﴾ المذكور من قوله: ﴿ فاستقم ﴾ إلى ههنا ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن.

ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: ﴿ واصبر ﴾ الآية.

ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: ﴿ فلولا ﴾ أي فهلا ﴿ كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ﴾ ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة.

يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم.

ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".

وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً.

ومن في ﴿ ممن أنجينا ﴾ للبيان أي هم الذين أنجيناهم.

قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم.

ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟

فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد.

قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم.

تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام.

السبب الثاني.

في نزول العذاب قوله: ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ ما غرقوا ﴿ فيه ﴾ من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا.

ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم.

والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن.

وقوله: ﴿ وكانوا مجرمين ﴾ إما معترضة وإما معطوف على ﴿ اتبع ﴾ أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على ﴿ أترفوا ﴾ أي اتبعوا الإتراف.

وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.

ثم بين أنه ما ينبغي له  أن يهلك القرى بظلم.

قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله  مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.

ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض.

وقالت المعتزلة قوله: ﴿ بظلم ﴾ حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم.

ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ مهدية.

والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً.

﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى.

وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ وما بعده وهو قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق.

وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده.

ثم قال: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم.

والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً.

وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ الآية.

وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده.

ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: ﴿ وكلاً ﴾ أي وكل نبأ ﴿ نقص عليك ﴾ وقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان لكل و ﴿ ما نثبت ﴾ بدل من ﴿ كلاً ﴾ أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و ﴿ ما نثبت ﴾ مفعول.

ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء.

﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة أو في هذه الأنباء ﴿ الحق ﴾ وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد ﴿ وموعظة ﴾ وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع.

﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره.

واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن.

ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ﴾ وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" ﴿ وانتظروا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إنا منتظرون ﴾ ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان.

وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم.

ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية ﴿ آمن الرسول  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

التأويل: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى.

فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ﴿ لموفوهم نصيبهم ﴾ الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء.

﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً ﴿ لفي شك منه ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ مريب ﴾ إشارة إلى الإضلال.

﴿ وإن كلاً ﴾ أي كل واحد من الضالين ومن المضلين ﴿ فاستقم ﴾ أمر التكوين ولذلك قال: ﴿ كما أمرت ﴾ أي في الأزل، وفي قوله: ﴿ ومن تاب معك ﴾ إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي  ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة.

وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة.

﴿ فلولا كان من القرون ﴾ صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ طالبة للحق متوجهة إليه ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ ﴿ ولذلك ﴾ أي لطلب الله ﴿ خلقهم ﴾ بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر ﴿ وقيل للذين لا يؤمنون ﴾ لطلب الحق ووجدانه ﴿ اعلموا ﴾ في طلب المقاصد من باب القهر ﴿ إنا عاملون ﴾ في طلب الحق من باب لطفه ﴿ وانتظروا ﴾ نتائج أعمالكم ﴿ إنا منتظرون ﴾ ثمرات أعمالنا ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس ﴿ وإليه يرجع ﴾ أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر ﴿ فاعبده ﴾ أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف ﴿ وتوكل عليه ﴾ في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده ﴿ وما ربك بغافل ﴾ في الأزل ﴿ عما تعملون ﴾ إلى الأبد والله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ : ذلك ما سبق من ذكر القرى والقرون في هذه السورة من أنباء الغيب نقصه عليك؛ [لتفهم رسالتك بها]، ولتكون آية لنبوتك؛ لأنك لم تشاهدها، ولا اختلفت [إلى أحد] منهم فتعلمت منهم، ولا كانت الكتب بلسانك فيقولون: نظرت فيها فأخذت ذلك منها، ثم أنبأت على ما كان وقصصت عليهم؛ ليعلم أنك إنما عرفت بالله، فتكون آية لرسالتك.

وقوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ : ترى مكانها وتنظر إليها، ومنها حصيد لا ترى له أثراً ولا مكاناً.

وقال بعضهم: قائم: أي: خاوية على عروشها، وحصيد: مستأصلة.

وعن الحسن قال: منها قائم وما حصد الله أكثر، أي: وما أهلك الله من القرى أكثر.

وأصله عندنا: منها قائم؛ نحو قرى عاد وثمود ومدين، أهلك أهلها وبقيت القرى لأهل الإسلام؛ لأنه يقول في قرى عاد: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ الآية [الأحقاف: 25]، ومنها حصيد: ما أهلك أهلها والقرى جميعاً نحو قوم نوح؛ أهلكوا ببنيانهم، ونحو قريات قوم لوط أهلكت بأهلها أيضاً حتى لم يبق لا الأهل ولا البنيان، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ هلك أهلها وبقي البنيان، ومنها حصيد: هو ما أهلك البنيان بأهله، حتى لم يبق لها أثر، وفيه وجوه ثلاثة: أحدها: آية لرسالته؛ لما ذكرناه وعبرة لأهل التقوى، وهو ما ذكر في آخره: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وزجراً لأهل الشرك والكفر؛ لأنهم يذكرون ما نزل بأولئك فينزجرون عن صنيعهم فيه.

هذه الوجوه التي ذكرناها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ فيه وجهان: أي: لم نظلمهم؛ لأنهم وبنيانهم ملك لله -  - وكل ذي ملك له أن يهلك ملكه، ولا يوصف بالظلم من أتلف ملكه، وهم ظلموا أنفسهم إذ أنفسهم ليست لهم في الحقيقة وكذلك بنيانهم، ومن أتلف ملك غيره فهو ظالم.

والثاني: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ يقول: وما ظلمناهم بالعذاب؛ إذ هم يستوجبون ذلك بما ارتكبوا، فلم نضع العذاب في غير موضعه؛ بل هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ حيث صرفوها إلى غير مالكها وعبدوا غيره، فهو ظلم؛ هذا التأويل في أنفسهم، وأما البنيان فهو، أنه إنما جعله لهم، فإذا هلكوا هم أهلك ما جعل لهم، إنما أبقي لهم ما داموا، فأما إذا بادوا هم فلا معنى لإبقاء البنيان.

وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله.

والثاني: ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل الله وعن عبادة الله وتوحيده إلى عبادة غير الله.

والثالث: ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب.

وقوله: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ في هذا وجهان: أحدهما: ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون الله لما جاء أمر ربّك؛ أي: عذاب ربك؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ...

﴾ الآية [الزمر: 3]، يخبر أن عبادتهم الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا.

والثاني: فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال إليها؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فإذا لم يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ يحتمل: ما زاد عبادتهم إياها غير تتبيب، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب.

والتتبيب: قال عامة أهل التأويل: هو التخسير.

وقال أبو عوسجة: غير تتبيب: غير فساد، والتتبيب: الفساد.

وكذلك قال في قوله: ﴿ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ  ﴾ أي: فساد.

وقال غيره: إلا في خسار وقال غيره: غير تخسير.

[وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ  ﴾ أي: خسرت.

وقال أبو عبيدة: غير تتبيب: غير تدبير وإهلاك].

وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  ﴾ وكذلك قالوا في قول الناس: تبّاً لك.

وقال بعضهم: غير تتبيب غير شر، والتتبيب: الشر، والتبّ: الشر والخسران، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أولئك، أي: كما عذبنا الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة، كذلك نعذب هذه الأمة [لكن أخر عن هذه الأمة]، وفيه رحمة أن ﴿ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: أن أخذه بالعذاب أليم شديد، الأخذ نفسه يوصف بالشدة، ولكن لا يوصف بالألم، والعذاب يوصف بالألم، لكن لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ هو ما ذكرناه: فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ ﴾ خصّ الناس بالذكر وإن كان الجمع لهم ولغيرهم؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية، أو لما هم المقصودون بالجمع بذلك اليوم - والله أعلم - قيل: يجمع فيه الأولون والآخرون ﴿ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ أي: ما نؤخر العذاب عن هذه الأمة إلا لأجل معدود، وذكر هذا - والله أعلم - جواب ما استعجلوه من العذاب بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ونحوه، فقال: وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوت؛ أي: إلا لأجل معدود عند الله، ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف فيكون معدوداً عند الناس، ويكون وقت القيامة معلوماً على قوله، وقد أخبر الله: ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه؛ كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً  ﴾ أو لا تكلم نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه، وهو ما ذكرناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ : فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها وعملها أدخلته [النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها وعملها أدخلته] الجنة، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو سعيد به، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به.

روي في ذلك خبر عن رسول الله  روي عن عمر -  - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ سألت النبي  فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ منه؟

قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له" فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ ﴾ لما ذكرناه ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ قال بعضهم: الزفير هو كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، وأمّا الشهيق فهو كشهيق الحمار في الحلق، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه، فهو شهيق.

وقال بعضهم: الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء يصيبه لا يتبين منه؛ كقوله: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً  ﴾ والشهيق هو ما يرتفع منه الصوت يسمى شهيقاً.

ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم حتى يكون منهم الزفير والشهيق لا يفهم؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ عن الحسن قال: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ : تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض؛ لأن السماء هذه أخبر أنها تنشق وتطوى وتبدل؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ  ﴾ و ﴿ يَوْمَ نَطْوِي  ﴾ و ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ  ﴾ ونحوه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ إنما هو صلة الكلام؛ كأنه قال: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، وقد يتكلم بمثل هذا على الصلة.

وقال بعضهم: يدوم لهم العذاب أبداً ما دامت السماوات والأرض [لأهل الدنيا ما كانوا فيها؛ لأنهما إنما تفنيان بعد فناء أهلها وإحياء الأهل والبعث، فأخبر أن العذاب يدوم لهم كما يدوم لأهل الدنيا السماء والأرض].

وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت سماء الجنة وأرض الجنة، وسماء النار وأرض النار، لكن ذكر هذا لئلا يتوهم أهل الجنة والنار قبل هلاك سمائها وأرضها على ما يتوهم في توهم هلاك أهل الدنيا قبل هلاك سمائها وأرضها.

وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماء، يتكلمون على ما بعد من أوهامهم فناؤهما، أو على الصلة؛ يقول الرجل لآخر: لا أكلمك ما دام الليل والنهار: أي أبداً.

هذا تأويل قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ قال بعضهم: إن ناساً من أهل التوحيد يعذبون في النار على قدر ذنوبهم وخطاياهم ثم يخرجون منها.

وقد روي في ذلك آثار؛ روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -  ما - عن النبي  قال: "الاستثناء في الآيتين كلتيهما لأهل الجنة" ، يعني: الذين يخرجون من النار من أهل التوحيد ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ يقول: لم يشقوا شقاء من يخلد في النار وقال في الذين سعدوا إلا ما شاء ربك هم أولئك الذين لم ينالوا من السعادة ما نال أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار.

وفي بعضها [عن النبي]  أنه قال: "أما من يريد الله إخراجه [من النار] فإنهم يماتون فيها إماتة" وقال في خبر آخر: "أما من يريد الله له الخلود فلا يخرجون منها" وأمثال هذا من الأخبار، فإن ثبت هذا فهو المعتمد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ أي: قد شاء لأهل النار الأبد والخلود، وشاء لأهل الجنة عطاء غير مجذوذ؛ أي: غير منقطع.

ويؤيد هذا التأويل ما ذكر في حرف ابن مسعود وأبي: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ في الآيتين؛ وفي الآية الأولى: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ وفي الأخرى: (ما دامت السماوات والأرض عطاء غير مجذوذ) وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي أنهما لم يذكرا الثنيا في أهل الجنة، وأصل هذا ما ذكر أبو عبيد قال: الاستثناء الذي هو في أهل السعادة فهو المشكل؛ لأنه يقال: كيف يستثني وقد وعدهم خلود الأبد في الجنة.

وقال في ذلك أقوالا لا أدري إلى من تسند، إلا أن لها مخارج في كلام العرب وشواهد في الآثار، وإنما يتكلم الناس في هذا على معاني العربية، والله أعلم بما أراد.

قال: فأحد هذه الوجوه في الاستثناء فيما يقال كالرجل يوجب على نفسه الشيء ليفعلنه، ثم يقول: إن شاء الله، وعزمه [و] ضميره مع استثنائه أنه فاعله، لا يريد غيره.

ومما يقوي هذا المذهب قول الله -  -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ  ﴾ فاستثنى، وقد علم أنهم داخلوه ألبتة.

ومنه ما روي في حديث مكة عن النبي  حين قال: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" وقال بعضهم: استثنى المنشد وهي لا تحل له، كما لا تحل لغيره.

والوجه الثاني بأن يكون "إلا" في معنى سوى؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تقول: عليك ألف درهم من قبل كذا وكذا، إلا الألف التي قبل ذلك؛ أي: سوى الألف التي قبل ذلك [وغير الألف التي قبل ذلك، وإلا الألف التي قبل ذلك]، فيكون المعنى على هذا أنه وعدهم خلود الأبد سوى ما أعد لهم من الزيادة في الكرامة والمنزلة التي لم يذكرها لهم.

ومما يقوي هذا التأويل ما روي عن نبي الله  قال: "قال الله -  -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه" ثم قرأ: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...

﴾ الآية [السجدة: 17]؛ أفلا ترى أن هاهنا من الزيادة ما لم يطلعهم عليه.

والوجه الثالث: أن يكون الاستثناء من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين البعث والحساب، وقد قيل ما ذكرناه أنه ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ الذي ذكر، إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد؛ يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في الحساب.

ومما يقوي هذا المذهب ما قيل في قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ قيل: ما بين الموت والبعث، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ ﴾ فقد اختلف القراء في قراءتها؛ قرأها الكسائي وحمزة.

بضم السين (سُعِدُواْ) وأما أبو عمرو وأهل المدينة وغيرهم من القراء قرءوا بفتح السين (سُعِدُواْ) على قياس (شَقُواْ).

قال أبو عوسجة: لا أعرف سعدوا بضم السين، وإنما هو سعدوا بفتح السين.

وقال أبو عوسجة (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي: غير مقطوع؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً  ﴾ أي قطعاً، وقد ذكرنا قولهم في الزفير والشهيق على قدر حفظنا له.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأما السعداء الذين سبقت لهم السعادة من الله لإيمانهم وصلاح أعمالهم، فهم في الجنّة ماكثون فيها أبدًا ما دامت السماوات والأرض، إلا من شاء الله إدخاله النار قبل الجنّة من عصاة المؤمنين، إن نعيم الله لأهل الجنّة غير مقطوع عنهم.

من فوائد الآيات التحذير من اتّباع رؤساء الشر والفساد، وبيان شؤم اتباعهم في الدارين.

تنزه الله تعالى عن الظلم في إهلاك أهل الشرك والمعاصي.

لا تنفع آلهة المشركين عابديها يوم القيامة، ولا تدفع عنهم العذاب.

انقسام الناس يوم القيامة إلى: سعيد خالد في الجنان، وشقي خالد في النيران.

<div class="verse-tafsir" id="91.wMmEQ"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.7 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله