تفسير الآية ٣٨ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٣٨ من سورة هود

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ٣٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٨ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) أي : يطنزون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق ، ( قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون ) وعيد شديد ، وتهديد أكيد ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويصنع نوح السفينة، وكلما مرّ عليه جماعة من كبراء قومه (1) ، ( سَخِرُوا مِنْهُ ) ، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتحوّلت نجارًا بعد النبوّة ، وتعمل السفينة في البر ؟

، فيقول لهم نوح: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا ) ، إن تهزءوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة ، كما تهزءون منا في الدنيا (2) ، (فسوف تعلمون) ، إذا عاينتم عذابَ الله، مَن الذي كان إلى نفسه مُسِيئًا منَّا .

* * * وكانت صنعة نوح السفينة ، كما:- 18133- حدثني المثنى وصالح بن مسمار قالا حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا موسى بن يعقوب قال، حدثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: أنّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره : أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو رحم الله أحدًا من قوم نوح لرحم أم الصبي !

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، حتى كان آخر زمانه غَرس شجرةً، فعظمت وذهبت كلَّ مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينة، ويمرُّون فيسألونه، فيقول: أعملها سفينة !

فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينةً في البر فكيف تجري !

فيقول: سوف تعلمون.

فلما فرغ منها ، وفارَ التنور ، وكثر الماء في السكك ، خشيت أمُّ الصبيِّ عليه، وكانت تحبّه حبًّا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثُلُثه .

فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل .

فلما بلغها الماء خرجت ، حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعتْه بين يديها ، حتى ذهب بها الماء .

فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أمّ الصبيّ .

(3) 18134- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن طول السفينة ثلاث مائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وبابها في عرضها 18135- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ست مائة ذراع.

18136- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال الحواريُّون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدَّثنا عنها !

قال: فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ما هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هذا كعب حام بن نوح.

قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله !

فإذا هو قائمٌ ينفُض التراب عن رأسه قد شَابَ ، قال له عيسى: هكذا هلكت؟

قال: لا ولكن مِتُّ وأنا شابّ، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثَمَّ شِبتُ.

قال: حدثنا عن سفينة نوح .

قال: كان طولها ألف ذرع ومائتي ذراع، وعرضها ست مائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدوابُّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير.

فلما كثر أرواث الدوابِّ، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذَنب الفيل ، فغمزه فوقع منه خنـزير وخنـزيرة، فأقبلا على الرَّوْث.

فلما وقع الفأر بجَرَز السفينة يقرضه، (4) أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد ، فخرج من منخره سِنَّور وسنّورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى: كيف علم نوح أنّ البلاد قد غرقت؟

قال: بعث الغرابَ يأتيه بالخبر، فوجد جيفةً فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوَّقَها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنسٍ وأمان، فمن ثم تألف البيوت.

قال: فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا، فيجلس معنا، ويحدثنا؟

قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟

قال: فقال له: عُدْ بإذن الله، قال: فعاد ترابًا.

(5) 18137- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عمن لا يتَّهم عن عبيد بن عمير الليثي: أنه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به ، يعني قوم نوح ، فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر النَّجْل بعد النَّجْل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله، حتى إن كان الآخر منهم ليقول: " قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونًا " !

لا يقبلون منه شيئًا .

حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى، كما قص الله علينا في كتابه: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا ، إلى آخر القصة، حتى قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا ، إلى آخر القصة [سورة نوح: 5 -27] فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم، أوحى الله إليه أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا .......

وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ، أي : بعد اليوم، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ .

فأقبل نوح على عمل الفلك، ولَهِيَ عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد ، ويهيئ عدة الفلك من القَار وغيره مما لا يصلحه إلا هو ، وجعل قومه يمرُّون به وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه ويستهزئون به، فيقول: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ، قال: ويقولون فيما بلغني: يا نوح قد صرت نجَّارًا بعد النبوّة !

قال: وأعقم الله أرحام النساء، فلا يولد لهم ولد.

قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب السّاج، وأن يصنعه أزْوَر، (6) وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سفلا ووسطًا وعلوًا، وأن يجعل فيه كُوًى.

ففعل نوح كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ وقد جعل التَّنُّور آية فيما بينه وبينه ، فقال : ( إذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ) ، واركب.

فلما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله، وكانوا قليلا كما قال الله، وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ، ذكر وأنثى، فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر: نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره به من الدوابّ، وتخلف عنه ابنه يَام، وكان كافرًا.

(7) 18138- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: سمعته يقول: كان أوّل ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الذرّة، وآخر ما حمل الحمار ، فلما أدخل الحمار وأدخَل صدره ، تعلق إبليس بذنبه، (8) فلم تستقلّ رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخل !

فينهض فلا يستطيع.

حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك !

قال: كلمة زلَّت عن لسانه، فلما قالها نوح خلَّي الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطانُ معه، فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يا عدوَّ الله؟

فقال: ألم تقل: " ادخل وإن كان الشيطان معك "؟

قال: اخرج عنّي يا عدوّ الله !

فقال: ما لك بدٌّ من أن تحملني !

فكان ، فيما يزعمون ، في ظهر الفلك ، فلما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من آمن به، وكان ذلك في الشهر .

.

.

.

(9) من السنة التي دخل فيها نوح بعد ست مائة سنة من عمره ، لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر ، فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغوط الأكبر، (10) وفتح أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إذا َتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ، [ سورة القمر: 11-12] .

فدخل نوح ومن معه الفلك ، وغطاه عليه وعلى من معه بطَبَقه، (11) فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يومًا وأربعون ليلة، ثم احتمل الماء كما تزعم أهل التوراة، وكثر الماء واشتد وارتفع ، يقول الله لمحمد: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ، [سورة القمر: 13] ، و " الدسر " ، المسامير، مسامير الحديد ، فجعلت الفلك تجري به ، وبمن معه في موج كالجبال ، ونادي نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزلٍ حين رأى نوحٌ من صدق موعد ربه ما رَأى ، فقال: يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ، وكان شقيًّا قد أضمر كفرًا .

قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ، وكان عَهِد الجبال وهي حِرْزٌ من الأمطار إذا كانت، فظنّ أن ذلك كما كان يعهد.

قال نوح: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ، وكثر الماء حتى طغى ، وارتفع فوق الجبال ، كما تزعم أهل التوراة ، بخمسة عشر ذراعًا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق ، من كل شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك، وإلا عُوج بن عُنُق فيما يزعم أهل الكتاب ، فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليالٍ.

(12) 18139- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان ، قال ابن حميد، قال سلمة ، وحدثني علي بن زيد عن يوسف بن مهران، قال: سمعته يقول: لما آذى نوحًا في الفلك عَذِرة الناس، أمر أن يمسح ذنب الفيل، فمسحه، فخرج منه خنـزيران، وكفي ذلك عنه.

وإن الفأر توالدت في الفلك، فلما آذته، أمر أن يأمر الأسد يعطس، فعطس ، فخرج من منخريه هِرّان يأكلان عنه الفأر.

18140- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: لما كان نوح في السفينة، قرض الفأر حبالَ السفينة، فشكا نوح، فأوحى الله إليه ، فمسح ذنب الأسد ، فخرج سِنَّوران.

وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنـزيران 18141- حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال ، حدثنا الأسود بن عامر قال، أخبرنا سفيان بن سعيد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، بنحوه.

(13) 18142- حدثت عن المسيب بن أبي روق، عن الضحاك، قال: قال سليمان القراسي: عمل نوح السفينة في أربع مائة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة ، حتى كان طوله أربع مائة ذراع، والذراع إلى المنكب.

(14) --------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 295 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(2) انظر تفسير " سخر " فيما سلف 14 : 382 ، تعليق : 2 .

(3) الأثر : 18133 - " ابن أبي مريم " ، هو : " سعيد بن أبي مريم " ، ثقة : روى له الجماعة ، سلف مرارًا ، آخرها : 12771 ." وموسى بن يعقوب بن يعقوب الزمعي " ، ثقة ، متكلم فيه ، مضى توثيقه برقم : 9923 ، ورقم : 15756 ، 15822 ، وقال علي بن المديني : " ضعيف الحديث ، منكر الحديث " ، وقال الأثرم : سألت أحمد عنه ، فكأنه لم يعجبه .

" وفائد ، مولى عبيد الله بن بن علي بن أبي رافع ، عبادل " ، وهو " فائد ، مولى عبادل " ، ثقة لا باس به .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 131 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 84 .

" وإبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي " ، هو " إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة " ، ثقة ، روى عن خالته عائشة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 296 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 111 .هذا إسناد " حسن " .

ورواه الطبري بهذا الإسناد نفسه في تاريخه 1 : 91 .

وقد رواه من هذه الطريق نفسها ، الحاكم في المستدرك 2 : 342 ، 547 ثم قال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " ، ولكن الذهبي قال : " إسناده مظلم .

وموسى ، ليس بذاك " ، وهذا شديد ، وأقرب منه ما قاله ابن كثير في تفسيره 4 : 367 ، 368 ، ورواه عن هذا الموضع من تفسير الطبري ، ومن تفسير الحبر أبي محمد بن أبي حاتم ، ثم قال : " وهذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقد روى عن كعب الأحبار ، ومجاهد بن جبير ، قصة هذا الصبي وأمه بنحو هذا " .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 200 ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي ، وثقه ابن معين وغيره ، وضعفه ابن المديني ، وبقية رجاله ثقات " .

(4) في المطبوعة " بحبل السفينة " ، وفي المخطوطة : " يحرر " غير منقوطة ، ورأيت أن أقرأها كذلك ، و " الجرز " ( بفتح الجيم والزاي ) صدر الإنسان أو وسطه ، كما قالوا له : " الجؤجؤ " ، وهو صدر الطائر .

وفي تاريخ الطبري " بخرز " ، كأن جمع " خرزة " .

(5) الأثر 18136 - " المفضل بن فضالة بن أبي أمية القرشي " ليس بذاك ، وقيل : في حديثه نكارة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 405 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 317 ، وميزان الاعتدال 3 : 195 ." وعلي بن زيد بن جدعان " ، سلف مرارًا ، آخرها رقم : 17861 ، وقد ذكرت هناك توثيق أخي السيد أحمد رحمه الله ، له .

وذكرت تضعيف الأئمة لحديثه ، ورجحت أن يعتبر بحديثه .

وهذا خبر لا شك أنه من بقية أخبار بني إسرائيل وأشباههم ، لا يبلغ أن يكون شيئا .

ورواه الطبري في تاريخه 1 : 91 ، 92 .

(6) " أزور " ، من " الزور " ، (بفتح فسكون ) وهو الصدر ، و " الزور " ( بفتحتين ) ، وهو عوج الزور ، وهو أن يستدق جوشن الصدر ، ويخرج الكلكل ، كأنه عصر من جانبيه .

(7) الأثر : 18137 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 92 ، 93 .

(8) في المطبوعة : " فلما دخل الحمار وأدخل رأسه مسك إبليس " ، وفي المخطوطة : " فلما أدخل الحمار ، وأدخل صدره إبليس بذنبه " ، الأولى " أدخل " ، وبين الكلامين بياض ، وأثبت الصواب من تاريخ الطبري .

(9) سقط من المخطوطة والمطبوعة عدد الشهر الذي ذكره ، وساق الكلام سياقًا واحدًا ، فوضعت النقط دلالة على هذا السقط ، ولكن هكذا جاء أيضًا في التاريخ .

(10) " الغوط " ( بفتح فسكون ) و" الغائط " ، المتسع من الأرض من طمأنينة ، وهو هنا : عمق الأرض الأبعد .

(11) " الطبق " ، غطاء كل شيء .

وكان في المطبوعة : " بطبقة " ، وهو خطأ .

(12) الأثر : 18138 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 93 ، 94 .

(13) الأثر : 18141 - " إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني ، السعدي ، شيخ الطبري ، كان من الحفاظ ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 148 " ." والأسود بن عامر ، شاذان " ، ثقة ، مضى برقم : 13927 .

(14) الأثر : 18142 - " المسيب " ، هو " المسيب بن شريك التميمي " ، متروك سلف برقم : 16806 .

" وسليمان القراسي " ، لم أعرف من يكون .وكان في المخطوطة والمطبوعة : " المسيب بن أبي روق " ، وهو خطأ صرف وسيأتي على الصواب برقم : 18173 .قلت : وهذه الأخبار الآنفة ، كلها رجم من رجم أصحاب الكتب السالفة ، لا خير فيها ، إلا أنهم ربما أثبتوها في كتبهم ، لأنه كان هكذا يروى ، ولكن ما من أحد من أهل العلم يعدها حجة على شيء ، أو مظنة اعتقاد بصحتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرونقوله تعالى : ويصنع الفلك أي وطفق يصنع .

قال زيد بن أسلم : مكث نوح - صلى الله عليه وسلم - مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها ، ومائة سنة يعملها .

وروى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال : بلغني أن قوم نوح ملئوا الأرض ، حتى ملئوا السهل والجبل ، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء ، ولا هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء فمكث نوح يغرس الشجر مائة عام لعمل السفينة ، ثم جمعها ييبسها مائة عام ، وقومه يسخرون ; وذلك لما رأوه يصنع من ذلك ، حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان .

وروي عن عمرو بن الحارث قال : عمل نوح سفينته ببقاع دمشق ، وقطع خشبها من جبل لبنان .

وقال القاضي أبو بكر بن العربي : لما استنقذ الله سبحانه وتعالى من في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فاصنع الفلك " قال : يا رب ما أنا بنجار ، قال : بلى فإن ذلك بعيني ، فأخذ القدوم فجعله بيده ، وجعلت يده لا تخطئ ، فجعلوا يمرون به ويقولون : هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجارا ; فعملها في أربعين سنة .

وحكى الثعلبي وأبو نصر القشيري عن ابن عباس قال : اتخذ نوح السفينة في سنتين .

زاد الثعلبي : وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك ، فأوحى الله إليه أن اصنعها كجؤجؤ الطائر .

وقال كعب : بناها في ثلاثين سنة ، والله أعلم .

المهدوي : وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلمه كيف يصنعها .

واختلفوا في طولها وعرضها ; فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - ( كان طولها ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسون ، وسمكها ثلاثون ذراعا ; وكانت من خشب الساج ) .

وكذا قال الكلبي وقتادة وعكرمة كان طولها ثلاثمائة ذراع ، والذراع إلى المنكب .

قاله سلمان [ ص: 30 ] الفارسي .

وقال الحسن البصري : إن طول السفينة ألف ذراع ومائتا ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع .

وحكاه الثعلبي في كتاب العرائس .

وروى علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : ( قال الحواريون لعيسى - عليه السلام - : لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها ، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب ، قال أتدرون ما هذا ؟

قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : هذا كعب حام بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه وقال : قم بإذن الله ، فإذا هو قائم ينفض التراب من رأسه ، وقد شاب ; فقال له عيسى : أهكذا هلكت ؟

قال : لا بل مت وأنا شاب ; ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت .

قال : أخبرنا عن سفينة نوح ؟

قال : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاث طبقات : طبقة فيها الدواب والوحش ، وطبقة فيها الإنس ، وطبقة فيها الطير .

وذكر باقي الخبر على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى ) .

وقال الكلبي فيما حكاه النقاش : ودخل الماء فيها أربعة أذرع ، وكان لها ثلاثة أبواب ; باب فيه السباع والطير ، وباب فيه الوحش ، وباب فيه الرجال والنساء .

ابن عباس جعلها ثلاث بطون ; البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب ، والأوسط للطعام والشراب ، وركب هو في البطن الأعلى ، وحمل معه جسد آدم - عليه السلام - معترضا بين الرجال والنساء ، ثم دفنه بعد ببيت المقدس ; وكان إبليس معهم في الكوثل .

وقيل : جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة فقال نوح : لا أحملكما ; لأنكما سبب الضرر والبلاء ، فقالتا : احملنا فنحن نضمن لك ألا نضر أحدا ذكرك ; فمن قرأ حين يخاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين لم تضراه ; ذكره القشيري وغيره .

وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال حين يمسي صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة .قوله تعالى " وكلما " ظرف .مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال الأخفش والكسائي يقال : سخرت به ومنه .

وفي سخريتهم منه قولان :أحدهما : أنهم كانوا يرونه يبني سفينته في البر ، فيسخرون به ويستهزئون ويقولون :[ ص: 31 ] يا نوح صرت بعد النبوة نجارا .الثاني : لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا : يا نوح ما تصنع ؟

قال : أبني بيتا يمشي على الماء ; فعجبوا من قوله وسخروا منه .

قال ابن عباس : ( ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر ) ; فلذلك سخروا منه ; ومياه البحار هي بقية الطوفان .قال إن تسخروا منا أي من فعلنا اليوم عند بناء السفينة .فإنا نسخر منكم كما تسخرون غدا عند الغرق .

والمراد بالسخرية هنا الاستجهال ; ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلوننا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ـفامتثل أمر ربه، وجعل يصنع الفلك { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ } ورأوا ما يصنع { سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا } الآن { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ *} .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ويصنع الفلك ) فلما أمره الله تعالى أن يصنع الفلك أقبل نوح عليه السلام على عمل الفلك ولها عن قومه ، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ، ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره ، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله ويسخرون منه ، ويقولون : يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة؟

وأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم ولد .

وزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج ، وأن يصنعه من أزور ، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه ، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا ، والذراع إلى المنكب ، وأن يجعله ثلاثة أطباق : سفلى ووسطى وعليا ويجعل فيه كوى ، ففعله نوح كما أمره الله عز وجل .

وقال ابن عباس : اتخذ نوح السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا ، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون ، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد .

وقال قتادة : كان بابها في عرضها .

وروي عن الحسن : كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع .

والمعروف الأول : أن طولها ثلاثمائة ذراع .

وعن زيد بن أسلم قال : مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها ، ومائة سنة يعمل الفلك .

وقيل : غرس الشجر أربعين سنة وجففه أربعين سنة .

وعن كعب الأحبار أن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة ، وروي أنها كانت ثلاث طبقات ، الطبقة السفلى للدواب والوحوش ، والطبقة الوسطى فيها الإنس ، والطبقة العليا فيها الطير ، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ، فأقبلا على الروث ، فلما وقع الفأر بجوف السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها ، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة ، فأقبلا على الفأر .

قوله تعالى : ( وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) كانوا يقولون : إن هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجارا ، وروي أنهم كانوا يقولون له : يا نوح ماذا تصنع؟

فيقول أصنع بيتا يمشي على الماء ، فيضحكون منه ، ( قال : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم ) إذا عاينتم عذاب الله ( كما تسخرون ) فإن قيل : كيف تجوز السخرية من النبي؟

قيل : هذا على ازدواج الكلام ، يعني إن تستجهلوني فإني أستجهلكم إذا نزل العذاب بكم .

وقيل : معناه إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويصنع الفلك» حكاية حال ماضية «وكلما مرَّ عليه ملاٌ» جماعة «من قومه سخروا منه» استهزءوا به «قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون» إذا نجونا وغرقتم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويصنع نوح السفينة، وكلَّما مر عليه جماعة من كبراء قومه سخروا منه، قال لهم نوح: إن تسخروا منا اليوم لجهلكم بصدق وعد الله، فإنا نسخر منكم غدًا عند الغرق كما تسخرون منا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - موقف قومه منه وهو يصنعها وقال : ( وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ .

.

.

)والسخرية : الاستهزاء .

يقال : سخر فلان من فلان وسخر به ، إذا استخف به وضحك منه .أى : امتثل نوح لأمر ربه ، فطفق يصنع الفلك ، فكان الكافرون من قومه كلما مروا به وهو يصنعها استهزأوا به ، وتعجبوا من حاله ، وقالوا له على سبيل التهكم به ، يا نوح صرت نجارا بعد أن كنت نبيا ، كما جاء فى بعض الآثار .وهنا يرد عليهم نوح بقوله : ( إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) .أى قال نوح لهم : إن تسخروا منى ومن أتباعى اليوم لصنعنا السفينة ، وتستجهلوا منا هذا العمل ، فإنا سنسخر منكم فى الوقت القريب سخرية محققة فى مقابل سخريتكم الباطلة .قال الإِمام الرازى : وقوله ( إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) فيه وجوه :الأول : التقدير : إن تسخروا منا فى هذه الساعة فإنا نخسر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق فى الدنيا والخزى فى الآخرة .الثانى : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه ، فأنتم أولى بالسخرية منا .الثالث : إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم ، واستجهالكم أقبح وأشد ، لأنكم لا تستجهلون إلأا لاجل الجهل بحقيقة الأمر ، والاغترار بظاهر الحال ، كما هو عادة الأطفال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَن يُؤْمِنَ قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ  ﴾ يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة.

لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جوجؤ الطائر.

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ واصنع الفلك ﴾ أمر إيجاب أو أمر إباحة.

قلنا: الأظهر أنه أمر إيجاب، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر إباحة، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً ليسكنها ويقيم بها.

أما قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة.

وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى  ﴾ .

وثانيها: أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين، كما يقال: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل.

وثالثها: أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزهاً عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض، فوجب المصير فيه إلى التأويل، وهو من وجوه: الأول: أن معنى ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصاً عن أحواله ولا تحول عنه عينه.

الثاني: أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه، فلما كان وضع العين على الشيء سبباً لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية عن الاحتياط، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل.

والثاني: أن يكون عالماً بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه، وقوله: ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه أنه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه المطلوب.

وأما قوله: ﴿ وَلاَ تخاطبنى فِي الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مغرقون ﴾ ففيه وجوه: الأول: يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فإني قد حكمت عليهم بهذا الحكم، فلما علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال: ﴿ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً  ﴾ الثاني: ﴿ وَلاَ تخاطبنى ﴾ في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا، فإني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعاً.

الثالث: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَن يُؤْمِنَ ﴾ إقناط من إيمانهم، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع ﴿ إِلاَّ مَنْ قَدْ ءَامَنَ ﴾ إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه، وقد للتوقع وقد أصابت محزها ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ فلا تحزن حزن بائس مستكين، قال: مَا يَقْسِمُ اللَّهُ فَاقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِس ** مِنْهُ وَاقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ الْبَالِ والمعنى: فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك، فقد حان وقت الانتقام لك منهم ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ في موضع الحال، بمعنى: اصنعها محفوظاً، وحقيقته: ملتبساً بأعيننا، كأن لله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه.

ووحينا: وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع.

عن ابن عباس رضي الله عنه: لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر ﴿ وَلاَ تخاطبنى فِي الذين ظَلَمُواْ ﴾ ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك ﴿ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ إنهم محكوم عليهم بالإغراق، وقد وجب ذلك وقضي به القضاء وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه، كقوله: ﴿ يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ [هود: 76] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ ﴾ فَلا تَحْزَنْ ولا تَتَأسَّفْ.

﴿ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ أقْنَطَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِهِمْ ونَهاهُ أنْ يَغْتَمَّ بِما فَعَلُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والإيذاءِ.

﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ﴾ مُلْتَبِسًا بِأعْيُنِنا، عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّذِي يُحْفَظُ بِهِ الشَّيْءُ ويُراعى عَنِ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ.

﴿ وَوَحْيِنا ﴾ إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها.

﴿ وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولا تُراجِعْنِي فِيهِمْ ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهم.

﴿ إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَصْنَعُ الفلك} حكاية حال ماضية {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} من عمله السفينة وكان يعملها في برية في أبعد موضع من الماء فكانوا يتضاحكون منه ويقولون له يا نوح صرت نجارا بعدما كنت نبياً {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فإنا نسخر منكم} عند رؤية الهلال {كما تسخرون} منا عند رؤية الفلك

هود (٣٩ _ ٤١)

روي أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة من خشب الساج في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع أو ألفاً ومائتي ذراع وعرضها خمسون ذراعاً أو ستمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام وركب نوح ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله حاجزاً بين الرجال والنساء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَصْنَعُ الفُلْكَ ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وأخَذَ أوْ أقْبَلَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ مِن خَشَبِ السّاجِ وقَدْ غَرَسَهُ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى صارَ طُولُهُ أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ والذِّراعُ إلى المَنكِبِ في أرْبَعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ الفَرّاسِيِّ، وقِيلَ: أبْقاهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَكَثَ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبَسُ، وقالَ عَمْرُو بْنُ الحَرْثِ: لَمْ يَغْرِسْهُ بَلْ قَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ مِن خَشَبِ الشِّمْشادِ وقَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ، وقِيلَ: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّها كانَتْ مِنَ الصَّنَوْبَرِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ سامٌ وحامٌ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ أيْضًا أُناسٌ اسْتَأْجَرَهم يَنْحِتُونَ وذُكِرَ أنَّ طُولَها ثَلَثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا وارْتِفاعُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ طُولُها ألْفَ ذِراعٍ ومِائَتَيْ ذِراعٍ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ وصَنَعَ لَها بابًا في وسَطِها وأتَمَّ صُنْعَها عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ في ثَلاثِ سِنِينَ.

وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ في أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ: في سِتِّينَ، وقِيلَ: في مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، واخْتُلِفَ في أنَّهُ في أيِّ مَوْضِعٍ صَنَعَها، فَقِيلَ: في الكُوفَةِ، وقِيلَ: في الهِنْدِ، وقِيلَ: في أرْضِ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: في أرْضِ الشّامِ، وسَفِينَةُ الأخْبارِ في تَحْقِيقِ الحالِ فِيما أرى لا تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ فِيها إذْ هي غَيْرُ سالِمَةٍ عَنْ عَيْبٍ، فالحَرِيُّ بِحالِ مَن لا يَمِيلُ إلى الفُضُولِ أنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَعَ الفُلْكَ حَسْبَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ولا يَخُوضُ في مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها وارْتِفاعِها ومِن أيِّ خَشَبٍ صَنَعَها وبِكم مُدَّةٍ أتَمَّ عَمَلَها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَشْرَحْهُ الكِتابُ ولَمْ تُبَيِّنْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، هَذا في التَّعْبِيرِ بِيَصْنَعُ عَلى ما قِيلَ: مُلاءَمَةً لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا مِن ضَمِيرِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ ﴾ أيِ اسْتَهْزَأُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ إمّا لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَها ولا كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمالِها فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وسَخِرُوا مِنهُ، ويَشْهَدُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: اصْنَعِ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ وما الفُلْكُ؟

قالَ: بَيْتٌ مِن خَشَبٍ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ، قالَ: يا رَبِّ: وأيْنَ الماءُ؟

قالَ: إنِّي عَلى ما أشاءُ قَدِيرٌ، وإمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَصْنَعُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الماءِ وكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كانَ نُوحُ قَدْ مَكَثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم حَتّى كانَ آخِرَ زَمانِهِ غَرَسَ شَجَرَةً فَعَظُمَتْ وذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ قَطَعَها ثُمَّ جَعَلَ يَعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَرَوْنَهُ ويَسْألُونَهُ فَيَقُولُ: أعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَسْخَرُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ: تَعْمَلُ سَفِينَةً في البَرِّ، وكَيْفَ تَجْرِي؟

فَيَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ» الحَدِيثَ، والأكْثَرُونَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ إذْ ذاكَ، وقَدْ ذَكَرَ في كُتُبِ الأوَّلِيّاتِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن عَمِلَ السَّفِينَةَ، والحَقُّ أنَّهُ لا قَطْعَ بِذَلِكَ، و-كُلَّ- مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ أيْ كُلَّ وقْتِ مُرُورٍ، والعامِلُ فِيهِ جَوابُهُ وهو سَخِرُوا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ: فَما صَنَعَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ مِنهُ هَذا المَبْلَغَ؟

فَقِيلَ: قالَ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا لِهَذا العَمَلِ ومُباشَرَةِ أسْبابِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الإعْراضِ عَنِ اسْتِدْفاعِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ومِن الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي والتَّعَرُّضِ لِأسْبابِ حُلُولِ سُخْطِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها سُخْرِيَّتُكم مِنّا واسْتِهْزاؤُكم بِنا وإطْلاقُ السُّخْرِيَةِ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً وعَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُشاكَلَةِ؛ لِأنَّها لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالِاسْتِجْهالِ وهو مَجازٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلسُّخْرِيَةِ، فَأُطْلِقَتِ السُّخْرِيَةُ وأُرِيدَ سَبَبُها.

وقِيلَ: إنَّها مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما كانَتْ لِجَزائِهِمْ مِن جِنْسِ صَنِيعِهِمْ لَمْ تُقَبَّحْ فَلا حاجَةَ لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ وجَمْعُ الضَّمِيرِ في مِنّا إمّا لِأنَّ سُخْرِيَتَهم مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُخْرِيَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا أوْ لِأنَّهم كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم أيْضًا إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ سُخْرِيَتِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ الجَمِيعُ لِلْمُجازاةِ في قَوْلِهِ: ﴿ نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ فَتَكافَأ الكَلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَما تَسْخَرُونَ ﴾ إمّا في مُجَرَّدِ التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ، وإمّا في التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ حَسْبَما صَدَرَ عَنْ مَلَأٍ بَعْدَ مَلَأٍ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ الظّاهِرُ، ولا ضَرَرَ في ذَلِكَ لِحَدِيثِ الجَزاءِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى جَوازِ مُقابَلَةِ نَحْوِ الجاهِلِ والأحْمَقِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى ﴾ ، ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ ، ﴿ وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ واقِعٌ في الحالِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا عِنْدَ الغَرَقِ وفي الآخِرَةِ عِنْدَ الحَرَقِ.

قالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّ المُرادَ مِن نَسْخَرُ مِنكم عَلى هَذا نُجازِيكم عَلى سُخْرِيَتِكم أوْ نَشْمَتُ بِكم عِنْدَ غَرَقِكم وحَرَقِكُمْ، وفِيهِ خَفاءُ هَذا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عامِلُ كُلَّما قالَ وهو الجَوابُ، وجُمْلَةُ سَخِرُوا صِفَةٌ لِمَلَأٍ أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ مُرُورَهم لِلسُّخْرِيَةِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ السُّخْرِيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى المُرُورِ ولا نَوْعًا مِنهُ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ ذَلِكَ مُبْعِدًا لِلْبَدَلِيَّةِ ولَيْسَ بِذَلِكَ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا التَّجْوِيزِ اسْتِمْرارُ هَذا القَوْلِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ظاهِرٌ، وعَلى الإعْرابِ قِيلَ: لا اسْتِمْرارَ وإنَّما أجابَهم بِهِ في بَعْضِ المَرّاتِ، ورَجَّحَ بِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَناهِيهِمْ في إيذائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَحَمُّلِهِ لِأذِيَّتِهِمْ لا مُسارَعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الجَوابِ (كُلَّما) وقَعَ مِنهم ما يُؤْذِيهِ مِنَ الكَلامِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ يَئِسَ مِن إيمانِهِمْ لَمْ يُبالِ بِإغْضابِهِمْ ولِذا هَدَّدَهُمُ التَّهْدِيدَ البَلِيغَ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ قال الحسن: إن نوحاً  لم يدع على قومه، حتى نزلت هذه الآية: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فدعا عليهم عند ذلك رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: 26] .

ثم قال تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من الكفر وذلك أن نوحاً ندم على دعائه، وجعل يبكي ويتأسف عليهم، فقال الله تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ يعني: لا يحزنك إذا نزل بهم الغرق، بما كانوا يفعلون من الكفر.

ثم قال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا يقول: اعمل السفينة، ويقال للواحد وللجماعة: الفلك، بِأَعْيُنِنا قال الكلبي: يعني: بمنظر منا، وَوَحْيِنا يعني: بوحينا إليك.

وقال مقاتل: يعني: بتعليمنا وأمرنا.

وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: فلا تراجعني في قومك، ولا تدعني بصرف العذاب عنهم، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ بالطوفان.

ويقال: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، يعني ابنه كنعان.

وقال عكرمة: كان طول سفينة نوح ثلاثمائة ذراع، وعمقها في الماء ثلاثون ذراعاً، وعرضها خمسون ذراعاً.

وقال الحسن: كان طول سفينة نوح ألف ومائتا ذراع، وعمقها في الماء ثلاثون ذراعاً وعرضها ستمائة ذراع.

- وقال ابن عباس: «كان طول سفينة نوح ثلاثمائة، وطولها في الماء ثلاثون ذراعاً، وعرضها خمسون ذراعاً» (١) وقال القتبي: قرأت في التوراة: أن الله تعالى أوحى إلى نوح أن اصنع الفلك، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وارتفاعها ثلاثون ذراعاً، وليكن بابها في عرضها.

وادخل أنت في الفلك وامرأتك وبنوك ونساء بنيك ومن كل زوجين من الحيوان ذكراناً وإناثاً، فإني منزل المطر على الأرض، أربعين يوماً وأربعين ليلة، فأتلف كل شيء خلقته على الأرض.

فأرسل الله تعالى ماء الطوفان على الأرض، في سنة ستمائة من عمر نوح  ، ولبث في الماء مائة وخمسين يوماً، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: مكث نوح ينجر السفينة مائة سنة، فلما فرغ من عملها أمره الله تعالى أن يحمل فيها مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين من كل حيوان، فحمل فيها امرأته وبنيه ونساءهم، فركب فيها لسبع عشرة ليلة خلت من صفر، فمكث في الماء سبعة أشهر لم يقر لها قرار، فأرسيت على الجودي خمسة أشهر، فأرسل الغراب لينظر كم بقي من الماء، فمكث على جيفة، فغضب عليه نوح ولعنه، ثم أرسل الحمامة فوقعت في الماء، فبلغ الماء قدر حمرة رجليها، فجاءت فأرته، فبارك عليها نوح.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)

وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ...

الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:

«فَعَمِيَتْ» «١» ولذلك وجهان من المعنَى:

أحدهما: خَفِيَتْ.

والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.

وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.

وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و «الخير» هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ ﴾ أيْ: واعْمَلِ السَّفِينَةَ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِأعْيُنِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِمَرْأًى مِنّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي بِحِفْظِنا، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والثّالِثُ: بِعِلْمِنا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما جَمَعَ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في إيقاعِها الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، تَقُولُ: خَرَجْنا إلى البَصْرَةِ في السُّفُنِ، وإنَّما جَمَعَ، لِأنَّ مِن عادَةِ المَلِكِ أنْ يَقُولَ: أمَرْنا ونَهَيْنا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَوَحْيِنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وأمْرِنا لَكَ أنْ تَصْنَعَها.

والثّانِي: وبِتَعْلِيمِنا إيّاكَ كَيْفَ تَصْنَعُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَسْألْنِي الصَّفْحَ عَنْهم.

والثّانِي: لا تُخاطِبْنِي في إمْهالِهِمْ.

وإنَّما نُهِيَ عَنِ الخِطابِ في ذَلِكَ صِيانَةً لَهُ عَنْ سُؤالٍ لا يُجابُ فِيهِ.

الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ عَمَلِ السَّفِينَةِ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ نُوحٌ يُضْرَبُ ثُمَّ يُلَفُّ في لِبْدٍ فَيُلْقى في بَيْتِهِ، يُرَوْنَ أنَّهُ قَدْ ماتَ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَدْعُوهم.

حَتّى إذا يَئِسَ مِن إيمانِ قَوْمِهِ، جاءَهُ رَجُلٌ ومَعَهُ ابْنُهُ وهو يَتَوَكَّأُ عَلى عَصًا، فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ هَذا الشَّيْخَ لا يَغْرُرْكَ، قالَ: ياأبْتِ أمْكِنِّي مِنَ العَصا، فَأخَذَها فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً شَجَّهُ مُوضِحَةً، وسالَتِ الدِّماءُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: رَبِّ قَدْ تَرى ما يَفْعَلُ بِي عِبادُكَ، فَإنْ يَكُنْ لَكَ فِيهِمْ حاجَةٌ فاهْدِهِمْ، وإلّا فَصَبِّرْنِي إلى أنْ تَحْكُمَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ " أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ " إلى قَوْلِهِ: " واصْنَعِ الفُلْكَ "، قالَ: يارَبِّ، وما الفُلْكُ ؟

قالَ: بَيْتٌ مِن خَشَبٍ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ أُنَجِّي فِيهِ أهْلَ طاعَتِي، وأُغْرِقُ أهْلَ مَعْصِيَتِي، قالَ: يارَبِّ، وأيْنَ الماءُ ؟

قالَ: إنِّي عَلى ما أشاءُ قَدِيرٌ، قالَ: يارَبِّ، وأيْنَ الخَشَبُ ؟

قالَ: اغْرِسِ الشَّجَرَ، فَغَرَسَ السّاجَ عِشْرِينَ سَنَةً، وكَفَّ عَنْ دُعائِهِمْ، وكَفُّوا عَنْهُ، إلّا أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَلَمّا أدْرَكَ الشَّجَرُ، أمَرَهُ رَبُّهُ، فَقَطَعَهُ وجَفَّفَهُ ولَفَّقَهُ، فَقالَ: يارَبِّ، كَيْفَ أتَّخِذُ هَذا البَيْتَ ؟

قالَ: اجْعَلْهُ عَلى ثَلاثِ صُوَرٍ، رَأْسُهُ كَرَأْسِ الطّاوُوسِ، وجُؤْجُؤُهُ كَجُؤْجُؤِ الطّائِرِ، وذَنَبُهُ كَذَنَبِ الدِّيكِ، واجْعَلْها مُطْبَقَةً، وبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ يُعَلِّمُهُ، وأوْحى إلَيْهِ أنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلى مَن عَصانِي، فاسْتَأْجَرَ نَجّارِينَ يَعْمَلُونَ مَعَهُ، وسِامُ، وحامُ، ويافِثُ، مَعَهُ يَنْحِتُونَ السَّفِينَةَ، فَجَعَلَ طُولَها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضَها ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثِينَ ذِراعًا، وعُلُوَّها ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وفَجَّرَ اللَّهُ لَهُ عَيْنَ القارِ تَغْلِي غَلَيانًا حَتّى طَلاها.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جَعَلَ لَها ثَلاثَ بُطُونٍ، فَحَمَلَ في البَطْنِ الأوَّلِ الوُحُوشَ والسِّباعَ والهَوامَّ، وفي الأوْسَطِ الدَّوابَّ والأنْعامَ، ورَكِبَ هو ومَن مَعَهُ البَطْنَ الأعْلى.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سَفِينَةُ نُوحٍ طُولُها ألْفُ ذِراعٍ، ومِائَتا ذِراعِ، وعَرْضُها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ فِيما ذُكِرَ لَنا طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ، وطُولُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ طُولُها ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسِينَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وطُولُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، وكانَ في أعْلاها الطَّيْرُ، وفي وسَطِها النّاسُ، وفي أسْفَلِها السِّباعُ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ وما رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، فَكانُوا يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ: صِرْتَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ نَجّارًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: ما تَصْنَعُ ؟

فَقالَ: أبْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ، فَسَخِرُوا مِن قَوْلِهِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إنْ تَسْخَرُوا مِن قَوْلِنا فَإنّا نَسْخَرُ مِن غَفْلَتِكم.

والثّانِي: إنْ تَسْخَرُوا مِن فِعْلِنا عِنْدَ بِناءِ السَّفِينَةِ، فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم عِنْدَ الغَرَقِ، ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.

والثّالِثُ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا، فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والرّابِعُ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا، فَإنّا نَسْتَنْصِرُ اللَّهَ عَلَيْكم، فَسَمّى هَذا سُخْرِيَةً، لِيَتَّفِقَ اللَّفْظانِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، هَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ قَبْلَ الطُّوفانِ نَهْرٌ ولا بَحْرٌ، فَلِذَلِكَ سَخِرُوا مِنهُ، وإنَّما مِياهُ البِحارِ بَقِيَّةُ الطُّوفانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ قَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "وَأوحى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، "إنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: لِنُوحٍ هَذا بَعْدَ أنْ طالَ عَلَيْهِ كُفْرُ القَرْنِ بَعْدَ القَرْنِ بِهِ، وكانَ يَأْتِيهِ الرَجُلُ بِابْنِهِ فَيَقُولُ: يا بُنَيَّ لا تُصَدِّقْ هَذا الشَيْخَ فَهَكَذا عَهِدَهُ أبِي وجَدِّي كَذّابًا مَجْنُونًا رَواهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي أيْأسَتْ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن قَوْمِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ دَعا فَقالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا  ﴾ .

و"تَبْتَئِسْ" مِنَ البُؤْسِ تَفْتَعِلُ، ومَعْناهُ: لا تُحْزِنْ نَفْسَكَ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ- وهو لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ-: في مَأْتَمٍ كَنِعاجٍ صا ∗∗∗ رَةَ يَبْتَئِسْنَ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ تَدافُعٌ في ظاهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ يَنْبَغِي أنْ نُخَلِّصَ القَوْلَ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ أمْرِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ دَعا عَلى الكافِرِينَ عامَّةً مِن جَمِيعِ الأُمَمِ ولَمْ يَخُصَّ قَوْمَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ وكُتُبُ التَفاسِيرِ بِأنَّ الغَرَقَ نالَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ وعَمَّ الماءُ جَمِيعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، ويُوجِبُ ذَلِكَ أمْرَ نُوحٍ بِحَمْلِ الأزْواجِ مِنَ الحَيَوانِ، ولَوْلا خَوْفُ إفْناءِ أجْناسِها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، ما كانَ ذَلِكَ، فَلا يَتَّفِقُ لَنا أنْ نَقُولَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ غَيْرُ قَوْمِ نُوحٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نُوحٌ بُعِثَ إلى جَمِيعِ الناسِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ خاصَّةٌ لِمُحَمَّدٍ  بِقَوْلِهِ: « "أُوتِيتُ خَمْسًا لَمْ يُؤْتَهُنَّ أحَدٌ قَبَلِي"».

فَلا بُدَّ أنْ نُقَرِّرَ كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإذا كانَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ اسْتَحَقُّوا العُقُوبَةَ في جَمْعِهِمْ ونُوحٌ لَمْ يُبْعَثْ إلى كُلِّهِمْ؟

وكُنّا نُقَدِّرُ هُنا أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا قَبْلَ نُوحٍ فَكَفَرُوا بِهِمْ واسْتَمَرَّ كُفْرُهُمْ، لَوْلا أنّا نَجْدُ الحَدِيثَ يَنْطِقُ بِأنَّ نُوحًا هو أوَّلُ الرُسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ ولا يُمْكِنُ أيْضًا أنْ نَقُولَ: عُذِّبُوا دُونَ رِسالَةٍ ونَحْنُ نَجِدُ في القُرْآنِ: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ .

والتَأْوِيلُ المُخَلِّصُ مِن هَذا كُلِّهِ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى كُفّارٍ مِن أهْلِ الأرْضِ لِيُصْلِحَ الخَلْقَ ويُبالِغَ في التَبْلِيغِ ويَحْتَمِلَ المَشَقَّةَ مِنَ الناسِ- بِحَسَبِ ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ- ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً بِالتَبْلِيغِ والدُعاءِ والتَنْبِيهِ، وبَقِيَ أُمَمٌ في الأرْضِ لَمْ يُكَلَّفِ القَوْلَ لَهُمْ، فَتَصِحُّ الخاصَّةُ لِمُحَمَّدٍ  ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الأُمَمَ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِيُخاطِبَها إذا كانَتْ بِحالِ كَفْرٍ وعِبادَةِ أوثانٍ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى اللهِ تَعالى مَنصُوبَةً مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، وكانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَظَرِ مِن جِهَةِ إدْراكِهِمْ، وكانَ الشَرْعُ- بِبَعْثِ نُوحٍ- مَوْجُودًا مُسْتَقِرًّا.

فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمُ النَظَرُ، وصارُوا بِتَرْكِهِ بِحالِ مَن يَجِبُ تَعْذِيبُهُ: فَإنَّ هَذا رَسُولٌ مَبْعُوثٌ وإنْ كانَ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ ألا تَرى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ إنَّما هُوَ: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ ، أيْ: حَتّى نُوجِدَهُ، لِأنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ إنَّما هو في مَعْنى القِتالِ والشِدَّةِ، وأمّا مِن جِهَةِ بَذْلِ النَصِيحَةِ وقَبُولِ مَن آمَنَ فالناسُ أجْمَعُ في ذَلِكَ سَواءٌ ونُوحٌ قَدْ لَبِثَ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُو إلى اللهِ، فَغَيْرُ مُمْكِنٍ أنْ لَمْ تَبْلُغْ نُبُوءَتُهُ لِلْقَرِيبِ والبَعِيدِ، ويَجِيءُ تَعْذِيبُ الكُلِّ بِالغَرَقِ بَعْدَ بَعْثَةِ رَسُولٍ وهو نُوحٌ  .

ولا يُعارِضُنا مَعَ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ شَيْءٌ مِنَ الحَدِيثِ ولا الآياتِ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَبْتَئِسْ ﴾ ، والفُلْكُ: السَفِينَةُ، وجَمْعُها أيْضًا فُلْكٌ، ولَيْسَ هو لَفْظًا لِلْواحِدِ والجَمْعِ وإنَّما هو فُعْلٌ وجُمِعَ عَلى فُعْلٍ ومِن حَيْثُ جازَ أنْ يُجْمَعَ فَعَلٌ عَلى فُعْلٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، جازَ أنْ يُجْمَعَ فُعْلٌ عَلى فُعْلٍ، فَظاهِرُ لَفْظِ الجَمْعِ فِيها كَظاهِرِ لَفْظٍ واحِدٍ ولَيْسَ بِهِ، تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دَرَجَةُ التَثْنِيَةِ الَّتِي بَيْنَهُما لِأنَّكَ تَقُولُ: فُلْكٌ وفُلْكانِ وفُلْكٌ، فالحَرَكَةُ في الجَمْعِ نَظِيرُ ضَمَّةِ الصادِ إذا نادَيْتَ "يا مَنصُو"، تُرِيدُ "يا مَنصُورُ "، فَرُخِّمَتْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: يا حارُ بِالضَمِّ، فَإنَّ ضَمَّةَ الصادِ هي في اللَفْظِ كَضَمَّةِ الأصْلِ، ولَيْسَتْ بِها في الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِأعْيُنِنا ﴾ يُمْكِنُ-فِيما يُتَأوَّلُ- أنْ يُرِيدَ بِهِ بِمَرْأًى مِنّا وتَحْتَ إدْراكٍ، فَتَكُونُ عِبارَةً عَنِ الإدْراكِ والرِعايَةِ والحِفْظِ، ويَكُونُ جَمْعُ الأعْيُنِ لِلْعَظَمَةِ لا لِلتَّكْثِيرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَنِعْمَ القادِرُونَ  ﴾ فَرَجَعَ مَعْنى الأعْيُنِ في هَذِهِ وفي غَيْرِها إلى مَعْنى عَيْنٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي  ﴾ ، وذَلِكَ كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ وإحاطَتِهِ بِالمُدْرَكاتِ، وهو تَبارَكَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَواسِّ والتَشْبِيهِ والتَكْيِيفِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "بِأعْيُنِنا" أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكَ، فَيَكُونُ الجَمْعُ -عَلى هَذا- لِلتَّكْثِيرِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "بِأعْيُنّا" مُدْغَمًا.

وَقَوْلُهُ: "وَوَحْيِنا" مَعْناهُ: وتَعْلِيمُنا لَكَ صُورَةَ العَمَلِ بِالوَحْيِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جَهِلَ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ السَفِينَةِ أوحى اللهُ إلَيْهِ: أنِ اصْنَعْها عَلى مِثالِ جُؤْجُؤِ الطَيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَلِمَهُ نُوحٌ مِن عَمَلِها، فَقَدْ رُوِيَ أيْضًا أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةَ الشَكْلِ طَوِيلَةً في السَماءِ، ضَيِّقَةَ الأعْلى، وأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَ الحِفْظَ لا سُرْعَةَ الجَرْيِ، والحَدِيثُ الَّذِي تَضَمَّنَ أنَّها كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ أصَحُّ ومَعْناهُ أظْهَرُ: لِأنَّها لَوْ كانَتْ مُرَبَّعَةً لَمْ تَكُنْ فُلْكًا بَلْ كانَتْ وِعاءً فَقَطْ، وقَدْ وصَفَها اللهُ تَعالى بِالجَرْيِ في البَحْرِ، وفي الحَدِيثِ:« "كانَ رازُّ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ"،» والرازُّ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السُفُنِ.

ومَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: "وَوَحْيِنا" أيْ: بِأمْرِنا لَكَ، فَذَلِكَ ضَعِيفٌ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ ﴾ مُغْنٍ عن ذَلِكَ.

و ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الهِدايَةِ حَتّى عَمَّتْهُمُ النِقْمَةُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقَدَّمَ اللهُ فِيها إلى نُوحٍ ألّا يَشْفَعَ فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان نهيه عن الابتئاس بفعلهم مع شدة جرمهم مؤذناً بأن الله ينتصر له، أعقبه بالأمر بصنع الفلك لتهيئة نجاته ونجاة من قد آمن به من العذاب الذي قدره الله لقومه، كما حكى الله عنه ﴿ فدعا ربّه أني مغلوبٌ فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ ﴾ [القمر: 10، 11] الآية، فجملة ﴿ واصنع الفلك ﴾ عطف على جملة ﴿ فلا تبتئس ﴾ [هود: 36] وهي بذلك داخلة في الموحى به فتدل على أن الله أوحى إليه كيفية صنع الفلك كما دل عليه قوله: ﴿ ووَحينا ﴾ ، ولذلك فنوح عليه السّلام أول من صنع الفلك ولم يكن ذلك معروفاً للبشر، وكان ذلك منذ قرون لا يحصيها إلاّ الله تعالى، ولا يعتد بما يوجد في الإسرائيليات من إحصاء قرونها.

والفلك اسم يستوي فيه المفرد والجمع.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ في سورة البقرة (164.

(والباء في بأعيننا} للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير (اصنع).

والأعين استعارة للمراقبة والملاحظة.

وصيغة الجمع في ﴿ أعيننا ﴾ بمعنى المثنى، أي بعينينا، كما في قوله: ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾ [الطور: 48].

والمراد الكناية بالمعنى المجازي عن لازمه وهو الحفظ من الخلل والخَطأ في الصنع.

والمراد بالوحي هنا الوحي الذي به وصف كيفية صنع الفلك كما دل عليه عطفه على المجرور بباء الملابسة المتعلقة بالأمر بالصنع.

ودل النهي في قوله: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ ، على أن كفار قومه سينزل بهم عقاب عظيم لأن المراد بالمخاطبة المنهي عنها المخاطبة التي ترفع عقابهم فتكون لنفعهم كالشفاعة، وطلب تخفيف العقاب لا مطلق المخاطبة.

ولعل هذا توطئة لنهيه عن مخاطبته في شأن ابنه الكافر قبل أن يخطر ببال نوح عليه السلام سؤال نجاته حتى يكون الرد عليه حين السؤال ألَطَف.

وجملة ﴿ إنهم مغرقون ﴾ إخبار بما سيقع وبيان لسبب الأمر بصنع الفلك.

وتأكيد الخبر بحرف التوكيد في هذه الآية مثال لتخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل غير السائل المتردد منزلة السائل إذا قدم إليه من الكلام ما يلوّح إلى جنس الخبر فيستشرفه لتعيينه استشرافاً يشبه استشراف السائل عن عين الخبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ  ، افْتَرى افْتَعَلَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ.

﴿ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي ﴾ وفي الإجْرامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الذُّنُوبُ المُكْتَسَبَةُ.

حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّها الجِناياتُ المَقْصُودَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ جُرْمٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وَمَعْناهُ: فَعَلَيَّ عِقابُ إجْرامِي.

﴿ وَأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ ﴾ أيْ وعَلَيْكم مِن عِقابِ جُرْمِكم في تَكْذِيبِي ما أنا بَرِيءٌ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ وذلك حين دعا عليهم نوح عليه السلام ﴿ وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ [ نوح: 26] .

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: إن نوحاً لم يدع على قومه حتى نزلت عليه الآية ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ فانقطع عند ذلك رجاؤه منهم فدعا عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: لما استنقذ الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء كل مؤمن ومؤمنة قال: يا نوح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن نوحاً عليه السلام كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته، يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم، حتى إذا أيس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال: يا بني أنظر هذا الشيخ لا يغرنك.

قال: يا أبت أمكني من العصا، ثم أخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض.

فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه وسالت الدماء، قال نوح عليه السلام: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن يكن لك في عبادك حاجة فاهدهم، وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين.

فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن قال: ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ يعني لا تحزن عليهم ﴿ واصنع الفلك ﴾ [ هود: 37] قال: يا رب وما الفلك؟

قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء، فأغرق أهل معصيتي وأطهر أرضي منهم.

قال: يا رب وأين الماء؟

قال: إني على ما أشاء قدير.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ قال: فلا تحزن.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن اصنع الفلك ﴾ قال: السفينة ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ قال: كما نأمرك.

وأخرج ابن أبو حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ﴾ قال: بعين الله ووحيه.

وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره، ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعلم نوح عليه السلام كيف يصنع الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ يقول: لا تراجعني، تقدم إليه لا يشفع لهم عنده.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: نهى الله نوحاً عليه السلام أن يراجعه بعد ذلك في أحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ﴾ ، قال أبو علي الجرجاني: معناه: وأقبل يصنع فاقتصر على قوله: ﴿ وَيَصْنَعُ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ﴾ ، قال محمد بن إسحاق (١) (٢) ﴿ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ ، قال أبو إسحاق (٣) (٤) وقال بعض المفسرين (٥) (٦) (٧) (١) الطبري 12/ 36، "زاد المسير" 4/ 103، البغوي 4/ 175، ابن عطية 7/ 290.

(٢) البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103، القرطبي 9/ 32.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50 بمعناه.

(٤) "زاد المسير" 4/ 103.

(٥) البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103، القرطبي 9/ 33، "تفسير مقاتل" 146 أ.

(٦) البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِجْرَامِي ﴾ أي ذنبي ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ أي فلا تحزن ﴿ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي تحت نظرنا وحفظنا ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ أي وتعليمنا لك كيف تصنع الفلك ﴿ وَلاَ تخاطبني فِي الذين ظلموا ﴾ أي لا تشفع لي فيهم، فإني قد قضيت عليهم بالغرق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ : قالوا ذلك لأنه قد كان طال عمره وهو بين أظهرهم ويدعوهم إلى الإيمان، فأكثر حجاجه ومجادلته إياهم.

فقالوا: ﴿ فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ وكان يعدهم العذاب إن لم يجيبوه؛ كقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، وما كان وعد لهم في غير آية من القرآن إن لم يجيبوه فقالوا: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ من العذاب، فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ ﴾ أي: ليس لي إتيان ذلك إنما ذلك إلى الله، إن شاء عجل وإن شاء أخر إلى ما بعد الموت؛ وهو كقول رسول الله لقومه: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: لا تعجزون الله عن تعذيبكم فتفوتون عنه، وقيل: وما أنتم بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها؛ وهو واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ : تأويله - والله أعلم - لا ينفعكم دعائي إلى ما به نجاتكم إن كان الله يريد أن يغويكم [ثم اختلف في وقت ذلك: قال بعضهم: لا ينفعكم نصحي عند إقبال العذاب عليكم؛ إن كان في حكم الله ألاَّ تكونوا من الغاوين في ذلك الوقت.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ ﴾ إن كان الله يريد أن يغويكم] أي: لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يعذبكم في نار جهنم ويقول الغي العذاب؛ كقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً  ﴾ أي: عذاب جهنم ونحوه من الكلام.

وأما عندنا فهو على ما أخبر: إن كان الله يريد إغواء قوم أبدا فهم في الغواية أبداً، وأصله أن الله أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية [وأراد ضلال كل من في علمه أنه يختار الضلال؛ لأن من في علمه أنه يختار الغواية] والضلال اختار عداوته، ولا يجوز أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته؛ لأن ذلك يكون من الضعف أن يختار المرء ولاية من يختار هو عداوته، فدل أنه لم يرد الهداية لمن علم منه اختيار الغواية والضلال.

ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى الله يخرج على وجهين: أحدهما: أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغاً وضلالا لا بد؛ لأن فعلهم فعل غواية وزيغ.

والثاني: أنه خذلهم ولم يوفقهم ولم يرشدهم ولم يعصمهم ولا سددهم، فمن ذلك الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إليه، ومن الإضافة إلى الخلق يكون على الذم؛ لأن فعلهم نفسه فعل غواية وضلال، فاستوجبوا الذم عليه بذلك، والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به، فهو مذموم يذمون على ذلك وليس من الله  من هذا الوجه، ولكن على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ دلالة تعليق الشرط على الشرط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ أي: بل يقولون.

إنه افتراه من عند نفسه قل: ﴿ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: قال قوم نوح لنوح -  -: إنه افترى على الله أنه رسول إليهم من الله على ما سبق من دعائه قومه إلى دين الله، فقالوا له: إنه افتراه.

وقال بعضهم: هو قول قوم محمد قالوا: افترى محمد هذا القرآن من نفسه ليس هو من الله على ما يزعم، وهو ما قال في صدر السورة، وهو قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، فعلى ذلك هذا هو قولهم لرسول الله  إنه افترى هذا القرآن الذي يقول هو من الله من نفسه فقال: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ أي: إن افتريته فعليَّ جرمُ افترائي وجزاؤه.

﴿ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - أي: لا تؤاخذون أنتم بجرم افترائي إن افتريته، وأنا لا أؤاخذ بإجرامكم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، فعلى ذلك إجرامي، وأمكن أن يكون هذا القول لهم لما أيس من إيمانهم؛ كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ  ﴾ لما أيس عن إيمانهم، وانقطع طمعه ورجاؤه عن إسلامهم، قال لهم ذلك أن لا محاجة بيننا وبينكم بعد هذا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فامتثل نوح أمر ربه، وطَفِقَ يصنع السفينة، وكلما مر عليه كبراء قومه وسادتهم استهزؤوا به؛ لما يقوم به من صنع السفينة وليس في أرضه ماء ولا أنهار، فلما تكرر استهزؤوا به؛ قال: إن تستهزئوا -أيها الملأ- منا اليوم عندما نصنع السفينة، فإنا نستهزئ بكم لجهلكم بما يصير إليه أمركم من الغرق.

<div class="verse-tafsir" id="91.7qKwg"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله