الآية ٨٨ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٨٨ من سورة هود

قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول لهم أرأيتم يا قوم ( إن كنت على بينة من ربي ) أي : على بصيرة فيما أدعو إليه ، ( ورزقني منه رزقا حسنا ) قيل : أراد النبوة .

وقيل : أراد الرزق الحلال ، ويحتمل الأمرين .

وقال الثوري : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) أي : لا أنهاكم عن شيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم ، كما قال قتادة في قوله : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) يقول : لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) أي : فيما آمركم وأنهاكم ، إنما مرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي ، ( وما توفيقي ) أي : في إصابة الحق فيما أريده ( إلا بالله عليه توكلت ) في جميع أموري ، ( وإليه أنيب ) أي : أرجع ، قاله مجاهد وغيره .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه : أن أخاه مالكا قال : يا معاوية ، إن محمدا أخذ جيراني ، فانطلق إليه ، فإنه قد كلمك وعرفك ، فانطلقت معه فقال : دع لي جيراني ، فقد كانوا أسلموا .

فأعرض عنه .

[ فقام متمعطا ] فقال : أما والله لئن فعلت إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره .

وجعلت أجره وهو يتكلم ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما تقول ؟

" فقال : إنك والله لئن فعلت ذلك .

إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره .

قال : فقال : " أوقد قالوها - أوقائلهم - ولئن فعلت ذلك ما ذاك إلا علي ، وما عليهم من ذلك من شيء ، أرسلوا له جيرانه .

وقال أحمد أيضا : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ناسا من قومي في تهمة فحبسهم ، فجاء رجل من قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب ، فقال : يا محمد ، علام تحبس جيرتي ؟

فصمت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

[ عنه ] فقال : إن ناسا ليقولون : إنك تنهى عن الشيء وتستخلي به ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " ما يقول ؟

" قال : فجعلت أعرض بينهما الكلام مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدا ، فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به حتى فهمها ، فقال : " أوقد قالوها - أو : قائلها منهم - والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم ، خلوا له عن جيرانه " .

ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال : سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم ، وتلين له أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم قريب ، فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم ، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه " .

هذا إسناد صحيح ، وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث : " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم ، افتح لي أبواب رحمتك .

وإذا خرج فليقل : اللهم ، إني أسألك من فضلك " .

ومعناه ، والله أعلم : مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به ، ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه ، ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم [ عنه ] ) .

وقال قتادة ، عن عزرة عن الحسن العرني ، عن يحيى بن الجزار ، عن مسروق ، أن امرأة جاءت ابن مسعود قالت أتنهى عن الواصلة ؟

قال : نعم .

فقالت [ المرأة ] : فلعله في بعض نسائك ؟

فقال : ما حفظت إذا وصية العبد الصالح : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) .

وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثنا جرير ، عن أبي سليمان العتبي قال : كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي ، فيكتب في آخرها : وما كانت من ذلك إلا كما قال العبد الصالح : ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال ، (ورزقني منه رزقًا حسنًا)، يعني حلالا طيّبًا.

* * * (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ، يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعلُ خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.

كما:- 18496- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ، يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر أركبه أو آتيه.

* * * ، (إن أريد إلا الإصلاح)، يقول: ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم ، (ما استطعت) ، يقول: ما قدرت على إصلاحه ، لئلا ينالكم من الله عقوبة منكِّلة، بخلافكم أمره ، ومعصيتكم رسوله ، (وما توفيقي إلا بالله) يقول: وما إصابتي الحق في محاولتي إصلاحكم وإصلاح أمركم إلا بالله، فإنه هو المعين على ذلك، إلا يعنّي عليه لم أصب الحق فيه.

* * * وقوله: (عليه توكلت) ، يقول: إلى الله أفوض أمري، فإنه ثقتي ، (44) وعليه اعتمادي في أموري.

(45) * * * وقوله: (وإليه أنيب) ، وإليه أقبل بالطاعة ،وأرجع بالتوبة، (46) كما:- 18497- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وإليه أنيب)، قال: أرجع.

18498- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

18499- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، قال ، 18500- .

.

.

.

وحدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (وإليه أنيب) ، قال: أرجع.

18501- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (وإليه أنيب) ، قال: أرجع.

* * * ------------------------ الهوامش: (44) في المطبوعة والمخطوطة : " فإنه ثقتي " ، ولعل الصواب ما أثبت .

(45) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف من فهارس اللغة ( وكل ) .

(46) انظر تفسير " الإنابة " فيما سلف ص : 406 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي تقدم .

ورزقني منه رزقا أي واسعا حلالا ، وكان شعيب - عليه السلام - كثير المال ، قاله ابن عباس وغيره .

وقيل : أراد به الهدى والتوفيق والعلم والمعرفة ، وفي الكلام حذف ، وهو ما ذكرناه ; أي أفلا أنهاكم عن الضلال !

وقيل : المعنى أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أتبع الضلال ؟

وقيل : المعنى أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف ، وقد أغناني الله عنه ." وما أريد أن أخالفكم " في موضع نصب ب " أريد " .إلى ما أنهاكم عنه أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه ، كما لا أترك ما أمرتكم به .إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت أي ما أريد إلا فعل الصلاح ; أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل ، وآخرتكم بالعبادة ، وقال : " ما استطعت " لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة .

وما مصدرية ; أي إن أريد إلا [ ص: 80 ] الإصلاح جهدي واستطاعتي ." وما توفيقي " أي رشدي ، والتوفيق الرشد ." إلا بالله عليه توكلت " أي اعتمدت ." وإليه أنيب " أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب .

وقيل : إليه أرجع في الآخرة .

وقيل : إن الإنابة الدعاء ، ومعناه وله أدعو .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ ْ} لهم شعيب: { يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ْ} أي: يقين وطمأنينة، في صحة ما جئت به، { وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ْ} أي: أعطاني الله من أصناف المال ما أعطاني.

{ وَ ْ} أنا لا { أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ْ} فلست أريد أن أنهاكم عن البخس، في المكيال، والميزان، وأفعله أنا، وحتى تتطرق إليَّ التهمة في ذلك.

بل ما أنهاكم عن أمر إلا وأنا أول مبتدر لتركه.

{ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ْ} أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي، شيء بحسب استطاعتي.

ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: { وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ْ} أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي.

{ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ْ} أي: اعتمدت في أموري، ووثقت في كفايته، { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ْ} في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي [هذا] التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات.

وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ْ} وقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ْ}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة ) بصيرة وبيان ، ( من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ) حلالا .

وقيل : كثيرا .

وكان شعيب عليه السلام كثير المال .

وقيل : الرزق الحسن العلم والمعرفة .

( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) أي : ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه .

( إن أريد ) ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه ( إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ) والتوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة .

( عليه توكلت ) اعتمدت ، ( وإليه أنيب ) أرجع فيما ينزل بي من النوائب .

وقيل : في المعاد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا» حلالا أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف «وما أريد أن أخالفكم» وأذهب «إلى ما أنهاكم عنه» فأرتكبه «إن» ما «أريد إلا الإصلاح» لكم بالعدل «ما استطعت وما توفيقي» قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات «إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» أرجع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال شعيب: يا قوم أرأيتم إن كنت على طريق واضح من ربي فيما أدعوكم إليه من إخلاص العبادة له، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال، ورزقني منه رزقًا واسعًا حلالا طيبًا؟

وما أريد أن أخالفكم فأرتكب أمرًا نهيتكم عنه، وما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا إصلاحكم قَدْر طاقتي واستطاعتي، وما توفيقي -في إصابة الحق ومحاولة إصلاحكم- إلا بالله، على الله وحده توكلت وإليه أرجع بالتوبة والإنابة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ومع كل هذه السفاهة : ترى شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - يتغاضى عن سفاهاتهم ، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم ، كما يحس بقوة الحق الذى أتاهم به من عند ربه ، فيرد عليهم بقوله : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي .

.

) والبينة : ما يتبين به الحق من الباطل ، ويتميز به الهدى من الضلال .أى : قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم : يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة ، وبصيرة مستنيرة منحنى إياها ربى ومالك أمرى .( وَرَزَقَنِي مِنْهُ ) - سبحانه - ، ( رِزْقاً حَسَناً ) يتمثل فى النبوة التى كرمنى بها ، وفى المال الحلال الذى بين يديى ، وفى الحياة الطيبة التى أحياها .وجواب الشرط محذوف والتقدير : أخبرونى إن كنت كذلك ، هل يليق بى بعد ذلك أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم؟

كلا إنه لا يليق بى ذلك ، وإنما اللائق بى أن أبلغ جميع ما أمرنى بتبليغه دون خوف أو تقصر .ثم يكشف لهم عن أخلاقه وسلوكه معهم فيقول : ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .

.

.

)أى : ما أريد بأمرى لكم بعبادة الله وحده ، وبنهيى إياكم عن التطفيف والبخس ، مجرد مخالفتكم ومنازعتكم ومعاكستكم ، أو أن آمركم بشئ ثم لا أفعله ، أو أنهاكم عنه ثم أفعله ، من أجل تحقيق منفعة دنيوية .

.كلا ، كلا إنى لا أريد شيئا من ذلك وإنما أنا إنسان يطابق قولى فعلى ، وأختار لكم ما أختاره لنفسى .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) يقال : خالفنى فلان إلى كذا : إذا ق صده وأنت مول عنه .

وخالفنى عنه : إذا ولى عنه وأنت تقصده .ويلقاك الرجل صادرا عن المال فتسأله عن صاحبه فيقول : خالفنى إلى الماء ، يريد أنه ذهب إليه واردا ، وهو ذهب عنه صادراً ، ومنه قوله - سبحانه - ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) يعنى : ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التى نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم .وقال الإِمام ابن كثير ، وعن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود - رضى الله عنه - فقالت له : أأنت الذى نتهى عن الواصلة - أى التى تصل شعرها بشعر آخر -؟

قال : نعم .

فقالت : فلعله فى بعض نسائك ، فقال : ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) .ثم بين لهم أنه ما ريد لهم إلا الإِصلاح فيقول : ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت .

.

.

)أى : ما أريد بما أنصحكم به إلا إصلاحكم وسعادتكم ، وما دمت أستطيع ذلك ، وأقدر عليه ، فلن أقصر فى إسداء الهداية لكم .ثم يفوض الأمور إلى الله - تعالى - فيقول : ( وَمَا توفيقي إِلاَّ بالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) .أى : وما توفيقى فيما أدعوكم إليه من خير أو أنهاكم عنه من شر إلا بتأييد الله وعونه ، فهو وحده الذى عليه أتوكل وأعتمد فى كل شئونى ، وهو وحده الذى إليه أرجع فى كل أمورى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في الجواب عن كلماتهم فالأول قوله: ﴿ قَالَ ياقوم أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رزقاً حسناً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من العلم والهداية والدين والنبوة وقوله: ﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، فإنه يروى أن شعيباً عليه السلام كان كثير المال.

واعلم أن جواب إن الشرطية محذوف والتقدير: أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية وهي البينة والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه وأن أخالفه في أمره ونهيه، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم وذلك لأنهم قالوا له: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا فكأنه قال إنما أقدمت على هذا العمل، لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف أمره وتكليفه.

الثاني: أن يكون التقدير كأنه يقول لما ثبت عندي أن الاشتغال بعبادة غير الله والاشتغال بالبخس والتطفيف عمل منكر، ثم أنا رجل أريد إصلاح أحوالكم ولا أحتاج إلى أموالكم لأجل أن الله تعالى آتاني رزقاً حسناً فهل يسعني مع هذه الأحوال أن أخون في وحي الله تعالى وفي حكمه.

الثالث: قوله: ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ أي ما حصل عنده من المعجزة وقوله: ﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ المراد أنه لا يسألهم أجراً ولا جعلاً وهو الذي ذكره سائر الأنبياء من قولهم: ﴿ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبّ العالمين ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ يدل على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته وأنه لا مدخل للكسب فيه، وفيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى والإذلال من الله تعالى، وإذا كان الكل من الله تعالى فأنا لا أبالي بمخالفتكم ولا أفرح بموافقتكم، وإنما أكون على تقرير دين الله تعالى وإيضاح شرائع الله تعالى.

وأما الوجه الثاني: من الأجوبة التي ذكرها شعيب عليه السلام فقوله: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ ﴾ قال صاحب الكشاف: يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولَّى عنه وأنت قاصده، ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه.

فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً، ومنه قوله: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ ﴾ يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم فهذا بيان اللغة، وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا بأنه حليم رشيد، وذلك يدل على كمال العقل، وكمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح، فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اختاره عقلي لنفسي لابد وأن يكون أصوب الطرق وأصلحها والدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين، التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى وأنا مواظب عليهما غير تارك لهما في شيء من الأحوال ألبتة فلما اعترفتم لي بالحلم والرشد وترون أني لا أترك هذه الطريقة، فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق، وأشرف الأديان والشرائع.

وأما الوجه الثالث: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت ﴾ والمعنى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي، وقوله: ﴿ مَا استطعت ﴾ فيه وجوه: الأول: أنه ظرف والتقدير: مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكناً منه لا آلو فيه جهداً.

والثاني: أنه بدل من الإصلاح، أي المقدار الذي استطعت منه.

والثالث: أن يكون مفعولاً له أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه.

واعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد، وإما أقروا له بذلك لأنه كان مشهوراً فيما بين الخلق بهذه الصفة، فكأنه عليه السلام قال لهم إنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الفساد والخصومة، فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس، فاعلموا أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة وإثارة الفتنة، فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلح والصلاح بقدر طاقتي، وذلك هو الإبلاغ والإنذار، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ وبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته.

واعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة إلى محض التوحيد، لأن قوله عليه السلام توكلت يفيد الحصر، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى وكيف وكل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته فإن بذاته، ولا يحصل إلا بإيجاده وتكوينه، وإذا كان كذلك لم يجز التوكل إلا على الله تعالى وأعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه، وأما قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ فهو إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضاً يفيد الحصر لأن قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ يدل على أنه لا مرجع للخلق إلا إلى الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيب عليه السلام قال: «ذاك خطيب الأنبياء» لحسن مراجعته في كلامه بين قومه.

وأما الوجه الرابع: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: ﴿ وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم ﴾ قال صاحب الكشاف: جرم مثل كسب في تعديته تارة إلى مفعول واحد وأخرى إلى مفعولين يقال جرم ذنباً وكسبه وجرمه ذنباً وكسبه إياه، ومنه قوله تعالى: ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم ﴾ أي لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب، وقرأ ابن كثير ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ بضم الياء من أجرمته ذنباً إذا جعلته جارماً له أي كاسباً له.

وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول واحد، وعلى هذا فلا فرق بين جرمته ذنباً وأجرمته إياه، والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما إلا أن المشهورة أفصح لفظاً كما أن كسبه مالاً أفصح من أكسبه.

إذا عرفت هذا فنقول: المراد من الآية لا تكسبنكم معاداتكم إياي أي يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح عليه السلام من الغرق، ولقوم هود من الريح العقيم ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف.

وأما قوله: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن المراد نفي البعد في المكان لأن بلاد قوم لوط عليه السلام قريبة من مدين، والثاني: أن المراد نفي البعد في الزمان لأن إهلاك قوم لوط عليه السلام أقرب الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب عليه السلام، وعلى هذين التقديرين فإن القرب في المكان وفي الزمان يفيد زيادة المعرفة وكمال الوقوف على الأحوال فكأنه يقول اعتبروا بأحوالهم واحذروا من مخالفة الله تعالى ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب.

فإن قيل: لم قال: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ وكان الواجب أن يقال ببعيدين؟

أجاب عنه صاحب الكشاف من وجهين: الأول: أن يكون التقدير ما إهلاكهم شيء بعيد.

الثاني: أنه يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وكثير وقليل بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

وأما الوجه الخامس: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: واستغفروا ربكم من عبادة الأوثان ثم توبوا إليه عن البخس والنقصان إن ربي رحيم بأوليائه ودود.

قال أبو بكر الأنباري: الودود في أسماء الله تعالى المحب لعباده، من قولهم وددت الرجل أوده، وقال الأزهري في كتاب شرح أسماء الله تعالى ويجوز أن يكون ودود فعولاً بمعنى مفعول كركوب وحلوب، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لكثرة إفضاله وإحسانه على الخلق.

واعلم أن هذا الترتيب الذي راعاه شعيب عليه السلام في ذكر هذه الوجوه الخمسة ترتيب لطيف وذلك لأنه بين أولاً أن ظهور البينة له وكثرة إنعام الله تعالى عليه في الظاهر والباطن يمنعه عن الخيانة في وحي الله تعالى ويصده عن التهاون في تكاليفه.

ثم بين ثانياً أنه مواظب على العمل بهذه الدعوة ولو كانت باطلة لما اشتغل هو بها مع اعترافكم بكونه حليماً رشيداً، ثم بين صحته بطريق آخر وهو أنه كان معروفاً بتحصيل موجبات الصلاح وإخفاء موجبات الفتن، فلو كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل بها، ثم لما بين صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض وقال لا ينبغي أن تحملكم عداوتي على مذهب ودين تقعون بسببه في العذاب الشديد من الله تعالى، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين، ثم إنه لما صحح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولاً وهو التوحيد والمنع من البخس بقوله: ﴿ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ ثم بين لهم أن سبق الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان والطاعة لأنه تعالى رحيم ودود يقبل الإيمان والتوبة من الكافر والفاسق لأن رحمته وحبه لهم يوجب ذلك، وهذا التقرير في غاية الكمال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ ﴾ أي من لدنه ﴿ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ وهو ما رزقه من النبوّة والحكمة.

وقيل ﴿ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ حلالاً طيباً من غير بخس ولا تطفيف.

فإن قلت: أين جواب ﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ وما له لم يثبت كما أثبت في قصة نوح ولوط؟

قلت: جوابه محذوف، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في القصتين دلّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه.

والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبياً على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولي عنه وأنت قاصده.

ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه؟

فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ ﴾ يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح ﴾ ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر ﴿ مَا استطعت ﴾ ظرف، أي: مدّة استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهداً.

أو بدل من الإصلاح، أي: المقدار الذي استطعته منه.

ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف على قولك: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت.

أو مفعول له كقوله: ضَعِيفُ النِّكَايةِ أَعْدَاءَهُ أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم ﴿ وَمَا توفيقى إِلاَّ بالله ﴾ وما كوني موفقاً لإصابة الحق فيما آتي وأذر، ووقوعه موافقاً لرضا الله إلا بمعونته وتأييده والمعنى: أنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه، وطلب منه التأييد والإظهار على عدوّه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ.

﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

وهو اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، والضَّمِيرُ في ﴿ مِنهُ ﴾ لِلَّهِ أيْ مِن عِنْدِهِ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ مِنِّي في تَحْصِيلِهِ.

﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ أيْ وما أُرِيدُ أنْ آتِيَ ما أنْهاكم عَنْهُ لِأسْتَبِدَّ بِهِ دُونَكم، فَلَوْ كانَ صَوابًا لَآثَرْتُهُ ولَمْ أُعْرِضْ عَنْهُ فَضْلًا عَنْ أنْ أنْهى عَنْهُ، يُقالُ خالَفْتُ زَيْدًا إلى كَذا إذا قَصَدْتُهُ وهو مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفْتُهُ عَنْهُ إذا كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، ﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِأمْرِي بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِي عَنِ المُنْكَرِ ما دُمْتُ أسْتَطِيعُ الإصْلاحَ، فَلَوْ وجَدْتُ الصَّلاحَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَما نَهَيْتُكم عَنْهُ، ولِهَذِهِ الأجْوِبَةِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا النَّسَقِ شَأْنٌ: وهو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ أحَدَ حُقُوقِ ثَلاثَةٍ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ، وثالِثُها حَقُّ النّاسِ.

وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ آمُرَكم بِما أمَرْتُكم بِهِ وأنْهاكم عَمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ.

و ﴿ ما ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ وقِيلَ خَبَرِيَّةٌ بَدَلٌ مِنَ ﴿ الإصْلاحَ ﴾ أيِ المِقْدارُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ إصْلاحُ ما اسْتَطَعْتُهُ فَحُذِفَ المُضافُ.

﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ ﴾ وما تَوْفِيقِي لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ إلّا بِهِدايَتِهِ ومَعُونَتِهِ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فَإنَّهُ القادِرُ المُتَمَكِّنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وما عَداهُ عاجِزٌ في حَدِّ ذاتِهِ، بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أقْصى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ.

﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، وهو أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ.

وفي هَذِهِ الكَلِماتِ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةُ بِهِ في مَجامِعِ أمْرِهِ والإقْبالُ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ، وحَسْمُ أطْماعِ الكُفّارِ وإظْهارُ الفَراغِ عَنْهم وعَدَمُ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ لِلْجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)

{قال يا قوم أرأيتم إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ} من لدنه {رِزْقًا حَسَنًا} يعني النبوة والرسالة أو مالاً حلالاً من غير بخس وتطفيف وجواب أرأيتم محذوف أي أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول خالفني إلى الماء يريد أنه قد ذهب إليه وأراد وأنا ذاهب عنه صادراً ومنه قوله {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ} يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح} ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر {مَا استطعت} ظرف أى مدة استطاعتى للاصلاح ومادمت متمكنا منه آلو فيه جهداً {وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله} وما كونى موفقا لإصابة الحق فيما آنى وآذر إلا بمعونته وتأييده {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اعتمدت {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أرجع في السراء والضرآء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن رَبِّي ومالِكٌ أُمُورِي ورَزَقَنِي مِنهُ مِن لَدُنْهِ سُبْحانَهُ رِزْقًا حَسَنًا هو النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والجَوابُ عَلَيْهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ، والكَلامُ المُصَنَّفُ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ إنِّي لَمْ أزَلْ مُرْشِدًا لَكم حَلِيمًا فِيما بَيْنَكم لَكِنْ ما جِئْتُ بِهِ لَيْسَ غَيْرَ الإرْشادِ والنَّصِيحَةِ لَكُمُ، انْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ وأنْتُمْ ألِبّاءٌ إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي وأنا مُرْشِدُكم والنّاصِحُ لَكم أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ مَعْنى الإرْشادِ وأدْرَجَ مَعِيَّ الحِلْمِ فِيما سَيَأْتِي مِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَذا قَرَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.

واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ كَوْنِهِ باقِيًا عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ مَقامَ الِاسْتِهْزاءِ آبٍ عَنْهُ، وذَكَرَ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ المُرادَ بِالبَيِّنَةِ والرِّزْقِ الحَسَنِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ، وأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما مَعَ كَوْنِهِما بَيِّنَةَ رِزْقٍ حَسَنٍ كَيْفَ لا وذَلِكَ مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأُمَّتِهِ، وأنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ عَلى مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المُتَضَمِّنَةِ زَعْمَ عَدَمِ اسْتِنادِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ إلى سَنَدٍ ثُمَّ قالَ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ، أيْ أتَقُولُونَ والمَعْنى أنَّكم عَدَدْتُمْ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي مِن قَبِيلِ ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ وجَعَلْتُمُوهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، واسْتَهْزَأْتُمْ بِي وبِأفْعالِي وقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ مِن جِهَةِ رَبِّي ومالِكِ أُمُورِي ثابِتًا عَلى النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ لِلْكَمالِ ولا مَطْمَحَ لِطامِحٍ ورَزَقَنِي لِذَلِكَ رِزْقًا حَسَنًا أتَقُولُونَ في شَأْنِي وشَأْنِ أفْعالِي ما تَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ولا شَرَّ وراءَهُ !

وادَّعى أنَّ هَذا هو الجَوابُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ ويُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.

وفَسَّرَ القاضِي الرِّزْقَ الحَسَنَ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ الحَلالِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ في تَحْصِيلِهِ، وقُدِّرَ جَوابُ الشَّرْطِ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم ما قَدَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.

وزَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ ذَيْنَكَ التَّقْدِيرَيْنِ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ، وأنَّهُما إنَّما يُناسِبانِ إنْ حُمِلَ كَلامُهم عَلى الحَقِيقَةِ وأُرِيدَ بِالصَّلاةِ الدِّينَ حَسْبَما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وعَطاءٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ذَلِكَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ فَقَطْ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ورَزَقَنِي مالًا حَلالًا أسْتَغْنِي بِهِ عَنِ العالَمِينَ أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ أوْ أُوافِقَكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، انْتَهى.

وأقُولُ: لا يَخْفى أنَّ المُناسِبَ لِلْمَقامِ حَمْلُ الرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ الخالِي عَنِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ، وتَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ نَحْوَ ما قَدَّرَهُ القاضِي لَيْسَ في الكَلامِ ما يَأْبى عَنْهُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ والصَّلاةِ عَلى الدِّينِ، بَلْ يَتَأتّى تَقْدِيرُ ذَلِكَ ولَوْ كانَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والصَّلاةُ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى لَمّا قالُوا في ظِلالِ الضَّلالِ وقالُوا ما قالُوا في حَقِّ نَبِيِّهِمْ وما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الأفْعالِ لَمْ يَكُنْ لَهم مَقْصُودٌ إلّا تَرْكَ الدَّعْوَةِ وتَرْكَهم وما يَفْعَلُونَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيحًا لِرَدِّ قَوْلِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِرَمْيِهِ وحاشاهُ بِالوَسْوَسَةِ والجُنُونِ والسَّفَهِ والغِوايَةِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْتَحِقُّ جَوابًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ وتَعَرَّضَ لِجَوابِهِمْ عَمّا قَصَدُوهُ بِكَلامِهِمْ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ أطْماعِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَعَ الإشارَةِ إلى رَدِّ ما تَضَمَّنَتْهُ مَقالَتُهُمُ الشَّنْعاءُ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: يا قَوْمِ إنَّكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ وضَمَّنْتُمُوها ما هو ظاهِرُ البُطْلانِ لِقَصْدِ أنْ أتْرُكَكم وشَأْنَكم مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ونَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومُسْتَثْنِيًّا بِما رَزَقَنِي مِنِ المالِ الحَلالِ عَنْكم وعَنْ غَيْرِكم أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ وحْيَهُ وأُوافِقَ هَواكُمْ؟

لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنِّي أصْلًا فَإذَنْ لا فائِدَةَ لَكم في هَذا الكَلامِ الشَّنِيعِ ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في هَذا الجَوابِ إشارَةً إلى وصْفِهِمْ بِنَحْوِ ما وصَفُوهُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طَلَبَكم مِنِّي تَرْكَ الدَّعْوَةِ ومُوافَقَةَ الهَوى مَعَ أنِّي مَأْمُورٌ بِدَعْوَتِكم وغَنِيٌّ عَنْكم مِمّا لا يَصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ ولا يَرْتَكِبُهُ إلّا سَفِيهٌ غاوٍ وكَأنَّ التَّعَرُّضَ لِذِكْرِ الرِّزْقِ مَعَ الكَوْنِ عَلى بَيِّنَةٍ لِلْإشارَةِ إلى وُجُودِ المُقْتَضى وارْتِفاعِ ما يُظَنُّ مانِعًا، ولا يَخْفى ما في إخْراجِ الجَوابِ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الحُسْنِ فَتَأمَّلْ.

بَقِيَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ النُّحاةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ أعْنِي أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ إلَخْ أنْ تُقَدَّرَ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي -لِأرَأيْتُمُ- المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى أخْبَرُونِي المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وجَوابُ الشَّرْطِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي فَأخْبِرُونِي هَلْ يَسَعُ لِي إلَخْ..

فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ، وما أُرِيدُ بِنَهْيِي إيّاكم عَمّا أنْهاكم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ ﴿ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ أيْ أقْصِدُهُ بَعْدَما تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ فَأسْتَبِدُّ بِهِ دُونَكم كَما هو شَأْنُ بَعْضِ النّاسِ في المَنعِ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ.

قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ ما ذَكَرُوهُ أنَّ ﴿ أنْ أُخالِفَكُمْ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ -لِأُرِيدُ- أيْ وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكُمْ، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى خَلَفَ نَحْوُ جاوَزَ وجازَ، ويَكُونُ المَعْنى وما أُرِيدُ أنْ أكُونَ خَلَفًا مِنكم و(إلى) مُتَعَلِّقَةٌ بِأُخالِفَ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ مَعْطُوفٌ عَلى المَذْكُورِ، أيْ وأمِيلُ إلى إلَخْ...

ويَجُوزُ أنْ يَبْقى (أُخالِفُ) عَلى ظاهِرِهِ مِنَ المُخالَفَةِ ويَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ -لِأُرِيدَ- ويُقَدَّرُ مائِلًا إلى كَما تَقَدَّمَ أوْ يَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ و(إلى ما) مُتَعَلِّقًا -بِأُرِيدُ- أيْ وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقالَ الزَّجّاجُ في مَعْنى ذَلِكَ: أيْ ما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ ﴿ إنْ أُرِيدُ ﴾ أيْ ما أُرِيدُ بِما أقُولُ لَكم ﴿ إلا الإصْلاحَ ﴾ أيْ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِالنَّصِيحَةِ والمَوْعِظَةِ ما اسْتَطَعْتُ أيْ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي ذَلِكَ وتَمَكُّنِّي مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا، فَما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.

وجَوَّزَ فِيها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ أيِ المِقْدارِ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ أوْ إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، وهي إمّا بَدَلُ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الإصْلاحِ ما يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ، وعَلَيْهِ وعَلى الأوَّلِ يُقَدَّرُ ضَمِيرٌ أيْ مِنهُ لِأنَّهُ في مِثْلِ ذَلِكَ لا بُدَّ مِنهُ وجَوَّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِلْمَصْدَرِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ: ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ يُخالُ الفِرارَ يُراخِي الأجَلَ أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكُمُ الأبْلَغُ الأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ لِأنَّ في احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ إضْمارًا وفَواتَ المُبالَغَةِ، وفي الِاحْتِمالِ الأخِيرِ إعْمالُ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ في المَفْعُولِ بِهِ، وفِيهِ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ويَقِلُّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فَواتُها وزِيادَةُ إضْمارِ مَفْعُولِ اسْتَطَعْتُ ﴿ وما تَوْفِيقِي ﴾ أيْ ما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِتَحْقِيقِ ما أتَوَخّاهُ مِن إصْلاحِكم إلّا بِاللَّهِ أيْ بِتَأْيِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعُونَتِهِ.

واخْتارَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ وما تَوْفِيقِي لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ في كُلِّ ما آتِي وأذَرُ إلّا بِهِدايَتِهِ تَعالى ومَعُونَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وما كَلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ تَوْفِيقِي لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مِن صِيَغِ العُمُومِ ويُؤَوَّلُ إلى هَذا ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى ما جِنْسُ تَوْفِيقِي؛ لِأنَّ انْحِصارَ الجِنْسِ يَقْتَضِي انْحِصارَ أفْرادِهِ، لَكِنْ عَلى الأوَّلِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ وعَلى الثّانِي بِطَرِيقِ المَنطُوقِ، وتَقْدِيرُ المُضافِ بَعْدَ الباءِ مِمّا التَزَمَهُ كَثِيرٌ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: دَفْعُ الِاسْتِشْكالِ بِأنَّ فاعِلَ التَّوْفِيقِ هو اللَّهُ تَعالى وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ بِالباءِ لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى الآلَةِ فَلا يَحْسُنُ ضَرْبِي بِزَيْدٍ وإنَّما يُقالُ: مِن زَيْدٍ فالِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ بِناءً عَلى هَذا وما تَوْفِيقِي إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ ووَجْهُ الدَّفْعِ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ ظاهِرٌ لِأنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ عَلى الفاعِلِ حِينَئِذٍ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِما أنَّ التَّوْفِيقَ وهو كَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ مُوافِقًا لِما يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى ويَرْضاهُ لا يَكُونُ إلّا بِدَلالَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، ومُجَرَّدُ الدَّلالَةِ لا يُجْدِي بِدُونِ المَعُونَةِ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في ذَلِكَ أوْ في جَمِيعِ أُمُورِي لا عَلى غَيْرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ القادِرُ المُتَمَكِّنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ عاجِزٌ في حَدِّ ذاتِهِ بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكِتابُ وعايَنَهُ أُولُو البَصائِرِ والألْبابِ وإلَيْهِ المَصِيرُ.

أيْ أرْجِعُ فِيما أنا بِصَدَدِهِ أوْ أقْبَلُ بِشَرٍّ اسْتَشْرى في مَجامِعِ أُمُورِي لا إلى غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وكَأنَّ إيثارَ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيها عَلى الماضِي الأنْسَبُ لِلتَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ كَما في التَّوَكُّلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ولا يَخْفى ما في جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ خَطِيبٍ إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ لِأجْوِبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثَةِ يَعْنِي يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إلَخْ..

وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلَخْ..

وإنْ أُرِيدُ إلَخْ..

عَلى هَذا النَّسَقِ شَأْنٌ وهو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِيهِ ويَذَرُهُ ثَلاثَةَ حُقُوقٍ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الجَوابَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِن شُكْرِ نِعْمَتِهِ والِاجْتِهادِ في خِدْمَتِهِ، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّانِيَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ نَفْسِهِ مِن كَفِّها عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَهِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وثالِثُها حَقُّ النّاسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّالِثَ مُتَضَمِّنٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حَقَّ الغَيْرِ إصْلاحُهُ وإرْشادُهُ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ قَوْلَهُ: إنْ أُرِيدُ إلَخْ..

عَلى ما قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا ومُقَرِّرًا لَهُ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الِاسْتِئْثارَ بِما نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْإصْلاحِ ولا يُنافِي هَذا كَوْنَهُ مُتَضَمِّنًا لِجَوابٍ آخَرَ، وكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وما تَوْفِيقِي ﴾ إلَخْ..

إزاحَةٌ لِما عَسى أنْ يُوهِمَهُ إسْنادُ الِاسْتِطاعَةِ إلَيْهِ بِإرادَتِهِ مِنِ اسْتِبْدادِهِ بِذَلِكَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وفِيهِ مَعَ ما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ قَدِ اشْتَمَلَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُراعاةِ لُطْفِ المُراجَعَةِ ورِفْقِ الِاسْتِنْزالِ والمُحافَظَةِ عَلى حُسْنِ المُجاراةِ والمُحاوَرَةِ وتَمْهِيدِ مَعاقِدِ الحَقِّ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِن جانِبِهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ في أُمُورِهِمْ وحَسْمِ أطْماعِ الكُفّارِ وإظْهارِ الفَراغِ عَنْهم وعَدَمِ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ، قِيلَ: وفِيهِ أيْضًا تَهْدِيدُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْجَزاءِ وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ يُكَنّى بِهِ عَنِ الجَزاءِ وهو وإنْ كانَ هُنا مَخْصُوصًا بِهِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ لَكِنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وفِيهِ مَعَ خَفاءِ وجْهِ الإشارَةِ أنَّ الإنابَةَ إنَّما هي الرُّجُوعُ الِاخْتِيارِيُّ بِالفِعْلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا الرُّجُوعُ الِاضْطِرارِيُّ لِلْجَزاءِ وما يَعُمُّهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في قَوْلِهِ: ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) إشارَةً أيْضًا إلى تَهْدِيدِهِمْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الكافِي المُعِينُ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا بِالجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ يعني: قال له قومه.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: أَصَلاتُكَ بلفظ الوحدان يعني: أقراءتك، ويقال: أدعاؤك يأمرك.

وقرأ الباقون: أصلواتك بلفظ الجماعة، يعني: أكثرة صلواتك تأمرك أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وكان شعيب كثير الصلاة، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا من نقصان الكيل والوزن؟

إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ يعني: السفيه الضال استهزاء منهم به.

قالَ شعيب يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يعني: على دين وطاعة وبيان وأتاني رحمة من ربي، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً يعني: بعثني بالرسالة فهداني لدينه، ووسع عليَّ من رزقه.

وقال الزجاج: جواب الشرط هاهنا متروك، والمعنى: إن كنت على بينة من ربي، أتبع الضلال، فترك الجواب لعلم المخاطبين بالمعنى.

ثم قال: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ يعني: لا أنهاكم عن شيء، وأعمل ذلك العمل، من نقصان الكيل والوزن.

ويقال: ومعناه، أختار لكم ما أختار لنفسي نصيحة لكم وشفقة عليكم، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ يقول: ما أريد إلا العدل مَا اسْتَطَعْتُ يعني: ما قدرت، يعني: لا أترك جهدي في بيان ما فيه مصلحة لكم.

ثم قال: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ يعني: وما تركي هذه الأشياء ودعوتي لكم إِلَّا بِاللَّهِ أي إلا بتوفيق الله وبأمره، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: وثقت به وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أقبل إليه وأدعو الله بالطاعة.

ثم قال: وَيا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي يعني: لا يحملنكم بغضي وعداوتي، أن لا تتوبوا إلى ربكم، أَنْ يُصِيبَكُمْ يعني: يقع بكم العذاب، مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ يعني: مثل عذاب قوم نوح بالغرق، أَوْ قَوْمَ هُودٍ بالريح، أَوْ قَوْمَ صالِحٍ بالصيحة، فإن طال عهدكم بهم، فاعتبروا بمن أقرب منكم، وهم قوم لوط، فقال: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ يعني: كان هلاكهم قريباً منكم، ولا يخفى عليكم أمرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال عليه السلام:

«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» «١» وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.

وقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.

وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.

وقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...

الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل عليه السلام.

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)

وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ...

الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار.

وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:

سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: ٣٢] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»

ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]

لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ...

سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ «٣»

ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]

يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ...

وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا «١»

وأما من قرأ: «بَعُدَتْ» ، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ «٢» فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.

قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.

وقال ع «٣» : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.

قال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس» ، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.

وجوَّز ع «٤» : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و «الوِرْد» : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.

وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: رِزْقُ الله خَيْرٌ لَكم، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سُفْيانُ.

والثّالِثُ: طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: رَحْمَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: وصِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والسّابِعُ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّامِنُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: " تَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم " بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم، لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَرَفُوا صِحَّةَ ما يَقُولُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أُمِرْتُ بِقِتالِكم وإكْراهِكم عَلى الإيمانِ.

والثّانِي: ما أُمِرْتُ بِمُراقَبَتِكم عِنْدَ كَيْلِكم لِئَلّا تَبْخَسُوا.

والثّالِثُ: ما أحْفَظُكم مِن عَذابِ الله إنْ نالَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: " أصَلَواتُكُ تَأْمُرُكَ " وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: " أصَلاتُكَ " عَلى التَّوْحِيدِ.

وَفِي المُرادِ بِصَلَواتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: دِينُهُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: قِراءَتُهُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

والثّالِثُ: أنَّها الصَّلَواتُ المَعْرُوفَةُ.

وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلاةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أوْ أنْ نَتْرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟

وَفِي مَعْنى الكَلامِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُّونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِعْلَهم في أمْوالِهِمْ هو البَخْسُ والتَّطْفِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى: قَدْ تَراضَيْنا فِيما بَيْنَنا بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، فَنَهاهم عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ القُرَظِيُّ: عُذِّبُوا في قَطْعِهِمُ الدَّراهِمَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ الفِهْرِيُّ " ما تَشاءُ " بِالتّاءِ، ونَسَقَ " أنْ تَفْعَلَ " عَلى " أنْ تَتْرُكَ "، واسْتَغْنى عَنِ الإضْمارِ.

قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِالزَّكاةِ فامْتَنَعُوا.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ " بِالتّاءِ فِيهِما؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ كَمَعْنى قِراءَةِ الفِهْرِيِّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، فَكَنّى بِهَذا عَنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَلِيمٍ ولا رَشِيدٍ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلْ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ، لا كَما قالَ لَكَ الكافِرُونَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ المُصَيْصِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا لَهُ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ حَقِيقَةً، وقالُوا: أنْتَ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلِمَ تَنْهانا أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟

حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٢٨ و٦٣] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَلالُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ المالِ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ.

والثّالِثُ: العِلْمُ والمَعْرِفَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُ الشَّرْطِ هاهُنا مَتْرُوكٌ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، أتَّبِعُ الضَّلالَ ؟

فَتَرَكَ الجَوابَ، لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمَعْنى، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ما أقْصِدُ بِخِلافِكُمُ القَصْدَ إلى ارْتِكابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ بِما آمُرُكم بِهِ إلّا إصْلاحَ أُمُورِكم بِقَدْرِ طاقَتِي.

وقَدْرُ طاقَتِي: إبْلاغُكم لا إجْبارُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ ﴾ فَتَحَ تاءَ " تَوْفِيقِي " أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ.

ومَعْنى الكَلامِ: ما إصابَتِي الحَقَّ في مُحاوَلَةِ صَلاحِكم إلّا بِاللَّهِ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أيْ: فَوَّضْتُ أمْرِي، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ  ﴾ .

﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ : أيْ: أرْجِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: لا تُكْسِبَنَّكم عَداوَتُكم إيّايَ أنْ تُعَذَّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا قَرِيبًا مِن مَساكِنِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفُوها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما وحَّدَ بَعِيدًا، لِأنَّهُ أزالَهُ عَنْ صِفَةِ القَوْمِ، وجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَكانٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِمَكانٍ بَعِيدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى الرَّحِيمِ.

فَأمّا الوَدُودُ: فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا، ويُقالُ: ودِدْتُ الرَّجُلَ وِدادًا و ودادَةً و وِدادَةً.

وقالَ الخَطّابِيُّ: هو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الوُدِّ؛ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَعُولًا في مَحَلِّ مَفْعُولٍ، كَما قِيلَ: رَجُلٌ هَيُوبٌ، بِمَعْنى مَهِيبٍ، وفُرْسٌ رَكُوبٌ، بِمَعْنى مَرْكُوبٍ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ مَوْدُودٌ في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ لِما يَتَعَرَّفُونَهُ مِن إحْسانِهِ إلَيْهِمْ.

والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوادِّ، أيْ: أنَّهُ يَوَدُّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ، بِمَعْنى أنَّهُ يَرْضى عَنْهم بِتَقَبُّلِ أعْمالِهِمْ؛ ويَكُونُ مَعْناهُ: أنْ يُوَدِّدَهم إلى خَلْقِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: ما نَفْقَهُ صِحَّةَ كَثِيرٍ مِمّا تَقُولُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا لِاسْتِثْقالِهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهم لا يَفْقَهُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ضَرِيرًا؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: كانَ أعْمى.

قالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ إنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي المَكْفُوفَ: ضَعِيفًا.

والثّانِي: ذَلِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو رَوْقٍ، ومُقاتِلٌ.

وَزَعَمَ أبُو رَوْقٍ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ.

والثّالِثُ: ضَعِيفَ البَصَرِ، قالَهُ سُفْيانُ.

والرّابِعُ: عاجِزًا عَنِ التَّصَرُّفِ في المَكاسِبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا عَشِيرَتُكَ لَقَتَلْناكَ بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ مِن سَيِّئِ القِتْلاتِ، وكانَ رَهْطُهُ مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ أظْهَرُوا المَيْلَ إلَيْهِمْ والإكْرامَ لَهم.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الرَّجْمَ هاهُنا بِمَعْنى الشَّتْمِ والأذى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكَرِيمٍ، والثّانِي: بِمُمْتَنِعٍ أنْ نَقْتُلَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ ﴾ وأسْكَنَ ياءَ " رَهْطِي " أهْلُ الكُوفَةِ، ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: أتُراعُونَ رَهْطِي فِيَّ، ولا تُراعُونَ اللَّهَ فِيَّ ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: رَمَيْتُمْ بِأمْر اللَّهِ وراءَ ظُهُورِكم.

قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لا يَعْبَأُ بِأمْرٍ: قَدْ جَعَلَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ بِظَهْرٍ، قالَ الشّاعِرُ: تَمِيمَ بْنَ قَيْسٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعِيا عَلَيَّ جَوابُها والثّانِي: أنَّها كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ شُعَيْبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِأعْمالِكم، فَهو يُجازِيكم بِها.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالَ هاهُنا " سَوْفَ " وفي سُورَةٍ أُخْرى " فَسَوْفَ " ؟

[الأنْعامِ:١٣٥] فالجَوابُ: أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ حَسَنٌ عِنْدَ العَرَبِ، إنْ أدْخَلُوا الفاءَ، دَلُّوا عَلى اتِّصالِ ما بَعْدَ الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، وإنْ أسْقَطُوها، بَنَوُا الكَلامَ الأوَّلَ عَلى أنَّهُ قَدْ تَمَّ، وَما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا  ﴾ ، والمَعْنى: فَقالُوا: أتَتَّخِذُنا، بِالفاءِ، فَحُذِفَتِ الفاءُ لِتَمامِ ما قَبْلَها.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَقالَتْ يَمِينُ اللَّهِ مالَكَ حِيلَةٌ ∗∗∗ وما إنْ أرى عَنْكَ الغَوايَةَ تَنْجَلِي خَرَجْتُ بِها أمْشِي تَجُرُّ وراءَنا ∗∗∗ عَلى إثْرِنا أذْيالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أرادَ: فَخَرَجَتْ، فَأسْقَطَ الفاءَ لِتَمامِ ما قَبْلَها.

ويُرْوى: فَقُمْتُ بِها أمْشِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ارْتَقِبُوا العَذابَ، فَإنِّي أرْتَقَبُ الثَّوابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ فَماتُوا في أمْكِنَتِهِمْ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: عَذَّبَ أهْلَ مَدِينَ بِثَلاثَةِ أصْنافٍ مِنَ العَذابِ، أخَذَتْهم رَجْفَةٌ في دِيارِهِمْ، حَتّى خافُوا أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنها فَأصابَهم حَرٌّ شَدِيدٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ الظُّلَّةَ، فَتَنادُوا: هَلُمَّ إلى الظِّلِّ؛ فَدَخَلُوا جَمِيعًا في الظُّلَّةِ، فَصِيحَ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَماتُوا كُلُّهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّتانِ قَطُّ بِعَذابٍ واحِدٍ، إلّا قَوْمُ شُعَيْبٍ وصالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ، فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وأمّا قَوْمُ شُعَيْبٍ فَأخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، نَشَأتْ لَهم سَحابَةٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيها رِيحٌ بَعْدَ أنِ امْتَنَعَتِ الرِّيحُ عَنْهم، فَأتَوْها يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها فَأحْرَقَتْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ أيْ: كَما هَلَكَتْ ثَمُودُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ: إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً؛ وبَعُدَ يَبْعُدُ: إذا نَأى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أصَلَواتُكَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "أصَلاتُكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ في التَوْبَةِ: إنَّ صَلاتَكَ، وفي (المُؤْمِنُونَ): "عَلى صَلاتِهِمْ"، كُلُّ ذَلِكَ بِالإفْرادِ.

واخْتُلَفَ في مَعْنى الصَلاةِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا الصَلَواتِ المَعْرُوفَةَ، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إلّا فَرْضَ عَلَيْهِ الصَلاةَ والزَكاةَ.

وقِيلَ: أرادُوا: قِراءَتُكَ، وقِيلَ: أرادُوا: أمَساجِدُكَ؟

وقِيلَ: أرادُوا: أدَعَواتُكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقْرَبُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ والرابِعُ.

وجَعَلُوا "الأمْرَ" مَن فَعَلَ الصَلَواتِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن حَصَلَ في رُتْبَةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ فَفي الأكْثَرِ تَدْعُوهُ رُتَبُهُ إلى التَزَيُّدِ مِن ذَلِكَ النَوْعِ، فَمَعْنى هَذا: ألَمّا كُنْتَ مُصَلِّيًا تَجاوَزْتَ إلى ذَمِّ شَرْعِنا وحالِنا؟

فَكَأنَّ حالَهُ مِنَ الصَلاةِ جَسَّرَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَتْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ  ﴾ .

وقَوْلُهُمْ: ﴿ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ نَصٌّ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَفْعَلُ" و "نَشاءُ" بِنُونِ الجَماعَةِ فِيهِما، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: "تَفْعَلُ" و "تَشاءُ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ فِيهِما، ورُوِيَتْ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَفْعَلُ" بِالنُونِ.

"ما تَشاءُ" بِالتاءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما فـَ "أنْ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "ما" لا عَلى "أنْ" الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟

وهَذا قَلْبُ ما قَصَدُوهُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالتاءِ فِيهِما فَيَصِحُّ عَطْفُ "أنْ" الثانِيَةُ عَلى "أنْ" الأُولى، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى "ما" ويَتِمُّ المَعْنى في الوَجْهَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ "نَتْرُكَ" في الأوَّلِ بِمَعْنى: نَرْفُضُ، وفي الثانِي بِمَعْنى: نُقَرِّرُ، فَيَتَعَذَّرُ عِنْدِي هَذا الوَجْهُ لِما ذَكَرْتُهُ مِن تَنَوُّعِ التَرْكِ عَلى الحُكْمِ اللَفْظِيِّ، أو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ ألا تَرى أنَّ التَرْكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُونِ في الفِعْلَيْنِ إنَّما هو بِمَعْنى الرَفْضِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ في "نَفْعَلُ" والتاءِ في "تَشاءُ" فَـ "أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَطِفَ عَلى "ما" لِأنَّ المَعْنى أيْضًا يَنْقَلِبُ فَتُدَبِّرُهُ.

وظاهِرُ فِعْلِهِمْ هَذا الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الإشارَةَ هي إلى قَرْضِهِمُ الدِينارَ والدِرْهَمَ وإجْراءَ ذَلِكَ مَعَ الصَحِيحِ عَلى جِهَةِ التَدْلِيسِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وغَيْرُهُ.

ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: قَطَعُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، فَتَأوَّلَ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وتُؤَوَّلُ أيْضًا بِمَعْنى أنَّهُ تَبْدِيلُ السِكَكِ الَّتِي يَقْصِدُ بِها أكْلَ أمْوالِ الناسِ.

واخْتُلِفَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ ﴾ فَقِيلَ: إنَّما كانَتْ ألْفاظُهُمْ: "إنَّكَ لَأنْتَ الجاهِلُ السَفِيهُ" فَكَنّى اللهُ عن ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ هَذا لَفْظُهم بِعَيْنِهِ إلّا أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقِيلَ: بَلْ قالُوهُ عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ وأنَّهُ اعْتِقادُهم فِيهِ، فَكَأنَّهم فَنَّدُوهُ أيْ: أنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ فَلا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَأْمُرَنا بِهَذِهِ الأوامِرِ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلَ اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : « "يا إخْوَةَ القِرَدَةِ"»: "يا مُحَمَّدُ ما عَلِمْناكَ جَهُولًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشُبَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إنَّما هو بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ كَلامِ شُعَيْبٍ وتَلَطُّفِهِ، وبَيْنَ ما بادَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَنِي قُرَيْظَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَفْظِيَّةٌ واسْتِرْسالٌ حَسَنٌ واسْتِدْعاءٌ رَفِيقٌ، ولِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مِن مُحاوَرَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : « "ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ".» وجَوابُ الشَرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أأضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ وأتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِسالَةِ؟

ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ؟

و ﴿ بَيِّنَةٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: (بَيانٌ) أو بَيِّنٌ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلامَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ الهاءُ هاءَ تَأْنِيثٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ يُرِيدُ: خالِصًا مِنَ الفَسادِ الَّذِي أدْخَلْتُمْ أنْتُمْ في أمْوالِكُمْ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عنهُ مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ فَأسْتَأْثِرَ بِالمالِ لِنَفْسِي، وما أُرِيدُ إلّا إصْلاحَ الجَمِيعِ، وأُنِيبُ مَعْناهُ: أرْجِعُ وأتُوبُ وأسْتَنِدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدّم نظير الآية في قصة نوح وقصة صالح عليهما السّلام.

والمراد بالرزق الحسن هنا مثل المراد من الرحمة في كلام نوح وكلام صالح عليهما السلام وهو نعمة النبوءة، وإنّما عبّر شعيب عليه السّلام عن النبوءة بالرزق على وجه التشبيه مشاكلة لقولهم: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ [هود: 87] لأنّ الأموال أرزاق.

وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام، أو يدل عليه ﴿ إن كنتُ على بينة من ربي ﴾ .

والتقدير: مَاذا يسعكم في تكذيبي، أو ماذا ينجيكم من عاقبة تكذيبي، وهو تحذير لهم على فرض احتمال أن يكون صادقاً، أي فالحزم أن تأخذوا بهذا الاحتمال، أو فالحزم أن تنظروا في كنه ما نهيتكم عنه لتعلموا أنّه لصلاحكم.

ومعنى ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ عند جميع المفسّرين من التّابعين فمَن بعدهم: ما أريد ممّا نهيتكم عنه أن أمنعكم أفعالاً وأنا أفعلها، أي لم أكن لأنْهاكم عنْ شيء وأنا أفعله.

وبيّن في «الكشاف» إفادة التركيب هذا المعنى بقوله «يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مُوَلّ عنه...

ويلقاك الرجلُ صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً» اه.

وبيانه أن المخالفة تدل على الاتصاف بضد حاله، فإذا ذُكرت في غرض دلّت على الاتصاف بضده، ثم يبيّن وجه المخالفة بذكر اسم الشيء الذي حصل به الخلاف مدخولاً لحرف ﴿ إلى ﴾ الدّال على الانتهاء إلى شيء كما في قولهم: خالفني إلى الماء لتضمين ﴿ أخالفكم ﴾ معنى السعي إلى شيء.

ويتعلق ﴿ إلى ما أنهاكم ﴾ بفعل ﴿ أخالفكم ﴾ ، ويكون ﴿ أن أخالفكم ﴾ مفعول ﴿ أريد ﴾ .

فقوله: ﴿ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ أي أن أفعل خلاف الأفعال التي نهيتكم عنها بأن أصرفكم عنها وأنا أصير إليها.

والمقصود: بيان أنه مأمور بذلك أمراً يعمّ الأمة وإياه وذلك شأن الشرائع، كما قال علماؤنا: إنّ خطاب الأمة يشمل الرسول عليه الصلاة والسّلام ما لم يدل دليل على تخصيصه بخلاف ذلك، ففي هذا إظهار أنّ ما نهاهم عنه ينهى أيضاً نفسه عنه.

وفي هذا تنبيه لهم على مَا فِي النهي من المصلحة، وعلى أن شأنه ليس شأن الجبابرة الذين ينهون عن أعمال وهم يأتونها، لأن مثل ذلك يُنْبِئ بعدم النصح فيما يأمرون وينهون، إذ لو كانوا يريدون النصح والخير في ذلك لاختاروه لأنفسهم وإلى هذا المعنى يرمي التوبيخ في قوله تعالى: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ﴾ [البقرة: 44] أي وأنتم تتلون كتاب الشريعة العامة لكم أفلا تعقلون فتعلموا أنكم أولَى بجلب الخير لأنفسكم.

والذي يظهر لي في معنى الآية أن المراد من المخالفة المعاكسة والمنازعة؛ إما لأنه عرف من ملامح تكذيبهم أنهم توهّموه ساعياً إلى التملك عليهم والتجبر، وإما لأنّه أراد أن يقلع من نفوسهم خواطر الشر قبل أن تهجس فيها.

وهذا المحمل في الآية يسمح به استعمال التركيب ومقاصد الرسل وهو أشمل للمعاني من تفسير المتقدّمين، فلا ينبغي قصر تفسير الآية على ما قالوه لأنّه لا يقابل قول قومه ﴿ أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ [هود: 87]، فإنهم ظنوا به أنه مَا قَصَدَ إلاّ مخالفتهم وتخطئتهم ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه، فكان مقتضى إبطال ظِنّتِهم أن يَنفي أن يريد مجرد مخالفتهم، بدليل قوله عقبه ﴿ إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استطعت ﴾ .

فمعنى قوله: ﴿ وما أريد أن أخالفكم ﴾ أنّه ما يريد مجرّد المخالفة كشأن المنتقدين المتقعرين ولكن يخالفهم لمقصد سام وهو إرادة إصلاحهم.

ومن هذا الاستعمال ما ورد في الحديث لمّا جاء وفد فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر الصديق: «أمّرْ الأقرع بن حابس، وقال عمر: أمّرْ فلاناً، فقال أبو بكر لعُمر: ما أردتَ إلى خلافي، فقال عمر: ما أردتُ إلى خلافك».

فهذا التفسير له وجه وجيه في هذه الآية.

وفي هذا ما يدلّ على أن المنتقدين قسمان قسم ينتقد الشيء ويقف عند حد النقد دون ارتقاء إلى بيان ما يصلح المنقود.

وقسم ينتقد ليبيّن وجه الخطأ ثم يعقبه ببيان ما يصلح خطأه.

وعلى هذا الوجه يتعلّق ﴿ إلى ما أنهاكم ﴾ بفعل ﴿ أريد ﴾ وكذلك ﴿ أن أخالفكم ﴾ يتعلق ب ﴿ أريد ﴾ على حذف حرف لام الجر.

والتقدير: ما أريد إلى النهي لأجل أن أخالفكم، أي لمحبة خلافكم.

وجملة ﴿ إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استعطعت ﴾ بيان لجملة ﴿ ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ لأنّ انتفاء إرادة المخالفة إلى ما نهاهم عنه مجمل فيما يريد إثباته من أضداد المنفي فبيّنهُ بأنّ الضد المراد إثباته هو الإصلاح في جميع أوقات استطاعته بتحصيل الإصلاح، فالقصر قصر قلب.

وأفادت صيغة القصر تأكيد ذلك لأن القصر قد كان يحصل بمجرد الاقتصار على النفي والإثبات نحو أن يقول: ما أريد أن أخالفكم أريد الإصلاح، كقول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموءل: تسيل على حد الظبات نفوسنا *** وليست على غير الظبات تسيل ولما بيّن لهم حقيقة عمله وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله فقال: ﴿ وما توفيقي إلاّ بالله ﴾ فسمّى إرادته الإصلاح توفيقاً وجعله من الله لا يحصل في وقت إلاّ بالله، أي بإرادته وهديه، فجملة ﴿ وما توفيقي إلاّ بالله ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أريد ﴾ .

والتوفيق: جعل الشيء وفقاً لآخر، أي طبقاً له، ولذلك عرفوه بأنه خلقُ القدرة والدّاعية إلى الطاعة.

وجملة ﴿ عليه توكّلت ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة، أو من ياء المتكلم في قوله: ﴿ توفيقي ﴾ لأنّ المضاف هنا كالجزء من المضاف إليه فيسوغ مجيء الحال من المضاف إليه.

والتوكّل مضى عند قوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكّل على الله ﴾ في سورة [آل عمران: 159].

والإنابة تقدمت آنفاً في قوله: ﴿ إنّ إبراهيم لحليمٌ أوّاهٌ منيبٌ ﴾ [هود: 75].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ قَدْ ذَكَرْنا تَأْوِيلَهُ.

﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المالُ الحَلالُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ المالِ.

الثّانِي: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ، أفَأعْدِلُ مَعَ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ أيْ لا أفْعَلُ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ كَما لا أتْرُكُ ما أمَرْتُكم بِهِ.

﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ ومَعْناهُ ما أُرِيدُ إلّا فِعْلَ الصَّلاحِ ما اسْتَطَعْتُ، لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ مِن شَرْطِ الفِعْلِ دُونَ الإرادَةِ.

﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنابَةَ الرُّجُوعُ ومَعْناهُ وإلَيْهِ أرْجِعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ الإنابَةَ الدُّعاءُ، ومَعْناهُ وإلَيْهِ أدْعُو، قالَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْلى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ قال: رخص السعر ﴿ وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ﴾ قال: غلاء السعر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: رزق الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بقية الله خير لكم ﴾ يقول: حظكم من ربكم خير لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ يقول: طاعة الله.

وأخرج أبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: وصية الله ﴿ خير لكم ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بقية الله ﴾ قال: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه في قوله: ﴿ أصلواتك تأمرك ﴾ قال: أقراءتك.

وأخرج ابن عساكر عن الأحنف رضي الله عنه.

أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا شعيب أصلواتك تأمرك...

﴾ الآية.

قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها، وإن شئنا طرحناها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، وهو قوله: ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رضي الله عنه ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ قال: قرض الدراهم، وهو من الفساد في الأرض.

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وأبو الشيخ وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قطع الدراهم والدنانير المثاقيل التي قد جازت بين الناس، وعرفوها من الفساد في الأرض.

وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي هلال.

أن ابن الزبير عاقب في قرض الدرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قال: يقولون: إنك لست بحليم ولا رشيد.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ استهزاء به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً ﴾ قال: الحلال.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقول: لم أك لأنهاكم عن أمر واركبه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه.

أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقالت: اتنهى عن المواصلة؟

قال: نعم.

قالت: فلعله في بعض نسائك فقال: ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ .

وأخرج أحمد عن معاوية القشيري.

أن أخاه مالكاً قال: يا معاوية إن محمداً أخذ جيراني فانطلق إليه، فانطلقت معه إليه فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا، فأعرض عنه فقال: ألا والله إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره.

فقال: أو قد فعلوها؟

لئن فعلت ذلك لكان علي وما كان عليهم.

وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ قال: بلغني أنه يدعى يوم القيامة بالمذكر الصادق، فيوضع على رأسه تاج الملك، ثم يؤمر به إلى الجنة فيقول: إلهي إن في مقام القيامة أقواماً قد كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت عليه.

قال: فيفعل بهم مثل ما فعل به، ثم ينطلق يقودهم إلى الجنة لكرامته على الله.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي إسحاق الفزاري رضي الله عنه قال: ما أردت أمراً قط فتلوت عنده هذه الآية إلا عزم لي على الرشد ﴿ إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإليه أنيب ﴾ قال: إليه أرجع.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قلت: يا رسول الله أوصني قال «قل ربي الله ثم استقم» .

قلت: ربي والله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

قال: «ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً» في إسناده محمد بن يونس الكريمي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ ، مضى هذا في موضعين من هذه السورة (١) وقوله تعالى: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين (٢) (٣) قال أبو إسحاق (٤) (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ ، [قال ابن عباس (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال أبو بكر: بَيَّنَ أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله، وترك البخس والتطفيف، هو مما يرتضيه لنفسه ولا ينطوي إلا عليه، فكان بهذا ماحضًا لهم النصيحة، إذ اختار لهم ما اختاره لنفسه.

وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ ﴾ أي ما أريد إلا الإصلاح فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده وتفعلوا كما يفعل من يخاف الله، قاله ابن عباس.

قوله تعالى: ﴿ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ ، مفعول الاستطاعة محذوف تقديره ما استطعته، أي ما استطعت الإصلاح، واستطاعة الإصلاح هو الإبلاغ والإنذار فقط، ولا يستطيع إجبارهم على الطاعة، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١٤) ﴿ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ : أي بقدر طاقتي، [وقدر طاقتي] (١٥) ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي أرجع إليه في المعاد في قول ابن عباس (١٦) (١٧) وقال الحسن (١٨)  كان إذا ذكر شعيبًا قال: "ذاك خطيب الأنبياء" (١٩) (١) هود 28، 63.

(٢) انظر: الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، القرطبي 9/ 89، "البحر المحيط" 5/ 254.

(٣) ذكره في "زاد المسير" 4/ 151 وعزاه لابن عباس، وذكره البغوي 4/ 196 ولم يعزه.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 33، وانظر الثعلبي 7/ 54 ب، "زاد المسير" 4/ 151 البغوي 4/ 196.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٦) عند قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي  ﴾ .

(٧) "تنوير المقباس" ص 144.

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٩) الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، الثعلبي 7/ 54 ب، ابن أبي حاتم 6/ 2074، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627.

(١٠) في (ي): (مستنصرًا)، ولعل الصواب "مستبصرًا".

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(١٣) في (ب): (أراه).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٦) الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 196، القرطبي 9/ 90.

(١٧) الطبري 12/ 103، والبغوي 4/ 196، وابن أبي حاتم 6/ 2074، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 628.

(١٨) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 244.

(١٩) أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 620 عن محمد بن إسحاق قال: "وشعيب بن ميكائيل النبي  ، بعثه الله نبيًا، فكان من خبره، وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن.

وكان رسول الله  إذا ذكره قال: "ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه" سكت عنه الذهبي في "التلخيص"، وفيه سلمة بن الفضل بن الأبرش، قال في "الميزان": 2/ 192: (ضعفه ابن راهويه، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن معين: كتبنا عنه وليس في المغازي أتم من كتابه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتج به).

والحديث ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 504 وقال: أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله  كان إذا ذكر شعيبًا == قال: "ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده، وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة ...

إلخ".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ يعني رخص الأسعار وكثرة الأرزاق ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا ﴿ بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي ما أبقاه الله لكم من رزقه ونعمته، ﴿ أصلاوتك تَأْمُرُكَ ﴾ الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر إليها مجاز كقوله: ﴿ إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] والمعنى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أموالنا مَا نَشَاءُ ﴾ يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، وأن نفعل عطف على أن نترك ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد عن نفسك ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ أي سالماً من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم، وجواب أرأيتم محذوف يدل عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أخالفكم إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.

﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.

التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.

﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.

وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.

والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.

وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.

قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.

وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.

قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه  نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟

والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.

وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.

وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير  ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.

ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.

قالت المعتزلة.

في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.

وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.

قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.

وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.

والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً  كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.

ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.

وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.

وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.

ثم أشار  إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟

﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.

فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.

والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.

أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.

ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.

أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.

وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.

ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.

كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.

وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.

وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.

ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.

ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.

ثم وصف الله  بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .

ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.

ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.

وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.

فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.

قوله  ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.

والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.

وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.

ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.

ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.

وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.

والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.

ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.

وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.

و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.

وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.

﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.

عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.

تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.

كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.

ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.

التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.

﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.

﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.

﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.

﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.

ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ ﴾ \[أي: إلى مدين أرسلنا\] ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ هذا قد ذكرنا فيما تقدم: أن كل نبي أول ما دعا قومه إنما دعا إلى توحيد الله، وجعل العبادة له.

وفي قوله: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ وما ذكر في غيره من الأخوة دلالة على أن الرسل من قبل كانوا يبعثون من جنس قومهم لا من الملائكة حيث قال: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يكونوا إخوة لهم في الدين، وفيه أن المؤاخاة لا توجب فضيلة المؤاخى له؛ [لأنه ذكر أن الرسل] إخوة أولئك الأقوام، ومنهم كفرة، وذلك يرد قول الروافض في تفضيل عليّ على أبي بكر بالمؤاخاة التي كانت بين رسول الله وبين علي؛ والخلة توجب الفضيلة، وقد جاء عنه  [أنه قال]: "لو اتخذت سوى ربي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ ، ذكر أنهم [كانوا] ينقصون المكيال والميزان، ولا يوفون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: أنهم إنما نهوا عن ذلك؛ لحق الربا؛ لأن النقصان إذا كان برضا من صاحبه يجوز؛ فدل أنه إنما نهاهم بحق الربا، وفيهما يجري الربا.

والثاني: فيه أن [هبة] المشتري للبائع، وتقلبه [فيه] قبل قبضه على قيام البيع فيما بينهما غير جائز؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ قيل: [في سعة] من المال.

وقيل: في رخص من السعر، وإنما يحمل المرء على النقصان والظلم على آخر - عز الشيء وضيق [الحال]، فكيف تنقصون أنتم في حال السعة ورخص السعر.

أو يقول: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، و [لا] تمنعوا حقوقهم، ﴿ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ ، أي: يوم يحيط بهم العذاب إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، وهو - والله أعلم - أنه ما من جارحة من ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ جزءاً دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ و ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ...

﴾ الآية [العنكبوت: 28]، ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ خص المكيال والميزان [والله أعلم] - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري الربا، كما ذكرنا.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، فيه دلالة أن المشتري يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ أضاف إلى الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان [أشياء البائع]، فإنما نقص ماله.

[وقوله]: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ قال بعضهم: ما أبقى الله لكم من ثوابه في الآخرة خير لكم إن آمنتم به، وأطعتموه مما تجمعون من الأموال.

[و] قال بعضهم: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: ما جعل الله لكم مما يحل خير لكم مما يحرم عليكم من نقصان الكيل والوزن، ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالحلال أو بالآخرة.

وقال بعضهم: طاعة الله - وهو ما يأمركم به، ويدعوكم إليه - خير لكم مما تفعلون.

وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس حقوقهم، لكن هذا يرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ يحتمل: ما أنا عليكم بحفيظ، أي: لست أشهد بياعاتكم وأشريتكم حتى أعلم ببخسكم الناس المكيال والميزان، لكن إنما أعرف ذلك بالله، وفيه دلالة إثبات [رسالة محمد  ].

والثاني: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ أي: بمسلط عليكم، إنما أبلغ إليكم، كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: صلاتك، [أي]: قراءتك تأمرك هذا.

وقال ابن عباس: قالوا ذلك له؛ لأن شعيباً كان يكثر الصلاة، كأنه [يخرج] على الإضمار يقولون: أصلواتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا.

وقوله: و ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ يحتمل [أنها كانت صلوات] معروفة يفعلها، فيقولون: أصلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك كذا، أم صلاة واحدة تكثرها، فقالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ ، وخصوا الصلاة من [بين] غيرها من الطاعات؛ لما لعلها كانت من أظهر طاعاته عندهم، فقالوا له هذا.

ثم يحتمل وجهين: [أحدهما: كأنهم] قالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ...

﴾ كذا على التسفيه له [والتجهيل] كمن يوبخ آخر [ويسفهه]، [فيقول له]: أعلمك يأمرك [بذلك]، أو إيمانك يأمرك بهذا، كقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ  ﴾ ، ونحوه من الكلام يخرج على [التسفيه له أو التجهيل].

والثاني: يقال ذلك على الإنكار، يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو علمك يأمرك بهذا، [أي: لا يأمرك بذلك]، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ \[أي: لا تأمرك بذلك\] هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم، فإن لم تكن مرضية، فالتأويل هو الأول.

وقوله - عز وجل -: [ ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ ﴾ ] الآية، حبب إليهم تقليد آبائهم في عبادة الأصنام واتباعهم إياهم والأموال التي كانت لهم، [فمنعهم هذا] عن النظر في الحجج والآيات؛ [لما] حبب إليهم ذلك، وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم عن النظر في آيات الله و [التأمل في] حججه أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: حب اللذات، ودوام الرياسات، والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتبعوا رسل الله وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه - لذهب عنهم ذلك.

ثم قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ يحتمل: قضاء جميع الشهوات.

ويحتمل: ما ذكر من نقصان المكيال والميزان، يقولون: أموالنا لنا ليس لأحد فيها حق، نفعل فيها ما نشاء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ ﴾ : الألف صلة "وأن نفعل في أموالنا ما نشاء".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ قال [بعضهم من] أهل التأويل: قالوا ذلك له؛ استهزاء به وسخرية، كنوا بالحليم عن السفيه، وبالرشيد [عن] الضال، أي: أنت السفيه [الضال]؛ حيث سفهت آباءنا في عبادتهم الأصنام، [الضال] حيث تركت ملتهم ومذهبهم.

وقال بعضهم: على النفي والإنكار، أي: ما أنت الحليم الرشيد.

ويشبه أن يكون على حقيقة الوصف له بالحلم والرشد؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط، ولا رأوه على خلاف و [لا على] سفاهة قط؛ فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ ، أي: كنت هكذا؛ فكيف تركت ذلك، وهو ما قال قوم صالح لصالح حيث قالوا: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على [علم و] بيان وحجج وبرهان من ربي، على ما ذكرنا فيما تقدم، أي: تعلمون أني كنت على بيان من ربي وحجج، ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ : [يحتمل هذا منه مكان ما قال أولئك الأنبياء: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: قال شعيب: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ ] الدين والهدى، [و] النبوة على ما ذكر وأمكن أن يكون الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك؛ وما رزق أولئك عليهم تبعة في ذلك؛ لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ من الناس من يقول: قال لهم ذلك بإزاء ما قالوا فيما ذكر في الأعراف: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  ﴾ يقول: أأدعوكم إلى الإيمان بالله والتوحيد له، وأنهاكم عن الكفر به، ثم أرتكب ما أنهاكم عنه، وأترك ما أدعوكم إليه؟!

وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر [وأرتكبه]، وهو واحد ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ﴾ \[أي: ما أريد إلا الإصلاح لكم ما استطعت\]، وفيه دلالة [على] أن الاستطاعة تكون مع الفعل [لا غير]، أما أن يكون أراد: استطاعة الإرادة أو استطاعة الفعل، فكيفما كان، فقد أخبر أنه يريد لهم من الصلاح ما استطاع، فيه ما ذكرنا، وهو ينقض على المعتزلة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الاستطاعة تتقدم [على] الفعل، وهي لا تبقى وقتين؛ فيصير على قولهم إرادة الصلاح لهم [في غير زمن] الاستطاعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ ، قال بعضهم: التوفيق: هو صفة كل مطيع، والخذلان: هو صفة كل عاص.

وقال بعضهم: التوفيق: هو ما [يوفق بين فعله وقوله] في الطاعة، والخذلان ما يفرق بين قوله وفعله في المعصية.

وقال الحسين النجار: التوفيق: هو قدرة كل خير وطاعة، والخذلان: هو قدرة كل شر ومعصية.

وعندنا: التوفيق: هو أن يوفق بين عمل الخير والاستطاعة، والخذلان: هو أن يفرق بين عمل الخير والاستطاعة.

أو أن نقول: هو أن يوفق بين عمل الشر والاستطاعة، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي: عليه اعتمدت في جميع أمري، وإليه توكلت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: أرجع.

أو يقول: إليه أقبل بالطاعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ \[بالغرق\] ﴿ أَوْ قَوْمَ هُودٍ ﴾ \[بالريح الصرصر\] ﴿ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ﴾ بالصيحة على ما ذكر.

قال بعضهم: ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يحملنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ قيل: خلافي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.

وقال بعضهم قوله: [ ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يؤثمنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ أي: عداوتي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.

وقيل:] ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ \[أي:\] لا يكسبنكم عداوتي.

وقال الحسن: ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ : ضراري.

لكن كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إذا ثبت العداوة، ثبت المخالفة والبغض والضرر، فكل ما ذكروا فهو واحد.

واصل الجرم: الإثم والذنب.

ثم يخرج إنذاره إياهم بمن هلك من الأمم على وجهين: أحدهما: أن قوم شعيب قوم لا يؤمنون بالبعث وبالقيامة، فأنذرهم بمن هلك من الأمم السالفة؛ لأنه لو كان ينذرهم بالبعث، لكان لا ينجح فيهم؛ لأنهم لا يؤمنون به.

والثاني: أنذرهم بأولئك؛ لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان، ويتبعونهم، فيقول: إنكم تقلدون آباءكم وتتبعونهم في عبادة الأوثان فاتبعوهم - أيضاً - فيما بلغوا إليكم من هلاك أولئك بعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم الرسل، فإذا قلدتموهم في العبادة [فهلا] تقلدونهم وتتبعونهم فيما أصابهم بم أصابهم؟

أو يقول: [لهم]: إنكم تقلدون آباءكم الذين عبدوا الأوثان وقد هلكوا، فهلا تقلدون من لم يعبد منهم ونجا وقد [عرفتم أن] من هلك منهم [بم] هلك؟

ومن نجا منهم [بم] نجا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ أي: إن نسيتم من مضى منهم، فلا تنسوا ما نزل بقوم لوط، وليسوا هم ببعيد منكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: اطلبوا من ربكم المغفرة؛ أي: اطلبوا السبب الذي يقع لكم المغفرة من ربكم، وهو التوحيد ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه، ولا تعودوا إلى ما كنتم [من] قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه رجوعاً حتى لا تعودوا إلى مثل صنيكعم أبداً ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ﴾ يرحم من تاب إليه، والله يرحمه ﴿ وَدُودٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ودود: أي: حق أن يؤدّ؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان، والناس جبلوا على حب من أحسن إليهم.

والثاني: ودود لمن توسل إليه وتقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾ قوله: ﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ يحتمل: ما نفهم وما نعقل كثيراً مما تقول؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء والهزء به؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون؛ يقولون: لا نفهم ما تقول؛ لأن كلامك كلام مجانين.

وهذه هي عادة القوم؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون.

ويحتمل: ما نفقه: ما نقبل كثيراً مما تقول، فإن كان على الفهم فهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ وهم كانوا فريقين: فريق كانوا يقولون: قلوبنا أوعية للعلم؛ كقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ فإن كان ما تقول حقّاً نفهم ونعقل كما نعقل غيره، وفريق قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ  ﴾ كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون؛ لأن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر، والفريق الأول يقولون: إن قلوبنا أوعية للعلم، فلو كان حقّاً لعقلناه كما عقلنا غيره، فهؤلاء كانوا يصرفون العيب إلى الرسول، وأولئك إلى أنفسهم، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أي: إنك لست من كبرائنا وأجلتنا، إنما أنت من أوساطنا، وعلى ذلك الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس، لا من كبرائهم في أمر الدنيا، فالقوي والعزيز عند أولئك القوم من عنده الدنيا والمال، وأما من لم يكن عنده المال فهو عندهم ضعيف ذليل؛ لأنهم لا يعرفون الدين، ولا يؤمنون بالآخرة، لذلك قالوا ما قالوا.

والثاني: لست أنت بذي قوة وبطش في نفسك، وقد ذكر أنه كان ضعيفاً في بصره ونفسه.

ويحتمل وصفهم بالضعف لهذين الوجهين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: قبيلتك.

وقيل: عشيرتك ﴿ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ الرجم: يحتمل: القتل، ويحتمل: اللعن والشتم.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: لولا حرمة رهطك وإلا لرجمناك؛ كأنهم كانوا يحترمونه لموافقة رهطه إياهم في العبادة أعني عبادة الأوثان، وعلى ما هم عليه.

والثاني: لولا رهطك لرجمناك خوفاً منهم لما ذكر أنه كان كثير العشيرة، والقبيلة؛ كانوا يخافون عشيرته فلم يؤذوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا وكبرائنا، إنما أنت من أوساطنا أو ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا؛ لأن العزيز عندهم من كان عنده المال والدنيا، لا يعرفون [العز في غير] ذلك، ولم يكن عند شعيب الدنيا لذلك نسبوه إلى ما ذكر: أو أنت ذليل عندنا، لست بعزيز، فيكون صلة قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: يحتمل يا قوم، أرهطي أعظم حقّاً عليكم من الله وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتموني من النقمة لحقهم وحرمتهم؟!

والثاني: قوله: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم ﴾ أي: رهطي أشد خوفاً عليكم وأكثر نكاية من الله؛ لأنا قلنا في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: الاحترام لرهطه لموافقتهم إياهم في جميع ما هم عليه، والمساعدة لهم.

والثاني: على الخوف والنكاية لقوتهم، وكثرتهم، وفضل بطشهم تركوا ما وعدوا له خوفاً من رهطه، فقال: خوفكم من رهطي أشد وأكثر عليكم من الخوف من الله، وقد بلغكم من نكاية الله ونقمته فيما حل بالأمم الماضية.

أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق الله وحرمته، وقد تعلمون إحسانه إليكم وإنعامه عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ قال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه، قال: تقول: العرب: فلان حمل الناس على ظهره: أي: أسخطهم على نفسه.

ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا.

فإن قيل هذا فهو يحتمل ما قال، وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال غيره من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: نبذتم الله وراء ظهركم، أي: نبذتم حق الله وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ظهركم، لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم؛ هذا على التمثيل أي: جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم، لا يعملون به ولا ينظرون إليه، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ على التمثيل، أي: الذي أنتم عليه في القبح كالانقلاب على الأعقاب ﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين - أيضاً -: أي: إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها، أو يقول: إن ربي بما تعملون من الكيد برسول الله والمكر به محيط فينصره عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه، وأنا أكون على ديني؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ لأن قوم شعيب قالوا لشعيب: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  ﴾ فقال لهم [هذا] عند ذلك، وهذا إنما يقال عند الإياس عن إيمانهم، كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ  ﴾ وأمثاله.

والثاني: قوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ أي اعملوا في كيدي، والمكر في هلاكي، إني عامل ذلك بكم، وهو كما قال غيره من الرسل: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ في العاقبة وعيد من يأتيه عذاب يخزيه، أو سوف تعلمون في العاقبة من يأتيه منا عذاب يخزيه نحن أو أنتم ومن هو كاذب، وتعلمون - [أيضاً - في العاقبة] من الكاذب منا نحن أو أنتم؛ لأن كل واحد من الفريقين يدعي على الفريق الآخر الكذب والافتراء على الله، فيقول: سوف تعلمون في العاقبة [من] الكاذب منَّا والمفتري على الله، والصادق عليه ﴿ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ أي: ارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، أو ارتقبوا لمن العاقبة منا لنا أو لكم إني معكم رقيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ قيل: الصيحة صيحة جبريل؛ أي: هلكوا بصيحته.

وقال بعضهم: الصيحة: اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة؛ سمي العذاب بأسماء مختلفة: مرة صاعقة ، ومرة صيحة، ومرة رجفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ في الهلاك ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ : كما أهلكت ثمود؛ لأن كل واحد منهما هلك بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من بين الأمم.

وعن ابن عباس -  -: لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح؛ فأمّا قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب من فوقهم.

قال: فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح، فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس، فسال عليهم العذاب من فوقهم، فذلك قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ من رحمة الله ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ من رحمته.

ويحتمل الهلاك الذي ذكرناه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال شعيب لقومه: يا قوم، أخبروني عن حالكم إن كنت على برهان واضح من ربي، وبصيرة منه، ورزقني منه رزقًا حلالًا، ومنه النبوة، وما أريد أن أنهاكم عن شيء وأخالفكم في فعله، لا أريد إلا إصلاحكم بدعوتكم إلى توحيد ربكم وطاعته قدر استطاعتي، وما توفيقي إلى الحصول على ذلك إلا بالله سبحانه، عليه وحده توكلت في جميع أموري، وإليه أرجع.

من فوائد الآيات من سنن الله إهلاك الظالمين بأشد العقوبات وأفظعها.

حرمة نقص الكيل والوزن وبخس الناس حقوقهم.

وجوب الرضا بالحلال وإن قل.

فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب العمل بما يأمر الله به، والانتهاء عما ينهى عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.1p5y8"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله