تفسير الآية ٣٩ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٣٩ من سورة هود

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٩ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( من يأتيه عذاب يخزيه ) أي : يهنه في الدنيا ، ( ويحل عليه عذاب مقيم ) أي : دائم مستمر أبدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نوح لقومه: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ، أيها القوم ، إذا جاء أمر الله، من الهالك ، مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ، يقول: الذي يأتيه عذابُ الله منا ومنكم يهينه ويذله (15) ، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ، يقول: وينـزل به في الآخرة ، مع ذلك ، عذابٌ دائم لا انقطاع له، مقيم عليه أبدًا.

(16) -------------------- الهوامش : (15) انظر تفسير " الخزى " فيما سلف من فهارس اللغة ( خزى ) .

(16) انظر تفسير " عذاب مقيم " فيما سلف 10 : 293 / 14 : 174 ، 340 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه تهديد ، و " من " متصلة ب " سوف " تعلمون و " تعلمون " هنا من باب التعدية إلى مفعول ; أي فسوف تعلمون الذي يأتيه العذاب .

ويجوز أن تكون " من " استفهامية ; أي أينا يأتيه العذاب ؟

.

وقيل : " من " في موضع رفع بالابتداء و " يأتيه " الخبر ، و " يخزيه " صفة ل " عذاب " .

وحكى الكسائي : أن أناسا من أهل الحجاز يقولون : سو تعلمون ; وقال من قال : ستعلمون أسقط الواو والفاء جميعا .

وحكى الكوفيون : سف تعلمون ; ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل ، وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرىويحل عليه أي يجب عليه وينزل به .عذاب مقيم أي دائم ، يريد عذاب الآخرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ } نحن أم أنتم.

وقد علموا ذلك، حين حل بهم العقاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ) يهينه ، ( ويحل عليه ) يجب عليه ، ( عذاب مقيم ) دائم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فسوف تعلمون من» موصولة مفعول العلم «يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ» ينزل «عليه عذاب مقيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فسوف تعلمون إذا جاء أمر الله بذلك: من الذي يأتيه في الدنيا عذاب الله الذي يُهينه، وينزل به في الآخرة عذاب دائم لا انقطاع له؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف نوح - عليه السلام - إلى تهديدهم تهديدا آخر فقال : ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) .أى : فسوف تعلمون عما قريب ، من منا الذى سينزل عليه العذاب المخزى المهين فى الدنيا ، ومن منا الذى سيحل عليه العذاب الدائم الخالد فى الآخرة .وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت حكم الله الفاضل فى شأن قوم نوح - عليه السلام - بعد أن لبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الحق ، ولكنهم صموا آذانهم عنه فماذا كان من أمره وأمرهم بعد ذلك .كان من أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر الله - تعالى - نوحا - عليه السلام - أن يحمل فى السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا وأنثى ، ثم نزل الطرفان ، وسارت السفينة بمن فيها ، وأغرق الله - تعالى - الظالمين ، وقد حكى - سبحانه - كل ذلك فقال - تعالى :( حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ قولان: الأول: أنه حكاية حال ماضية أي في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك.

الثاني: التقدير وأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله: ﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في صفة السفينة أقوالاً كثيرة: فأحدها: أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وقيل في أربع سنين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن كان معه مع ما احتاجوا إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام.

وثانيها: قال الحسن كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع.

واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها ألبتة ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلاً وكان الخوض فيها من باب الفضول لا سيما مع القطع بأنه ليس هاهنا ما يدل على الجانب الصحيح والذي نعلمه إنه كان في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه ولما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان، لأن هذا القدر مذكور في القرآن، فأما غير ذلك القدر فغير مذكور.

أما قوله تعالى: ﴿ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾ ففي تفسير الملأ وجهان قيل جماعة وقيل طبقة من أشرافهم وكبرائهم واختلفوا فيما لأجله كانوا يسخرون وفيه وجوه أحدهما: أنهم كانوا يقولون: يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجاراً.

وثانيها: أنهم كانوا يقولون له: لو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وثالثها: أنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها وكانوا يتعجبون منه ويسخرون.

ورابعها: أن تلك السفينة كانت كبيرة وهو كان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جداً وكانوا يقولون: ليس هاهنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار، فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون.

وخامسها: أنه لما طالت مدته مع القوم وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ذلك المعنى خبراً ولا أثراً غلب على ظنونهم كونه كاذباً في ذلك المقال فلما اشتغل بعمل السفينة لا جرم سخروا منه وكل هذه الوجوه محتملة.

ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول: ﴿ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة.

الثاني: إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى بالسخرية منا.

الثالث: أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد، لأنكم لا تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأطفال والجهال.

فإن قيل: السخرية من آثار المعاصي فكيف يليق ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قلنا: إنه تعالى سمى المقابلة سخرية كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة، وفي قوله: ﴿ مَن يَأْتِيهِ ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون استفهاماً بمعنى أي كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا الوجه فمحل من رفع بالابتداء.

والثاني: أن يكون بمعنى الذي ويكون في محل النصب، وقوله تعالى: ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي يجب عليه وينزل به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَصْنَعُ الفلك ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾ ومن عمله السفينة، وكان يعملها في برية بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقت عزَّ الماء فيه عزة شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح، صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ يعني في المستقبل ﴿ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ منا الساعة، أي: نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

وقيل: إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا.

أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق.

وروي أنّ نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل: الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط: الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضاً بين الرجال والنساء، وعن الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة.

وقيل: إنّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟

قالوا الله ورسوله أعلم.

قال: هذا كعب بن حام.

قال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام: هكذا أهلكت؟

قال لا، مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثمت شبت.

قال: حدثنا عن سفينة نوح.

قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة للدواب والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير.

ثم قال: له عد بإذن الله كما كنت، فعاد تراباً ﴿ مَن يَأْتِيهِ ﴾ في محل النصب بتعلمون، أي: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، ويعني به إياهم، ويريد بالعذاب: عذاب الدنيا وهو الغرق ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ وهو عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَصْنَعُ الفُلْكَ ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

﴿ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ فَإنَّهُ كانَ يَعْمَلُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الماءِ أوانَ عِزَّتِهِ، وكانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ لَهُ: صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا.

﴿ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ ﴾ إذا أخَذَكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.

وقِيلَ المُرادُ بِالسُّخْرِيَةِ الِاسْتِجْهالُ.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ يَعْنِي بِهِ إيّاهم وبِالعَذابِ الغَرَقَ.

﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ ويَنْزِلُ عَلَيْهِ، أوْ يَحِلُّ عَلَيْهِ حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا انْفِكاكَ عَنْهُ.

﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ} من في محل نصب يتعلمون أي فسوف تعلمون الذي يأتيه {عَذَابٌ يُخْزِيهِ} ويعني به إياهم ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو الغرق وَيَحِلُّ عَلَيْهِ وينزل عليه {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} وهو عذاب الآخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أيْ يَفْضَحُهُ أوْ يُذِلُّهُ أوْ يُهْلِكُهُ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ العَذابِ الغَرَقُ ﴿ ويَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ حُلُولَ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ ﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ أيْ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ و(مَن) عِبارَةٌ عَنْهُمْ، وهي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِلْعِلْمِ وهو بِمَعْنى المَعْرِفَةِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ العِلْمُ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى واحِدٍ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ.

وقِيلَ: إنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ أوِ المَفْعُولَيْنِ، قِيلَ: ولَمّا كانَ مَدارُ سُخْرِيَتِهِمُ اسْتِجْهالَهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُكابَدَةِ المَشاقِّ الفادِحَةِ لِدَفْعِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ عَلى زَعْمِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في عَمَلِ السَّفِينَةِ، وكانُوا يَعُدُّونَهُ عَذابًا قِيلَ: بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ ( فَسَوْفَ ) إلَخْ يَعْنِي أنَّ ما أُباشِرُهُ لَيْسَ فِيهِ عَذابٌ لاحِقٌ بِي ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مَن يُعَذَّبُ، ولَقَدْ أصابَ العِلْمُ بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ مَحَزَّهُ انْتَهى، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ السُّخْرِيَةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِجْهالِ.

ولَعَلَّهُ يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِها عَلى ظاهِرِها أيْضًا بِأدْنى عِنايَةٍ فافْهَمْ، ووَصْفُ العَذابِ بِالإخْزاءِ لِما في الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ مِن لُحُوقِ الخِزْيِ والعارِ عادَةً والتَّعَرُّضُ لِحُلُولِ العَذابِ المُقِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، وفِيهِ مِنَ المَجازِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُهُ بِالمُؤَجَّلِ وإيرادُ الأوَّلِ بِالإتْيانِ غايَةُ الجَزالَةِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ قُرِئَ يَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ قال الحسن: إن نوحاً  لم يدع على قومه، حتى نزلت هذه الآية: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فدعا عليهم عند ذلك رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: 26] .

ثم قال تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من الكفر وذلك أن نوحاً ندم على دعائه، وجعل يبكي ويتأسف عليهم، فقال الله تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ يعني: لا يحزنك إذا نزل بهم الغرق، بما كانوا يفعلون من الكفر.

ثم قال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا يقول: اعمل السفينة، ويقال للواحد وللجماعة: الفلك، بِأَعْيُنِنا قال الكلبي: يعني: بمنظر منا، وَوَحْيِنا يعني: بوحينا إليك.

وقال مقاتل: يعني: بتعليمنا وأمرنا.

وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: فلا تراجعني في قومك، ولا تدعني بصرف العذاب عنهم، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ بالطوفان.

ويقال: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، يعني ابنه كنعان.

وقال عكرمة: كان طول سفينة نوح ثلاثمائة ذراع، وعمقها في الماء ثلاثون ذراعاً، وعرضها خمسون ذراعاً.

وقال الحسن: كان طول سفينة نوح ألف ومائتا ذراع، وعمقها في الماء ثلاثون ذراعاً وعرضها ستمائة ذراع.

- وقال ابن عباس: «كان طول سفينة نوح ثلاثمائة، وطولها في الماء ثلاثون ذراعاً، وعرضها خمسون ذراعاً» (١) وقال القتبي: قرأت في التوراة: أن الله تعالى أوحى إلى نوح أن اصنع الفلك، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وارتفاعها ثلاثون ذراعاً، وليكن بابها في عرضها.

وادخل أنت في الفلك وامرأتك وبنوك ونساء بنيك ومن كل زوجين من الحيوان ذكراناً وإناثاً، فإني منزل المطر على الأرض، أربعين يوماً وأربعين ليلة، فأتلف كل شيء خلقته على الأرض.

فأرسل الله تعالى ماء الطوفان على الأرض، في سنة ستمائة من عمر نوح  ، ولبث في الماء مائة وخمسين يوماً، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: مكث نوح ينجر السفينة مائة سنة، فلما فرغ من عملها أمره الله تعالى أن يحمل فيها مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين من كل حيوان، فحمل فيها امرأته وبنيه ونساءهم، فركب فيها لسبع عشرة ليلة خلت من صفر، فمكث في الماء سبعة أشهر لم يقر لها قرار، فأرسيت على الجودي خمسة أشهر، فأرسل الغراب لينظر كم بقي من الماء، فمكث على جيفة، فغضب عليه نوح ولعنه، ثم أرسل الحمامة فوقعت في الماء، فبلغ الماء قدر حمرة رجليها، فجاءت فأرته، فبارك عليها نوح.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)

وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ...

الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:

«فَعَمِيَتْ» «١» ولذلك وجهان من المعنَى:

أحدهما: خَفِيَتْ.

والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.

وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.

وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و «الخير» هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هَذا وعِيدٌ، ومَعْناهُ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالسُّخْرِيَةِ، ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أيْ: يُذِلُّهُ، وهو الغَرَقُ.

﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: ويَجِبُ عَلَيْهِ ﴿ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ قَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "وَأوحى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، "إنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: لِنُوحٍ هَذا بَعْدَ أنْ طالَ عَلَيْهِ كُفْرُ القَرْنِ بَعْدَ القَرْنِ بِهِ، وكانَ يَأْتِيهِ الرَجُلُ بِابْنِهِ فَيَقُولُ: يا بُنَيَّ لا تُصَدِّقْ هَذا الشَيْخَ فَهَكَذا عَهِدَهُ أبِي وجَدِّي كَذّابًا مَجْنُونًا رَواهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي أيْأسَتْ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن قَوْمِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ دَعا فَقالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا  ﴾ .

و"تَبْتَئِسْ" مِنَ البُؤْسِ تَفْتَعِلُ، ومَعْناهُ: لا تُحْزِنْ نَفْسَكَ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ- وهو لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ-: في مَأْتَمٍ كَنِعاجٍ صا ∗∗∗ رَةَ يَبْتَئِسْنَ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ تَدافُعٌ في ظاهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ يَنْبَغِي أنْ نُخَلِّصَ القَوْلَ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ أمْرِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ دَعا عَلى الكافِرِينَ عامَّةً مِن جَمِيعِ الأُمَمِ ولَمْ يَخُصَّ قَوْمَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ وكُتُبُ التَفاسِيرِ بِأنَّ الغَرَقَ نالَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ وعَمَّ الماءُ جَمِيعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، ويُوجِبُ ذَلِكَ أمْرَ نُوحٍ بِحَمْلِ الأزْواجِ مِنَ الحَيَوانِ، ولَوْلا خَوْفُ إفْناءِ أجْناسِها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، ما كانَ ذَلِكَ، فَلا يَتَّفِقُ لَنا أنْ نَقُولَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ غَيْرُ قَوْمِ نُوحٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نُوحٌ بُعِثَ إلى جَمِيعِ الناسِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ خاصَّةٌ لِمُحَمَّدٍ  بِقَوْلِهِ: « "أُوتِيتُ خَمْسًا لَمْ يُؤْتَهُنَّ أحَدٌ قَبَلِي"».

فَلا بُدَّ أنْ نُقَرِّرَ كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإذا كانَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ اسْتَحَقُّوا العُقُوبَةَ في جَمْعِهِمْ ونُوحٌ لَمْ يُبْعَثْ إلى كُلِّهِمْ؟

وكُنّا نُقَدِّرُ هُنا أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا قَبْلَ نُوحٍ فَكَفَرُوا بِهِمْ واسْتَمَرَّ كُفْرُهُمْ، لَوْلا أنّا نَجْدُ الحَدِيثَ يَنْطِقُ بِأنَّ نُوحًا هو أوَّلُ الرُسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ ولا يُمْكِنُ أيْضًا أنْ نَقُولَ: عُذِّبُوا دُونَ رِسالَةٍ ونَحْنُ نَجِدُ في القُرْآنِ: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ .

والتَأْوِيلُ المُخَلِّصُ مِن هَذا كُلِّهِ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى كُفّارٍ مِن أهْلِ الأرْضِ لِيُصْلِحَ الخَلْقَ ويُبالِغَ في التَبْلِيغِ ويَحْتَمِلَ المَشَقَّةَ مِنَ الناسِ- بِحَسَبِ ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ- ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً بِالتَبْلِيغِ والدُعاءِ والتَنْبِيهِ، وبَقِيَ أُمَمٌ في الأرْضِ لَمْ يُكَلَّفِ القَوْلَ لَهُمْ، فَتَصِحُّ الخاصَّةُ لِمُحَمَّدٍ  ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الأُمَمَ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِيُخاطِبَها إذا كانَتْ بِحالِ كَفْرٍ وعِبادَةِ أوثانٍ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى اللهِ تَعالى مَنصُوبَةً مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، وكانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَظَرِ مِن جِهَةِ إدْراكِهِمْ، وكانَ الشَرْعُ- بِبَعْثِ نُوحٍ- مَوْجُودًا مُسْتَقِرًّا.

فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمُ النَظَرُ، وصارُوا بِتَرْكِهِ بِحالِ مَن يَجِبُ تَعْذِيبُهُ: فَإنَّ هَذا رَسُولٌ مَبْعُوثٌ وإنْ كانَ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ ألا تَرى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ إنَّما هُوَ: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا  ﴾ ، أيْ: حَتّى نُوجِدَهُ، لِأنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ إنَّما هو في مَعْنى القِتالِ والشِدَّةِ، وأمّا مِن جِهَةِ بَذْلِ النَصِيحَةِ وقَبُولِ مَن آمَنَ فالناسُ أجْمَعُ في ذَلِكَ سَواءٌ ونُوحٌ قَدْ لَبِثَ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُو إلى اللهِ، فَغَيْرُ مُمْكِنٍ أنْ لَمْ تَبْلُغْ نُبُوءَتُهُ لِلْقَرِيبِ والبَعِيدِ، ويَجِيءُ تَعْذِيبُ الكُلِّ بِالغَرَقِ بَعْدَ بَعْثَةِ رَسُولٍ وهو نُوحٌ  .

ولا يُعارِضُنا مَعَ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ شَيْءٌ مِنَ الحَدِيثِ ولا الآياتِ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَبْتَئِسْ ﴾ ، والفُلْكُ: السَفِينَةُ، وجَمْعُها أيْضًا فُلْكٌ، ولَيْسَ هو لَفْظًا لِلْواحِدِ والجَمْعِ وإنَّما هو فُعْلٌ وجُمِعَ عَلى فُعْلٍ ومِن حَيْثُ جازَ أنْ يُجْمَعَ فَعَلٌ عَلى فُعْلٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، جازَ أنْ يُجْمَعَ فُعْلٌ عَلى فُعْلٍ، فَظاهِرُ لَفْظِ الجَمْعِ فِيها كَظاهِرِ لَفْظٍ واحِدٍ ولَيْسَ بِهِ، تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دَرَجَةُ التَثْنِيَةِ الَّتِي بَيْنَهُما لِأنَّكَ تَقُولُ: فُلْكٌ وفُلْكانِ وفُلْكٌ، فالحَرَكَةُ في الجَمْعِ نَظِيرُ ضَمَّةِ الصادِ إذا نادَيْتَ "يا مَنصُو"، تُرِيدُ "يا مَنصُورُ "، فَرُخِّمَتْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: يا حارُ بِالضَمِّ، فَإنَّ ضَمَّةَ الصادِ هي في اللَفْظِ كَضَمَّةِ الأصْلِ، ولَيْسَتْ بِها في الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِأعْيُنِنا ﴾ يُمْكِنُ-فِيما يُتَأوَّلُ- أنْ يُرِيدَ بِهِ بِمَرْأًى مِنّا وتَحْتَ إدْراكٍ، فَتَكُونُ عِبارَةً عَنِ الإدْراكِ والرِعايَةِ والحِفْظِ، ويَكُونُ جَمْعُ الأعْيُنِ لِلْعَظَمَةِ لا لِلتَّكْثِيرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَنِعْمَ القادِرُونَ  ﴾ فَرَجَعَ مَعْنى الأعْيُنِ في هَذِهِ وفي غَيْرِها إلى مَعْنى عَيْنٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي  ﴾ ، وذَلِكَ كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ وإحاطَتِهِ بِالمُدْرَكاتِ، وهو تَبارَكَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَواسِّ والتَشْبِيهِ والتَكْيِيفِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "بِأعْيُنِنا" أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكَ، فَيَكُونُ الجَمْعُ -عَلى هَذا- لِلتَّكْثِيرِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "بِأعْيُنّا" مُدْغَمًا.

وَقَوْلُهُ: "وَوَحْيِنا" مَعْناهُ: وتَعْلِيمُنا لَكَ صُورَةَ العَمَلِ بِالوَحْيِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جَهِلَ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ السَفِينَةِ أوحى اللهُ إلَيْهِ: أنِ اصْنَعْها عَلى مِثالِ جُؤْجُؤِ الطَيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَلِمَهُ نُوحٌ مِن عَمَلِها، فَقَدْ رُوِيَ أيْضًا أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةَ الشَكْلِ طَوِيلَةً في السَماءِ، ضَيِّقَةَ الأعْلى، وأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَ الحِفْظَ لا سُرْعَةَ الجَرْيِ، والحَدِيثُ الَّذِي تَضَمَّنَ أنَّها كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ أصَحُّ ومَعْناهُ أظْهَرُ: لِأنَّها لَوْ كانَتْ مُرَبَّعَةً لَمْ تَكُنْ فُلْكًا بَلْ كانَتْ وِعاءً فَقَطْ، وقَدْ وصَفَها اللهُ تَعالى بِالجَرْيِ في البَحْرِ، وفي الحَدِيثِ:« "كانَ رازُّ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ"،» والرازُّ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السُفُنِ.

ومَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: "وَوَحْيِنا" أيْ: بِأمْرِنا لَكَ، فَذَلِكَ ضَعِيفٌ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ ﴾ مُغْنٍ عن ذَلِكَ.

و ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الهِدايَةِ حَتّى عَمَّتْهُمُ النِقْمَةُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقَدَّمَ اللهُ فِيها إلى نُوحٍ ألّا يَشْفَعَ فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ واصنع الفلك ﴾ [هود: 37]، أي أوحي إليه ﴿ اصنع الفلك ﴾ ، وصَنَع الفلك.

وإنما عبر عن صنعه بصيغة المضارع لاستحضار الحالة لتخييل السامع أن نوحاً عليه السلام بصدد العمل، كقوله: ﴿ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً ﴾ [فاطر: 9] وقوله: ﴿ يجادلنا في قوم لوطٍ ﴾ [هود: 74] وجملة ﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يصنع ﴾ .

و ﴿ كلّما ﴾ كلمة مركبة من (كل) و(ما) الظرفية المصدرية، وانتصبت (كل) على الظرفية لأنها اكتسبت الظرفية بالإضافة إلى الظرف، وهو متعلّق ﴿ سخروا ﴾ ، وهو جوابه من جهة أخرى.

والمعنى: وسَخر منه ملأ من قومه في كل زمن مرورهم عليه.

و (لما) في (كلما) من العموم مع الظرفية أشربت معنى الشرط مثل (إذا) فاحتاجت إلى جواب وهو ﴿ سَخروا منه ﴾ .

وجملة ﴿ قال إن تسخروا منا ﴾ حكاية لما يجيب به سخريتهم، أجريت على طريقة فعل القول إذا وقع في سياق المحاورة، لأن جملة ﴿ سخروا ﴾ تتضمن أقوالاً تنبني عن سخريتهم أو تبين عن كلام في نفوسهم.

وجمع الضمير في قوله: ﴿ مِنّا ﴾ يشير إلى أنهم يسخرون منه في عمل السفينة ومن الذين آمنوا به إذْ كانوا حَوله واثقين بأنه يعمل عَملاً عظيماً، وكذلك جمعه في قوله: ﴿ فإنّا نسخر منكم ﴾ .

والسخرية: الاستهزاء، وهو تعجب باحتقار واستحماق.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فحَاق بالذين سَخروا منهم ﴾ في أول سورة [الأنعام: 10]، وفعلها يتعدى ب (من).

وسخريتهم منه حمل فعله على العبث بناء على اعتقادهم أن ما يصنعه لا يأتي بتصديق مدعاه.

وسخرية نوح عليه السلام والمؤمنين، من الكافرين من سفه عقولهم وجهلهم بالله وصفاته.

فالسخريتان مقترنتان في الزمن.

وبذلك يتضح وجه التشبيه في قوله: ﴿ كما تسخرون ﴾ فهو تشبيه في السبب الباعث على السخرية، وإن كان بين السببيْن بَون.

ويجوز أن تجعل كاف التشبيه مفيدة معنى التعليل كالتي في قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198] فيفيد التفاوت بين السخريتين، لأن السخرية المعللة أحق من الأخرى، فالكفار سخروا من نوح عليه السلام لعمل يجهلون غايته، ونوح عليه السّلام وأتباعه سخروا من الكفار لعلمهم بأنهم جاهلون في غرور، كما دل عليه قوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ فهو تفريع على جملة ﴿ فإنّا نسخر منكم ﴾ أي سيظهر مَن هو الأحق بأن يسخر منه.

وفي إسناد (العلم) إلى ضمير المخاطبين دون الضمير المشارك بأن يقال: فسوف نعلم، إيماء إلى أن المخاطبين هم الأحق بعلم ذلك.

وهذا يفيد أدباً شريفاً بأن الواثق بأنه على الحق لا يزعزع ثقته مقابلة السفهاء أعماله النافعة بالسخرية، وأن عليه وعلى أتباعه أن يسخروا من الساخرين.

والخزي: الإهانة، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ربنا إنك مَن تدخل النار فقد أخزيته ﴾ في آخر سورة [آل عمران: 192].

والعذاب المقيم: عذاب الآخرة، أي من يأتيه عذاب الخزي في الحياة الدنيا، والعذاب الخالد في الآخرة.

و ﴿ مَن ﴾ استفهامية معلّقة لفعل العِلم عن العمل، وحلول العذاب: حصوله؛ شبه الحصول بحلول القادم إلى المكان وهو إطلاق شائع حتى ساوى الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ ﴾ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى اسْتِدامَةَ كُفْرِهِمْ تَحْقِيقًا لِنُزُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ، قالَ الضَّحّاكُ، فَدَعا عَلَيْهِمْ لَمّا أُخْبِرَ بِهَذا فَقالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ ﴿ إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا  ﴾ ﴿ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا تَأْسَفْ ومِنهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ المُدانِ: فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ الثّانِي: فَلا تَحْزَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئَتْهُ ∗∗∗ فَلَمْ أبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ والِابْتِئاسِ: الحُزْنُ في اسْتِكانَةٍ، وأصْلُهُ مِنَ البُؤْسِ، وفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا تَحْزَنْ لِهَلاكِهِمْ.

الثّانِي: فَلا تَحْزَنْ لِكُفْرِهِمُ المُفْضِي إلى هَلاكِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: بِحَيْثُ نَراكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالأعْيُنِ لِأنَّ بِها تَكُونُ الرُّؤْيَةُ.

الثّانِي: بِحِفْظِنا إيّاكَ حِفْظَ مَن يَراكَ.

الثّالِثُ: بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا رابِعًا: بِمَعُونَتِنا لَكَ عَلى صُنْعِها.

﴿ وَوَحْيِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وأمْرُنا لَكَ أنْ تَصْنَعَها.

الثّانِي: تَعْلِيمُنا لَكَ كَيْفَ تَصْنَعُها.

﴿ وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ نَهاهُ اللَّهُ عَنِ المُراجَعَةِ فِيهِمْ فاحْتَمَلَ نَهْيُهُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَصْرِفَهُ عَنْ سُؤالِ ما لا يُجابُ إلَيْهِ.

الثّانِي: لِيَصْرِفَ عَنْهُ مَأْثَمَ المُمالَأةِ لِلطُّغاةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَصْنَعُ الفُلْكَ ﴾ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: مَكَثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ الشَّجَرَ ويَقْطَعُها ويُيَبِّسُها، ومِائَةَ سَنَةٍ يَعْمَلُها، واخْتُلِفَ في طُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما قالَهُ الحَسَنُ كانَ طُولُها ألْفَ ذِراعٍ ومِائَتَيْ ذِراعٍ، وعَرْضُها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، وكانَتْ مُطَبَّقَةً.

الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ طُولُها أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ، وعُلُوُّها ثَلاثُونَ ذِراعًا.

وَقالَ خُصَيْفٌ: كانَ طُولُها ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وكانَ في أعْلاها الطَّيْرُ، وفي وسَطِها النّاسُ وفي أسْفَلِها السِّباعُ.

وَدُفِعَتْ مِن عَيْنِ ورْدَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ ورَسَتْ بِباقَرَدِي عَلى الجُودِيِّ يَوْمَ عاشُوراءَ.

قالَ قَتادَةُ وكانَ بابُها في عَرْضِها.

﴿ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ ﴾ وفي سُخْرِيَّتِهِمْ مِنهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرَوْنَهُ يَبْنِي في البَرِّ سَفِينَةً فَيَسْخَرُونَ مِنهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ نَجّارًا.

الثّانِي: أنَّهم لَمّا رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ ولَمْ يُشاهِدُوا قَبْلَها سَفِينَةً بُنِيَتْ قالُوا يا نُوحُ: ما تَصْنَعُ؟

قالَ: أبْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ فَعَجِبُوا مِن قَوْلِهِ وسَخِرُوا مِنهُ.

﴿ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ تَسْخَرُوا مِن قَوْلِنا فَسَنَسْخَرُ مِن غَفْلَتِكم.

الثّانِي: إنْ تَسْخَرُوا مِن فِعْلِنا اليَوْمَ عِنْدَ بِناءِ السَّفِينَةِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم غَدًا عِنْدَ الغَرَقِ.

والمُرادُ بِالسُّخْرِيَةِ ها هُنا الِاسْتِجْهالُ.

وَمَعْناهُ إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ في الأرْضِ قَبْلَ الطُّوفانِ نَهْرٌ ولا بَحْرٌ فَلِذَلِكَ سَخِرُوا مِنهُ.

قالَ: ومِياهُ البِحارِ بَقِيَّةُ الطُّوفانِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جازَ أنْ يَقُولَ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم مَعَ قُبْحِ السُّخْرِيَةِ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ ذَمٌّ جَعَلَهُ مُجازاةً عَلى السُّخْرِيَةِ فَجاءَ بِهِ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ، وكانَ الزَّجّاجُ لِأجْلِ هَذا الِاعْتِراضِ يَتَأوَّلُهُ عَلى مَعْنى إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم كَما تَسْتَجْهِلُونَنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وضعفه الذهبي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر وكيف تجري؟

قال: سوف تعلمون.

فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت سفينة نوح عليه السلام لها أجنحة وتحت الأجنحة إيوان» .

وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم، وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وبابها في عرضها» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان طول سفينة نوح ثلثمائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نوحاً لما أمر أن يصنع الفلك قال: يا رب وأين الخشب؟

قال: إغرس الشجر فغرس الساج عشرين سنة، وكف عن الدعاء وكفوا عن الاستهزاء، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها فقال: يا رب كيف اتخذ هذا البيت؟

قال: اجعله على ثلاثة صور.

رأسه كرأس الديك، وجؤجؤ كجؤجؤ الطير، وذنبه كذنب الديك، واجعلها مطبقة واجعل لها أبواباً في جنبها وشدها بدسر- يعني مسامير الحديد- وبعث الله جبريل عليه السلام يعلمه صنعة السفينة، فكانوا يمرون به ويسخرون منه ويقولون: ألا ترون إلى هذا المجنون يتخذ بيتاً ليسير به على الماء؟

وأين الماء ويضحكون.

وذلك قوله: ﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها، وستين ذراعاً في الأرض، وعرضها ثلثمائة ذراع وثلاثة وثلاثون، وأمر أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله له عين القار حيث تنحت السفينة تغلي غلياناً حتى طلاها، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب وأطبقها، فحمل فيها السباع والدواب، فألقى الله على الأسد الحمى وشغله بنفسه عن الدواب، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني ثم أطبق عليها، وجعل ولد آدم أربعين رجلاً وأربعين امرأة في الباب الأعلى ثم أطبق عليهم، وجعل الدرة معه في الباب الأعلى لضعفها أن لا تطأها الدواب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً وبابها في عرضها، وذكر لنا أنها استقلت بهم في عشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، ثم استقرت بهم على الجودي، واهبطوا إلى الأرض في عشر ليال خلون من المحرم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: كان طول سفينة نوح عليه السلام ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم عليهما السلام، لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب قال: أتدرون ما هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هذا كعب حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه قال: قم بإذن الله.

فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب قال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكت.

قال: لا مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة قامت فمن ثم شبت قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات.

فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإِنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح: أن اغمز ذنب الفيل.

فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث فلما وقع الفار يخرب السفينة بقرضه، أوحى الله إلى نوح أن أضرب بين عيني الأسد.

فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفار فقال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟

قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت.

ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوّقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت فقالوا: يا روح الله ألا تنطلق بنا إلى أهالينا فيجلس معنا ويحدثنا؟

قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟

ثم قال: عد بإذن الله فعاد تراباً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان طول سفينة نوح عليه السلام أربعمائة ذراع، وعرضها في السماء ثلاثون ذراعاً.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: قال سليمان الفرائي.

عمل نوح عليه السلام السفينة أربعمائة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة حتى كان طوله أربعمائة ذراع، والذراع إلى المنكبين.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم رضي الله عنه.

أن نوحاً عليه السلام مكث يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ثم مائة سنة يعملها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه.

أن نوحاً عليه السلام لما أمر أن يصنع الفلك قال: رب لست بنجار؟

قال: بلى.

فإن ذلك بعيني فخذ القادوم فجعلت يده لا تخطئ، فجعلوا يمرون به ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجاراً، فعملها أربعين سنة.

وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن ميناء.

أن كعباً رضي الله عنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص، أخبرني عن أول شجرة نبتت على الأرض؟

قال عبد الله: الساج وهي التي عمل منها نوح السفينة فقال كعب رضي الله عنه: صدقت.

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ قال: هو الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ قال: هو الخلود في النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) (٢) وفي قوله: ﴿ مَنْ يَأْتِيهِ ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون استفهامًا بمعنى (أي)، كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا محله رفع بالابتداء.

والثاني: أن يكون بمعنى (الذي) ويكون في محل النصب.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ﴾ أي: يجب عليه وينزل به، وسنذكر استقصاء هذا الحرف عند قوله: ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ في سورة طه [81] إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ يعني عذاب الآخرة.

(١) انظر: ابن عطية 7/ 290، "زاد المسير" 4/ 104، القرطبي 9/ 33، "البحر المحيط" 5/ 222، ابن كثير 2/ 487.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِجْرَامِي ﴾ أي ذنبي ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ أي فلا تحزن ﴿ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي تحت نظرنا وحفظنا ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ أي وتعليمنا لك كيف تصنع الفلك ﴿ وَلاَ تخاطبني فِي الذين ظلموا ﴾ أي لا تشفع لي فيهم، فإني قد قضيت عليهم بالغرق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ قال بعضهم: إن نوحاً  لم يدع على قومه بالهلاك ما دام يرجو ويطمع من قومه الإيمان، فإذا أيس وانقطع رجاؤه وطمعه فيحنئذ دعا عليهم بالهلاك؛ كقوله: ﴿ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً  ﴾ أي أحداً، ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ...

﴾ الآية [نوح: 27]، وعرف الإياس عن إيمانهم بقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ...

﴾ الآية؛ وكذلك سائر الأنبياء والرسل لم يؤذن [لهم] بالدعاء على قومهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم، وما داموا يرجون ويطمعون منهم الإيمان والإجابة لهم، فإذا أيسوا وانقطع رجاؤهم وطمعهم عن ذلك، فعند ذلك أذن لهم بالدعاء عليهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم [وعلى ذلك عوتب يونس بالخروج من بين أظهرهم قبل أن يؤذن له بالخروج من بينهم].

وفي قوله: ﴿ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ دلالة أن للإيمان حكم التجدد والابتداء في كل وقت [وفي] كل حال؛ لأنه أخبر أن الذي قد آمن قد يؤمن في حادث الوقت؛ وعلى ذلك يخرج الزيادات التي ذكرت في الإيمان فزادتهم إيمانا ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ قيل: لا تحزن بما كانوا يفعلون، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا تحزن بكفرهم بالله وتكذيبهم إياك، ليس على النهي عن الحزن في ذلك، بل على دفع الحزن عنه والتسلي به؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يحزنون بكفر قومهم بالله وجعلهم أنفسهم أعداء له؛ كقوله لرسول الله  : ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 3]، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ وأمثاله، كان الأنبياء - عليهم السلام - أشدّ الناس حزنا بكفر قومهم بالله وتكذيبهم آياته وأشدهم رغبة في إيمانهم، وكان حزنهم لم يكن على هلاكهم ألا ترى أن نوحا دعا عليهم بالهلاك وكذلك سائر الأنبياء - عليهم السلام - دل أن حزنهم كان لمكان كفرهم بالله وتكذيبهم آياته، لا لمكان هلاكهم إشفاقاً على أنفسهم.

والثاني: قوله: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ يحتمل أنهم كانوا هموا قتله والمكر به، فقال: لا تحزن بما كانوا يسعون في هلاكك فإني كافيهم قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ هو من الحزن، يقال: ابتأس يبتئس ابتئاساً.

قال الكسائي - أيضاً - لا تبتئس أي: لا تحزن هو من البأس، يقال: لا تبتئس بهذا الأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ : قال بعض أهل التأويل: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ بأمرنا ووحينا، وقال بعضهم: بمنظرنا ومرآنا، ولكن عندنا يحتمل وجهين، أحدهما: قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بحفظنا ورعايتنا، يقال: عين الله عليك أي حفظه عليك، ثم لا يفهم من قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ نفس العين على ما لا يفهم من [قوله]: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ و ﴿ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، ولكن ذكر الأيدي لما في الشاهد إنما يقدم باليد ويكتسب باليد؛ فعلى ذلك ذكر العين لما بالعين يحفظ في الشاهد.

والثاني: قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بإعلامنا إياك؛ لأنه لولا تعليم الله إياه اتخاذ السفينة ونجرها لم يكن ليعرف أن كيف يتخذ وكيف ينجر، إنما عرف ذلك بتعليم الله أياه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين.

يحتمل أي: لا تشفع إلي في نجاة الذين ظلموا فإنهم مغرقون في حكم الله.

والثاني: لا تخاطبني في هداية الذين هم في حكم الله أنهم يموتون ظلمة، أي: لا تسألني إيمان من في علم الله أنه لا يؤمن، وفيه نهي السؤال عما في علم الله أنه لا يكون؛ لأنه إذا أخبر أنه لا يكون أو لا يفعل فإذا سأله كان يسأله أن يكذب خبره الذي أخبر أنه لا يكون، وفيه أنه إذا أراد الله إيمان أحد آمن، ومن لم يرد إيمانه لم يؤمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ : الملأ هم الأشراف والرؤساء من قومه.

﴿ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾ : هم الذين سخروا منه، قال بعضهم: سخريتهم منه أن قالوا: صار نجارا بعدما ادعى لنفسه الرسالة.

وقال بعضهم: سخريتهم منه لما رأوه يتخذ الفلك، ولم يكن هنالك بحر ولا واد ولا مياه جارية، إنما هي آبار لهم فقالوا: يتخذوا السفينة ليسيرها في البراري والمفاوز ونحوه من الكلام.

وقال: ﴿ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ وقالوا: سخريته منهم أنه إذا ركبوا الفلك رأوهم يغرقون، قالوا: كنت على حق وعلى هدى ونحوه من الكلام، لكن هذا لا نعلمه ولا حاجة لنا إلى معرفة سخريتهم أن كيف كانت سوى أن فيه سخروا منه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ أي: نجزيهم جزاء سخريتهم.

وقوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ : هو وعيد، أي: سوف تعلمون أن حاصل سخريتكم رجع إليكم؛ كقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ...

﴾ الآية [البقرة: 9]، أي: سوف تعلمون إذا نجونا نحن، وغرقتم أنتم من ﴿ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي: عذاب يفضحه ويهلكه وهو الغرق.

﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي: عذاب يدوم.

وقال بعضهم: ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ هو عذاب الآخرة؛ كقوله: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  ﴾ .

وأما قول أهل التأويل: إن سفينة نوح كان طولها كذا وعرضها كذا، فليس لنا بذلك علم ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك، فإن صح ذلك فهو ما قالوا وقولهم كان لها ثلاثة أبواب وثلاثة أطباق، فذلك أيضاً لا نعرفه، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فسوف تعلمون من يأتيه عذاب في الدنيا يذله ويهينه، وينزل عليه يوم القيامة عقاب دائم لا ينقطع.

<div class="verse-tafsir" id="91.13MPr"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله