الآية ٤٠ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٤٠ من سورة هود

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 161 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه مواعدة من الله تعالى لنوح ، عليه السلام ، إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة ، والهتان الذي لا يقلع ولا يفتر ، بل هو كما قال تعالى : ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ) [ القمر : 11 - 14 ] .

وأما قوله : ( وفار التنور ) فعن ابن عباس : التنور : وجه الأرض ، أي : صارت الأرض عيونا تفور ، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار ، صارت تفور ماء ، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف .

وعن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : التنور : فلق الصبح ، وتنوير الفجر ، وهو ضياؤه وإشراقه .

والأول أظهر .

وقال مجاهد والشعبي : كان هذا التنور بالكوفة ، وعن ابن عباس : عين بالهند .

وعن قتادة : عين بالجزيرة ، يقال لها : عين الوردة .

وهذه أقوال غريبة .

فحينئذ أمر الله نوحا - عليه السلام - أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح - قيل : وغيرها من النباتات - اثنين .

ذكرا وأنثى ، فقيل : كان أول من أدخل من الطيور الدرة ، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار ، فدخل إبليس متعلقا بذنبه ، فدخل بيده ، وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه ، فجعل يقول له نوح : مالك ؟

ويحك .

ادخل .

فينهض ولا يقدر ، فقال : ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة .

وذكر أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد ، حتى ألقيت عليه الحمى .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث ، حدثني الليث ، حدثني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم .

عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين ، قال أصحابه : وكيف يطمئن - أو تطمئن - المواشي ومعها الأسد ؟

فسلط الله عليه الحمى ، فكانت أول حمى نزلت الأرض ، ثم شكوا الفأرة فقالوا : الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا .

فأوحى الله إلى الأسد ، فعطس ، فخرجت الهرة منه ، فتخبأت الفأرة منها .

وقوله : ( وأهلك إلا من سبق عليه القول ) أي : " واحمل فيها أهلك ، وهم أهل بيته وقرابته " إلا من سبق عليه القول منهم ، ممن لم يؤمن بالله ، فكان منهم ابنه " يام " الذي انعزل وحده ، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله .

وقوله : ( ومن آمن ) أي : من قومك ، ( وما آمن معه إلا قليل ) أي : نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فعن ابن عباس : كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم .

وعن كعب الأحبار : كانوا اثنين وسبعين نفسا .

وقيل : كانوا عشرة .

وقيل : إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة سام ، وحام ، ويافث ، وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام .

وقيل : بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة ، وهذا فيه نظر ، بل الظاهر أنها هلكت; لأنها كانت على دين قومها ، فأصابها ما أصابهم ، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها ، والله أعلم وأحكم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (حتى إذا جاء أمرُنا)، يقول: " ويصنع نوح الفلك "(حتى إذا جاء أمرنا ) الذي وعدناه أن يجيء قومه من الطوفان الذي يغرقهم.

* * * وقوله: (وفار التنور) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: انبجس الماء من وجه الأرض ، ( وفار التنور)، وهو وجه الأرض.

*ذكر من قال ذلك: 18143- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال في قوله: (وفار التنور) ، قال: (التنور)، وجه الأرض .

قال: قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك .

قال: والعرب تسمى وجه الأرض: " تنور الأرض ".

18144- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوام، عن الضحاك، بنحوه.

18145- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا الشيباني، عن عكرمة، في قوله: (وفار التنور) ، قال: وجه الأرض 18146- حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة وسفيان بن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني، عن عكرمة: (وفار التنور) ، قال: وجه الأرض.

* * * وقال آخرون: هو تنويرُ الصبح ، من قولهم: " نوَّرَ الصبح تنويرًا " .

*ذكر من قال ذلك: 18147- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ، حدثنا محمد بن فضيل قال ، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عباس مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي رضى الله عنه قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور)، قال: هو تنوير الصبح.

18148- حدثنا ابن وكيع وإسحاق بن إسرائيل قالا حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي في قوله: (وفار التنور) ، قال: تنوير الصبح.

18149- حدثنا حماد بن يعقوب، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن مولى أبي جحيفة ، أراه قد سماه ، عن أبي جحيفة ، عن علي: (وفار التنور) قال: تنوير الصبح.

18150- حدثني إسحاق بن شاهين قال ، حدثنا هشيم، عن ابن إسحاق، عن رجل من قريش، عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه: (وفار التنور) ، قال: طلع الفجر.

* * * 18151- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل قد سمّاه، عن علي بن أبي طالب قوله: (وفار التنور) ، قال: إذا طلع الفجر.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وفار أعلى الأرض وأشرف مكانٍ فيها بالماء.

وقال: " التنور " أشرف الأرض.

*ذكر من قال ذلك: 18152- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور)، كنا نحدّث أنه أعلى الأرض وأشرَفُها، وكان عَلَمًا بين نوح وبين ربّه 18153- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا سليمان قال ، حدثنا أبو هلال قال، سمعت قتادة قوله: (وفار التنور) قال: أشرف الأرض وأرفعها فار الماء منه.

* * * وقال آخرون: هو التنور الذي يُخْتَبز فيه.

*ذكر قال ذلك: 18154- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) ، قال: إذا رأيت تنُّور أهلك يخرج منه الماءُ، فإنه هلاك قومك.

18155- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم، عن أبي محمد، عن الحسن قال: كان تنورًا من حجارة كان لحوّاء حتى صار إلى نوح .

قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفورُ من التنور فاركب أنتَ وأصحابك.

18156- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وفار التنور)، قال: حين انبجس الماء ، وأمر نوحٌ أن يركب هو ومن معه في الفلك.

18157- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وفار التنور) ، قال: انبجس الماء منه ، آيةً، أن يركب بأهله ومن معه في السفينة.

18158- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه ، إلا أنه قال: آيةً ، أن يركب أهله ومن معه في السفينة.

18159- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: آية بأن يركب بأهله ومن معهم في السفينة.

18160- حدثني الحارث قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد قال، نبع الماء في التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته قال، وكان ذلك في ناحية الكُوفة.

18161- .

.

..

قال، حدثنا القاسم قال ، حدثنا علي بن ثابت، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي: أنه كان يحلف بالله ، ما فار التّنُّور إلا من ناحية الكوفة.

18162- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (وفار التنور) ، قال: فار التنُّور بالهند.

18163- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وفار التنور) ، كان آيةً لنوح ، إذا خرج منه الماء فقد أتى الناسَ الهلاكُ والغرق.

* * * وكان ابن عباس يقول في معنى " فار " نبع.

18164- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (وفار التنور) ، قال: نبع.

* * * قال أبو جعفر: و " فوران الماء " سَوْرَة دفعته، يقال منه: " فار الماء يَفُور فَوْرًا وفَؤُورًا وفَوَرَانًا "، (17) وذلك إذا سارت دفعته.

* * * قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: (التنور) ، قول من قال: " هو التنور الذي يخبز فيه " ، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب ، إلا أن تقوم حجَّة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها.

وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به ، لإفهامهم معنى مَا خاطبهم به.

* * * ، (قلنا) ، لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي وعدنا نوحًا أن نعذبهم به، وفار التنورالذي جعلنا فورَانه بالماء آيةَ مجيء عذابنا بيننا وبينه لهلاك قومه ، (احمل فيها) ، يعني في الفلك (من كل زوجين اثنين) ، يقول: من كل ذكر وأنثى ، كما:- 18165- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (من كل زوجين اثنين) ، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

18166- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

18167- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (من كل زوجين اثنين ) ، فالواحد " زوج "، و " الزوجين " ذكر وأنثى من كل صنف.

18168-.

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (من كل زوجين اثنين) ، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

18169-.

.

.

.

قال، حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

18170- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين)، يقول: من كل صنف اثنين.

18171- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (من كل زوجين اثنين)، يعني بالزوجين اثنين: ذكر أو أنثى.

* * * وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين، " الزوجان " ، في كلام العرب: الاثنان.

قال، ويقال : " عليه زوجَا نِعال " ، إذا كانت عليه نعلان، ولا يقال : " عليه زوجُ نعال "، وكذلك : " عنده زوجا حمام "، و " عليه زوجَا قيود " .

وقال: ألا تسمع إلى قوله: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [سورة النجم: 45]، فإنما هما اثنان.

(18) * * * وقال بعض البصريين من أهل العربية في قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) ، قال: فجعل " الزوجين "، " الضربين "، الذكور والإناث.

قال: وزعم يونس أن قول الشاعر: (19) وَأَنْـتَ امْـرُؤٌ تَغْـدُو عَـلَى كُلِّ غِرَّة فَتُخْــطِئُ فِيهَــا مَــرَّةً وَتُصِيـبُ (20) يعني به الذئب.

قال: فهذا أشذّ من ذلك.

* * * وقال آخر منهم: " الزوج "، اللون .

قال: وكل ضرب يدعى " لونًا "، واستشهد ببيت الأعشى في ذلك: وَكُــلُّ زَوْجٍ مِــنَ الدِّيبَـاجِ يَلْبَسُـهُ أَبُــو قُدَامَــةَ مَحْـبُوًّا بِـذَاكَ مَعَـا (21) ويقول لبيد: وَذِي بَهْجَــةٍ كَـنَّ المقَـانِبُ صَوْتَـهُ وَزَيَّنَـــهُ أَزْوَاجُ نَــوْرٍ مُشَــرَّبِ (22) * * * وذكر أن الحسن قال في قوله: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [سورة الذاريات: 49]: السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء.

* * * وقوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول) ، يقول: واحمل أهلك أيضًا في الفلك، يعني ب " الأهل "، ولده ونساءه وأزواجه (23) ، (إلا من سبق عليه القول) ، يقول: إلا من قلت فيهم إني مهلكه مع مَنْ أُهْلِكُ من قومك.

* * * ثم اختلفوا في الذي استثناه الله من أهله.

فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح.

*ذكر من قال ذلك: 18172- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: (وأهلك إلا من سبق عليه القول) ، قال: العذاب، هي امرأته كانت في الغابرين في العذاب.

(24) * * * وقال آخرون: بل هو ابنه الذي غرق.

*ذكر من قال ذلك: 18173- حدثت عن المسيب، عن أبي روق.

عن الضحاك في قوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول) ، قال: ابنه ، غرق فيمن غرق.

* * * وقوله: (ومن آمن) ، يقول: واحمل معهم من صدقك واتبعك من قومك ، يقول الله: (وما آمن معه إلا قليل) ، يقول: وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل.

* * * واختلفوا في عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه في الفلك، فقال بعضهم في ذلك: كانوا ثمانية أنفس.

*ذكر من قال ذلك: 18174- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل)، قال: ذكر لنا أنه لم يتمّ في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.

18175- حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم: (وما آمن معه إلا قليل) ، قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه.

18176- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: حُدّثت أن نوحًا حَمَل معه بنيه الثلاثة ، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم.

وأسماء بنيه: يافث، وسام، وحام، وأصاب حام زوجته في السفينة، فدعا نوحٌ أن يغيّر نُطْفته، فجاء بالسُّودان.

* * * وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.

*ذكر من قال ذلك: 18177- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن الأعمش : (وما آمن معه إلا قليل)، قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن له، وثلاثة بنين.

* * * وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم.

*ذكر من قال ذلك: 18178- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله به، وكانوا قليلا كما قال الله، فحمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناسي ممن كان آمن، فكانوا عشرة نفر ، بنوح وبنيه وأزواجهم.

(25) * * * وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.

*ذكر من قال ذلك: 18179- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانًا.

18180- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين ، يعني " القليل " الذي قال الله: (وما آمن معه إلا قليل).

18181- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال ، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثني حسين بن واقد الخراساني قال، حدثني أبو نهيك قال: سمعت ابن عباس يقول: كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جُرْهُم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: (وما آمن معه إلا قليل) ، يصفهم بأنهم كانوا قليلا ولم يحُدّ عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، فلا ينبغي أن يُتَجاوز في ذلك حدُّ الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حدٌّ من كتاب الله ، أو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

------------------------- الهوامش : (17) قوله : " وفؤورا " ، حذفها من المطبوعة ، وهي ثابتة في المخطوطة .

(18) انظر تفسير " الزوجين " فيما سلف 12 : 183 ، 184 .

(19) لم أعرف قائله .

(20) اللسان ( مرأ ) ، ويعني أنه سمى الذئب " امرءا " ، جعله إنسانا ، فهذا شذوذه .

(21) ديوانه : 86 ، اللسان ( زوج ) ، من قصيدته في " هوذة بن علي الحنفي " ، وهو " أبو قدامة " ، وقبله : مَـنْ يَلْـقَ هَـوْذَةَ يَسْـجُدْ غَيْرَ مُتَّئِبٍ إذا تَعَصَّـبَ فَـوْقَ التَّـاجِ أوْ وَضَعَـا لَــهُ أَكَــالِيلُ بِالْيَــاقُوتِ زَيَّنَهــا صُوَّاغُهـا , لاَ تَـرَى عَيْبًـا ولَا طَبَعَا .

(22) ديوانه : قصيدة 9 ، البيت : 25 ، يصف غيثًا تبرجت به الأرض ، يقول قبله : وَغَيْــثٍ بِدَكْــدَاكٍ يَــزِينُ وِهَـادَهُ نَبَــاتٌ كوَشْـي العَبْقَـرِيِّ المُخَـلَّبِ أَرَبَّــتْ عَلَيْـهِ كُـلُّ وَطْفَـاءَ جَوْنَـةٍ هَتُـوفٍ مَتَـى يُنْزِفُ لَهَا الوَبْلُ تَسْكُبِ بِـذِي بَهْجَـةٍ كَـنَّ المَقَـانِبَ صَوْبُـهُ وَزَيَّنَــهُ أَطْــرَافُ نَبْـتٍ مُشَـرَّبِ هذه رواية الديوان ، وروى أيضًا : " ألوان نور مشرب " .

و"الدكداك " ما ارتفع واستوى من الأرض ، و " الوهاد " ، ما اطمأن من الأرض ، و " المخلب " ، المخطط ، يصف النبت وزهره ، كأنه برود مخططة منشورة على الربى والوهاد .

و" أربت " ، أقامت ، و" الوطفاء "السحابة الدانية من الأرض ، و" الجونة " ، السوداء ، وذلك لكثرة مائها ، و" هتوف " ، يهتف رعدها ويصوت .

و" أنزف الشيء " ، أذهبه .

يقول : أقامت عليه هذه السحابة الكثيرة الماء ترعد ، فلما ذهب الوبل ، جاءت بمطر سكب .

و"البهجة " ، زهو النبات ، و" كن " ، منع وستر ، و" المقانب " ، جماعة الخيل .

و" الصوب " المطر .

و"مشرب " أشرب ألوانًا من حمرة وصفرة وخضرة .

يقول : جاء المطر فاستتروا به لطوله وارتفاعه .

وأما رواية أبي جعفر ، فمعناها : أن المقانب منعته أن يرعاه أحد سواهم ، فلم يسمع به صوت .

(23) انظر تفسير " الأهل " فيما سلف 8 : 192 .

(24) في المطبوعة : " من الغابرين " ، غير ما في المخطوطة وهو صواب محض .

(25) الأثر : 18178 - سلف مختصرًا برقم 14792 ، وانظر التعليق عليه هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور اختلف في التنور على أقوال سبعة :الأول : أنه وجه الأرض ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ; قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة ; وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك .الثاني : أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه ; وكان تنورا من حجارة ; وكان لحواء حتى صار لنوح ; فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك .

وأنبع الله الماء من التنور ، فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور ; فقال : جاء وعد ربي حقا .

هذا قول الحسن ; وقاله مجاهد وعطية عن ابن عباس .الثالث : أنه موضع اجتماع الماء في السفينة ; عن الحسن أيضا .الرابع : أنه طلوع الفجر ، ونور الصبح ; من قولهم : نور الفجر تنويرا ; قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .الخامس : أنه مسجد الكوفة ; قاله علي بن أبي طالب أيضا ; وقاله مجاهد .

قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة .

وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة .

وكان فوران الماء منه علما لنوح ، ودليلا على هلاك قومه .

