الآية ٣٩ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٣٩ من سورة هود

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( من يأتيه عذاب يخزيه ) أي : يهنه في الدنيا ، ( ويحل عليه عذاب مقيم ) أي : دائم مستمر أبدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نوح لقومه: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ، أيها القوم ، إذا جاء أمر الله، من الهالك ، مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ، يقول: الذي يأتيه عذابُ الله منا ومنكم يهينه ويذله (15) ، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ، يقول: وينـزل به في الآخرة ، مع ذلك ، عذابٌ دائم لا انقطاع له، مقيم عليه أبدًا.

(16) -------------------- الهوامش : (15) انظر تفسير " الخزى " فيما سلف من فهارس اللغة ( خزى ) .

(16) انظر تفسير " عذاب مقيم " فيما سلف 10 : 293 / 14 : 174 ، 340 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه تهديد ، و " من " متصلة ب " سوف " تعلمون و " تعلمون " هنا من باب التعدية إلى مفعول ; أي فسوف تعلمون الذي يأتيه العذاب .

ويجوز أن تكون " من " استفهامية ; أي أينا يأتيه العذاب ؟

.

وقيل : " من " في موضع رفع بالابتداء و " يأتيه " الخبر ، و " يخزيه " صفة ل " عذاب " .

وحكى الكسائي : أن أناسا من أهل الحجاز يقولون : سو تعلمون ; وقال من قال : ستعلمون أسقط الواو والفاء جميعا .

وحكى الكوفيون : سف تعلمون ; ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل ، وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرىويحل عليه أي يجب عليه وينزل به .عذاب مقيم أي دائم ، يريد عذاب الآخرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ } نحن أم أنتم.

وقد علموا ذلك، حين حل بهم العقاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ) يهينه ، ( ويحل عليه ) يجب عليه ، ( عذاب مقيم ) دائم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فسوف تعلمون من» موصولة مفعول العلم «يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ» ينزل «عليه عذاب مقيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فسوف تعلمون إذا جاء أمر الله بذلك: من الذي يأتيه في الدنيا عذاب الله الذي يُهينه، وينزل به في الآخرة عذاب دائم لا انقطاع له؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف نوح - عليه السلام - إلى تهديدهم تهديدا آخر فقال : ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) .أى : فسوف تعلمون عما قريب ، من منا الذى سينزل عليه العذاب المخزى المهين فى الدنيا ، ومن منا الذى سيحل عليه العذاب الدائم الخالد فى الآخرة .وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت حكم الله الفاضل فى شأن قوم نوح - عليه السلام - بعد أن لبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الحق ، ولكنهم صموا آذانهم عنه فماذا كان من أمره وأمرهم بعد ذلك .كان من أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر الله - تعالى - نوحا - عليه السلام - أن يحمل فى السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا وأنثى ، ثم نزل الطرفان ، وسارت السفينة بمن فيها ، وأغرق الله - تعالى - الظالمين ، وقد حكى - سبحانه - كل ذلك فقال - تعالى :( حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ قولان: الأول: أنه حكاية حال ماضية أي في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك.

الثاني: التقدير وأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله: ﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في صفة السفينة أقوالاً كثيرة: فأحدها: أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وقيل في أربع سنين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن كان معه مع ما احتاجوا إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام.

وثانيها: قال الحسن كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع.

واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها ألبتة ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلاً وكان الخوض فيها من باب الفضول لا سيما مع القطع بأنه ليس هاهنا ما يدل على الجانب الصحيح والذي نعلمه إنه كان في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه ولما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان، لأن هذا القدر مذكور في القرآن، فأما غير ذلك القدر فغير مذكور.

أما قوله تعالى: ﴿ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾ ففي تفسير الملأ وجهان قيل جماعة وقيل طبقة من أشرافهم وكبرائهم واختلفوا فيما لأجله كانوا يسخرون وفيه وجوه أحدهما: أنهم كانوا يقولون: يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجاراً.

وثانيها: أنهم كانوا يقولون له: لو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وثالثها: أنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها وكانوا يتعجبون منه ويسخرون.

ورابعها: أن تلك السفينة كانت كبيرة وهو كان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جداً وكانوا يقولون: ليس هاهنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار، فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون.

وخامسها: أنه لما طالت مدته مع القوم وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ذلك المعنى خبراً ولا أثراً غلب على ظنونهم كونه كاذباً في ذلك المقال فلما اشتغل بعمل السفينة لا جرم سخروا منه وكل هذه الوجوه محتملة.

ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول: ﴿ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة.

الثاني: إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى بالسخرية منا.

الثالث: أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد، لأنكم لا تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأطفال والجهال.

فإن قيل: السخرية من آثار المعاصي فكيف يليق ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قلنا: إنه تعالى سمى المقابلة سخرية كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة، وفي قوله: ﴿ مَن يَأْتِيهِ ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون استفهاماً بمعنى أي كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا الوجه فمحل من رفع بالابتداء.

والثاني: أن يكون بمعنى الذي ويكون في محل النصب، وقوله تعالى: ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي يجب عليه وينزل به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾ ومن عمله السفينة، وكان يعملها في برية بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقت عزَّ الماء فيه عزة شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح، صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ يعني في المستقبل ﴿ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ منا الساعة، أي: نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

وقيل: إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا.

أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق.

وروي أنّ نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل: الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط: الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضاً بين الرجال والنساء، وعن الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة.

وقيل: إنّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟

قالوا الله ورسوله أعلم.

قال: هذا كعب بن حام.

قال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام: هكذا أهلكت؟

قال لا، مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثمت شبت.

قال: حدثنا عن سفينة نوح.

قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة للدواب والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير.

ثم قال: له عد بإذن الله كما كنت، فعاد تراباً ﴿ مَن يَأْتِيهِ ﴾ في محل النصب بتعلمون، أي: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، ويعني به إياهم، ويريد بالعذاب: عذاب الدنيا وهو الغرق ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ وهو عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَصْنَعُ الفُلْكَ ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

﴿ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ فَإنَّهُ كانَ يَعْمَلُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الماءِ أوانَ عِزَّتِهِ، وكانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ لَهُ: صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا.

﴿ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ ﴾ إذا أخَذَكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.

وقِيلَ المُرادُ بِالسُّخْرِيَةِ الِاسْتِجْهالُ.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ يَعْنِي بِهِ إيّاهم وبِالعَذابِ الغَرَقَ.

﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ ويَنْزِلُ عَلَيْهِ، أوْ يَحِلُّ عَلَيْهِ حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا انْفِكاكَ عَنْهُ.

﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ} من في محل نصب يتعلمون أي فسوف تعلمون الذي يأتيه {عَذَابٌ يُخْزِيهِ} ويعني به إياهم ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو الغرق وَيَحِلُّ عَلَيْهِ وينزل عليه {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} وهو عذاب الآخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أيْ يَفْضَحُهُ أوْ يُذِلُّهُ أوْ يُهْلِكُهُ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ العَذابِ الغَرَقُ ﴿ ويَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ حُلُولَ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ ﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ أيْ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ و(مَن) عِبارَةٌ عَنْهُمْ، وهي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِلْعِلْمِ وهو بِمَعْنى المَعْرِفَةِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ العِلْمُ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى واحِدٍ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ.

وقِيلَ: إنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ أوِ المَفْعُولَيْنِ، قِيلَ: ولَمّا كانَ مَدارُ سُخْرِيَتِهِمُ اسْتِجْهالَهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُكابَدَةِ المَشاقِّ الفادِحَةِ لِدَفْعِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ عَلى زَعْمِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في عَمَلِ السَّفِينَةِ، وكانُوا يَعُدُّونَهُ عَذابًا قِيلَ: بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ ( فَسَوْفَ ) إلَخْ يَعْنِي أنَّ ما أُباشِرُهُ لَيْسَ فِيهِ عَذابٌ لاحِقٌ بِي ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مَن يُعَذَّبُ، ولَقَدْ أصابَ العِلْمُ بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ مَحَزَّهُ انْتَهى، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ السُّخْرِيَةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِجْهالِ.

ولَعَلَّهُ يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِها عَلى ظاهِرِها أيْضًا بِأدْنى عِنايَةٍ فافْهَمْ، ووَصْفُ العَذابِ بِالإخْزاءِ لِما في الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ مِن لُحُوقِ الخِزْيِ والعارِ عادَةً والتَّعَرُّضُ لِحُلُولِ العَذابِ المُقِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، وفِيهِ مِنَ المَجازِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُهُ بِالمُؤَجَّلِ وإيرادُ الأوَّلِ بِالإتْيانِ غايَةُ الجَزالَةِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ قُرِئَ يَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ يعني: ينحت السفينة.

ويقال: إن الله تعالى أمره بأن يغرس الأشجار، فغرسها حتى أدركت، وقطعها حتى يبست، ثم اتخذ منها السفينة، فاستأجر أجراء ينحتون معه.

وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف من قومه سَخِرُوا مِنْهُ يعني: استهزءوا به، وكانوا يقولون: إن الذي يزعم أنه نبي صار نجاراً، ومرة كانوا يقولون: أتجعل للماء إكافاً فأين الماء.

قالَ لهم نوح إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ يعني: إن تسخروا منا اليوم، فإنا نسخر منكم بعد الهلاك، يعني: يصيبكم جزاء السخرية، كَما تَسْخَرُونَ منا، يعني: بما تسخرون ويقال إن تستجهلوا بنا بهذا الفعل، فإنا نستجهلكم بترك الإيمان، كما تستجهلوننا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: تعرفون بعد هذا من أحق بالسخرية، وهذا وعيد لهم، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: تعرفون مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يعني: يهلكه ويذله وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ يعني: ينزل عليه عذاب دائم، لا ينقطع عنه أبدا.

قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا يعني: قولنا بالعذاب، ويقال: حتما إذا جاء عذابنا، وهو الغرق وَفارَ التَّنُّورُ يعني: نبع الماء من أسفل التنور.

وقال مقاتل: التنور الذي يخبز فيه في أقصى ديار بالشام- وقال ابن عباس: وَفارَ التَّنُّورُ يعني: نبع الماء من وجه الأرض (١)  أيضاً أنه قال: فار منه التنور وجرت منه السفينة، إلى مسجد بالكوفة قُلْنَا احْمِلْ فِيها يعني: في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني: من كل صنفين وَأَهْلَكَ يعني: واحمل أهلك فيها معك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بالغرق، يعني: سوى من قدرت عليه الشقاوة والكفر، فلا تحمله، يعني: امرأته الكافرة، وابنه كنعان، وَمَنْ آمَنَ يعني: واحمل في السفينة من آمن معك.

قال الفقيه: أخبرني الثقة، بإسناده عن وهب بن منبه، قال: «أمر نوح بأن يحمل مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين، فقال: رب كيف أصنع بالأسد والبقرة؟

وكيف أصنع بالذئب والعناق؟

وكيف أصنع بالحمام والهرة؟

قال: يا نوح من ألقى بينهم العداوة؟

قال: أنت يا رب، قال: فإني أؤلف بينهم حتى يتراضوا» .

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الماسرخسي، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: «كثر الفأر في السفينة، حتى خافوا على حبال السفينة، فأوحى الله تعالى إلى نوح، أن امسح عن جبهة الأسد فمسحها، فعطس، فخرج منها سنوران، فأكلا الفئران.

وكثرت العذرة في السفينة، فشكوا إلى نوح، فأوحى الله تعالى إلى نوح: أن امسح ذنب الفيل، فمسحه فخرج خنزير، فأكل العذرة» .

وفي خبر آخر: «فخرج منه خنزيران فأكلا العذرة» .

قال الفقيه، أبو الليث رحمه الله: وفي خبر وهب بن منبه دليل أن الهرة كانت من قبل.

وفي هذا الخبر أن الهرة لم تكن من قبل، والله أعلم بالصواب منهما.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما فار الماء من التنور، فأرسل الله تعالى من السماء مطرا شديدا، فأقبلت الوحوش حين أصابتها المطر إلى نوح، وسخرت له، فحمل في السفينة مِن كُلّ طير زوجين، ومن كل دابة زوجين، ومن كل بهيمة زوجين، ومن كل سبع زوجين، يعني: الذكر والأنثى.

فقال نوح: رب هذه الحية والعقرب، كيف أصنع بهما؟

فبعث الله تعالى جبريل، فقطع فقار العقرب، وضرب فم الحية.

وكان نوح  جعل للسفينة ثلاثة أبواب، بعضها أسفل من بعض، فجعل في الباب الأسفل: السباع والهوام، وجعل في الباب الأوسط: البهائم والوحوش، وجعل في الباب الأعلى: بني آدم من ذكر منهم» ، فذلك قوله تعالى: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قال ابن عباس: «هم ثمانون إنساناً» ، وقال الأعمش في قوله: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قال: كان نوح، وثلاثة بنين، ونساؤهم.

وقال مقاتل: كانوا أربعين رجلاً، وأربعين امرأة.

قرأ عاصم في رواية حفص: مِنْ كُلٍّ بالتنوين، يعني: من كل شيء، ثُمَّ قال زَوْجَيْنِ على وجه التفسير للكل، وقرأ الباقون: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ بغير تنوين، على معنى الإضافة.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال: إِنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه.

ت: وهذا أيضاً غير ملخَّص، والصواب: أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧] ، وانظر قوله عليه السلام: «اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ» «٢» ، وقَوْلُهُ تعالَى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور: ٣٣] ، فههنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً ...

الآية [البقرة: ١٨٠] .

وقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ: تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين: هي ردٌّ على قولهم: اتبعك أراذِلُنا في ظاهر أمرِهم حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال: إِنِّي إِذاً لو فعلت ذلك، لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وقولهم: قَدْ جادَلْتَنا: معناه: قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم: بِما تَعِدُنا العذابَ والهلاكَ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: بمفلتين.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)

وقوله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ...

الآية: قال الطبريُّ «٣» وغيرُه: هذه الآيةُ اعترضت في قِصَّة نوح، وهي في شأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع قُرَيْشٍ.

قال ع «٤» : ولو صحَّ هذا بسندٍ، لوجب الوقوفُ عنده، وإِلا فهو يَحْتملُ أن

يكون في شأن نوح عليه السلام، وتَتَّسِقُ الآية، ويكونُ الضمير في «افتراه» عائداً علي ما توعَّدهم به، أو عَلى جميعِ ما أخبرهم به، و «أم» بمعنى «بل» .

وقوله سبحانه: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ...

الآية، قيل لنوح هذا بَعْدَ أَنْ طال عليه كُفْر القَرْن بعد القَرْن به، وكان يأتيه الرجُلُ بابنه، فيقول: يا بُنَيَّ، لا تُصَدِّقْ هذا الشيخَ، فهكذا عَهِدَهُ أَبي وَجَدِّي كَذَّاباً مَجْنُوناً، رَوَاهُ عُبَيْدُ بن عُمَير وغيره، فروي أنه لما أوحِيَ إِليه ذَلك، دَعَا، فقَالَ: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] ، وتَبْتَئِسْ من البُؤْس، ومعناه: لا تَحْزَنْ.

وقوله: بِأَعْيُنِنا: يمكنُ أَنْ يريد بمرأًى منا، فيكون عبارةً عن الإِدراك والرعاية والحفْظ، ويكونُ جَمَعَ الأَعْيُنِ، للعظمةِ لا للتكثير كما قال عزَّ مِنْ قائل: فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [المرسلات: ٢٣] ، والعقيدةُ أنه تعالَى منزهُ عن الحواسِّ، والتشبيهِ، والتكييفِ، لا ربَّ غيره، ويحتملُ قوله: بِأَعْيُنِنا أيُّ: بملائكتنا الذين جعلْناهم عيوناً على مواضع حِفْظِكَ وَمَعُونَتِك، فيكون الجَمْعُ على هذا التأويلِ: للتكْثير.

وقوله: وَوَحْيِنا معناه: وتعليمنا له صُورَةَ العَمَل بالوحْيِ، ورُوِيَ في ذلك: «أَنَّ نوحاً عليه السلام لَمَّا جَهِلَ كَيْفِيَّة صُنْعِ السَّفِينَةِ، أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ، أَن اصنعها على مثال جُؤْجُؤِ «١» الطَّائِرِ» إِلى غير ذلك ممَّا علِّمَهُ نوحٌ من عملها.

وقوله: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ...

الآية، قال ابْنُ جُرَيْج في هذه الآية: تقدَّم اللَّه إِلَى نوحٍ أَلاَّ يَشْفَعَ فيهم «٢» .

وقوله: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ: التقديرُ: فشَرَعَ يصْنَعُ، فحكيتْ حالُ الاستقبال، والملأ هنا: الجماعة.

وقوله: سَخِرُوا مِنْهُ ...

الآية: السُّخْر: الاستجهال مع استهزاء، وإِنما سخروا منه في أنْ صنعها في بَرِّيَّةٍ.

وقوله: فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ قال «٣» الطبريُّ: يريد في الآخرة.

قال ع «٤» : ويحتمل الكلام- وهو الأرجح- أن يريد: إنا نسخر منكم الآن،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هَذا وعِيدٌ، ومَعْناهُ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالسُّخْرِيَةِ، ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أيْ: يُذِلُّهُ، وهو الغَرَقُ.

﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: ويَجِبُ عَلَيْهِ ﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ ﴾ ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ التَقْدِيرُ: فَشَرَعَ يَصْنَعُ فَحُكِيَتْ حالُ الِاسْتِقْبالِ، إذْ في خِلالِها وقَعَ مُرُورُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعَ نُوحٌ الفُلْكَ بِبِقاعِ دِمَشْقَ وأخَذَ عُودَها مِن لُبْنانَ وعُودَها مِنَ الشَمْشادِ وهو البَقْصُ.

ورُوِيَ أنَّ عُودَها مِنَ الساجِ، وأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ اغْتَرَسَهُ حَتّى كَبُرَ في أرْبَعِينَ سَنَةً ورُوِيَ أنَّ طُولَ السَفِينَةِ ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتانِ، وعَرَضَها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقِيلَ: طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثَ إحْياءِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِسامِ بْنِ نُوحٍ وسُؤالِهِ إيّاهُ عن أمْرِ السَفِينَةِ فَذَكَرَ أنَّها ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ لِلنّاسِ، وطَبَقَةٌ لِلْبَهائِمِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

و"المَلَأُ" هُنا الجَماعَةُ، و"سَخِرُوا" مَعْناهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، وهَذا الِاسْتِجْهالُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلُ رَأوا سَفِينَةً ولا كانَتْ- فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ.

وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَفاسِيرُ وإنْ كانَتِ السَفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في مَوْضِعٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُبُوَّةِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ: في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ الكَلامُ -بَلْ هو الأرْجَحُ- أنْ يُرِيدَ: إنّا نَسْخَرُ مِنكُمُ الآنَ، أيْ نَسْتَجْهِلُكم لِعِلْمِنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى والكَوْنِ بِمُدْرَجِ عَذابِهِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تَهْدِيدًا، والسُخْرُ: الِاسْتِجْهالُ مَعَ اسْتِهْزاءٍ، ومَصْدَرُهُ: سُخْرى بِضَمِّ السِينِ، والمَصْدَرُ مِنَ السُخْرَةِ والتَسْخِيرِ سِخْرى بِكَسْرِها.

و"العَذابُ المُخْزِي" هو الغَرَقُ، و"المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ "وَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، ويَقْرَأُ "وَيَحِلُّ" بِكَسْرِها، بِمَعْنى ويَجِبُ.

ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ".

وجازَ أنْ يَكُونَ "تَعْلَمُونَ" بِمَثابَةِ "تَعْرِفُونَ" في التَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ﴾ الآيَةُ، الأمْرُ هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ، فَمَعْناهُ أمْرُنا لِلْماءِ بِالفَوَرانِ، أو لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أو لِلْمَلائِكَةِ بِالتَصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النازِلَةِ و"وَفارَ" مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ في "التَنُّورُ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ- مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو تَنُّورُ الخُبْزِ الَّذِي يُوقَدُ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتْ هَذِهِ أمارَةً جَعَلَها اللهُ لِنُوحٍ، أيْ إذا فارَ التَنُّورُ فارْكَبْ في السَفِينَةِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الأمارَةِ أنَّ مُسْتَوْقَدَ النارِ إذا فارَ بِالماءِ فَغَيْرُهُ أشَدُّ فَوَرانًا، وأحْرى بِذَلِكَ.

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خَلُصَ إلى نُوحٍ فَكانَ يُوقِدُ فِيهِ، وقالَ النَقّاشُ: اسْمُ المُسْتَوْقَدِ التَنُّورُ بِكُلِّ لُغَةٍ وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في الأدَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.

وقِيلَ: إنَّ مَوْضِعَ تَنُّورِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ مَسْجِدِ الكُوفَةِ، وقِيلَ: كانَ في ناحِيَةِ الكُوفَةِ، قالَهُ الشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: كانَ في الجِهَةِ الغَرْبِيَّةِ مِن قِبْلَةِ المَسْجِدِ بِالكُوفَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعِكْرِمَةُ: التَنُّورُ وجْهُ الأرْضِ، ويُقالُ لَهُ: تَنُّورُ الأرْضِ، وقالَ قَتادَةُ: التَنُّورُ: أعالِي الأرْضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَنُّورُ: عَيْنٌ بِناحِيَةِ الجَزِيرَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: التَنُّورُ مُجْتَمَعُ ماءِ السَفِينَةِ فارَ مِنهُ الماءُ وهي بَعْدُ في اليُبْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَنُّورُ هو الفَجْرُ، المَعْنى: إذا طَلَعَ الفَجْرُ فارْكَبْ في السَفِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، إلّا أنَّ التَصْرِيفَ يُضْعِفُهُ، وكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التَنُّورُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكَلامُ مَجازٌ وإنَّما أرادَ غَلَبَةَ الماءِ وظُهُورَ العَذابِ كَما «قالَ النَبِيُّ  لِشِدَّةِ الحَرْبِ: "حَمِيَ الوَطِيسُ"» والوَطِيسُ أيْضًا مُسْتَوْقَدُ النارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَحَمِيَ وفارَ إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النارِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ  ﴾ ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَنُّورِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" بِتَنْوِينِ "كُلٍّ"، وقَرَأ الباقُونَ: "مَن كُلِّ زَوْجَيْنِ" بِإضافَةِ "كُلٍّ" إلى "زَوْجَيْنِ".

فَمَن قَرَأ بِالتَنْوِينِ حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ التَقْدِيرُ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ أو نَحْوِهِ، وأعْمَلَ "الحَمْلَ" في زَوْجَيْنِ، وجاءَ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدًا- كَما قالَ: إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ.

ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فَأعْمَلَ "الحَمْلَ" في قَوْلِهِ: اثْنَيْنِ، وجاءَ قَوْلُهُ: "زَوْجَيْنِ" بِمَعْنى العُمُومِ، أيْ مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، ولَوْ قَدَّرْنا المَعْنى: احْمِلْ مَن كُلِّ زَوْجَيْنِ حاصِلَيْنِ اثْنَيْنِ لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعٍ أرْبَعَةً، والزَوْجُ يُقالُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ: وهَذا هو المَهِيعُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ  ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى  ﴾ .

قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ: مِن كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ ∗∗∗ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها وهَكَذا يَأْخُذُ العَدَدِيُّونَ.

الزَوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ النَوْعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ﴾ وقوله عزّ وجلّ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها  ﴾ .

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَأْتِيهِ الحَيَوانُ، فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَكَرِ ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى.

ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما أُدْخِلَ في السَفِينَةِ الذَرُّ، وآخِرَ ما أُدْخِلَ الحِمارُ، فَتَمَسَّكَ الشَيْطانُ بِذَنَبِهِ، فَزَجَرَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فَقالَ لَهُ: ادْخُلْ ولَوْ كانَ مَعَكَ الشَيْطانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مِن لِسانِهِ فَدَخَلَ الشَيْطانُ حِينَئِذٍ، وكانَ في كَوْثَلِ السَفِينَةِ، أيْ عِنْدِ مُؤَخَّرِها، وقِيلَ: كانَ عَلى ظَهْرِها.

ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ آذاهُ نَتَنُ الزِبَلِ والعُذْرَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: أنِ امْسَحْ عَلى ذَنَبِ الفِيلِ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَ مِنَ الفِيلِ- وقِيلَ: مِن أنْفِهِ- خِنْزِيرٌ وخِنْزِيرَةٌ، فَكَفَيا نُوحًا وأهْلَهُ ذَلِكَ الأذى وهَذا يَجِيءُ مِنهُ أنَّ نَوْعَ الخَنازِيرِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.

ورُوِيَ أنَّ الفَأْرَ آذى الناسَ في السَفِينَةِ بِقَرْضِ حِبالِها وغَيْرِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللهُ نُوحًا أنْ يَمْسَحَ عَلى جَبْهَةِ الأسَدِ فَفَعَلَ، فَعَطَسَ فَخَرَجَ مِنهُ هِرٌّ وهِرَّةٌ، فَكَفَياهُمُ الفَأْرَ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ الفَأْرَ خَرَجَ مِن أنْفِ الخِنْزِيرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ قَصَصٌ لا يَصِحُّ إلّا لَوِ اسْتُنِدَ واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ.

وقَوْلُهُ: "وَأهْلَكَ" عَطْفٌ عَلى ما عَمِلَ فِيهِ "احْمِلْ"، و"الأهْلُ" هُنا: القَرابَةُ، وبِشَرْطِ مَن آمَنَ مِنهُمْ، خُصِّصُوا تَشْرِيفًا ثُمَّ ذُكِرَ مَن آمَنَ ولَيْسَ مِنَ الأهْلِ واخْتُلِفَ في الَّذِي ﴿ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ فَقِيلَ: هو ابْنُهُ يامُ، وقالَ النَقّاشُ: اسْمُهُ كَنْعانُ وقِيلَ: هي امْرَأتُهُ والِعَةُ هَكَذا اسْمُها بِالعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وقِيلَ: هو عُمُومٌ في مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ نُوحٍ وعَشِيرَتِهِ.

والقَوْلُ هاهُنا مَعْناهُ: القَوْلُ بِأنَّهُ يُعَذَّبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن آمَنَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَأهْلَكَ"، ثُمَّ قالَ إخْبارًا عن حالِهِمْ: ﴿ وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ واخْتُلِفَ في ذَلِكَ "القَلِيلِ"، فَقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً وقِيلَ: كانَ جَمِيعُهم ثَلاثَةً وثَمانِينَ: وقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ في الكُلِّ، قالَهُ السُدِّيُّ: وقِيلَ: عَشْرَةٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ، واللهُ أعْلَمُ.

وقِيلَ: كانَ في السَفِينَةِ جُرْهُمٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ الغَرَقِ أحَدٌ إلّا عَوْجُ بْنُ أعْنَقَ، وكانَ في السَفِينَةِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وغَرِقَ يامُ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "سامُ أبُو العَرَبِ، ويافِثُ أبُو الرُومِ، وحامُ أبُو الحَبَشِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ واصنع الفلك ﴾ [هود: 37]، أي أوحي إليه ﴿ اصنع الفلك ﴾ ، وصَنَع الفلك.

وإنما عبر عن صنعه بصيغة المضارع لاستحضار الحالة لتخييل السامع أن نوحاً عليه السلام بصدد العمل، كقوله: ﴿ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً ﴾ [فاطر: 9] وقوله: ﴿ يجادلنا في قوم لوطٍ ﴾ [هود: 74] وجملة ﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يصنع ﴾ .

و ﴿ كلّما ﴾ كلمة مركبة من (كل) و(ما) الظرفية المصدرية، وانتصبت (كل) على الظرفية لأنها اكتسبت الظرفية بالإضافة إلى الظرف، وهو متعلّق ﴿ سخروا ﴾ ، وهو جوابه من جهة أخرى.

والمعنى: وسَخر منه ملأ من قومه في كل زمن مرورهم عليه.

و (لما) في (كلما) من العموم مع الظرفية أشربت معنى الشرط مثل (إذا) فاحتاجت إلى جواب وهو ﴿ سَخروا منه ﴾ .

وجملة ﴿ قال إن تسخروا منا ﴾ حكاية لما يجيب به سخريتهم، أجريت على طريقة فعل القول إذا وقع في سياق المحاورة، لأن جملة ﴿ سخروا ﴾ تتضمن أقوالاً تنبني عن سخريتهم أو تبين عن كلام في نفوسهم.

وجمع الضمير في قوله: ﴿ مِنّا ﴾ يشير إلى أنهم يسخرون منه في عمل السفينة ومن الذين آمنوا به إذْ كانوا حَوله واثقين بأنه يعمل عَملاً عظيماً، وكذلك جمعه في قوله: ﴿ فإنّا نسخر منكم ﴾ .

والسخرية: الاستهزاء، وهو تعجب باحتقار واستحماق.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فحَاق بالذين سَخروا منهم ﴾ في أول سورة [الأنعام: 10]، وفعلها يتعدى ب (من).

وسخريتهم منه حمل فعله على العبث بناء على اعتقادهم أن ما يصنعه لا يأتي بتصديق مدعاه.

وسخرية نوح عليه السلام والمؤمنين، من الكافرين من سفه عقولهم وجهلهم بالله وصفاته.

فالسخريتان مقترنتان في الزمن.

وبذلك يتضح وجه التشبيه في قوله: ﴿ كما تسخرون ﴾ فهو تشبيه في السبب الباعث على السخرية، وإن كان بين السببيْن بَون.

ويجوز أن تجعل كاف التشبيه مفيدة معنى التعليل كالتي في قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198] فيفيد التفاوت بين السخريتين، لأن السخرية المعللة أحق من الأخرى، فالكفار سخروا من نوح عليه السلام لعمل يجهلون غايته، ونوح عليه السّلام وأتباعه سخروا من الكفار لعلمهم بأنهم جاهلون في غرور، كما دل عليه قوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ فهو تفريع على جملة ﴿ فإنّا نسخر منكم ﴾ أي سيظهر مَن هو الأحق بأن يسخر منه.

وفي إسناد (العلم) إلى ضمير المخاطبين دون الضمير المشارك بأن يقال: فسوف نعلم، إيماء إلى أن المخاطبين هم الأحق بعلم ذلك.

وهذا يفيد أدباً شريفاً بأن الواثق بأنه على الحق لا يزعزع ثقته مقابلة السفهاء أعماله النافعة بالسخرية، وأن عليه وعلى أتباعه أن يسخروا من الساخرين.

والخزي: الإهانة، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ربنا إنك مَن تدخل النار فقد أخزيته ﴾ في آخر سورة [آل عمران: 192].

والعذاب المقيم: عذاب الآخرة، أي من يأتيه عذاب الخزي في الحياة الدنيا، والعذاب الخالد في الآخرة.

و ﴿ مَن ﴾ استفهامية معلّقة لفعل العِلم عن العمل، وحلول العذاب: حصوله؛ شبه الحصول بحلول القادم إلى المكان وهو إطلاق شائع حتى ساوى الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ ﴾ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى اسْتِدامَةَ كُفْرِهِمْ تَحْقِيقًا لِنُزُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ، قالَ الضَّحّاكُ، فَدَعا عَلَيْهِمْ لَمّا أُخْبِرَ بِهَذا فَقالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ ﴿ إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا  ﴾ ﴿ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا تَأْسَفْ ومِنهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ المُدانِ: فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ الثّانِي: فَلا تَحْزَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئَتْهُ ∗∗∗ فَلَمْ أبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ والِابْتِئاسِ: الحُزْنُ في اسْتِكانَةٍ، وأصْلُهُ مِنَ البُؤْسِ، وفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا تَحْزَنْ لِهَلاكِهِمْ.

الثّانِي: فَلا تَحْزَنْ لِكُفْرِهِمُ المُفْضِي إلى هَلاكِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: بِحَيْثُ نَراكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالأعْيُنِ لِأنَّ بِها تَكُونُ الرُّؤْيَةُ.

الثّانِي: بِحِفْظِنا إيّاكَ حِفْظَ مَن يَراكَ.

الثّالِثُ: بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا رابِعًا: بِمَعُونَتِنا لَكَ عَلى صُنْعِها.

﴿ وَوَحْيِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وأمْرُنا لَكَ أنْ تَصْنَعَها.

الثّانِي: تَعْلِيمُنا لَكَ كَيْفَ تَصْنَعُها.

﴿ وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ نَهاهُ اللَّهُ عَنِ المُراجَعَةِ فِيهِمْ فاحْتَمَلَ نَهْيُهُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَصْرِفَهُ عَنْ سُؤالِ ما لا يُجابُ إلَيْهِ.

الثّانِي: لِيَصْرِفَ عَنْهُ مَأْثَمَ المُمالَأةِ لِلطُّغاةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَصْنَعُ الفُلْكَ ﴾ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: مَكَثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ الشَّجَرَ ويَقْطَعُها ويُيَبِّسُها، ومِائَةَ سَنَةٍ يَعْمَلُها، واخْتُلِفَ في طُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما قالَهُ الحَسَنُ كانَ طُولُها ألْفَ ذِراعٍ ومِائَتَيْ ذِراعٍ، وعَرْضُها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، وكانَتْ مُطَبَّقَةً.

الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ طُولُها أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ، وعُلُوُّها ثَلاثُونَ ذِراعًا.

وَقالَ خُصَيْفٌ: كانَ طُولُها ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وكانَ في أعْلاها الطَّيْرُ، وفي وسَطِها النّاسُ وفي أسْفَلِها السِّباعُ.

وَدُفِعَتْ مِن عَيْنِ ورْدَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ ورَسَتْ بِباقَرَدِي عَلى الجُودِيِّ يَوْمَ عاشُوراءَ.

قالَ قَتادَةُ وكانَ بابُها في عَرْضِها.

﴿ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ ﴾ وفي سُخْرِيَّتِهِمْ مِنهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرَوْنَهُ يَبْنِي في البَرِّ سَفِينَةً فَيَسْخَرُونَ مِنهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ نَجّارًا.

الثّانِي: أنَّهم لَمّا رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ ولَمْ يُشاهِدُوا قَبْلَها سَفِينَةً بُنِيَتْ قالُوا يا نُوحُ: ما تَصْنَعُ؟

قالَ: أبْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ فَعَجِبُوا مِن قَوْلِهِ وسَخِرُوا مِنهُ.

﴿ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ تَسْخَرُوا مِن قَوْلِنا فَسَنَسْخَرُ مِن غَفْلَتِكم.

الثّانِي: إنْ تَسْخَرُوا مِن فِعْلِنا اليَوْمَ عِنْدَ بِناءِ السَّفِينَةِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم غَدًا عِنْدَ الغَرَقِ.

والمُرادُ بِالسُّخْرِيَةِ ها هُنا الِاسْتِجْهالُ.

وَمَعْناهُ إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ في الأرْضِ قَبْلَ الطُّوفانِ نَهْرٌ ولا بَحْرٌ فَلِذَلِكَ سَخِرُوا مِنهُ.

قالَ: ومِياهُ البِحارِ بَقِيَّةُ الطُّوفانِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جازَ أنْ يَقُولَ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم مَعَ قُبْحِ السُّخْرِيَةِ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ ذَمٌّ جَعَلَهُ مُجازاةً عَلى السُّخْرِيَةِ فَجاءَ بِهِ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ، وكانَ الزَّجّاجُ لِأجْلِ هَذا الِاعْتِراضِ يَتَأوَّلُهُ عَلى مَعْنى إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم كَما تَسْتَجْهِلُونَنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وضعفه الذهبي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر وكيف تجري؟

قال: سوف تعلمون.

فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت سفينة نوح عليه السلام لها أجنحة وتحت الأجنحة إيوان» .

وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم، وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وبابها في عرضها» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان طول سفينة نوح ثلثمائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نوحاً لما أمر أن يصنع الفلك قال: يا رب وأين الخشب؟

قال: إغرس الشجر فغرس الساج عشرين سنة، وكف عن الدعاء وكفوا عن الاستهزاء، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها فقال: يا رب كيف اتخذ هذا البيت؟

قال: اجعله على ثلاثة صور.

رأسه كرأس الديك، وجؤجؤ كجؤجؤ الطير، وذنبه كذنب الديك، واجعلها مطبقة واجعل لها أبواباً في جنبها وشدها بدسر- يعني مسامير الحديد- وبعث الله جبريل عليه السلام يعلمه صنعة السفينة، فكانوا يمرون به ويسخرون منه ويقولون: ألا ترون إلى هذا المجنون يتخذ بيتاً ليسير به على الماء؟

وأين الماء ويضحكون.

وذلك قوله: ﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها، وستين ذراعاً في الأرض، وعرضها ثلثمائة ذراع وثلاثة وثلاثون، وأمر أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله له عين القار حيث تنحت السفينة تغلي غلياناً حتى طلاها، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب وأطبقها، فحمل فيها السباع والدواب، فألقى الله على الأسد الحمى وشغله بنفسه عن الدواب، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني ثم أطبق عليها، وجعل ولد آدم أربعين رجلاً وأربعين امرأة في الباب الأعلى ثم أطبق عليهم، وجعل الدرة معه في الباب الأعلى لضعفها أن لا تطأها الدواب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً وبابها في عرضها، وذكر لنا أنها استقلت بهم في عشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، ثم استقرت بهم على الجودي، واهبطوا إلى الأرض في عشر ليال خلون من المحرم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: كان طول سفينة نوح عليه السلام ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم عليهما السلام، لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب قال: أتدرون ما هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هذا كعب حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه قال: قم بإذن الله.

فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب قال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكت.

قال: لا مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة قامت فمن ثم شبت قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات.

فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإِنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح: أن اغمز ذنب الفيل.

فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث فلما وقع الفار يخرب السفينة بقرضه، أوحى الله إلى نوح أن أضرب بين عيني الأسد.

فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفار فقال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟

قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت.

ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوّقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت فقالوا: يا روح الله ألا تنطلق بنا إلى أهالينا فيجلس معنا ويحدثنا؟

قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟

ثم قال: عد بإذن الله فعاد تراباً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان طول سفينة نوح عليه السلام أربعمائة ذراع، وعرضها في السماء ثلاثون ذراعاً.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: قال سليمان الفرائي.

عمل نوح عليه السلام السفينة أربعمائة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة حتى كان طوله أربعمائة ذراع، والذراع إلى المنكبين.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم رضي الله عنه.

أن نوحاً عليه السلام مكث يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ثم مائة سنة يعملها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه.

أن نوحاً عليه السلام لما أمر أن يصنع الفلك قال: رب لست بنجار؟

قال: بلى.

فإن ذلك بعيني فخذ القادوم فجعلت يده لا تخطئ، فجعلوا يمرون به ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجاراً، فعملها أربعين سنة.

وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن ميناء.

أن كعباً رضي الله عنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص، أخبرني عن أول شجرة نبتت على الأرض؟

قال عبد الله: الساج وهي التي عمل منها نوح السفينة فقال كعب رضي الله عنه: صدقت.

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ قال: هو الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ قال: هو الخلود في النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) (٢) وفي قوله: ﴿ مَنْ يَأْتِيهِ ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون استفهامًا بمعنى (أي)، كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا محله رفع بالابتداء.

والثاني: أن يكون بمعنى (الذي) ويكون في محل النصب.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ أي: يجب عليه وينزل به، وسنذكر استقصاء هذا الحرف عند قوله: ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ في سورة طه [81] إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ يعني عذاب الآخرة.

(١) انظر: ابن عطية 7/ 290، "زاد المسير" 4/ 104، القرطبي 9/ 33، "البحر المحيط" 5/ 222، ابن كثير 2/ 487.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكُلَّمَا ﴾ يحتمل أن يكون جوابها سخروا منه، أو قال إن تسخروا ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تهديد، ومن يأتيه منصوب بتعلمون ﴿ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ هو الغرق والعذاب المقيم عذاب النار ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ غاية لقوله: ويصنع الفلك ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ الذي يوقد فيه عند ابن عباس وغيره، ورُوي أنه كان تنور آدم خلص إلى نوح، وقيل: التنور وجه الأرض ﴿ قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ المراد بالزوجين: الذكر والأنثى من الحيوان، وقرئ من كل بغير تنوين فعمل احمل في اثنين ومن قرأ بالتنوين عمل احمل في زوجين، وجعل اثنين نعت له على جهة التأكيد ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أي قرابتك، وهو معطوف على ما عمل فيه احمل ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ أي من قضي عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته ﴿ وَمَنْ آمَنَ ﴾ معطوف على أهلك، أي احمل أهلك ومن آمن من غيرهم ﴿ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ قيل: كانوا ثمانين وقيل عشرة وقيل ثمانية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ قال بعضهم: إن نوحاً  لم يدع على قومه بالهلاك ما دام يرجو ويطمع من قومه الإيمان، فإذا أيس وانقطع رجاؤه وطمعه فيحنئذ دعا عليهم بالهلاك؛ كقوله: ﴿ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً  ﴾ أي أحداً، ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ...

﴾ الآية [نوح: 27]، وعرف الإياس عن إيمانهم بقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ...

﴾ الآية؛ وكذلك سائر الأنبياء والرسل لم يؤذن [لهم] بالدعاء على قومهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم، وما داموا يرجون ويطمعون منهم الإيمان والإجابة لهم، فإذا أيسوا وانقطع رجاؤهم وطمعهم عن ذلك، فعند ذلك أذن لهم بالدعاء عليهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم [وعلى ذلك عوتب يونس بالخروج من بين أظهرهم قبل أن يؤذن له بالخروج من بينهم].

وفي قوله: ﴿ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ دلالة أن للإيمان حكم التجدد والابتداء في كل وقت [وفي] كل حال؛ لأنه أخبر أن الذي قد آمن قد يؤمن في حادث الوقت؛ وعلى ذلك يخرج الزيادات التي ذكرت في الإيمان فزادتهم إيمانا ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ قيل: لا تحزن بما كانوا يفعلون، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا تحزن بكفرهم بالله وتكذيبهم إياك، ليس على النهي عن الحزن في ذلك، بل على دفع الحزن عنه والتسلي به؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يحزنون بكفر قومهم بالله وجعلهم أنفسهم أعداء له؛ كقوله لرسول الله  : ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 3]، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ وأمثاله، كان الأنبياء - عليهم السلام - أشدّ الناس حزنا بكفر قومهم بالله وتكذيبهم آياته وأشدهم رغبة في إيمانهم، وكان حزنهم لم يكن على هلاكهم ألا ترى أن نوحا دعا عليهم بالهلاك وكذلك سائر الأنبياء - عليهم السلام - دل أن حزنهم كان لمكان كفرهم بالله وتكذيبهم آياته، لا لمكان هلاكهم إشفاقاً على أنفسهم.

والثاني: قوله: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ يحتمل أنهم كانوا هموا قتله والمكر به، فقال: لا تحزن بما كانوا يسعون في هلاكك فإني كافيهم قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ هو من الحزن، يقال: ابتأس يبتئس ابتئاساً.

قال الكسائي - أيضاً - لا تبتئس أي: لا تحزن هو من البأس، يقال: لا تبتئس بهذا الأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ : قال بعض أهل التأويل: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ بأمرنا ووحينا، وقال بعضهم: بمنظرنا ومرآنا، ولكن عندنا يحتمل وجهين، أحدهما: قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بحفظنا ورعايتنا، يقال: عين الله عليك أي حفظه عليك، ثم لا يفهم من قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ نفس العين على ما لا يفهم من [قوله]: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ و ﴿ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، ولكن ذكر الأيدي لما في الشاهد إنما يقدم باليد ويكتسب باليد؛ فعلى ذلك ذكر العين لما بالعين يحفظ في الشاهد.

والثاني: قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بإعلامنا إياك؛ لأنه لولا تعليم الله إياه اتخاذ السفينة ونجرها لم يكن ليعرف أن كيف يتخذ وكيف ينجر، إنما عرف ذلك بتعليم الله أياه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين.

يحتمل أي: لا تشفع إلي في نجاة الذين ظلموا فإنهم مغرقون في حكم الله.

والثاني: لا تخاطبني في هداية الذين هم في حكم الله أنهم يموتون ظلمة، أي: لا تسألني إيمان من في علم الله أنه لا يؤمن، وفيه نهي السؤال عما في علم الله أنه لا يكون؛ لأنه إذا أخبر أنه لا يكون أو لا يفعل فإذا سأله كان يسأله أن يكذب خبره الذي أخبر أنه لا يكون، وفيه أنه إذا أراد الله إيمان أحد آمن، ومن لم يرد إيمانه لم يؤمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ : الملأ هم الأشراف والرؤساء من قومه.

﴿ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾ : هم الذين سخروا منه، قال بعضهم: سخريتهم منه أن قالوا: صار نجارا بعدما ادعى لنفسه الرسالة.

وقال بعضهم: سخريتهم منه لما رأوه يتخذ الفلك، ولم يكن هنالك بحر ولا واد ولا مياه جارية، إنما هي آبار لهم فقالوا: يتخذوا السفينة ليسيرها في البراري والمفاوز ونحوه من الكلام.

وقال: ﴿ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ وقالوا: سخريته منهم أنه إذا ركبوا الفلك رأوهم يغرقون، قالوا: كنت على حق وعلى هدى ونحوه من الكلام، لكن هذا لا نعلمه ولا حاجة لنا إلى معرفة سخريتهم أن كيف كانت سوى أن فيه سخروا منه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ أي: نجزيهم جزاء سخريتهم.

وقوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ : هو وعيد، أي: سوف تعلمون أن حاصل سخريتكم رجع إليكم؛ كقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ...

﴾ الآية [البقرة: 9]، أي: سوف تعلمون إذا نجونا نحن، وغرقتم أنتم من ﴿ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي: عذاب يفضحه ويهلكه وهو الغرق.

﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي: عذاب يدوم.

وقال بعضهم: ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ هو عذاب الآخرة؛ كقوله: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  ﴾ .

وأما قول أهل التأويل: إن سفينة نوح كان طولها كذا وعرضها كذا، فليس لنا بذلك علم ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك، فإن صح ذلك فهو ما قالوا وقولهم كان لها ثلاثة أبواب وثلاثة أطباق، فذلك أيضاً لا نعرفه، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فسوف تعلمون من يأتيه عذاب في الدنيا يذله ويهينه، وينزل عليه يوم القيامة عقاب دائم لا ينقطع.

<div class="verse-tafsir" id="91.13MPr"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل