الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٠٩ من سورة هود
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٠٩ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ) المشركون ، إنه باطل وجهل وضلال ، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل ، أي : ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات ، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء فيعذب كافرهم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة .
قال سفيان الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) قال : ما وعدوا فيه من خير أو شر .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص .
القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا تَك في شك ، يا محمد ، مما يعبد هؤلاء المشركون من قومك من الآلهة والأصنام، (1) أنه ضلالٌ وباطلٌ ، وأنه بالله شركٌ ، (ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل)، يقول: إلا كعبادة آبائهم ، من قبل عبادتهم لها.
يُخبر تعالى ذكره أنهم لم يعبدُوا ما عبدوا من الأوثان إلا اتباعًا منهم منهاج آبائهم، واقتفاءً منهم آثارهم في عبادتهموها، لا عن أمر الله إياهم بذلك، ولا بحجة تبيَّنوها توجب عليهم عبادتها.
ثم أخبر جل ثناؤه نبيَّه ما هو فاعل بهم لعبادتهم ذلك، فقال جل ثناؤه: (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) ، يعني: حظهم مما وعدتهم أن أوفّيهموه من خير أو شر (2) ، (غير منقوص)، يقول: لا أنقصهم مما وعدتهم، بل أتمّم ذلك لهم على التمام والكمال، (3) كما:- 18595- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس : (وإنا لموفُّوهم نصيبهم غير منقوص) ، قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر.
18596- حدثنا أبو كريب ومحمد بن بشار قالا حدثنا وكيع، عن سفيان عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله ، إلا أن أبا كريب قال في حديثه: من خيرٍ أو شرّ.
18597- حدثني المثني قال، أخبرنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد عن ابن عباس: (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) ، قال: ما قُدِّر لهم من الخير والشر.
18598- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: (وإنا لموفّوهم نصيبهم غير منقوص)، قال: ما يصيبهم من خير أو شر.
18599- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) ، قال: نصيبهم من العذاب.
-------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " المرية " فيما سلف من فهارس اللغة ( مري ) .
(2) انظر تفسير " وفي " فيما سلف 14: 39 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
، وتفسير " النصيب " فيما سلف 12 : 408 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير " النقص " فيما سلف 14: 132 .
قوله تعالى : فلا تك جزم بالنهي ; وحذفت النون لكثرة الاستعمال .في مرية أي في شك .مما يعبد هؤلاء من الآلهة أنها باطل .
وأحسن من هذا : أي قل يا محمد لكل من شك لا تك في مرية مما يعبد هؤلاء أن الله - عز وجل - ما أمرهم به ، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم .وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص فيه ثلاثة أقوال : أحدها : نصيبهم من الرزق ; قاله أبو العالية .
الثاني : نصيبهم من العذاب ; قاله ابن زيد .
الثالث : ما وعدوا به من خير أو شر ، قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - .
يقول الله تعالى، لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ ْ} المشركون، أي: لا تشك في حالهم، وأن ما هم عليه باطل, فليس لهم عليه دليل شرعي ولا عقلي، وإنما دليلهم وشبهتهم، أنهم { مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ْ} ومن المعلوم أن هذا، ليس بشبهة، فضلا عن أن يكون دليلا، لأن أقوال ما عدا الأنبياء، يحتج لها لا يحتج بها، خصوصا أمثال هؤلاء الضالين، الذين كثر خطأهم وفساد أقوالهم, في أصول الدين، فإن أقوالهم، وإن اتفقوا عليها، فإنها خطأ وضلال.{ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ْ} أي: لا بد أن ينالهم نصيبهم من الدنيا، مما كتب لهم، وإن كثر ذلك النصيب، أو راق في عينك, فإنه لا يدل على صلاح حالهم، فإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين الصحيح، إلا من يحب.
والحاصل أنه لا يغتر باتفاق الضالين، على قول الضالين من آبائهم الأقدمين، ولا على ما خولهم الله، وآتاهم من الدنيا
( فلا تك في مرية ) في شك ( مما يعبد هؤلاء ) أنهم ضلال ( ما يعبدون إلا كما يعبد ) فيه إضمار ، أي : كما كان يعبد ( آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم ) حظهم من الجزاء .
( غير منقوص ) .
«فلا تَكُ» يا محمد «في مرية» شك «مما يعبد هؤلاء» من الأصنام إنا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم «ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم» أي كعبادتهم «من قبل» وقد عذبناهم «وإنا لموفوهم» مثلهم «نصيبهم» حظهم من العذاب «غير منقوص» أي تاما.
فلا تكن -أيها الرسول- في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء المشركون من قومك، ما يعبدون من الأوثان إلا مثل ما يعبد آباؤهم من قبل، وإنا لموفوهم ما وعدناهم تاما غير منقوص.
وهذا توجيه لجميع الأمة، وإن كان لفظه موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلَّم.
( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ .
.
)والمعنى : فلا تكن ، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال ، ولأن حرف النون إذا وقع على طرف الكلام ، لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة ، فلا جرم أسقطوه .
.والمرية بكسر الميم - الشك المتفرع عن محاجة ومجادلة بين المتخاصمين .والمعنى : لقد قصصنا عليك أيها الرسول الكريم الكثير من أخبار السابقين وبينا لك مصير السعداء والأشقياء .
.
.
وما دام الأمر كذلك ، فلا تك فى شك من أن عبادة هؤلاء المشركين لأصنامهم إنما هى تقليد لما كان يعبده آباؤهم من قبل ، وهذه العبادة لغير الله - تعالى - ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة وإلى العذاب الأليم .والخطاب وإن كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التسلية والتثبيت ، إلا أن التحذير فيه يندرج تحته كل من يصلح للخطاب .وهذا الأسلوب كثير ما يكون أوقع فى النفس ، وأشد تأثيراً فى القلب ، لأنه يشعر المخاطب بأن ما بينه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو من قبيل القضايا الموضوعية التى لا تحتاج إلى جدال مع أحد ، ومن جادل فيها فإنما يجادل فى الحق الوضاح بدافع الحسد والعناد ، لأن الواقع يشهد بصحة ما بينه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - .وجملة ( مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ) مستأنفة ، لبيان أن الخلف قد ساروا فى الجهالة والجحود على طريقة السلف .وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع ، مع أنها كانت فى الماضى بقرينة ( مِّن قَبْلُ ) .
للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى موتهم ، وأن أبناءهم لم ينقطعوا عنها ، بل واصلوا السير على طريق آبائهم الضالين بدون تفكر أو تدبر .والمضاف إليه فى قوله ( مِّن قَبْلُ ) محذوف ، والتقدير : من قبلهم .وقوله ( وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ) تذييل قصد به تأكيد العقاب الذى سينزل بهم فى الآخرة بسبب عبادتهم لغير الله .وموفوهم من التوفية ، وهى إعطاء الشئ كاملا بدون نقص .والمراد بالنصيب هنا : المقدار المعد لهم من العذاب ، وسماه نصيبا على سبيل التهكم بهم .أى : وإنا لمعطو هؤلاء الذين نهجوا منهج آبائهم فىعبادة غير الله ، نصيبهم وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شئ منه ، كما ساروا هم على طريقة سلفهم فى الضلال دون أن يغيروا شيئا منها .
.
.ومنهم من جعل المراد بالنصيب هنا : ما يشمل الجزاء على الأعمال الدنوية والأخروية ، .قال صاحب المنار : " أى ، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم فى الدنيا والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شئ ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل ، فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبِرِّ الوالدين وصلة الأرحام ..
.
إلا ويوفيهم الله جزاءهم عليه فى الدنيا بسعة الرزق ، وكشف الضر جزاء تاما ، لا ينقصه شئ يجزون عليه فى الآخرة .
.
.
" .ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن سياق الآية الكريمة يؤيده إذا الكلام فيها فى شأن جزاء الذين ساروا على نهج آبائهم فى الضلال ، وليس فى بيان الجزاء العام فى الدنيا والآخرة .
اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول عليه الصلاة والسلام أحوال الكفار من قومه فقال: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ ﴾ والمعنى: فلا تكن، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال، ولأن النون إذا وقع على طرف الكلام لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوه، والمعنى: فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع.
ثم قال تعالى: ﴿ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابَاؤهُم مّن قَبْلُ ﴾ والمراد أنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد.
ثم قال: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ فيحتمل أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم أي ما يخصهم من العذاب.
ويحتمل أن يكون المراد أنهم وإن كفروا وأعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية.
ويحتمل أيضاً أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم من إزالة العذر وإزاحة العلل وإظهار الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، ويحتمل أيضاً أن يكون الكل مراداً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ غير مقطوع، ولكنه ممتدّ إلى غير نهاية، كقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [فصلت: 8] لما قصّ قصص عبدة الأوثان، وذكر ما أحلّ بهم من نقمه، وما أعدّ لهم من عذابه قال: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء ﴾ أي: فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذ القصص في سوء عاقبة عبادتهم وتعرّضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدة بالانتقام منهم ووعيداً لهم ثم قال: ﴿ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابآؤهُم ﴾ يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالين، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلنّ بهم مثله، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية.
و (ما) في مما، وكما: يجوز أن تكون مصدرية وموصولة، أي: من عبادتهم، وكعبادتهم.
أو مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أي حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم.
فإن قلت: كيف نصب ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ حالاً عن النصيب الموفى؟
قلت: يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل.
ألا تراك تقول.
وفيته شطر حقه، وثلث حقه، وحقه كاملاً وناقصاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ ﴾ شَكٍّ بَعْدَ ما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن مَآلِ أمْرِ النّاسِ.
﴿ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ﴾ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في أنَّها ضَلالٌ مُؤَدٍّ إلى مِثْلِ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ سُوءَ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ، أوْ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَهُ في أنَّهُ يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.
﴿ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ أيْ هم وآباؤُهم سَواءٌ في الشِّرْكِ، أيْ ما يَعْبُدُونَ عِبادَةً إلّا كَعِبادَةِ آبائِهِمْ أوْ ما يَعْبُدُونَ شَيْئًا إلّا مِثْلَ ما عَبَدُوهُ مِنَ الأوْثانِ، وقَدْ بَلَغَكَ ما لَحِقَ آباءَهم مِن ذَلِكَ فَسَيَلْحَقُهم مِثْلُهُ، لِأنَّ التَّماثُلَ في الأسْبابِ يَقْتَضِي التَّماثُلَ في المُسَبَّباتِ، ومَعْنى ﴿ كَما يَعْبُدُ ﴾ كَما كانَ يَعْبُدُ فَحُذِفَ لِلدَّلالَةِ مِن قَبْلُ عَلَيْهِ.
﴿ وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَآبائِهِمْ، أوْ مِنَ الرِّزْقِ فَيَكُونُ عُذْرًا لِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم مَعَ قِيامِ ما يُوجِبُهُ.
﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ حالٌ مِنَ النَّصِيبِ لِتَقْيِيدِ التَّوْفِيَةِ فَإنَّكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ حَقَّهُ وتُرِيدُ بِهِ وفاءَ بَعْضِهِ ولَوْ مَجازًا.
<div class="verse-tafsir"
لما قص الله قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحل بهم من نقمه وما أعد لهم من عذابه قال {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء} أي فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة بالانتقام منهم ووعيداً لهم ثم قال {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قَبلُ} يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم وقد بلغك ما نزل بآبائهم قسينزلن بهم مثله وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية وما فى مما وكما مصدرية أو موصولة أي من عبادتهم وكعبادتهم أو مما يعبدون من الأوثان ومثل ما يعبدون منها {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم {غَيْرَ مَنقُوصٍ} حال من نصيبهم أى كاملا
﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ ﴾ أيْ في شَكٍّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قُصَّ مِنَ القِصَصِ وبُيِّنَ في تَضاعِيفِها مِنَ العَواقِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أيْ فَلا تَكُ في شَكٍّ بَعْدَ أنْ بُيِّنَ لَكَ ما بُيِّنَ ﴿ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في أنَّها ضَلالٌ مُؤَدٍّ إلى مِثْلِ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ سُوءَ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ، -فَمِنِ- ابْتِدائِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى فِي، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إذْ لا مَعْنى لِلْمِرْيَةِ في أنْفُسِهِمْ ﴿ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ تَعْلِيلًا في المَعْنى لِلنَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مِن مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم وآباؤُهم سَواءٌ في الشِّرْكِ ما يَعْبُدُونَ عِبادَةً إلّا كَعِبادَةِ آبائِهِمْ، أوْ ما يَعْبُدُونَ شَيْئًا إلّا مِثْلَ الَّذِي عَبَدُوهُ مِنَ الأوْثانِ، وقَدْ بَلَغَكَ ما لَحِقَ آباءَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَلْحَقُهم مِثْلُهُ لِأنَّ التَّماثُلَ في الأسْبابِ يَقْتَضِي التَّماثُلَ في المُسَبِّباتِ، ومَعْنى ﴿ كَما يَعْبُدُ ﴾ كَما كانَ عَبَدَ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ( قَبْلُ) عَلَيْهِ، وكَأنَّ اخْتِيارَ هَذا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عادَةً مُسْتَمِرَّةً لَهم ﴿ وإنّا لَمُوَفُّوهُمْ ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ ﴿ نَصِيبَهُمْ ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا آباءَهم حُظُوظَهم أوْ مِنَ الرِّزْقِ فَيَكُونُ عُذْرًا لِتَأخُّرِ العَذابِ عَنْهم مَعَ قِيامِ ما يُوجِبُهُ، وفي هَذا مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ما لا يَخْفى حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ رِزْقَهم مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، وفي التَّعْبِيرِ -بِالنَّصِيبِ- عَلى الأوَّلِ تَهَكُّمٌ لِأنَّهُ ما يُطْلَبُ ويُرادُ والعَذابُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وتَفْسِيرُهُ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، و-بِالرِّزْقِ- عَنْ أبِي العالِيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما قُدِّرَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمُوفُوهُمْ) مُخَفَّفًا مِن أوْفى ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ النَّصِيبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ، وإلى هَذا ذَهَبَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، وقالَ: إنَّهُ الحَقُّ.
وفِي الكَشّافِ أنَّهُ جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ عَنِ النَّصِيبِ المُوَفّى لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُوَفّى وهو ناقِصٌ ويُوَفّى وهو كامِلٌ، ألا تَراكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، وثُلُثَ حَقِّهِ، وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذِهِ مَغْلَطَةٌ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ فالتَّوْفِيَةُ إنَّما وقَعَتْ في الشَّطْرِ وكَذا ثُلْثُ حَقِّهِ، والمَعْنى أعْطَيْتُهُ الشَّطْرَ أوِ الثُّلُثَ كامِلًا لَمْ أنْقُصْهُ مِنهُ شَيْئًا، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ كامِلًا، فالحالُ فِيهِ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي الإكْمالَ، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ ناقِصًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِلْمُنافاةِ، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ نُقْصانِ المُوَفّى كامِلًا كانَ أوْ بَعْضًا، فَقَوْلُكَ: وفَّيْتُهُ نِصْفَ حَقِّهِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ نُقْصانِ النِّصْفِ المُوَفّى، فالسُّؤالُ عَنْ وجْهِ انْتِصابِ هَذِهِ الحالِ قائِمٌ بَعْدُ، والأوْجَهُ أنْ يُقالَ: اُسْتُعْمِلَتِ التَّوْفِيَةُ بِمَعْنى الإعْطاءِ كَما اسْتُعْمِلَ التَّوَفِّي بِمَعْنى الأخْذِ، ومَن قالَ: أعْطَيْتُ فُلانًا حَقَّهُ كانَ جَدِيرًا أنْ يُؤَكِّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ)، ﴾ انْتَهى.
وفي الكَشْفِ أقُولُ في تَعْلِيقِ التَّوْفِيَةِ بِالنِّصْفِ مَعَ أنَّ الكُلَّ حَقُّهُ ما يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبِهِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ: نِصْفَ حَقِّهِ وحَقَّهُ مُنَصَّفًا، فَجازَ وفَّيْتُهُ نَصِيبَهُ مُنَصَّفًا ونَصِيبَهُ ناقِصًا، ويَحْسُنُ فائِدَةُ التَّأْكِيدِ ويُظْهِرُ أنَّ الواهِمَ مَن هو فَتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: سُعِدُوا بضم السين، وقرأ الباقون بنصب السين.
فمن قرأ بالنصب، فمعناه: الذين استوجبوا السعادة في الجنة، ومن قرأ بالضم، فمعناه: وأما الذين سُعِدُوا، أي قدر عليهم السعادة، وخلقوا للسعادة فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ أن يحبس في المحشر، وعلى الصراط.
ويقال: الذين شقوا يعني الكفار، والذين سعدوا المؤمنين، ومعناه: الكفار في النار إلا ما شاء الله إن يسلموا، والمؤمنون في الجنة إلا ما شاء الله أن يرجعوا عن الإسلام.
ويقال: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يعني: قد شاء ربك.
ثم قال: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ يعني: رزقاً غير منقطع عنهم، ولا ينقص من ثمارهم، ولا من نعمتهم.
ثم قال تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ يعني: في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ إن الله تعالى يعاقبهم بذلك، مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: لا يرغبون في التوحيد، كما لم يرغب آباؤهم من قبل الذين هلكوا، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ يعني: نوف لهم ولآبائهم حظهم، من العذاب غير منقوص عنهم، وهو قول مقاتل.
وقال سعيد بن جبير: معنى نصيبهم من الكتاب، الذي كتب في اللوح المحفوظ، من السعادة والشقاوة.
وقال مجاهد: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ يعني: ما قدر لهم من خير أو شر.
<div class="verse-tafsir"
في كلام العرب: العطيّة.
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ...
الآية: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال تَتْبِيبٍ: الخُسْرَانُ ومنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] .
وقوله: وَكَذلِكَ: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة» : أعمُّ من «كافرة» ، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى أن رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه» ، ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ...
الآية «١» ، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وهو يومُ الحَشْر، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ في قول الجمهور، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ ﴾ أيْ: فَلا تَكُ يا مُحَمَّدُ في شَكٍّ " مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ " المُشْرِكُونَ مِنَ الأصْنامِ، أنَّهُ باطِلٌ وضَلالٌ، إنَّما يُقَلِّدُونَ آباءَهم، " وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم " وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نَصِيبُهم مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: نَصِيبُهم مِنَ العَذابِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ بَعْضُهم: لا يَنْقُصُهم مِن عَذابِ آبائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبُّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ شَقُوا ﴾ -عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ -يُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يُعَذَّبُ مِن كافِرٍ وعاصٍ، وعَلى بَعْضِها- كُلُّ مَن يُخَلَّدُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الكَفَرَةِ خاصَّةً.
والزَفِيرُ: صَوْتٌ شَدِيدٌ خاصٌّ بِالمَحْزُونِ أوِ الوَجَعِ أوِ المُعَذَّبِ ونَحْوِهِ، والشَهِيقُ كَذَلِكَ، كَما يَفْعَلُ الباكِي الَّذِي يَصِيحُ خِلالَ بُكائِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الزَفِيرُ: صَوْتٌ حادٌّ.
و الشَهِيقُ: صَوْتٌ ثَقِيلٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الزَفِيرُ مِنَ الصَدْرِ، و الشَهِيقُ مِنَ الحَلْقِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَفِيرُ: أوَّلُ صَوْتِ الحِمارِ، و الشَهِيقُ: آخِرُهُ، فَصِياحُ أهْلِ النارِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الزَفِيرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الزَفْرِ وهو الشِدَّةُ، و الشَهِيقُ: مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ عالٍ، فَهُما -عَلى هَذا المَعْنى- واحِدٌ أو مُتَقارِبٌ، والظاهِرُ ما قالَ أبُو العالِيَةِ، فَإنَّ الزَفْرَةَ هي الَّتِي يُعَظَّمُ مَعَها الصَدْرُ والجَوْفُ، والشَهْقَةُ هي الوَقْعَةُ الأخِيرَةُ مِنَ الصَوْتِ المُنْدَفِعِ مَعَها النَفَسُ أحْيانًا، فَقَدْ يَشْهَقُ المُحْتَضِرُ ويَشْهَقُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ.
وأُمًّا قَوْلُهُ: ﴿ ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يُبَدِّلُ السَمَواتِ والأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجْعَلُ الأرْضَ مَكانًا لِجَهَنَّمَ والسَماءَ مَكانًا لِلْجَنَّةِ، ويَتَأبَّدُ ذَلِكَ، فَقَرَنَتِ الآيَةُ خُلُودَ هَؤُلاءِ بِبَقاءِ هَذِهِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِن نُورِ العَرْشِ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى هُنالِكَ في الآخِرَةِ، فَلَهُما ثُمَّ بَقاءٌ دائِمٌ".
وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ ﴾ العِبارَةُ عن التَأْبِيدِ: بِما تَعْهَدُهُ العَرَبُ، وذَلِكَ أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِها إذا أرادَتْ أنْ تُخْبِرَ عن تَأْبِيدِ شَيْءٍ أنْ تَقُولَ: "لا أفْعَلُ كَذا وكَذا مَدى الدَهْرِ، وما ناحَ الحَمامُ، وما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ"، ونَحْوَ هَذا مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِن غَيْرِ نِهايَةٍ، فَأفْهَمَهُمُ اللهُ تَعالى تَخْلِيدَ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ أخْبَرَ بِزَوالِ السَماواتِ والأرْضِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا بِمُنْقَطِعِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها وتُغْلَقُ أبْوابُها، فَهم -عَلى هَذا- يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ، والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ إنَّما هو الدَرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى جَهَنَّمَ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا.
وقِيلَ: إنَّما اسْتُثْنى ما يَلْطُفُ اللهُ تَعالى بِهِ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في إخْراجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النارِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ ما، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَحّاكِ، وأبِي سِنانَ، وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا ﴾ عامًّا في الكَفَرَةِ والعُصاةِ كَما قَدَّمْنا، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن ﴿ خالِدِينَ ﴾ ، وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: "وَما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا البَيْتُ يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ بِهِ عَلى مُعْتَقَدِنا في فَناءِ الفَرْقَدَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ العالَمِ، وأمّا إنْ كانَ قائِلُهُ مِن دَهْرِيَّةِ العَرَبِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ يَرى ذَلِكَ مُؤَبَّدًا فَأجْرى "إلّا" عَلى بابِها.
وقِيلَ: "إلّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، كَما تَقُولُ: "لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ، إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ "، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ سِوى ما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءَ، فَإنَّهُ يُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ بِ "سِوى"، وسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُهُ بِـ "لَكِنْ"، وقِيلَ: "سِوى ما أعَدَّهُ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ"، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَماواتِ والأرْضِ، المُدَّةِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُنْيا، وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النارِ، إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَفِي النارِ ﴾ ، كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرٍ عن ذَلِكَ"، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عن جابِرٍ أو عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ- "سَعِدُوا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ-: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِينِ، وهي شاذَّةٌ ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِمْ: "مَسْعُودٌ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أسْعَدَ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ، كَما يُقالُ: مَحْبُوبٌ، مِن أحَبَّ، ومَجْنُونٌ مِن أجَنَّهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ في مَسْعُودٍ: إنَّما أصْلُهُ الوَصْفُ لِلْمَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ ثُمَّ نُقِلَ إلى التَسْمِيَةِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعَدَهُ اللهُ، بِمَعْنى: أسْعَدَهُ، وبِضَمِّ السِينِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ.
والأقْوالُ المُتَرَتِّبَةُ في اسْتِثْناءِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ تَتَرَتَّبُ هاهُنا إلّا تَأْوِيلَ مَن قالَ: "هُوَ اسْتِثْناءُ المُدَّةِ الَّتِي تُخَرَّبُ فِيها جَهَنَّمُ"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَزِيدُ هُنا قَوْلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في المُدَّةِ الَّتِي يُقِيمُها العُصاةُ في النارِ، ولا يَتَرَتَّبُ أيْضًا تَأْوِيلُ مَن قالَ في تِلْكَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفِي النارِ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ، نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و المَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ، والجَذُّ: القَطْعُ، وكَذَلِكَ الجَدُّ، وكَذَلِكَ (الحَزُّ).
<div class="verse-tafsir"
تفريع على القصص الماضية فإنها تكسب سامعها يقيناً بباطل ما عليه عبدة الأصنام وبخيبة ما أملوه فيهم من الشّفاعة في الدنيا وإن سابق شقائهم في الدنيا بعذاب الاستئصال يُؤذن بسوء حالهم في الآخرة، ففرع على ذلك نهي السامع أن يشك في سوء الشّرك وفساده.
والخطاب في نحو ﴿ فلا تك في مرية ﴾ يقصد به أيُّ سامع لا سامعٌ معيّن سواء كان ممّن يظنّ به أن يشكّ في ذلك أم لا إذ ليس المقصود معيّناً.
ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ويكون ﴿ فلا تك ﴾ مقصوداً به مجرّد تحقيق الخبر فإنّه جرى مجرى المثل في ذلك في كلام العرب مثل كلمة: لا شكّ، ولا محالة، ولا أعرفنّك، ونحوها.
ويجوز أن يكون تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه من التصلّب في الشرك، أي لا تكن شاكّاً في أنّك لقيت من قومك من التكذيب مثل ما لقيه الرّسل من أممهم فإنّ هؤلاء ما يعبدون إلاّ عبادة كما يعبد آباؤهم من قبل متوارثينها عن أسلافهم من الأمم البائدة.
و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية.
والمرية بكسر الميم: الشكّ.
وقد جاء فعلها على وزن فَاعَل أو تَفاعل وافتعل.
ولم يجئ على وزن مجرّد لأنّ أصل المراد المجادلة والمدافعة مستعاراً من مريْتُ الشاة إذا استخرجت لبنها.
ومنه قولهم: لا يجارى ولا يُمارى.
وفي القرآن ﴿ أفتمارونه على ما يرى ﴾ [النجم: 12].
وقد تقدّم الامتراء عند قوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ في أوّل [الأنعام: 2].
و ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ ما يعبد ﴾ مصدريّة، أي لا تك في شكّ من عبادة هؤلاء، والإشارة بهؤلاء إلى مشركي قريش.
وقد تتبعتُ اصطلاح القرآن فوجدته عَنَاهُمْ باسم الإشارة هذا في نحو أحد عشر موضعاً وهو ممّا ألهمت إليه ونبّهتُ عليه عند قوله تعالى: ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ في سورة [النساء: 41].
ومعنى الشكّ في عبادتهم ليس إلاّ الشكّ في شأنها، لأنّ عبادتهم معلومة للنبيء صلى الله عليه وسلم فلا وجه لنفي مريته فيها، وإنّما المراد نفي الشك فيما قد يعتريه من الشكّ من أنهم هل يعذّبهم الله في الدنيا أو يتركهم إلى عقاب الآخرة.
وجملة ﴿ ما يعبدون إلاّ كما يعبد آباؤهم من قبل ﴾ مستأنفة، تعليلاً لانتفاء الشكّ في عاقبة أمرهم في الدّنيا.
ووجه كونه علّة أنّه لمّا كان دينهم عين دين من كان قبلهم من آبائهم وقد بلغكم ما فعل الله بهم عقاباً على دينهم فأنتم توقنون بأنّ جزاءهم سيكون مماثلاً لجزاء أسلافهم، لأنّ حكمة الله تقتضي المساواة في الجزاء على الأعمال المتماثلة.
والاستثناء بقوله: ﴿ إلاّ كما يعبد ﴾ استثناء من عموم المصادر.
وكاف التشبيه نائبة عن مصدر محذوف.
التّقدير: إلاّ عبادة كما يعبد آباؤهم.
والآباء: أطلق على الأسلاف، وهم عاد وثمود.
وذلك أنّ العرب العدنانيين كانت أمّهم جرهمية، وهي امرأة إسماعيل، وجرهم من إخوة ثمود، وثمود إخوة لعاد، ولأنّ قريشاً كانت أمهم خزاعيّة وهي زوج قصيّ.
وعبادة الأصنام في العرب أتاهم بها عمرو بن يحيى، وهو جدّ خزاعة.
وعبّر عن عبادة الآباء بالمضارع للدّلالة على استمرارهم على تلك العبادة، أي إلاّ كما اعتاد آباؤُهم عبادتهم.
والقرينة على المضي قوله: ﴿ من قبلُ ﴾ ، فكأنّه قيل: إلاّ كما كان يعبد آباؤهم.
والمضاف إليه ﴿ قَبْلُ ﴾ محذوف تقديره: من قبلهم، تنصيصاً على أنّهم سلفهم في هذا الضّلال وعلى أنّهم اقتدوا بهم.
وجملة ﴿ وإنّا لموفّوهم نَصيبَهُمْ ﴾ عطف على جملة التّعليل، والمعطوف هو المعلول، وقد تسلّط عليه معنى كاف التّشبيه لذلك.
فالمعنى: وإنّا لموفوهم نصيبَهم من العذاب كما وفّينا أسلافهم.
والتوفية: إكمال الشيء غير منقوص.
والنصيب: أصله الحظ.
وقد استعمل (موفوهم) و(نصيبَهم) هنا استعمالاً تهكّمياً كأنّ لهم عطاء يسألونه فَوُفوه، فوقع قوله ﴿ غيرَ منقوص ﴾ حالاً مؤكدة لتحقيق التّوفية زيادة في التهكم، لأنّ من إكرام الموعود بالعطاء أن يؤكد له الوعد، ويسمى ذلك بالبشارة.
والمراد نصيبهم من عذاب الآخرة، فإنّ الله لم يستأصلهم كما استأصل الأمم السابقة ببركة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ فِيها خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: دامَتْ سَماواتُ الدُّنْيا وأرْضُها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلَيْها في الخُلُودِ فِيها: الثّانِي: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مُدَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّالِثُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في النّارِ إلى أنْ يَخْرُجُوا مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: خالِدِينَ فِيها يَعْنِي أهْلَ التَّوْحِيدِ، إلّا ما شاءَ رَبُّكَ يَعْنِي أهْلَ الشِّرْكِ، وهو يُشْبِهُ قَوْلَ أبِي نَضْرَةَ.
الخامِسُ: خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ رَبُّكَ أيْ ما شاءَ مِن عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ، فَتَكُونُ ( إلّا ) هُنا بِمَعْنى الواوِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرِ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ أيْ والفَرْقَدانِ.
﴿ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرُ مَقْطُوعٍ.
الثّانِي: غَيْرُ مَمْنُوعٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هاتان من المخبآت، قول الله: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ و ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ [ المائدة: 109] أما قوله: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ فهم قوم من أهل الكبائر من أهل هذه القبلة، يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم، ثم يأذن في الشفاعة لهم فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم في النار ﴿ فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ حين أذن في الشفاعة لهم وأخرجهم من النار، وأدخلهم الحنة وهم هم ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ يعني بعد الشقاء الذي كانوا فيه ﴿ ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ يعني الذين كانوا في النار.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن قتادة.
أنه تلا هذه الآية ﴿ فأما الذين شقوا ﴾ فقال: حدثنا أنس رضي الله عنه.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار ولا نقول كما قال أهل حروراء» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فأما الذين شقوا ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شاء الله أن يخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: إنها في التوحيد من أهل القبلة.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: إلا ما استثنى من أهل القبلة.
وأخرج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أو عن أبي سعيد الخدري أو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ﴾ قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول: حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن أبي نضرة قال: ينتهي القرآن كله إلى هذه لآية ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ الآية.
قال: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، يقول: خالدين في الجنة ﴿ ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة.
وأخرج أبو الشيخ عن سنان قال: استثنى في أهل التوحيد، ثم قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: سماء الجنة وأرضها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما دامت السماوات والأرض ﴾ قال: تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة أخذ الله السموات السبع والأرضين فطهرهن من كل قذر ودنس، وفصيرهن أرضاً بيضاء فضة نوراً يتلألأ، فصيرهن أرضاً للجنة، والسموات والأرض اليوم في الجنة كالجنة في الدنيا يصيرهن الله على عرض الجنة ويضع الجنة عليها، وهي اليوم على أرض زعفرانية عن يمين العرش، فأهل الشرك خالدين في جهنم ما دامت أرضاً للجنة.
وأخرج البيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وأن يخلد هؤلاء في الجنة.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأما الذين شقوا...
﴾ قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله فنسخها، فأنزل الله بالمدينة ﴿ إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً ﴾ [ النساء: 168] إلى آخر الآية.
فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها وأوجب لهم خلود الأبد.
وقوله: ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ الآية.
قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ﴾ [ النساء: 122] إلى قوله: ﴿ ظلاً ظليلاً ﴾ [ النساء: 57] فأوجب لهم خلود الأبد.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: استثنى الله أمر النار أن تأكلهم.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر رضي الله عنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه.
وأخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ ﴿ فأما الذين شقوا...
﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية ﴿ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ قال: وقال ابن مسعود ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً، وأسرعهما خراباً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قال: الله أعلم بمشيئته على ما وقعت.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قد أخبر الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل.
أنه كان إذا سئل عن الشيء من القرآن؟
قال: قد أصاب الله به الذي أراد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ قال: الزفير الصوت الشديد في الحلق، والشهيق الصوت الضعيف في الصدر.
وفي قوله: ﴿ غير مجذوذ ﴾ قال: غير مقطوع.
وفي لفظ: غير منقطع.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ما الزفير؟
قال: زفير كزفير الحمار.
قال فيه أوس بن حجر: ولا عذران لاقيت أسماء بعدها ** فيغشى علينا إن فعلت وتعذر فيخبرها أن رب يوم وقفته ** على هضبات السفح تبكي وتزفر <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ ﴾ : و ﴿ لَا تَكُ ﴾ أصلها: لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف.
قال أبو إسحاق (١) ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (٢) وقال أبو الفتح الموصلي (٣) وقوله تعالى: ﴿ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ ﴾ يعني المشركين، قال أبو بكر الأنباري: قوله تعالى: ﴿ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ ﴾ ليس على ظاهره؛ لأنه لا حجة ولا طعن عليهم بمعرفة أعيان معبوداتهم، ولكنه من باب حذف المضاف، تلخيصه: ولا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع.
وقوله تعالى: ﴿ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي إلا كعبادة آبائهم من قبل، ﴿ مَا ﴾ (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ ، أي من العذاب في قول ابن عباس (٦) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222.
(٢) النحل: 120.
(٣) "سر صناعة الإعراب" 2/ 238 باختصار.
(٤) ساقط من (ي).
(٥) في (ي): (تقدير).
(٦) هذا القول مروي عن ابن زيد كما في الطبري 12/ 123، والمروي عن ابن عباس هو "ما وعدوا فيه من خير أو شر" كما في الطبري 12/ 122، "زاد المسير" 4/ 162.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ العامل في الظرف لا تكلم أو فعل مضمر؛ وفاعل يأت ضمير يعود على يوم مشهود وقال الزمخشري يعود على الله تعالى كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ [الأنعام: 158] ويعضده عود الضمير عليه في قوله بإذنه ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ الضمير يعود على أهل الموقف الذي دل عليهم قوله: لا تكلم نفس ﴿ زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ الزفير: إخراج النفس، والشهيق ردّه، وقيل: الزفير صوت المحزون، والشهيق صوت الباكي، وقيل: الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض ﴾ فيه وجهان أحدهما أن يراد به سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة أبداً، والآخر أن سكون عبارة عن التأبيد كقول العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام وشبه ذلك مما يقصد به الدوام ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: قيل إنه على طريق التأدب مع الله كقولك: إن شاء الله، وإن كان الأمر واجباً، وقيل: المراد به زمان خروج المذنبين من النار، ويكون الذين شقوا على هذا يعم الكفار والمذنبين، وقيل: استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث دون الثاني ﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.
﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.
التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.
ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.
﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.
وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.
والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.
وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.
قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.
وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.
قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.
وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟
والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.
وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.
وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.
ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.
قالت المعتزلة.
في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.
وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.
قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.
وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.
والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.
ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.
وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.
﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.
وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.
ثم أشار إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟
﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.
فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.
والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.
أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.
ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.
أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.
وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.
﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.
ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.
كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.
وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.
وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.
وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.
ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.
ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.
ثم وصف الله بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .
ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.
ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.
وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.
وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.
فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.
قوله ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.
والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.
وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.
ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.
ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.
ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.
وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.
والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.
ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.
وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.
و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.
وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.
﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.
عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.
تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.
كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.
ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.
التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.
﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.
﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.
﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.
﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.
ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ : ذلك ما سبق من ذكر القرى والقرون في هذه السورة من أنباء الغيب نقصه عليك؛ [لتفهم رسالتك بها]، ولتكون آية لنبوتك؛ لأنك لم تشاهدها، ولا اختلفت [إلى أحد] منهم فتعلمت منهم، ولا كانت الكتب بلسانك فيقولون: نظرت فيها فأخذت ذلك منها، ثم أنبأت على ما كان وقصصت عليهم؛ ليعلم أنك إنما عرفت بالله، فتكون آية لرسالتك.
وقوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ : ترى مكانها وتنظر إليها، ومنها حصيد لا ترى له أثراً ولا مكاناً.
وقال بعضهم: قائم: أي: خاوية على عروشها، وحصيد: مستأصلة.
وعن الحسن قال: منها قائم وما حصد الله أكثر، أي: وما أهلك الله من القرى أكثر.
وأصله عندنا: منها قائم؛ نحو قرى عاد وثمود ومدين، أهلك أهلها وبقيت القرى لأهل الإسلام؛ لأنه يقول في قرى عاد: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ الآية [الأحقاف: 25]، ومنها حصيد: ما أهلك أهلها والقرى جميعاً نحو قوم نوح؛ أهلكوا ببنيانهم، ونحو قريات قوم لوط أهلكت بأهلها أيضاً حتى لم يبق لا الأهل ولا البنيان، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ هلك أهلها وبقي البنيان، ومنها حصيد: هو ما أهلك البنيان بأهله، حتى لم يبق لها أثر، وفيه وجوه ثلاثة: أحدها: آية لرسالته؛ لما ذكرناه وعبرة لأهل التقوى، وهو ما ذكر في آخره: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وزجراً لأهل الشرك والكفر؛ لأنهم يذكرون ما نزل بأولئك فينزجرون عن صنيعهم فيه.
هذه الوجوه التي ذكرناها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ فيه وجهان: أي: لم نظلمهم؛ لأنهم وبنيانهم ملك لله - - وكل ذي ملك له أن يهلك ملكه، ولا يوصف بالظلم من أتلف ملكه، وهم ظلموا أنفسهم إذ أنفسهم ليست لهم في الحقيقة وكذلك بنيانهم، ومن أتلف ملك غيره فهو ظالم.
والثاني: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ يقول: وما ظلمناهم بالعذاب؛ إذ هم يستوجبون ذلك بما ارتكبوا، فلم نضع العذاب في غير موضعه؛ بل هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ حيث صرفوها إلى غير مالكها وعبدوا غيره، فهو ظلم؛ هذا التأويل في أنفسهم، وأما البنيان فهو، أنه إنما جعله لهم، فإذا هلكوا هم أهلك ما جعل لهم، إنما أبقي لهم ما داموا، فأما إذا بادوا هم فلا معنى لإبقاء البنيان.
وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله.
والثاني: ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل الله وعن عبادة الله وتوحيده إلى عبادة غير الله.
والثالث: ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب.
وقوله: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ في هذا وجهان: أحدهما: ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون الله لما جاء أمر ربّك؛ أي: عذاب ربك؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ...
﴾ الآية [الزمر: 3]، يخبر أن عبادتهم الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا.
والثاني: فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال إليها؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ فإذا لم يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ يحتمل: ما زاد عبادتهم إياها غير تتبيب، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب.
والتتبيب: قال عامة أهل التأويل: هو التخسير.
وقال أبو عوسجة: غير تتبيب: غير فساد، والتتبيب: الفساد.
وكذلك قال في قوله: ﴿ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ أي: فساد.
وقال غيره: إلا في خسار وقال غيره: غير تخسير.
[وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ ﴾ أي: خسرت.
وقال أبو عبيدة: غير تتبيب: غير تدبير وإهلاك].
وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ وكذلك قالوا في قول الناس: تبّاً لك.
وقال بعضهم: غير تتبيب غير شر، والتتبيب: الشر، والتبّ: الشر والخسران، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أولئك، أي: كما عذبنا الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة، كذلك نعذب هذه الأمة [لكن أخر عن هذه الأمة]، وفيه رحمة أن ﴿ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: أن أخذه بالعذاب أليم شديد، الأخذ نفسه يوصف بالشدة، ولكن لا يوصف بالألم، والعذاب يوصف بالألم، لكن لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ هو ما ذكرناه: فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ ﴾ خصّ الناس بالذكر وإن كان الجمع لهم ولغيرهم؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية، أو لما هم المقصودون بالجمع بذلك اليوم - والله أعلم - قيل: يجمع فيه الأولون والآخرون ﴿ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ .
قال بعضهم: يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ أي: ما نؤخر العذاب عن هذه الأمة إلا لأجل معدود، وذكر هذا - والله أعلم - جواب ما استعجلوه من العذاب بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ونحوه، فقال: وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوت؛ أي: إلا لأجل معدود عند الله، ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف فيكون معدوداً عند الناس، ويكون وقت القيامة معلوماً على قوله، وقد أخبر الله: ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه؛ كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ وكقوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ أو لا تكلم نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه، وهو ما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ : فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها وعملها أدخلته [النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها وعملها أدخلته] الجنة، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو سعيد به، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به.
روي في ذلك خبر عن رسول الله روي عن عمر - - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ سألت النبي فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ منه؟
قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له" فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ ﴾ لما ذكرناه ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ قال بعضهم: الزفير هو كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، وأمّا الشهيق فهو كشهيق الحمار في الحلق، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه، فهو شهيق.
وقال بعضهم: الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء يصيبه لا يتبين منه؛ كقوله: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ والشهيق هو ما يرتفع منه الصوت يسمى شهيقاً.
ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم حتى يكون منهم الزفير والشهيق لا يفهم؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ عن الحسن قال: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ : تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض؛ لأن السماء هذه أخبر أنها تنشق وتطوى وتبدل؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ ﴾ و ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ﴾ و ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ﴾ ونحوه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ إنما هو صلة الكلام؛ كأنه قال: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، وقد يتكلم بمثل هذا على الصلة.
وقال بعضهم: يدوم لهم العذاب أبداً ما دامت السماوات والأرض [لأهل الدنيا ما كانوا فيها؛ لأنهما إنما تفنيان بعد فناء أهلها وإحياء الأهل والبعث، فأخبر أن العذاب يدوم لهم كما يدوم لأهل الدنيا السماء والأرض].
وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت سماء الجنة وأرض الجنة، وسماء النار وأرض النار، لكن ذكر هذا لئلا يتوهم أهل الجنة والنار قبل هلاك سمائها وأرضها على ما يتوهم في توهم هلاك أهل الدنيا قبل هلاك سمائها وأرضها.
وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماء، يتكلمون على ما بعد من أوهامهم فناؤهما، أو على الصلة؛ يقول الرجل لآخر: لا أكلمك ما دام الليل والنهار: أي أبداً.
هذا تأويل قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ قال بعضهم: إن ناساً من أهل التوحيد يعذبون في النار على قدر ذنوبهم وخطاياهم ثم يخرجون منها.
وقد روي في ذلك آثار؛ روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ما - عن النبي قال: "الاستثناء في الآيتين كلتيهما لأهل الجنة" ، يعني: الذين يخرجون من النار من أهل التوحيد ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ يقول: لم يشقوا شقاء من يخلد في النار وقال في الذين سعدوا إلا ما شاء ربك هم أولئك الذين لم ينالوا من السعادة ما نال أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار.
وفي بعضها [عن النبي] أنه قال: "أما من يريد الله إخراجه [من النار] فإنهم يماتون فيها إماتة" وقال في خبر آخر: "أما من يريد الله له الخلود فلا يخرجون منها" وأمثال هذا من الأخبار، فإن ثبت هذا فهو المعتمد.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ أي: قد شاء لأهل النار الأبد والخلود، وشاء لأهل الجنة عطاء غير مجذوذ؛ أي: غير منقطع.
ويؤيد هذا التأويل ما ذكر في حرف ابن مسعود وأبي: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ في الآيتين؛ وفي الآية الأولى: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ وفي الأخرى: (ما دامت السماوات والأرض عطاء غير مجذوذ) وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي أنهما لم يذكرا الثنيا في أهل الجنة، وأصل هذا ما ذكر أبو عبيد قال: الاستثناء الذي هو في أهل السعادة فهو المشكل؛ لأنه يقال: كيف يستثني وقد وعدهم خلود الأبد في الجنة.
وقال في ذلك أقوالا لا أدري إلى من تسند، إلا أن لها مخارج في كلام العرب وشواهد في الآثار، وإنما يتكلم الناس في هذا على معاني العربية، والله أعلم بما أراد.
قال: فأحد هذه الوجوه في الاستثناء فيما يقال كالرجل يوجب على نفسه الشيء ليفعلنه، ثم يقول: إن شاء الله، وعزمه [و] ضميره مع استثنائه أنه فاعله، لا يريد غيره.
ومما يقوي هذا المذهب قول الله - -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ فاستثنى، وقد علم أنهم داخلوه ألبتة.
ومنه ما روي في حديث مكة عن النبي حين قال: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" وقال بعضهم: استثنى المنشد وهي لا تحل له، كما لا تحل لغيره.
والوجه الثاني بأن يكون "إلا" في معنى سوى؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تقول: عليك ألف درهم من قبل كذا وكذا، إلا الألف التي قبل ذلك؛ أي: سوى الألف التي قبل ذلك [وغير الألف التي قبل ذلك، وإلا الألف التي قبل ذلك]، فيكون المعنى على هذا أنه وعدهم خلود الأبد سوى ما أعد لهم من الزيادة في الكرامة والمنزلة التي لم يذكرها لهم.
ومما يقوي هذا التأويل ما روي عن نبي الله قال: "قال الله - -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه" ثم قرأ: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...
﴾ الآية [السجدة: 17]؛ أفلا ترى أن هاهنا من الزيادة ما لم يطلعهم عليه.
والوجه الثالث: أن يكون الاستثناء من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين البعث والحساب، وقد قيل ما ذكرناه أنه ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ الذي ذكر، إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد؛ يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في الحساب.
ومما يقوي هذا المذهب ما قيل في قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قيل: ما بين الموت والبعث، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ ﴾ فقد اختلف القراء في قراءتها؛ قرأها الكسائي وحمزة.
بضم السين (سُعِدُواْ) وأما أبو عمرو وأهل المدينة وغيرهم من القراء قرءوا بفتح السين (سُعِدُواْ) على قياس (شَقُواْ).
قال أبو عوسجة: لا أعرف سعدوا بضم السين، وإنما هو سعدوا بفتح السين.
وقال أبو عوسجة (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي: غير مقطوع؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً ﴾ أي قطعاً، وقد ذكرنا قولهم في الزفير والشهيق على قدر حفظنا له.
<div class="verse-tafsir"
فلا تكن -أيها الرسول- في ارتياب وشك من فساد ما يعبده هؤلاء المشركون، فليس لهم على صحته برهان عقلي ولا شرعي، وإنما الحامل لهم، على عبادة غير الله تقليدهم لآبائهم، وإنا لمُتِمُّون لهم نصيبهم من العذاب دون نقص.
<div class="verse-tafsir" id="91.WBaqx"