قال الشاعر وهو أمية :[ ص: 32 ]فار تنورهم وجاش بماء صار فوق الجبال حتى علاهاالسادس : أنه أعالي الأرض ، والمواضع المرتفعة منها ; قاله قتادة .السابع : أنه العين التي بالجزيرة " عين الوردة " رواه عكرمة .

وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وإنما كان بالشام بموضع يقال له : " عين وردة " وقال ابن عباس أيضا : ( فار تنور آدم بالهند ) .

قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ; لأن الله - عز وجل - أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض ; قال : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا .

فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة .

والفوران الغليان .

والتنور اسم أعجمي عربته العرب ، وهو على بناء فعل ; لأن أصل بنائه تنر ، وليس في كلام العرب نون قبل راء .

وقيل : معنى " فار التنور " التمثيل لحضور العذاب ; كقولهم : حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب .

والوطيس التنور .

ويقال : فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم ; قال شاعرهم :تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفورقوله تعالى : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين يعني ذكرا وأنثى ; لبقاء أصل النسل بعد الطوفان .

وقرأ حفص من كل زوجين اثنين بتنوين كل أي من كل شيء زوجين .

والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد : شيء معه آخر لا يستغني عنه .

ويقال للاثنين : هما زوجان ، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه ; فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا يقال : له زوجا نعل إذا كان له نعلان .

وكذلك عنده زوجا حمام ، وعليه زوجا قيود ; قال الله تعالى : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى .

.

ويقال للمرأة هي زوج الرجل ، وللرجل هو زوجها .

وقد يقال للاثنين هما زوج ، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين ، والصنفين ، وكل ضرب يدعى زوجا ; قال الله تعالى : وأنبتت من كل زوج بهيج أي من كل لون وصنف .

وقال الأعشى :وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبو بذاك معاأراد كل ضرب ولون .

و " من كل زوجين " في موضع نصب ب " احمل " .

اثنين تأكيد .[ ص: 33 ] " وأهلك " أي واحمل أهلك .إلا من سبق " من " في موضع نصب بالاستثناء ." عليه القول " منهم أي بالهلاك ; وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين .ومن آمن قال الضحاك وابن جريج : أي احمل من آمن بي ، أي من صدقك ; ف " من " في موضع نصب ب " احمل " .وما آمن معه إلا قليل قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( آمن من قومه ثمانون إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه ; سام وحام ويافث ، وثلاث كنائن له .

ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل ) .

وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس ; نوح وزوجته غير التي عوقبت ، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم ; وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب ; فأصاب حام امرأته في السفينة ، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان .

قال عطاء : ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم ، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث .

وقال الأعمش : كانوا سبعة ; نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين ; وأسقط امرأة نوح .

وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم ; نوح وبنوه سام وحام ويافث ، وستة أناس ممن كان آمن به ، وأزواجهم جميعا .

و " قليل " رفع ب " آمن " ، ولا يجوز نصبه على الاستثناء ; لأن الكلام قبله لم يتم ، إلا أن الفائدة في دخول إلا وما لأنك لو قلت : آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن ; فإذا جئت بما وإلا ، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } أي قدرنا بوقت نزول العذاب بهم { وَفَارَ التَّنُّورُ } أي: أنزل الله السماء بالماء بالمنهمر، وفجر الأرض كلها عيونا حتى التنانير التي هي محل النار في العادة، وأبعد ما يكون عن الماء، تفجرت فالتقى الماء على أمر، قد قدر.

{ قُلْنَا } لنوح: { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها { وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } ممن كان كافرا، كابنه الذي غرق.

{ وَمَنْ آمَنَ } { و } الحال أنه { مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( حتى إذا جاء أمرنا ) عذابنا ، ( وفار التنور ) اختلفوا في التنور قال عكرمة والزهري : هو وجه الأرض ، وذلك أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : فار التنور أي : طلع الفجر ونور الصبح .

وقال الحسن ومجاهد والشعبي : إنه التنور الذي يخبز فيه ، وهو قول أكثر المفسرين .

ورواية عطية عن ابن عباس قال الحسن : كان تنورا من حجارة ، كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح عليه السلام ، فقيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك .

واختلفوا في موضعه ، قال مجاهد والشعبي : كان في ناحية الكوفة ، وكان الشعبي يحلف : ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة .

وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة .

وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان فوران الماء منه علما لنوح عليه السلام .

وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وكان بالشام بموضع يقال له : عين وردة .

وروي عن ابن عباس : أنه كان بالهند .

والفوران : الغليان .

قوله تعالى : ( قلنا احمل فيها ) أي في السفينة ، ( من كل زوجين اثنين ) الزوجان : كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر ، يقال لكل واحد منهما زوج ، يقال : زوج خف وزوج نعل ، والمراد بالزوجين هاهنا : الذكر والأنثى .

قرأ حفص هاهنا وفي سورة المؤمنين " " من كل " بالتنوين أي : من كل صنف زوجين اثنين ، ذكره تأكيدا .

وفي القصة : أن نوحا عليه الصلاة والسلام قال : يا رب كيف أحمل من كل زوجين اثنين؟

فحشر الله إليه السباع والطير ، فجعل يضرب بيده في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى ، فيحملها في السفينة .

( وأهلك ) أي : واحمل أهلك ، أي : ولدك وعيالك ، ( إلا من سبق عليه القول ) بالهلاك ، يعني : امرأته واعلة وابنه كنعان ، ( ومن آمن ) يعني : واحمل من آمن بك ، كما قال الله تعالى : ( وما آمن معه إلا قليل ) واختلفوا في عددهم : قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي : لم يكن في السفينة إلا ثمانية نفر : نوح ، وامرأته ، وثلاثة بنين له سام وحام ويافث ، ونساؤهم .

وقال الأعمش : كانوا سبعة .

نوح وثلاثة بنين له ، وثلاث كنائن له .

وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم .

نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا .

وقال مقاتل : كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم ، فجميعهم ثمانية وسبعون ، نصفهم رجال ونصفهم نساء .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جرهم .

قال مقاتل : حمل نوح معه جسد آدم فجعله معترضا بين الرجال والنساء وقصد نوحا جميع الدواب والطيور ليحملها .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول ما حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار ، فلما دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه ، فلم يستقل رجلاه ، فجعلنوح يقول : ويحك ادخل : فنهض فلم يستطع ، حتى قال نوح : ويحك ادخل وإن الشيطان معك كلمة زلت على لسانه ، فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان ، فقال له نوح : ما أدخلك علي يا عدو الله؟

قال : ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك ، قال : اخرج عني يا عدو الله ، قال : مالك بد من أن تحملني معك ، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك .

وروي عن بعضهم : أن الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا : احملنا ، فقال : إنكما سبب الضر والبلاء ، فلا أحملكما ، فقالتا له : احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك فمن قرأ حين خاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين ما ضرتاه .

قال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض ، فأما ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حتى» غاية للصنع «إذا جاء أمرنا» بإهلاكهم «وفار التنور» للخباز بالماء وكان ذلك علامة لنوح «قلنا احمل فيها» في السفينة «من كلِ زوجين» ذكرا وأنثى، أي من كل أنواعهما «اثنين» ذكرا وأنثى وهو مفعول وفي القصة أن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرها، فجعل يضرب بيديه في كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة «وأهلك» أي زوجته وأولاده «إلا من سبق عليه القول» أي منهم بالإهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث فحملهم وزوجاتهم الثلاثة «ومن آمن وما آمن معه إلا قليل» قيل كانوا ستة رجال ونساءهم وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حتى إذا جاء أمرنا بإهلاكهم كما وَعدْنا نوحًا بذلك، ونبع الماء بقوة من التنور -وهو المكان الذي يخبز فيه- علامة على مجيء العذاب، قلنا لنوح: احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرًا وأنثى، واحمل فيها أهل بيتك، إلا مَن سبق عليهم القول ممن لم يؤمن بالله كابنه وامرأته، واحمل فيها من آمن معك من قومك، وما آمن معه إلا قليل مع طول المدة والمقام فيهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - سبحانه - ( حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين .

.

.

) بيان لمرحلة جديدة من مراحل قصة نوح - عليه السلام - مع قومه .و ( حتى ) هنا حرف غاية لقوله - تعالى - قبل ذلك ( وَيَصْنَعُ الفلك .

.

.

إلخ ) .والمراد بالأمر فى قوله - سبحانه - ( حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا .

.

.

) حلول وقت نزول العذاب بهم ، فهو مفرد الأمور ، أى : حتى إذا حل بهم وقت عذابنا .

.

قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين .ويصح أن يكون المراد به الأمر بالشئ على أنه مفرد الأوامر ، فيكون المعنى : حتى إذا جاء أمرنا لنوح بركوب السفينة ، وللأرض بتفجير عيونها ، وللسماء بإنزال أمطارها .

.

قلنا احمل فيها .

.

.وجملة ، وفار التنور ، معطوفة على ( جَآءَ أَمْرُنَا ) وكلمة ( فار ) من الفور والفوران ، وهو شدة الغليان للماء وغيره .قال صاحب المنار ما ملخصه : " والفور والفوران ضرب من الحركة والارتفاع والقوى ، يقال في الماء إذا غلا وارتفع .

.

.

ويقال فى النار إذا هاجت قال - تعالى - ( إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ) ومن المجاز : فار الغضب ، إذا اشتد .

.

.وللمفسرين فى المراد بلفظ ( التنور ) أقوال منها : أن المراد به الشئ الذى يخبز فيه الخبز ، وهو ما يسمى بالموقد أو الكانون .

.

.ومنها أن المراد به وجه الأرض .

.

.ومنها : أن المراد به موضع اجتماع الماء في السفينة .

.

.ومنها : أن المراد به طلوع الفجر من قولهم : تنور الفجر .

.

.ومنها : أن المراد به أعالى الأرض والمواضع المرتفعة فيها .

.وقيل : إن الكلام على سبيل المجاز ، والمراد بقوله - سبحانه - ( وَفَارَ التنور ) التمثيل بحضور العذاب ، كقولهم ، حمى الوطيس ، إذا اشتد القتال .وأرجح هذه الأقوال أولها ، لأن التنور فى اللغة يطلق على الشئ الذى يخبز فيه ، وفورانه معناه : نبع الماء منه بشدة مع الارتفاع والغليان ، كما يفوز الماء فى القدر عند الغليان ، ولعل ذلك كان علامة لنوح - عليه السلام - على اقتراب وقت الطوفان .وقد رجح هذا القول المحققون من المفسرين ، فقد قال الإِمام ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معى التنور : " وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله ( التنور ) قول من قال : هو التنور الذى يخبز فيه ، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب ، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب ، إلا أن تقوم حجة على شئ منه بخلاف ذلك ، فيسلم لها .وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإِفهامهم معنى ما خاطبهم به .أى : قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه .

.

.

وفار التنور الذى جعلنا فورانه بالماء آية مجئ عذابنا .

.

احمل فيها - أى السفينة من كل زوجين اثنين ..وقال الإِمام الرازى ما ملخصه : فإن قيل : فما الأصح من هذه الأقوال - فى معنى التنور .

.

.

؟قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ، ولفظ التنور حقيقة فى الموضع الذى يخبز فيه ، فوجب حمل اللفظ عليه .

.

.ثم قال : والذى روى من أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة ، وقد وعد الله - تعالى - المؤمنين النجاة فلابد أن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين " فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة " .وجملة ( قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ ) جواب إذا .ولفظ ( زوجين ) تثنية زوج ، والمراد به هنا الذكر والأنثى من كل نوع .قراءة الجمهور ( مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ) بدون تنوين للفظ كل ، وإضافته إلى زوجين .وقرأ حفص : ( مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ) بتنوين لفظ كل وهو تنوين عوض عن مضاف إليه ، والتقدير : احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكرا وأنثى .ويكون لفظ ( زوجين ) مفعولا لقوله ( احمل ) واثنين صفة له .والمراد بأهله : أهل بيته كزوجته وأولاده ، وأكثر ما يطلق لفظ الأهل على الزوجة ، كما فى قوله - ( فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً .

.

.

) والمراد بأهله : من كان مؤمنا منهم .وجملة ( إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ) استثناء من الأهل .أى : احمل فيها أهلك إلا من سبق عليه قضاؤنا بكفره منهم فلا تحمله .والمراد بمن سبق عليه القول : زوجته التى جاء ذكرها فى سورة التحريم فى قوله - تعالى - ( ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا .

.

) وابنه الذى أبى أن يركب معه السفينة .قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الجملة : والمراد زوجة له أخرى تسمى ( واعلة ) بالعين المهملة ، وفى رواية ( والقة ) وابنه منها واسمه ( كنعان ) .

.

وكانا كافرينوجملة ( وَمَنْ آمَنَ ) معطوفة على قوله ( وَأَهْلَكَ ) أى : واحمل معك من آمن بك من قومك .والمعنى للآية الكريمة : لقد امتثل نوح أمر ربه له بصنع السفينة ، حتى إذا ما تم صنعها ، وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه ، وتحققت العلامات الدالة على ذلك ، قال الله - تعالى - لنوح : احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكر أو أنثى ، واحمل فيها أيضا من آمن بك من أهل بيتك دون من لم يؤمن ، واحمل فيها كذلك جميع المؤمنين الذين اتبعوا دعوتك من غير أهل بيتك .وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على قلة عدد من آمن به فقال : ( وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) .أى : وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا ، وسرا وعلانية .قال الآلوسى بعد أن ساق أقوالا فى عدد من آمن بنوح - عليه السلام - من قومه : .

.

.

والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين : زوجته ، وبنوه الثلاثة ونساؤهم ، وانثان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف ﴿ حتى ﴾ هي التي يبتدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء ووقعت غاية لقوله: ﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ أي فكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد.

المسألة الثانية: الأمر في قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أنه تعالى بين أنه لا يحدث شيء إلا بأمر الله تعالى كما قال: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ فكان المراد هذا.

والثاني: أن يكون المراد من الأمر هاهنا هو العذاب الموعد به.

المسألة الثالثة: في التنور قولان: أحدهما: أنه التنورالذي يخبز فيه.

والثاني: أنه غيره، أما الأول وهو أنه التنور الذي يخبز فيه فهو قول جماعة عظيمة من المفسرين كابن عباس والحسن ومجاهد.

وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: إنه تنور لنوح عليه السلام، وقيل: كان لآدم قال الحسن: كان تنوراً من حجارة، وكان لحواء حتى صار لنوح عليه السلام، واختلفوا في موضعه فقال الشعبي: إنه كان بناحية الكوفة، وعن علي رضي الله عنه أنه في مسجد الكوفة، قال: وقد صلى فيه سبعون نبياً، وقيل بالشام بموضع يقال له: عين وردان وهو قول مقاتل وقيل: فار التنور بالهند، وقيل: إن امرأته كانت تخبز في ذلك التنور فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع تلك الأشياء في السفينة.

القول الثاني: ليس المراد من التنور تنور الخبز، وعلى هذا التقدير ففيه أقوال: الأول: أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ  وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  ﴾ والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً.

الثاني: أن التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ليكون ذلك معجزة له، وأيضاً المعنى أنه لما نبع الماء من أعالي الأرض، ومن الأمكنة المرتفعة فشبهت لارتفاعها بالتنانير.

الثالث: ﴿ فَارَ التنور ﴾ أي طلع الصبح وهو منقول عن علي رضي الله عنه.

الرابع: ﴿ فَارَ التنور ﴾ يحتمل أن يكون معناه أشد الأمر كما يقال: حمي الوطيس ومعنى الآية إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك إلى السفينة.

فإن قيل: فما الأصح من هذه الأقوال؟

قلنا: الأصل حمل الكلام على حقيقته ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه ولا امتناع في العقل في أن يقال: إن الماء نبع أولاً من موضع معين وكان ذلك الموضع تنوراً.

فإن قيل: ذكر التنور بالألف واللام وهذا إنما يكون معهود سابق معين معلوم عند السامع وليس في الأرض تنور هذا شأنه، فوجب أن يحمل ذلك على أن المراد إذا رأيت الماء يشتد نبوعه والأمر يقوى فانج بنفسك وبمن معك.

قلنا: لا يبعد أن يقال: إن ذلك التنور كان لنوح عليه السلام بأن كان تنور آدم أو حواء أو كان تنوراً عينه الله تعالى لنوح عليه السلام وعرفه أنك إذا رأيت الماء يفور فاعلم أن الأمر قد وقع، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره.

المسألة الرابعة: معنى ﴿ فار ﴾ نبع على قوة وشدة تشبيهاً بغليان القدر عند قوة النار ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور فالمراد فار الماء من التنور، والذي روي أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة، وقد وعد الله تعالى المؤمنين النجاة فلابد وأن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين، فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة.

المسألة الخامسة: قال الليث: التنور لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار، قال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجمياً فتعربه العرب فيصير عربياً، والدليل على ذلك أن الأصل تنار ولا يعرف في كلام العرب تنور قبل هذا، ونظيره ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الديباج والدينار والسندس والاستبرق فإن العرب لما تكلموا بهذه الألفاظ صارت عربية.

واعلم أنه لما فار التنور فعند ذلك أمره الله تعالى بأن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء.

فالأول: قوله: ﴿ قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ قال الأخفش: تقول الاثنان هما زوجان قال تعالى: ﴿ وَمِن كُلّ شَيء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ  ﴾ فالسماء زوج والأرض زوج والشتاء زوج والصيف زوج والنهار زوج والليل زوج، وتقول للمرأة هي زوج وهو زوجها قال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ يعني المرأة، وقال: ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ فثبت أن الواحد قد يقال له: زوج ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى والتقدير كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر والآخر أنثى، ولذلك قرأ حفص ﴿ مِن كُلّ ﴾ بالتنوين وأرادوا حمل من كل شيء زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا اثنين فما الفائدة في قوله: ﴿ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ لأنا نقول هذا على مثال قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين  ﴾ وقوله: ﴿ نَفْخَةٌ واحدة  ﴾ وأما على القراءة المشهورة، فهذا السؤال غير وارد واختلفوا في أنه هل دخل في قوله: ﴿ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ غير الحيوان أم لا؟

فنقول: أما الحيوان فداخل لأن قوله: ﴿ مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ يدخل فيه كل الحيوانات، وأما النبات فاللفظ لا يدل عليه، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه، وجاء في الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال: لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحاً عليه السلام قال: يا رب فمن أين أطعم الأسد إذا حملته قال تعالى: فسوف أشغله عن الطعام فسلط الله تعالى عليه الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر وليس به حمى.

الثاني: من الأشياء التي أمر الله نوحاً عليه السلام بحملها في السفينة.

قوله تعالى: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ قالوا: كانوا سبعة نوح عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام وحام ويافث، ولكل واحد منهم زوجة، وقيل أيضاً كانوا ثمانية، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام.

وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ فالمراد ابنه وامرأته وكانا كافرين، حكم الله تعالى عليهم بالهلاك.

فإن قيل: الإنسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات؟

قلنا: الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات، فلهذا السبب وقع الابتداء به.

واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب، قالوا: لأن قوله: ﴿ سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ مشعر بأن كل من سبق عليه القول فإنه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه».

النوع الثالث: من تلك الأشياء قوله: ﴿ وَمَنْ ءامَنَ ﴾ قالوا كانوا ثمانين.

قال مقاتل: في ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك، لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها، فسميت بهذا الاسم وذكروا ماهو أزيد منه وما هو أنقص منه وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا أن الله تعالى وصفهم بالقلة وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ .

فإن قيل: لما كان الذين آمنوا معه ودخلوا في السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله: ﴿ إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ  ﴾ .

قلنا: كلا اللفظين جائز، والتقدير هاهنا وما آمن معه إلا نفر قليل، فأما الذي يروي أن إبليس دخل السفينة فبعيد، لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي وكيف يؤثر الغرق فيه، وأيضاً كتاب الله تعالى لم يدل عليه وخبر صحيح ما ورد فيه، فالأولى ترك الخوض فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حتى ﴾ هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء.

فإن قلت: وقعت غاية لماذا؟

قلت: لقوله ويصنع الفلك، أي: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد، فإن قلت: فإذا اتصلت (حتى) بيصنع فما تصنع بما بينهما من الكلام؟

قلت: هو حال من يصنع، كأنه قال: يصنعها والحال أنه كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه.

فإن قلت: فما جواب كلما؟

قلت: أنت بين أمرين: إما أن تجعل ﴿ سخروا ﴾ جواباً و ﴿ قال ﴾ استئنافاً، على تقدير سؤال سائل، أو تجعل ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مرّ ﴾ أو صفة ﴿ لملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواباً.

﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ عطف على اثنين، وكذلك ﴿ وَمَنْ ءامَنَ ﴾ يعني: واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم.

واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار، وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته به- تعالى الله عن ذلك- قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كانوا ثمانية: نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم» وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجال وخمس نسوة.

وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث، ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون: نصفهم رجال ونصفهم نساء.

ويجوز أن يكون كلاماً واحداً وكلامين؛ فالكلام الواحد: أن يتصل ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ ب (اركبوا) حالا من الواو، بمعنى: اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن المجرى والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء، حذف منهما الوقت المضاف، كقولهم خفوق النجم، ومقدم الحاج.

ويجوز أن يراد مكاناً الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول.

والكلامان: أن يكون ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ جملة من مبتدأ وخبر مقتضبه، أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله فرست، ويجوز أن يقحم الاسم، كقوله: ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَلَيْكُمَا ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي بقدرته وأمره.

وقرئ: ﴿ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ بفتح الميم، من جرى ورسى، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين.

وقرأ مجاهد ﴿ مجريها ومرسيها ﴾ بلفظ اسم الفاعل، مجروري المحل، صفتين لله.

فإن قلت: ما معنى قولك: جملة مقتضبة؟

قلت: معناه أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

ويحتمل أن تكون غير مقتضيه بأن تكون في موضع الحال كقوله: وَجَاؤُنَا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَيَنا فلا تكون كلاماً برأسه، ولكن فضلة من فضلات الكلام الأوّل، وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراة ومرساة بسم الله بمعنى التقدير، كقوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] .

﴿ إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ﴾ غايَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ وَيَصْنَعُ الفُلْكَ ﴾ وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ حَتّى هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ.

﴿ وَفارَ التَّنُّورُ ﴾ نَبَعَ الماءُ مِنهُ وارْتَفَعَ كالقِدْرِ تَفُورُ، و ﴿ التَّنُّورُ ﴾ تَنُّورُ الخَبْزِ ابْتَدَأ مِنهُ النُّبُوعُ عَلى خَرْقِ العادَةِ وكانَ في الكُوفَةِ في مَوْضِعِ مَسْجِدِها، أوْ في الهِنْدِ أوْ بِعَيْنِ ورْدَةَ مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ وقِيلَ التَّنُّورُ وجْهُ الأرْضِ أوْ أشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيها.

﴿ قُلْنا احْمِلْ فِيها ﴾ في السَّفِينَةِ.

﴿ مِن كُلٍّ ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها.

﴿ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى هَذا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ والباقُونَ أضافُوا عَلى مَعْنى احْمِلِ اثْنَيْنِ مِن كُلِّ صِنْفٍ ذَكَرٍ وصِنْفٍ أُنْثى.

﴿ وَأهْلَكَ ﴾ عُطِفَ عَلى زَوْجَيْنِ أوِ اثْنَيْنِ، والمُرادُ امْرَأتُهُ وبَنُوهُ ونِساؤُهم.

﴿ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ بِأنَّهُ مِنَ المُغْرَقِينَ يُرِيدُ ابْنَهُ كَنْعانَ وأُمَّهُ واعِلَةَ فَإنَّهُما كانا كافِرَيْنِ.

﴿ وَمَن آمَنَ ﴾ والمُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِهِمْ.

﴿ وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ قِيلَ كانُوا تِسْعَةً وسَبْعِينَ زَوْجَتُهُ المُسْلِمَةُ وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ سامٌ وحامٌ ويافِثٌ ونِساؤُهم واثْنانِ وسَبْعُونَ رَجُلًا وامْرَأةً مِن غَيْرِهِمْ.

رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اتَّخَذَ السَّفِينَةَ في سَنَتَيْنِ مِنَ السّاجِ وكانَ طُولُها ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ وعَرَضُها خَمْسِينَ وسُمْكُها ثَلاثِينَ، وجَعَلَ لَها ثَلاثَةَ بُطُونٍ فَحَمَلَ في أسْفَلِها الدَّوابَّ والوَحْشَ وفي أوْسَطِها الإنْسَ وفي أعْلاها الطَّيْرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{حتى} هى التى يبتدا بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء وهي غاية لقوله ويصنع الفلك أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد وما بينهما من الكلام حال من يصنع أي يصنعها والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه وجواب كلما سخروا وقال استئناف على تقدير سؤال سائل أو قال جواب وسخروا بدل من مر أو صفة لملأ {إِذَا جَاء أَمْرُنَا} عذابنا {وَفَارَ التنور} هو كناية عن اشتداد الأمر وصعوبته وقيل معناه جاش الماء من تنور الخبز وكان من حجر لحواء فصار إلى نوح عليه السلام وقيل

التنور وجه الأرض {قُلْنَا احمل فِيهَا} في السفينة {مِن كل زوجين اثنين} تفسيره فى سورة ا ٤ لمؤمنين {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول} عطف على اثنين وكذا {ومن آمن} أي واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم واستثنى من أهله من سبق عليه القول إنه من أهل النار وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر بتقديره وإرادته جل خالق العباد عن أن يقع فى الكون خلاف ما أراد {وما آمن مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال عليه السلام كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم وقيل كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة وقيل كانوا اثنين وسبعين رجالاً ونساء وأولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ﴾ غايَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَصْنَعُ الفُلْكَ) و(حَتّى) إمّا جارَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، و(إذا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، وإمّا ابْتِدائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى الشَّرْطِ وجَوابِهِ، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وحالُ ما وقَعَ في البَيْنِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأمْرُ إمّا واحِدُ الأوامِرِ بِرُكُوبِ السَّفِينَةِ أوْ بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أوْ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالتَّصَرُّفِ فِيما يُرادُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإمّا واحِدُ الأُمُورِ وهو الشَّأْنُ، أعْنِي نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿ وفارَ التَّنُّورُ ﴾ أيْ نَبَعَ مِنهُ الماءُ وارْتَفَعَ بِشِدَّةٍ كَما تَفُورُ القِدْرُ بِغَلَيانِها وفِيهِ مِن الِاسْتِعارَةِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ مِنَ التَّنُّورِ تَنُّورُ الخُبْزِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكانَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ تَنُّورًا لِحَوّاءَ تَخْبِزُ فِيهِ ثُمَّ صارَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ: هو تَنُّورٌ في الكُوفَةِ في مَوْضِعِ مَسْجِدِها عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: تَنُّورٌ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: بِعَيْنِ ورْدَةٍ مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ العُمَرِيَّةِ أوْ مِن أرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَنُّورًا مُعَيَّنًا بَلِ الجِنْسُ، والمُرادُ فارَ الماءُ مِنَ التَّنانِيرِ وفي ذَلِكَ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ما لا يَخْفى، ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ﴾ إذْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّفْجِيرُ غَيْرَ الفَوَرانِ فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ، أوْ يُرادُ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ ووَزْنُهُ تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ وأصْلُهُ تَنُوُورٌ فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً لِانْضِمامِها ثُمَّ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا ثُمَّ شُدِّدَتِ النُّونُ عِوَضًا عَمّا حُذِفَ، ونُقِلَ هَذا عَنْ ثَعْلَبٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وزْنُهُ فَعُّولٌ، وقِيلَ: عَلى هَذا أنَّهُ أعْجَمِيٌّ ولا اشْتِقاقَ لَهُ ومادَّتُهُ تَنَرَ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ نُونٌ قَبْلَ راءٍ ونَرْجِسُ مُعَرَّبٌ أيْضًا، والمَشْهُورُ أنَّهُ مِمّا اتَّفَقَ فِيهِ لُغَةُ العَرَبِ والعَجَمِ كالصّابُونِ والسَّمُّورِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ هُنا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ مِنها أيْ أعْلاهُ وأرْفَعُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ تَنْوِيرُ الصُّبْحِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في اللُّغَةِ العَجَمِيَّةِ بِهَذِهِ المَعانِي الأخِيرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فَوَرانُ التَّنُّورِ عَنْ ظُهُورِ العَذابِ وشِدَّةِ الهَوْلِ، وهَذا كَما جاءَ في الخَبَرِ حَمِيَ الوَطِيسُ مَجازًا عَنْ شِدَّةِ الحَرْبِ، ولَيْسَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَثِيرُ فَرْقٍ في المَعْنى، وهو مَعْنًى حَسَنٌ بَعِيدٌ عَمّا جاءَتْ بِهِ الأخْبارُ، ﴿ قُلْنا احْمِلْ فِيها ﴾ أيْ في الفُلْكِ وأنَّثَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّفِينَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ جَوابُ إذا ﴿ مِن كُلٍّ ﴾ أيٍّ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَواناتِ يَنْتَفِعُ بِهِ الَّذِينَ يَنْجُونَ مِنَ الغَرَقِ وذَرارِيُّهم بَعْدُ ولَمْ تَكُنِ العادَةُ جارِيَةً بِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ -بِاحْمِلْ- أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ وهو تَثْنِيَةُ زَوْجٍ، والمُرادُ بِهِ الواحِدُ المُزْدَوَجُ بِآخَرَ مِن جِنْسِهِ فالذَّكَرُ زَوْجٌ لِلْأُنْثى كَما هي زَوْجٌ لَهُ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما، ولَيْسَ بِمُرادٍ وإلّا لَزِمَ أنْ يَحْمِلَ مِن كُلِّ صِنْفٍ أرْبَعَةً ولِئَلّا يُرادَ ذَلِكَ وُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (اثْنَيْنِ) وحاصِلُ المَعْنى احْمِلْ ذَكَرًا وأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَواناتِ، وقَرَأ الأكْثَرُونَ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ بِالإضافَةِ، فاثْنَيْنِ عَلى هَذا مَفْعُولُ احْمِلْ و ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ حالٌ مِنهُ ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ أيِ احْمِلِ اثْنَيْنِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أيْ صِنْفٍ ذَكَرٍ وصِنْفٍ أُنْثى، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ وما بَعْدَها مَفْعُولُ احْمِلْ و(اثْنَيْنِ) نَعْتٌ لِزَوْجَيْنِ بِناءً عَلى جَوازِ زِيادَةِ (مِن) في المُوجَبِ ثُمَّ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ العُمُومِ هو الَّذِي مالَ إلَيْهِ البَعْضُ وأدْرَجَ فِيهِ أُناسٌ الهَوامَّ والطَّيْرَ، وذُكِرَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ لِلسَّفِينَةِ ثَلاثَةَ بُطُونٍ وحَمَلَ في البَطْنِ الأسْفَلِ الوُحُوشَ والسِّباعَ والهَوامَّ، وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَّوابَّ والأنْعامَ ورَكِبَ هو ومَن مَعَهُ في البَطْنِ الأعْلى مَعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الزّادِ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَعَلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وكانَ حَمْلُهُ بِوَصِيَّةٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوارَثَها ولَدُهُ حَتّى وصَلَتْ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُعارِضُ هَذا التَّقْسِيمَ ما رُوِيَ أنَّ الطَّبَقَةَ السُّفْلى لِلْوَحْشِ والوُسْطى لِلطَّعامِ والعُلْيا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِمَن آمَنَ، وتَوَسَّعَ بَعْضُهم في العُمُومِ فَأدْرَجَ فِيهِ ما لَيْسَ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا «أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ مِن جَمِيعِ الشَّجَرِ،» وبِما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: أُمِرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فَحَمَلَ مِنَ التَّمْرِ العَجْوَةَ واللَّوْنَ.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نازَعَهُ الشَّيْطانُ في عُودِ الكَرْمِ فَقالَ: هَذا لِي، وقالَ نُوحٌ: هو لِي فاصْطَلَحا عَلى أنَّ لِنُوحٍ ثُلُثَها ولِلشَّيْطانِ ثُلُثَيْها ولا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ عِنْدَ التَّنْقِيرِ ومِمّا يَحْمِلُ مَعَها في سَفِينَةٍ ما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: تَأذّى أهْلُ السَّفِينَةِ بِالفَأْرِ فَعَطَسَ الأسَدُ فَخَرَجَ مِن مِنخَرَيْهِ سِنَّوْرانِ ذَكَرٌ وأُنْثى، فَأكَلا الفَأْرَ إلّا ما أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْقى مِنهُ، وتَأذَّوْا بِأذى أهْلِ السَّفِينَةِ فَعَطَسَ الفِيلُ فَخَرَجَ مِن مِنخَرَيْهِ خِنْزِيرانِ ذِكْرٌ وأُنْثى فَأكَلا أذى أهْلِ السَّفِينَةِ، وفي رِوايَةِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِما عَنْهُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ شَكا إلى اللَّهِ تَعالى قَرْضَ الفَأْرِ حِبالَ السَّفِينَةِ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَمَسَحَ جَبْهَةَ الأسَدِ فَخَرَجَ سِنَّوْرانِ، وشَكا عَذْرَةً في السَّفِينَةِ فَأوْحى إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَمَسَحَ ذَنَبَ الفِيلِ فَخَرَجَ خِنْزِيرانِ فَأكَلا العَذْرَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا «أنَّ أهْلَ السَّفِينَةِ شَكَوُا الفَأْرَةَ فَقالُوا: الفُوَيْسِقَةُ تُفْسِدُ عَلَيْنا طَعامَنا ومَتاعَنا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الأسَدِ فَعَطَسَ فَخَرَجَتِ الهِرَّةُ مِنهُ فَتَخَبَّأتِ الفَأْرَةُ مِنها،» ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ بَحْثُ الخِنْزِيرِ، ويَفْهَمْ مِنها عَلى ما فِيها أنَّ الهِرَّةَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الحَمْلِ، ومِنَ الأوَّلِينَ أنَّها والخِنْزِيرَ لَمْ يَكُونا، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُخالِفُهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَمْلِ قالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِالأسَدِ والبَقَرَةِ؟

وكَيْفَ أصْنَعُ بِالعَناقِ والذِّئْبِ؟

وكَيْفَ أصْنَعُ بِالحَمامِ، والهِرِّ؟

فَقالَ اللَّهُ تَعالى: مَن ألْقى بَيْنَهُما العَداوَةَ؟

قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَإنِّي أُؤَلِّفُ بَيْنَهم حَتّى لا يَتَضارُّوا، ولا يَخْفى ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ التَّقْسِيمِ الأوَّلِ أيْضًا، وجاءَ في شَأْنِ الأسَدِ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةٌ: فَفي رِوايَةٍ أنَّ أصْحابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: كَيْفَ نَطْمَئِنُّ ومَعَنا الأسَدُ؟

فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الحُمّى، وكانَتْ أوَّلَ حُمّى نَزَلَتِ الأرْضَ وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ كانَ يُؤْذِيهِمْ في السَّفِينَةِ فَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الحُمّى لِيَشْتَغِلَ بِنَفْسِهِ، وفي أُخْرى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ بِالأسَدِ والفِيلِ؟

فَقالَ لَهُ سُبْحانَهُ: سَأُلْقِي عَلَيْهِما الحُمّى وهي ثَقِيلَةٌ، وفي أُخْرى عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَحْمِلَ الأسَدَ حَتّى أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الحُمّى فَحَمَلَهُ فَأدْخَلَهُ، ولا يَخْفى أنَّها دَلالَةُ بَعْضِها عَلى أنَّ إلْقاءَ الحُمّى قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْضِها عَلى أنَّهُ بَعْدَهُ، وكانَ يُغْنِي عَنْ إلْقائِها بَعْدُ دَفْعًا لِإذاءِ التَّأْلِيفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإنْسانِ كَما ألَّفَ بَيْنَ ما مَرَّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، ولَعَلَّ لِدَفْعِ الأذى بِالحُمّى دُونَ التَّأْلِيفِ إنْ صَحَّ ذَلِكَ حِكْمَةً لَكِنَّها غَيْرُ ظاهِرَةٍ لَنا، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ كانَ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ مِنَ الجِنِّ ما كانَ، وفي بَعْضِها أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَ أيْضًا.

فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُدْخِلَ الحِمارَ السَّفِينَةَ أخَذَ نُوحٌ بِأُذُنَيِ الحِمارِ، وأخَذَ إبْلِيسُ بِذَنَبِهِ فَجَعَلَ نُوحٌ يَجْذِبُهُ وجَعَلَ إبْلِيسُ يَجْذِبُهُ، فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلْ شَيْطانُ فَدَخَلَ الحِمارُ ودَخَلَ إبْلِيسُ مَعَهُ، فَلَمّا سارَتِ السَّفِينَةُ جَلَسَ في ذَنَبِها يَتَغَنّى فَقالَ لَهُ نُوحٌ: ويْلَكَ مَن أذِنَ لَكَ؟

قالَ: أنْتَ، قالَ: مَتى؟

قالَ: إذْ قُلْتَ لِلْحِمارِ: ادْخُلْ شَيْطانُ فَدَخَلْتُ بِإذْنٍ مِنكَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلْحِمارِ: ويْحَكَ ادْخُلْ وإنْ كانَ الشَّيْطانُ مَعَكَ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلى لِسانٍ فَدَخَلَ مَعَهُ الشَّيْطانُ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَطاءٍ أنَّ اللَّعِينَ جاءَ لِيَرْكَبَ السَّفِينَةَ فَدَفَعَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا نُوحُ إنِّي مَنظُورٌ ولا سَبِيلَ لَكَ عَلَيَّ، فَعَرَفَ أنَّهُ صادِقٌ فَأمَرَهُ أنْ يَجْلِسَ عَلى خَيْزُرانِ السَّفِينَةِ وهو بِظاهِرِهِ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَيْفَ جُمِعَتِ الحَيَواناتُ عَلى تَفَرُّقِها في أكْنافِ الأرْضِ، فَقِيلَ: إنَّها أحَسَّتْ بِالعَذابِ فاجْتَمَعَتْ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ رِيحًا فَحَمَلَ إلَيْهِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِنَ الطَّيْرِ والسِّباعِ والوَحْشِ والبَهائِمِ.

وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَشَرَها فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلى الزَّوْجَيْنِ فَتَقَعُ يَدُهُ اليُمْنى عَلى الذَّكَرِ واليُسْرى عَلى الأُنْثى فَيُدْخِلُهُما السَّفِينَةَ حَتّى أدْخَلَ عِدَّةَ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ورَوى إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الماعِزَةُ فَدَفَعَها في ذَنَبِها فَمِن ثَمَّ انْكَسَرَ وبَدا حَياها ومَضَتِ النَّعْجَةُ حَتّى دَخَلَتْ فَمَسَحَ عَلى ذَنَبِها فَسَتَرَ حَياها.

وفِي كُتُبِ الأخْبارِ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الآثارِ الَّتِي يَقْتَضِي مِنها العَجَبُ، وأنا لا أعْتَقِدُ سِوى أنَّ اللَّهَ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ خَلَقَ الماعِزَةَ والنَّعْجَةَ مِن قَبْلُ عَلى ما هُما عَلَيْهِ اليَوْمَ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقِ الهِرَّةَ مِنَ الأسَدِ وإنْ أشْبَهَتْهُ صُورَةً، ولا الخِنْزِيرَ مِنَ الفِيلِ وإنْ كانَ بَيْنَهُما شَبَهٌ ما كَما شاهَدْناهُ عامَ مَجِيءِ الفِيلِ إلى بَغْدادَ، ولَوْ كَلَّفَ الفِيلَ أكْلَ العُذْرَةِ لَكانَ أحَبَّ إلى أهْلِ السَّفِينَةِ مِن زِيادَةِ خِنْزِيرٍ فِيها، وأحَبُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلَيْهِمْ أنْ لا يَكُونَ في السَّفِينَةِ غَيْرُهم أوْ يَكُونَ حَيَوانٌ واحِدٌ يُخْلَقُ لَهم مِن عُطاسِهِ ما يُرِيدُونَهُ مِنَ الحَيَواناتِ ويَحْتاجُونَ إلَيْهِ بَعْدُ.

والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَكُنْ عامًا كَما قالَ بِهِ البَعْضُ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُؤْمَرْ بِحَمْلِ ما جَرَتِ العادَةُ بِتَكَوُّنِهِ مِن عُفُونَةِ الأرْضِ كالفَأْرِ والحَشَراتِ بَلْ أُمِرَ بِحَمْلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا نَجا ومَن مَعَهُ مِنَ الغَرَقِ لِئَلّا يَغْتَنِمُوا لِفَقْدِهِ ويَتَكَلَّفُوا مَشَقَّةَ جَلْبِهِ مِنَ الأصْقاعِ الَّتِي لَمْ يَصِلْها الغَرَقُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ ما تَحْتاجُونَهُ إذا نَجَوْتُمْ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وإنْ قُلْنا بِعُمُومِ الغَرَقِ نَقُولُ أيْضًا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُكَلَّفْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنَ المُتَكَوِّناتِ مِنَ العُفُونَةِ بَلْ كُلِّفَ بِالحَمْلِ مِمّا يَتَناسَلُ مِنَ الحَيَواناتِ لِمَصْلَحَةِ بَقاءِ النَّوْعِ، وكانَتِ السَّفِينَةُ بِحَيْثُ تَسَعُ ذَلِكَ عادَةً أوْ مُعْجِزَةُ وقُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أجَلُّ مِن أنْ تَضِيقَ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ قِيلَ بِالعُمُومِ عَلى وجْهٍ يَبْقى مَعَهُ بَعْضُ الجِبالِ جازَ أنْ يُقالَ: عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا مِمّا لا مَهْرَبَ لَهُ ويَضُرُّ فَقْدُهُ بِجَماعَتِهِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ العُمُومَ عَلى إطْلاقِهِ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْمِلْ في السَّفِينَةِ إلّا ما تَتَّسِعُ لَهُ عادَةً مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ لِئَلّا يَضِيقَ أصْحابُهُ ذَرْعًا بِفَقْدِهِ بِالكُلِّيَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ وغَرِقَ ما عَدا ذَلِكَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَلَّتْ قُدْرَتُهُ خَلَقَ نَظِيرَ ما غَرِقَ بَعْدُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ قَبْلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِدْعًا مِمَّنْ أمْرُهُ بَيْنَ الكافِ والنُّونِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ.

هَذا وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ عَلى أهْلِهِ وسائِرِ المُؤْمِنِينَ قِيلَ: لِكَوْنِهِ عَرِيقًا بِالحَمْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَمْيِيزِ بَعْضٍ عَنْ بَعْضٍ وتَعْيِينِ الأزْواجِ، وأمّا البَشَرُ فَإنَّما يَدْخُلُ الفُلْكَ بِاخْتِيارِهِ فَيَخِفُّ فِيهِ مَعْنى الحَمْلِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُحْمَلُ بِمُباشَرَةِ البَشَرِ وهم إنَّما يَدْخُلُونَها بَعْدَ حَمْلِهِمْ إيّاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ حِفْظًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ الِانْتِشارِ وأيّامّا كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (وأهْلَكَ) عُطِفَ عَلى زَوْجَيْنِ أوْ عَلى اثْنَيْنِ، والمُرادُ بِأهْلِهِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ امْرَأتُهُ المُسْلِمَةُ وبَنُوهُ مِنها وهم سامٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أبُو العَرَبِ وأصْلُهُ عَلى ما قالَ البَكْرِيُّ: بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، وحامٌ وهو أبُو السُّودانِ، قِيلَ: إنَّهُ أصابَ زَوْجَتَهُ في السَّفِينَةِ فَدَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تُغَيَّرَ نُطْفَتُهُ فَغُيِّرَتْ.

وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي صالِحٍ، ويافِثُ كَصاحِبٍ وهو أبُو التُّرْكِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وزَوْجَةُ كُلٍّ مِنهم إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّهُ مِنَ المُغْرَقِينَ لِظُلْمِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الآيَةَ، والمُرادُ زَوْجَةٌ لَهُ أُخْرى تُسَمّى واعِلَةَ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وفي رِوايَةٍ والِقَةَ وابْنُهُ مِنها كَنْعانُ وكانَ اسْمُهُ فِيما قِيلَ: يامُ وهَذا لَقَبُهُ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وكانا كافِرَيْنِ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَحِلُّ لَهم نِكاحُ الكافِرَةِ بِخِلافِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ ﴾ الآيَةَ، والِاسْتِثْناءُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا إنْ أُرِيدَ بِالأهْلِ الأهْلُ إيمانًا، وأنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الأهْلُ قَرابَةً، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المَعْلُومِيَّةُ عِنْدَ المُراجَعَةِ إلى أحْوالِهِمْ والتَّفَحُّصِ عَنْ أعْمالِهِمْ، وجِيءَ بِعَلى لِكَوْنِ السّابِقِ ضارًّا لَهم كَما جِيءَ بِاللّامِ فِيما هو نافِعٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ ، ﴿ ومَن آمَنَ ﴾ عُطِفَ عَلى الأهْلِ أيْ والمُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وإفْرادُ أُولَئِكَ مِنهم لِلِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ وإيثارِ صِيغَةِ الإفْرادِ في آمَنِ مُحافَظَةً عَلى لَفْظِ (مَن) لِلْإيذانِ بِالقِلَّةِ كَما أفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ .

قِيلَ: كانُوا سَبْعَةً زَوْجَتُهُ وأبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ وكَنائِنُهُ الثَّلاثُ، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، والحَكَمِ بْنِ عُقْبَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، ويَرُدُّهُ عَطْفُ ﴿ ومَن آمَنَ ﴾ عَلى الأهْلِ إلّا أنْ يَكُونَ الأهْلُ بِمَعْنى الزَّوْجَةِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِهَذا المَعْنى، لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ مُنْقَطِعٌ أيْضًا، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهم كانُوا عَشَرَةً؛ خَمْسَةَ رِجالٍ وخَمْسَ نِسْوَةٍ، وعَنْهُ أنَّهم كانُوا مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِشْرِينَ نِصْفُهم رِجالٌ ونِصْفُهُمُ الآخَرُ نِساؤُهُمْ، وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ، وقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: وقِيلَ والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً وسَبْعِينَ؛ زَوْجَتُهُ وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ ونِساؤُهم واثْنانِ وسَبْعُونَ رَجُلًا وامْرَأةٌ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي شِيثَ، واعْتِبارُ المَعِيَّةِ في الإيمانِ لِلْإيماءِ إلى المَعِيَّةِ في مَقَرِّ الإيمانِ والنَّجاةِ.

(وقالَ) أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المُناسِبُ إنَّ رَبَّكم إلَخْ..

ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إدْخالِ ما أُمِرَ بِحَمْلِهِ في الفُلْكِ مِنَ الأزْواجِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَحَمَلَ الأزْواجَ حَسْبَما أُمِرَ أوْ أدْخَلَها في الفُلْكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ يعني: ينحت السفينة.

ويقال: إن الله تعالى أمره بأن يغرس الأشجار، فغرسها حتى أدركت، وقطعها حتى يبست، ثم اتخذ منها السفينة، فاستأجر أجراء ينحتون معه.

وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف من قومه سَخِرُوا مِنْهُ يعني: استهزءوا به، وكانوا يقولون: إن الذي يزعم أنه نبي صار نجاراً، ومرة كانوا يقولون: أتجعل للماء إكافاً فأين الماء.

قالَ لهم نوح إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ يعني: إن تسخروا منا اليوم، فإنا نسخر منكم بعد الهلاك، يعني: يصيبكم جزاء السخرية، كَما تَسْخَرُونَ منا، يعني: بما تسخرون ويقال إن تستجهلوا بنا بهذا الفعل، فإنا نستجهلكم بترك الإيمان، كما تستجهلوننا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: تعرفون بعد هذا من أحق بالسخرية، وهذا وعيد لهم، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: تعرفون مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يعني: يهلكه ويذله وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ يعني: ينزل عليه عذاب دائم، لا ينقطع عنه أبدا.

قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا يعني: قولنا بالعذاب، ويقال: حتما إذا جاء عذابنا، وهو الغرق وَفارَ التَّنُّورُ يعني: نبع الماء من أسفل التنور.

وقال مقاتل: التنور الذي يخبز فيه في أقصى ديار بالشام- وقال ابن عباس: وَفارَ التَّنُّورُ يعني: نبع الماء من وجه الأرض (١)  أيضاً أنه قال: فار منه التنور وجرت منه السفينة، إلى مسجد بالكوفة قُلْنَا احْمِلْ فِيها يعني: في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني: من كل صنفين وَأَهْلَكَ يعني: واحمل أهلك فيها معك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بالغرق، يعني: سوى من قدرت عليه الشقاوة والكفر، فلا تحمله، يعني: امرأته الكافرة، وابنه كنعان، وَمَنْ آمَنَ يعني: واحمل في السفينة من آمن معك.

قال الفقيه: أخبرني الثقة، بإسناده عن وهب بن منبه، قال: «أمر نوح بأن يحمل مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين، فقال: رب كيف أصنع بالأسد والبقرة؟

وكيف أصنع بالذئب والعناق؟

وكيف أصنع بالحمام والهرة؟

قال: يا نوح من ألقى بينهم العداوة؟

قال: أنت يا رب، قال: فإني أؤلف بينهم حتى يتراضوا» .

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الماسرخسي، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: «كثر الفأر في السفينة، حتى خافوا على حبال السفينة، فأوحى الله تعالى إلى نوح، أن امسح عن جبهة الأسد فمسحها، فعطس، فخرج منها سنوران، فأكلا الفئران.

وكثرت العذرة في السفينة، فشكوا إلى نوح، فأوحى الله تعالى إلى نوح: أن امسح ذنب الفيل، فمسحه فخرج خنزير، فأكل العذرة» .

وفي خبر آخر: «فخرج منه خنزيران فأكلا العذرة» .

قال الفقيه، أبو الليث رحمه الله: وفي خبر وهب بن منبه دليل أن الهرة كانت من قبل.

وفي هذا الخبر أن الهرة لم تكن من قبل، والله أعلم بالصواب منهما.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما فار الماء من التنور، فأرسل الله تعالى من السماء مطرا شديدا، فأقبلت الوحوش حين أصابتها المطر إلى نوح، وسخرت له، فحمل في السفينة مِن كُلّ طير زوجين، ومن كل دابة زوجين، ومن كل بهيمة زوجين، ومن كل سبع زوجين، يعني: الذكر والأنثى.

فقال نوح: رب هذه الحية والعقرب، كيف أصنع بهما؟

فبعث الله تعالى جبريل، فقطع فقار العقرب، وضرب فم الحية.

وكان نوح  جعل للسفينة ثلاثة أبواب، بعضها أسفل من بعض، فجعل في الباب الأسفل: السباع والهوام، وجعل في الباب الأوسط: البهائم والوحوش، وجعل في الباب الأعلى: بني آدم من ذكر منهم» ، فذلك قوله تعالى: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قال ابن عباس: «هم ثمانون إنساناً» ، وقال الأعمش في قوله: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قال: كان نوح، وثلاثة بنين، ونساؤهم.

وقال مقاتل: كانوا أربعين رجلاً، وأربعين امرأة.

قرأ عاصم في رواية حفص: مِنْ كُلٍّ بالتنوين، يعني: من كل شيء، ثُمَّ قال زَوْجَيْنِ على وجه التفسير للكل، وقرأ الباقون: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ بغير تنوين، على معنى الإضافة.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال: إِنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه.

ت: وهذا أيضاً غير ملخَّص، والصواب: أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧] ، وانظر قوله عليه السلام: «اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ» «٢» ، وقَوْلُهُ تعالَى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور: ٣٣] ، فههنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً ...

الآية [البقرة: ١٨٠] .

وقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ: تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين: هي ردٌّ على قولهم: اتبعك أراذِلُنا في ظاهر أمرِهم حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال: إِنِّي إِذاً لو فعلت ذلك، لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وقولهم: قَدْ جادَلْتَنا: معناه: قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم: بِما تَعِدُنا العذابَ والهلاكَ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: بمفلتين.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)

وقوله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ...

الآية: قال الطبريُّ «٣» وغيرُه: هذه الآيةُ اعترضت في قِصَّة نوح، وهي في شأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع قُرَيْشٍ.

قال ع «٤» : ولو صحَّ هذا بسندٍ، لوجب الوقوفُ عنده، وإِلا فهو يَحْتملُ أن

يكون في شأن نوح عليه السلام، وتَتَّسِقُ الآية، ويكونُ الضمير في «افتراه» عائداً علي ما توعَّدهم به، أو عَلى جميعِ ما أخبرهم به، و «أم» بمعنى «بل» .

وقوله سبحانه: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ...

الآية، قيل لنوح هذا بَعْدَ أَنْ طال عليه كُفْر القَرْن بعد القَرْن به، وكان يأتيه الرجُلُ بابنه، فيقول: يا بُنَيَّ، لا تُصَدِّقْ هذا الشيخَ، فهكذا عَهِدَهُ أَبي وَجَدِّي كَذَّاباً مَجْنُوناً، رَوَاهُ عُبَيْدُ بن عُمَير وغيره، فروي أنه لما أوحِيَ إِليه ذَلك، دَعَا، فقَالَ: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] ، وتَبْتَئِسْ من البُؤْس، ومعناه: لا تَحْزَنْ.

وقوله: بِأَعْيُنِنا: يمكنُ أَنْ يريد بمرأًى منا، فيكون عبارةً عن الإِدراك والرعاية والحفْظ، ويكونُ جَمَعَ الأَعْيُنِ، للعظمةِ لا للتكثير كما قال عزَّ مِنْ قائل: فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [المرسلات: ٢٣] ، والعقيدةُ أنه تعالَى منزهُ عن الحواسِّ، والتشبيهِ، والتكييفِ، لا ربَّ غيره، ويحتملُ قوله: بِأَعْيُنِنا أيُّ: بملائكتنا الذين جعلْناهم عيوناً على مواضع حِفْظِكَ وَمَعُونَتِك، فيكون الجَمْعُ على هذا التأويلِ: للتكْثير.

وقوله: وَوَحْيِنا معناه: وتعليمنا له صُورَةَ العَمَل بالوحْيِ، ورُوِيَ في ذلك: «أَنَّ نوحاً عليه السلام لَمَّا جَهِلَ كَيْفِيَّة صُنْعِ السَّفِينَةِ، أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ، أَن اصنعها على مثال جُؤْجُؤِ «١» الطَّائِرِ» إِلى غير ذلك ممَّا علِّمَهُ نوحٌ من عملها.

وقوله: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ...

الآية، قال ابْنُ جُرَيْج في هذه الآية: تقدَّم اللَّه إِلَى نوحٍ أَلاَّ يَشْفَعَ فيهم «٢» .

وقوله: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ: التقديرُ: فشَرَعَ يصْنَعُ، فحكيتْ حالُ الاستقبال، والملأ هنا: الجماعة.

وقوله: سَخِرُوا مِنْهُ ...

الآية: السُّخْر: الاستجهال مع استهزاء، وإِنما سخروا منه في أنْ صنعها في بَرِّيَّةٍ.

وقوله: فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ قال «٣» الطبريُّ: يريد في الآخرة.

قال ع «٤» : ويحتمل الكلام- وهو الأرجح- أن يريد: إنا نسخر منكم الآن،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جاءَ أمْرُنا بِعَذابِهِمْ وإهْلاكِهِمْ.

والثّانِي: جاءَ عَذابُنا وهو الماءُ، ابْتَدَأ بِجَنَباتِ الأرْضِ فَدارَ حَوْلَها كالإكْلِيلِ، وجَعَلَ المَطَرُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَأفْواهِ القِرَبِ، فَجَعَلَتِ الوُحُوشُ يَطْلُبْنَ وسَطَ الأرْضِ هَرَبًا مِنَ الماءِ حَتّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ، فَحِينَئِذٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفارَ التَّنُّورُ ﴾ الفَوْرُ: الغَلَيانُ؛ والفَوّارَةُ: ما يَفُورُ مِنَ القِدْرِ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ.

قالَ المُصَنَّفُ: وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ قالَ: التَّنُّورُ: اسْمٌ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ لا تَعْرِفُ لَهُ العَرَبُ اسْمًا غَيْرَ هَذا، فَلِذَلِكَ جاءَ في التَّنْزِيلِ، لِأنَّهم خُوطِبُوا بِما عَرَفُوا.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: التَّنُّورُ، بِكُلِّ لِسانٍ عَرَبِيٍّ وعَجَمِيٍّ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا التَّنُّورِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ لِوَجْهِ الأرْضِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: التَّنُّورُ: وجْهُ الأرْضِ، قالَ: قِيلَ لَهُ: إذا رَأيْتَ الماءَ قَدْ عَلا وجْهَ الأرْضِ، فارْكَبْ أنْتَ وأصْحابُكَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ تَنْوِيرُ الصُّبْحِ، رَواهُ أبُو جُحَيْفَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّنْوِيرُ عِنْدَ الصَّلاةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ طُلُوعُ الفَجْرِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا، قالَ: ﴿ وَفارَ التَّنُّورُ ﴾ : طَلَعَ الفَجْرُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ، وهو مَنقُولٌ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا.

والخامِسُ: أنَّهُ تَنُّورُ أهْلِهِ، رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتَ تَنُّورَ أهْلِكَ يَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، فَإنَّهُ هَلاكُ قَوْمِكَ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَبَهُ اللَّهُ لِنُوحٍ، وقِيلَ لَهُ: إذا فارَ الماءُ مِنهُ، فاحْمِلْ ما أُمِرْتَ بِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ تَنُّورًا مِن حِجارَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والفَرّاءِ، ومُقاتِلٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ أعْلى الأرْضِ وأشْرَفُها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: شُبِّهَتْ أعالِي الأرْضِ وأماكِنُها المُرْتَفِعَةُ لِعُلُوِّها، بِالتَّنانِيرِ.

واخْتَلَفُوا في المَكانِ الَّذِي فارَ مِنهُ التَّنُّورُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ فارَ مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ، رَواهُ حَبَّةُ العَرْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: فارَ التَّنُّورُ مِن زاوِيَةِ مَسْجِدِ الكُوفَةِ اليُمْنى.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ، فَعَلِمَتْ بِهِ امْرَأتُهُ فَأخْبَرَتْهُ، وكانَ ذَلِكَ بِناحِيَةِ الكُوفَةِ.

وكانَ الشَّعْبِيُّ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما كانَ التَّنُّورُ إلّا بِناحِيَةِ الكُوفَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ فارَ بِالهِنْدِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في أقْصى دارِ نُوحٍ، وكانَتْ بِالشّامِ في مَكانٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنا احْمِلْ فِيها ﴾ أيْ: في السَّفِينَةِ ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ .

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مِن كُلٍّ " بِالتَّنْوِينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَعْنى: مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومَن كُلِّ زَوْجٍ زَوْجَيْنِ، فَحَذَفَ المُضافَ.

وانْتِصابُ " اثْنَيْنِ " عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِزَوْجَيْنِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الزَّوْجَيْنِ اثْنانِ، ولَكِنَّهُ تَوْكِيدٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ذَكَرًا وأُنْثى.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الزَّوْجُ يَكُونُ واحِدًا، ويَكُونُ اثْنَيْنِ، وهو هاهُنا واحِدٌ، ومَعْنى الآيَةِ: احْمِلْ مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى اثْنَيْنِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: احْمِلْ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والزَّوْجُ في كَلامِ العَرَبِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ واحِدٌ، والِاثْنانِ يُقالُ لَهُما: زَوْجانِ، يُقالُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الطَّيْرِ، إنَّما يُرِيدُ ذَكَرًا وأُنْثى فَقَطْ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ " اثْنَيْنِ " فَثَنّى الزَّوْجَ، لِأنَّهُ قَصَدَ قَصْدَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ، وتَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأهْلَكَ ﴾ أيْ: واحْمِلْ أهْلَكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ أرادَ بِأهْلِهِ: عِيالَهُ ووَلَدَهُ.

" إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ " أيْ: سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنَ اللَّهِ بِالإهْلاكِ، قالَ الضَّحّاكُ: وهم امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن آمَنَ ﴾ مَعْناهُ: واحْمِلْ مَن آمَنَ.

" وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ " وفي عَدَدِهِمْ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا مَعَهم أهْلُوهم، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ نُوحًا حَمَلَ مَعَهُ ثَمانِينَ إنْسانًا، وبَنِيهِ الثَّلاثَةَ، وثَلاثَ نِسْوَةٍ لِبَنِيهِ، وامْرَأةَ نُوحٍ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: كانُوا ثَمانِينَ إنْسانًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ كانُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً.

والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: كانُوا ثَلاثِينَ رَجُلًا، رَواهُ أبُو نُهَيْكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: كانُوا ثَمانِيَةً، قالَ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: كانَ نُوحٌ وثَلاثَةُ بَنِيهِ وأرْبَعُ كَنائِنِهِ.

قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ لَمْ يَنْجُ في السَّفِينَةِ إلّا نُوح ٌوامْرَأتُهُ وثَلاثَةُ بَنِينَ لَهُ، ونِساؤُهم، فَجَماعَتُهم ثَمانِيَةٌ، وهَذا قَوْلُ القُرَظِيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والسّابِعُ: كانُوا سَبْعَةً، نُوحٌ وثَلاثُ كَنائِنَ لَهُ، وثَلاثَةُ بَنِينَ، قالَهُ الأعْمَشُ.

والثّامِنُ: كانُوا عَشْرَةً سِوى نِسائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ، ونِساؤُهم ثَلاثٌ، وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ ﴾ ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ التَقْدِيرُ: فَشَرَعَ يَصْنَعُ فَحُكِيَتْ حالُ الِاسْتِقْبالِ، إذْ في خِلالِها وقَعَ مُرُورُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعَ نُوحٌ الفُلْكَ بِبِقاعِ دِمَشْقَ وأخَذَ عُودَها مِن لُبْنانَ وعُودَها مِنَ الشَمْشادِ وهو البَقْصُ.

ورُوِيَ أنَّ عُودَها مِنَ الساجِ، وأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ اغْتَرَسَهُ حَتّى كَبُرَ في أرْبَعِينَ سَنَةً ورُوِيَ أنَّ طُولَ السَفِينَةِ ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتانِ، وعَرَضَها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقِيلَ: طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثَ إحْياءِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِسامِ بْنِ نُوحٍ وسُؤالِهِ إيّاهُ عن أمْرِ السَفِينَةِ فَذَكَرَ أنَّها ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ لِلنّاسِ، وطَبَقَةٌ لِلْبَهائِمِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

و"المَلَأُ" هُنا الجَماعَةُ، و"سَخِرُوا" مَعْناهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، وهَذا الِاسْتِجْهالُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلُ رَأوا سَفِينَةً ولا كانَتْ- فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ.

وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَفاسِيرُ وإنْ كانَتِ السَفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في مَوْضِعٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُبُوَّةِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ: في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ الكَلامُ -بَلْ هو الأرْجَحُ- أنْ يُرِيدَ: إنّا نَسْخَرُ مِنكُمُ الآنَ، أيْ نَسْتَجْهِلُكم لِعِلْمِنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى والكَوْنِ بِمُدْرَجِ عَذابِهِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تَهْدِيدًا، والسُخْرُ: الِاسْتِجْهالُ مَعَ اسْتِهْزاءٍ، ومَصْدَرُهُ: سُخْرى بِضَمِّ السِينِ، والمَصْدَرُ مِنَ السُخْرَةِ والتَسْخِيرِ سِخْرى بِكَسْرِها.

و"العَذابُ المُخْزِي" هو الغَرَقُ، و"المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ "وَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، ويَقْرَأُ "وَيَحِلُّ" بِكَسْرِها، بِمَعْنى ويَجِبُ.

ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ".

وجازَ أنْ يَكُونَ "تَعْلَمُونَ" بِمَثابَةِ "تَعْرِفُونَ" في التَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ﴾ الآيَةُ، الأمْرُ هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ، فَمَعْناهُ أمْرُنا لِلْماءِ بِالفَوَرانِ، أو لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أو لِلْمَلائِكَةِ بِالتَصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النازِلَةِ و"وَفارَ" مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ في "التَنُّورُ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ- مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو تَنُّورُ الخُبْزِ الَّذِي يُوقَدُ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتْ هَذِهِ أمارَةً جَعَلَها اللهُ لِنُوحٍ، أيْ إذا فارَ التَنُّورُ فارْكَبْ في السَفِينَةِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الأمارَةِ أنَّ مُسْتَوْقَدَ النارِ إذا فارَ بِالماءِ فَغَيْرُهُ أشَدُّ فَوَرانًا، وأحْرى بِذَلِكَ.

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خَلُصَ إلى نُوحٍ فَكانَ يُوقِدُ فِيهِ، وقالَ النَقّاشُ: اسْمُ المُسْتَوْقَدِ التَنُّورُ بِكُلِّ لُغَةٍ وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في الأدَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.

وقِيلَ: إنَّ مَوْضِعَ تَنُّورِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ مَسْجِدِ الكُوفَةِ، وقِيلَ: كانَ في ناحِيَةِ الكُوفَةِ، قالَهُ الشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: كانَ في الجِهَةِ الغَرْبِيَّةِ مِن قِبْلَةِ المَسْجِدِ بِالكُوفَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعِكْرِمَةُ: التَنُّورُ وجْهُ الأرْضِ، ويُقالُ لَهُ: تَنُّورُ الأرْضِ، وقالَ قَتادَةُ: التَنُّورُ: أعالِي الأرْضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَنُّورُ: عَيْنٌ بِناحِيَةِ الجَزِيرَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: التَنُّورُ مُجْتَمَعُ ماءِ السَفِينَةِ فارَ مِنهُ الماءُ وهي بَعْدُ في اليُبْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَنُّورُ هو الفَجْرُ، المَعْنى: إذا طَلَعَ الفَجْرُ فارْكَبْ في السَفِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، إلّا أنَّ التَصْرِيفَ يُضْعِفُهُ، وكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التَنُّورُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكَلامُ مَجازٌ وإنَّما أرادَ غَلَبَةَ الماءِ وظُهُورَ العَذابِ كَما «قالَ النَبِيُّ  لِشِدَّةِ الحَرْبِ: "حَمِيَ الوَطِيسُ"» والوَطِيسُ أيْضًا مُسْتَوْقَدُ النارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَحَمِيَ وفارَ إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النارِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ  ﴾ ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَنُّورِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" بِتَنْوِينِ "كُلٍّ"، وقَرَأ الباقُونَ: "مَن كُلِّ زَوْجَيْنِ" بِإضافَةِ "كُلٍّ" إلى "زَوْجَيْنِ".

فَمَن قَرَأ بِالتَنْوِينِ حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ التَقْدِيرُ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ أو نَحْوِهِ، وأعْمَلَ "الحَمْلَ" في زَوْجَيْنِ، وجاءَ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدًا- كَما قالَ: إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ.

ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فَأعْمَلَ "الحَمْلَ" في قَوْلِهِ: اثْنَيْنِ، وجاءَ قَوْلُهُ: "زَوْجَيْنِ" بِمَعْنى العُمُومِ، أيْ مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، ولَوْ قَدَّرْنا المَعْنى: احْمِلْ مَن كُلِّ زَوْجَيْنِ حاصِلَيْنِ اثْنَيْنِ لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعٍ أرْبَعَةً، والزَوْجُ يُقالُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ: وهَذا هو المَهِيعُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ  ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى  ﴾ .

قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ: مِن كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ ∗∗∗ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها وهَكَذا يَأْخُذُ العَدَدِيُّونَ.

الزَوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ النَوْعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ﴾ وقوله عزّ وجلّ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها  ﴾ .

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَأْتِيهِ الحَيَوانُ، فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَكَرِ ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى.

ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما أُدْخِلَ في السَفِينَةِ الذَرُّ، وآخِرَ ما أُدْخِلَ الحِمارُ، فَتَمَسَّكَ الشَيْطانُ بِذَنَبِهِ، فَزَجَرَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فَقالَ لَهُ: ادْخُلْ ولَوْ كانَ مَعَكَ الشَيْطانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مِن لِسانِهِ فَدَخَلَ الشَيْطانُ حِينَئِذٍ، وكانَ في كَوْثَلِ السَفِينَةِ، أيْ عِنْدِ مُؤَخَّرِها، وقِيلَ: كانَ عَلى ظَهْرِها.

ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ آذاهُ نَتَنُ الزِبَلِ والعُذْرَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: أنِ امْسَحْ عَلى ذَنَبِ الفِيلِ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَ مِنَ الفِيلِ- وقِيلَ: مِن أنْفِهِ- خِنْزِيرٌ وخِنْزِيرَةٌ، فَكَفَيا نُوحًا وأهْلَهُ ذَلِكَ الأذى وهَذا يَجِيءُ مِنهُ أنَّ نَوْعَ الخَنازِيرِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.

ورُوِيَ أنَّ الفَأْرَ آذى الناسَ في السَفِينَةِ بِقَرْضِ حِبالِها وغَيْرِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللهُ نُوحًا أنْ يَمْسَحَ عَلى جَبْهَةِ الأسَدِ فَفَعَلَ، فَعَطَسَ فَخَرَجَ مِنهُ هِرٌّ وهِرَّةٌ، فَكَفَياهُمُ الفَأْرَ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ الفَأْرَ خَرَجَ مِن أنْفِ الخِنْزِيرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ قَصَصٌ لا يَصِحُّ إلّا لَوِ اسْتُنِدَ واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ.

وقَوْلُهُ: "وَأهْلَكَ" عَطْفٌ عَلى ما عَمِلَ فِيهِ "احْمِلْ"، و"الأهْلُ" هُنا: القَرابَةُ، وبِشَرْطِ مَن آمَنَ مِنهُمْ، خُصِّصُوا تَشْرِيفًا ثُمَّ ذُكِرَ مَن آمَنَ ولَيْسَ مِنَ الأهْلِ واخْتُلِفَ في الَّذِي ﴿ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ فَقِيلَ: هو ابْنُهُ يامُ، وقالَ النَقّاشُ: اسْمُهُ كَنْعانُ وقِيلَ: هي امْرَأتُهُ والِعَةُ هَكَذا اسْمُها بِالعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وقِيلَ: هو عُمُومٌ في مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ نُوحٍ وعَشِيرَتِهِ.

والقَوْلُ هاهُنا مَعْناهُ: القَوْلُ بِأنَّهُ يُعَذَّبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن آمَنَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَأهْلَكَ"، ثُمَّ قالَ إخْبارًا عن حالِهِمْ: ﴿ وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ واخْتُلِفَ في ذَلِكَ "القَلِيلِ"، فَقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً وقِيلَ: كانَ جَمِيعُهم ثَلاثَةً وثَمانِينَ: وقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ في الكُلِّ، قالَهُ السُدِّيُّ: وقِيلَ: عَشْرَةٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ، واللهُ أعْلَمُ.

وقِيلَ: كانَ في السَفِينَةِ جُرْهُمٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ الغَرَقِ أحَدٌ إلّا عَوْجُ بْنُ أعْنَقَ، وكانَ في السَفِينَةِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وغَرِقَ يامُ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "سامُ أبُو العَرَبِ، ويافِثُ أبُو الرُومِ، وحامُ أبُو الحَبَشِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ حتى ﴾ غاية ل ﴿ يصنع الفلك ﴾ [هود: 38] أي يصنعه إلى زمن مجيء أمرنا، ف ﴿ إذا ﴾ ظرف مضمن معنى الشرط ولذلك جيء له بجواب.

وهو جملة ﴿ قلنا احمل ﴾ .

وجعل الشرط وجوابه غاية باعتبار ما في حرف الشرط من معنى الزمان وإضافته إلى جملة الشرط، فحصل معنى الغاية عند حصول مضمون جملة الجزاء، وهو نظم بديع بإيجازه.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية.

والأمر هنا يحتمل أمْر التكوين بالطوفان، ويحتمل الشّأن وهو حادث الغرق، وإضافته إلى اسم الجلالة لتهويله بأنّه فوق ما يعرفون.

ومَجيء الأمر: حصوله.

والفوران: غليان القدر، ويطلق على نبع الماء بشدة، تشبيهاً بفوران ماء في القدر إذا غلي، وحملوه على ما جاء في آيات أخرى من قصة نوح عليه السّلام مثل قوله: ﴿ وفجّرنا الأرض عيوناً ﴾ [القمر: 12].

ولذلك لم يتضح لهم إسناده إلى التنور، فإن التنور هو الموقد الذي ينضج فيه الخبز، فكثرت الأقوال في تفسير التنور، بلغت نسبة أقوال منها ما لا ينبغي قبوله.

ومنها ما له وجه وهو متفاوت.

فمن المفسرين من أبقى التنور على حقيقته، فجعل الغوران خروج الماء من أحد التنانير وأنه علامة جعلها الله لنوح عليه السّلام إذ أفار الماء من تنوره علم أن ذلك مبدأ الطوفان فركِب الفلكَ وأركبَ من معه.

ومنهم من حمل التنور على المَجاز المفرد ففسره بسطح الأرض، أي فار الماء من جميع الأرض حتى صار بسطح الأرض كفوهة التنور.

ومنهم من فسره بأعلى الأرض.

ومنهم من حمل ﴿ فار ﴾ و ﴿ التنور ﴾ على الحقيقة، وأخرج الكلام مَخرج التمثيل لاشتداد الحال، كما يقال: حمي الوطيس.

وقع حكاية ذلك في تفسير ابن عطية في هذه الآية وفي الكشاف في تفسير سورة المؤمنون: وأنشد الطبرسي قول الشاعر.

وهو النابغة الجعدي: تفورُ علينا قِدرهم فنديمها *** ونفثأها عنّا إذا قِدرها غلى يريد بالقدر الحرب، ونفثأها، أي نسكنها، يقال: فثأ القِدر إذا سكن غليانها بصب الماء فيها.

وهذا أحسن ما حكي عن المفسرين.

والذي يظهر لي أن قوله: ﴿ وفارَ التنور ﴾ مثَل لبلوغ الشيء إلى أقصَى ما يتحمل مثله، كما يقال: بلغ السيل الزُبى، وامتلأ الصاع، وفاضت الكأس وتفاقم.

والتنور: محفل الوادي، أي ضفته، فيكون مثل طَما الوادي من قبيل بلغ السيل الزُبى.

والمعنى: بأن نفاذ أمرنا فيهم وبلغوا من طول مدة الكفر مبلغاً لا يغتفر لهم بعدُ كما قال تعالى: ﴿ فلما آسفونا انتقمنا منهم ﴾ [الزخرف: 55].

والتنور: اسم لمَوقد النار للخبز.

وزعمه.

الليث مما اتفقت فيه اللغات، أي كالصابون والسمور.

ونسب الخفاجي في شفاء الغليل هذا إلى ابن عباس.

وقال أبو منصور: كلام الليث يدل على أنه في الأصل أعجمي.

والدليل على ذلك أنه فعّول من تنر ولا نعرف تنر في كلام العرب لأنه مهمل، وقال غيره: ليس في كلام العرب نون قبل رَاء فإن نرجس معرب أيضاً.

وقد عدّ في الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن.

ونظمها ابن السبكي في شرحه على مختصر ابن الحاجب الأصلي ونسب ذلك إلى ابن دريد.

قال أبو علي الفارسي: وزنه فَعّول.

وعن ثعلب أنه عربي، قال: وزنه تَفعول من النور (أي فالتاء زايدة) وأصله تنوور بواوين، فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها ثم حذفت الهمزة تخفيفاً ثم شددت النون عوضاً عما حذف أي مثل قوله: تقَضّى البَازي بمعنى تقضّض.

وقرأ الجمهور ﴿ من كلّ زوجين ﴾ بإضافة ﴿ كل ﴾ إلى ﴿ زوجين ﴾ .

والزوج: شيء يكون ثَانياً لآخَرَ في حالة.

وأصله اسم لما ينضم إلى فرد فيصير زوجاً له، وكل منهما زوج للآخر.

والمراد ب ﴿ زوجين ﴾ هنا الذكر والأنثى من النوع، كما يدل عليه إضافة ﴿ كل ﴾ إلى ﴿ زوجين ﴾ ، أي احمل فيها من أزواج جميع الأنواع.

و ﴿ من ﴾ تبعيضية، و ﴿ اثنين ﴾ مفعول ﴿ احمل ﴾ ، وهو بيان لئلاّ يتوهّم أن يحمل كل زوجين واحداً منهما لأن الزوج هو واحد من اثنين متصلين، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ في سورة [الأنعام: 143].

ولئلا يحمل أكثر من اثنين من نوع لتضيق السفينة وتثقل.

وقرأه حفص ﴿ من كلَ ﴾ بتنوين ﴿ كلَ ﴾ فيكون تنوين عوض عن مضاف إليه، أي من كل المخلوقات، ويكون ﴿ زوجين ﴾ مفعول ﴿ احمل ﴾ ، ويكون ﴿ اثنين ﴾ صفة ل ﴿ زوجين ﴾ أي لا تزد على اثنين.

وأهل الرجل قرابته وأهل بيته وهو اسم جمع لا واحد له.

وزوجه أول من يبادر من اللفظ، ويطلق لفظ الأهل على امرأة الرجل قال تعالى: ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله ﴾ [القصص: 29]، وقال: ﴿ وإذ غدوتَ من أهلك ﴾ [آل عمران: 121] أي من عند عائشة رضي الله عنها.

و ﴿ من سبق عليه القول ﴾ أي من مضى قول الله عليه، أي وعيده.

فالتعريف في ﴿ القول ﴾ للعهد، يعني إلاّ من كان من أهلك كافراً.، وماصدق هذا إحدى امرأتيه المذكورة في سورة التّحريم وابنه منها المذكور في آخر هذه القصة.

وكان لنوح عليه السّلام امرأتان.

وعدّي ﴿ سبَق ﴾ بحرف ﴿ على ﴾ لتضمين ﴿ سَبَق ﴾ معنى: حَكَم، كما عدّي باللام في قوله: ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴾ [الصافات: 171] لتضمينه معنى الالتزام النافع.

و ﴿ مَن آمن ﴾ كلّ المؤمنين.

وجملة ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ اعتراض لتكميل الفائدة من القصة في قلة الصالحين.

قيل: كان جميع المؤمنين به من أهله وغيرهم نيفاً وسبعين بين رجال ونساء، فكان معظم حمولة السفينة من الحَيوان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وجْهُ الأرْضِ، والعَرَبُ تُسَمِّي وجْهَ الأرْضِ تَنُّورًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا رَأيْتَ الماءَ عَلى وجْهِ الأرْضِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ.

الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ العَيْنُ الَّتِي بِالجَزِيرَةِ (عَيْنُ ورْدَةٍ)، رَواهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مَسْجِدٌ بِالكُوفَةِ مِن قِبَلِ أبْوابِ كِنْدَةَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الرّابِعُ: أنَّ التَّنُّورَ ما زادَ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَأشْرَفَ مِنها، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: أنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، قِيلَ لَهُ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنهُ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الحَسَنُ: كانَ تَنُّورًا مِن حِجارَةٍ وكانَ لِحَوّاءَ ثُمَّ صارَ لِنُوحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: فارَ مِن أقْصى دارِ نُوحٍ بِعَيْنِ ورْدَةَ مِن أرْضِ الشّامِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ: فارَ تَنُّورُهم وجاشَ بِماءٍ صارَ فَوْقَ الجِبالِ حَتّى عَلاها السّادِسُ: أنَّ التَّنُّورَ هو تَنْوِيرُ الصُّبْحِ، مِن قَوْلِهِمْ: نُورُ الصُّبْحِ تَنْوِيرًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الآدَمِيِّينَ والبَهائِمِ ذَكَرًا وأُنْثى.

﴿ وَأهْلَكَ ﴾ أيِ احْمِلْ أهْلَكَ.

﴿ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُهْلِكُهم وهو ابْنُهُ كَنْعانُ وامْرَأتُهُ كانا كافِرَيْنِ: قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَمَن آمَنَ ﴾ أيِ احْمِلْ مَن آمَنَ.

﴿ وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ثَمانُونَ رَجُلًا مِنهم جُرْهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ثَمانِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: سَبْعَةٌ، قالَهُ الأعْمَشُ ومَطَرٌ، وكانَ فِيهِمْ ثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٌ وحامٌ وَيافِثُ، وثَلاثُ بَناتٍ لَهُ ونُوحٌ مَعَهم فَصارُوا سَبْعَةً.

وَعَلى القَوْلِ الثّانِي: كانَتْ فِيهِمُ امْرَأةُ نُوحٍ فَصارُوا ثَمانِيَةً.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ: فَأصابَ حامٌ امْرَأتَهُ في السَّفِينَةِ، فَدَعا نُوحٌ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ نُطْفَتَهُ فَجاءَ السُّودانُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ نبع الماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وفار التنور ﴾ قال: إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فإنه هلاك قومك.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال: كان تنوراً من حجارة، كان لحوّاء عليها السلام حتى صار إلى نوح عليه السلام، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان بين دعوة نوح عليه السلام وبين هلاك قومه ثلاثمائة سنة، وكان فار التنور بالهند، وطافت سفينة نوح عليه السلام بالبيت أسبوعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وفار التنور ﴾ قال: العين التي بالجزيرة عين الوردة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: فار التنور من مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة.

وأخرج أبو الشيخ عن حبة العربي قال: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال إني قد اشتريت راحلة وفرغت من زادي أريد بيت المقدس لأصلي فيه، فإنه قد صلى فيه سبعون نبياً ومنه فار التنور، يعني مسجد الكوفة.

وأخرج أبو الشيخ من طريق الشعبي رضي الله عنه عن علي رضي الله عنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أن مسجدكم هذا لرابع أربعة من مساجد المسلمين، ولركعتان فيه أحب إليّ من عشر فيما سواه إلا المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي بن إسماعيل الهمداني قال: لقد نجر نوح سفينته في وسط هذا المسجد- يعني مسجد الكوفة- وفار التنور من جانبه الأيمن، وإن البرية منه لعلى إثني عشر ميلاً من حيث ما جنبه، ولصلاة فيه أفضل من أربع في غيره إلا المسجدين مسجد الحرام، ومسجد الرسول بالمدينة، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: التنور وجه الأرض قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك، والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وفار التنور ﴾ قال: وجه الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: التنور أعلى الأرض وأشرفها، وكان علماً فيما بين نوح وبين ربه عز وجل.

وأخرج أبو الشيخ عن بسطام بن مسلم قال: قلت لمعاوية بن قرة أن قتادة رضي الله عنه إذا أتى على هذه الآية قال: هي أعلى الأرض وأشرفها فقال: الله أعلم، أما أنا فسمعت منه حديثين فالله أعلم.

قال بعضهم: فار منه الماء.

وقال بعضهم فارت من النار، وفار التنور بكل لغة التنور.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ وفار التنور ﴾ قال: طلع الفجر.

قيل له: إذا طلع الفجر فاركب أنت وأصحابك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي ﴿ وفار التنور ﴾ قال: تنور الصبح.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ قال: في كلام العرب، يقولون للذكر والأنثى: زوجان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال: أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين ومعه ملك فجعل يقبض زوجاً زوجاً وبقي العنب، فجاء إبليس فقال: هذا كله لي.

فنظر نوح عليه السلام إلى الملك فقال: إنه لشريكك فأحسن شركته.

فقال: نعم، لي الثلثان وله الثلث.

قال: إنه شريكك فاحسن شركته فقال: لي النصف وله النصف.

فقال إبليس: هذا كله لي.

فنظر إلى الملك فقال: إنه شريكك فاحسن شركته.

قال: نعم، لي الثلث وله الثلثان.

قال: أحسنت وأني محسان، أنت تأكله عنباً وتأكله زبيباً وتشربه عصيراً ثلاثة أيام.

قال مسلم: وكان يرون أنه إذا شربه كذلك فليس للشيطان نصيب.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: لما ركب نوح عليه السلام السفينة كتب له تسمية ما حمل معه فيها، فقال: إنكم قد كتبتم الحبلة وليست ههنا.

قالوا: صدقت أخذها الشيطان، وسنرسل من يأتي بها.

فجيء بها وجاء الشيطان معها، فقيل لنوح: إنه شريكك فاحسن شركته.

فذكر مثله وزاد بعد قوله: تشربه عصيراً وتطبخه، فيذهب ثلثاه خبثاً وحظ الشيطان منه، ويبقى ثلثه فتشربه.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما حمل نوح عليه السلام الأسد في السفينة قال: يا رب إنه يسألني الطعام من أين أطعمه؟

قال: إني سوف أعقله عن الطعام.

فسلط الله عليه الحمى، فكان نوح عليه السلام يأتيه بالكبش فيقول: ادر يأكل فيقول الأسد: آه.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر وابن النجار في تاريخهما عن مجاهد رضي الله عنه قال: مر نوح عليه السلام بالأسد وهو في السفينة فضربه برجله فخمشه الأسد فبات ساهراً، فبكى نوح من ذلك فأوحي إليه إنك ظلمته وإني لا أحب الظلم.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «مر نوح بأسد رابض فضربه برجله، فرفع الأسد رأسه فخمش ساقه، فلم يبت ليلته مما جعلت تضرب عليه وهو يقول: يا رب كلبك عقرني.

فأوحى الله إليه أن الله لا يرضى الظلم أنت بدأته.

قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإِسناد باطل، وفيه جعفر بن أحمد الغافقي يضع الحديث» .

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوقاً وبدا حياها، ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياها.

وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد قال: أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين، فحمل معه من اليمن العجوة واللوز.

وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: لما أمر نوح عليه السلام أن يحمل من كل زوجين اثنين قال: كيف أصنع بالأسد والبقرة؟

وكيف أصنع بالعناق والذئب؟

وكيف أصنع بالحمام والهر؟

قال: من ألقى بينهما العداوة؟

قال: أنت يا رب.

قال: فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون.

وأخرج ابن عساكر عن خالد رضي الله عنه قال: لما حمل نوح في السفينة ما حمل، جاءت العقرب تحجل قالت: يا نبي الله أدخلني معك.

قال: لا أنت تلدغين الناس وتؤذينهم قال: لا احملني معك، فلك علي أن لا ألدغ من يصلي عليك الليلة.

وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يمسي: صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة» .

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عذاء والضحاك.

أن إبليس جاء ليركب السفينة فدفعه نوح فقال: يا نوح إني منظر ولا سبيل لك علي.

فعرف أنه صادق فأمره أن يجلس على خيزران السفينة، وكان آدم قد أوصى ولده أن يحملوا جسده، فورثهم في ذلك نوح، فتوارث الوصية ولده حتى حملها نوح، فوضع جسد آدم عليه السلام بين الرجال والنساء.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال: لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوتل السفينة...

!

فقال له نوح عليه السلام: ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك.؟!

قال له إبليس: فما أصنع؟

قال: تتوب.

قال: فسل ربك هل لي من توبة؟

فدعا نوح ربه، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم.

قال: قد جعلت لك توبة قال: وما هي؟

قال: تسجد لقبر آدم.

قال: تركته حياً وأسجد له ميتاً؟!.

وأخرج النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

أن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم قال: هذا لي.

وقال: هذا لي.

فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها.

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: «أن نوحاً عليه السلام حمل معه في السفينة من جميع الشجر» .

وأخرج اسحق بن بشر أخبرنا رجل من أهل العلم.

أن نوحاً عليه السلام حمل في السفينة من الهدهد زوجين، وجعل أم الهدهد فضلاً على زوجين فماتت في السفينة قبل أن تظهر الأرض، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكاناً ليدفنها فيه فلم يجد طيناً ولا تراباً، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه، فذلك الريش الناتئ في قفا الهدهد موضع القبر، فذلك ثناء اقفية الهداهد.

وأخرجه ابن عساكر.

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اعطى الله نوحاً عليه السلام في السفينة خرزتين أحدها بياضها كبياض النهار والأخرى سوادها كسواد الليل، فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه على قدر الساعات الاثني عشر، فأول من قدر الساعات الاثني عشر لا يزيد بعضها على بعض نوح عليه السلام في السفينة ليعرف بها مواقيت الصلاة، فسارت السفينة من مكانه حتى أخذت إلى اليمين فبلغت الحبشة، ثم عدلت حتى رجعت إلى جدة، ثم أخذت على الروم، ثم جاوزت الروم فأقبلت راجعة على حيال الأرض المقدسة، وأوحى الله إلى نوح عليه السلام: أنها تستوي على رأس جبل فعلت الجبال لذلك، فتطلعت لذلك وأخرجت أصولها من الأرض وجعل جودي يتواضع لله عز وجل، فجاءت السفينة حتى جاوزت الجبال كلها، فلما انتهت إلى الجودي استوت ورست، فشكت الجبال إلى الله فقالت: يا رب إنا تطلعنا وأخرجنا أصولنا من الأرض لسفينة نوح، وخنس جودي فاستوت سفينة نوح عليه.

فقال الله: إني كذلك من تواضع لي رفعته، ومن ترفع لي وضعته، ويقال: إن الجودي من جبال الجنة.

فلما أن كان يوم عاشوراء استوت السفينة عليه وقال الله: يا أرض ابلعي ماءك بلغة الحبشة، ويا سماء أقلعي أي أمسكي بلغة الحبشة، فابتلعت الأرض ماءها وارتفع ماء السماء حتى بلغ عنان السماء رجاء أن يعود إلى مكانه، فأوحى الله إليه: أن ارجع فإنك رجس وغضب.

فرجع الماء فملح وحم وتردد فأصاب الناس منه الأذى، فأرسل الله الريح فجمعه في مواضع البحار فصار زعاماً مالحاً لا ينتفع به، وتطلع نوح فنظر فإذا الشمس قد طلعت وبدا له اليد من السماء، وكان ذلك آية ما بينه وبين ربه عز وجل أمان من الغرق، واليد القوس الذي يسمونه قوس قزح، ونهي أن يقال له قوس قزح لأن قزح شيطان وهو قوس الله، وزعموا أنه كان يمتد وتروسهم قبل ذلك في السماء، فلما جعله الله تعالى أماناً لأهل الأرض من الغرق نزع الله الوتر والسهم، فقال نوح عليه السلام عند ذلك: رب إنك وعدتني أن تنجي معي أهلي وغرق ابني، و ﴿ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ﴾ [ هود: 45] يقول: إنه ليس من أهل دينك إن عمله كان غير صالح.

قال: اهبط بسلام منا.

فبعث نوح عليه السلام من يأتيه بخبر الأرض، فجاء الطير الأهلي وقال: أنا.

فأخذها وختم جناحيها فقال: أنت مختومة بخاتمي لا تطير أبداً ينتفع بك ذريتي.

فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها، فاحتبس فلعنه فمن ثَمَّ يقتل في الحرم، وبعث الحمامة وهي القمري فذهبت فلم تجد في الأرض قراراً، فوقعت على شجرة بأرض سبا فحملت ورقة زيتون فرجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض، ثم بعثها بعد أيام فخرجت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نضب وأول ما نضب موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء فخضبت رجليها، ثم جاءت إلى نوح فقالت: البشرى استمكن الأرض فمسح يده على عنقها، وطوّقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها، وأسكنها الحرم، وبارك عليها فمن ثم شفق بها الناس، ثم خرج فنزل بأرض الموصل وهي قرية الثمانين لأنه نزل في ثمانين، فوقع فيهم الوباء فماتوا إلا نوح وسام وحام ويافث ونساؤهم وطبقت الأرض منهم، وذلك قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ .

وأخرج ابن عساكر عن خالد الزيات قال: بلغنا أن نوحاً عليه السلام ركب السفينة أول يوم من رجب وقال لمن معه من الجن والإِنس: صوموا هذا اليوم فإنه من صامه منكم بعدت عنه النار مسيرة سنة، ومن صام منكم سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم السبعة، ومن صام منكم ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منكم عشرة أيام قال الله له: سل تعطه، ومن صام منكم خمسة عشر يوماً قال الله له: استأنف العمل فقد غفرت لك ما مضى، ومن زاد زاده الله.

فصام نوح عليه السلام في السفينة رجب، وشعبان، ورمضان، وشوّالاً، وذا القعدة، وذا الحجة، وعشراً من المحرم، فأرست السفينة يوم عاشوراء فقال نوح عليه السلام لمن معه من الجن والإِنس: صوموا هذا اليوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ركب نوح عليه السلام في السفينة في عشرة خلون من رجب، نزل عنها في عشر خلون من المحرم، فصام هو وأهله من الليل إلى الليل.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما حمل نوح عليه السلام في السفينة من كل شيء، حمل الأسد وكان يؤذي أهل السفينة فألقيت عليه الحمى.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: لما أمر نوح عليه السلام أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين لم يستطع أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى فحمله فأدخله.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال له أصحابه: وكيف نطمئن ومعنا الأسد؟

فسلط الله عليه الحمى.

فكانت أول حمى نزلت الأرض.

ثم شكوا الفأرة فقالوا الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان نوح عليه السلام في السفينة قرض الفأر حبال السفينة، فشكا إلى الله عز وجل ذلك، فأوحى الله إليه فمسح جبهة الأسد، فخرج سنوران وكان في السفينة عذرة، فشكا نوح إلى الله فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الفيل فخرج خنزيران فأكلا العذرة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تأَذى أهل السفينة بالفأر، فعطس الأسد فخرج من منخره سنوران ذكر وأنثى، فأكلا الفأر إلا ما أراد الله أن يبقى منه، وأوذوا بأذى أهل السفينة فعطس الفيل فخرج من منخره خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى أهل السفينة قال ولما أراد أن يدخل الحمار السفينة أخذ نوح بأذني الحمار وأخذ إبليس بذنبه، فجعل نوح عليه السلام يجذبه وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل شيطان فدخل الحمار ودخل إبليس معه، فلما سارت السفينة جلس في أذنابها يتغنى فقال له نوح عليه السلام: ويلك من أذن لك...؟!

قال: أنت.

قال: متى.

قال: إن قلت للحمار ادخل يا شيطان، فدخلت باذنك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الدرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل الحمار أدخل صدره فتعلق إبليس بذنبه فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك...

!

ادخل يا شيطان.

فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح: ويحك...

!

ادخل وإن كان الشيطان معك- كلمة زلت على لسانه- فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه فقال له نوح: ما أدخلك يا عدو الله؟

قال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك؟

قال: اخرج عني.

قال: ما لك بد من أن تحملني، فكان كما يزعمون في ظهر الفلك.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال: مكث نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله يسره إليهم ثم يجهر به لهم، ثم أعلن قال مجاهد رضي الله عنه: الاعلان الصياح: فجعلوا يأخذونه فيخنقونه حتى يغشى عليه فيسقط الأرض مغشياً عليه، ثم يفيق فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

فيقول الرجل منهم لأبيه: يا أبت ما لهذا الشيخ يصيح كل يوم لا يفتر؟

فيقول: اخبرني أبي عن جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان، فلما دعا على قومه أمره الله أن يصنع الفلك فصنع السفينة، فعملها في ثلاث سنين كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه يعجبون من نجارته السفينة، فلما فرغ منها جعل له ربه آية إذا رأيت التنور قد فار فاجعل في السفينة من كل زوجين اثنين، وكان التنور فيما بلغني في زاوية من مسجد الكوفة، فلما فار التنور جعل فيها كل ما أمره الله قال: يا رب كيف بالأسد والفيل؟

قال: سألقي عليهم الحمى إنها ثقيلة، فحمل أهله وبنيه وبناته وكنائنه ودعا ابنه، فلما أبى عليه وفرغ من كل شيء يدخله السفينة طبق السفينة الأخرى عليهم ولولا ذلك لم يبق في السفينة شيء إلا هلك لشدة وقع الماء حين يأتي من السماء قال الله تعالى ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ [ القمر: 11] فكان قدر كل قطرة مثل ما يجري من فم القربة، فلم يبق على ظهر الأرض شيء إلا هلك يومئذ إلا ما في السفينة، ولم يدخل الحرم منه شيء.

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عبدالله بن زياد بن سمعان عن رجال سماهم.

أن الله أعقم رجالهم قبل الطوفان بأربعين عاماً، وأعقم نساءهم فلم يتوالدوا أربعين عاماً منذ يوم دعا نوح عليه السلام حتى أدرك الصغير وأدرك الحنث وصارت لله عليهم الحجة، ثم أرسل الله السماء عليه بالطوفان.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال: يزعم الناس أن من أغرق الله من الولدان مع آبائهم وليس كذلك، إنما الولد بمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والمدركون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة لهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: لما أصاب قوم نوح الغرق قام الماء على رأس كل جبل خمسة عشر ذراعاً، فأصاب الغرق امرأة فيمن أصاب معها صبي لها، فوضعته على صدرها فلما بلغها الماء وضعته على منكبيها، فلما بلغها الماء وضعته على يديها.

فقال الله: لو رحمت أحداً من أهل الأرض لرحمتها ولكن حق القول مني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: بلغني أن نوحاً عليه السلام قال لجاريته: إذا فار تنورك ماء فأخبريني، فلما فرغت من آخر خبزها فار التنور، فذهبت إلى سيدها فأخبرته، فركب هو ومن بأعلى السفينة وفتح الله السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيوناً.

وأخرج سحق بن بشر وابن عساكر من طريقه أنا عبدالله العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما نبع الماء حول سفينة نوح خرج رجل من تلك الأمة إلى فرعون من فراعنتهم فقال: هذا الذي تزعمون أنه مجنون؟

قد أتاكم بما كان يعدكم، فجاء يسير في موكب له وجماعة من أصحابه حتى وقف من نوح غير بعيد فقال لنوح: ما تقول؟

قال: قد أتاكم ما كنتم توعدون.

قال: ما علامة ذلك؟

قال: اعطف برأس برذونك.

فعطف برذونه فنبع الماء من تحت قوائمه، فخرج يركض إلى الجبل هارباً من الماء.

وأخرج ابن اسحق وابن عساكر عن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: فار الماء من التنور من دار نوح عليه السلام، من تنور تختبز فيه ابنته، وكان نوح يتوقع ذلك إذ جاءته ابنته فقالت: يا أبت قد فار الماء من التنور.

فآمن بنوح النجارون إلا نجاراً واحداً فقال له: اعطني أجري قال: أعطيتك أجرك على أن تركب معنا.

قال: فإن وداً وسواع ويغوث ونسراً سينجوني.

فأوحى الله إليه أن احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول، وكان ممن سبق عليه القول امرأته والقة وكنعان ابنه فقال: يا رب هؤلاء قد حملتهم فكيف لي بالوحش والبهائم والسباع والطير؟

قال: أنا أحشرهم عليك: فبعث جبريل عليه السلام فحشرهم، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فجعل يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخله السفينة، حتى أدخل عدة ما أمره الله تعالى به، فلما جمعهم في السفينة رأت البهائم والوحش والسباع العذاب، فجعلت تلحس قدم نوح عليه السلام وتقول: احملنا معك.

فيقول: إنما أمرت من كل زوجين اثنين.

وأخرج ابن عساكر عن الزهري قال: إن الله بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين اثنين، من الطير والسباع والوحش والبهائم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كل زوجين اثنين ﴾ قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: الذكر زوج والأنثى زوج.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال: العذاب، هي امرأته كانت في الغابرين.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ قال: نوح وبنوه ثلاثة وأربع كنائنه.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: حدثت أن نوحاً حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه، وأصاب حام زوجته في السفينة فدعا نوح أن تغير نطفته فجاء بالسودان.

وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن أبي صالح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حمل نوح عليه السلام معه في السفينة ثمانين إنساناً.

أحدهم جرهم وكان لسانه عربياً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم، وكانوا في السفينة مائة وخمسين يوماً، وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوماً، ثم وجهها إلى الجودي فاستوت عليه، فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بالخبر فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح عليه السلام أن الماء نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة أحدها اللسان العربي، فكان لا يفقه بعضهم كلام بعض، وكان نوح عليه السلام يعبر عنهم.

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما ركب نوح عليه السلام في السفينة وحمل فيها من كل زوجين اثنين كما أمر رأى في السفينة شيخاً لم يعرفه فقال له: من أنت؟

قال: إبليس دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك، ثم قال: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاثة ولا أحدثك بالثنتين.

فأوحى إلى نوح: لا حاجة لك بالثلاث مرهُ يحدثك بالثنتين.

قال: الحسد وبالحسد لعنت وجعلت شيطاناً رجيماً، والحرص أبيح آدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص.

وأخرج ابن المنذر عن الحكم قال: خرج القوس قزح بعد الطوفان أماناً لأهل الأرض أن يغرقوا جميعاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: أمرنا بعذابهم وإهلاكهم.

وقوله تعالى: ﴿ وَفَارَ التَّنُّورُ ﴾ ، اختلفوا في معنى التنور؛ فقال ابن عباس (١)  : إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة والزهري وابن عيينة (٢) (٣) وقال قتادة (٤) (٥)  وبين ربه عز وجل.

قال أبو بكر (٦) روي عن علي (٧)  أنه قال: هو تنوير الصبح، ومعناه: طلع الفجر، قال أبو بكر: ومن ذهب إلى هذا قال: المعنى وبرز النور وظهر الضوء، وتقضى الليل، فشبه تتابع الأضواء والأنوار بخروج النار من التنور.

وقال ابن عباس (٨) (٩) وقال مقاتل بن سليمان (١٠) وقال مجاهد (١١) (١٢) (١٣) (١٤) قال أبو بكر (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم أعجمي فعربته العرب [فصار عربيًا] (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ ، قال أبو الحسن الأخفش (٢١) ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ  ﴾ قال الحسن (٢٢)  الفرد الذي لا يشبهه شيء، ويقال للمرأة هي زوج، وللرجل (٢٣) ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ [يعني المرأة، فالواحد يقال له زوج كما ذكرنا، وقد يقال للاثنين هما زوج] (٢٤) (٢٥) زوج عليه كِلَّة وقِرامُها ففسر الزوج بشيئين، ويدل على أن الزوج يقع على الواحد قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (٢٦) ﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ يراد بهما الشياع، وليس يراد بذلك الناقص عن الثلاثة، قال ابن عباس (٢٧) ﴿ احْمِلْ فِيهَا ﴾ يريد في السفينة ﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ ﴾ ؛ الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقرأ حفص (٣٢) ﴿ مِن كُلٍّ ﴾ بالتنوين أراد من كل شيء، ومن كل زوج زوجين اثنين، فحذف المضاف إليه، ويكون انتصاب اثنين على أنه صفة لزوجين، أتي به للتأكيد، كما قال: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ  ﴾ وقد جاء في غير هذا من الصفات ما مصرفه إلى التأكيد، كقولهم: نعجة أنثى، وأمس الدابر، وقوله: ﴿ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ (٣٣) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ ، أي احمل أهلك، قال المفسرون (٣٥) ﴿ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد من كان في علمي أنه يغرق بفعله وكفره، قالوا (٣٦) ﴿ وَمَنْ آمَنَ ﴾ ، يريد واحمل من صدقك، ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ ، قال ابن عباس (٣٧) (٣٨) (٣٩) قال أبو إسحاق: لأن ثمانين (٤٠) قال ابن الأنباري: ووحد القليل؛ لأنه لفظ مبني للجمع لما كان الواحد لا يوصف (٤١) ﴿ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ  ﴾ استيثاقًا من الجمع، لما كان (قليل) لفظه لفظ الواحد، كما جمعت العرب البيوت وهي جمع؛ للاستيثاق فقالوا: بيوتات، قال: ويجوز أن يقال في توحيد القليل إنه وصف لجمع خرج على تقطيع الواحد، تقديره وما آمن معه إلا نفر قليل، وقيل: أراد الجمع فاكتفى بالواحد منه، كقوله (٤٢) وقد مرَّ.

(١) الطبري 12/ 38، الثعلبي 7/ 41 ب، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596، ابن عطية 7/ 291.

(٢) رواه عنهم الطبري 12/ 38، الثعلبي 7/ 41 ب، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176.

(٣) ابن أبي حاتم 6/ 2029.

(٤) الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 41 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596، وروي هذا القول عبد بن حميد وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 3/ 596.

(٥) في (ي): (له).

(٦) "زاد المسير" 4/ 105.

(٧) الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 41 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596.

(٨) الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 42 أ، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176، ابن عطية 7/ 291.

(٩) الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 41 ب، البغوي 4/ 176، وذكره ابن الجوزي عن ابن عباس.

انظر: "زاد المسير" 4/ 105.

(١٠) "تفسير مقاتل" 146 أ، "زاد المسير" 4/ 106، البغوي 4/ 176.

(١١) الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 42 أ، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176.

(١٢) الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 42 أ، البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 105.

(١٣) "معاني القرآن" 2/ 14.

(١٤) "زاد المسير" 4/ 105.

(١٥) ما ذكره عن ابن الأنباري هو الذي رجحه الطبري 12/ 40، وهو قول أكثر المفسرين كما قال البغوي 4/ 176، وقال ابن كثير 2/ 488: هذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.

(١٦) ساقط من (ب).

(١٧) هذا النقل إلى نهايته من "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 456 (تنر).

(١٨) الليث هو: ابن نصر بن سيار الخراساني، ويقال ابن المظفر بن نصر، إمام لغوي، من أصحاب الخليل، ويقال هو صاحب (العين).

انظر: "تهديب اللغة" 1/ 47، "معجم الأدباء" 17/ 43.

(١٩) ساقط من (ي).

(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٢١) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 327، "الحجة" 4/ 324.

(٢٢) ذكره الطبري 12/ 41 من غير إسناد.

(٢٣) ساقط من (ب).

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٥) من معلقته، وصدره: من كل محفوف يُظلُ عصيه المحفوف: الهودج الذي ستر بالثياب، عصيه: عصى الهودج، والزوج: النمط الواحد من الثياب، والكلة من الستور: ما خيط فصار كالبيت، القرام: الغطاء، وهو الستر المرسل على جانب الهودج، انظر: "ديوانه" ص 96، "شرح المعلقات السبع" ص 531، "اللسان" 3/ 1886 (زوج)، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 328، "تهذيب اللغة" 2/ 1574.

(٢٦) الأنعام: 143، 144، ومن هنا بدأ النقل عن "الحجة" 4/ 327.

(٢٧) البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 106، الطبري 12/ 40.

(٢٨) انظر: الرازي 17/ 226.

(٢٩) الطبري 12/ 40، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2030 وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 601.

(٣٠) الطبري 12/ 41.

(٣١) الطبري 12/ 41.

(٣٢) "التبصرة" / 538، "السبعة" 333، "النشر" 3/ 114، "إتحاف" 2/ 125، "الحجة" 4/ 324.

(٣٣) الحاقة: 13.

وفي (ي): (نعجة)، وهي في سورة ص: الآية 23.

(٣٤) إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 328 بتصرف.

(٣٥) الطبري 12/ 41، الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 106.

(٣٦) الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 176 - 177، "زاد المسير" 4/ 106، القرطبي 9/ 35.

(٣٧) الطبري 12/ 43، الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 177، "زاد المسير" 4/ 107، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2032، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 601، القرطبي 9/ 35.

(٣٨) الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 177، "زاد المسير" 4/ 107.

(٣٩) قال ياقوت الحموي: بُليدة عند جبل الجودي، قرب جزيرة ابن عمر التغلبي فوق الموصل، كان أول من نزله نوح -  -، لما خرج من السفينة ومعه ثمانون إنسانًا، فبنوا لهم مساكن بهذا الموضع وأقاموا به، فسمي الموضع بهم، "معجم البلدان" 2/ 84.

(٤٠) في جميع النسخ (ثمانون) والصواب ما ذكرته، كما هو في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 52.

(٤١) في (ب): (يصف).

(٤٢) البيت لجرير من قصيدة له في هجاء تيم بن قيس من بكر بن وائل، وصدره: الواردون وتيم في ذرى سبأ والشاهد أنه قال: جلد ولم يقل جلود.

انظر: ديوانه ص252، "معاني القرآن" 1/ 308، ومعني البيت أن تيم يحتمون بسبأ ويمتنعون بها، ولا عصمة لهم من == أنفسهم.

"الخزانة" 3/ 372، "الطبري" 14/ 117، "اللسان" 5/ 2590، "المخصص" 1/ 31، 4/ 41.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكُلَّمَا ﴾ يحتمل أن يكون جوابها سخروا منه، أو قال إن تسخروا ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تهديد، ومن يأتيه منصوب بتعلمون ﴿ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ هو الغرق والعذاب المقيم عذاب النار ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ غاية لقوله: ويصنع الفلك ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ الذي يوقد فيه عند ابن عباس وغيره، ورُوي أنه كان تنور آدم خلص إلى نوح، وقيل: التنور وجه الأرض ﴿ قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ المراد بالزوجين: الذكر والأنثى من الحيوان، وقرئ من كل بغير تنوين فعمل احمل في اثنين ومن قرأ بالتنوين عمل احمل في زوجين، وجعل اثنين نعت له على جهة التأكيد ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أي قرابتك، وهو معطوف على ما عمل فيه احمل ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ أي من قضي عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته ﴿ وَمَنْ آمَنَ ﴾ معطوف على أهلك، أي احمل أهلك ومن آمن من غيرهم ﴿ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ قيل: كانوا ثمانين وقيل عشرة وقيل ثمانية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ .

قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ ؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر الله؛ لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سمي أمر الله؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر الله؛ لما بأمره يصلي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ : قال أبو عوسجة: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ يقال: فار الماء أي خرج يفور فوراً، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ  تَكَادُ...

 ﴾ قالوا: فار أي: خرج وظهر.

والتنور: اختلف فيه؛ قال بعضهم: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب.

وقال بعضهم: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت الماء نبع من تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ  وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً  ﴾ ، لكن جعل علامة وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.

ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.

ويحتمل وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الزوج هو اسم فرد لذي شفع ليس هو اسم الشفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد لذي شفع كان الإناث صنفاً وزوجاً والذكور صنفاً وزوجاً، فيكون الذكر والأنثى زوجين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم.

ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، واحمل أهلك أيضاً إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم الله أنه لا يؤمن، أو إلا من كان في علم الله أنه يهلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله خاصّة، ثم استثنى من سبق عليه القول، وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو قوله: ﴿ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ ﴾ أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين.

أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالماً كافرا حيث استثني من أهله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ : يذكر هذا - والله أعلم - تذكيراً لرسول الله  مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحاً مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين الله ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول الله  مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن [المواعظ إنما تنفع] الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحاً -  - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا.

وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا ﴾ أنه لما قال لهم نوح: اركبوا فيها قولوا ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ ، وهو كقول الناس باسم الله من أوله على ما يقال: ويذكر [اسم الله] في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره.

ويحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ أي: بالله مجراها ومرساها، أي: به تجري وبه ترسو، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها، وأما سفينة نوح كانت جريتها بالله وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ينجيه من الغرق والهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري وبه ترسو؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج، وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها، لما كانوا هم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقفها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير [آية لهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي: بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، أو ما كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ يحتمل لا تكن مع الكافرين: لتغرق، أو لا تكن مع الكافرين لنعم الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ ﴾ أي: سأنضم إلى جبل، ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال، فأخبر  أنه ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: من عذاب الله، سمى عذابه أمر الله لما ذكرنا أمر الله أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج [لقوله: { ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ...

﴾ الآية [النحل: 40]، وهو كما يسمى البعث لقاء الله لأنه هو النهاية في الاحتجاج] على من ينكر البعث؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر الله وهو أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ بهدايته أياه، أو إلا من سبقت له الرحمة من الله بالهداية له والنجاة.

وقوله: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ بين ابنه وبين نوح، ويحتمل بينه وبين السفينة.

﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ : يحتمل صار من المغرقين، ويحتمل كان في علم الله أنه يغرق، وهذا يدل على أن قوله في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان في علم الله أنه يكفر، أو صار من الكافرين كما ذكر، وكان من المغرقين إذ لم يكن من المغرقين في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنهى نوح  صنع السفينة التي أمره الله بصنعها، حتَّى إذا جاء أمرنا بإهلاكهم، وفار الماء من التنور الذي كانوا يخبزون فيه؛ إعلامًا ببدء الطوفان؛ قلنا لنوح  : احمل في السفينة من كل صنف من الحيوان فوق الأرض زوجين: ذكرًا وأنثى، واحمل أهلك إلا من سبق الحكم بأنه مغرق؛ لكونه لم يؤمن، واحمل من آمن معك من قومك، وما آمن معه من قومه إلا عدد قليل على طول المدة التي مكث فيها يدعوهم إلى الإيمان بالله.

<div class="verse-tafsir" id="91.GeD14"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل