الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٩ من سورة يوسف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٩ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عما جرى ليوسف ، عليه السلام ، حين ألقاه إخوته ، وتركوه في ذلك الجب فريدا وحيدا ، فمكث في البئر ثلاثة أيام ، فيما قالهأبو بكر بن عياش وقال محمد بن إسحاق : لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك ، ينظرون ما يصنع وما يصنع به ، فساق الله له سيارة ، فنزلوا قريبا من تلك البئر ، وأرسلوا واردهم - وهو الذي يتطلب لهم الماء - فلما جاء تلك البئر ، وأدلى دلوه فيها ، تشبث يوسف ، عليه السلام ، فيها ، فأخرجه واستبشر به ، وقال : ( يا بشراي هذا غلام ) وقرأ بعض القراء : " يا بشرى " ، زعم السدي أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه ، معلما له أنه أصاب غلاما .
وهذا القول من السدي غريب; لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس ، والله أعلم .
وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى ، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه ، وحذف ياء الإضافة وهو يريدها ، كما تقول العرب : " يا نفس اصبري " ، و " يا غلام أقبل " ، بحذف حرف الإضافة ، ويجوز الكسر حينئذ والرفع ، وهذا منه ، وتفسرها القراءة الأخرى ) يا بشراي " ) والله أعلم .
وقوله : ( وأسروه بضاعة ) أي : وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا : اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره .
قاله مجاهد ، والسدي ، وابن جرير .
هذا قول .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : قوله : ( وأسروه بضاعة ) يعني : إخوة يوسف ، أسروا شأنه ، وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته ، واختار البيع .
فذكره إخوته لوارد القوم ، فنادى أصحابه : ( يا بشرى هذا غلام ) يباع ، فباعه إخوته .
وقوله : ( والله عليم بما يعملون ) أي : يعلم ما يفعله إخوة يوسف ومشتروه ، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه ، ولكن له حكمة وقدر سابق ، فترك ذلك ليمضى ما قدره وقضاه ، ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .
وفي هذا تعريض لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وإعلامه له بأنني عالم بأذى قومك ، وأنا قادر على الإنكار عليهم ، ولكني سأملي لهم ، ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم ، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته .
القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجاءت مارَّةُ الطريق من المسافرين (19) ، (فأرسلوا واردهم) وهو الذي يرد المنهل والمنـزل , و " وروده إياه "، مصيره إليه ودخوله (20) .(فأدلى دلوه) يقول: أرسل دلوه في البئر.
* * * يقال: " أدليت الدلو في البئر " إذا أرسلتها فيه , فإذا استقيت فيها قلت: " دلوْتُ أدْلُو دلوًا ".
* * * وفي الكلام محذوف، استغنى بدلالة ما ذكر عليه، فترك , وذلك: (فأدلى دلوه) ، فتعلق به يُوسف، فخرج , فقال المدلي: (يا بشرى هذا غلام) .
* * * وبالذي قلنا في ذلك , جاءت الأخبار عن أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 18880 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه) فتعلق يوسف بالحبل، فخرج , فلما رآه صاحب الحبل نادَى رجلا من أصحابه يقال له " بُشرى ": (يا بشرى هذا غلامٌ).
18881 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه) فتشبث الغلام بالدلو , فلما خرج قال: (يا بشرى هذا غلام) .
* * * 18882 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (فأرسلوا واردهم) يقول: أرسلوا رسولهم , فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام ( ، (قال يا بشرى هذا غلام).
* * * واختلفوا في معنى قوله:: (يا بشرى هذا غلام).
فقال بعضهم: ذلك تبشير من المدلي دلوَه أصحابَه، في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدًا (21) .
* ذكر من قال ذلك: 18883 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (قال يا بشرى هذا غلام) تباشروا به حين أخرجوه .
وهي بئر بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانها 18884 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (يا بشرى هذا غلام) قال: بشّرهم واردهم حين وجدَ يوسف.
* * * وقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيَّارة بعينه، ناداه المدلي لما خرج يوسف من البئر متعلِّقًا بالحبل .
* ذكر من قال ذلك: 18885 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (يا بشرى هذا غلام) قال: نادى رجلا من أصحابه يقال له " بشرى " , فقال: (يا بشرى هذا غلام).
18886 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا خلف بن هشام , قال: حدثنا يحيى بن آدم , عن قيس بن الربيع , عن السدي , في قوله: (يا بشرى هذا غلام) قال: كان اسم صاحبه " بشرى ".
18887 - حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد , قال: حدثنا الحكم بن ظهير , عن السدي , في قوله: (يا بشرى هذا غلام) قال: اسم الغلام " بشرى " ; قال: " يا بشرى " , كما تقول ": يا زيد ".
* * * واختلفت القراء في قراءة ذلك: فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة: " يا بُشْرَيَّ" بإثبات ياء الإضافة , غير أنه أدغم الألف في الياء طلبا للكسرة التي تلزم ما قبل ياء الإضافة من المتكلم، في قولهم ": غلامي" و " جاريتي"، في كل حال , وذلك من لغة طيئ , (22) كما قال أبو ذؤيب: سَــبَقوا هَــوَيَّ وأَعْنَقُـوا لِهَـوَاهُمُ فَتُخِــرِّمُوا وَلِكُــلِّ جَـنْبٍ مَصْـرَعُ (23) * * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (يا بُشْرَى) بإرسال الياء وترك الإضافة .
وإذا قرئ ذلك كذلك احتمل وجهين من التأويل: أحدهما ما قاله السدي , وهو أن يكون اسم رجل دعاه المستقي باسمه , كما يقال: " يا زيد " , و " يا عمرو " , فيكون " بشرى " في موضع رفع بالنداء.
والآخر: أن يكون أرادَ إضافة البشرى إلى نفسه , فحذف الياء وهو يريدها , فيكون مفردًا وفيه نيَّة الإضافة , كما تفعل العرب في النداء فتقول: " يا نفس اصبري" , و " يا نفسي اصبري" , و " يا بُنَيُّ لا تفعل " , و " يا بُنَيِّ لا تفعل " , فتفرد وترفع، وفيه نية الإضافة.
وتضيف أحيانًا فتكسر , كما تقول: " يا غلامِ أقبل " , و " يا غلامي أقبل " .
* * * قال أبو جعفر: وأعجب القراءة في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأه بإرسال الياء وتسكينها ; لأنه إن كان اسم رجل بعينِه كان معروفًا فيهم كما قال السدي , فتلك هي القراءة الصحيحة لا شك فيها (24) .
وإن كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرئ كذلك على ما بيَّنت.
وأما التشديد والإضافة في الياء، فقراءة شاذة، لا أرى القراءة بها , وإن كانت لغة معروفة ; لإجماع الحجة من القرأة على خلافها .
* * * وأما قوله: (وأسروه بضاعة) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: وأسرَّه الوارد المستقي وأصحابُه من التجار الذين كانوا معهم , وقالوا لهم ": هو بضاعة استبضعناها بعضَ أهل مصر " ; لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشتروه بما اشتروه به أن يطلبوا منهم فيه الشركة .
* ذكر من قال ذلك: 18888 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وأسرو بضاعة) قال: صاحب الدلو ومن معه , قالوا لأصحابهم: " إنما استبضعناه " , خيفةَ أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه.
وتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثق منه لا يأبَقْ !
حتى وَقَفوه بمصر , فقال: من يبتاعني ويُبَشَّر؟
فاشتراه الملك , والملك مُسلم.
18889 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه ، غير أنه قال: خيفة أن يستشركوهم إن علموا به , واتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق !
حتى واقفوه بمصر (25) ، وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو.
18890 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ، 18891 - ....
قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , بنحوه ، غير أنه قال: خيفة أن يشاركوهم فيه، إن علموا بثمنه .
18892 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , بنحوه ، إلا أنه قال: خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا ثمنه .
وقال أيضًا: حتى أوقفوه بمصر.
18893 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (وأسروه بضاعة) قال: لما اشتراه الرجلان فَرَقًا من الرفقة أن يقولوا: " اشتريناه " فيسألونهم الشركة , فقالا إن سألونا ما هذا؟
قلنا بضاعة استبضَعَناه أهل الماء .
فذلك قوله: (وأسروه بضاعة) بينهم * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسرّه التجار بعضهم من بعض .
* ذكر من قال ذلك: 18894 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن سفيان , عن رجل , عن مجاهد: (وأسروه بضاعة) قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.
18895 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم الفضل , قال: حدثنا سفيان , عن مجاهد: (وأسروه بضاعة) قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أسرُّوا بيعَه .
* ذكر من قال ذلك: 18896 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا معمر , عن قتادة: (وأسروه بضاعة) قال: أسروا بيعه.
18897 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن مجاهد: (وأسروه بضاعة) قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعة .
* * * وقال آخرون: إنما عني بقوله: (وأسروه بضاعة) إخوة يوسف، أنهم أسرُّوا شأن يوسف أن يكون أخَاهم , قالوا: هو عبدٌ لنا .
* ذكر من قال ذلك: 18898 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله: (وأسروه بضاعة) يعني: إخوة يوسف أسرُّوا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم , فكتم يوسف شأنه مخافةَ أن تقتله إخوته , واختار البيع .
فذكره إخوته لوارد القوم , فنادى أصحابه قال: يا بشرى!
هذا غلامٌ يباع .
فباعه إخوته.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب: قولُ من قال: " وأسرَّ وارد القوم المدلي دلوَه ومن معه من أصحابه، من رفقته السيارة، أمرَ يوسف أنهم أشتروه، خيفةً منهم أن يستشركوهم , وقالوا لهم: هو بضاعة أبضَعَها معنا أهل الماء ، وذلك أنه عقيب الخبر عنه , فلأن يكون ما وليه من الخبر خبرًا عنه , أشبهُ من أن يكون خبرًا عمَّن هو بالخبر عنه غيرُ متَّصِل (26) .
* * * وقوله: (والله عليم بما يعملون) يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يعمله باعَةُ يوسف ومشتروه في أمره، لا يخفى عليه من ذلك شيء , ولكنه ترك تغيير ذلك ليمضي فيه وفيهم حكمه السابق في علمه , وليري إخوة يوسف ويوسف وأباه قدرتَه فيه.
(27) * * * وهذا , وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن يوسف نبيّه صلى الله عليه وسلم , فإنه تذكير من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وتسلية منه له عما كان يلقى من أقربائه وأنسبائه المشركين من الأذى فيه , يقول : فاصبر، يا محمد، على ما نالك في الله , فإنّي قادرٌ على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون , كما كنت قادرًا على تغيير ما لقي يوسف من إخوته في حال ما كانوا يفعلون به ما فعلوا , ولم يكن تركي ذلك لهوان يوسف عليّ، ولكن لماضي علمي فيه وفي إخوته , فكذلك تركي تغييرَ ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك عليّ , ولكن لسابق علمي فيك وفيهم , ثم يصير أمرُك وأمرهم إلى عُلوّك عليهم، وإذعانهم لك , كما صار أمر إخوة يوسف إلى الإذعان ليوسف بالسؤدد عليهم، وعلوِّ يوسف عليهم.
(28) * * * ---------------------- الهوامش: (19) انظر تفسير" السيارة" فيما سلف 15 : 567 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(20) انظر تفسير" الورود" فيما سلف 15 : 466 .
(21) انظر تفسير" البشرى" فيما سلف من فهارس اللغة ( بشر ) .
(22) ولغة هذيل أيضًا ، كما قال الأصمعي .
(23) ديوانه ( في ديوان الهذليين ) 1 : 2 ، وشرح المفضليات : 854 ، وغيرهما ، وهي إحدى عجائب أبي ذؤيب ، يقولها في بنيه الذين ماتوا ، سبقه بهم الطاعون في عام واحد ، وكانوا خمسة : أَوْدَى بَنِــيَّ , وأعْقَبُــونِي غُصَّـةً بَعْــدَ الرُّقــادِ , وعَــبْرةً لا تُقْلِـعُ سَـــبَقوا هـــوَيَّ ..............
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
فَغَــبَرْتُ بَعْــدَهُمُ بعَيْشٍ نــاصِبٍ وَإخــالُ أنِّــي لاحِــقٌ مُسْــتَتْبِعُ يقول: سبقوني بما اختاروه من الموت والذهاب ، وساروا سيرًا حثيثًا إلى الذي اختاروه ، فتخرمتهم المنية ، فأخذتهم واحدًا بعد واحد .
ولكل جنب مصرع لا يخطئه ، فحيث قدر الله له الميتة أدركته .
(24) في المطبوعة والمخطوطة :" فذلك هي ....." ، والأجود ما أثبت .
(25) في المطبوعة :" حتى أوقفوه" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وانظر هذه الرواية في رقم : 18892 .
(26) انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف 15 : 103 ، 239 .
(27) انظر تفسير" عليم" فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) .
(28) عند هذا الموضع انتهى الجزء الثاني عشر من مخطوطتنا ، وفي آخرها ما نصه :" نجز الجزء الثاني عشر ، بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم يتلوه في أول الجزء الثالث عشر إن شاء الله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } وكان الفراغ منه في شهر رمضان المعظم سنة خمس عشرة وسبعمئة" .
قوله تعالى : وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون [ ص: 135 ] قوله تعالى : وجاءت سيارة أي رفقة مارة يسيرون من الشام إلى مصر فأخطئوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبا من الجب ، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران ، إنما هو للرعاة والمجتاز ، وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف .فأرسلوا واردهم فذكر على المعنى ; ولو قال : فأرسلت واردها لكان على اللفظ ، مثل وجاءت .
والوارد الذي يرد الماء يستقي للقوم ; وكان اسمه - فيما ذكر المفسرون - مالك بن دعر ، من العرب العاربة .فأدلى دلوه أي أرسله ; يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها ليملأها ، ودلاها أي أخرجها : عن الأصمعي وغيره .
ودلا - من ذات الواو - يدلو دلوا ، أي جذب وأخرج ، وكذلك أدلى إذا أرسل ، فلما ثقل ردوه إلى الياء ، لأنها أخف من الواو ; قال الكوفيون .
وقال الخليل وسيبويه : لما جاوز ثلاثة أحرف رجع إلى الياء ، اتباعا للمستقبل .
وجمع دلو في أقل العدد أدل فإذا كثرت قلت : دلي ودلي ; فقلبت الواو ياء ، إلا أن الجمع بابه التغيير ، وليفرق بين الواحد والجمع ; ودلاء أيضا .فتعلق يوسف بالحبل ، فلما خرج إذا غلام كالقمر ليلة البدر ، أحسن ما يكون من الغلمان .
قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث الإسراء من صحيح مسلم : فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن .
وقال كعب الأحبار : كان يوسف حسن الوجه ، جعد الشعر ، ضخم العينين ، مستوي الخلق ، أبيض اللون ، غليظ الساعدين والعضدين ، خميص البطن ، صغير السرة ، إذا ابتسم رأيت النور من ضواحكه ، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع الشمس من ثناياه ، لا يستطيع أحد وصفه ; وكان حسنه كضوء النهار عند الليل ، وكان يشبه آدم - عليه السلام - يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية ، وقيل : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة ; وكانت قد أعطيت سدس الحسن ; فلما رآه مالك بن دعر قال : " يا بشراي هذا غلام " هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة ; إلا ابن أبي إسحاق فإنه قرأ " يا بشري هذا غلام " فقلب الألف ياء ، لأن هذه الياء يكسر ما قبلها ، فلما لم يجز كسر الألف كان قلبها عوضا .
وقرأ أهل الكوفة " يا بشرى " غير مضاف ; وفي معناه قولان : أحدهما : اسم الغلام ، والثاني : معناه يا أيتها البشرى هذا حينك وأوانك .
قال قتادة والسدي : لما أدلى المدلي دلوه تعلق بها يوسف فقال : يا بشرى هذا غلام ; قال قتادة : بشر أصحابه بأنه وجد عبدا .
وقال السدي : نادى رجلا اسمه بشرى .
قال النحاس : قول قتادة أولى ; لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا ; وإنما يأتي بالكناية كما قال - عز وجل - : ويوم يعض الظالم على يديه [ ص: 136 ] وهو عقبة بن أبي معيط ، وبعده يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا وهو أمية بن خلف ; قاله النحاس .
والمعنى في نداء البشرى : التبشير لمن حضر ; وهو أوكد من قولك تبشرت ، كما تقول : يا عجباه !
أي يا عجب هذا من أيامك ومن آياتك ، فاحضر ; وهذا مذهب سيبويه ، وكذا قال السهيلي .
وقيل : هو كما تقول : واسروراه !
وأن البشرى مصدر من الاستبشار : وهذا أصح ; لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافا إلى ضمير المتكلم ; وعلى هذا يكون " بشراي " في موضع نصب ، لأنه نداء مضاف ; ومعنى النداء هاهنا التنبيه ، أي انتبهوا لفرحتي وسروري ; وعلى قول السدي يكون في موضع رفع كما تقول : يا زيد هذا غلام .
ويجوز أن يكون محله نصبا كقولك : يا رجلا ، وقوله : يا حسرة على العباد ولكنه لم ينون " بشرى " لأنه لا ينصرف .وأسروه بضاعة الهاء كناية عن يوسف - عليه السلام - فأما الواو فكناية عن إخوته .
وقيل : عن التجار الذين اشتروه ، وقيل : عن الوارد وأصحابه .
" بضاعة " نصب على الحال .
قال مجاهد : أسره مالك بن دعر وأصحابه من التجار الذين معهم في الرفقة ، وقالوا لهم : هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الشام أو أهل هذا الماء إلى مصر ; وإنما قالوا هذا خيفة الشركة .
وقال ابن عباس : أسره إخوة يوسف بضاعة لما استخرج من الجب ; وذلك أنهم جاءوا فقالوا : بئس ما صنعتم !
هذا عبد لنا أبق ، وقالوا ليوسف بالعبرانية : إما أن تقر لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء ، وإما أن نأخذك فنقتلك ; فقال : أنا أقر لكم بالعبودية ، فأقر لهم فباعوه منهم .
وقيل : إن يهوذا وصى أخاه يوسف بلسانهم أن اعترف لإخوتك بالعبودية فإني أخشى إن لم تفعل قتلوك ; فلعل الله أن يجعل لك مخرجا ، وتنجو من القتل ، فكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته ; فقال مالك : والله ما هذه سمة العبيد !
، قالوا : هو تربى في حجورنا ، وتخلق بأخلاقنا ، وتأدب بآدابنا ; فقال : ما تقول يا غلام ؟
قال : صدقوا !
تربيت في حجورهم ، وتخلقت بأخلاقهم ; فقال مالك : إن بعتموه مني اشتريته منكم ; فباعوه منه .
أي: مكث يوسف في الجب ما مكث، حتى { جَاءَتْ سَيَّارَةٌ } أي: قافلة تريد مصر، { فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ } أي: فرطهم ومقدمهم، الذي يعس لهم المياه، ويسبرها ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك، { فَأَدْلَى } ذلك الوارد { دَلْوَهُ } فتعلق فيه يوسف عليه السلام وخرج.
{ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ } أي: استبشر وقال: هذا غلام نفيس، { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً }
( وجاءت سيارة ) وهم القوم المسافرون ، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض ، كانت رفقة من مدين تريد مصر فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب ، وكان الجب في [ قفر بعيد ] من العمران للرعاة والمارة ، وكان ماؤه مالحا فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه ، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر ، [ لطلب الماء ] فذلك قوله عز وجل : ( فأرسلوا واردهم ) والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء .
( فأدلى دلوه ) أي : أرسلها في البئر ، يقال : أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ، ودلوتها إذا أخرجتها ، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أعطي يوسف شطر الحسن" .
ويقال : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن .
قال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن .
فلما رآه مالك بن ذعر ( قال يا بشرى ) قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء ، بشر المستقي أصحابه يقول : أبشروا .
وقرأ أهل الكوفة : يا بشرى ، بغير إضافة ، يريد نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه بشرى .
( هذا غلام ) وروى ابن مجاهد عن أبيه : أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها .
( وأسروه ) أخفوه ( بضاعة ) قال مجاهد : أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم وقالوا : هو بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة .
وقيل : أراد أن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف وقالوا هذا عبد لنا [ أبق ] .
قال الله تعالى : ( والله عليم بما يعملون ) فأتى يهوذا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر ، فأخبر بذلك إخوته ، فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزولا فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا هذا عبد آبق منا .
ويقال : إنهم هددوا يوسف حتى لم يعرف حاله .
وقال مثل قولهم ، ثم باعوه ، فذلك قوله عز وجل :
«وجاءت سيارة» مسافرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريبا من جب يوسف «فأرسلوا واردهم» الذي يرد الماء ليستقي منه «فأدلى» أرسل «دلوه» في البئر فتعلق بها يوسف فأخرجه فلما رآه «قال يا بشراي» وفي قراءة بشرى ونداؤها مجاز أي احضري فهذا وقتك «هذا غلام» فعلم به إخوته فأتوه «وأسَرُّوه» أي أخفوا أمره جاعليه «بضاعة» بأن قالوا هذا عبدنا أبق، وسكت يوسف خوفا من أن يقتلوه «والله عليم بما يعملون».
وجاءت جماعة من المسافرين، فأرسلوا مَن يطلب لهم الماء، فلما أرسل دلوه في البئر تعلَّق بها يوسف، فقال واردهم: يا بشراي هذا غلام نفيس، وأخفى الواردُ وأصحابه يوسفَ من بقية المسافرين فلم يظهروه لهم، وقالوا: إن هذه بضاعة استبضعناها، والله عليم بما يعملونه بيوسف.
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتقص علينا مرحلة أخرى من مراحل حياة يوسف - عليه السلام - حيث حدثتنا عن انتشاله من الجب ، وعن بيعه بثمن بخس وعن وصية الذى اشتراه لامرأته ، وعن مظاهر رعاية الله - تعالى - له فقال - سبحانه -( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فأدلى دَلْوَهُ .
.
.
)قوله - سبحانه - : ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فأدلى دَلْوَهُ .
.
.
) شروع فى الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ألقى به إخوته فى الجب .والسيارة : جماعة المسافرين ، وكانوا - كما قيل - متجهين من بلاد الشام إلى مصر .والوارد : هو الذى يرد الماء ليستقى للناس الذين معه .
ويقع هذا اللفظ على الفرد والجماعة ، فيقال لكل من يرد الماء وارد ، كما يقال للماء مورود .وقوله ( فأدلى ) من الإِدلاء بمعنى إرسال الدول فى البئر لأخذ الماء .والدلو : إناء معروف يوضع فيه الماء .وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير :وبعد أن ألقى إخوة يوسف به فى الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم ، جاءت إلى ذلك المكان قافلة من المسافرين ، فأرسلوا واردهم ليبحث لهم عن ماء ليستقوا ، فوجد جبا ، فأدلى دلوه فيه ، فتعلق به يوسف ، فلما خرج ورآه فرح به وقال : يا بشرى هذا غلام .وأوقع النداء على البشرى ، للتعبير عن انتهاجه وسروره ، حتى لكأنها شخص عاقل يستحق النداء ، أى : يا بشارتى أقبلى فهذا أوان إقبالك .وقيل المنادى محذوف والتقدير : يا رفاقى فى السفر أبشروا فهذا غلام ، وقد خرج من الجب .وقرأ أهل المدينة ومكة : يا بشراى هذا غلام .
بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم .
والضمير المنصوب وهو الهاء فى قوله : ( وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ) يعود إلى يوسف .أما الضمير المرفوع فيعود إلى السيارة ، وأسر من الإِسرار الذى هو ضد الإِعلان .والبضاعة : عرضو التجاة ومتاعها .
وهذا اللفظ مأخذو من البضع بمعنى القطع ، وأصله جملة من اللحم تبضع أى : تقطع .
وهو حال من الضمير المنصوب فى ( وأسروه ) .والمعنى : وأخفى جماعة المسافرين خبر التقاط يوسف من الجب مخافة أن يطلبه أحد من السكان المجاورين للجب ، واعتبره بضاعة سرية لهم ، وعزموا على بيعه على أنه من العبيد الأرقاء .ولعل يوسف - عليه السلام - قد أخبرهم بقصته بعد إخراجه من الجب .ولكنهم لم يلتفتوا إلى ما أخبرهم به طمعا فى بيعه والانتفاع بثمنه .ومن المفسرين من يرى أن الضمير المرفوع فى قوله ( وأسروه ) يعود على الوارد ورفاقه ، فيكون المعنى :وأسر الوارد ومن معه أمر يوسف عن بقية أفراد القافلة ، مخافة أن يشاركهوهم فى ثمنه إذا علموا خبره ، وزعموا أن أهل هذا المكان الذى به الجب دفعوه إليهم ليبيعوه لهم فى مصر على أنه بضاعة لهم .ومنهم من يرى أن الضمير السابق يعود إلى إخوة يوسف .قال الشوكانى ما ملخصه : وذلك أن يهوذا كان يأتى إلى يوسف كل يوم بالطعام ، فأتاه يوم خروجه من الجب فلم يجده ، فأخبر إخوته بذلك ، فأتوا إلى السيارة وقالوا لهم : " إن الغلام الذى معكم عبد لنا قد أبق ، فاشتروه منهم بثمن بخس ، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه إخوته فيقتلوه " .وعلى هذا الرأى يكون معنى ( وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ) : أخفى إخوة يوسف كونه أخا لهم ، واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء .ويكون المراد بقوله - تعالى - بعد ذلك ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) الشراء الحقيقى ، بمعنى أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس .والحق أن الرأى الأول هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية ، ولأنهبعيد عن التكلف الذى يرى واضحا فى القولين الثانى والثالث .وقوله : ( والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) أى : لا يخفى عليه شئ من إسرارهم .
ومن عملهم السئ فى حق يوسف .
حيث إنهم استرقوه وباعوه بثمن بخس ، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، كما جاء فى الحديث الشريف .
اعلم أنهم لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء باكين ورواه ابن جني عشا بضم العين والقصر وقال: عشوا من البكاء فعند ذلك فزع يعقوب وقال: هل أصابكم في غنمكم شيء؟
قالوا: لا قال: فما فعل يوسف؟
قالوا: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب ﴾ فبكى وصاح وقال: أين القميص؟
فطرحه على وجهه حتى تخضب وجهه من دم القميص، وروي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية ما تراها تبكي؟
قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق، واختلفوا في معنى الاستباق قال الزجاج: يسابق بعضهم بعضاً في الرمي، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» يعني بالنصل الرمي، وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهماً وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال: استبقا وتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهماً ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبدالله ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا ﴾ .
والقول الثاني: في تفسير الاستباق ما قاله السدي ومقاتل: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدواً.
فإن قيل: كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون وهذا من فعل الصبيان؟
قلنا: الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو ولأنه كالآلة لهم في محاربة العدو ومدافعة الذئب إذا اختلس الشاة وقوله: ﴿ فَأَكَلَهُ الذئب ﴾ قيل أكل الذئب يوسف وقيل عرَّضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع، والوجه هو الأول.
ثم قالوا: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ليس المعنى أن يعقوب عليه السلام لا يصدق من يعلم أنه صادق، بل المعنى لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف لشدة محبتك إياه ولظننت أنا قد كذبنا والحاصل أنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدقنا لأنك تتهمنا.
وقيل: المعنى: إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان في أصل اللغة عبارة عن التصديق، لأن المراد من قوله: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ أي بمصدق، وإذا ثبت أن الأمر كذلك في أصل اللغة وجب أن يبقى في عرف الشرع كذلك، وقد سبق الاستقصاء فيه في أول سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما جاؤا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم.
قيل: ذبحوا جدياً ولطخوا ذلك القميص بدمه.
قال القاضي: ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحاً علم كذبهم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ ﴾ أي وجاؤا فوق قميصه بدم كما يقال: جاؤا على جمالهم بأحمال.
المسألة الثالثة: قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الأنباري ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي كذب ولكنه جعل نفسه كذباً للمبالغة قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله: ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً ﴾ ورجل عدل وصوم، ونساء نوح ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضاً بهما فقالوا: للعقل المعقول، وللجلد المجلود، ومنه قوله تعالى: ﴿ بِأَيّكُمُ المفتون ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه، ولما شهد الشاهد قال: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ ولما أتي بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيراً، ثم ذكر تعالى أن أخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ .
قال ابن عباس: معناه: بل زينت لكم أنفسكم أمراً.
والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري: كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره.
وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز وقال صاحب الكشاف: ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ سهلت من السول وهو الاسترخاء.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ بَلِ ﴾ رد لقولهم: ﴿ أَكَلَهُ الذئب ﴾ كأنه قال: ليس كما تقولون: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ في شأنه ﴿ أمْراً ﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمراً غير ما تصفون، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه: لأول: أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم.
والثاني: أنه كان عالماً بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك.
القول الثالث: قال سعيد بن جبير: لما جاؤا على قميصه بدم كذب، وما كان متخرقاً، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه، وعن السدي أنه قال: إن يعقوب عليه السلام قال: إن هذا الذئب كان رحيماً، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟
وقيل: إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله اللصوص، فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله؟
فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم.
ثم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من قال: إنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل.
وقال قطرب: معناه: فصبري صبر جميل.
وقال الفراء: فهو صبر جميل.
المسألة الثانية: كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة، فقيل له: ما هذا؟
فقال طول الزمان وكثرة الأحزان: فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟
فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.
وروي عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها قالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل.
المسألة الثالثة: عن الحسن أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فقال: صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر ويدل عليه من القرآن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ وقال مجاهد: فصبر جميل، أي من غير جزع، وقال الثوري: من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك، وهاهنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب فأما الصبر على ظلم الظالمين، ومكر الماكرين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير، وهاهنا أن إخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك؟
ولم لم يبالغ في التفتيش والبحث سعياً منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة إن كان في الأحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه، فثبت أن الصبر في المقام مذموم.
ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بأنه حي سليم لأنه قال له: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ والظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالماً بأنه حي سليم فكان من الواجب أن يسعى في طلبه.
وأيضاً إن يعقوب عليه السلام كان رجلاً عظيم القدر في نفسه، وكان من بيت عظيم شريف، وأهل العلم كانوا يعرفونه ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في أنه عليه السلام مع شدة رغبته في حضور يوسف عليه السلام، ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه كان من الواجبات، فثبت أن هذا الصبر في هذا المقام مذموم عقلاً وشرعاً.
والجواب عنه: أن نقول لا جواب عنه إلا أن يقال إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، وتغليظاً للأمر عليه، وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص، وأنه لو بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه وقتله، وأيضاً لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة، ثم لم يرد هتك أستار سرائر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس وذلك لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم فإنه يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم منه، فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يدل على أن الصبر على قسمين منه ما قد يكون جميلاً وما قد يكون غير جميل، فالصبر الجميل هو أن يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه فيصير استغراق قلبه في هذا المقام مانعاً له من إظهار الشكاية.
والوجه الثاني: أنه يعلم أن منزل هذا البلاء، حكيم لا يجهل، وعالم لا يغفل، عليم لا ينسى رحيم لا يطغى، وإذا كان كذلك، فكان كل ما صدر عنه حكمة وصواباً، فعند ذلك يسكت ولا يعترض.
والوجه الثالث: أنه ينكشف له أن هذا البلاء من الحق، فاستغراقه في شهود نور المبلى يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء ولذلك قيل: المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء، لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والحظ وموصل النصيب لا يكون محبوباً بالذات بل بالعرض، فهذا هو الصبر الجميل.
أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض، فذلك الصبر لا يكون جميلاً، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسناً وإلا فلا، وهاهنا يظهر صدق ما روي في الأثر استفت قلبك، ولو أفتاك المفتون فليتأمل الرجل تأملاً شافياً، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا؟
فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة.
ولما ذكر يعقوب قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ قال: ﴿ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ والمعنى: أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يجري مجرى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وقوله: ﴿ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ يجري مجرى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ ﴾ رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران لم يكن إلا للرعاة.
وقيل: كان ماؤها ملحاً.
فعذب حين ألقي فيه يوسف ﴿ فَأَرْسَلُواْ ﴾ رجلا يقال له مالك ابن ذعر الخزاعي، ليطلب لهم الماء.
والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ يابشرى ﴾ نادى البشرى، كأنه يقول: تعالى، فهذا من آونتك وقرئ: ﴿ يا بشراي ﴾ على إضافتها إلى نفسه.
وفي قراءة الحسن وغيره: ﴿ يا بشري ﴾ بالياء مكان الألف، جعلت الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة وهي لغة للعرب مشهورة سمعت أهل السروات يقولون في دعائهم: يا سيدي ومولي.
وعن نافع: يا بشراي بالسكون، وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حدّه، إلا أن يقصد الوقف.
وقيل: لما أدلى دلوه أي أرسلها في الجب تعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون، فقال: يا بشراي ﴿ هذا غُلاَمٌ ﴾ وقيل: ذهب به، فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به ﴿ وَأَسَرُّوهُ ﴾ الضمير للوارد وأصحابه: أخفوه من الرفقة.
وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في الجب، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر.
وعن ابن عباس أنّ الضمير لإخوة يوسف، وأنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.
و ﴿ بضاعة ﴾ نصب على الحال، أي: أخفوه متاعاً للتجارة.
والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة أي قطع ﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ لم يخف عليه أسرارهم، وهو وعيد لهم حيث استبضعوا ما ليس لهم.
أو: والله عليم بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ ﴾ رُفْقَةٌ يَسِيرُونَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثٍ مِن إلْقائِهِ فِيهِ.
﴿ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.
﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ فَأرْسَلَها في الجُبِّ لِيَمْلَأها فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَلَمّا رَآهُ.
﴿ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قالَ تَعالى فَهَذا أوانُكَ.
وقِيلَ هو اسْمٌ لِصاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ.
وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ « يا بُشْرايَ» بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.
وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وقُرِئَ « يا بُشْرى» بِالإدْغامِ وهو لُغَةٌ و « بُشْرايَ» بِالسُّكُونِ عَلى قَصْدِ الوَقْفِ.
﴿ وَأسَرُّوهُ ﴾ أيِ الوارِدُ وأصْحابُهُ مِن سائِرِ الرُّفْقَةِ.
وقِيلَ أخْفَوْا أمْرَهُ وقالُوا لَهم دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ وذَلِكَ أنَّ يَهُوذا كانَ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فِيها فَأخْبَرَهُ إخْوَتُهُ فَأتَوُا الرُّفْقَةَ وقالُوا: هَذا غُلامُنا أبْقِ مِنّا فاشْتَرَوْهُ، فَسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ.
﴿ بِضاعَةً ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ البِضْعِ فَإنَّهُ ما بُضِعَ مِنَ المالِ لِلتِّجارَةِ.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم أوْ صَنِيعُ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ} رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة
أيام من إلقاء يوسف فى الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعي {فأدلى دَلْوَهُ} أرسل الدلو ليملأها فتشبت يوسف بالدلو فنزعوه {قال يا بُشْرىً} كوفي نادى البشرى كأنه يقول تعالى فهذا أوانك غيرهم بشراي على إضافتها لنفسه أو هو اسم غلامه فناداه مضافاً إلى نفسه {هذا غُلاَمٌ} قيل ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به {وَأَسَرُّوهُ} الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة أو لأخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه {بضاعة} حال أي أخفوه متاعاً للتجارة والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي قطع {والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} بما يعمل أخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع
﴿ وجاءَتْ ﴾ شُرُوعٌ فِيما جَرى عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُبِّ بَعْدَ الفَراغِ عَنْ ذِكْرِ ما وقَعَ بَيْنَ إخْوَتِهِ وبَيْنَ أبِيهِ أيْ وجاءَتْ إلى الجُبِّ ﴿ سَيّارَةٌ ﴾ رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن جِهَةِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مَضَتْ مِن زَمَنِ إلْقائِهِ في قَوْلٍ، وقِيلَ: في اليَوْمِ الثّانِي، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ في طَرِيقِ سَيْرِهِمُ المُعْتادُ.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فَأصابُوهُ ﴿ فَأرْسَلُوا ﴾ إلَيْهِ ﴿ وارِدَهُمْ ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ ذَلِكَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ اهـ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، والتَّأْنِيثُ في (جاءَتْ) والتَّذْكِيرُ في أرْسَلُوا و وارِدَهُمْ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَجِيءِ إيماءٌ إلى كَرامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ وكَذا مُتَعَلِّقُ الإرْسالِ لِظُهُورِهِ، ولِذا حُذِفَ المُتَعَلِّقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ أيْ أرْسَلَها إلى الجُبِّ لِيُخْرِجَ الماءَ، ويُقالَ: دَلا الدَّلْوَ إذا أخْرَجَها مَلْأى، والدَّلْوُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ لِلسَّماعِيَّةِ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلِيَّةٍ وتُجْمَعُ عَلى أدُلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ.
وقالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ: إنَّ الدَّلْوَ الَّتِي يُسْتَقى بِها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ، وأمّا الدَّلْوُ مَصْدَرُ دَلَوْتُ وضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ فَمُذَكَّرٌ ومِثْلُها في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ الجُبُّ عِنْدَ الفَرّاءِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرَ، وأمّا البِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ فَقَطْ في المَشْهُورِ، ويُقالُ في تَصْغِيرِها: بُوَيْرَةٌ، وفي جَمْعِها آبارٌ وأبْآرٌ وأبْؤُرٌ وبِئارٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأدْلى دَلْوَهُ فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَخَرَجَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ.
﴿ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ ورُفْقَتِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَها مَنزِلَةَ شَخْصٍ فَناداهُ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أيْ يا بُشْرى تَعالَيْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ، وقِيلَ: المُنادى مَحْذُوفٌ كَما في يا لَيْتَ أيْ يا قَوْمِي انْظُرُوا واسْمَعُوا بُشْرايَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّبْشِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِّداءِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ بُشْرى اسْمُ صاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ -ولَيْسَ بِذاكَ- وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ -يا بُشْرايَ- بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ -يا بُشْرايَ- بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ ويُلْزِمُهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ واعْتَذَرَ بِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ لِمَدِّها تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ، وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ (يا بُشْرَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ -وهِيَ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ ولِناسٍ غَيْرِهِمْ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا (هُوِيَّ) وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ويَقُولُونَ: يا سَيِّدِي ومَوْلَيَّ، و-الغُلامُ- كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ كَما في قَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ: غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها والظّاهِرُ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ، وحُقَّ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ الغِلْمانِ، وذَكَرَ البَغْوِيُّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الحُسْنِ».
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ذَهَبَ يُوسُفُ وأُمُّهُ بِثُلُثَيِ الحُسْنِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: كانَ يُوسُفُ حَسَنَ الوَجْهِ جَعْدَ الشَّعَرِ ضَخْمَ العَيْنَيْنِ مُسْتَوِي الخَلْقِ أبْيَضَ اللَّوْنِ غَلِيظَ السّاعِدَيْنِ والسّاقَيْنِ خَمِيصَ البَطْنِ صَغِيرَ السُّرَّةِ، وكانَ إذا تَبَسَّمَ رَأيْتَ النُّورَ في ضَواحِكِهِ، وإنْ تَكَلَّمَ رَأيْتَ شُعاعَ النُّورِ مِن ثَناياهُ ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ وصْفَهُ وكانَ حُسْنُهُ كَضَوْءِ النَّهارِ عِنْدَ اللَّيْلِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ، ويُحْكى أنَّ جَوانِبَ الجُبِّ بَكَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ مِنها، ولَعَلَّهُ مِن بابِ بَكَتِ الدّارُ لِفَقْدِ فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ الوارِدِ ﴿ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ كانَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ وُرُودِهِ عَلى أصْحابِهِ صاحَ بِذاكَ ﴿ وأسَرُّوهُ ﴾ أيْ أخْفاهُ الوارِدُ وأصْحابُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ حَتّى لا تَراهُ فَتَطْمَعَ فِيهِ، وقِيلَ: أخْفَوْا أمْرَهُ وكَوْنَهُ وُجِدَ في البِئْرِ، وقالُوا لِسائِرِ القافِلَةِ: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ لِيَتَحَقَّقَ أمْرَهُ فَرَآهُ عِنْدَ السَّيّارَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَجاءُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: هَذا غُلامٌ أبَقَ لَنا فاشْتَرُوهُ فاشْتَرَوْهُ وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا بِالعِبْرانِيَّةِ: لا تُنْكِرِ العُبُودِيَّةَ نَقْتُلْكَ فَأقَرَّ بِها واشْتَرَوْهُ مِنهُمْ، وقِيلَ: كانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَ أُخْرِجَ فَلَمْ يَجِدْهُ في الجُبِّ ووَجَدَهُ عِنْدَ الرُّفْقَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَأتَوْهم فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْأُخْوَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِإفْرادِ (قالَ) وجَمْعِ ضَمِيرِ -أسَرُّوا- ولِلْوَعِيدِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ فِيهِ اخْتِلالٌ في النَّظْمِ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا، ونَصْبُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِضاعَةً ﴾ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ حالَ كَوْنِهِ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، وفي الفَرائِدِ أنَّهُ ضَمَّنَ أسَرُّوهُ مَعْنى جَعَلُوهُ أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً مُسَرِّينَ إيّاهُ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ.
وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأجْلِ التِّجارَةِ ولَيْسَ شَرْطُهُ مَفْقُودًا لِاتِّحادِ فاعِلِهِ وفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ إذِ المَعْنى كَتَمُوهُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ المالِ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا وهو مِنَ -البِضْعِ- بِمَعْنى القِطْعِ وكَأنَّ البِضاعَةَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُقْطَعُ مِنَ المالِ وتُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ، ومِن ذَلِكَ البِضْعُ بِالكَسْرِ لِما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشَرَةِ أوْ لِما فَوْقَ الخَمْسِ ودُونَ العَشَرَةِ، والبَضِيعَةُ لِلْجَزِيرَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ البَرِّ، واعْتَبَرَ الرّاغِبُ في البِضاعَةِ كَوْنَها قِطْعَةً وافِرَةً مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الكَثِيرُ كَوْنَها وافِرَةً ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أسْرارُهُمْ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ هَذا وعِيدٌ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما صَنَعُوا بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ وجَعْلِهِمْ إيّاهُ، وهو هو عُرْضَةٌ لِلِابْتِذالِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ <div class="verse-tafsir"
قال: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ يعني: فلما برزوا به إلى البَريَّة وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يقول: واتفقوا أن يلقوه في أسفل الجب، ثم أظهروا له العداوة، فجعل أحدهم يضربه فيستغيث بالآخر، فيضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا أن يقتلوه.
فقال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟
قوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي: فانطلقوا به إلى الجب، وهي بئر على رأس فرسخين من كنعان، ويقال: أربع فراسخ، فجعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفة البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه.
فقال: يا إخوتاه، ردوا عليّ قميصي أتوارى في الجب، فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك.
فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه، وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة في البئر، وقام عليها وجعل يبكي.
فجاءه جبريل يؤنسه ويطعمه.
قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أي: لتخبرهم بصنيعهم وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: تخبرهم بأمورهم، أو بصنيعهم هذا بمصر وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يعرفونك بمصر.
ويقال: معناه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أن الله تعالى أوحى إليه، وهم لا يعرفونه.
ويقال: لما أرادوا أن يلقوه في البئر، تعلق بإخوته، فقال له جبريل: لا تتعلق بهم، فإنك تنجو من البئر.
فألقوه حتى وقع في قعرها، فارتفع حجر حتى قام عليه، ثم إنهم أخذوا جدياً من الغنم فذبحوه، ثم لطخوا القميص بدمه.
ثمّ أقبلوا إلى أبيهم كما قال الله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ يعني: بعد العصر، فلما سمع يعقوب أصواتهم، فزع وقال: يا بني ما لكم قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ يعني: نتصيّد ويقال: ننتضل، أي يسابق بعضنا البعض في الرمي، وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فلما قالوا هذا القول: بكى يعقوب، وصاح بأعلى صوته: ثم قال: أين قميصه؟
فأخذ القميص وبكى، ثم قال إن هذا الذئب كان بابني رحيماً، كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟
وروى سماك، عن عامر، أنه قال: في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قُدَّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، علم أن الذئب لو أكله لخرق قميصه.
فقال لهم: كذبتم، فقالوا له: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا يعني: بمصدق لنا في مقالتنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ في مقالتنا وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ يعني: بدم السخلة ولم يكن دم يوسف.
ويقال: بدم كذب أي مكذوب به.
وقرأ بعضهم: بِدَمٍ كدب بالدال، يعني: بدم طري.
فأروه القميص بالدم ليعرف به، وهي قراءة شاذة، وقراءة العامة بالذال وقال يعقوب: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل بلا جزع.
ويقال: معناه لا حيلة لي إلا الصبر.
ويقال: معناه فصبري صبر جميل.
وروي عن بعض الصحابة، أنه كان يقرأ فصبرا جَمِيلاً، يعني: اصبر صبراً جميلاً.
وروي عن رسول الله أنه سئل عن قوله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال «صبر لا شكوى فيه، ومن بث فلم يصبر» .
ثم قال: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ يقول: أستعين بالله، وأطلب العون من الله واستعين بالله، على ما تقولون، وتكذبون من أمر يوسف.
<div class="verse-tafsir"
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)
وقوله: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ: أي: وقْتَ العشاءِ، وقرأ الحسن:
«عُشى» «١» على مثال «دُجىً» ، جمع «عاشٍ» ، ومعنى ذلك: أصابهم عشى من البكاء أو شبه العَشَى، إذ كذلك هي عَيْنُ الباكي لأنه يتعاشَى، ومثَّل شُرَيْحَ امرأة بكَتْ، وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، ونَسْتَبِقُ: معناه: على الأقدام، وقيل: بالرمْي، أي: ننْتَضِلُ، وهو نوعٌ من المسابقة قاله الزَّجَّاج، وقولهم: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: أي بمصَدِّق لنا، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ، أي: ولو كنا موصوفين بالصِّدْقِ، ويحتمل أنْ يكون قولهم: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ: بمعنى: وإن كنا صادقِينَ في معتَقَدِنا.
وقوله سبحانه: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ: روي أنهم أَخَذُوا سَخْلَةً أَوْ جَدْياً، فذبحوه، ولَطَّخُوا به قميصَ يُوسُفَ، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه وبكَى ثم تأمَّله، فلم يَرَ خِرَقاً، ولا أثر نابٍ فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئْبُ حليماً يأكُلُ يوسُفَ، ولا يخرق قميصَهُ قصَّ هذا القَصَصَ ابن عباس وغيره «٢» ، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحَّة القميصِ، واستند الفقهاءُ إِلى هذا في إِعْمَالِ الأماراتِ في مسائِل كالقَسَامة «٣» بها في قول مالكٍ إِلى غير ذلك.
قال الشعبيُّ: كان في القميص ثلاث
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ ﴾ أيْ: قَوْمٌ يَسِيرُونَ ﴿ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أنَّثَ السَّيّارَةَ وذَكَّرَ الوارِدَ، لِأنَّ السَّيّارَةَ في المَعْنى لِلرِّجالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الوارِدُ: الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ.
وَفِي اسْمِ هَذا الوارِدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مالِكُ بْنُ ذُعْرَ بْنِ يُؤِيبَ بْنِ عِيفا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مِجْلِثُ بْنُ رَعْوِيلَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ أيْ: أرْسَلَها.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إذا أرْسَلْتَها لِتَمْلَأها، ودَلَوْتُها: إذا أخْرَجْتَها.
" قالَ يا بُشْرايَ " قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يا بُشْرايَ " بِفَتْحِ الياءِ وإثْباتِ الألِفِ.
ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ " بُشْرايْ " و " مَحْيايَ " [الأنْعامِ:١٦٢] و ﴿ مَثْوايَ ﴾ بِسُكُونِ الياءِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " يا بُشْرى " بِألِفٍ بِغَيْرِ ياءٍ.
وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يُمِيلانِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ يا " بُشْرايَ " فَهَذا النِّداءُ تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطِبِينَ، لِأنَّ البُشْرى لا تُجِيبُ ولا تَعْقِلُ؛ فالمَعْنى: أبْشِرُوا، ويا أيَّتُها البُشْرى هَذا مِن أوانِكِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: يا عَجَباهُ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: اعْجَبُوا، ويا أيُّها العَجَبُ هَذا مِن حِينِكَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى [هُودٍ: ٦٩ و٧٤] .
فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ " يا بُشْرى " فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يا مَن حَضَرَ، هَذِهِ بُشْرى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يا بُشْرى هَذا أوانُكِ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ مِن تَنْبِيهِ الحاضِرِينَ.
وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّهُ نادى بِذاكَ أحَدَهم وكانَ اسْمُهُ بُشْرى.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ فِيهِ هَذِهِ الأقْوالُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ امْرَأةٍ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " يا بُشْرَيَّ " بِتَشْدِيدِ الياءِ وفَتْحِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أدْلى دَلْوَهُ؛ تَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالحَبْلِ فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإذا غُلامٌ أحْسَنُ ما يَكُونُ مِنَ الغِلْمانِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: البُشْرى، فَقالُوا: ما وراءَكَ ؟
قالَ: هَذا غُلامٌ في البِئْرِ، فَأقْبَلُوا يَسْألُونَهُ الشَّرِكَةَ فِيهِ، واسْتَخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اكْتُمُوهُ عَنْ أصْحابِكم لِئَلّا يَسْألُوكُمُ الشَّرِكَةَ فِيهِ، فَإنْ قالُوا: ما هَذا ؟
فَقُولُوا: اسْتَبْضَعَناهُ أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ؛ فَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ في البِئْرِ، فَنَظَرُوا، فَإذا هم بِالقَوْمِ ومَعَهم يُوسُفُ، فَقالُوا لَهم: هَذا غُلامٌ أبِقَ مِنّا، فَقالَ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ: فَأنا أشْتَرِيهِ مِنكم، فَباعُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وحُلَّةٍ ونَعْلَيْنِ، وأسَرَهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ مِن أصْحابِهِ، وقالَ: اسْتَبْضَعَناهُ أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَرُّوهُ بِضاعَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " بِضاعَةً " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وأسَرُّوهُ جاعِلِيهِ بِضاعَةً.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ أنَّهُ بِضاعَةٌ وتِجارَةٌ.
في الفاعِلَيْنِ لِذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم وارِدُو الجُبِّ: أسَرُّوا ابْتِياعَهُ عَنْ باقِي أصْحابِهِمْ، وتَواصَوْا أنَّهُ بِضاعَةٌ اسْتَبْضَعْهم إيّاها أهْلُ الماءِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم إخْوَتُهُ، أسَرُّوا أمْرَهُ، وباعُوهُ، وقالُوا: هو بِضاعَةٌ لَنا، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ يَعُمُّ الباعَةَ والمُشْتَرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عِشاءً"، أيْ: وقْتُ العِشاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "عُشًى" عَلى مِثالِ دُجًى، أيْ جَمْعُ "عاشٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: عُشاةٌ كَماشٍ ومُشاةٌ، ولَكِنْ حُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَتْ مِن "مَأْلُكَةٍ"، وقالَ عَدِيٌّ: أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى ذَلِكَ أصابَهم عَشًا مِنَ البُكاءِ أو شِبْهُ العَشا إذْ كَذَلِكَ هي هَيْئَةُ عَيْنِ الباكِي لِأنَّهُ يَتَعاشى، ومَثَّلَ شُرَيْحٌ في امْرَأةٍ بَكَتْ وهي مُبْطِلَةٌ بِبُكاءِ هَؤُلاءِ وقَرَأ الآيَةَ، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما بالُكُمْ؟
أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟
قالُوا: لا، قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟
قالُوا: ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ..
فَبَكى وصاحَ وقالَ: أيْنَ قَمِيصُهُ؟
وسَيَأْتِي قَصَصُ ذَلِكَ.
و"نَسْتَبِقُ" مَعْناهُ: عَلى الأقْدامِ، أيْ: نَجْرِي غِلابًا، وقِيلَ: بِالرَمْيِ، أيْ: نَنْتَصِلُ، وهو نَوْعٌ مِنَ المُسابَقَةِ، قالَهُ الزَجّاجُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ، ومَعْنى الكَلامِ: أيْ: لَوْ كُنّا مَوْصُوفِينَ بِالصِدْقِ وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ كُنْتَ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ فِينا في جَمِيعِ أقْوالِنا قَدِيمًا لَما صَدَّقْتَنا في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةً لِما لَحِقَكَ فِيها مِنَ الحُزْنِ ونالَكَ مِنَ المَشَقَّةِ ولِما تَقَدَّمَ مِن تُهْمَتِكَ لَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ بِمَعْنى: وإنْ كُنّا صادِقِينَ، وقالَهُ المُبَرِّدُ، كَأنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم صادِقُونَ في هَذِهِ النازِلَةِ، فَهو تَمادٍ مِنهم في الكَذِبِ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ ﴾ .
بِمَعْنى: أو إنْ كُنّا كارِهِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا المِثالِ عِنْدِي نَظَرٌ، وتَخَبَّطَ الرُمّانِيُّ في هَذا المَوْضِعِ، وقالَ: "ألْزَمُوا أباهم عِنادًا" ونَحْوَ هَذا مِمّا لا يَلْزَمُ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا: وما أنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ في مُعْتَقَدِكَ.
بَلْ قالُوا: وما أنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ فِيما نَعْتَقِدُ نَحْنُ، وأمّا أنْتَ فَقَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ سُوءُ الظَنِّ بِنا، ولا يُنْكَرُ أنْ يَعْتَقِدَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ صِدْقَ الكاذِبِ وكَذِبَ الصادِقِ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ، فَإنَّما هو بَشَرٌ، كَما قالَ : « "إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ.."» الحَدِيثُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ جَوَّزَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُصَدِّقَ الكاذِبَ، وكَذَلِكَ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِ السَلامُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ حِينَ حَلَفَ عَلى مَقالَةِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وكَذَّبَ زَيْدًا، حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ فَظَهَرَ الحَقُّ، فَكَلامُ إخْوَةِ يُوسُفَ إنَّما هو مُغالَطَةٌ ومُحاجَّةٌ لا إلْزامَ عِنادٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أو جِدْيًا فَذَبَحُوهُ ولَطَّخُوا بِهِ قَمِيصَ يُوسُفَ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُهُ، فَأخَذَهُ ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا أثَرَ نابٍ.
فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى كَذِبِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: مَتى كانَ الذِئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ؟
قَصَّ هَذا القَصَصَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ لِصِحَّةِ القَمِيصِ، واسْتَنَدَ الفُقَهاءُ إلى هَذا في إعْمالِ الأماراتِ في مَسائِلَ كالقَسامَةِ وغَيْرِها في قَوْلِ مالِكٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، قالَ الشَعْبِيُّ: كانَ في القَمِيصِ ثَلاثُ آياتٍ: دَلالَتُهُ عَلى كَذِبِهِمْ، وشَهادَتُهُ في قَدِّهِ، ورَدُّ بَصَرِ يَعْقُوبَ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهم ذَهَبُوا فَأخَذُوا ذِئْبًا فَلَطَّخُوا فاهُ بِالدَمِ وساقُوهُ وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا أكَلَ يُوسُفَ، فَدَعاهُ يَعْقُوبُ فَأقْعى وتَكَلَّمَ بِتَكْذِيبِهِمْ.
ووَصْفُ الدَمِ بِـ "كَذِبٍ" إمّا عَلى مَعْنى: بِدَمٍ ذِي كَذِبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَكْذُوبٍ عَلَيْهِ، كَما قَدْ جاءَ (المَعْقُولُ) بَدَلَ (العَقْلِ) في قَوْلِ الشاعِرِ: حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولًا فَكَذَلِكَ يَجِيءُ (التَكْذِيبُ) مَكانَ (المَكْذُوبِ).
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كَلامُ الطَبَرِيِّ، ولا شاهِدَ لَهُ فِيهِ عِنْدِي، لِأنَّ نَفْيَ (المَعْقُولِ) يَقْتَضِي نَفْيَ (العَقْلِ) ولا يَحْتاجُ إلى بَدَلٍ، وإنَّما الدَمُ الكَذِبُ عِنْدِي وصْفٌ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "بِدَمٍ كَدِبٍ" بِدالٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، ومَعْناهُ: الطَرِيُّ ونَحْوُهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ القِراءَةُ قَوِيَّةً.
ثُمَّ قالَ لَهم يَعْقُوبُ لَمّا بانَ كَذِبُهُمْ: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ أيْ: رَضِيَتْ وجَعَلَتْ سُؤْلًا ومُرادًا.
"أمْرًا" أيْ: صُنْعًا قَبِيحًا بِيُوسُفَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ رُفِعَ إمّا عَلى حَذْفِ الِابْتِداءِ وإمّا عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، إمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَشَأْنِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ.
وذُكِرَ أنَّ الأشْهَبَ، وعِيسى بْنَ عُمَرَ قَرَئا بِالنَصْبِ: "فَصَبْرًا جَمِيلًا" عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِ أنَسَ بْنِ مالِكٍ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، ولِذا يَحْسُنُ النَصْبُ في قَوْلِ الشاعِرِ: ........................
صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ويُنْشَدُ أيْضًا بِالرَفْعِ، ويُرْوى: "صَبْرٌ جَمِيلٌ" عَلى نِداءِ الجَمَلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُرى ∗∗∗ ∗∗∗ يا جَمَلِي لَيْسَ إلَيَّ المُشْتَكى صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ أثْناءَ مُخاطَبَةِ بَنِيهِ، وجَمِيلُ الصَبْرِ ألّا تَقَعَ شَكْوى إلى بَشَرٍ، وقالَ النَبِيُّ : « "مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا".» وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ تَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، والتَقْدِيرُ: عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ وجاءوا أباهم عشاء يبكون ﴾ [سورة يوسف: 16] عطف قصة على قصة.
وهذا رجوع إلى ما جرى في شأن يوسف عليه السّلام، والمعنى: وجاءت الجبّ.
و (السّيّارة) تقدم آنفاً.
والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم.
والإدلاء: إرسال الدلو في البئر لنزع الماء.
والدلو: ظرف كبير من جلد مخيط له خرطوم في أسفله يكون مطوياً على ظاهر الظرف بسبب شده بحبل مقارن للحبل المعلقة فيه الدلو.
والدلو مؤنثة.
وجملة قال يا بشراي مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ذكر إدلاء الدلو يهيّئ السامع للسؤال عمّا جرى حينئذٍ فيقع جوابه قال يا بشراي.
والبشرى: تقدمت في قوله تعالى: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ في سورة يونس (64).
ونداء البشرى مجاز، لأنّ البشرى لا تنادى، ولكنها شبّهت بالعاقل الغائب الذي احتيج إليه فينادى كأنه يقال له: هذا آن حضورك.
ومنه: يا حسرتَا، ويا عجباً، فهي مكنية وحرف النداء تخييل أو تبعية.
والمعنى: أنه فرح وابتهج بالعثور على غلام.
وقرأ الجمهور يا بشّرَايَ} بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم.
وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف بدون إضافة.
واسم الإشارة عائد إلى ذات يوسف عليه السّلام؛ خاطب الواردُ بقية السيّارة، ولم يكونوا يرون ذات يوسف عليه السّلام حين أصعده الوارد من الجب، إذ لو كانوا يرونه لما كانت فائدة لتعريفهم بأنه غلام إذ المشاهدة كافية عن الإعلام، فتعين أيضاً أنهم لم يكونوا مشاهدين شبح يوسف عليه السّلام حين ظهر من الجب، فالظاهر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام لا يقصد به الدلالة على ذات معيّنة مرئية بل يقصد به إشعار السامع بأنه قد حصَل شيءٌ فرح به غير مترقب، كما يقول الصائد لرفاقه: هذا غزال وكما يقول الغائص: هذه صدقة أو لؤلؤة ويقول الحافر للبئر: هذا الماء قال النابغة يصف الصائد وكلابه وفرسه: يقول راكبه الجنيّ مرتفقاً *** هذا لكُنّ ولحم الشاة محجور وكان الغائصون إذا وجدوا لؤلؤة يصيحون.
قال النابغة: أو درّة صدفاته غوّاصها *** بهج متى يُرها يهلّ ويسجد والمعنى: وجدت في البئر غلاماً، فهو لقطة، فيكون عبداً لمن التقطه.
وذلك سبب ابتهاجه بقوله: ﴿ يا بشراي هذا غلام ﴾ .
والغلام: مَن سنهُ بين العشر والعشرين.
وكان سنّ يوسف عليه السّلام يومئذٍ سبع عشرة سنة.
وكان هؤلاء السيارة من الإسماعيليين كما في التّوراة، أي أبناء إسماعيل بن إبراهيم.
وقيل: كانوا من أهل مدين وكان مجيئهم الجب للاستقاء منها، ولم يشعر بهم إخوة يوسف إذ كانوا قد ابتعدوا عن الجب.
ومعنى ﴿ أسَرُّوه ﴾ أخْفَوْه.
والضمير للسيارة لا محالة، أي أخْفوا يوسف عليه السّلام، أي خبر التقاطه خشية أن يكون من ولدان بعض الأحياء القريبة من الماء قد تردّى في الجب، فإذا علم أهله بخبره طلبوه وانتزعوه منهم لأنهم توسموا منه مخائل أبناء البيوت، وكان الشأن أن يعرّفوا من كان قريباً من ذلك الجب ويعلنوا كما هو الشأن في التعريف باللّقطة، ولذلك كان قوله: ﴿ وأسرّوه ﴾ مشعراً بأن يوسف عليه السّلام أخبرهم بقصته، فأعرضوا عن ذلك طمعاً في أن يبيعوه.
وذلك من فقدان الدين بينهم أو لعدم العمل بالدين.
و ﴿ بضاعةً ﴾ منصوب على الحال المقدّرة من الضمير المنصوب في ﴿ أسرّوه ﴾ ، أي جعلوه بضاعة.
والبضاعة: عروض التجارة ومتاعها، أي عزموا على بيعه.
وجملة ﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ معترضة، أي والله عليم بما يعملون من استرقاق من ليس لهم حقّ في استرقاقه، ومن كان حقّه أن يسألوا عن قومه ويبلغوه إليهم، لأنهم قد علموا خبره، أو كان من حقهم أن يسْألوه لأنه كان مستطيعاً أن يخبرهم بخبره.
وفي عثور السيارة على الجب الذي فيه يوسف عليه السّلام آية من لطف الله به.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ﴾ وهو نَفْتَعِلُ مِنَ السِّباقِ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ نَنْتَصِلُ مِنَ السِّباقِ في الرَّمْيِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: أنَّهم أرادُوا السَّبْقَ بِالسَّعْيِ عَلى أقْدامِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهم عَنَوُا اسْتِباقَهم في العَمَلِ الَّذِي تَشاغَلُوا بِهِ مِنَ الرَّعْيِ والِاحْتِطابِ.
الرّابِعُ: أيْ نَتَصَيَّدُ وأنَّهم يَسْتَبِقُونَ عَلى اقْتِناصِ الصَّيْدِ.
﴿ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعْنُوا بِتَرْكِهِ عِنْدَ مَتاعِهِمْ إظْهارَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنُوا حِفْظَ رِحالِهِمْ.
﴿ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ لَمّا سَمِعُوا أباهم يَقُولُ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ أخَذُوا ذَلِكَ مِن فِيهِ وتَحَرَّمُوا بِهِ لِأنَّهُ كانَ أظْهَرَ المَخاوِفِ عَلَيْهِ.
﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ لَنا.
﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم تَشْكِيكًا لِأبِيهِمْ في صِدْقِهِمْ وإنَّما عَنَوْا: ولَوْ كُنّا أهْلَ صِدْقٍ ما صَدَّقْتَنا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ وإنْ كُنّا قَدْ صَدَقْنا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ دَمَ سَخْلَةٍ.
وَقالَ قَتادَةُ: كانَ دَمَ ظَبْيَةٍ.
قالَ الحَسَنُ: لَمّا جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ فَلَمْ يَرَ يَعْقُوبُ فِيهِ شَقًّا قالَ: يا بَنِيَّ واللَّهِ ما عَهِدْتُ الذِّئْبَ حَلِيمًا، أيَأْكُلُ ابْنِي ويُبْقِي عَلى قَمِيصِهِ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أيْ مَكْذُوبٌ فِيهِ، ولَكِنْ وصَفَهُ بِالمَصْدَرِ فَصارَ تَقْدِيرُهُ بِدَمٍ ذِي كَذِبٍ.
وَقَرَأ الحَسَنُ بِدَمٍ كَذَّبَ بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، ومَعْناهُ بِدَمٍ مُتَغَيِّرٍ.
قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
وَفي القَمِيصِ ثَلاثُ آياتٍ: حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وحِينَ قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ، وحِينَ أُلْقِيَ عَلى وجْهِ أبِيهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا.
﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ أمَرَتْكم أنْفُسُكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بَلْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي رَدِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبِهِ لَهم ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بَعْدَ فِعْلِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ عِنْدَهُ عَلِمٌ بِذَلِكَ قَدِيمٌ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ حَدْسًا بِصائِبِ رَأْيِهِ وصِدْقِ ظَنِّهِ.
قالَ تَرْضِيَةً لِنَفْسِهِ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فاحْتَمَلَ ما أمَرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصَّبْرِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الصَّبْرُ عَلى مُقابَلَتِهِمْ عَلى فِعْلِهِمْ فَيَكُونُ هَذا الصَّبْرُ عَفْوًا عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن فَقْدِ يُوسُفَ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى أنَّ مِنَ الجَمِيلِ أنْ أصْبِرَ.
الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ نَفْسَهُ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ.
وَفي الصَّبْرِ الجَمِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا جَزَعَ فِيهِ.
قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ.
رَوى حَبّابُ بْنُ أبِي حُبْلَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فَقالَ: (صَبْرٌ لا شَكْوى فِيهِ، ومَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ)» .
﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى الصَّبْرِ الجَمِيلِ.
الثّانِي: واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.
الثّالِثُ: يَعْنِي عَلى ما تَكْذِبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ابْتَلى اللَّهُ يَعْقُوبَ في كِبَرِهِ، ويُوسُفَ في صِغَرِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَزْمُهُما.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: جاءت سيارة فنزلت على الجب فأرسلوا واردهم فاستقى من الماء فاستخرج يوسف، فاستبشروا بأنهم أصابوا غلاماً، لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا فيه فباعوه، وكان بيعه حراماً وباعوه بدراهم معدودة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ يقول: فأرسلوا رسولهم فأدلى دلوه، فتشبث الغلام بالدلو، فلما خرج قال: يا بشراي، هذا غلام تباشروا به حين استخرجوه وهي بئر بيت المقدس معلوم مكانها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق في قوله: ﴿ يا بشراي ﴾ قال: يا بشارة.
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي عبيد قال: سمعت الكسائي يحدث عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر، عن عاصم أنهما قرآ ﴿ يا بشرى ﴾ بإرسال الياء غير مضاف إليه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ يا بشرى ﴾ قال: كان اسم صاحبه بشرى.
قال: يا بشرى، كما تقول يا زيد.
وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي في قوله: ﴿ يا بشرى ﴾ قال كان اسمه بشرى.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ يعني إخوة يوسف، أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله، إخوته، واختار البيع، فباعه إخوته بثمن بخس.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ قال: أسروا بيعه.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ قال: أسره التجار بعضهم من بعض.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ قال: صاحب الدلو ومن معه، فقالوا: لأصحابهم: إنا استَبْضعناه خفية أن يستشركوكم فيه ان علموا به وأتبعهم إخوته، يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبقن، حتى وثقوه بمصر فقال: من يبتاعني ويستسر؟
فابتاعه الملك والملك مسلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ قال المفسرون (١) ﴿ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ﴾ وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم.
وقوله تعالى: ﴿ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾ قال عامة أهل اللغة (٢) قال الشاعر (٣) يَنْزِعُ من جَمّاتِها دَلْو الدَّالىِ أي ينزع النازع، والدلو معروف، والجميع الدلاء، والعدد إدل ودُلي، ويقال للدلو دلاة.
وقوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ ﴾ قال ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) قال ابن الأنباري: وقع النداء في اللفظ بالبشرى، وهو في المعنى واقع لغيرها، تأويله: يا هؤلاء تنبهوا لبشراي.
وهذا معنى قول أبي إسحاق (٨) (٩) وقرأ أهل (١٠) ﴿ يَا بُشْرَى ﴾ من غير إضافة، وهذه القراءة كالأولى في أنه نداءٌ لمن لا يجيب، إلا أن هذا نداءٌ غير مضاف فيكون رفعًا، قال السدي (١١) وروي عن الأعمش (١٢) قال أبو علي (١٣) ﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ﴾ ، فالوجه الأول على أنه بشرى مختصة، والآخر أن ينزله من جملة كلها مثلها في الشياع، إلا أن التنوين لم يلحق بشرى لأنه لا ينصرف.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ ، قال مجاهد (١٤) (١٥) (١٦) قال إسحاق بن بشر (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ بِضَاعَةً ﴾ البضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة، من: بضعت الشيء، إذا قطعته، قال الزجاج (١٩) (٢٠) قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ قال ابن عباس (٢١) (٢٢) قال أهل المعاني: هذه الآية بيان عما يوجبه حسن تدبير الله تعالى من التسبيب لنجاة من يشاء نجاته.
(١) الثعلبي 7/ 67 ب.
(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 1213 مع تقديم وتأخير، (دلا).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) "زاد المسير" 4/ 194.
(٥) عبد الرزاق 2/ 302، والطبري 12/ 167، وابن أبي حاتم 7/ 2113 ب، وابن المنذر كما في "الرد" 4/ 17، القرطبي 9/ 153.
(٦) الطبري 12/ 167، والقرطبي 9/ 153.
(٧) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 260.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 97.
(٩) "الحجة" 4/ 412.
(١٠) "السبعة" ص 346، و"النشر" 3/ 124، و"إبراز المعاني" ص 533، و"إتحاف" ص 263.
(١١) الطبري 12/ 167 - 168، وابن أبي حاتم 7/ 2113أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 17، و"زاد المسير" 4/ 194، والقرطبي 9/ 153.
(١٢) الرازي 18/ 106، و"زاد المسير" 4/ 194.
(١٣) "الحجة" 4/ 411.
(١٤) الطبري 12/ 168، وابن أبي حاتم 7/ 2114أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، و"زاد المسير" 4/ 195، والثعلبى 7/ 68 أ، والبغوي 4/ 224.
(١٥) الطبري 12/ 169، وابن أبي حاتم 7/ 2114 أ.
(١٦) الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، البغوي 4/ 224، و"زاد المسير" 4/ 195، الرازي 18/ 106.
(١٧) هو: إسحاق بن بشر أبو حذيفة البخاري، له كتاب المبتدأ، تركوه وكذبه ابن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك.
توفي سنة 206 هـ.
انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 184، و"الأعلام" 1/ 294، و"معجم المؤلفين" 1/ 340.
وانظر: الرازي 18/ 107.
(١٨) الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، "زاد المسير" 4/ 195، ابن عطية 7/ 463.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.
(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢١) "تنوير المقباس" ص 147.
(٢٢) في (ج): (يوسف).
من غير باء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ أي: نجري على أقدامنا لننظر أينا يسبق ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ أي بمصدّق لمقالتنا ﴿ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ أي لا تصدّقنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا، وقيل: معناه لا تصدقنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم، والأول أظهر ﴿ وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي: ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة، وروي أنهم لطخو قمصه بدم جَدْي، وقالوا ليعقوب: هذا دمه في قميصه فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يخرق قميصه، فاستدل بذلك على كذبهم ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ أي زينت ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه مبتدأ تقديره: صبر جميل أمثل، أو خبر مبتدأ تقديره: شأني صبر جميل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ﴾ : [غيابة الجب] قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ : وحي نبوة، أو وحي بشارة النجاة من ذلك الجب، أو بشارة الملك له والعز.
ثم قوله: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .
قال بعضهم: هو قول يوسف حيث قال لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ...
﴾ الآية [يوسف: 89] ﴿ قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي ﴾ هذا الذي نبأهم يوسف وهم لا يشعرون بذلك.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى يعقوب ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ هو ما قال لهم: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ...
﴾ الآية [يوسف: 87] أمرهم أن يطلبوه ويتحسسوا من أمره؛ كأنه علم أنه حي؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أنه حي؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ ولهذا قال حين ألقى الثوب على وجهه فارتد بصيراً: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وذلك تأويل قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ إن كانت الآية في يعقوب، وإن كانت في يوسف فهو ما ذكرنا، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ﴾ الآية.
في الآية دلائل: أحدها: أن من ارتكب صغيرة فإنه يخاف عليه التعذيب، ولا يصير كافراً، ومن ارتكب كبيرة لم يخرج من الإيمان؛ لأن إخوة يوسف همّوا بقتل يوسف، أو طرحه في الجب، والتغييب عن وجه أبيه، وإخلائه عنه، وذلك لا يخلو منهم: إما أن تكون صغيرة أو كبيرة: فإن كانت صغيرة فقد استغفروا عليها بقولهم: ﴿ قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ...
﴾ الآية [يوسف: 97]؛ دل أنهم إنما استغفروا لما خافوا العذاب عليها.
وإن كانت كبيرة فلم يخرجوا من الإيمان؛ حيث صاروا أنبياء من بعد وصاروا قوماً صالحين؛ حيث قالوا: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ﴾ .
دل ما ذكرنا على نقض قول المعتزلة في صاحب الصغيرة أن لا تعذيب عليه، وصاحب الكبيرة أنه خرج من الإيمان، ونقض قول الخوارج في قولهم: إنه إذا ارتكب كبيرة أو صغيرة صار به كافراً مشركاً.
وفيه نقض قول من يقول: إن من كذب متعمداً أو وعد فأخلف أو اؤتمن فخان يصير منافقاً؛ لأن إخوة يوسف أؤتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، وحدثوا فكذبوا، فلم يصيروا منافقين؛ لأنهم قالوا: أكله الذئب، [ولم يأكله]، وهو كذب، واؤتمنوا، فخانوا حين ألقوه في الجبّ، ووعدوا أنهم يحفظونه، ولم يحفظوه.
فإن قيل: روي عن رسول الله أنه قال: "ثلاث من علامات النفاق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن [خان، وإذا وعد أخلف]" فكيف يوفق بين الآية والخبر؟!
إذ هو لا يحتمل النسخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يحتمل النسخ.
قيل: يشبه أن يكون هذا في قوم خاص من الكفرة اؤتمنوا بما أودع في التوراة من نعت محمد، فغيروه، ووعدوا أن يبينوه، فأخلفوا وكتموه، وحدثوا أنهم بينوه، فكذبوا، أو يصير منافقاً بما ذكر، إذا كان ذلك في أمر الدين، وأما في غيره: فإنه لا يصير به منافقاً، ولا يكون ذلك من أعلام المنافق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ .
هذا القول منهم له في الظاهر عظيم؛ لأنهم قالوا: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ، ولا يحتمل أن يكونوا عنده صدقة ثم يكذبهم، يكون نبي من الأنبياء يعلم صدق إنسان ثم لا يصدقه؛ هذا بعيد، لكن يحتمل قولهم: وما أنت بمؤمن لنا في هذا ولو كنا صادقين عندك من قبل في غير هذا.
أو يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا ولا تصدقنا؛ لأنه اتهمهم؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ فاعترضت له التهمة، وليس في الاتهام تكذيب؛ إنما فيه الوقف؛ لأن من ائتمن آخر في شيء ثم اتهمه فيه، لا يكون في اتهامه إياه تكذيبه؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا لما سبقت من التهمة ولو كنا صادقين.
على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، وإلا لم يجز أن يكون نبي من الأنبياء يكذب من يعلم أنه صادق في خبره وقوله.
فإن قيل في قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ : كيف خاف ذلك وقد قال له يعقوب: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ...
﴾ الآية [يوسف: 6]؛ أنبأه أنه يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم [عليه نعمته]، فكيف خاف عليه أكل الذئب والضياع، وذلك لا يحتمل أن يقول له إلا بعلم من الله والوحي إليه؟
قيل: يحتمل أن يكون ما ذكر على شرط الخوف أنه يخاف مما ذكر فيكون له ما قال من الاجتباء، وتعليم الأحاديث، وإتمام النعمة عليه.
أو خاف ذلك على ما خافوا جميعاً على ما هم عليه من الدين وإن عصموا عما خافوا جميعاً؛ حيث قال إبراهيم: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ، ومعلوم أن إبراهيم لا يعبد الأصنام، وقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ وأمثاله، وهو ما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تزيل الخوف، ولا تؤمن عن ارتكاب مضاداته؛ بل يزيد الخوف على ذلك الأخيار والأبرار؛ كان خوفهم وإشفاقهم على دينهم أكثر من غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ .
قال بعضهم: أي: نشتد إلى الصيد.
وقال أبو عوسجة: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ هذا من السباق؛ أي: يعدون حتى ينظروا أيّهم يسبق؛ أي: يتقدم من صاحبه ويغلبه في العدو.
وقال القتبي: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ ، أي: ننتضل، يسابق بعضنا بعضا في الرمي؛ يقال: سابقته فسبقته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ .
الدم لا يكون كذباً، لكنه - والله أعلم - جاءوا على قميصه بدم قد كذبوا فيه أنه دم يوسف وأن الذئب أكله، ولم يكن.
وقال الفراء: ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ : بدم مكذوب، والعرب قد تستعمل المصدر في موضع المفعول.
ثم قال: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ .
أي: زينت لكم أنفسكم.
والتسويل: هو التزيين في اللغة؛ وتأويله - والله أعلم - أي: زينت لكم أنفسكم ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون به بيني وبين ابني.
لكنا لا نعلم ما ذلك الأمر الذي زينت أنفسهم لهم، ويشبه أن يكون ذلك قوله: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: صبر لا جزع فيه، جميل نرضي بما ابتلينا به؛ لأن الصبر هو كف النفس عن الجزع.
والثاني: صبر جميل: كف النفس عن الجزع، وجميل: لا مكافأة فيه؛ لأنهم بما فعلوا بيوسف كانوا مستوجبين للمكافأة.
فقال: ﴿ فَصَبْرٌ ﴾ كف النفس عن الجزع بذلك، وجميل لا مكافأة فيه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ...
﴾ الآية؛ أي: وبالله أستعين على الصبر بما تصفون.
أو يقول: إني به أستعين على ما تقولون من الكذب حين تزعمون أن الذئب أكله ونحوه.
<div class="verse-tafsir"
وجاءت قافلة مارّة، فبعثوا من يستقي لهم الماء، فأرسل دَلْوَه في البئر، فتعلّق يوسف بالحبل، فلما أبصره مرسلها قال مسرورًا: يا بشراي هذا غلام، وأخفاه واردهم وبعض أصحابه عن بقية القافلة زاعمين أنَّه بضاعة استبضعوها، والله عليم بما يفعلونه بيوسف من الابتذال والبيع، لا يخفى عليه من عملهم شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.2xEmJ"