الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٨٧ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقولون له على سبيل التهكم ، قبحهم الله : ( أصلاتك ) ، قال الأعمش : أي : قرآنك ( تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) أي : الأوثان والأصنام ، ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) فنترك التطفيف على قولك ، هي أموالنا نفعل فيها ما نريد .
[ قال الحسن ] في قوله : ( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) إي والله ، إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم .
وقال الثوري في قوله : ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) يعنون الزكاة .
وقولهم : ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) قال ابن عباس ، وميمون بن مهران ، وابن جريج ، وابن أسلم ، وابن جرير : يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء ، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته ، وقد فعل .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم شعيب: يا شعيب ، أصَلواتك تأمرك أن نترك عبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام (36) ، (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) ، من كسر الدراهم وقطعها ، وبخس الناس في الكيل والوزن ، (إنك لأنت الحليم) ، وهو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل ما لم يكن ليفعله في حال الرّضى، (37) ، (الرشيد) ، يعني: رشيد الأمر في أمره إياهم أن يتركوا عبادة الأوثان، (38) كما:- 18487- حدثنا محمود بن خداش قال ، حدثنا حماد بن خالد الخياط قال ، حدثنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم في قول الله: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد) (39) قال: كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم (40) ، أو قال: قطع الدراهم، الشك من حمّاد.
(41) 18488- حدثنا سهل بن موسى الرازي قال ، حدثنا ابن أبي فديك، عن أبي مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني أن قوم شعيب عُذِّبوا في قطع الدراهم، وجدت ذلك في القرآن: (أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء).
(42) 18489- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي قال: عُذّب قوم شعيب في قطعهم الدراهم فقالوا: (يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء).
18490-.
.
.
.
قال، حدثنا حماد بن خالد الخياط، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم في قوله: (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)، قال: كان مما نهاهم عنه حَذْفُ الدراهم.
18491- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) ، قال: نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها، وإن شئنا صرفناها، وإن شئنا طرَحناها!
18492- .
.
.
.
قال وأخبرنا ابن وهب قال، وأخبرني داود بن قيس المرّي : أنه سمع زيد بن أسلم يقول في قول الله: (قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) ، قال زيدٌ: كان من ذلك قطع الدراهم.
* * * وقوله: (أصلواتك) ، كان الأعمش يقول في تأويلها ما:- 18493- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري عن الأعمش في قوله: (أصلواتك) قال: قراءتك .
* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: (أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)، وإنما كان شعيب نهاهم أن يفعلوا في أموالهم ما قد ذكرتَ أنه نهاهم عنه فيها؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهَّمت.
وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك.
فقال بعض البصريين: معنى ذلك: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، وليس معناه: تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، لأنه ليس بذا أمرهم.
* * * وقال بعض الكوفيين نحو هذا القول قال.
وفيها وجه آخر يجعل الأمر كالنهي، كأنه قال: أصلواتك تأمرك بذا ، وتنهانا عن ذا؟
فهي حينئذ مردودة على أن الأولى منصوبة بقوله " تأمرك "، وأن الثانية منصوبة عطفًا بها على " ما " التي في قوله: (ما يعبد).
وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
* * * وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه (مَا تَشَاء).
* * * قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك كذلك ، فلا مئونة فيه، وكانت " أن " الثانية حينئذ معطوفة على " أن " الأولى.
* * * وأما قوله لشعيب: (إنك لأنت الحليم الرشيد) فإنهم أعداء الله ، قالوا ذلك له استهزاءً به ، وإنما سفَّهوه وجهَّلوه بهذا الكلام.
* * * وبما قلنا من ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:- 18494- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (إنك لأنت الحليم الرشيد)، قال: يستهزئون.
18495- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إنك لأنت الحليم الرشيد)، المستهزئون ، يستهزئون : بأنك لأنت الحليم الرشيد !
(43) -------------------- الهوامش : (36) في المطبوعة في هذا الموضع " أصلاتك " ، بالإفراد ، وأثبت ما في المخطوطة .
(37) انظر تفسير " الحليم " فيما سلف ص : 406 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(38) انظر تفسير " الرشيد " فيما سلف ص : 417 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(39) جاء في المخطوطة " أصلاتك " بالإفراد ، وهي إحدى القراءتين .
(40) " حذف الشيء " ، قطعه من طرفه ، ومنه " تحذيف الشعر " ، إذا أخذت من نواحيه فسويته .
(41) الأثر : 18487 - " محمود بن خداش الطاقاني " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 187 .
" وحماد بن خالد الخياط القرشي " ، ثقة ، كان أميًا لا يكتب ، وكان يقرأ الحديث .
مترجم في التهذيب ، والكبير 3 / 1 / 25 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 136 .
(42) في المطبوعة هنا أيضًا : " أصلاتك " بالإفراد ، وأثبت ما في المخطوطة .
وسأردها إلى المخطوطة حيث وجدتها ، وأترك الإفراد حيث أجده ، بلا إشارة إلى ذلك .
(43) في المطبوعة : " بأنك لأنت " ، والصواب المحض ما في المخطوطة .
قوله تعالى : قالوا يا شعيب أصلاتك وقرئ أصلاتك من غير جمع .تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أن في موضع نصب ; قال الكسائي : موضعها خفض على إضمار الباء .
وروي أن شعيبا - عليه السلام - كان كثير الصلاة ، مواظبا على العبادة فرضها ونفلها ويقول : الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ; فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة ، واستهزءوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم .
وقيل : إن الصلاة هنا بمعنى القراءة ; قاله سفيان عن الأعمش ، أي قراءتك تأمرك ; ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا .
وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة .أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء زعم الفراء أن التقدير : أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء .
وقرأ السلمي والضحاك بن قيس " أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء " بالتاء في الفعلين ، والمعنى : ما تشاء أنت يا شعيب .
وقال النحاس : " أو أن " على هذه القراءة معطوفة على " أن " الأولى .
وروي عن زيد بن أسلم أنه قال : كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم .
وقيل : معنى .
أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه ؟
!إنك لأنت الحليم الرشيد يعنون عند نفسك بزعمك .
ومثله في صفة أبي جهل : ذق إنك أنت العزيز الكريم أي عند نفسك بزعمك .
وقيل : قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية ، قاله قتادة .
ومنه قولهم للحبشي : أبو البيضاء ، وللأبيض أبو الجون ; ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل : ذق إنك أنت العزيز الكريم .
وقال سفيان بن عيينة : العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل ; كما قيل للديغ سليم ، وللفلاة مفازة .
وقيل : هو تعريض أرادوا به السب ; وأحسن من هذا كله ، ويدل ما قبله على صحته ; أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا ، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا !
ويدل عليه .
أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته ، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم ، وبعده أيضا ما يدل عليه .قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا أي أفلا أنهاكم عن الضلال ؟
!
وهذا كله يدل على أنهم قالوه [ ص: 78 ] على وجه الحقيقة ، وأنه اعتقادهم فيه .
ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم : ( يا إخوة القردة ) فقالوا : يا محمد ما علمناك جهولا !
.مسألة : قال أهل التفسير : كان مما ينهاهم عنه ، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم ; كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة ، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا ، وعلى المقروضة وزنا ، وكانوا يبخسون في الوزن .
وقال ابن وهب قال مالك : كانوا يكسرون الدنانير والدراهم ، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب ، وزيد بن أسلم وغيرهما ; وكسرهما ذنب عظيم .
وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ; فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها ; وظهرت فائدتها ، وإذا كسرت صارت سلعة ، وبطلت منها الفائدة ; فأضر ذلك بالناس ; ولذلك حرم .
وقد قيل في تأويل قوله تعالى : وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون أنهم كانوا يكسرون الدراهم ; قاله زيد بن أسلم .
قال أبو عمر بن عبد البر : زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي .مسألة : قال أصبغ قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي : من كسرها لم تقبل شهادته ، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر ، وليس هذا بموضع عذر ; قال ابن العربي : أما قوله : لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة ، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر ; وأما قوله : لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد ، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه ، أو خفي وجه الصدق فيه ، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك .مسألة : إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك ، ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال : ما هذا ؟
قال رجل : يقطع الدنانير والدراهم ; قال ابن المسيب : [ ص: 79 ] هذا من الفساد في الأرض ; ولم ينكر جلده ; ونحوه عن سفيان .
وقال أبو عبد الرحمن التجيبي : كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتي برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه ، وأمر فطيف به ، وأمره أن يقول : هذا جزاء من يقطع الدراهم ; ثم أمر أن يرد إليه ; فقال : إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم ، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع .
قال القاضي أبو بكر بن العربي : أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه ، وأما حلقه فقد فعله عمر ; وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق ، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية ، وطريقا إلى التجمل به في الفساد ، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن ، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة ; وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها ، فإن الكسر إفساد الوصف ، والقرض تنقيص للقدر ، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء ; فإن قيل : أليس الحرز أصلا في القطع ؟
قلنا : يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها ، وحرز كل شيء على قدر حاله ; وقد أنفذ ذلكابن الزبير ، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم .
وقد قال علماؤنا المالكية : إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه ; ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك ، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب ، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة .
قال ابن العربي : وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها ، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم ، إلا أني كنت محفوفا بالجهال ، فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى .
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ْ} أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له.
ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله, وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك، ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟!
وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا ْ} ما قلت لنا، من وفاء الكيل، والميزان، وأداء الحقوق الواجبة فيها، بل لا نزال نفعل فيها ما شئنا، لأنها أموالنا، فليس لك فيها تصرف.
ولهذا قالوا في تهكمهم: { إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ْ} أي: أئنك أنت الذي، الحلم والوقار، لك خلق، والرشد لك سجية، فلا يصدر عنك إلا رشد، ولا تأمر إلا برشد، ولا تنهى إلا عن غي، أي: ليس الأمر كذلك.
وقصدهم أنه موصوف بعكس هذين الوصفين: بالسفه والغواية، أي: أن المعنى: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، وآباؤنا هم السفهاء الغاوون؟!!
وهذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم، وأن الأمر بعكسه, ليس كما ظنوه، بل الأمر كما قالوه.
إن صلاته تأمره أن ينهاهم، عما كان يعبد آباؤهم الضالون، وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأي فحشاء ومنكر، أكبر من عبادة غير الله، ومن منع حقوق عباد الله، أو سرقتها بالمكاييل والموازين، وهو عليه الصلاة والسلام الحليم الرشيد.
( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) من الأوثان .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة .
لذلك قالوا هذا .
وقال الأعمش : يعني : أقراءتك .
( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) من الزيادة والنقصان .
وقيل : كان شعيب عليه السلام نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم وزعم أنه محرم عليهم ، فقالوا : أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من قطعها .
( إنك لأنت الحليم الرشيد ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : أرادوا السفيه الغاوي ، والعرب تصف الشيء بضده فتقول للديغ سليم وللفلاة مفازة .
وقيل قالوا على وجه الاستهزاء .
وقيل : معناه الحليم الرشيد بزعمك .
وقيل : هو على الصحة أي إنك يا شعيب فينا حليم رشيد ، لا يجمل بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم ، كما قال قوم صالح عليه السلام : ( قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ) ( هود - 62 ) .
«قالوا» له استهزاء «يا شعيب أصلاتك تأمرك» بتكليف «أن نترك ما يعبد آباؤنا» من الأصنام «أو» نترك «أن نفعل في أموالنا ما نشاء» المعنى هذا أمر باطل لا يدعو إليه داع بخير «إنك لأنت الحليم الرشيد» قالوا ذلك استهزاء.
قالوا: يا شعيب أهذه الصلاة التي تداوم عليها تأمرك بأن نترك ما يعبده آباؤنا من الأصنام والأوثان، أو أن نمتنع عن التصرف في كسب أموالنا بما نستطيع من احتيال ومكر؟
وقالوا -استهزاءً به-: إنك لأنت الحليم الرشيد.
فماذا كان رد قومه عليه؟لقد كان ردهم عليه - كما حكاه القرآن الكريم - طافحا بالاستهزاء به ، والسخرية منه ، فقد قالوا له : ( ياشعيب أصلاوتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ) .أى : قال قوم شعيب له - على سبيل التهكم والاستهزاء - : يا شعيب أصلاتك - التى تزعم أن ربك كلفك بها والتى أنت تكثر منها - تأمرك أن نترك عبادة الأصنام التى وجدنا عليها آباءنا؟
والاستفهام للإِنكار والتعجب من شأنه .
.وأسندوا الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التى كان يفعلها ، لأنه - عليه السلام - كان كثير الصلاة ، وكانوا إذا رأوا يصلى سخروا منه .وجملة " أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء " إنكار منهم لترك ما تعودوه من نقص الكيل والميزان .
.
.إن كانت صلاتك تأمرك بذلك ، فهى فى نظرنا صلاة باطلة ، لا وزن لها عندنا ، بل نحن نراها لوناً من ألوان جنونك وهذيانك .وجملة " إنك لأنت الحليم الرشيد " زيادة منهم فى السخرية منه - عليه السلام - وفى التهكم عليه ، فكأنهم - قبحهم الله - يقولون له : كيف تأمرنا بترك عبادة الأصنام ، وبترك النقص فى الكيل والميزان ، مع علمك اليقينى بأن هذين الأمرين قد بنينا عليهما حياتنا ، ومع زعمك لنا بأنك الحليم الذى يتأنى ويتروى فى أحكامه ، الرشيد الذى يرشد غيره إلى ما ينفعه؟إن هذين الوصفين لا يليقان بك ، ما دمت تأمرنا بذلك ، وإنما اللائق بك أضدادهما ، أى الجهالة والسفه والعجلة فى الأحكام .قال صاحب الكشاف : وأردوا بقولهم : ( إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ) نسبته إلى غايت السفه والغى ، فعكسوا ليتهكموا به ، كما يتهكم بالشحيح الذى لا يبض حجره ، فيقال له : لو أبصرك حاتم لسجد لك .
وقيل معناه : إنك للمتواصف بالحلم والرشد فى قومك .
يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك وما اشتهرت به .
.
.هكذا رد قوم شعيب عليه ، وهو رد يحمل السخرية فى كل مقطع من مقاطعة ، ولكنها سخرية الشخص الذى انطمست بصيرته ، وقبحت سريرته!!
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ أصلاتك ﴾ بغير واو.
والباقون ﴿ أصلواتك ﴾ على الجمع.
المسألة الثانية: اعلم أن شعيباً عليه السلام أمرهم بشيئين، بالتوحيد وترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة، فقوله: ﴿ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد وقوله: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس.
أما الأول: فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد، لأنهم استبعدوا منه أن يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني الطريقة التي أخذناها من آبائنا وأسلافنا كيف نتركها، وذلك تمسك بمحض التقليد.
المسألة الثالثة: في لفظ الصلاة وهاهنا قولان: الأول: المراد منه الدين والإيمان، لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين، أو نقول: الصلاة أصلها من الإتباع ومنه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق وهما ناحيتا الفخذين والمراد: دينك يأمرك بذلك.
والثاني: أن المراد منه هذه الأعمال المخصوصة، روي أن شعيباً كان كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم: أصلاتك تأمرك السخرية والهزؤ، وكما أنك إذا رأيت معتوهاً يطالع كتباً ثم يذكر كلاماً فاسداً فيقال له: هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزؤ والسخرية فكذا هاهنا.
فإن قيل: تقدير الآية: أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء وهم إنما ذكروا هذا الكلام على سبيل الإنكار، وهم ما كانوا ينكرون كونهم فاعلين في أموالهم ما يشاؤن، فكيف وجه التأويل.
قلنا: فيه وجهان: الأول: التقدير: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نترك فعل ما نشاء، وعلى هذا فقوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ ﴾ معطوف على ما في قوله: ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ والثاني: أن تجعل الصلاة آمرة وناهية والتقدير: أصلواتك تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان وتنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ أَوْ أَن تَفْعَلْ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاء ﴾ بتاء الخطاب فيهما وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والاقتناع بالحلال القليل وأنه خير من الحرام الكثير.
ثم قال تعالى حكاية عنهم: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ وفيه وجوه: الوجه الأول: أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية به، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك.
والوجه الثاني: أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم والرشد.
والوجه الثالث: أنه عليه السلام كان مشهوراً عندهم بأنه حليم رشيد، فلما أمرهم بمفارقة طريقتهم قالوا له: إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف الطريقة في هذا الباب، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفاً بالحلم والرشد، وهذا الوجه أصوب الوجوه.
<div class="verse-tafsir"
كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلواتك تَأْمُرُكَ ﴾ السخرية والهزء- والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] وأن يقال: إنّ الصلاة تأمر بالجميل والمعروف، كما يقال: تدعو إليه وتبعث عليه- إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز وجعلوا الصلاة آمرة على سبيل التهكم بصلاته، وأرادوا أنّ هذا الذي تأمر به من ترك عبادة الأوثان باطل لا وجه لصحته، وأنّ مثله لا يدعوك إليه داعي عقل، ولا يأمرك به آمر فطنة، فلم يبق إلا أن يأمرك به آمر هذيان ووسوسة شيطان، وهو صلواتك التي تداوم عليها في ليلك ونهارك، وعندهم أنها من باب الجنون ومما يتولع به المجانين والموسوسون من بعض الأقوال والأفعال.
ومعنى تأمرك ﴿ أَن نَّتْرُكَ ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ لحذف المضاف الذي هو التكليف، لأنّ الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.
وقرئ ﴿ أصلاتك ﴾ بالتوحيد.
وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء ﴾ بتاء الخطاب فيهما، وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.
وقيل: كان ينهاهم عن حذف الدراهم والدنانير وتقطيمها، وأرادوا بقولهم: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ نسبته إلى غاية السفه والغيّ، فعكسوا ليتهكموا به، كما يتهكم بالشحيح الذي لا يبضّ حجره، فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك.
وقيل: معناه إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك، يعنون أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ مِنَ الأصْنامِ، أجابُوا بِهِ آمِرَهم بِالتَّوْحِيدِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ والتَّهَكُّمِ بِصَلَواتِهِ والإشْعارِ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ عَقْلِيٌّ، وإنَّما دَعاكَ إلَيْهِ خَطِراتٌ ووَساوِسُ مِن جِنْسِ ما تُواظِبُ عَلَيْهِ.
وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلاةِ فَلِذَلِكَ جَمَعُوا وخَصُّوا الصَّلاةَ بِالذِّكْرِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَلى الإفْرادِ والمَعْنى: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ بِتَكْلِيفِ أنْ نَتْرُكَ، فَحُذِفَ المُضافُ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُؤْمَرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
﴿ أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ﴾ عُطِفَ عَلى ما أيْ وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَنا ما نَشاءُ في أمْوالِنا.
وَقُرِئَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿ أنْ نَتْرُكَ ﴾ وهو جَوابُ النَّهْيِ عَنِ التَّطْفِيفِ والأمْرِ بِالإيفاءِ.
وقِيلَ كانَ يَنْهاهم عَنْ تَقْطِيعِ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ فَأرادُوا بِهِ ذَلِكَ.
﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ تَهَكَّمُوا بِهِ وقَصَدُوا وصْفَهُ بِضِدِّ ذَلِكَ، أوْ عَلَّلُوا إنْكارَ ما سَمِعُوا مِنهُ واسْتِبْعادَهُ بِأنَّهُ مَوْسُومٌ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ المانِعَيْنِ عَنِ المُبادَرَةِ إلى أمْثالِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)
{قالوا يا شعيب أصلاتك} وبالتوحيد كوفى غير أبى بكر
هود (٨٧ _ ٨٩)
{تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات وكان قومه يقولون له ما تستفيد بهذا فكان يقول إنها تأمر بالمحاسن وتنهى عن القبائح فقالوا على وجه الاستهزاء أصلواتك تأمرك أن تأمرنا بترك عبادة ما كان يعبد آباؤنا أو أن نترك التبسط في أموالنا ما نشاء من إيفاء ونقص وجاز أن تكون الصلوات آمرة مجازاً كما سماها الله تعالى ناهية مجازاً {إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} أي السفية الضال وهذه
تسمية على القلب استهزاء أو إنك حليم رشيد عندنا ولست تفعل بنا ما يقتضيه حالك
﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ مِنَ الأصْنامِ أجابُوا بِذَلِكَ أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ المُتَضَمِّنَ لِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وغَرَضُهم مِنهُ إنْكارُ الوَحْيِ الآمِرِ لَكِنَّهم بالَغُوا في ذَلِكَ إلى حَيْثُ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ مِنَ العَقْلِ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وعَلى هَذا بَنَوُا اسْتِفْهامَهم وأخْرَجُوا كَلامَهم وقالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿ أصَلاتُكَ ﴾ الَّتِي هي مِن نَتائِجِ الوَسْوَسَةِ وأفاعِيلِ المَجانِينِ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ ما اسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ آباؤُنا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مِنَ الأوْثانِ والتَّماثِيلِ، وإنَّما جَعَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا مَعَ أنَّ الصّادِرَ عَنْهُ إنَّما هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهم مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بَلْ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وأنَّهُ كانَ يُعْلِمُهم بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُهم إسْنادَ الأمْرِ إلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْكامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، بَلْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الأحْنَفِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً وكانُوا إذا رَأوْهُ يُصَلِّي يَتَغامَزُونَ ويَتَضاحَكُونَ فَكانَتْ هي مِن بَيْنِ شَعائِرِ الدِّينِ ضُحْكَةً لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ الصَّلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ، وهَذا الإسْنادُ حَقِيقِيٌّ لا مَجازِيٌّ، غايَةَ ما في البابِ أنَّهم قَصَدُوا الحَقِيقَةَ تَهَكُّمًا، واخْتِيارُ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ بِحَسَبِ الزَّمانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ نَتْرُكَ ﴾ عَلى تَقْدِيرٍ بِتَكْلِيفِ أنْ نَتْرُكَ فَحُذِفَ المُضافُ وهو تَكْلِيفٌ فَدَخَلَ الجارُّ عَلى (أنْ) ثُمَّ حُذِفَ وحَذْفُهُ قَبْلَها مُطَّرِدٌ وعُرْفُ التَّخاطُبِ في مِثْلِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أنَّ الشَّخْصَ لا يُكَلَّفُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ أصْلًا، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والمَعْنى أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بِما لَيْسَ في وُسْعِكَ وعُهْدَتِكَ مِن أفاعِيلِ غَيْرِكَ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِرَكاكَةِ رَأْيِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءُ بِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وتُعَقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ دُخُولُ الهَمْزَةِ عَلى دُونِ الأمْرِ ويَسْتَدْعِي أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يُوهِمُهُ وأنّى ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (أصَلَواتُكَ) بِالجَمْعِ وأمْرُ الجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ﴾ أجابُوا بِهِ أمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيفاءِ الحُقُوقِ ونَهْيَهُ عَنِ البَخْسِ والنَّقْصِ، وهو عَطْفٌ عَلى (ما) و(أوْ) بِمَعْنى الواوِ أيْ وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَنا ما نَشاءُ في أمْوالِنا مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أنْ نَتْرُكَ لِاسْتِحالَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ تَأْمُرُكَ بِفِعْلِنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، وهم مَنهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ لا مَأْمُورُونَ بِهِ، وحَمْلُ (ما) عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: كانُوا يَقْرِضُونَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ ويُجْرُونَها مَعَ الصَّحِيحَةِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وأدْخَلَ بَعْضُهم ذَلِكَ الفِعْلَ في العُثْيِ في الأرْضِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا عَنْهُ، ولا مانِعَ مِنِ انْدِراجِهِ في عُمُومِ (ما)، وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالتّاءِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الخِطابِ، فالعَطْفُ عَلى مَفْعُولِ تَأْمُرُكَ أيْ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ أيْ مِن إيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مِنَ الزَّكاةِ، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُهم بِها كَما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، قِيلَ: وفي الآيَةِ عَلى هَذا مَعَ حَمْلِ الصَّلاةِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلاةٌ وزَكاةٌ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ ما تَشاءُ عَلى الزَّكاةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَلْ هو خِلافٌ ظاهِرُ السُّوقِ وحَمْلُ الصَّلاةِ عَلى ذَلِكَ وإنْ كانَ ظاهِرًا إلّا أنَّهُ رَوى ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الأعْمَشِ تَفْسِيرَها بِالقِراءَةِ، ونُقِلَ عَنْ غَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالدُّعاءِ الَّذِي هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ لَها.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ تَفْسِيرُها بِالدِّينِ لِأنَّها مِن أجَلِّ أُمُورِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنها الصَّلاةُ بِالمَعْنى الآخَرِ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أكْثَرِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلاةٌ، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الأُمُورِ المُكَلَّفِ بِها أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ لَيْسَ نَصًّا في الغَرَضِ كَما لا يَخْفى هَذا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى القِراءَةِ عَلى (ما) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ التَّرْكُ عَلى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ولا يُتْرَكُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ بِالنُّونِ في الأوَّلِ والتّاءِ في الثّانِي والعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ تَأْمُرُكَ والمَعْنى ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، فالمُرادُ بِهِما ضِدُّ مَعْناهُما، وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ والمُبَرِّدُ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونُوا وصَفُوهُ بِذَلِكَ بِناءً عَلى الزَّعْمِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنِ اسْتِبْعادِ ما ذَكَرُوهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ تُكَلِّفُنا بِما تُكَلِّفُنا مَعَ أنَّكَ أنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ بِزَعْمِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا باقِيًا عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَهم بِالحِلْمِ والرُّشْدِ وكانَ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ مانِعًا مِن صُدُورِ ما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ تَهَكُّمٌ أيْضًا، ورُجِّحَ الأخِيرُ بِأنَّهُ يَكُونُ الكَلامُ عَلَيْهِ نَظِيرَ ما مَرَّ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ لَهُ: ﴿ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا ﴾ وتَعْقِيبُهُ بِمِثْلِ ما عُقِّبَ بِهِ ذَلِكَ حَسْبَما تَضَمَّنَهُ <div class="verse-tafsir"
قوله: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ يعني: قال له قومه.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: أَصَلاتُكَ بلفظ الوحدان يعني: أقراءتك، ويقال: أدعاؤك يأمرك.
وقرأ الباقون: أصلواتك بلفظ الجماعة، يعني: أكثرة صلواتك تأمرك أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وكان شعيب كثير الصلاة، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا من نقصان الكيل والوزن؟
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ يعني: السفيه الضال استهزاء منهم به.
قالَ شعيب يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يعني: على دين وطاعة وبيان وأتاني رحمة من ربي، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً يعني: بعثني بالرسالة فهداني لدينه، ووسع عليَّ من رزقه.
وقال الزجاج: جواب الشرط هاهنا متروك، والمعنى: إن كنت على بينة من ربي، أتبع الضلال، فترك الجواب لعلم المخاطبين بالمعنى.
ثم قال: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ يعني: لا أنهاكم عن شيء، وأعمل ذلك العمل، من نقصان الكيل والوزن.
ويقال: ومعناه، أختار لكم ما أختار لنفسي نصيحة لكم وشفقة عليكم، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ يقول: ما أريد إلا العدل مَا اسْتَطَعْتُ يعني: ما قدرت، يعني: لا أترك جهدي في بيان ما فيه مصلحة لكم.
ثم قال: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ يعني: وما تركي هذه الأشياء ودعوتي لكم إِلَّا بِاللَّهِ أي إلا بتوفيق الله وبأمره، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: وثقت به وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أقبل إليه وأدعو الله بالطاعة.
ثم قال: وَيا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي يعني: لا يحملنكم بغضي وعداوتي، أن لا تتوبوا إلى ربكم، أَنْ يُصِيبَكُمْ يعني: يقع بكم العذاب، مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ يعني: مثل عذاب قوم نوح بالغرق، أَوْ قَوْمَ هُودٍ بالريح، أَوْ قَوْمَ صالِحٍ بالصيحة، فإن طال عهدكم بهم، فاعتبروا بمن أقرب منكم، وهم قوم لوط، فقال: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ يعني: كان هلاكهم قريباً منكم، ولا يخفى عليكم أمرهم.
<div class="verse-tafsir"
ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال عليه السلام:
«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» «١» وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.
وقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.
وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.
وقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...
الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل عليه السلام.
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)
وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ...
الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار.
وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:
سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: ٣٢] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»
ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]
لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ...
سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ «٣»
ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]
يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ...
وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا «١»
وأما من قرأ: «بَعُدَتْ» ، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ «٢» فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.
قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.
وقال ع «٣» : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.
قال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس» ، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.
وجوَّز ع «٤» : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و «الوِرْد» : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.
وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: رِزْقُ الله خَيْرٌ لَكم، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سُفْيانُ.
والثّالِثُ: طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: رَحْمَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: وصِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ الرَّبِيعُ.
والسّابِعُ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّامِنُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.
وَقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: " تَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم " بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم، لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَرَفُوا صِحَّةَ ما يَقُولُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أُمِرْتُ بِقِتالِكم وإكْراهِكم عَلى الإيمانِ.
والثّانِي: ما أُمِرْتُ بِمُراقَبَتِكم عِنْدَ كَيْلِكم لِئَلّا تَبْخَسُوا.
والثّالِثُ: ما أحْفَظُكم مِن عَذابِ الله إنْ نالَكم.
قَوْلُهُ تَعالى: " أصَلَواتُكُ تَأْمُرُكَ " وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: " أصَلاتُكَ " عَلى التَّوْحِيدِ.
وَفِي المُرادِ بِصَلَواتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: دِينُهُ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: قِراءَتُهُ، قالَهُ الأعْمَشُ.
والثّالِثُ: أنَّها الصَّلَواتُ المَعْرُوفَةُ.
وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أوْ أنْ نَتْرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟
وَفِي مَعْنى الكَلامِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُّونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِعْلَهم في أمْوالِهِمْ هو البَخْسُ والتَّطْفِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى: قَدْ تَراضَيْنا فِيما بَيْنَنا بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، فَنَهاهم عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ القُرَظِيُّ: عُذِّبُوا في قَطْعِهِمُ الدَّراهِمَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ الفِهْرِيُّ " ما تَشاءُ " بِالتّاءِ، ونَسَقَ " أنْ تَفْعَلَ " عَلى " أنْ تَتْرُكَ "، واسْتَغْنى عَنِ الإضْمارِ.
قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِالزَّكاةِ فامْتَنَعُوا.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ " بِالتّاءِ فِيهِما؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ كَمَعْنى قِراءَةِ الفِهْرِيِّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، فَكَنّى بِهَذا عَنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَلِيمٍ ولا رَشِيدٍ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلْ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ، لا كَما قالَ لَكَ الكافِرُونَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ المُصَيْصِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا لَهُ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ حَقِيقَةً، وقالُوا: أنْتَ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلِمَ تَنْهانا أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟
حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ ابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٢٨ و٦٣] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَلالُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ المالِ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ.
والثّالِثُ: العِلْمُ والمَعْرِفَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُ الشَّرْطِ هاهُنا مَتْرُوكٌ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، أتَّبِعُ الضَّلالَ ؟
فَتَرَكَ الجَوابَ، لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمَعْنى، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما أقْصِدُ بِخِلافِكُمُ القَصْدَ إلى ارْتِكابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ بِما آمُرُكم بِهِ إلّا إصْلاحَ أُمُورِكم بِقَدْرِ طاقَتِي.
وقَدْرُ طاقَتِي: إبْلاغُكم لا إجْبارُكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ ﴾ فَتَحَ تاءَ " تَوْفِيقِي " أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ.
ومَعْنى الكَلامِ: ما إصابَتِي الحَقَّ في مُحاوَلَةِ صَلاحِكم إلّا بِاللَّهِ.
﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أيْ: فَوَّضْتُ أمْرِي، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ ﴾ .
﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ : أيْ: أرْجِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: لا تُكْسِبَنَّكم عَداوَتُكم إيّايَ أنْ تُعَذَّبُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا قَرِيبًا مِن مَساكِنِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: كانَ إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفُوها.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما وحَّدَ بَعِيدًا، لِأنَّهُ أزالَهُ عَنْ صِفَةِ القَوْمِ، وجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَكانٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِمَكانٍ بَعِيدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى الرَّحِيمِ.
فَأمّا الوَدُودُ: فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا، ويُقالُ: ودِدْتُ الرَّجُلَ وِدادًا و ودادَةً و وِدادَةً.
وقالَ الخَطّابِيُّ: هو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الوُدِّ؛ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَعُولًا في مَحَلِّ مَفْعُولٍ، كَما قِيلَ: رَجُلٌ هَيُوبٌ، بِمَعْنى مَهِيبٍ، وفُرْسٌ رَكُوبٌ، بِمَعْنى مَرْكُوبٍ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ مَوْدُودٌ في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ لِما يَتَعَرَّفُونَهُ مِن إحْسانِهِ إلَيْهِمْ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوادِّ، أيْ: أنَّهُ يَوَدُّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ، بِمَعْنى أنَّهُ يَرْضى عَنْهم بِتَقَبُّلِ أعْمالِهِمْ؛ ويَكُونُ مَعْناهُ: أنْ يُوَدِّدَهم إلى خَلْقِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: ما نَفْقَهُ صِحَّةَ كَثِيرٍ مِمّا تَقُولُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا لِاسْتِثْقالِهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهم لا يَفْقَهُونَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ضَرِيرًا؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: كانَ أعْمى.
قالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ إنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي المَكْفُوفَ: ضَعِيفًا.
والثّانِي: ذَلِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو رَوْقٍ، ومُقاتِلٌ.
وَزَعَمَ أبُو رَوْقٍ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ.
والثّالِثُ: ضَعِيفَ البَصَرِ، قالَهُ سُفْيانُ.
والرّابِعُ: عاجِزًا عَنِ التَّصَرُّفِ في المَكاسِبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا عَشِيرَتُكَ لَقَتَلْناكَ بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ مِن سَيِّئِ القِتْلاتِ، وكانَ رَهْطُهُ مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ أظْهَرُوا المَيْلَ إلَيْهِمْ والإكْرامَ لَهم.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الرَّجْمَ هاهُنا بِمَعْنى الشَّتْمِ والأذى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكَرِيمٍ، والثّانِي: بِمُمْتَنِعٍ أنْ نَقْتُلَكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ ﴾ وأسْكَنَ ياءَ " رَهْطِي " أهْلُ الكُوفَةِ، ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: أتُراعُونَ رَهْطِي فِيَّ، ولا تُراعُونَ اللَّهَ فِيَّ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: رَمَيْتُمْ بِأمْر اللَّهِ وراءَ ظُهُورِكم.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لا يَعْبَأُ بِأمْرٍ: قَدْ جَعَلَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ بِظَهْرٍ، قالَ الشّاعِرُ: تَمِيمَ بْنَ قَيْسٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعِيا عَلَيَّ جَوابُها والثّانِي: أنَّها كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ شُعَيْبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِأعْمالِكم، فَهو يُجازِيكم بِها.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالَ هاهُنا " سَوْفَ " وفي سُورَةٍ أُخْرى " فَسَوْفَ " ؟
[الأنْعامِ:١٣٥] فالجَوابُ: أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ حَسَنٌ عِنْدَ العَرَبِ، إنْ أدْخَلُوا الفاءَ، دَلُّوا عَلى اتِّصالِ ما بَعْدَ الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، وإنْ أسْقَطُوها، بَنَوُا الكَلامَ الأوَّلَ عَلى أنَّهُ قَدْ تَمَّ، وَما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ ، والمَعْنى: فَقالُوا: أتَتَّخِذُنا، بِالفاءِ، فَحُذِفَتِ الفاءُ لِتَمامِ ما قَبْلَها.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَقالَتْ يَمِينُ اللَّهِ مالَكَ حِيلَةٌ ∗∗∗ وما إنْ أرى عَنْكَ الغَوايَةَ تَنْجَلِي خَرَجْتُ بِها أمْشِي تَجُرُّ وراءَنا ∗∗∗ عَلى إثْرِنا أذْيالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أرادَ: فَخَرَجَتْ، فَأسْقَطَ الفاءَ لِتَمامِ ما قَبْلَها.
ويُرْوى: فَقُمْتُ بِها أمْشِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ارْتَقِبُوا العَذابَ، فَإنِّي أرْتَقَبُ الثَّوابَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ فَماتُوا في أمْكِنَتِهِمْ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: عَذَّبَ أهْلَ مَدِينَ بِثَلاثَةِ أصْنافٍ مِنَ العَذابِ، أخَذَتْهم رَجْفَةٌ في دِيارِهِمْ، حَتّى خافُوا أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنها فَأصابَهم حَرٌّ شَدِيدٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ الظُّلَّةَ، فَتَنادُوا: هَلُمَّ إلى الظِّلِّ؛ فَدَخَلُوا جَمِيعًا في الظُّلَّةِ، فَصِيحَ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَماتُوا كُلُّهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّتانِ قَطُّ بِعَذابٍ واحِدٍ، إلّا قَوْمُ شُعَيْبٍ وصالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ، فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وأمّا قَوْمُ شُعَيْبٍ فَأخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، نَشَأتْ لَهم سَحابَةٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيها رِيحٌ بَعْدَ أنِ امْتَنَعَتِ الرِّيحُ عَنْهم، فَأتَوْها يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها فَأحْرَقَتْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ أيْ: كَما هَلَكَتْ ثَمُودُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ: إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً؛ وبَعُدَ يَبْعُدُ: إذا نَأى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أصَلَواتُكَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "أصَلاتُكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ في التَوْبَةِ: إنَّ صَلاتَكَ، وفي (المُؤْمِنُونَ): "عَلى صَلاتِهِمْ"، كُلُّ ذَلِكَ بِالإفْرادِ.
واخْتُلَفَ في مَعْنى الصَلاةِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا الصَلَواتِ المَعْرُوفَةَ، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إلّا فَرْضَ عَلَيْهِ الصَلاةَ والزَكاةَ.
وقِيلَ: أرادُوا: قِراءَتُكَ، وقِيلَ: أرادُوا: أمَساجِدُكَ؟
وقِيلَ: أرادُوا: أدَعَواتُكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقْرَبُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ والرابِعُ.
وجَعَلُوا "الأمْرَ" مَن فَعَلَ الصَلَواتِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن حَصَلَ في رُتْبَةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ فَفي الأكْثَرِ تَدْعُوهُ رُتَبُهُ إلى التَزَيُّدِ مِن ذَلِكَ النَوْعِ، فَمَعْنى هَذا: ألَمّا كُنْتَ مُصَلِّيًا تَجاوَزْتَ إلى ذَمِّ شَرْعِنا وحالِنا؟
فَكَأنَّ حالَهُ مِنَ الصَلاةِ جَسَّرَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَتْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ .
وقَوْلُهُمْ: ﴿ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ نَصٌّ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَفْعَلُ" و "نَشاءُ" بِنُونِ الجَماعَةِ فِيهِما، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: "تَفْعَلُ" و "تَشاءُ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ فِيهِما، ورُوِيَتْ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَفْعَلُ" بِالنُونِ.
"ما تَشاءُ" بِالتاءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما فـَ "أنْ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "ما" لا عَلى "أنْ" الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟
وهَذا قَلْبُ ما قَصَدُوهُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالتاءِ فِيهِما فَيَصِحُّ عَطْفُ "أنْ" الثانِيَةُ عَلى "أنْ" الأُولى، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى "ما" ويَتِمُّ المَعْنى في الوَجْهَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ "نَتْرُكَ" في الأوَّلِ بِمَعْنى: نَرْفُضُ، وفي الثانِي بِمَعْنى: نُقَرِّرُ، فَيَتَعَذَّرُ عِنْدِي هَذا الوَجْهُ لِما ذَكَرْتُهُ مِن تَنَوُّعِ التَرْكِ عَلى الحُكْمِ اللَفْظِيِّ، أو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ ألا تَرى أنَّ التَرْكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُونِ في الفِعْلَيْنِ إنَّما هو بِمَعْنى الرَفْضِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ في "نَفْعَلُ" والتاءِ في "تَشاءُ" فَـ "أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَطِفَ عَلى "ما" لِأنَّ المَعْنى أيْضًا يَنْقَلِبُ فَتُدَبِّرُهُ.
وظاهِرُ فِعْلِهِمْ هَذا الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الإشارَةَ هي إلى قَرْضِهِمُ الدِينارَ والدِرْهَمَ وإجْراءَ ذَلِكَ مَعَ الصَحِيحِ عَلى جِهَةِ التَدْلِيسِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وغَيْرُهُ.
ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: قَطَعُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، فَتَأوَّلَ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وتُؤَوَّلُ أيْضًا بِمَعْنى أنَّهُ تَبْدِيلُ السِكَكِ الَّتِي يَقْصِدُ بِها أكْلَ أمْوالِ الناسِ.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ ﴾ فَقِيلَ: إنَّما كانَتْ ألْفاظُهُمْ: "إنَّكَ لَأنْتَ الجاهِلُ السَفِيهُ" فَكَنّى اللهُ عن ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ هَذا لَفْظُهم بِعَيْنِهِ إلّا أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقِيلَ: بَلْ قالُوهُ عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ وأنَّهُ اعْتِقادُهم فِيهِ، فَكَأنَّهم فَنَّدُوهُ أيْ: أنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ فَلا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَأْمُرَنا بِهَذِهِ الأوامِرِ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلَ اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : « "يا إخْوَةَ القِرَدَةِ"»: "يا مُحَمَّدُ ما عَلِمْناكَ جَهُولًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشُبَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إنَّما هو بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ كَلامِ شُعَيْبٍ وتَلَطُّفِهِ، وبَيْنَ ما بادَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَنِي قُرَيْظَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَفْظِيَّةٌ واسْتِرْسالٌ حَسَنٌ واسْتِدْعاءٌ رَفِيقٌ، ولِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مِن مُحاوَرَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ : « "ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ".» وجَوابُ الشَرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أأضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ وأتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِسالَةِ؟
ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ؟
و ﴿ بَيِّنَةٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: (بَيانٌ) أو بَيِّنٌ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلامَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ الهاءُ هاءَ تَأْنِيثٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ يُرِيدُ: خالِصًا مِنَ الفَسادِ الَّذِي أدْخَلْتُمْ أنْتُمْ في أمْوالِكُمْ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عنهُ مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ فَأسْتَأْثِرَ بِالمالِ لِنَفْسِي، وما أُرِيدُ إلّا إصْلاحَ الجَمِيعِ، وأُنِيبُ مَعْناهُ: أرْجِعُ وأتُوبُ وأسْتَنِدُ.
<div class="verse-tafsir"
كانت الصلاة من عماد الأديان كلّها.
وكان المكذبون الملحدون قد تمالؤوا في كل أمة على إنكارها والاستهزاء بفاعلها ﴿ أتواصوا به بل هم قومٌ طاغون ﴾ [الذاريات: 53]، فلما كانت الصلاة أخص أعماله المخالفة لمعتادهم جعلوها المشيرة عليه بما بلّغه إليهم من أمور مخالفة لمعتادهم بناء على التناسب بين السبب والمسبب في مخالفة المعتاد قصداً للتهكم به والسخرية عليه تكذيباً له فيما جاءهم به، فإسناد الأمر إلى الصلوات غير حقيقي إذ قد علِم كل العقلاء أن الأفعال لا تأمر.
والمعنى أنّ صلاته تأمره بأنهم يتركون، أي تأمره بأن يحملهم على ترك ما يعبد آباؤهم.
إذ معنى كونه مأموراً بعمل غيره أنه مأمور بالسعي في ذلك بأن يأمرهم بأشياء.
و ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ ما يعبد آباؤنا ﴾ موصولة صادقة على المعبودات.
ومعنى تركها ترك عبادتها كما يؤذن به فعل ﴿ يعبد ﴾ .
ويجوز أن تكون ﴿ ما ﴾ مصدرية بتقدير: أن نترك مثل عبادة آبائنا.
وقرأ الجمهور «أصلواتك» بصيغة جمع صلاة.
وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف «أصلاتك» بصيغة المفرد.
و ﴿ أوْ ﴾ من قوله: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ لتقسيم ما يأمرهم به لأن منهم من لا يتّجر فلا يطفف في الكيل والميزان فهو قسم آخر متميّز عن بقية الأمة بأنه مأمور بترك التطفيف.
فقوله: ﴿ أن نفعل ﴾ عطف على ﴿ ما يعبد آباؤنا ﴾ ، أي أن نترك فِعْلَ ما نشاء في أموالنا فنكون طوع أمرك نفعل ما تأمرنا بفعله ونترك ما تأمرنا بتركه.
وبهذا تعلم أن لا داعي إلى جعل ﴿ أو ﴾ بمعنى واو الجمع، كما درج عليه كثير من المفسرين مثل البيضاوي والكواشي وجعلوه عطفاً على ﴿ نترك ﴾ فتوجّسوا عدم استقامة المعنى كما قال الطبري.
وتأوله بوجهين: أحدهما عن أهل البصرة والآخر عن أهل الكوفة، أحدهما مبني على تقدير محذوف والآخر على تأويل فعل ﴿ تَأمرك ﴾ وكلاهما تكلف.
وأما الأكثر فصاروا إلى صرف ﴿ أو ﴾ عن متعارف معناها وقد كانوا في سعة عن ذلك.
وسكت عنه كثير مثل صاحب «الكشاف».
وأومأ البغوي والنسفي إلى ما صرحنا به.
وجملة ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ استئناف تهكم آخر.
وقد جاءت الجملة مؤكدة بحرف (إنّ) ولام القسم، وبصيغة القصر في جملة ﴿ لأنت الحليم الرشيد ﴾ فاشتملت على أربعة مؤكدات.
والحليم، زيادة في التهكم: ذو الحلم أي العقل، والرشيد: الحسن التدبير في المال.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ في ﴿ صَلاتَكَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قِراءَتُكَ، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّانِي: صَلاتُكَ الَّتِي تُصَلِّيها لِلَّهِ تَعَبُّدًا.
الثّالِثُ: دِينُكَ الَّذِي تَدِينُ بِهِ وأُمِرْتَ بِاتِّباعِهِ لِأنَّ أصْلَ الصَّلاةِ الِاتِّباعُ، ومِنهُ أخْذُ المُصَلِّي في الخَيْلِ.
﴿ تَأْمُرُكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَدْعُوكَ إلى أمْرِنا.
الثّانِي: فِيها أنْ تَأْمُرَنا أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ والأصْنامِ.
﴿ أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ.
الثّانِي: الزَّكاةُ، كانَ يَأْمُرُهم بِها فَيَمْتَنِعُونَ مِنها، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
الثّالِثُ: قَطْعُ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ لِأنَّهُ كانَ يَنْهاهم عَنْهُ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّكَ لَسْتَ بِحَلِيمٍ ولا رَشِيدٍ عَلى وجْهِ النَّفْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا لَهُ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ وقالُوا: أنْتَ حَلِيمٌ رَشِيدٌ فَلِمَ تَنْهانا أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟
والحِلْمُ والرُّشْدُ لا يَقْتَضِي مَنعَ المالِكِ مِن فِعْلِ ما يَشاءُ في مالِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ قال: رخص السعر ﴿ وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ﴾ قال: غلاء السعر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: رزق الله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بقية الله خير لكم ﴾ يقول: حظكم من ربكم خير لكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ يقول: طاعة الله.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: وصية الله ﴿ خير لكم ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه في قوله: ﴿ أصلواتك تأمرك ﴾ قال: أقراءتك.
وأخرج ابن عساكر عن الأحنف رضي الله عنه.
أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا شعيب أصلواتك تأمرك...
﴾ الآية.
قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها، وإن شئنا طرحناها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، وهو قوله: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رضي الله عنه ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ قال: قرض الدراهم، وهو من الفساد في الأرض.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وأبو الشيخ وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قطع الدراهم والدنانير المثاقيل التي قد جازت بين الناس، وعرفوها من الفساد في الأرض.
وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي هلال.
أن ابن الزبير عاقب في قرض الدرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قال: يقولون: إنك لست بحليم ولا رشيد.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ استهزاء به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً ﴾ قال: الحلال.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقول: لم أك لأنهاكم عن أمر واركبه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه.
أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقالت: اتنهى عن المواصلة؟
قال: نعم.
قالت: فلعله في بعض نسائك فقال: ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ .
وأخرج أحمد عن معاوية القشيري.
أن أخاه مالكاً قال: يا معاوية إن محمداً أخذ جيراني فانطلق إليه، فانطلقت معه إليه فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا، فأعرض عنه فقال: ألا والله إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره.
فقال: أو قد فعلوها؟
لئن فعلت ذلك لكان علي وما كان عليهم.
وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ قال: بلغني أنه يدعى يوم القيامة بالمذكر الصادق، فيوضع على رأسه تاج الملك، ثم يؤمر به إلى الجنة فيقول: إلهي إن في مقام القيامة أقواماً قد كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت عليه.
قال: فيفعل بهم مثل ما فعل به، ثم ينطلق يقودهم إلى الجنة لكرامته على الله.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي إسحاق الفزاري رضي الله عنه قال: ما أردت أمراً قط فتلوت عنده هذه الآية إلا عزم لي على الرشد ﴿ إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإليه أنيب ﴾ قال: إليه أرجع.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قلت: يا رسول الله أوصني قال «قل ربي الله ثم استقم» .
قلت: ربي والله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
قال: «ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً» في إسناده محمد بن يونس الكريمي.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ ، وتقرأ (أصلاتك) على واحدة، وتوجيه القراءتين (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ .
قال الزجاج (٧) (٨) ﴿ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ ﴾ وليس للصلاة أمر ولا نهي، وهذا يحمل على أن تكون الصلاة (٩) ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ من أجل صلاته؛ لأن الصلاة من الإيمان والإيمان مانع منهما، فقد صارت الصلاة سببًا للامتناع منهما، فيصح على هذا الترتيب أن يقال: الصلاة مانعة من ذلك وآمرة به، وكذلك قوله: ﴿ أَصَلَاتُكَ ﴾ أي: من أجل أنك تصلي تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، أي: صلاتك تحملك على ذلك؟
فلذلك جاز أن يضاف الأمر إليها، فأما قوله: ﴿ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ﴾ أوقع الأمر على شعيب وهو في المعنى واقع على قومه، والتأويل: أصلاتك تأمرك أن تأمرنا أن نترك، فلما ذكر معنى الأمر أولًا اقتصر عليه ولم يُعد ذكره.
وقوله تعالى: ﴿ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ وقد خلوا وماتوا وجاءت الحكاية عن فعلهم على وزن الاستقبال، والتأويل: إن شاء الله أن نترك ما كان يعبد آباؤنا، ومثله قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ أي كانت تتلوا.
وقوله تعالى: ﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ ﴾ ، قال ابن الأنباري (١٠) ﴿ مَا يَعْبُدُ ﴾ على تقدير أو نترك أن نفعل وهذا قول الفراء (١١) (١٢) ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ (١٣) ﴿ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ قال الكلبي (١٤) (١٥) وقال ابن عباس (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ ، قال ابن عباس (١٩) قال أبو بكر: وهذا التفسير مشاكل للغة (٢٠) (٢١) قال الشاعر (٢٢) فقلت لسيدنا يا حليم ...
إنك لم تأس أسواء (٢٣) فآخر البيت يدل على أنه استجهله وخاطبه بالحلم كانيا عن غيره، وهذا قول مقاتل بن سليمان (٢٤) (٢٥) وقال ابن كيسان (٢٦) (١) قرأ حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، وحجة من وحّد أن (الصلاة) بمعنى الدعاء، والدعاء صنف واحد وهي مصدر والمصدر يقع للقليل والكثير بلفظه، وحجة من جمع أنه قدر أن الدعاء مختلف أجناسه وأنواعه فجمع المصدر لذلك، انظر: "الكشف" 1/ 507، "السبعة" ص 317، "إتحاف" ص 259.
(٢) عند قوله تعالى: ﴿ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ .
ونقل في توجيه القراءة ما ذكره أبو علي حيث قال: "الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد، كقوله سبحانه: ﴿ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ ، فإذا اختلفت جاز أن يجمع، لاختلاف ضروبه، كما قال: ﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ .
ومن المفرد الذي يراد به الجمع قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ ، والمصدر إذا سمي به صار بالتسمية وكثرة الاستعمال كالخارج عن حكم المصادر، وإذا جمعت المصادر إذا اختلفت نحو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ ﴾ فأنْ يُجْمَع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر.
(٣) "زاد المسير" 4/ 149 عن عطاء.
(٤) القرطبي 9/ 87.
(٥) الثعلبي 7/ 54 أ، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 149، القرطبي 9/ 87.
(٦) في (ي): (الصلوات).
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 72.
(٨) ساقط من (ب).
(٩) ساقط من (ب).
(١٠) في (ي): (ابن عباس)، وانظر: "زاد المسير" 4/ 150.
(١١) "معاني القرآن" 2/ 52.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.
(١٣) النحل:81.
(١٤) نقله ابن الجوزي عن ابن عباس، "زاد المسير" 4/ 150، وانظر: "تنوير المقباس" 144.
(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.
(١٦) "البحر المحيط" 5/ 253 عن ابن المسيب.
(١٧) الطبري 12/ 102، "زاد المسير" 4/ 150، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 627، "البحر المحيط" 5/ 253.
(١٨) الطبري 12/ 102، "زاد المسير" 4/ 150، القرطبي 9/ 88، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627.
(١٩) الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 150.
(٢٠) في (ب): (اللغة).
(٢١) ساقط من (ب).
(٢٢) البيت لشييم بن خويلد كما في "اللسان" (خفق) 2/ 1214.
(٢٣) في (ب): (تأسوا سواء).
(٢٤) "تفسير مقاتل" 148 ب.
(٢٥) الطبري 12/ 103.
(٢٦) الثعلبي 7/ 54 ب، "زاد المسير" 4/ 150، ورجحه القرطبي 9/ 87.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ يعني رخص الأسعار وكثرة الأرزاق ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا ﴿ بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي ما أبقاه الله لكم من رزقه ونعمته، ﴿ أصلاوتك تَأْمُرُكَ ﴾ الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر إليها مجاز كقوله: ﴿ إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] والمعنى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أموالنا مَا نَشَاءُ ﴾ يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، وأن نفعل عطف على أن نترك ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد عن نفسك ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ أي سالماً من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم، وجواب أرأيتم محذوف يدل عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أخالفكم إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.
﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.
التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.
ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.
﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.
وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.
والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.
وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.
قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.
وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.
قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.
وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟
والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.
وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.
وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.
ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.
قالت المعتزلة.
في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.
وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.
قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.
وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.
والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.
ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.
وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.
﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.
وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.
ثم أشار إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟
﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.
فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.
والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.
أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.
ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.
أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.
وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.
﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.
ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.
كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.
وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.
وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.
وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.
ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.
ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.
ثم وصف الله بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .
ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.
ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.
وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.
وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.
فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.
قوله ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.
والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.
وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.
ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.
ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.
ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.
وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.
والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.
ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.
وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.
و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.
وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.
﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.
عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.
تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.
كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.
ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.
التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.
﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.
﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.
﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.
﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.
ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ ﴾ \[أي: إلى مدين أرسلنا\] ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ هذا قد ذكرنا فيما تقدم: أن كل نبي أول ما دعا قومه إنما دعا إلى توحيد الله، وجعل العبادة له.
وفي قوله: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ وما ذكر في غيره من الأخوة دلالة على أن الرسل من قبل كانوا يبعثون من جنس قومهم لا من الملائكة حيث قال: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يكونوا إخوة لهم في الدين، وفيه أن المؤاخاة لا توجب فضيلة المؤاخى له؛ [لأنه ذكر أن الرسل] إخوة أولئك الأقوام، ومنهم كفرة، وذلك يرد قول الروافض في تفضيل عليّ على أبي بكر بالمؤاخاة التي كانت بين رسول الله وبين علي؛ والخلة توجب الفضيلة، وقد جاء عنه [أنه قال]: "لو اتخذت سوى ربي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ ، ذكر أنهم [كانوا] ينقصون المكيال والميزان، ولا يوفون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: أنهم إنما نهوا عن ذلك؛ لحق الربا؛ لأن النقصان إذا كان برضا من صاحبه يجوز؛ فدل أنه إنما نهاهم بحق الربا، وفيهما يجري الربا.
والثاني: فيه أن [هبة] المشتري للبائع، وتقلبه [فيه] قبل قبضه على قيام البيع فيما بينهما غير جائز؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ قيل: [في سعة] من المال.
وقيل: في رخص من السعر، وإنما يحمل المرء على النقصان والظلم على آخر - عز الشيء وضيق [الحال]، فكيف تنقصون أنتم في حال السعة ورخص السعر.
أو يقول: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، و [لا] تمنعوا حقوقهم، ﴿ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ ، أي: يوم يحيط بهم العذاب إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، وهو - والله أعلم - أنه ما من جارحة من ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ جزءاً دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ و ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 28]، ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ خص المكيال والميزان [والله أعلم] - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري الربا، كما ذكرنا.
وقوله - عز وجل: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، فيه دلالة أن المشتري يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ أضاف إلى الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان [أشياء البائع]، فإنما نقص ماله.
[وقوله]: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ قال بعضهم: ما أبقى الله لكم من ثوابه في الآخرة خير لكم إن آمنتم به، وأطعتموه مما تجمعون من الأموال.
[و] قال بعضهم: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: ما جعل الله لكم مما يحل خير لكم مما يحرم عليكم من نقصان الكيل والوزن، ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالحلال أو بالآخرة.
وقال بعضهم: طاعة الله - وهو ما يأمركم به، ويدعوكم إليه - خير لكم مما تفعلون.
وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس حقوقهم، لكن هذا يرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ يحتمل: ما أنا عليكم بحفيظ، أي: لست أشهد بياعاتكم وأشريتكم حتى أعلم ببخسكم الناس المكيال والميزان، لكن إنما أعرف ذلك بالله، وفيه دلالة إثبات [رسالة محمد ].
والثاني: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ أي: بمسلط عليكم، إنما أبلغ إليكم، كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: صلاتك، [أي]: قراءتك تأمرك هذا.
وقال ابن عباس: قالوا ذلك له؛ لأن شعيباً كان يكثر الصلاة، كأنه [يخرج] على الإضمار يقولون: أصلواتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا.
وقوله: و ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ يحتمل [أنها كانت صلوات] معروفة يفعلها، فيقولون: أصلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك كذا، أم صلاة واحدة تكثرها، فقالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ ، وخصوا الصلاة من [بين] غيرها من الطاعات؛ لما لعلها كانت من أظهر طاعاته عندهم، فقالوا له هذا.
ثم يحتمل وجهين: [أحدهما: كأنهم] قالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ...
﴾ كذا على التسفيه له [والتجهيل] كمن يوبخ آخر [ويسفهه]، [فيقول له]: أعلمك يأمرك [بذلك]، أو إيمانك يأمرك بهذا، كقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ﴾ ، ونحوه من الكلام يخرج على [التسفيه له أو التجهيل].
والثاني: يقال ذلك على الإنكار، يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو علمك يأمرك بهذا، [أي: لا يأمرك بذلك]، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ \[أي: لا تأمرك بذلك\] هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم، فإن لم تكن مرضية، فالتأويل هو الأول.
وقوله - عز وجل -: [ ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ ﴾ ] الآية، حبب إليهم تقليد آبائهم في عبادة الأصنام واتباعهم إياهم والأموال التي كانت لهم، [فمنعهم هذا] عن النظر في الحجج والآيات؛ [لما] حبب إليهم ذلك، وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم عن النظر في آيات الله و [التأمل في] حججه أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: حب اللذات، ودوام الرياسات، والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتبعوا رسل الله وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه - لذهب عنهم ذلك.
ثم قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ يحتمل: قضاء جميع الشهوات.
ويحتمل: ما ذكر من نقصان المكيال والميزان، يقولون: أموالنا لنا ليس لأحد فيها حق، نفعل فيها ما نشاء.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ ﴾ : الألف صلة "وأن نفعل في أموالنا ما نشاء".
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ قال [بعضهم من] أهل التأويل: قالوا ذلك له؛ استهزاء به وسخرية، كنوا بالحليم عن السفيه، وبالرشيد [عن] الضال، أي: أنت السفيه [الضال]؛ حيث سفهت آباءنا في عبادتهم الأصنام، [الضال] حيث تركت ملتهم ومذهبهم.
وقال بعضهم: على النفي والإنكار، أي: ما أنت الحليم الرشيد.
ويشبه أن يكون على حقيقة الوصف له بالحلم والرشد؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط، ولا رأوه على خلاف و [لا على] سفاهة قط؛ فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ ، أي: كنت هكذا؛ فكيف تركت ذلك، وهو ما قال قوم صالح لصالح حيث قالوا: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على [علم و] بيان وحجج وبرهان من ربي، على ما ذكرنا فيما تقدم، أي: تعلمون أني كنت على بيان من ربي وحجج، ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ : [يحتمل هذا منه مكان ما قال أولئك الأنبياء: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: قال شعيب: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ ] الدين والهدى، [و] النبوة على ما ذكر وأمكن أن يكون الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك؛ وما رزق أولئك عليهم تبعة في ذلك؛ لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ من الناس من يقول: قال لهم ذلك بإزاء ما قالوا فيما ذكر في الأعراف: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ يقول: أأدعوكم إلى الإيمان بالله والتوحيد له، وأنهاكم عن الكفر به، ثم أرتكب ما أنهاكم عنه، وأترك ما أدعوكم إليه؟!
وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر [وأرتكبه]، وهو واحد ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ﴾ \[أي: ما أريد إلا الإصلاح لكم ما استطعت\]، وفيه دلالة [على] أن الاستطاعة تكون مع الفعل [لا غير]، أما أن يكون أراد: استطاعة الإرادة أو استطاعة الفعل، فكيفما كان، فقد أخبر أنه يريد لهم من الصلاح ما استطاع، فيه ما ذكرنا، وهو ينقض على المعتزلة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الاستطاعة تتقدم [على] الفعل، وهي لا تبقى وقتين؛ فيصير على قولهم إرادة الصلاح لهم [في غير زمن] الاستطاعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ ، قال بعضهم: التوفيق: هو صفة كل مطيع، والخذلان: هو صفة كل عاص.
وقال بعضهم: التوفيق: هو ما [يوفق بين فعله وقوله] في الطاعة، والخذلان ما يفرق بين قوله وفعله في المعصية.
وقال الحسين النجار: التوفيق: هو قدرة كل خير وطاعة، والخذلان: هو قدرة كل شر ومعصية.
وعندنا: التوفيق: هو أن يوفق بين عمل الخير والاستطاعة، والخذلان: هو أن يفرق بين عمل الخير والاستطاعة.
أو أن نقول: هو أن يوفق بين عمل الشر والاستطاعة، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي: عليه اعتمدت في جميع أمري، وإليه توكلت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: أرجع.
أو يقول: إليه أقبل بالطاعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ \[بالغرق\] ﴿ أَوْ قَوْمَ هُودٍ ﴾ \[بالريح الصرصر\] ﴿ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ﴾ بالصيحة على ما ذكر.
قال بعضهم: ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يحملنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ قيل: خلافي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.
وقال بعضهم قوله: [ ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يؤثمنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ أي: عداوتي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.
وقيل:] ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ \[أي:\] لا يكسبنكم عداوتي.
وقال الحسن: ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ : ضراري.
لكن كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إذا ثبت العداوة، ثبت المخالفة والبغض والضرر، فكل ما ذكروا فهو واحد.
واصل الجرم: الإثم والذنب.
ثم يخرج إنذاره إياهم بمن هلك من الأمم على وجهين: أحدهما: أن قوم شعيب قوم لا يؤمنون بالبعث وبالقيامة، فأنذرهم بمن هلك من الأمم السالفة؛ لأنه لو كان ينذرهم بالبعث، لكان لا ينجح فيهم؛ لأنهم لا يؤمنون به.
والثاني: أنذرهم بأولئك؛ لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان، ويتبعونهم، فيقول: إنكم تقلدون آباءكم وتتبعونهم في عبادة الأوثان فاتبعوهم - أيضاً - فيما بلغوا إليكم من هلاك أولئك بعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم الرسل، فإذا قلدتموهم في العبادة [فهلا] تقلدونهم وتتبعونهم فيما أصابهم بم أصابهم؟
أو يقول: [لهم]: إنكم تقلدون آباءكم الذين عبدوا الأوثان وقد هلكوا، فهلا تقلدون من لم يعبد منهم ونجا وقد [عرفتم أن] من هلك منهم [بم] هلك؟
ومن نجا منهم [بم] نجا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ أي: إن نسيتم من مضى منهم، فلا تنسوا ما نزل بقوم لوط، وليسوا هم ببعيد منكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: اطلبوا من ربكم المغفرة؛ أي: اطلبوا السبب الذي يقع لكم المغفرة من ربكم، وهو التوحيد ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه، ولا تعودوا إلى ما كنتم [من] قبل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه رجوعاً حتى لا تعودوا إلى مثل صنيكعم أبداً ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ﴾ يرحم من تاب إليه، والله يرحمه ﴿ وَدُودٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ودود: أي: حق أن يؤدّ؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان، والناس جبلوا على حب من أحسن إليهم.
والثاني: ودود لمن توسل إليه وتقرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾ قوله: ﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ يحتمل: ما نفهم وما نعقل كثيراً مما تقول؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء والهزء به؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون؛ يقولون: لا نفهم ما تقول؛ لأن كلامك كلام مجانين.
وهذه هي عادة القوم؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون.
ويحتمل: ما نفقه: ما نقبل كثيراً مما تقول، فإن كان على الفهم فهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ وهم كانوا فريقين: فريق كانوا يقولون: قلوبنا أوعية للعلم؛ كقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فإن كان ما تقول حقّاً نفهم ونعقل كما نعقل غيره، وفريق قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ﴾ كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون؛ لأن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر، والفريق الأول يقولون: إن قلوبنا أوعية للعلم، فلو كان حقّاً لعقلناه كما عقلنا غيره، فهؤلاء كانوا يصرفون العيب إلى الرسول، وأولئك إلى أنفسهم، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أي: إنك لست من كبرائنا وأجلتنا، إنما أنت من أوساطنا، وعلى ذلك الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس، لا من كبرائهم في أمر الدنيا، فالقوي والعزيز عند أولئك القوم من عنده الدنيا والمال، وأما من لم يكن عنده المال فهو عندهم ضعيف ذليل؛ لأنهم لا يعرفون الدين، ولا يؤمنون بالآخرة، لذلك قالوا ما قالوا.
والثاني: لست أنت بذي قوة وبطش في نفسك، وقد ذكر أنه كان ضعيفاً في بصره ونفسه.
ويحتمل وصفهم بالضعف لهذين الوجهين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: قبيلتك.
وقيل: عشيرتك ﴿ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ الرجم: يحتمل: القتل، ويحتمل: اللعن والشتم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: لولا حرمة رهطك وإلا لرجمناك؛ كأنهم كانوا يحترمونه لموافقة رهطه إياهم في العبادة أعني عبادة الأوثان، وعلى ما هم عليه.
والثاني: لولا رهطك لرجمناك خوفاً منهم لما ذكر أنه كان كثير العشيرة، والقبيلة؛ كانوا يخافون عشيرته فلم يؤذوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا وكبرائنا، إنما أنت من أوساطنا أو ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا؛ لأن العزيز عندهم من كان عنده المال والدنيا، لا يعرفون [العز في غير] ذلك، ولم يكن عند شعيب الدنيا لذلك نسبوه إلى ما ذكر: أو أنت ذليل عندنا، لست بعزيز، فيكون صلة قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: يحتمل يا قوم، أرهطي أعظم حقّاً عليكم من الله وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتموني من النقمة لحقهم وحرمتهم؟!
والثاني: قوله: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم ﴾ أي: رهطي أشد خوفاً عليكم وأكثر نكاية من الله؛ لأنا قلنا في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: الاحترام لرهطه لموافقتهم إياهم في جميع ما هم عليه، والمساعدة لهم.
والثاني: على الخوف والنكاية لقوتهم، وكثرتهم، وفضل بطشهم تركوا ما وعدوا له خوفاً من رهطه، فقال: خوفكم من رهطي أشد وأكثر عليكم من الخوف من الله، وقد بلغكم من نكاية الله ونقمته فيما حل بالأمم الماضية.
أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق الله وحرمته، وقد تعلمون إحسانه إليكم وإنعامه عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ قال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه، قال: تقول: العرب: فلان حمل الناس على ظهره: أي: أسخطهم على نفسه.
ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا.
فإن قيل هذا فهو يحتمل ما قال، وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال غيره من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: نبذتم الله وراء ظهركم، أي: نبذتم حق الله وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ظهركم، لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم؛ هذا على التمثيل أي: جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم، لا يعملون به ولا ينظرون إليه، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ على التمثيل، أي: الذي أنتم عليه في القبح كالانقلاب على الأعقاب ﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين - أيضاً -: أي: إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها، أو يقول: إن ربي بما تعملون من الكيد برسول الله والمكر به محيط فينصره عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه، وأنا أكون على ديني؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ لأن قوم شعيب قالوا لشعيب: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ فقال لهم [هذا] عند ذلك، وهذا إنما يقال عند الإياس عن إيمانهم، كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ وأمثاله.
والثاني: قوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ أي اعملوا في كيدي، والمكر في هلاكي، إني عامل ذلك بكم، وهو كما قال غيره من الرسل: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ في العاقبة وعيد من يأتيه عذاب يخزيه، أو سوف تعلمون في العاقبة من يأتيه منا عذاب يخزيه نحن أو أنتم ومن هو كاذب، وتعلمون - [أيضاً - في العاقبة] من الكاذب منا نحن أو أنتم؛ لأن كل واحد من الفريقين يدعي على الفريق الآخر الكذب والافتراء على الله، فيقول: سوف تعلمون في العاقبة [من] الكاذب منَّا والمفتري على الله، والصادق عليه ﴿ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ أي: ارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، أو ارتقبوا لمن العاقبة منا لنا أو لكم إني معكم رقيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ قيل: الصيحة صيحة جبريل؛ أي: هلكوا بصيحته.
وقال بعضهم: الصيحة: اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة؛ سمي العذاب بأسماء مختلفة: مرة صاعقة ، ومرة صيحة، ومرة رجفة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ في الهلاك ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ : كما أهلكت ثمود؛ لأن كل واحد منهما هلك بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من بين الأمم.
وعن ابن عباس - -: لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح؛ فأمّا قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب من فوقهم.
قال: فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح، فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس، فسال عليهم العذاب من فوقهم، فذلك قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ من رحمة الله ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ من رحمته.
ويحتمل الهلاك الذي ذكرناه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال قوم شعيب لشعيب: يا شعيب، أصلاتك التي تصليها لله تأمرك أن نترك عبادة ما كان آباؤنا يعبدونه من الأصنام، وتأمرك أن نترك التصرف في أموالنا بما نشاء، وننميها بما نشاء؟!
إنك لأنت الحليم الرشيد، فإنك أنت العاقل الحكيم كما عرفناك قبل هذه الدعوة، فما الَّذي أصابك؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.R5oZA"