الآية ٤١ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٤١ من سورة هود

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى إخبارا عن نوح - عليه السلام - أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة : ( اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ) أي : بسم الله يكون جريها على وجه الماء ، وبسم الله يكون منتهى سيرها ، وهو رسوها .

وقرأ أبو رجاء العطاردي : " بسم الله مجريها ومرسيها " .

وقال الله تعالى : ( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) [ المؤمنون : 28 ، 29 ] ; ; ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور : عند الركوب على السفينة وعلى الدابة ، كما قال تعالى : ( والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) [ الزخرف : 12 - 14 ] ، وجاءت السنة بالحث على ذلك ، والندب إليه ، كما سيأتي في سورة " الزخرف " ، إن شاء الله وبه الثقة .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي ، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا ، محمد بن موسى الحرشي ، قالا حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي ، عن نهشل بن سعيد ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا : باسم الله الملك ، ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) [ الزمر : 67 ] ، ( بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ) .

وقوله : ( إن ربي لغفور رحيم ) مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين ذكر أنه غفور رحيم ، كما قال : ( إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) [ الأعراف : 167 ] ، وقال : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) [ الرعد : 6 ] ، إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين انتقامه ورحمته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال نوح: اركبوا في الفلك ، " بسم الله مجراها ومرساها ".

* * * وفي الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ذكر من الخبر عليه عنه، وهو قوله: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ، فحملهم نوح فيها ، " وقال " لهم، " اركبوا فيها ".

فاستغني بدلالة قوله: (وقال اركبوا فيها) ، عن حمله إياهم فيها، فتُرك ذكره.

* * * واختلفت القراء في قراءة قوله: ( بسم الله مجراها ومرساها ) ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ) ، بضم الميم في الحرفين كليهما.

وإذا قرئ كذلك كان من " أجرى " و " أرسى "، وكان فيه وجهان من الإعراب: أحدهما : الرفع بمعنى: بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، فيكون " المجرى " و " المرسى " مرفوعين حينئذ بالباء التي في قوله: (بسم الله).

والآخر : النصب، بمعنى: بسم الله عند إجرائها وإرسائها، أو وقت إجرائها وإرسائها ، فيكون قوله: (بسم الله) ، كلامًا مكتفيًا بنفسه، كقول القائل عند ابتدائه في عمل يعمله: " بسم الله "، ثم يكون " المجرى " و " المرسى " منصوبين على ما نصبت العرب قولهم : " الحمد لله سِرارَك و إهلالك " ، يعنون الهلال أوّله وآخره، كأنهم قالوا: " الحمد لله أوّل الهلال وآخره "، ومسموع منهم أيضا: " الحمدُ لله ما إهلالك إلى سِرارِك ".

(26) * * * وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: ( بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ) ، بفتح الميم من " مجراها "، وضمها من " مرساها "، فجعلوا " مجراها " مصدرًا من " جري يجري مَجْرَى "، و " مرساها " من " أرسَى يُرْسي إرساء " .

(27) وإذا قرئ ذلك كذلك ، كانَ في إعرابهما من الوجهين ، نحو الذي فيهما إذا قرئا: (مُجراها ومُرساها)، بضم الميم فيهما ، على ما بيَّنتُ.

* * * وروي عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقرأ ذلك: (بِسْمِ اللهِ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا ) ، بضم الميم فيهما، ويصيرهما نعتًا لله.

وإذا قرئا كذلك، كان فيهما أيضًا وجهان من الإعراب، غير أن أحدهما الخفضُ، وهو الأغلب عليهما من وجهي الإعراب ، لأن معنى الكلام على هذه القراءة: بسم الله مُجْرى الفلك ومرسيها ، ف " المجرى " نعت لاسم الله.

وقد يحتمل أن يكون نصبًا، وهو الوجه الثاني، لأنه يحسن دخول الألف واللام في " المجري" و " المرسي"، كقولك: " بسم الله المجريها والمرسيها " ، وإذا حذفتا نصبتا على الحال، إذ كان فيهما معنى النكرة، وإن كانا مضافين إلى المعرفة.

* * * وقد ذكر عن بعض الكوفيين أنه قرأ ذلك: ( مَجْرَاهَا ومَرْسَاهَا) ، بفتح الميم فيهما جميعا، من " جرى " و " رسا " ، كأنه وجهه إلى أنه في حال جَرْيها وحال رُسُوّها، وجعل كلتا الصفتين للفلك ، كما قال عنترة: فَصَــبَرْتُ نَفْسًـا عِنْـدَ ذَلِـكَ حُـرَّةً تَرْسُــو إذَا نَفَسُ الجبَــانِ تَطَلّــعُ (28) * * * قال أبو جعفر: والقراءة التي نختارها في ذلك قراءة من قرأ: (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا) ، بفتح الميم (وَمُرْسَاهَا) ، بضم الميم، بمعنى: بسم الله حين تَجْري وحين تُرْسي.

وإنما اخترت الفتح في ميم " مجراها " لقرب ذلك من قوله: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ، ولم يقل: " تُجْرَى بهم " .

ومن قرأ: (بسم الله مُجْراها)، كان الصواب على قراءته أن يقرأ: " وهي تُجْرى بهم ".

وفي إجماعهم على قراءة تَجْرِي ، بفتح التاء دليل واضع على أن الوجه في (مجراها) فتح الميم.

وإنما اخترنا الضم في (مرساها) ، لإجماع الحجة من القراء على ضمّها.

ومعنى قوله (مجراها) ، مسيرها ، (ومرساها)، وقفها، من وقَفَها الله وأرساها.

* * * وكان مجاهد يقرأ ذلك بضم الميم في الحرفين جميعًا.

18182- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، 18183-.

.

..

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ( بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) ، قال: حين يركبون ويجرون ويرسون.

18184- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : بسم الله حين يركبون ويجرون ويرسون.

18185- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) ، قال: بسم الله حين يجرون وحين يرسون.

18186- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال ، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، في قوله: (اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) قال: إذا أراد أن ترسي قال: " بسم الله " فأرست، وإذا أراد أن تجري قال " بسم الله " فجرت.

* * * وقوله: (إن ربي لغفور رحيم) ، يقول: إن ربي لساتر ذنوب من تاب وأناب إليه ، رحيم بهم أن يعذبهم بعدَ التوبة.

(29) ------------------- الهوامش : (26) قال الفراء في معاني القرآن ، بعد ذلك : " يريدون : ما بين إهلالك إلى سرارك " .

(27) انظر تفسير " الإرساء " فيما سلف 13 : 293 .

(28) ديوانه : 89 من أبيات ، يقول قبله ، يذكر الغراب ، ويتشاءم به .

إنَّ الَّــذِينَ نَعَبْــتَ لِــي بِفِـرَاقِهِمْ قَـدْ أَسْـهَرُوا لَيْـلَ التِّمَـامِ وأوْجَـعُوا وَعَــرَفْتُ أنَّ مَنِيَّتِــي إنْ تَــأتِنِي لا يُنْجِــنِي مِنْهَـا الفِـرَارُ الأسْـرَعُ فَصَــبَرْتُ عَارِفَــةً لــذَلِكَ حُـرَّةً .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

و " نفس عارفة " ، حاملة الشدائد صبور ، إذا حملت على أمر احتملته ، من طول مكابدتها لأهوال هذه الحياة .

و" ترسو " ، تثبت .

و" تطلع " ، تنزو متلفتة إلى مهرب ، أو ناصر ، من الجزع والرعب .

(29) انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) ، ( رحم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال اركبوا فيها أمر بالركوب ; ويحتمل أن يكون من الله تعالى [ ص: 34 ] ويحتمل أن يكون من نوح لقومه .

والركوب العلو على ظهر الشيء .

ويقال : ركبه الدين .

وفي الكلام حذف ; أي اركبوا الماء في السفينة .

وقيل : المعنى اركبوها .

و " في " للتأكيد كقوله تعالى : إن كنتم للرؤيا تعبرون وفائدة " في " أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها .

قال عكرمة : ركب نوح - عليه السلام - في الفلك لعشر خلون من رجب ، واستوت على الجودي لعشر خلون من المحرم ; فذلك ستة أشهر ; وقاله قتادة وزاد وهو يوم عاشوراء ; فقال لمن كان معه : من كان صائما فليتم صومه ، ومن لم يكن صائما فليصمه .

وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( أن نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب ، وصام الشهر أجمع ، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء ، ففيه أرست على الجودي ، فصامه نوح ومن معه ) .

وذكر الطبري عن ابن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة ، ومرت بالبيت فطافت به سبعا ، وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق ، ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي فاستوت عليه .قوله تعالى : بسم الله مجراها ومرساها قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها ; فمجراها ومرساها في موضع رفع بالابتداء ; ويجوز أن تكون في موضع نصب ، ويكون التقدير : بسم الله وقت إجرائها ثم حذف وقت ، وأقيم مجراها مقامه .

وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي : " بسم الله مجريها " بفتح الميم و " مرساها " بضم الميم .

وروى يحيى بن عيسى عن الأعمش عن يحيى بن وثاب " بسم الله مجراها ومرساها " بفتح الميم فيهما ; على المصدر من جرت تجري جريا ومجرى ، ورست رسوا ومرسى إذا ثبتت .

وقرأ مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي : " بسم الله مجريها ومرسيها " نعت لله - عز وجل - في موضع جر .

ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ ; أي هو مجريها ومرسيها .

ويجوز النصب على الحال .

وقال الضحاك .

كان نوح - عليه السلام - إذا قال بسم الله مجراها جرت ، وإذا قال بسم الله مرساها رست .

وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبد الله بن كريز عن الحسين بن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون [ ص: 35 ] بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم .

وفي هذه الآية دليل ، على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل ; كما بيناه في البسملة ; والحمد لله .إن ربي لغفور رحيم أي لأهل السفينة .

وروي عن ابن عباس قال : ( لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح اغمز ذنب الفيل ، فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث ; فقال نوح : لو غمزت ذنب هذا الخنزير !

ففعل ، فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها ، وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا على حبال السفينة ; فأوحى الله إلى نوح أن امسح جبهة الأسد فمسحها ، فخرج منها سنوران فأكلا الفأرة .

ولما حمل الأسد في السفينة قال : يا رب من أين أطعمه ؟

قال : سوف أشغله ; فأخذته الحمى ; فهو الدهر محموم .

قال ابن عباس : ( وأول ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزة ، وآخر ما حمل حمل الحمار ) ; قال : وتعلق إبليس بذنبه ، ويداه قد دخلتا في السفينة ، ورجلاه خارجة بعد فجعل الحمار يضطرب ولا يستطيع أن يدخل ، فصاح به نوح : ادخل ويلك فجعل يضطرب ; فقال : ادخل ويلك !

وإن كان معك الشيطان ، كلمة زلت على لسانه ، فدخل ووثب الشيطان فدخل .

ثم إن نوحا رآه يغني في السفينة ، فقال له : يا لعين ما أدخلك بيتي ؟

!

قال : أنت أذنت لي ; فذكر له ; فقال له : قم فاخرج .

قال : ما لك بد في أن تحملني معك ، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك .

وكان مع نوح - عليه السلام - خرزتان مضيئتان ، واحدة مكان الشمس ، والأخرى مكان القمر .

ابن عباس : ( إحداهما بيضاء كبياض النهار ، والأخرى سوداء كسواد الليل ) ; فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة ; فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه ، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه ; على قدر الساعات .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالَ } نوح لمن أمره الله أن يحملهم: { ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } أي: تجري على اسم الله، وترسو على اسم الله، وتجري بتسخيره وأمره.

{ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } حيث غفر لنا ورحمنا، ونجانا من القوم الظالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال اركبوا فيها ) أي : وقال لهم نوح اركبوا فيها أي في السفينة ، ( بسم الله مجراها ومرساها ) قرأ حمزة والكسائي وحفص : " مجريها " بفتح الميم أي : جريها " ومرساها " بضمها ، وقرأ محمد بن محيصن " مجريها ومرساها بفتح الميمين من جرت ورست ، أي " بسم الله جريها ورسوها ، وهما مصدران .

وقرأ الآخرون : " مجراها ومرساها " بضم الميمين من أجريت وأرسيت ، أي : بسم الله إجراؤها وإرساؤها وهما أيضا مصدران ، كقوله : أنزلني منزلا مباركا " ( المؤمنون - 29 ) و " أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق " ( الإسراء 80 ) والمراد منها : الإنزال والإدخال والإخراج .

( إن ربي لغفور رحيم ) قال الضحاك : كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال : بسم الله ، فجرت ، وإذا أراد أن ترسو قال : بسم الله ، فرست .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال» نوح «اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها» بفتح الميمين وضمهما مصدران أي جريها ورسوها أي منتهى سيرها «إن ربي لغفور رحيم» حيث لم يهلكنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال نوح لمن آمن معه: اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جريها على وجه الماء، وباسم الله يكون منتهى سيرها ورُسوُّها.

إن ربي لَغفور ذنوب من تاب وأناب إليه من عباده، رحيم بهم أن يعذبهم بعد التوبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال : ( وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .ومجريها ومرساها ، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما ، وهما مصدران من جرى وأرسى .

والباء فى ( بِسْمِ الله ) للملابسة ، والآية الكريمة معطوفة على جملة ، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين .أى : قلنا له ذلك فامتثل أمرنا ، وقال لمن معه من المؤمين : سلموا أمركم لمشيئة الله - تعالى - وقولوا عند ركوب السفينة : باسم الله جريها فى هذا الطوفان العظيم ، وباسم الله إرساءها فى المكن الذى يريد الله - تعالى - إرساءها فيه .قال الشيخ الفاضل ابن عاشور : وعدى فعل ( اركبوا ) بفى ، جريا على الأسلوب الفصيح ، فإنه يقال : ركب الدابة إذا علاها .

وأما ركوب الفلك فيعدى بفى ، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز ، وإنما هو جلوس واستقرار ، فلا يقال : ركب السفينة؛ فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له ، وهى تفرقة حسنة .وجملة ( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر الله - تعالى - :أى : إن ربى لعظيم المغفرة ولعظيم الآية ما ملخصه : يقول الله - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه فى السفينة ( اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا .

.

)وقال - سبحانه - فى موضع آخر : ( فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين .

وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين ) ولهذا تستحب التسمية فى ابتداء الأمور : عند الركوب فى السفينة وعلى الدابة .فقد روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " أمان أمتى من الغرق إذا ركبوا فى السفن أن يقولوا : بسم الله الملك .

.

بسم الله مجريها ومرساهها ، إن ربى لغفور رحيم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله: ﴿ وَقَالَ ﴾ يعني نوح عليه السلام لقومه: ﴿ اركبوا ﴾ والركوب العلو على ظهر الشيء ومنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البحر وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه، يقال ركبه الدين قال الليث: وتسمي العرب من يركب السفينة راكب السفينة.

وأما الركبان والركب من ركبوا الدواب والإبل.

قال الواحدي: ولفظة (في) في قوله: ﴿ اركبوا فِيهَا ﴾ لا يجوز أن تكون من صلة الركوب، لأنه يقال ركبت السفينة ولا يقال ركبت في السفينة، بل الوجه أن يقال مفعول اركبوا محذوف والتقدير اركبوا الماء في السفينة، وأيضاً يجوز أن يكون فائدة هذه الزيادة، أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها فلو قال اركبوها: لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة.

أما قوله تعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجريها بفتح الميم والباقون بضم الميم واتفقوا في مرساها أنه بضم الميم، وقال صاحب الكشاف: قرأ مجاهد ﴿ مجريها ومرسيها ﴾ بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله تعالى.

قال الواحدي: المجرى مصدر كالإجراء، ومثله قوله: ﴿ مُنزَلاً مُّبَارَكاً  ﴾ و ﴿ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ  ﴾ وأما من قرأ ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم، فهو أيضاً مصدر، مثل الجري.

واحتج صاحب هذه القراءة بقوله: ﴿ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ  ﴾ ولو كان مجراها لكان وهي تجريهم، وحجة من ضم الميم أن جرت بهم وأجرتهم يتقاربان في المعنى، فإذا قال: ﴿ تَجْرِى بِهِمْ ﴾ فكأنه قال: تجريهم، وأما المرسي فهو أيضاً مصدر كالإرساء.

يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غيره، قال تعالى: ﴿ والجبال أرساها  ﴾ قال ابن عباس: يريد تجري بسم الله وقدرته، وترسو بسم الله وقدرته، وقيل: كان إذا أراد أن تجري بهم قال: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ فتجري، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله مرساها فترسو.

المسألة الثانية: ذكروا في عامل الإعراب في ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مجريها ﴾ وجوهاً: الأول: اركبوا بسم الله، والثاني: ابدؤا بسم الله، والثالث: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، وقيل: إنها سارت لأول يوم من رجب، وقيل: لعشر مضين من رجب، فصارت ستة أشهر، واستوت يوم العاشر من المحرم على الجودي.

المسألة الثالثة: في الآية احتمالان: الاحتمال الأول: أن يكون مجموع قوله: ﴿ وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ كلاماً واحداً، والتقدير: وقال اركبوا فيها بسم مجريها ومرساها، يعني ينبغي أن يكون الركوب مقروناً بهذا الذكر.

والاحتمال الثاني: أن يكونا كلامين، والتقدير: أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجريها ومرساها ليس إلا بسم الله وأمره وقدرته.

فالمعنى الأول: يشير إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور إلا ويكون في وقت الشروع فيه ذاكراً لاسم الله تعالى بالأذكار المقدسة حتى يكون ببركة ذلك الذكر سبباً لتمام ذلك المقصود.

والمعنى الثاني: يدل على أنه لما ركب السفينة أخبر القوم بأن السفينة ليست سبباً لحصول النجاة بل الواجب ربط الهمة وتعليق القلب بفضل الله تعالى، وأخبرهم أنه تعالى هو المجري والمرسي للسفينة، فإياكم أن تعولوا على السفينة، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل الله فإنه هو المجري والمرسي لها، فعلى التقدير الأول كان نوح عليه السلام وقت ركوب السفينة في مقام الذكر، وعلى التقدير الثاني كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوة وقطع النظر عن الأسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب.

واعلم أن الإنسان إذا تفكر في طلب معرفة الله تعالى بالدليل والحجة فكأنه جلس في سفينة التفكر والتدبر، وأمواج الظلمات والضلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت إلى مصاعد القلال، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والروية بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على الله تعالى وتضرعه إلى الله تعالى وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل.

يقول: بسم الله مجريها ومرساها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل النجاة وتتخلص عن أمواج الضلالات.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر؟

وجوابه: لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات، وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه، وأن يكون رحيماً لعقوبته غفوراً لذنوبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حتى ﴾ هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء.

فإن قلت: وقعت غاية لماذا؟

قلت: لقوله ويصنع الفلك، أي: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد، فإن قلت: فإذا اتصلت (حتى) بيصنع فما تصنع بما بينهما من الكلام؟

قلت: هو حال من يصنع، كأنه قال: يصنعها والحال أنه كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه.

فإن قلت: فما جواب كلما؟

قلت: أنت بين أمرين: إما أن تجعل ﴿ سخروا ﴾ جواباً و ﴿ قال ﴾ استئنافاً، على تقدير سؤال سائل، أو تجعل ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مرّ ﴾ أو صفة ﴿ لملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواباً.

﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ عطف على اثنين، وكذلك ﴿ وَمَنْ ءامَنَ ﴾ يعني: واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم.

واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار، وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته به- تعالى الله عن ذلك- قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كانوا ثمانية: نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم» وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجال وخمس نسوة.

وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث، ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون: نصفهم رجال ونصفهم نساء.

ويجوز أن يكون كلاماً واحداً وكلامين؛ فالكلام الواحد: أن يتصل ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ ب (اركبوا) حالا من الواو، بمعنى: اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن المجرى والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء، حذف منهما الوقت المضاف، كقولهم خفوق النجم، ومقدم الحاج.

ويجوز أن يراد مكاناً الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول.

والكلامان: أن يكون ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ جملة من مبتدأ وخبر مقتضبه، أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله فرست، ويجوز أن يقحم الاسم، كقوله: ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَلَيْكُمَا ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي بقدرته وأمره.

وقرئ: ﴿ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ بفتح الميم، من جرى ورسى، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين.

وقرأ مجاهد ﴿ مجريها ومرسيها ﴾ بلفظ اسم الفاعل، مجروري المحل، صفتين لله.

فإن قلت: ما معنى قولك: جملة مقتضبة؟

قلت: معناه أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

ويحتمل أن تكون غير مقتضيه بأن تكون في موضع الحال كقوله: وَجَاؤُنَا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَيَنا فلا تكون كلاماً برأسه، ولكن فضلة من فضلات الكلام الأوّل، وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراة ومرساة بسم الله بمعنى التقدير، كقوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] .

﴿ إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ ارْكَبُوا فِيها ﴾ أيْ صِيرُوا فِيها وجَعَلَ ذَلِكَ رُكُوبًا لِأنَّها في الماءِ كالمَرْكُوبِ في الأرْضِ.

﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها ﴾ مُتَّصِلٌ بِـ ﴿ ارْكَبُوا ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيِ ارْكَبُوا فِيها مُسَمِّينَ اللَّهَ أوْ قائِلِينَ بِاسْمِ اللَّهِ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها، أوْ مَكانَهُما عَلى أنَّ المَجْرى والمَرْسى لِلْوَقْتِ أوِ المَكانِ أوِ المَصْدَرِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِمْ: آتِيكَ خُفُوقَ النَّجْمِ، وانْتِصابُهُما بِما قَدَّرْناهُ حالًا ويَجُوزُ رَفْعُهُما بِـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِما المَصْدَرُ أوْ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، أيْ إجْراؤُها بِسْمِ اللَّهِ عَلى أنَّ بِسْمِ اللَّهِ خَبَرٌ أوْ صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ وهي إمّا جُمْلَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الواوِ أوِ الهاءِ.

وَرُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ قالَ بِسْمِ اللَّهِ فَجَرَتْ، وإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ قالَ بِسْمِ اللَّهِ فَرَسَتْ.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كَقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ بِرِوايَةِ حَفْصٍ ﴿ مَجْراها ﴾ بِالفَتْحِ مَن جَرى وقُرِئَ « مَرْساها» أيْضًا مِن رَسا وكِلاهُما يَحْتَمِلُ الثَّلاثَةَ و « مُجْرِيها ومُرْسِيها» بِلَفْظِ الفاعِلِ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ.

﴿ إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ لَوْلا مَغْفِرَتُهُ لِفُرُطاتِكم ورَحْمَتُهُ إيّاكم لَما نَجّاكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)

{وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} بسم الله متصل باركوا حالاً من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها إما لأن المجرى والمرسى للوقت وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف كقولهم خفوق النجم ويجوز أن يكون بسم الله مجراها ومرساها جملة برأسها غير متعلقة بما قبلها وهي مبتدأ وخبر يعني أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن

هود (٤١ _ ٤٤)

مجراها ومرساها بذكر اسم الله أى بسم الله إجراؤها وإرساؤها وكان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت وإذا أراد أن ترسوا قال بسم الله فرست مجريها بفتح الميم وكسر الراء من جرى

إما مصدر أو وقت حمزة وعلى وحفص وبضم الميم وكسر الراء أبو عمرو والباقون بضم الميم وفتح الراء {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ} لمن آمن منهم {رَّحِيمٌ} حيث خلصهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ ارْكَبُوا فِيها ﴾ أيْ صِيرُوا فِيها، وجَعَلَ ذَلِكَ رُكُوبًا لِأنَّها في الماءِ كالمَرْكُوبِ في الأرْضِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِن حَيْثُ تَشْبِيهِ الصَّيْرُورَةِ فِيها بِالرُّكُوبِ، وقِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ والتَّعْدِيَةُ بِفي لِاعْتِبارِ الصَّيْرُورَةِ، وإلّا فالفِعْلُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ القاضِي البَيْضاوِيُّ، وقِيلَ: التَّعْدِيَةُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ضَمِنَ مَعْنى ادْخُلُوا، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ ارْكَبُوا الماءَ فِيها، وقِيلَ: في زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وكَأنَّ الأوَّلَ أوْلى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الرُّكُوبُ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ مُتَحَرِّكٍ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، واسْتِعْمالُهُ بِفي لَيْسَ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ كَوْنُهم في جَوْفِها لا فَوْقَها كَما ظَنَّ، فَإنَّ أظْهَرَ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَكِبَ هو ومَن مَعَهُ في الأعْلى بَلْ لِرِعايَةِ جانِبِ المَحَلِّيَّةِ والمَكانِيَّةِ في الفُلْكِ.

والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَعْنى الرُّكُوبِ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ لَهُ حَرَكَةٌ إمّا إرادِيَّةٌ كالحَيَوانِ أوْ قَسْرِيَّةٌ كالسَّفِينَةِ والعَجَلَةِ ونَحْوِهِما، فَإذا اسْتُعْمِلَ في الأوَّلِ تَوَفَّرَ لَهُ حَظُّ الأصْلِ فَيُقالُ: رَكِبْتُ الفَرَسَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها ﴾ وإنِ اسْتُعْمِلَ في الثّانِي يَلُوحُ بِمَحَلِّيَّةِ المَفْعُولِ بِكَلِمَةِ في فَيُقالُ: رَكِبْتُ في السَّفِينَةِ وعَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ ﴾ و ﴿ حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها ﴾ انْتَهى، وظاهِرُهُ أنَّ الرُّكُوبَ هَهُنا حَقِيقِيٌّ وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّهُ لَيْسَ بِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: الرُّكُوبُ في الأصْلِ كَوْنُ الإنْسانِ عَلى ظَهْرِ حَيَوانٍ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في السَّفِينَةِ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما صَرَّحَ بِهِ البَعْضُ (بِسْمِ اللَّهِ) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ ارْكَبُوا ﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ ولِما كانَتْ مُلابَسَةُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ بِذِكْرِهِ قالُوا: المَعْنى ارْكَبُوا مُسَمِّينَ اللَّهَ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الحالُ مَحْذُوفَةً وهَذا مَعْمُولٌ لَها سادٌّ مَسَدَّها ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ حالًا، والأصْلُ ارْكَبُوا قائِلِينَ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها عَلى أنَّهُما اسْما زَمانٍ أوْ مَصْدَرانِ مِيمِيّانِ بِمَعْنى الإجْراءِ والإرْساءِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو وقْتُ كَما في قَوْلِكَ: أتَيْتُكَ خُفُوقَ النَّجْمِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ وقْتَ خُفُوقِهِ إلّا أنَّهُ لَمّا حُذِفَ المُضافُ سَدَّ المُضافُ إلَيْهِ مَسَدَّهُ وانْتَصَبَ انْتِصابَهُ وهو كَثِيرٌ في المَصادِرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسَمَيْ مَكانٍ وانْتِصابُهُما بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ أوْ بِقائِلِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ -بِارْكَبُوا- إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى ﴿ ارْكَبُوا ﴾ في وقْتِ الإجْراءِ والإرْساءِ، أوْ في مَكانِهِما، وإنَّما المَعْنى مُتَبَرِّكِينَ أوْ قائِلِينَ فِيهِما، وتَعَقَّبَ القَوْلُ بِانْتِصابِهِما مُطْلَقًا بِأنَّهُما مَحْدُودانِ ومَحْدُودُ المَكانِ لا بُدَّ لَهُ مِن في وبَعْضُهم يُجَوِّزُ النَّصْبَ في مِثْلِ ذَلِكَ بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، وجَوَّزَ رَفْعَهُما فاعِلَيْنِ بِالظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى ذِي الحالِ أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ وبِسْمِ اللَّهِ خَبَرٌ أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُتَحَقِّقانِ ونَحْوُهُ وهو صِلَةٌ لَهُما، والجُمْلَةُ إمّا مُقْتَضِيَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها لِاخْتِلافِهِما خَبَرًا وطَلَبًا عَلى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ إجْراءَها وإرْساءَها بِسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِأنَّ إجْراءَها وإرْساءَها بِاسْمِهِ تَعالى مُتَحَقِّقانِ لا يَشُكُّ فِيهِما، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى الرُّكُوبِ وإزالَةٌ لِما عَسى يَخْتَلِجُ في قُلُوبِهِمْ مِن خَوْفِ الغَرَقِ ونَحْوِهِ، ويُرْوى عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُجْرِيَها يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فَتَجْرِي وإذا أرادَ أنْ يُرْسِيَها قالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَتَرْسُو، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفُلْكِ أيِ ارْكَبُوا فِيها مُجْراةً ومُرْساةً بِاسْمِ اللَّهِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ إذْ لا إجْراءَ ولا إرْساءَ وقْتَ الرُّكُوبِ كَذا قِيلَ، وتَعَقَّبَهُ في التَّقْرِيبِ بِأنَّ الحالَ إنَّما تَكُونُ مُقَدَّرَةً إذا كانَتْ مُفْرَدَةً كَمُجْراةٍ، أمّا إذا كانَتْ جُمْلَةً فَلا لِأنَّ مَعْنى ارْكَبُوا وإجْراؤُها (بِسْمِ اللَّهِ) وهَذا واقِعُ حالِ الرُّكُوبِ انْتَهى، وأجابَ عَنْهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (ادْخُلُوها خالِدِينَ) وقَوْلِ القائِلِ: ادْخُلُوها وأنْتُمْ مُخَلَّدُونَ في عَدَمِ المُقارَنَةِ والرُّجُوعِ إلى الحالِ المُقَدَّرَةِ، فَكَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، واعْتُرِضَ عَلى المُجِيبِ بِأنَّ مُرادَ ذَلِكَ القائِلِ إجْراؤُها مَجْرى المُفْرَدِ عَلى نَحْوِ كَلَّمْتُهُ فُوهُ إلى في بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ في المُسْتَشْهَدِ بِهِ أيْضًا، وإنَّما ذَلِكَ في قَوْلِ القائِلِ كَلَّمْتُهُ فاهٍ إلى في انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ مُرادُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحالِ إذا كانَتْ مُفْرَدَةً وإذا كانَتْ جُمْلَةً أنَّ الثّانِيَةَ تَقْتَضِي التَّحَقُّقَ في نَفْسِها والتَّلَبُّسَ بِها، ورُبَّما أشْعَرَتْ بِوُقُوعِها قَبْلَ العامِلِ واسْتِمْرارِها مَعَهُ كَما إذا قُلْتَ: جاءَنِي وهو راكِبٌ فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَلَبُّسَهُ بِالرُّكُوبِ واسْتِمْرارُهُ عَلَيْهِ، وهَذا يُنافِي كَوْنَها مُنْتَظَرَةً ولا أقَلَّ مِن أنْ لا يَحْسُنَ الحَمْلُ عَلَيْهِ حَيْثُ تَيَسَّرَ الإفْرادُ فافْهَمْ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً أيْضًا مِن فاعِلِ ارْكَبُوا، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا عائِدَ عَلى ذِي الحالِ، وضَمِيرُ بِسْمِ اللَّهِ لِلْمُبْتَدَأِ وتَقْدِيرُهُ أيْ فَإجْراؤُها مَعَكم أوْ بِكم كائِنٌ بِسْمِ اللَّهِ تَكَلُّفٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الرَّضِيَّ قَدْ ذَكَرَ أنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً قَدْ تَخْلُو مِنَ الرّابِطَيْنِ عِنْدَ ظُهُورِ المُلابَسَةِ نَحْوَ خَرَجْتُ زَيْدٌ عَلى البابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِضَعْفِ ما ذُكِرَ في العَرَبِيَّةِ فَلا يَنْبَغِي التَّخْرِيجُ عَلَيْهِ نَعَمْ كَوْنُ الِاسْمِيَّةِ لا بُدَّ فِيها مِنَ الواوِ، والقَوْلُ بِأنَّ الحالَ المُقَدَّرَةَ لا تَكُونُ جُمْلَةً مُطْلَقًا كُلٌّ مِنهُما في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ: فَقُوما وقُولا بِالَّذِي قَدْ عَرَفْتُما ولا تَخْمُشا وجْهًا ولا تَحْلِقا الشَّعَرَ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ ويُرادُ بِاللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها أيْ بِقُدْرَتِهِ أوْ بِأمْرِهِ أوْ بِإذْنِهِ، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ أوْ يُرادُ مَعْنًى، وخَصَّ بَعْضُهم هَذا الجَوازَ بِما إذا لَمْ يُقَدَّرْ مُسَمِّينَ أوْ قائِلِينَ إذْ لا يَظْهَرُ المَعْنى حِينَئِذٍ، ويَجْرِي عَلى تَقْدِيرِي الكَلامُ الواحِدُ والكَلامَيْنِ، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ الزَّمانِ والمَكانِ في رَأيٍ، ويُعْتَبَرُ الإسْنادُ مَجازِيًّا مِن قَبِيلِ: نَهارَهُ صائِمٌ وطَرِيقٌ بَرٌّ.

وقَرَأ -مَجْراها ومَرْساها- بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرَيْنِ أوْ زَمانَيْنِ أوْ مَكانَيْنِ عَلى أنَّهُما مِن جَرى ورَسا الثُّلاثِيَّيْنِ وقَرَأ مُجاهِدٌ -مُجْرِيها ومُرْسِيها- بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ إضافَةَ اسْمِ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ لَفْظِيَّةً فَهو نَكِرَةٌ لا يَصِحُّ تَوْصِيفُ المَعْرِفَةِ بِهِ فالحَقُّ البَدَلِيَّةُ، والقَوْلُ بِأنَّ مُرادَ المُعْرِبِ الصِّفَةُ المَعْنَوِيَّةُ لا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ فَلا يُنافِي البَدَلِيَّةَ بَعِيدٌ لَكِنْ عَنِ الخَلِيلِ إنَّ ما كانَتْ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ قَدْ يَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً فَتُعَرَّفُ إلّا ما كانَ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَلا تَتَمَحَّضُ إضافَتُها فَلا تُعَرَّفُ، والرُّسُوُّ الثُّبُوتُ والِاسْتِقْرارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَصَبَّرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطْلُعُ ﴿ إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ المُوجِبِ أيْ لَوْلا مَغْفِرَتُهُ لِفُرْطانِكم ورَحْمَتُهُ إيّاكم لَما أنْجاكم مِن هَذِهِ الطّامَّةِ إيمانُكُمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ نَجاتَهم لَمْ تَكُنْ عَنِ اسْتِحْقاقٍ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بَلْ بِمَحْضِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وغُفْرانِهِ عَلى ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ، ومَنعُ صَلاحِيَةِ كَوْنِها عِلَّةً لِارْكَبُوا لِعَدَمِ المُناسَبَةِ فَيُقَدَّرُ ما يَصِحُّ بِهِ الكَلامُ بِأنْ يُقالَ: امْتَثِلُوا هَذا الحُكْمَ لِيُنْجِيَكم مِنَ الهَلاكِ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، أوْ يُقالُ: ﴿ ارْكَبُوا فِيها ﴾ ذاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى ولا تَخافُوا الغَرَقَ لِما عَسى فَرَطَ مِنكم مِنَ التَّقْصِيرِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ غَفُورٌ لِلْخَطايا والذُّنُوبِ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، وجَعَلَها بَعْضُهم تَعْلِيلًا بِالنَّظَرِ إلى ما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى النَّجاةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ارْكَبُوا لِيُنْجِيَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها يعني: ادخلوا في السفينة.

ويقال: الجؤوا فيها من الغرق بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها يعني: إذا ركبتموها فقولوا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها.

قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها بنصب الميم، وهكذا قرأ ابن مسعود، والأعمش.

وقرأ الباقون: بضم الميم.

واتفقوا في مُرْساها، أنها بضم الميم، إلا أن حمزة، والكسائي قرءا بالإمالة.

فأما من قرأها بضم الميم، فيكون بمعنى المصدر، ومعناه: يعني إجراؤها وإرساؤها بأمر الله تعالى، وهذا قول الفراء.

ويقال: معناه بسم الله من حيث تجري وتحبس.

ومن قرأ بالنصب فمعناه: بسم الله جريها وحبسها يعني: بأمر الله تعالى.

إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ بالمؤمنين.

قوله تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ يعني: السفينة تجري بهم في أمواج كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان، وقرأ بعضهم: ونادى ابنها، يعني: ابن امرأته ولم يكن ابنه حقيقة، وقرأ بعضهم: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ بضم الألف، وهي بلغة طيئ.

ويقال: إنه لم يكن ابنه، ولكن كان ابن امرأته.

وقراءة العامة: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ قالوا: وَكانَ ابن نوح فِي مَعْزِلٍ يعني: في ناحية من السفينة، ويقال: من الجبل، يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا يعني: أسلم، واركب في السفينة معنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ يعني: لا تثبت على الكفر، وتتخلف مع الكافرين.

قرأ عاصم: يا بُنَيَّ ارْكَبْ بنصب الياء قرأ الباقون يا بُنَيَّ ارْكَبْ بالكسر.

وقال أبو عبيدة: القراءة عندنا بالكسر، للإضافة إلى نفسه، كما اتفقوا في قوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ [يوسف: 5] وفي لقمان: يا بُنَيَّ إِنَّها [لقمان: 16] وإنما فرق عاصم فيهما لمكان يرى الألف الحقيقية التي في قوله: ارْكَبْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والعذاب المخزي: هو الغرق، والمقيم: هو عذاب الآخرة، و «الأمر» : وَاحدُ الأمور، ويحتملُ أنْ يكون مصدر «أمَرَ» ، فمعناه: أَمْرُنَا للمَاءِ بالفَوَرَانِ، وَفارَ معناه: انبعث بقُوَّة، واختلف النَّاس في التَّنُّور، والذي عليه الأكثَرُ، منهم ابنُ عباس وغيره: أنه هو تَنُّور الخُبْز الذي يُوقَدُ فيه «١» ، وقالوا: كانَتْ هذه أمارَةً، جعلها اللَّه لنُوحٍ، أي: إِذا فار التنُّور، فاركب في السفينة.

وقوله سبحانه: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ...

الآية، الزَّوْج: يقال في مشهورِ كلامِ العرب: للواحد مما له ازدواجٌ، فيقال: هذا زَوْجُ/ هذا، وهما زَوْجَان، والزوج أيضاً في كلام العرب: النَّوْع، وقوله:

وَأَهْلَكَ: عطْفٌ علَى ما عَمِلَ فيه احْمِلْ والأهل، هنا: القرابةُ، وبشَرْط مَنْ آمن منهم، خُصِّصُوا تشريفاً، ثم ذكر مَنْ آمَنَ، وليس من الأهْل، واختلف في الذي سبق عليه القوْلُ بالعَذَابِ، فقيل: ابنُهُ يَام، أوْ كنعان، وقيل: امرأته وَالِعَةُ- بالعين المهملة-، وقيل: هو عمومٌ فيمن لم يؤمن مِنْ أهْل نوحٍ، ثم قال سبحانه إِخباراً عن حالهم: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.

وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)

وقوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها: أي: وقال نوحٌ لمن معه: اركبوا فيها، وقوله:

بِسْمِ اللَّهِ يصحُّ أنْ يكون في موضع الحال في ضمير ارْكَبُوا، أي: اركبوا متبرِّكين باسم اللَّه، أو قائلين: باسم اللَّه، ويجوزُ أن يكون: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها جملةً ثانيةً من مبتدإٍ وخبرٍ، لا تعلُّق لها بالأولَى كأنه أمرهم أولاً بالركوب، ثم أخبر أن مجراها ومرساها باسم اللَّه.

قال الضَّحَّاك: كان نوحٌ إِذا أراد جَرْيَ السفينة، جَرَتْ، وإِذا أَراد وقوفَها، قال: باسم اللَّه، فتقف «٢» ، وقرأ الجمهور «٣» بضم الميم من «مجراها ومرساها»

على معنى إِجرائها وإِرسائها، وقر الأَخَوَان حَمْزَةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ بفتح ميمٌ «مَجْريهَا» وكسر الراء، وكلُّهم ضمَّ الميم في «مُرْسَاهَا» .

ت: قوله: «وكسر الراء» : يريد إِمالتها، وفي كلامِهِ تسامُحٌ، ولفظُ البخاريِّ:

مُجْرَاها: مَسِيرُها، ومُرْسَاها: مَوْقِفُها، وهو مصدرُ: أُجْرَيْتُ وأَرْسَيْتُ.

انتهى.

قال النوويُّ: ورُوِّيَنا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» بسنده، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَمَانٌ لأُمَّتي مِنَ الغَرَقِ، إِذَا رَكِبُوا أَنْ يَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...

الآية [الأنعام: ٩١] » «١» ، هكذا هو في النُّسَخ: «إِذَا رَكِبُوا» ، ولم يقلْ: «في السفينة» انتهى.

وقوله: وَكانَ فِي مَعْزِلٍ أي: في ناحيةٍ، أي: في بُعْدٍ عن السفينة، أوْ عن الدِّين، واللفظ يعمُّهما.

وقوله: وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ: يحتمل أنْ يكون نهياً محضاً مع علمه بأَنَّه كافرٌ، ويحتمل أنْ يكون خَفِيَ عليه كُفْره والأول أبْيَنُ.

وقوله: لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ: الظاهر أنّ لا عاصِمَ اسم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي نُوحًا لِلَّذِينِ أُمِرَ بِحَمْلِهِمْ ﴿ ارْكَبُوا ﴾ السَّفِينَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَكِبُوا فِيها لِعَشَرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ، وخَرَجُوا مِنها يَوْمَ عاشُوراءَ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: رُفِعَتْ مِن عَيْنِ ورْدَةَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لِعَشَرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ، فَأتَتْ مَوْضِعَ البَيْتِ فَطافَتْ بِهِ أُسْبُوعًا، وكانَ البَيْتُ قَدْ رُفِعَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَسَتْ بِباقِرْدى عَلى الجُودِيِّ يَوْمَ عاشُوراءَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرَضَ الفَأْرُ حِبالَ السَّفِينَةِ، فَشَكا نُوحٌ ذَلِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَمَسَحَ ذَنَبَ الأسَدِ، فَخَرَجَ سِنَّوْرانِ وكانَ في السَّفِينَةِ عَذِرَةٌ، فَشَكا ذَلِكَ إلى رَبِّهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَمَسَحَ ذَنَبَ الفِيلِ، فَخَرَجَ خِنْزِيرانِ فَأكَلا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُوبَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُجْراها " بِضَمِّ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَجْرِاها " بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ.

وكُلُّهم قَرَؤُوا بِضَمِّ المِيمِ مِن " مُرْساها " إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وأبا عَمْرٍو، وابْنَ عامِرٍ، وحَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، كانُوا يَفْتَحُونَ السِّينَ.

ونافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، كانا يَقْرَآنِها بَيْنَ الكَسْرِ والتَّفْخِيمِ.

وكانَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، يُمِيلُونَها.

ولَيْسَ في هَؤُلاءِ أحَدٌ جَعَلَها نَعْتًا لِلَّهِ، وإنَّما جَعَلَ الوَصْفَيْنِ نَعْتًا لِلَّهِ تَعالى، الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وإسْماعِيلُ بْنُ مَجالِدٍ عَنْ عاصِمٍ، فَقَرَؤُوا " مُجْرِيها ومُرْسِيها " بِضَمِّ المِيمِ وبِياءَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ، مِثْلُ مُبْدِيها ومُنْشِيها.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " مَجْراها " بِفَتْحِ المِيمِ، وإمالَةِ الرّاءِ بَعْدَها ألِفٌ، " ومُرْساها " بِرَفْعِ المِيمِ، وإمالَةِ السِّينِ بَعْدَها ألِفٌ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " مَجْراها " بِفَتْحِ المِيمِ والرّاءِ، وبِألِفٍ بَعْدَها، ومُرْساها، بِرَفْعِ المِيمِ وفَتْحِ السِّينِ، وبِألِفٍ بَعْدَها.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمَرَ: " مَجْراها ومَرْساها " بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما جَمِيعًا، وفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ، وبِألِفٍ بَعْدَهُما.

وَقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، إلّا أنَّهُ أمالَ الرّاءَ والسِّينَ فِيهِما.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، بِرَفْعِ المِيمِ فِيهِما، وفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ، وبِألِفٍ بَعْدَهُما جَمِيعًا.

فَمَن قَرَأ بِضَمِّ المِيمَيْنِ، جَعَلَهُ مِن أجْرى وأرْسى.

ومَن فَتَحَهُما، جَعَلَهُ مَصْدَرًا مَن جَرى الشَّيْءُ يَجْرِي مَجْرًى، ورَسى يَرْسِي مَرْسًى.

قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ " بِسْمِ اللَّهِ " أيْ: بِاللَّهِ، والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَهم أنْ يُسَمُّوا في وقْتِ جَرْيِها ووَقْتِ اسْتِقْرارِها.

وَمَن قَرَأ بِضَمِّ المِيمَيْنِ، فالمَعْنى: بِاللَّهِ إجْراؤُها، وبِاللَّهِ إرْساؤُها.

ومَن فَتَحَهُما، فالمَعْنى: بِاللَّهِ يَكُونُ جَرْيُها، وبِاللَّهِ يَقَعُ إرْساؤُها، أيْ: إقْرارُها.

وسَمِعْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ اللُّغَوِيَّ يَقُولُ: مَن ضَمَّ المِيمَ في " مَجْراها " أرادَ: أجْراها اللَّهُ مُجْرًى، ومَن فَتَحَها، أرادَ: جَرَتْ مَجْرًى.

وقالَ الضَّحّاكُ: كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَجَرَتْ.

وإذا أرادَ أنْ تَرْسِيَ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَرَسَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ ﴾ المَعْنى وقالَ نُوحٌ -حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ في السَفِينَةِ- لِمَن آمَنَ مَعَهُ: ﴿ ارْكَبُوا فِيها ﴾ فَأنَّثَ الضَمِيرَ، إذْ هي سَفِينَةٌ لِأنَّ الفُلْكَ المَذْكُورَ مُذَكَّرٌ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "عَلى اسْمِ اللهِ".

وقَوْلُهُ: بِسْمِ اللهِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ارْكَبُوا كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ وبِسِلاحِهِ، أيِ ارْكَبُوا مُتَبَرِّكِينَ بِاللهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ مَجْراها ومُرْساها ﴾ ظَرْفَيْنِ، أيْ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها.

كَما تَقُولُ العَرَبُ: "الحَمْدُ لِلَّهِ سِرارَكَ وإهْلالَكَ وخُفُوقَ النَجْمِ ومَقْدَمَ الحاجِّ"، فَهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ زَمانٍ، والعامِلُ في هَذا الظَرْفِ ما في "بِسْمِ اللهِ" مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ خَبَرٍ و"مَجْراها ومُرْساها" ابْتِداءٌ مَصْدَرانِ كَأنَّهُ قالَ: "ارْكَبُوا فِيها فَإنَّ بِبَرَكَةِ اللهِ إجْراءَها وإرْساءَها"، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "فِيها"، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "ارْكَبُوا" لِأنَّهُ لا عائِدَ في الجُمْلَةِ يَعُودُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ الضَحّاكُ: إنَّ نُوحًا كانَ إذا أرادَ جَرْيَ السَفِينَةِ قالَ: بِسْمِ اللهِ، فَتَجْرِي وإذا أرادَ وُقُوفَها قالَ: بِسْمِ اللهِ فَتَقِفُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "مُجْراها ومُرْساها" بِضَمِّ المِيمَيْنِ عَلى مَعْنى: إجْرائِها وإرْسائِها، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٌ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وجُمْهُورِ الناسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ: وعَمَرْتُ حَرْسًا قَبَلَ مُجْرى داحِسٍ ∗∗∗ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَجُوجِ خُلُودُ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مَجْرِيها" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ، وكُلُّهم ضَمَّ المِيمَ مِن "مُرْساها"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "مَجْراها ومَرْساها" بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، وذَلِكَ مِنَ الجَرْيِ والرَسْوِ، وهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ مَكانٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ: فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ واخْتارَ الطَبَرِيُّ قِراءَةَ "مَجْراها ومُرْساها" بِفَتْحِ المِيمِ الأولى وضَمِّ الثانِيَةِ، ورَجَّحَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي ﴾ ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ، "تَجْرِي" وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، رَواها عنهُ أبُو وائِلٍ، ومَسْرُوقٍ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، والنَخْعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، والكَلْبِيُّ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، وأهْلُ الشامِ: "مُجْرِيها ومُرْسِيها" وهُما -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى عائِدَتانِ عَلى ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: بِسْمِ اللهِ.

وَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى قَدْرِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ ورَحْمَتِهِ لَهم وسِتْرِهِ عَلَيْهِمْ وغُفْرانِهِ ذُنُوبَهم بِتَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ السَماءَ أمْطَرَتْ بِأجْمَعِها حَتّى لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ جانِبٌ لا مَطَرَ فِيهِ، وتَفَجَّرَتِ الأرْضُ كُلُّها بِالنَبْعِ، فَهَكَذا كانَ التِقاءُ الماءِ، ورُوِيَ أنَّ الماءَ عَلا عَلى الجِبالِ وأعْلى الأرْضَ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشْرَةَ ذِراعًا، وأشارَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الماءَ انْطَبَقَ، ماءُ الأرْضِ وماءُ السَماءِ فَصارَ الكُلُّ كالبَحْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وأيْنَ كانَ المَوْجُ كالجِبالِ عَلى هَذا؟

وكَيْفَ اسْتَقامَتْ حَياةُ مَن في السَفِينَةِ عَلى هَذا؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ابْنَهُ" عَلى إضافَةِ الِابْنِ إلى نُوحٍ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: هو ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ ابْنُ قَرِيبٍ لَهُ، ودَعاهُ بِالبُنُوَّةِ حَنانًا مِنهُ وتَلَطُّفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "ابْنَهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهَذا عَلى لُغَةٍ لِأزْدِ السَراةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..........................

∗∗∗ ∗∗∗ مِطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وقَرَأ السُدِّيُّ "ابْناهُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى النِداءِ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ النُدْبَةِ مَحْكِيَّةً، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ابْنَها"، وتَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى أنَّهُ دَعا ابْنَ امْرَأتِهِ الكافِرَةِ إذْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: "وَأهْلَكَ"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَدْخُلُ تَأْوِيلُ مَن قالَ: "كانَتْ خائِنَةً" فِيهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذا بَعْدُ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "ابْنَهَ" عَلى تَقْدِيرِ "ابْنَها"، فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا وهي لُغَةٌ ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ: أمّا تَقُودُ بِهِ شاةً فَتَأْكُلُها ∗∗∗ ∗∗∗ أو أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ عَلى هَذا: فَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ بِلَهَفَ ولا بَلِيَتْ ولا لَوّانِي يُرِيدُ: بِلَهَفا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخَطَّأ النَحّاسُ أبا حاتِمٍ في حَذْفِ هَذِهِ الألِفِ ولَيْسَ كَما قالَ.

وقَرَأ وكِيعُ بْنُ الجَرّاحِ: "وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ" بِضَمِّ التَنْوِينِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي لُغَةُ سُوءٍ لا تُعْرَفُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ في مَعْزِلٍ ﴾ أيْ: في ناحِيَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ: في مَعْزِلٍ في الدِينِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ في مَعْزِلٍ في بُعْدِهِ عَنِ السَفِينَةِ، واللَفْظُ يَعُمُّهُما، وقالَ مَكِّيٌّ في المُشْكِلِ: ومَن قالَ: "مَعْزِلٍ" - بِكَسْرِ الزايِ- أرادَ المَوْضِعَ، ومَن قالَ: "مَعْزَلٍ" - بِفَتْحِها- أرادَ المَصْدَرَ: فَلَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّها قِراءَةٌ ولَكِنْ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَفْظُهُ.

وَقَرَأ السَبْعَةُ "يا بُنَيِّ" بِكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وهي ثَلاثُ ياءاتٍ: أُولاها ياءُ التَصْغِيرِ، وحَقُّها السُكُونُ والثانِيَةُ لامُ الفِعْلِ، وحَقُّها أنْ تُكْسَرَ بِحَسَبِ ياءِ الإضافَةِ إذْ ما قَبْلَ ياءِ الإضافَةِ مَكْسُورٌ: والثالِثَةُ: ياءُ الإضافَةِ فَحُذِفَتْ ياءُ الإضافَةِ إمّا لِسُكُونِها وسُكُونِ الراءِ، وإمّا إذْ هي بِمَثابَةِ التَنْوِينِ في الأعْلامِ وهو يُحْذَفُ في النِداءِ فَكَذَلِكَ ياءُ الإضافَةِ والحَذْفُ فِيها كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، تَقُولُ: يا غُلامِ، ويا عَبِيدِ، وتَبْقى الكِسْرَةُ دالَّةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الياءُ الساكِنَةُ في الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَدْ رَوى أبُو بَكْرٍ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ أيْضًا "يا بُنِّيَّ" بِفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ: أنَّ المُفَضَّلَ رَواها عن عاصِمٍ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُبْدِلَ مِن ياءِ الإضافَةِ ألِفًا وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ تَقُولُ: يا غُلاما، ويا عَيْنا، فانْفَتَحَتِ الياءُ قَبْلَ الألِفِ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ اسْتِخْفافًا ولِسُكُونِها وسُكُونِ الراءِ مِن قَوْلِهِ: ارْكَبْ.

والثانِي: أنَّ الياءاتِ لَمّا اجْتَمَعَتِ اسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ المُماثَلَةِ فَخُفِّفَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالُ بِالفَتْحِ إذْ هو أخَفُّ الحَرَكاتِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وعَلى هَذا حُمِلَ قَوْلُهُ  : « "وَحِوارِيَّ الزُبَيْرُ» ".

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ في سُورَةِ لُقْمانَ: "يا بُنَيْ لا تُشْرِكْ بِاللهِ" بِحَذْفِ ياءِ الإضافَةِ ويُسَكِّنُ الياءَ خَفِيفَةً، وقَرَأ الثانِيَةَ: "يا بُنَيَّ إنَّها" كَقِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ الثالِثَةَ: "يا بُنَيْ أقِمِ" ساكِنَةً كالأُولى.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا مَحْضًا مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ كافِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ كُفْرُهُ فَناداهُ ألّا يَبْقى- وهو مُؤْمِنٌ- مَعَ الكَفَرَةِ فَيَهْلَكَ بِهَلاكِهِمْ، والأوَّلُ أبْيَنُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ قلنا احمل فيها ﴾ [هود: 40] أي قلنا له ذلك.

وقال نوح عليه السّلام لمن أمر بحمله ﴿ اركبوا ﴾ .

وضمير ﴿ فيها ﴾ لمفهوم من المقام، أي السفينة كقوله: ﴿ وحملناه على ذَات ألواححٍ ودُسرٍ ﴾ [القمر: 13] أي سفينة.

وعدّي فعل ﴿ اركبوا ﴾ ب (فيّ) جرياً على الفصيح فإنه يقال: رَكب الدابة إذا علاها.

وأما ركوب الفلك فيعدّى ب (في) لأن إطلاق الركوب عليه مجاز، وإنما هو جلوس واستقرار فلا يقال: ركب السفينةَ، فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له، وهي تفرقة حسنة.

والباء في ﴿ باسم الله ﴾ للملابسة مثل ما تقدم في تفسير البسملة، وهي في موضع الحال من ضمير ﴿ اركبوا ﴾ أي ملابسين لاسم الله، وهي ملابسة القول لقائله، أي قائلين: باسم الله.

و ﴿ مجراها ومرساها ﴾ بضم الميمين فيهما في قراءة الجمهور.

وهما مصدراً، أجرى السفينة إذا جعلها جارية، أي سيّرها بسرعة، وأرساها إذا جعلها راسية، أي واقفة على الشاطئ.

يقال: رَما إذا ثَبت في المكان.

وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلَفٌ «مَجراها» فقط بفتح الميم على أنه مَفعل للمصدر أو الزمان أو المكان.

وأما ﴿ مُرساها ﴾ فبضم الميم مثل الجمهور، لأنه لا يقال: مَرساها بفتح الميم.

والعدول عن الفتح في ﴿ مرساها ﴾ في كلام العرب مع أنه في القياس مماثل (مَجراها) وجهه دفع اللبس لئلا يلتبس باسم المَرسى الذي هو المكان المعدّ لرسوّ السفن.

ويَجوز أن يكون ﴿ مجراها ومرساها ﴾ في محل نصب بالنيابة عن ظرف الزمان، أي وقت إجرائها ووقت إرسائها.

ويجوز أن يكون في محل رفع على الفاعلية بالجار والمجرور لما فيه من معنى الفعل، وهو رأي نحاة الكوفة، وما هو ببعيد.

وجملة ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ تعليل للأمر بالركوب المقيد بالملابسة لذكر اسم الله تعالى، ففي التعليل بالمغفرة والرحمة رمز إلى أن الله وعَده بنجاتهم، وذلك من غفرانه ورحمته.

وأكّد ب ﴿ إنّ ﴾ ولام الابتداء تحقيقاً لأتباعه بأن الله رحمهم بالإنجاء من الغرق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: رَكِبَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ في اليَوْمِ العاشِرِ مِن رَجَبٍ، ونَزَلَ مِنها في اليَوْمِ العاشِرِ مِنَ المُحَرَّمِ، وهو يَوْمُ عاشُوراءَ، فَقالَ لِمَن مَعَهُ: مَن كانَ صائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ صائِمًا فَلْيَصُمْهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ﴾ أيْ مَسِيرُها، ﴿ وَمُرْساها ﴾ أيْ مَثْبَتُها، فَكانَ إذا أرادَ السَّيْرَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُجْرِيها، فَتَجْرِي، وإذا أرادَ الوُقُوفَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُرْساها.

فَتَثْبُتُ واقِفَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ قالَ ذَلِكَ لِبَقائِهِ عَلى كُفْرِهِ تَكْذِيبًا لِأبِيهِ، وقِيلَ إنَّ الجَبَلَ الَّذِي أوى إلَيْهِ طَوْرُ زِيتا.

﴿ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ وهم أهْلُ السَّفِينَةِ.

الثّانِي: إلّا مَن رَحِمَ نُوحٌ فَحَمَلَهُ في سَفِينَتِهِ وقَوْلُهُ ﴿ لا عاصِمَ ﴾ يَعْنِي لا مَعْصُومَ.

﴿ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي الغَرَقَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما ركب نوح عليه السلام في السفينة فجرت به فخاف، فجعل ينادي: الاها اتقن قال يا ألله أحسن.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ بسم الله مجريها ومرساها ﴾ قال: حين يركبون ويجرون ويرسون.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كان إذا أراد أن ترسي قال: بسم الله.

فأرست، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله.

فجرت.

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ مجراها ومرساها ﴾ .

وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن السني وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن الحسين بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك الرحمن ﴿ بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ﴾ وما قدروا الله حق قدره» إلى آخر الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ [ الأنعام: 91] الآية ﴿ بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه «ما من رجل يقول إذا ركب السفينة: بسم الله الملك الرحمن ﴿ بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ﴾ ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ [ الأنعام: 91] الآية إلا أعطاه الله أماناً من الغرق حتى يخرج منها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا ﴾ ، يعني قال نوخ لقومه الذين أمر بحملهم: "اركبوا"، والركوب العلو على ظهر الشيء، فمنه ركوب الدابة، وركوب السفينة، وركوب البر، وركوب البحر، وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه، وركبه الدين، قال الليث: وتسمي العرب من يركب السفينة ركاب السفينة، وأما الرُّكْبَانُ والأرْكوب والرَّكب فراكبو الدّواب والإبل، قال الأزهري (١) (٢) يهل بالفرقد ركبانها ...

كما يُهِلُّ الراكب المعتمر وقوله تعالى: ﴿ فِيهَا ﴾ لا يجوز أن تكون (في) من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول (اركبوا) محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة، فيكون قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ حالاً من الضمير في (اركبوا)، ويجوز أن يقال المعنى: اركبوها أي الفلك، وزاد (في) للتأكيد كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ  ﴾ ، وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا [في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا] (٣) وقوله: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ المُجرى: مصدر كالإجراء، ومثله قوله: ﴿ مُنْزَلًا مُبَارَكًا  ﴾ ، و ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ (٤) ﴿ مَجْراها ﴾ (٥) ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ  ﴾ ولو كان (مُجراها) لكان (وهي تُجرَى بهم)، فكأنه قال: (وهي تجريهم) (٦) وأما المرْسَى: فهو أيضًا مصدر كالإرساء يقال: وما الشيء يرسو: إذا ثبت، وأرساه غيره، قال الله تعالى: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا  ﴾ .

قال ابن عباس (٧) (٨) (٩) قال أبو إسحاق (١٠) (١١) (١٢) أحدهما: أن يرتفع المجرى بالباء الزائدة، وتفتقر الباء إلى المجرى؛ لأنها خبره ورافعته، والتقدير: إجراؤها باسم الله، وموضع الباء نصب لخلافها المجرى، إذ المجرى اسم، والباء ليست باسم، إنما هي حرف معنى ملحق بالمَحَالّ، يريد أن التقدير: إجراؤها يقع باسم الله، أو يحصل باسم الله، فالباء في محل النصب بهذا التقدير وهي في الظاهر رفع لخبر المبتدأ، وليس هذا كقولهم: زيد قائم؛ لأن قائمًا هو زيد، وليس بمخالف (١٣) القول الثاني: أن يكون المجرى في موضع نصب على مذهب الوقت ومنهاج المحل، تلخيصه باسم الله في مجراها ومرساها، فإذا سقط الخافض قضى على ما بعده بالنصب، كما تقول: أتيتك يوم الخميس، هزان القولان هما قولا الفراء (١٤) وقال أحمد بن يحيى: الباء منصوبة بفعل محذوف يدل عليه ويكنى (١٥) قال أبو علي الفارسي (١٦) ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الضمير في (اركبوا)، على حد قولك: ركب في سلاحه، وخرج بثيابه، والمعنى ركب مستعدًا بسلاحه، وملتبسا بثيابه، وفي التنزيل: ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ  ﴾ ، فكان المعنى: اركبوا متبركين باسم الله ومتمسكين بذكر اسم الله، والمجرى والمرسى على هذا ظرف، بنحو (مَقْدَمَ الحاج)، و (خُفُوقَ النجم)، كأنه: متبركين بهذا الاسم، أو متمسكين في وقت الجري والإجراء على حسب الخلاف بين القراء فيه، ولا يكون الظرف متعلقًا باركبوا؛ لأن المعنى ليس (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس (١٩) (٢٠) (١) "تهذيب اللغة" 2/ 1456 (ركب).

(٢) قائل البيت هو ابن أحمر، عمرو بن أحمر الباهلي، كان من شعراء الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم ومدح عمر فمن بعده إلى عبد الملك بن مروان.

وقيل: توفي في خلافة عثمان.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 571، 580، "خزانة الأدب" 6/ 256.

والبيت يعني قومًا ركبوا سفينة فغمت السماء ولم يهتدوا، فلما طلع الفرقد كبروا لأنهم اهتدوا للسمت الذي يؤمونه، انظر: "ديوانه" ص 66، "تهذيب اللغة" 2/ 1456، مادة (ركب)، اللسان 3/ 1714، "جمهرة اللغة" ص 772، "ديوان الأدب" 3/ 164، "تاج العروس" 2/ 35 (ركب)، "أساس البلاغة" (هلل)، وبلا نسبة في "اللسان" (هلل) 8/ 4689، و"تاج العروس" (هلل).

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤) الإسراء: 80.

في الأصل (وأدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) وهو خطأ.

(٥) قرأ بها حمزة والكسائي وحفصر عن عاصم وخلف، "السبعة" 333، "التبصرة" 538، "النشر" 3/ 114، "إتحاف" ص 256.

(٦) "الحجة" لأبي على 4/ 331، وأيّد هذا الوجه الطبري 12/ 43 - 44.

(٧) روى الطبري 12/ 44 نحوه عن مجاهد.

(٨) الطبري 12/ 44 - 45، الثعلبي 7/ 43 ب، وابن أبي حاتم 6/ 2033.

(٩) في (ب): عكس الجملتين.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 52.

(١١) "معاني القرآن" 2/ 14.

(١٢) ساقط من (ب).

(١٣) في (ب): (المخالف).

(١٤) "معاني القرآن" 2/ 14.

(١٥) في (ي): (يكفى).

(١٦) "الحجة" 4/ 330 باختصار وتصرف.

(١٧) في (ب): (يسمى).

(١٨) إلى هنا انتهى النقل من أبي على الفارسي، "الحجة" 4/ 331.

(١٩) القرطبي 9/ 37، "البحر المحيط" 5/ 225.

(٢٠) في (ب): (باتصال).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ اركبوا فِيهَا ﴾ الضمير في قال لنوح، والخطاب لمن كان معه، والضمير في فيها للسفينة، وروي أنهم ركبوا فيها أول يوم من رجب، واستقرت على الجودي يوم عاشوراء ﴿ بِسْمِ الله مجراها ومرساها ﴾ اشتقاق مجراها من الجري، واشتقاق مرساها من الإرساء، وهو الثبوت.

أو من وقوف السفينة، ويمكن أن يكونا ظَرْفَين للزمان أو المكان، أو مصدرين، ويحتمل الإعراب من وجهين: أحدهما: أن يكون اسم الله في موضع الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير: اركبوا متبركين باسم الله أو قائلين بسم الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان بمعنى وقت إجرائها وإرسائها أو ظرفين للمكان، ويكون العامل فيه ما في قوله بسم الله من معنى الفعل في موضع خبر ويكون قوله: بسم الله متصلاً مع ما قبله، والجملة كلام واحد، والوجه الثاني: أن يكون كلامين فيوقف على اركبوا فيها ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ بمعنى المصدر أي إجراؤها وإرساؤه ويكون بسم الله على هذا مستأنفاً غير متصل بما قبله ولكنه من كلام نوح حسبما روي أن نوحاً كان إذا أراد أن يجري بالسفينة قال بسم الله فتجري، وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال ﴾ روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض، فصار الكل كالبحر، قاله ابن عطية وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا، وصوّبه الزمخشري وقال: كانت تجري في موج كالجبال قبل التطبيق كذا، وقبل أن يغمر الماء الجبال ﴿ ونادى نُوحٌ ابنه ﴾ كان اسمه كنعان، وقيل: يام وكان له ثلاث بنون سواه وهم: سام وحام ويافث، ومنهم تناسل الخلق ﴿ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي في ناحية ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون عاصم بمعنى ذي عصمة أي معصوم ومن رحم: بمعنى مفعول أي من رحم الله، فالمعنى لا معصوم إلا من رحمه الله والاستثناء على هذين الوجهين متصل، والثالث: أن يكون عاصم اسم فاعل ومن رحم بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم، والرابع: عكسه والاستثناء على هذين منقطع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ .

قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ ؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر الله؛ لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سمي أمر الله؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر الله؛ لما بأمره يصلي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ : قال أبو عوسجة: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ يقال: فار الماء أي خرج يفور فوراً، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ  تَكَادُ...

 ﴾ قالوا: فار أي: خرج وظهر.

والتنور: اختلف فيه؛ قال بعضهم: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب.

وقال بعضهم: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت الماء نبع من تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ  وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً  ﴾ ، لكن جعل علامة وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.

ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.

ويحتمل وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الزوج هو اسم فرد لذي شفع ليس هو اسم الشفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد لذي شفع كان الإناث صنفاً وزوجاً والذكور صنفاً وزوجاً، فيكون الذكر والأنثى زوجين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم.

ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، واحمل أهلك أيضاً إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم الله أنه لا يؤمن، أو إلا من كان في علم الله أنه يهلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله خاصّة، ثم استثنى من سبق عليه القول، وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو قوله: ﴿ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ ﴾ أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين.

أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالماً كافرا حيث استثني من أهله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ : يذكر هذا - والله أعلم - تذكيراً لرسول الله  مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحاً مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين الله ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول الله  مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن [المواعظ إنما تنفع] الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحاً -  - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا.

وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا ﴾ أنه لما قال لهم نوح: اركبوا فيها قولوا ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ ، وهو كقول الناس باسم الله من أوله على ما يقال: ويذكر [اسم الله] في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره.

ويحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ أي: بالله مجراها ومرساها، أي: به تجري وبه ترسو، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها، وأما سفينة نوح كانت جريتها بالله وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ينجيه من الغرق والهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري وبه ترسو؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج، وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها، لما كانوا هم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقفها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير [آية لهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي: بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، أو ما كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ يحتمل لا تكن مع الكافرين: لتغرق، أو لا تكن مع الكافرين لنعم الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ ﴾ أي: سأنضم إلى جبل، ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال، فأخبر  أنه ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: من عذاب الله، سمى عذابه أمر الله لما ذكرنا أمر الله أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج [لقوله: { ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ...

﴾ الآية [النحل: 40]، وهو كما يسمى البعث لقاء الله لأنه هو النهاية في الاحتجاج] على من ينكر البعث؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر الله وهو أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ بهدايته أياه، أو إلا من سبقت له الرحمة من الله بالهداية له والنجاة.

وقوله: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ بين ابنه وبين نوح، ويحتمل بينه وبين السفينة.

﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ : يحتمل صار من المغرقين، ويحتمل كان في علم الله أنه يغرق، وهذا يدل على أن قوله في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان في علم الله أنه يكفر، أو صار من الكافرين كما ذكر، وكان من المغرقين إذ لم يكن من المغرقين في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال نوح لمن آمن من أهله وقومه: اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جري السفينة، وباسمه يكون رُسُوُّها، إن ربي غفور لذنوب من تاب من عباده، رحيم بهم، ومن رحمته بالمؤمنين أن أنجاهم من الهلاك.

<div class="verse-tafsir" id="91.bVPRO"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر