الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٨٨ من سورة هود
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨٨ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول لهم أرأيتم يا قوم ( إن كنت على بينة من ربي ) أي : على بصيرة فيما أدعو إليه ، ( ورزقني منه رزقا حسنا ) قيل : أراد النبوة .
وقيل : أراد الرزق الحلال ، ويحتمل الأمرين .
وقال الثوري : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) أي : لا أنهاكم عن شيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم ، كما قال قتادة في قوله : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) يقول : لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) أي : فيما آمركم وأنهاكم ، إنما مرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي ، ( وما توفيقي ) أي : في إصابة الحق فيما أريده ( إلا بالله عليه توكلت ) في جميع أموري ، ( وإليه أنيب ) أي : أرجع ، قاله مجاهد وغيره .
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه : أن أخاه مالكا قال : يا معاوية ، إن محمدا أخذ جيراني ، فانطلق إليه ، فإنه قد كلمك وعرفك ، فانطلقت معه فقال : دع لي جيراني ، فقد كانوا أسلموا .
فأعرض عنه .
[ فقام متمعطا ] فقال : أما والله لئن فعلت إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره .
وجعلت أجره وهو يتكلم ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما تقول ؟
" فقال : إنك والله لئن فعلت ذلك .
إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره .
قال : فقال : " أوقد قالوها - أوقائلهم - ولئن فعلت ذلك ما ذاك إلا علي ، وما عليهم من ذلك من شيء ، أرسلوا له جيرانه .
وقال أحمد أيضا : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ناسا من قومي في تهمة فحبسهم ، فجاء رجل من قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب ، فقال : يا محمد ، علام تحبس جيرتي ؟
فصمت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
[ عنه ] فقال : إن ناسا ليقولون : إنك تنهى عن الشيء وتستخلي به ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " ما يقول ؟
" قال : فجعلت أعرض بينهما الكلام مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدا ، فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به حتى فهمها ، فقال : " أوقد قالوها - أو : قائلها منهم - والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم ، خلوا له عن جيرانه " .
ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال : سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم ، وتلين له أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم قريب ، فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم ، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه " .
هذا إسناد صحيح ، وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث : " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم ، افتح لي أبواب رحمتك .
وإذا خرج فليقل : اللهم ، إني أسألك من فضلك " .
ومعناه ، والله أعلم : مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به ، ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه ، ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم [ عنه ] ) .
وقال قتادة ، عن عزرة عن الحسن العرني ، عن يحيى بن الجزار ، عن مسروق ، أن امرأة جاءت ابن مسعود قالت أتنهى عن الواصلة ؟
قال : نعم .
فقالت [ المرأة ] : فلعله في بعض نسائك ؟
فقال : ما حفظت إذا وصية العبد الصالح : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) .
وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثنا جرير ، عن أبي سليمان العتبي قال : كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي ، فيكتب في آخرها : وما كانت من ذلك إلا كما قال العبد الصالح : ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال ، (ورزقني منه رزقًا حسنًا)، يعني حلالا طيّبًا.
* * * (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ، يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعلُ خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.
كما:- 18496- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ، يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر أركبه أو آتيه.
* * * ، (إن أريد إلا الإصلاح)، يقول: ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم ، (ما استطعت) ، يقول: ما قدرت على إصلاحه ، لئلا ينالكم من الله عقوبة منكِّلة، بخلافكم أمره ، ومعصيتكم رسوله ، (وما توفيقي إلا بالله) يقول: وما إصابتي الحق في محاولتي إصلاحكم وإصلاح أمركم إلا بالله، فإنه هو المعين على ذلك، إلا يعنّي عليه لم أصب الحق فيه.
* * * وقوله: (عليه توكلت) ، يقول: إلى الله أفوض أمري، فإنه ثقتي ، (44) وعليه اعتمادي في أموري.
(45) * * * وقوله: (وإليه أنيب) ، وإليه أقبل بالطاعة ،وأرجع بالتوبة، (46) كما:- 18497- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وإليه أنيب)، قال: أرجع.
18498- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18499- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، قال ، 18500- .
.
.
.
وحدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (وإليه أنيب) ، قال: أرجع.
18501- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (وإليه أنيب) ، قال: أرجع.
* * * ------------------------ الهوامش: (44) في المطبوعة والمخطوطة : " فإنه ثقتي " ، ولعل الصواب ما أثبت .
(45) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف من فهارس اللغة ( وكل ) .
(46) انظر تفسير " الإنابة " فيما سلف ص : 406 .
قوله تعالى : قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي تقدم .
ورزقني منه رزقا أي واسعا حلالا ، وكان شعيب - عليه السلام - كثير المال ، قاله ابن عباس وغيره .
وقيل : أراد به الهدى والتوفيق والعلم والمعرفة ، وفي الكلام حذف ، وهو ما ذكرناه ; أي أفلا أنهاكم عن الضلال !
وقيل : المعنى أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أتبع الضلال ؟
وقيل : المعنى أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف ، وقد أغناني الله عنه ." وما أريد أن أخالفكم " في موضع نصب ب " أريد " .إلى ما أنهاكم عنه أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه ، كما لا أترك ما أمرتكم به .إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت أي ما أريد إلا فعل الصلاح ; أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل ، وآخرتكم بالعبادة ، وقال : " ما استطعت " لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة .
وما مصدرية ; أي إن أريد إلا [ ص: 80 ] الإصلاح جهدي واستطاعتي ." وما توفيقي " أي رشدي ، والتوفيق الرشد ." إلا بالله عليه توكلت " أي اعتمدت ." وإليه أنيب " أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب .
وقيل : إليه أرجع في الآخرة .
وقيل : إن الإنابة الدعاء ، ومعناه وله أدعو .
{ قَالَ ْ} لهم شعيب: { يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ْ} أي: يقين وطمأنينة، في صحة ما جئت به، { وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ْ} أي: أعطاني الله من أصناف المال ما أعطاني.
{ وَ ْ} أنا لا { أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ْ} فلست أريد أن أنهاكم عن البخس، في المكيال، والميزان، وأفعله أنا، وحتى تتطرق إليَّ التهمة في ذلك.
بل ما أنهاكم عن أمر إلا وأنا أول مبتدر لتركه.
{ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ْ} أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي، شيء بحسب استطاعتي.
ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: { وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ْ} أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي.
{ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ْ} أي: اعتمدت في أموري، ووثقت في كفايته، { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ْ} في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي [هذا] التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات.
وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ْ} وقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ْ}
( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة ) بصيرة وبيان ، ( من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ) حلالا .
وقيل : كثيرا .
وكان شعيب عليه السلام كثير المال .
وقيل : الرزق الحسن العلم والمعرفة .
( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) أي : ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه .
( إن أريد ) ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه ( إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ) والتوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة .
( عليه توكلت ) اعتمدت ، ( وإليه أنيب ) أرجع فيما ينزل بي من النوائب .
وقيل : في المعاد .
«قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا» حلالا أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف «وما أريد أن أخالفكم» وأذهب «إلى ما أنهاكم عنه» فأرتكبه «إن» ما «أريد إلا الإصلاح» لكم بالعدل «ما استطعت وما توفيقي» قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات «إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» أرجع.
قال شعيب: يا قوم أرأيتم إن كنت على طريق واضح من ربي فيما أدعوكم إليه من إخلاص العبادة له، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال، ورزقني منه رزقًا واسعًا حلالا طيبًا؟
وما أريد أن أخالفكم فأرتكب أمرًا نهيتكم عنه، وما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا إصلاحكم قَدْر طاقتي واستطاعتي، وما توفيقي -في إصابة الحق ومحاولة إصلاحكم- إلا بالله، على الله وحده توكلت وإليه أرجع بالتوبة والإنابة.
ومع كل هذه السفاهة : ترى شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - يتغاضى عن سفاهاتهم ، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم ، كما يحس بقوة الحق الذى أتاهم به من عند ربه ، فيرد عليهم بقوله : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي .
.
) والبينة : ما يتبين به الحق من الباطل ، ويتميز به الهدى من الضلال .أى : قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم : يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة ، وبصيرة مستنيرة منحنى إياها ربى ومالك أمرى .( وَرَزَقَنِي مِنْهُ ) - سبحانه - ، ( رِزْقاً حَسَناً ) يتمثل فى النبوة التى كرمنى بها ، وفى المال الحلال الذى بين يديى ، وفى الحياة الطيبة التى أحياها .وجواب الشرط محذوف والتقدير : أخبرونى إن كنت كذلك ، هل يليق بى بعد ذلك أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم؟
كلا إنه لا يليق بى ذلك ، وإنما اللائق بى أن أبلغ جميع ما أمرنى بتبليغه دون خوف أو تقصر .ثم يكشف لهم عن أخلاقه وسلوكه معهم فيقول : ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .
.
.
)أى : ما أريد بأمرى لكم بعبادة الله وحده ، وبنهيى إياكم عن التطفيف والبخس ، مجرد مخالفتكم ومنازعتكم ومعاكستكم ، أو أن آمركم بشئ ثم لا أفعله ، أو أنهاكم عنه ثم أفعله ، من أجل تحقيق منفعة دنيوية .
.كلا ، كلا إنى لا أريد شيئا من ذلك وإنما أنا إنسان يطابق قولى فعلى ، وأختار لكم ما أختاره لنفسى .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) يقال : خالفنى فلان إلى كذا : إذا ق صده وأنت مول عنه .
وخالفنى عنه : إذا ولى عنه وأنت تقصده .ويلقاك الرجل صادرا عن المال فتسأله عن صاحبه فيقول : خالفنى إلى الماء ، يريد أنه ذهب إليه واردا ، وهو ذهب عنه صادراً ، ومنه قوله - سبحانه - ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) يعنى : ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التى نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم .وقال الإِمام ابن كثير ، وعن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود - رضى الله عنه - فقالت له : أأنت الذى نتهى عن الواصلة - أى التى تصل شعرها بشعر آخر -؟
قال : نعم .
فقالت : فلعله فى بعض نسائك ، فقال : ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) .ثم بين لهم أنه ما ريد لهم إلا الإِصلاح فيقول : ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت .
.
.
)أى : ما أريد بما أنصحكم به إلا إصلاحكم وسعادتكم ، وما دمت أستطيع ذلك ، وأقدر عليه ، فلن أقصر فى إسداء الهداية لكم .ثم يفوض الأمور إلى الله - تعالى - فيقول : ( وَمَا توفيقي إِلاَّ بالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) .أى : وما توفيقى فيما أدعوكم إليه من خير أو أنهاكم عنه من شر إلا بتأييد الله وعونه ، فهو وحده الذى عليه أتوكل وأعتمد فى كل شئونى ، وهو وحده الذى إليه أرجع فى كل أمورى .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ أصلاتك ﴾ بغير واو.
والباقون ﴿ أصلواتك ﴾ على الجمع.
المسألة الثانية: اعلم أن شعيباً عليه السلام أمرهم بشيئين، بالتوحيد وترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة، فقوله: ﴿ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد وقوله: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس.
أما الأول: فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد، لأنهم استبعدوا منه أن يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني الطريقة التي أخذناها من آبائنا وأسلافنا كيف نتركها، وذلك تمسك بمحض التقليد.
المسألة الثالثة: في لفظ الصلاة وهاهنا قولان: الأول: المراد منه الدين والإيمان، لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين، أو نقول: الصلاة أصلها من الإتباع ومنه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق وهما ناحيتا الفخذين والمراد: دينك يأمرك بذلك.
والثاني: أن المراد منه هذه الأعمال المخصوصة، روي أن شعيباً كان كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم: أصلاتك تأمرك السخرية والهزؤ، وكما أنك إذا رأيت معتوهاً يطالع كتباً ثم يذكر كلاماً فاسداً فيقال له: هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزؤ والسخرية فكذا هاهنا.
فإن قيل: تقدير الآية: أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء وهم إنما ذكروا هذا الكلام على سبيل الإنكار، وهم ما كانوا ينكرون كونهم فاعلين في أموالهم ما يشاؤن، فكيف وجه التأويل.
قلنا: فيه وجهان: الأول: التقدير: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نترك فعل ما نشاء، وعلى هذا فقوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ ﴾ معطوف على ما في قوله: ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ والثاني: أن تجعل الصلاة آمرة وناهية والتقدير: أصلواتك تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان وتنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ أَوْ أَن تَفْعَلْ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاء ﴾ بتاء الخطاب فيهما وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والاقتناع بالحلال القليل وأنه خير من الحرام الكثير.
ثم قال تعالى حكاية عنهم: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ وفيه وجوه: الوجه الأول: أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية به، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك.
والوجه الثاني: أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم والرشد.
والوجه الثالث: أنه عليه السلام كان مشهوراً عندهم بأنه حليم رشيد، فلما أمرهم بمفارقة طريقتهم قالوا له: إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف الطريقة في هذا الباب، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفاً بالحلم والرشد، وهذا الوجه أصوب الوجوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ ﴾ أي من لدنه ﴿ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ وهو ما رزقه من النبوّة والحكمة.
وقيل ﴿ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ حلالاً طيباً من غير بخس ولا تطفيف.
فإن قلت: أين جواب ﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ وما له لم يثبت كما أثبت في قصة نوح ولوط؟
قلت: جوابه محذوف، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في القصتين دلّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه.
والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبياً على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولي عنه وأنت قاصده.
ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه؟
فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ ﴾ يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح ﴾ ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر ﴿ مَا استطعت ﴾ ظرف، أي: مدّة استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهداً.
أو بدل من الإصلاح، أي: المقدار الذي استطعته منه.
ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف على قولك: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت.
أو مفعول له كقوله: ضَعِيفُ النِّكَايةِ أَعْدَاءَهُ أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم ﴿ وَمَا توفيقى إِلاَّ بالله ﴾ وما كوني موفقاً لإصابة الحق فيما آتي وأذر، ووقوعه موافقاً لرضا الله إلا بمعونته وتأييده والمعنى: أنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه، وطلب منه التأييد والإظهار على عدوّه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ.
﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وهو اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، والضَّمِيرُ في ﴿ مِنهُ ﴾ لِلَّهِ أيْ مِن عِنْدِهِ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ مِنِّي في تَحْصِيلِهِ.
﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ أيْ وما أُرِيدُ أنْ آتِيَ ما أنْهاكم عَنْهُ لِأسْتَبِدَّ بِهِ دُونَكم، فَلَوْ كانَ صَوابًا لَآثَرْتُهُ ولَمْ أُعْرِضْ عَنْهُ فَضْلًا عَنْ أنْ أنْهى عَنْهُ، يُقالُ خالَفْتُ زَيْدًا إلى كَذا إذا قَصَدْتُهُ وهو مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفْتُهُ عَنْهُ إذا كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، ﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِأمْرِي بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِي عَنِ المُنْكَرِ ما دُمْتُ أسْتَطِيعُ الإصْلاحَ، فَلَوْ وجَدْتُ الصَّلاحَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَما نَهَيْتُكم عَنْهُ، ولِهَذِهِ الأجْوِبَةِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا النَّسَقِ شَأْنٌ: وهو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ أحَدَ حُقُوقِ ثَلاثَةٍ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ، وثالِثُها حَقُّ النّاسِ.
وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ آمُرَكم بِما أمَرْتُكم بِهِ وأنْهاكم عَمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ.
و ﴿ ما ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ وقِيلَ خَبَرِيَّةٌ بَدَلٌ مِنَ ﴿ الإصْلاحَ ﴾ أيِ المِقْدارُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ إصْلاحُ ما اسْتَطَعْتُهُ فَحُذِفَ المُضافُ.
﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ ﴾ وما تَوْفِيقِي لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ إلّا بِهِدايَتِهِ ومَعُونَتِهِ.
﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فَإنَّهُ القادِرُ المُتَمَكِّنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وما عَداهُ عاجِزٌ في حَدِّ ذاتِهِ، بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أقْصى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ.
﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، وهو أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ.
وفي هَذِهِ الكَلِماتِ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةُ بِهِ في مَجامِعِ أمْرِهِ والإقْبالُ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ، وحَسْمُ أطْماعِ الكُفّارِ وإظْهارُ الفَراغِ عَنْهم وعَدَمُ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ لِلْجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)
{قال يا قوم أرأيتم إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ} من لدنه {رِزْقًا حَسَنًا} يعني النبوة والرسالة أو مالاً حلالاً من غير بخس وتطفيف وجواب أرأيتم محذوف أي أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول خالفني إلى الماء يريد أنه قد ذهب إليه وأراد وأنا ذاهب عنه صادراً ومنه قوله {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ} يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح} ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر {مَا استطعت} ظرف أى مدة استطاعتى للاصلاح ومادمت متمكنا منه آلو فيه جهداً {وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله} وما كونى موفقا لإصابة الحق فيما آنى وآذر إلا بمعونته وتأييده {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اعتمدت {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أرجع في السراء والضرآء
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن رَبِّي ومالِكٌ أُمُورِي ورَزَقَنِي مِنهُ مِن لَدُنْهِ سُبْحانَهُ رِزْقًا حَسَنًا هو النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والجَوابُ عَلَيْهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ، والكَلامُ المُصَنَّفُ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ إنِّي لَمْ أزَلْ مُرْشِدًا لَكم حَلِيمًا فِيما بَيْنَكم لَكِنْ ما جِئْتُ بِهِ لَيْسَ غَيْرَ الإرْشادِ والنَّصِيحَةِ لَكُمُ، انْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ وأنْتُمْ ألِبّاءٌ إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي وأنا مُرْشِدُكم والنّاصِحُ لَكم أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ مَعْنى الإرْشادِ وأدْرَجَ مَعِيَّ الحِلْمِ فِيما سَيَأْتِي مِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَذا قَرَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.
واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ كَوْنِهِ باقِيًا عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ مَقامَ الِاسْتِهْزاءِ آبٍ عَنْهُ، وذَكَرَ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ المُرادَ بِالبَيِّنَةِ والرِّزْقِ الحَسَنِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ، وأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما مَعَ كَوْنِهِما بَيِّنَةَ رِزْقٍ حَسَنٍ كَيْفَ لا وذَلِكَ مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأُمَّتِهِ، وأنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ عَلى مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المُتَضَمِّنَةِ زَعْمَ عَدَمِ اسْتِنادِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ إلى سَنَدٍ ثُمَّ قالَ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ، أيْ أتَقُولُونَ والمَعْنى أنَّكم عَدَدْتُمْ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي مِن قَبِيلِ ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ وجَعَلْتُمُوهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، واسْتَهْزَأْتُمْ بِي وبِأفْعالِي وقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ مِن جِهَةِ رَبِّي ومالِكِ أُمُورِي ثابِتًا عَلى النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ لِلْكَمالِ ولا مَطْمَحَ لِطامِحٍ ورَزَقَنِي لِذَلِكَ رِزْقًا حَسَنًا أتَقُولُونَ في شَأْنِي وشَأْنِ أفْعالِي ما تَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ولا شَرَّ وراءَهُ !
وادَّعى أنَّ هَذا هو الجَوابُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ ويُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.
وفَسَّرَ القاضِي الرِّزْقَ الحَسَنَ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ الحَلالِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ في تَحْصِيلِهِ، وقُدِّرَ جَوابُ الشَّرْطِ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم ما قَدَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.
وزَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ ذَيْنَكَ التَّقْدِيرَيْنِ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ، وأنَّهُما إنَّما يُناسِبانِ إنْ حُمِلَ كَلامُهم عَلى الحَقِيقَةِ وأُرِيدَ بِالصَّلاةِ الدِّينَ حَسْبَما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وعَطاءٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ذَلِكَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ فَقَطْ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ورَزَقَنِي مالًا حَلالًا أسْتَغْنِي بِهِ عَنِ العالَمِينَ أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ أوْ أُوافِقَكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، انْتَهى.
وأقُولُ: لا يَخْفى أنَّ المُناسِبَ لِلْمَقامِ حَمْلُ الرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ الخالِي عَنِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ، وتَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ نَحْوَ ما قَدَّرَهُ القاضِي لَيْسَ في الكَلامِ ما يَأْبى عَنْهُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ والصَّلاةِ عَلى الدِّينِ، بَلْ يَتَأتّى تَقْدِيرُ ذَلِكَ ولَوْ كانَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والصَّلاةُ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى لَمّا قالُوا في ظِلالِ الضَّلالِ وقالُوا ما قالُوا في حَقِّ نَبِيِّهِمْ وما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الأفْعالِ لَمْ يَكُنْ لَهم مَقْصُودٌ إلّا تَرْكَ الدَّعْوَةِ وتَرْكَهم وما يَفْعَلُونَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيحًا لِرَدِّ قَوْلِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِرَمْيِهِ وحاشاهُ بِالوَسْوَسَةِ والجُنُونِ والسَّفَهِ والغِوايَةِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْتَحِقُّ جَوابًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ وتَعَرَّضَ لِجَوابِهِمْ عَمّا قَصَدُوهُ بِكَلامِهِمْ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ أطْماعِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَعَ الإشارَةِ إلى رَدِّ ما تَضَمَّنَتْهُ مَقالَتُهُمُ الشَّنْعاءُ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: يا قَوْمِ إنَّكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ وضَمَّنْتُمُوها ما هو ظاهِرُ البُطْلانِ لِقَصْدِ أنْ أتْرُكَكم وشَأْنَكم مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ونَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومُسْتَثْنِيًّا بِما رَزَقَنِي مِنِ المالِ الحَلالِ عَنْكم وعَنْ غَيْرِكم أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ وحْيَهُ وأُوافِقَ هَواكُمْ؟
لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنِّي أصْلًا فَإذَنْ لا فائِدَةَ لَكم في هَذا الكَلامِ الشَّنِيعِ ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في هَذا الجَوابِ إشارَةً إلى وصْفِهِمْ بِنَحْوِ ما وصَفُوهُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طَلَبَكم مِنِّي تَرْكَ الدَّعْوَةِ ومُوافَقَةَ الهَوى مَعَ أنِّي مَأْمُورٌ بِدَعْوَتِكم وغَنِيٌّ عَنْكم مِمّا لا يَصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ ولا يَرْتَكِبُهُ إلّا سَفِيهٌ غاوٍ وكَأنَّ التَّعَرُّضَ لِذِكْرِ الرِّزْقِ مَعَ الكَوْنِ عَلى بَيِّنَةٍ لِلْإشارَةِ إلى وُجُودِ المُقْتَضى وارْتِفاعِ ما يُظَنُّ مانِعًا، ولا يَخْفى ما في إخْراجِ الجَوابِ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الحُسْنِ فَتَأمَّلْ.
بَقِيَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ النُّحاةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ أعْنِي أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ إلَخْ أنْ تُقَدَّرَ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي -لِأرَأيْتُمُ- المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى أخْبَرُونِي المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وجَوابُ الشَّرْطِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي فَأخْبِرُونِي هَلْ يَسَعُ لِي إلَخْ..
فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ، وما أُرِيدُ بِنَهْيِي إيّاكم عَمّا أنْهاكم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ ﴿ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ أيْ أقْصِدُهُ بَعْدَما تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ فَأسْتَبِدُّ بِهِ دُونَكم كَما هو شَأْنُ بَعْضِ النّاسِ في المَنعِ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ.
قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ ما ذَكَرُوهُ أنَّ ﴿ أنْ أُخالِفَكُمْ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ -لِأُرِيدُ- أيْ وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكُمْ، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى خَلَفَ نَحْوُ جاوَزَ وجازَ، ويَكُونُ المَعْنى وما أُرِيدُ أنْ أكُونَ خَلَفًا مِنكم و(إلى) مُتَعَلِّقَةٌ بِأُخالِفَ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ مَعْطُوفٌ عَلى المَذْكُورِ، أيْ وأمِيلُ إلى إلَخْ...
ويَجُوزُ أنْ يَبْقى (أُخالِفُ) عَلى ظاهِرِهِ مِنَ المُخالَفَةِ ويَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ -لِأُرِيدَ- ويُقَدَّرُ مائِلًا إلى كَما تَقَدَّمَ أوْ يَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ و(إلى ما) مُتَعَلِّقًا -بِأُرِيدُ- أيْ وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقالَ الزَّجّاجُ في مَعْنى ذَلِكَ: أيْ ما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ ﴿ إنْ أُرِيدُ ﴾ أيْ ما أُرِيدُ بِما أقُولُ لَكم ﴿ إلا الإصْلاحَ ﴾ أيْ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِالنَّصِيحَةِ والمَوْعِظَةِ ما اسْتَطَعْتُ أيْ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي ذَلِكَ وتَمَكُّنِّي مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا، فَما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.
وجَوَّزَ فِيها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ أيِ المِقْدارِ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ أوْ إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، وهي إمّا بَدَلُ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الإصْلاحِ ما يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ، وعَلَيْهِ وعَلى الأوَّلِ يُقَدَّرُ ضَمِيرٌ أيْ مِنهُ لِأنَّهُ في مِثْلِ ذَلِكَ لا بُدَّ مِنهُ وجَوَّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِلْمَصْدَرِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ: ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ يُخالُ الفِرارَ يُراخِي الأجَلَ أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكُمُ الأبْلَغُ الأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ لِأنَّ في احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ إضْمارًا وفَواتَ المُبالَغَةِ، وفي الِاحْتِمالِ الأخِيرِ إعْمالُ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ في المَفْعُولِ بِهِ، وفِيهِ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ويَقِلُّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فَواتُها وزِيادَةُ إضْمارِ مَفْعُولِ اسْتَطَعْتُ ﴿ وما تَوْفِيقِي ﴾ أيْ ما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِتَحْقِيقِ ما أتَوَخّاهُ مِن إصْلاحِكم إلّا بِاللَّهِ أيْ بِتَأْيِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعُونَتِهِ.
واخْتارَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ وما تَوْفِيقِي لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ في كُلِّ ما آتِي وأذَرُ إلّا بِهِدايَتِهِ تَعالى ومَعُونَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وما كَلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ تَوْفِيقِي لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مِن صِيَغِ العُمُومِ ويُؤَوَّلُ إلى هَذا ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى ما جِنْسُ تَوْفِيقِي؛ لِأنَّ انْحِصارَ الجِنْسِ يَقْتَضِي انْحِصارَ أفْرادِهِ، لَكِنْ عَلى الأوَّلِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ وعَلى الثّانِي بِطَرِيقِ المَنطُوقِ، وتَقْدِيرُ المُضافِ بَعْدَ الباءِ مِمّا التَزَمَهُ كَثِيرٌ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: دَفْعُ الِاسْتِشْكالِ بِأنَّ فاعِلَ التَّوْفِيقِ هو اللَّهُ تَعالى وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ بِالباءِ لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى الآلَةِ فَلا يَحْسُنُ ضَرْبِي بِزَيْدٍ وإنَّما يُقالُ: مِن زَيْدٍ فالِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ بِناءً عَلى هَذا وما تَوْفِيقِي إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ ووَجْهُ الدَّفْعِ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ ظاهِرٌ لِأنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ عَلى الفاعِلِ حِينَئِذٍ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِما أنَّ التَّوْفِيقَ وهو كَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ مُوافِقًا لِما يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى ويَرْضاهُ لا يَكُونُ إلّا بِدَلالَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، ومُجَرَّدُ الدَّلالَةِ لا يُجْدِي بِدُونِ المَعُونَةِ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في ذَلِكَ أوْ في جَمِيعِ أُمُورِي لا عَلى غَيْرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ القادِرُ المُتَمَكِّنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ عاجِزٌ في حَدِّ ذاتِهِ بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكِتابُ وعايَنَهُ أُولُو البَصائِرِ والألْبابِ وإلَيْهِ المَصِيرُ.
أيْ أرْجِعُ فِيما أنا بِصَدَدِهِ أوْ أقْبَلُ بِشَرٍّ اسْتَشْرى في مَجامِعِ أُمُورِي لا إلى غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وكَأنَّ إيثارَ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيها عَلى الماضِي الأنْسَبُ لِلتَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ كَما في التَّوَكُّلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ولا يَخْفى ما في جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ خَطِيبٍ إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ لِأجْوِبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثَةِ يَعْنِي يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إلَخْ..
وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلَخْ..
وإنْ أُرِيدُ إلَخْ..
عَلى هَذا النَّسَقِ شَأْنٌ وهو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِيهِ ويَذَرُهُ ثَلاثَةَ حُقُوقٍ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الجَوابَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِن شُكْرِ نِعْمَتِهِ والِاجْتِهادِ في خِدْمَتِهِ، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّانِيَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ نَفْسِهِ مِن كَفِّها عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَهِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وثالِثُها حَقُّ النّاسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّالِثَ مُتَضَمِّنٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حَقَّ الغَيْرِ إصْلاحُهُ وإرْشادُهُ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ قَوْلَهُ: إنْ أُرِيدُ إلَخْ..
عَلى ما قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا ومُقَرِّرًا لَهُ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الِاسْتِئْثارَ بِما نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْإصْلاحِ ولا يُنافِي هَذا كَوْنَهُ مُتَضَمِّنًا لِجَوابٍ آخَرَ، وكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وما تَوْفِيقِي ﴾ إلَخْ..
إزاحَةٌ لِما عَسى أنْ يُوهِمَهُ إسْنادُ الِاسْتِطاعَةِ إلَيْهِ بِإرادَتِهِ مِنِ اسْتِبْدادِهِ بِذَلِكَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وفِيهِ مَعَ ما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ قَدِ اشْتَمَلَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُراعاةِ لُطْفِ المُراجَعَةِ ورِفْقِ الِاسْتِنْزالِ والمُحافَظَةِ عَلى حُسْنِ المُجاراةِ والمُحاوَرَةِ وتَمْهِيدِ مَعاقِدِ الحَقِّ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِن جانِبِهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ في أُمُورِهِمْ وحَسْمِ أطْماعِ الكُفّارِ وإظْهارِ الفَراغِ عَنْهم وعَدَمِ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ، قِيلَ: وفِيهِ أيْضًا تَهْدِيدُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْجَزاءِ وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ يُكَنّى بِهِ عَنِ الجَزاءِ وهو وإنْ كانَ هُنا مَخْصُوصًا بِهِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ لَكِنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وفِيهِ مَعَ خَفاءِ وجْهِ الإشارَةِ أنَّ الإنابَةَ إنَّما هي الرُّجُوعُ الِاخْتِيارِيُّ بِالفِعْلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا الرُّجُوعُ الِاضْطِرارِيُّ لِلْجَزاءِ وما يَعُمُّهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في قَوْلِهِ: ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) إشارَةً أيْضًا إلى تَهْدِيدِهِمْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الكافِي المُعِينُ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا بِالجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ يعني: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: وحدوا الله وأطيعوه، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يعني: ليس لكم رب سواه، وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ في البيع والشِّراء، إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يعني: بسعة في المال والنعمة، وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ يعني: إن لم ترجعوا عن نقصان المكيال والميزان، تزول عنكم النعمة والسعة، ويصيبكم القحط والشدة وعذاب الآخرة.
وقال مجاهد: إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يعني: برخص السعر.
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ، يعني: أتموا الكيل والوزن بِالْقِسْطِ يقول: بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يعني: لا تنقصوا الناس حقوقهم وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يعني: لا تسعوا في الأرض بالفساد والمعاصي، ونقصان الكيل والوزن.
وقال سعيد بن المسيب: إذا أتيت أرضاً يوفون المكيال والميزان فأطل المقام بها، وإذا أتيت أرضاً ينقصون المكيال والميزان، فأقل المقام بها.
وقال عكرمة: أشهد أن كل كيال ووزان في النار، قيل له: فمن وفى الكيل والوزن؟
قال: ليس رجل في المدينة يكيل كما يكتال، ولا يزن كما يوزن، والله تعالى يقول: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: 1] .
ثم قال: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ قال ابن عباس: «ما أبقى الله لكم من الحلال، خير لكم من الحرام» إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين، فصدقوني فيما أقول لكم ويقال: ثواب الله خير لكم في الآخرة.
وقال مجاهد: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: طاعة الله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ خير لكم ويقال: ثواب الله خير لكم في الآخرة.
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يعني: رقيباً ووكيلاً، وإنما عليّ البلاغ.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ذهبت فرقةٌ، منهم ابن عباس إِلى أَن الحجارة التي رُمُوا بها كَانَتْ كالآجُرِّ المطبوخِ «١» ، كانَتْ من طينٍ قد تحجَّر، وأَن سِجِّيلاً معناها: ماءٌ وطينٌ، وهذا القول هو الذي عليه الجمهورُ، وقالت فرقة: «من سِجِّيلٍ» : معناه: مِنْ جهنَّم لأنه يقالُ: سِجّيل وسِجِّين، حَفِظَ فيها بَدَلَ النُّون لاماً، وقيل غير هذا ومَنْضُودٍ: معناه: بعضه فوق بعض، متتابع، ومُسَوَّمَةً: أي: مُعْلَمةٌ بعلامة.
وقوله تعالى: وَما هِيَ: إِشارةٌ إِلى الحِجَارة، والظالمون: قيل: يعني قريشاً، وقيل: يريد عمومَ كلِّ مَن اتصف بالظُّلْمِ، وهذا هو الأصَحُّ، وقيل: يعني بهذا الإِعلامَ بأَنَّ هذه البلادَ قريبةٌ من مكَّة، وما تقدّم أبين.
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)
وقوله عز وجل: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ...
الآية: قوله: بِخَيْرٍ: قال ابن عباس: معناه: في رُخْصٍ من الأسعار «٢» ، وقيل: قوله: بِخَيْرٍ: عامّ في جميع نعم الله تعالى، وتَعْثَوْا: معناهُ تَسْعُوْنَ في فسادٍ، يقال: عَثَا يَعْثُو، وعثى يعثي إذا أفسد.
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤)
وقوله: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ: قال ابن عباس: معناه: الذي يُبْقِي اللَّه لكُمْ من أموالكم بَعْد توفيتكم/ الكَيْلَ والوَزْن خيرٌ لكم مما تستكثرونَ به على غير وجْهه «١» ، وهذا تفسيرٌ يليق بلفظ الآية، وقال مجاهد: معناه: طاعةُ اللَّه «٢» ، وهذا لا يعطيه لفْظُ الآية.
قال ص: وقرأ الحسنُ «٣» : «تَقِيَّةُ اللَّهِ» ، أي: تقواه.
قال ع «٤» : وإِنما المعنى عندي: إِبقاءُ الله عليكم إن أطعتم، وقولهم:
أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا: قالت فرقة: أرادوا الصلواتِ المعروفةَ، وروي أن شعيباً عليه السلام كان أكْثَرَ الأنبياءِ صلاةً، وقال الحسنُ: لم يَبْعَث اللَّهُ نبيًّا إِلا فرض عَلَيْه الصَّلاة والزَّكَاة «٥» ، وقيل: أرادوا: أدعواتُكَ، وذلك أنَّ من حَصَّل في رتبةٍ مِنْ خيرٍ أَو شَرٍّ، ففي الأكثر تَدْعُوه رتبته إِلى التزيُّد من ذلك النوْعِ، فمعنى هذا: لما كنْتَ مصلِّياً، تجاوزْتَ إِلى ذمِّ شرعنا وحالِنا، فكأن حاله من الصلاة جَسَّرته علَى ذلك، فقيل: أَمَرَتْه كما قال تعالَى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] .
قال ص، وع «٦» : أَوْ أَنْ نَفْعَلَ: معطوفٌ على مَا يَعْبُدُ، و «أو» للتنويعِ، انتهى.
وظاهر حالِهِمُ الذي أشاروا إِليه هو بَخْسُ الكيل والوَزْنِ الذي تقدَّم ذكره، وروي أن الإِشارة إِلى قَرْضِهِمْ الدِّينار والدِّرْهم، وإِجراء ذلك مع الصَّحِيح على جهة التدْلِيسِ قاله محمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ «٧» ، وتؤوّل أيضا بمعنى تبديل السّكك التي يقصد بها أكْلُ أموالِ الناس، قال ابنُ العربيِّ «٨» : قال ابن المسيَّب: قطع الدنانير والدَّرَاهم مِنَ الفساد في
الأرْضِ وكذلك قال زيد بن أسْلَمَ في «١» هذه الآية، وفَسَّرها به، ومثله عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ من رواية مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ: وإِذا كان قَطْعُ الدنانير والدَّراهمِ وقَرْضُها من الفسَادِ، عُوقِبَ مَنْ فَعَلَ ذلك، وقَرْضُ الدراهم غَيْرُ كَسْرها فإِن الكسر: فسادُ الوصفُ، والقَرْض: تنقيصٌ للقَدْر، وهو أَشَدُّ من كَسْرها، فهو كالسرقة.
انتهى من «الأحكام» مختصراً، وبعضه بالمعنَى، وقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ: قيل: إِنهم قالوه على جهة الحقيقة، أي: أنت حليم رشيدٌ، فلا ينبغي لك أنْ تَنْهَانا عن هذه الأحوالِ، وقيل:
إِنما قالوا هذا على جهة الاستهزاء.
وقوله: وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً: أي: سالماً من الفَسَادِ الذي أدْخَلْتُم في أمْوالكم، وجوابُ الشَّرْط الذي في قوله: إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي محذوفٌ، تقديره:
أَأَضِلُّ كما ضَلَلْتُمْ، أو أتركُ تبليغَ رِسَالَةِ ربِّي، ونحو هذا.
وقوله: لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ: معناه: لا يكسبنّكم، وشِقاقِي: معناه: مُشَاقتي، وَعَدَاوَتِي و «أَنْ» : مفعولةٌ ب يَجْرِمَنَّكُمْ.
قال ص، وع «٢» : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ: أي: بزمانٍ بعيدٍ، أو بمكانٍ.
قال ص: وَدُودٌ بناءُ مبالغةٍ مِنْ وَدَّ الشَّيْءَ، إِذا أَحَبَّه، وآثره.
ع «٣» : ومعناه: أن أفعاله سُبْحَانَهُ وَلُطْفه بعباده لَمَّا كَانَتْ في غاية الإِحْسَان إِليهمْ، كانَتْ كَفِعْلِ مَنْ يتودَّد وَيَوَدُّ المصنوعَ له، وقولُهم: مَا نَفْقَهُ: كقولِ قريشٍ:
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: ٥] ، والظاهر من قولهم: إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً: أنهم أرادوا ضَعْفَ الانتصار والقُدْرة، وأنَّ رهطه الكَفَرة يُرَاعَوْنَ فيه، والرَّهْط: جماعةُ الرجُلِ، وقولهم: لَرَجَمْناكَ أي: بالحجارة قاله ابن زَيْد، وقيل «٤» : بالسَّبِّ باللسان، وقولهم:
بِعَزِيزٍ: أي: بذي منعةٍ وعزةٍ، ومنزلةٍ، و «الظِّهْرِيُّ» : الشيءُ الذي يكونُ وراءَ الظهر، وذلك يكون في الكَلاَم على وجهين: إِما بمعنى الاطراح كما تقولُ: جَعَلْتَ كلامِي وَرَاءَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى مَدْيَنَ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في (الأعْرافِ:٨٥) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ ﴾ أيْ: تُطَفِّفُوا؛ وكانُوا يُطَفِّفُونَ مَعَ كُفْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رُخْصُ الأسْعارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: سَعَةُ المالِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أمْوالُكم كَثِيرَةٌ، وأسْعارُكم رَخِيصَةٌ، فَأيُّ حاجَةٍ بِكم إلى سُوءِ الوَزْنِ والكَيْلِ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ غَلاءُ السِّعْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: القَحْطُ والجَدْبُ والغَلاءُ.
والثّانِي: العَذابُ في الدُّنْيا، وهُوالَّذِي أصابَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: عَذابُ النّارِ في الآخِرَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ: أتِمُّوا ذَلِكَ بِالعَدْلِ.
والإيفاءُ: الإتْمامُ.
﴿ وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ بِنَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أصَلَواتُكَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "أصَلاتُكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ في التَوْبَةِ: إنَّ صَلاتَكَ، وفي (المُؤْمِنُونَ): "عَلى صَلاتِهِمْ"، كُلُّ ذَلِكَ بِالإفْرادِ.
واخْتُلَفَ في مَعْنى الصَلاةِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا الصَلَواتِ المَعْرُوفَةَ، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إلّا فَرْضَ عَلَيْهِ الصَلاةَ والزَكاةَ.
وقِيلَ: أرادُوا: قِراءَتُكَ، وقِيلَ: أرادُوا: أمَساجِدُكَ؟
وقِيلَ: أرادُوا: أدَعَواتُكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقْرَبُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ والرابِعُ.
وجَعَلُوا "الأمْرَ" مَن فَعَلَ الصَلَواتِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن حَصَلَ في رُتْبَةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ فَفي الأكْثَرِ تَدْعُوهُ رُتَبُهُ إلى التَزَيُّدِ مِن ذَلِكَ النَوْعِ، فَمَعْنى هَذا: ألَمّا كُنْتَ مُصَلِّيًا تَجاوَزْتَ إلى ذَمِّ شَرْعِنا وحالِنا؟
فَكَأنَّ حالَهُ مِنَ الصَلاةِ جَسَّرَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَتْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ .
وقَوْلُهُمْ: ﴿ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ نَصٌّ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَفْعَلُ" و "نَشاءُ" بِنُونِ الجَماعَةِ فِيهِما، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: "تَفْعَلُ" و "تَشاءُ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ فِيهِما، ورُوِيَتْ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَفْعَلُ" بِالنُونِ.
"ما تَشاءُ" بِالتاءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما فـَ "أنْ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "ما" لا عَلى "أنْ" الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟
وهَذا قَلْبُ ما قَصَدُوهُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالتاءِ فِيهِما فَيَصِحُّ عَطْفُ "أنْ" الثانِيَةُ عَلى "أنْ" الأُولى، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى "ما" ويَتِمُّ المَعْنى في الوَجْهَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ "نَتْرُكَ" في الأوَّلِ بِمَعْنى: نَرْفُضُ، وفي الثانِي بِمَعْنى: نُقَرِّرُ، فَيَتَعَذَّرُ عِنْدِي هَذا الوَجْهُ لِما ذَكَرْتُهُ مِن تَنَوُّعِ التَرْكِ عَلى الحُكْمِ اللَفْظِيِّ، أو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ ألا تَرى أنَّ التَرْكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُونِ في الفِعْلَيْنِ إنَّما هو بِمَعْنى الرَفْضِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ في "نَفْعَلُ" والتاءِ في "تَشاءُ" فَـ "أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَطِفَ عَلى "ما" لِأنَّ المَعْنى أيْضًا يَنْقَلِبُ فَتُدَبِّرُهُ.
وظاهِرُ فِعْلِهِمْ هَذا الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الإشارَةَ هي إلى قَرْضِهِمُ الدِينارَ والدِرْهَمَ وإجْراءَ ذَلِكَ مَعَ الصَحِيحِ عَلى جِهَةِ التَدْلِيسِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وغَيْرُهُ.
ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: قَطَعُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، فَتَأوَّلَ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وتُؤَوَّلُ أيْضًا بِمَعْنى أنَّهُ تَبْدِيلُ السِكَكِ الَّتِي يَقْصِدُ بِها أكْلَ أمْوالِ الناسِ.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ ﴾ فَقِيلَ: إنَّما كانَتْ ألْفاظُهُمْ: "إنَّكَ لَأنْتَ الجاهِلُ السَفِيهُ" فَكَنّى اللهُ عن ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ هَذا لَفْظُهم بِعَيْنِهِ إلّا أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقِيلَ: بَلْ قالُوهُ عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ وأنَّهُ اعْتِقادُهم فِيهِ، فَكَأنَّهم فَنَّدُوهُ أيْ: أنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ فَلا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَأْمُرَنا بِهَذِهِ الأوامِرِ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلَ اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : « "يا إخْوَةَ القِرَدَةِ"»: "يا مُحَمَّدُ ما عَلِمْناكَ جَهُولًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشُبَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إنَّما هو بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ كَلامِ شُعَيْبٍ وتَلَطُّفِهِ، وبَيْنَ ما بادَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَنِي قُرَيْظَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَفْظِيَّةٌ واسْتِرْسالٌ حَسَنٌ واسْتِدْعاءٌ رَفِيقٌ، ولِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مِن مُحاوَرَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ : « "ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ".» وجَوابُ الشَرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أأضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ وأتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِسالَةِ؟
ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ؟
و ﴿ بَيِّنَةٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: (بَيانٌ) أو بَيِّنٌ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلامَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ الهاءُ هاءَ تَأْنِيثٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ يُرِيدُ: خالِصًا مِنَ الفَسادِ الَّذِي أدْخَلْتُمْ أنْتُمْ في أمْوالِكُمْ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عنهُ مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ فَأسْتَأْثِرَ بِالمالِ لِنَفْسِي، وما أُرِيدُ إلّا إصْلاحَ الجَمِيعِ، وأُنِيبُ مَعْناهُ: أرْجِعُ وأتُوبُ وأسْتَنِدُ.
<div class="verse-tafsir"
تقدّم نظير الآية في قصة نوح وقصة صالح عليهما السّلام.
والمراد بالرزق الحسن هنا مثل المراد من الرحمة في كلام نوح وكلام صالح عليهما السلام وهو نعمة النبوءة، وإنّما عبّر شعيب عليه السّلام عن النبوءة بالرزق على وجه التشبيه مشاكلة لقولهم: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ [هود: 87] لأنّ الأموال أرزاق.
وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام، أو يدل عليه ﴿ إن كنتُ على بينة من ربي ﴾ .
والتقدير: مَاذا يسعكم في تكذيبي، أو ماذا ينجيكم من عاقبة تكذيبي، وهو تحذير لهم على فرض احتمال أن يكون صادقاً، أي فالحزم أن تأخذوا بهذا الاحتمال، أو فالحزم أن تنظروا في كنه ما نهيتكم عنه لتعلموا أنّه لصلاحكم.
ومعنى ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ عند جميع المفسّرين من التّابعين فمَن بعدهم: ما أريد ممّا نهيتكم عنه أن أمنعكم أفعالاً وأنا أفعلها، أي لم أكن لأنْهاكم عنْ شيء وأنا أفعله.
وبيّن في «الكشاف» إفادة التركيب هذا المعنى بقوله «يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مُوَلّ عنه...
ويلقاك الرجلُ صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً» اه.
وبيانه أن المخالفة تدل على الاتصاف بضد حاله، فإذا ذُكرت في غرض دلّت على الاتصاف بضده، ثم يبيّن وجه المخالفة بذكر اسم الشيء الذي حصل به الخلاف مدخولاً لحرف ﴿ إلى ﴾ الدّال على الانتهاء إلى شيء كما في قولهم: خالفني إلى الماء لتضمين ﴿ أخالفكم ﴾ معنى السعي إلى شيء.
ويتعلق ﴿ إلى ما أنهاكم ﴾ بفعل ﴿ أخالفكم ﴾ ، ويكون ﴿ أن أخالفكم ﴾ مفعول ﴿ أريد ﴾ .
فقوله: ﴿ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ أي أن أفعل خلاف الأفعال التي نهيتكم عنها بأن أصرفكم عنها وأنا أصير إليها.
والمقصود: بيان أنه مأمور بذلك أمراً يعمّ الأمة وإياه وذلك شأن الشرائع، كما قال علماؤنا: إنّ خطاب الأمة يشمل الرسول عليه الصلاة والسّلام ما لم يدل دليل على تخصيصه بخلاف ذلك، ففي هذا إظهار أنّ ما نهاهم عنه ينهى أيضاً نفسه عنه.
وفي هذا تنبيه لهم على مَا فِي النهي من المصلحة، وعلى أن شأنه ليس شأن الجبابرة الذين ينهون عن أعمال وهم يأتونها، لأن مثل ذلك يُنْبِئ بعدم النصح فيما يأمرون وينهون، إذ لو كانوا يريدون النصح والخير في ذلك لاختاروه لأنفسهم وإلى هذا المعنى يرمي التوبيخ في قوله تعالى: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ﴾ [البقرة: 44] أي وأنتم تتلون كتاب الشريعة العامة لكم أفلا تعقلون فتعلموا أنكم أولَى بجلب الخير لأنفسكم.
والذي يظهر لي في معنى الآية أن المراد من المخالفة المعاكسة والمنازعة؛ إما لأنه عرف من ملامح تكذيبهم أنهم توهّموه ساعياً إلى التملك عليهم والتجبر، وإما لأنّه أراد أن يقلع من نفوسهم خواطر الشر قبل أن تهجس فيها.
وهذا المحمل في الآية يسمح به استعمال التركيب ومقاصد الرسل وهو أشمل للمعاني من تفسير المتقدّمين، فلا ينبغي قصر تفسير الآية على ما قالوه لأنّه لا يقابل قول قومه ﴿ أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ [هود: 87]، فإنهم ظنوا به أنه مَا قَصَدَ إلاّ مخالفتهم وتخطئتهم ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه، فكان مقتضى إبطال ظِنّتِهم أن يَنفي أن يريد مجرد مخالفتهم، بدليل قوله عقبه ﴿ إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استطعت ﴾ .
فمعنى قوله: ﴿ وما أريد أن أخالفكم ﴾ أنّه ما يريد مجرّد المخالفة كشأن المنتقدين المتقعرين ولكن يخالفهم لمقصد سام وهو إرادة إصلاحهم.
ومن هذا الاستعمال ما ورد في الحديث لمّا جاء وفد فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر الصديق: «أمّرْ الأقرع بن حابس، وقال عمر: أمّرْ فلاناً، فقال أبو بكر لعُمر: ما أردتَ إلى خلافي، فقال عمر: ما أردتُ إلى خلافك».
فهذا التفسير له وجه وجيه في هذه الآية.
وفي هذا ما يدلّ على أن المنتقدين قسمان قسم ينتقد الشيء ويقف عند حد النقد دون ارتقاء إلى بيان ما يصلح المنقود.
وقسم ينتقد ليبيّن وجه الخطأ ثم يعقبه ببيان ما يصلح خطأه.
وعلى هذا الوجه يتعلّق ﴿ إلى ما أنهاكم ﴾ بفعل ﴿ أريد ﴾ وكذلك ﴿ أن أخالفكم ﴾ يتعلق ب ﴿ أريد ﴾ على حذف حرف لام الجر.
والتقدير: ما أريد إلى النهي لأجل أن أخالفكم، أي لمحبة خلافكم.
وجملة ﴿ إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استعطعت ﴾ بيان لجملة ﴿ ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ لأنّ انتفاء إرادة المخالفة إلى ما نهاهم عنه مجمل فيما يريد إثباته من أضداد المنفي فبيّنهُ بأنّ الضد المراد إثباته هو الإصلاح في جميع أوقات استطاعته بتحصيل الإصلاح، فالقصر قصر قلب.
وأفادت صيغة القصر تأكيد ذلك لأن القصر قد كان يحصل بمجرد الاقتصار على النفي والإثبات نحو أن يقول: ما أريد أن أخالفكم أريد الإصلاح، كقول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموءل: تسيل على حد الظبات نفوسنا *** وليست على غير الظبات تسيل ولما بيّن لهم حقيقة عمله وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله فقال: ﴿ وما توفيقي إلاّ بالله ﴾ فسمّى إرادته الإصلاح توفيقاً وجعله من الله لا يحصل في وقت إلاّ بالله، أي بإرادته وهديه، فجملة ﴿ وما توفيقي إلاّ بالله ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أريد ﴾ .
والتوفيق: جعل الشيء وفقاً لآخر، أي طبقاً له، ولذلك عرفوه بأنه خلقُ القدرة والدّاعية إلى الطاعة.
وجملة ﴿ عليه توكّلت ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة، أو من ياء المتكلم في قوله: ﴿ توفيقي ﴾ لأنّ المضاف هنا كالجزء من المضاف إليه فيسوغ مجيء الحال من المضاف إليه.
والتوكّل مضى عند قوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكّل على الله ﴾ في سورة [آل عمران: 159].
والإنابة تقدمت آنفاً في قوله: ﴿ إنّ إبراهيم لحليمٌ أوّاهٌ منيبٌ ﴾ [هود: 75].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ قَدْ ذَكَرْنا تَأْوِيلَهُ.
﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المالُ الحَلالُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ المالِ.
الثّانِي: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ، أفَأعْدِلُ مَعَ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ أيْ لا أفْعَلُ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ كَما لا أتْرُكُ ما أمَرْتُكم بِهِ.
﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ ومَعْناهُ ما أُرِيدُ إلّا فِعْلَ الصَّلاحِ ما اسْتَطَعْتُ، لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ مِن شَرْطِ الفِعْلِ دُونَ الإرادَةِ.
﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنابَةَ الرُّجُوعُ ومَعْناهُ وإلَيْهِ أرْجِعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ الإنابَةَ الدُّعاءُ، ومَعْناهُ وإلَيْهِ أدْعُو، قالَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْلى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ قال: رخص السعر ﴿ وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ﴾ قال: غلاء السعر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: رزق الله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بقية الله خير لكم ﴾ يقول: حظكم من ربكم خير لكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ يقول: طاعة الله.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: وصية الله ﴿ خير لكم ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه في قوله: ﴿ أصلواتك تأمرك ﴾ قال: أقراءتك.
وأخرج ابن عساكر عن الأحنف رضي الله عنه.
أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا شعيب أصلواتك تأمرك...
﴾ الآية.
قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها، وإن شئنا طرحناها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، وهو قوله: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رضي الله عنه ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ قال: قرض الدراهم، وهو من الفساد في الأرض.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وأبو الشيخ وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قطع الدراهم والدنانير المثاقيل التي قد جازت بين الناس، وعرفوها من الفساد في الأرض.
وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي هلال.
أن ابن الزبير عاقب في قرض الدرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قال: يقولون: إنك لست بحليم ولا رشيد.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ استهزاء به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً ﴾ قال: الحلال.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقول: لم أك لأنهاكم عن أمر واركبه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه.
أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقالت: اتنهى عن المواصلة؟
قال: نعم.
قالت: فلعله في بعض نسائك فقال: ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ .
وأخرج أحمد عن معاوية القشيري.
أن أخاه مالكاً قال: يا معاوية إن محمداً أخذ جيراني فانطلق إليه، فانطلقت معه إليه فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا، فأعرض عنه فقال: ألا والله إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره.
فقال: أو قد فعلوها؟
لئن فعلت ذلك لكان علي وما كان عليهم.
وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ قال: بلغني أنه يدعى يوم القيامة بالمذكر الصادق، فيوضع على رأسه تاج الملك، ثم يؤمر به إلى الجنة فيقول: إلهي إن في مقام القيامة أقواماً قد كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت عليه.
قال: فيفعل بهم مثل ما فعل به، ثم ينطلق يقودهم إلى الجنة لكرامته على الله.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي إسحاق الفزاري رضي الله عنه قال: ما أردت أمراً قط فتلوت عنده هذه الآية إلا عزم لي على الرشد ﴿ إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإليه أنيب ﴾ قال: إليه أرجع.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قلت: يا رسول الله أوصني قال «قل ربي الله ثم استقم» .
قلت: ربي والله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
قال: «ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً» في إسناده محمد بن يونس الكريمي.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ ، مضى هذا في موضعين من هذه السورة (١) وقوله تعالى: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين (٢) (٣) قال أبو إسحاق (٤) (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ ، [قال ابن عباس (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال أبو بكر: بَيَّنَ أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله، وترك البخس والتطفيف، هو مما يرتضيه لنفسه ولا ينطوي إلا عليه، فكان بهذا ماحضًا لهم النصيحة، إذ اختار لهم ما اختاره لنفسه.
وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ ﴾ أي ما أريد إلا الإصلاح فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده وتفعلوا كما يفعل من يخاف الله، قاله ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ ، مفعول الاستطاعة محذوف تقديره ما استطعته، أي ما استطعت الإصلاح، واستطاعة الإصلاح هو الإبلاغ والإنذار فقط، ولا يستطيع إجبارهم على الطاعة، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١٤) ﴿ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ : أي بقدر طاقتي، [وقدر طاقتي] (١٥) ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي أرجع إليه في المعاد في قول ابن عباس (١٦) (١٧) وقال الحسن (١٨) كان إذا ذكر شعيبًا قال: "ذاك خطيب الأنبياء" (١٩) (١) هود 28، 63.
(٢) انظر: الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، القرطبي 9/ 89، "البحر المحيط" 5/ 254.
(٣) ذكره في "زاد المسير" 4/ 151 وعزاه لابن عباس، وذكره البغوي 4/ 196 ولم يعزه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 33، وانظر الثعلبي 7/ 54 ب، "زاد المسير" 4/ 151 البغوي 4/ 196.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) عند قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ .
(٧) "تنوير المقباس" ص 144.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٩) الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، الثعلبي 7/ 54 ب، ابن أبي حاتم 6/ 2074، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627.
(١٠) في (ي): (مستنصرًا)، ولعل الصواب "مستبصرًا".
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(١٣) في (ب): (أراه).
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٦) الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 196، القرطبي 9/ 90.
(١٧) الطبري 12/ 103، والبغوي 4/ 196، وابن أبي حاتم 6/ 2074، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 628.
(١٨) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 244.
(١٩) أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 620 عن محمد بن إسحاق قال: "وشعيب بن ميكائيل النبي ، بعثه الله نبيًا، فكان من خبره، وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن.
وكان رسول الله إذا ذكره قال: "ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه" سكت عنه الذهبي في "التلخيص"، وفيه سلمة بن الفضل بن الأبرش، قال في "الميزان": 2/ 192: (ضعفه ابن راهويه، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن معين: كتبنا عنه وليس في المغازي أتم من كتابه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتج به).
والحديث ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 504 وقال: أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله كان إذا ذكر شعيبًا == قال: "ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده، وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة ...
إلخ".
<div class="verse-tafsir"
﴿ إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ يعني رخص الأسعار وكثرة الأرزاق ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا ﴿ بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي ما أبقاه الله لكم من رزقه ونعمته، ﴿ أصلاوتك تَأْمُرُكَ ﴾ الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر إليها مجاز كقوله: ﴿ إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] والمعنى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أموالنا مَا نَشَاءُ ﴾ يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، وأن نفعل عطف على أن نترك ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد عن نفسك ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ أي سالماً من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم، وجواب أرأيتم محذوف يدل عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أخالفكم إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.
حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.
﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.
الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.
﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.
﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.
التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.
وقال الضحاك: كانوا تسعة.
وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.
وقيل: بهلاك قوم لوط.
ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.
ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.
ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.
قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.
ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.
قال الفراء.
سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.
وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.
قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.
ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.
وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.
وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.
وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .
﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.
وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.
وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.
وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.
وبم عرف الملائكة خوفه؟
قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .
قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.
وقيل: بهلاك أهل الخبائث.
وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟
قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.
فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.
فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.
وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.
وقيل: طلب إبراهيم منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.
وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.
وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.
وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.
من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.
أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.
والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.
ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.
وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.
ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.
﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.
ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟
قالوا: لا قال: فأربعون؟
قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.
قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟
قالوا: لا.
فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.
أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.
وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.
وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.
ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.
﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.
﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.
﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.
عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.
وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.
وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.
وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.
يروى أنه قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.
فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟
قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.
وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.
وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.
وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.
والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.
ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.
وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.
وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.
واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.
ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.
والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.
ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.
و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.
﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.
والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.
﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.
﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.
قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.
قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.
والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.
وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".
والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.
وقال النبي "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.
ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.
روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.
ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.
﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.
وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.
وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟
فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.
ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.
وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.
ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.
قاله في الكشاف.
وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.
واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.
أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.
روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.
وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.
فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.
ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.
يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟
﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.
وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.
وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.
وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.
ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.
ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.
أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.
وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.
وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.
وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.
ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.
وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.
وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله أعلم بمراده.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ : قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ : أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه.
والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته ﴿ وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ قيل: فضيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال.
وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فعبد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهاداً، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ [يحتمل: أن يكون قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق به ذرعاً كذلك أيضاً.
ويحتمل قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ ] بسوء صنيع قومه بأضيافه، الحرفان جميعاً ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان أضيافه، أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ قال بعضهم: يسرعون إليه.
وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يهرولون إليه، وهو سير بين السعي وبين المشي بين بينين.
وقال بعضهم: [قوله] ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون السيئات.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود ، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي ﴾ أراد بنات قومه فنسبهن إلى نفسه؛ لما ذكرنا أنّه كالأب لهم.
ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم.
أو: لحق التربية وتعليم الدين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين الوجهين.
وقال بعضهم: أراد بنات نفسه.
ثم اختلف فيه.
قال بعضهم: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم نكاحاً إن كنتم قابلين للإيمان.
ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمداً فلا بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه محمداً آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه يشتم رسول الله بعد أن جعل الشاتم في قلبه [غيره]، وكذلك إذا أكره [على] أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم أنه [إنما] يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد.
وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك.
أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حراماً فذلك مما يحل بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال.
وقال بعضهم: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبي أن يزوجهن منهم؛ لما لم يكونوا كفؤاً لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا بأضيافه، أو كلام نحو هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلاَ تَفْضَحُونِ ﴾ ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح من نزل به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ قال بعضهم: هم أن يزوج بعض بناته من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما يريدون ويقصدون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة أهل التأويل: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: من حاجة ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون: الأضياف ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: قوة في نفسي ﴿ أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ قيل: عشيرته.
والركن الشديد عند العرب: العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأولئك، والله أعلم.
﴿ قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ ﴾ قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .
وقال قائلون قالوا ذلك للوط [لما أوعدوا للوط] حين طمست أعينهم أن ضيفك سحروا أبصارنا، فستعلم غداً ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا إليك بسوء غداً بأنهم يهلكون.
ودل قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ على أنهم قد هموا للوط وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا إليك، فهذا على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: قطع من الليل: آخره وهو وقت السحر.
وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ قيل: لا يتخلف أحد منكم إلا امرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أولئك.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ من الالتفات والنظر.
وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما أصاب أولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ يحتمل النهي عن الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد.
ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فلذلك علامة لخلافها له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ﴾ ، فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ : كأن لوطاً استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، ولكن قال [ذلك] - والله أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا.
أو أمره هو جعله عاليها سافلها.
ثم قال أهل التأويل قوله: ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ أدخل جبريل جناحه تحت [قريات لوط] فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما [هو] أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴾ قيل: [أهوى بها] جبريل من السماء إلى الأرض.
وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، [لكن أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك.
وقال بعضهم: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها] على ما ذكر، وأرسل الحجارة على من كان غائبا عنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾ .
قال بعضهم: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل.
وقال بعضهم: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها [جبريل]، فسواها، وكل واحد منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه فقلته حيث كان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ \[قال بعضهم\]: السجيل: هو اسم المكان الذي منه رفع الحجر الذي أمطر.
وقال بعضهم: هو طين مطبوخ كالآجر.
وعن ابن عباس - - قال: سَنْك وجيل ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ نضد الحجر بالطين وألصق بعضه ببعض [مسومة]: معلمة، مخططة، سود الحمرة.
وقال بعضهم: [ ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ ]، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ .
قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد.
وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل [مكة] وحواليهم ببعيد، [أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو] يعذبهم إن شاء.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ ﴾ الآية [الصافات: 137-138]، وفيه تذكير [منته] على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال شعيب لقومه: يا قوم، أخبروني عن حالكم إن كنت على برهان واضح من ربي، وبصيرة منه، ورزقني منه رزقًا حلالًا، ومنه النبوة، وما أريد أن أنهاكم عن شيء وأخالفكم في فعله، لا أريد إلا إصلاحكم بدعوتكم إلى توحيد ربكم وطاعته قدر استطاعتي، وما توفيقي إلى الحصول على ذلك إلا بالله سبحانه، عليه وحده توكلت في جميع أموري، وإليه أرجع.
من فوائد الآيات من سنن الله إهلاك الظالمين بأشد العقوبات وأفظعها.
حرمة نقص الكيل والوزن وبخس الناس حقوقهم.
وجوب الرضا بالحلال وإن قل.
فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب العمل بما يأمر الله به، والانتهاء عما ينهى عنه.
<div class="verse-tafsir" id="91.1p5y8"