الآية ١٨ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٨ من سورة يوسف

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وجاءوا على قميصه بدم كذب ) أي : مكذوب مفترى .

وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة ، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة - فيما ذكره مجاهد ، والسدي ، وغير واحد - فذبحوها ، ولطخوا ثوب يوسف بدمها ، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب ، وقد أصابه من دمه ، ولكنهم نسوا أن يخرقوه ، فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب ، بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه : ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ) أي : فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه ، حتى يفرجه الله بعونه ولطفه ، ( والله المستعان على ما تصفون ) أي : على ما تذكرون من الكذب والمحال .

وقال الثوري ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وجاءوا على قميصه بدم كذب ) قال : لو أكله السبع لخرق القميص .

وكذا قال الشعبي ، والحسن ، وقتادة ، وغير واحد .

وقال مجاهد : الصبر الجميل : الذي لا جزع فيه .

وروى هشيم ، عن عبد الرحمن بن يحيى ، عن حبان بن أبي جبلة قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله : ( فصبر جميل ) فقال : " صبر لا شكوى فيه " وهذا مرسل .

وقال عبد الرزاق : قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال : ثلاث من الصبر : ألا تحدث بوجعك ، ولا بمصيبتك ، ولا تزكي نفسك .

وذكر البخاري هاهنا حديث عائشة ، رضي الله عنها ، في الإفك حتى ذكر قولها : والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف ، ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) ، وسماه الله " كذبًا " لأن الذين جاؤوا بالقميص وهو فيه، كذَبوا ، فقالوا ليعقوب: " هو دم يوسف " ، ولم يكن دمه، وإنما كان دم سَخْلةٍ، (10) فيما قيل .

*ذكر من قال ذلك: 18843- حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، في قوله: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) قال: دم سخلة.

(11) 18844- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) قال: دم سخلة، شاة.

18845- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (بدم كذب) قال: دم سخلة ، يعني: شاة .

18846- حدثني المثنى ، قال: حدثنا أبو حذيفة ، قال: حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله: (بدم كذب) قال: دم سخلةٍ، شاة.

18847- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله: (بدم كذب) قال: كان ذلك الدم كذبًا ، لم يكن دمَ يوسف.

18848- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: (بدم كذب) قال: دم سخلة، شاة.

18849- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله: (بدم كذب) قال: بدم سخلة.

18850- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، قال: ذبحوا جديًا من الغنم ، ثم لطَّخوا القميص بدمه ، ثم أقبلوا إلى أبيهم ، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئبُ لرحيما!

كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟

يا بني، يا يوسف ما فعل بك بنو الإماء!

18851- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) قال: لو أكله السبع لخرق القميص.

18852- حدثنا الحسن بن محمد ، قال، حدثنا أبو خالد ، قال، حدثنا سفيان بإسناده عن ابن عباس، مثله ، إلا أنه قال: لو أكله الذئب لخرَّق القميص.

18853- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) ، قال: لو كان الذئب أكله لخرَّقه.

18854- حدثني عبيد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان بن عمرو قال، حدثنا قرة ، عن الحسن ، قال: جيء بقميص يوسف إلى يعقوب ، فجعل ينظر إليه فيرى أثر الدم، ولا يرى فيه خَرْقًا ، قال: يا بني ما كنت أعهدُ الذئب حليمًا؟

18855- حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري ، قال، حدثنا أبو عامر العقدي ، عن قرة ، قال: سمعت الحسن يقول: لما جاؤوا بقميص يوسف ، فلم ير يعقوب شقًّا ، قال: يا بني ، والله ما عهدت الذئب حليمًا؟

(12) 18856- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عمران بن مسلم ، عن الحسن ، قال: لما جاء إخوة يوسف بقميصه إلى أبيهم ، قال: جعل يقلبه فيقول: ما عهدت الذئب حليمًا؟

أكل ابني، وأبقى على قميصه !

18857- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) قال: لما أتوا نبيَّ الله يعقوب بقميصه ، قال: ما أرى أثرَ سبع ولا طعْنٍ، ولا خرْق.

18858- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (بدم كذب) الدم الكذب ، لم يكن دم يوسف.

18859- حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين ، قال: حدثنا هشيم ، قال: أخبرنا مجالد ، عن الشعبي قال: ذبحوا جديًا ولطخوه من دمه.

فلما نظر يعقوب إلى القميص صحيحًا ، عرف أن القوم كذبوه.

فقال لهم: إن كان هذا الذئب لحليمًا ، حيث رَحم القميص ولم يرحم ابني !

فعرف أنهم قد كذبوه.

18860- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة ، عن سيفان ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) قال: لما أتي يعقوب بقميص يوسف ، فلم ير فيه خرقًا ، قال: كذبتم ، لو أكله السبع لخرق قميصه !

18861- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الأزرق ، ويعلى ، عن زكريا ، عن سماك ، عن عامر قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات :حين جاؤوا على قميصه بدم كذب .

قال: وقال يعقوب: لو أكله الذئب لخرقَ قميصه.

18862- حدثنا الحسن بن محمد ، قال: حدثنا محمد قال، حدثنا زكريا ، عن سماك ، عن عامر قال: إنه كان يقول: في قميص يوسف ثلاث آيات: حين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرًا ، وحين قُدَّ منْ دُبُر ، وحين جاؤوا على قميصه بدم كذب.

18863- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عامر قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات: الشقُّ ، والدم ، وألقاه على وجه أبيه فارتدَّ بصيرًا.

18864- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا قرة ، عن الحسن ، قال: لما جيء بقميص يوسف إلى يعقوب ، فرأى الدم ولم ير الشق قال: ما عهدت الذئب حليمًا؟

18865-.....

قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا قرة ، عن الحسن ، بمثله .

* * * * فإن قال قائل: كيف قيل: (بدم كذب) وقد علمت أنه كان دمًا لا شك فيه ، وإن لم يكن كان دم يوسف؟

قيل: في ذلك من القول وجهان: أحدهما: أن يكون قيل (بدم كذب) لأنه كُذِب فيه كما يقال ": الليلة الهلالُ" ، وكما قيل: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ [ سورة البقرة 16 ].

وذلك قولٌ كان بعض نحويي البصرة يقوله.

والوجه الآخر: وهو أن يقال: هو مصدر بمعنى " مفعول ".

وتأويله: وجاؤوا على قميصه بدم مكذوب ، كما يقال: " ما له عقل ولا معقول " ، و " لا له جَلَد ولا له مجْلود " .

والعرب تفعل ذلك كثيرًا ، تضع " مفعولا " في موضع المصدر ، والمصدر في موضع مفعول ، كما قال الراعي: حَــتَّى إذَا لــم يَــتْرُكُوا لِعِظَامِـهِ لَحْمًـــا وَلا لِفـــؤادِهِ مَعْقــول (13) وذلك كان يقوله بعض نحويي الكوفة .

(14) * * * وقوله: (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا) يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه الذين أخبروه أن الذئب أكل يوسف مكذبا لهم في خبرهم ذلك: ما الأمر كما تقولون، ( بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا) يقول: بل زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا في يوسف وحسنته، ففعلتموه كما:- 18866- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: قال (بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا) ، قال: يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمرًا.

* * * وقوله: (فصبر جميل) يقول: فصبري على ما فعلتم بي في أمر يوسف صبرٌ جميل ، أو فهو صبر جميل.

* * * وقوله (والله المستعان على ما تصفون) يقول: واللهَ أستعين على كفايتي شرّ ما تصفون من الكذب (15) .

* * * وقيل " : إن الصبر الجميل "، هو الصبر الذي لا جزع فيه.

*ذكر من قال ذلك: 18867- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (فصبر جميل) قال: ليس فيه جزع.

18868- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

18869- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة ، قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

18870- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم ، قال: حدثنا سفيان ، عن مجاهد: (فصبر جميل) في غير جزع.

18871- ....

قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

18872- .....

قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن عبد الرحمن بن يحيى ، عن حبان بن أبي جبلة ، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: (فصبر جميل) قال: صبر لا شكوى فيه.

قال: من بثّ فلم يصبر.

(16) 18873- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن حبان بن أبي جبلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: (فصبر جميل) قال: صبر لا شكوى فيه.

(17) 18874-...

قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: (فصبر جميل) : ليس فيه جزع.

18875- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

18876- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد في قوله: (فصبر جميل) : قال: في غير جزع.

18877- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

18878- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن بعض أصحابه قال: يقال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدِّث بوجعك ، ولا بمصيبتك ، ولا تزكّي نفسك ، قال أخبرنا الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت: أن يعقوب النبيّ صلى الله عليه وسلم كان قد سقط حاجبَاه ، فكان يرفعهما بخرقةٍ ، فقيل له: ما هذا؟

قال: طول الزمان ، وكثرة الأحزان!

فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: يا يعقوب، أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة أخطأتها ، فاغفرها لي.

* * * وقوله: (والله المستعان على ما تصفون) .

(18) 18879- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (والله المستعان على ما تصفون ) أي على ما تكذبون.

* * * ---------------------- الهوامش: (10) " السخلة" .

ولد الشاة من المعز والضأن ، ذكرًا كان أو أنثى .

(11) الأثر : 18843 -" أحمد بن عبد الصمد بن علي بن عيسى الأنصاري الزرقي" ،" أبو أيوب" ، شيخ الطبري ، مشهور لا بأس به .

مترجم في تاريخ بغداد 4 : 270 ، ولسان الميزان 1 : 214 ، وروى عنه الطبري في تاريخه 5 : 22 ، في موضع واحد .

وانظر ما سيأتي رقم : 18855 .

(12) الأثر 18855 -" أحمد بن عبد الصمد الأنصاري" ، انظر ما سلف رقم : 18843 .

(13) جمهرة أشعار العرب : 175 ، وغيرها ، من ملحمته المشهورة ، قالها لعبد الملك بن مروان ، وكان بعض عماله على الصدقات ، قد أوقع ببني نمير قوم الراعي ، لأن قيسًا كانت زبيرية الهوى ، فقال : أَخَلِيفَــةَ الرَّحْــمَنِ إنَّــا مَعْشَــرٌ حُنَفَــاءُ نَسْــجُدُ بُكْــرَةً وأصِيـلاَ عَــرَبٌ , نَـرَى لِلـهِ فـي أمْوالِنـا حَــقَّ الزَّكــاةِ مُــنَزَّلاً تــنزيلاَ إنَّ السُّــعاةَ عَصَـوْكَ يَـوْمَ أمْـرَتَهُمْ وأتَـوْا دَواهِـيَ , لـو عَلِمْتَ , وغُولا ثم يقول له : أخَـذُوا العَـرِيفَ فَقَطَّعُـوا حَيْزُومَـهُ بِالأصْبَحِيَّـــةِ قائمًـــا مَغْلُــولاً حَــتَّى إذَا لَـمْ يَـتْرُكُوا ...........

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

جَـاءوا بِصَكِّـهِمُ , وَأَحْـدَبَ أَسْـأَرَتْ مِنْــهُ السِّــياطُ يَرَاعَــةً إجْـفِيلا وهي من جيد الشعر .

(14) هو الفراء في معاني القرآن ، في تفسير هذه الآية .

(15) انظر تفسير" الوصف" فيما سلف 12 : 10 ، 11 ، 152 .

(16) الأثر : 18872 -" حبان بن أبي جبلة المصري" ، أحد العشرة الذين بعثهم عمر ، ليفقهوا أهل مصر ، مضى برقم : 2195 ، 10180 .

أما" عبد الرحمن بن يحيى" ، فلم أعرف من يكون ، وقد سلف في مثل هذا الإسناد برقم : 10180 ، وظن أخي هناك أنه قد يكون" عبد الرحمن بن زياد بن أنعم" ، ولكن قد اتفق أن يكون في الموضعين ، يكون في الموضعين ، على تباعدهما" عبد الرحمن بن يحيى" ، فهذا مبعد له عن التصحيف والتحريف ، إلا أن يكون هذا أحد الرواة عن حبان ، لم نعرفه .

وعسى أن يأتي في التفسير بعد ما يوضحه .

ثم انظر أيضًا الإسناد الذي يليه .

(17) الأثر : 18873 -" عبد الرحمن بن يحيى" ، انظر التعليق السابق .

(18) انظر تفسير" الوصف" فيما سلف ص : 584 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وجاءوا على قميصه بدم كذب [ ص: 132 ] فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى بدم كذب قال مجاهد : كان دم سخلة أو جدي ذبحوه .

وقال قتادة : كان دم ظبية ; أي جاءوا على قميصه بدم مكذوب فيه ، فوصف الدم بالمصدر ، فصار تقديره : بدم ذي كذب ; مثل : واسأل القرية والفاعل والمفعول قد يسميان بالمصدر ; يقال : هذا ضرب الأمير ، أي مضروبه وماء سكب أي مسكوب ، وماء غور أي غائر ، ورجل عدل أي عادل .

وقرأ الحسن وعائشة : " بدم كدب " بالدال غير المعجمة ، أي بدم طري ; يقال للدم الطري الكدب .

وحكي أنه المتغير ; قاله الشعبي .

والكدب أيضا البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث ; فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اختلاف اللونين .الثانية : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها ، وهي سلامة القميص من التنييب ; إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من التخريق ; ولما تأمل يعقوب - عليه السلام - القميص فلم يجد فيه خرقا ولا أثرا استدل بذلك على كذبهم ، وقال لهم : متى كان هذا الذئب حكيما يأكل يوسف ولا يخرق القميص !

قاله ابن عباس وغيره ; روى إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان الدم دم سخلة .

وروى سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نظر إليه قال كذبتم ; لو كان الذئب أكله لخرق القميص .

وحكى الماوردي أن في القميص ثلاث آيات : حين جاءوا عليه بدم كذب ، وحين قد قميصه من دبر ، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا .قلت : وهذا مردود ; فإن القميص الذي جاءوا عليه بالدم غير القميص الذي قد ، وغير القميص الذي أتاه البشير به .

وقد قيل : إن القميص الذي قد هو الذي أتي به فارتد بصيرا ، على ما يأتي بيانه آخر السورة إن شاء الله تعالى .

وروي أنهم قالوا له : بل اللصوص قتلوه ; فاختلف قولهم فاتهمهم ، فقال لهم يعقوب : تزعمون أن الذئب أكله ، ولو أكله لشق قميصه قبل أن يفضي إلى جلده ، وما أرى بالقميص من شق ; وتزعمون أن اللصوص قتلوه ، ولو قتلوه [ ص: 133 ] لأخذوا قميصه ; هل يريدون إلا ثيابه ؟

!

فقالوا عند ذلك : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين عن الحسن وغيره ; أي لو كنا موصوفين بالصدق لاتهمتنا .الثالثة : استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب - عليه السلام - استدل على كذبهم بصحة القميص ; وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت ، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح ، وهي قوة التهمة ; ولا خلاف بالحكم بها ، قاله ابن العربي .قوله تعالى : قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميلفيه ثلاث مسائل :الأولى : روي أن يعقوب لما قالوا له : فأكله الذئب قال لهم : ألم يترك الذئب له عضوا فتأتوني به أستأنس به ؟

!

ألم يترك لي ثوبا أشم فيه رائحته ؟

قالوا : بلى !

هذا قميصه ملطوخ بدمه ; فذلك قوله تعالى : وجاءوا على قميصه بدم كذب فبكى يعقوب عند ذلك وقال ، لبنيه : أروني قميصه ، فأروه فشمه وقبله ، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقا ولا تمزيقا ، فقال : والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت كاليوم ذئبا أحكم منه ; أكل ابني واختلسه من قميصه ولم يمزقه عليه ; وعلم أن الأمر ليس كما قالوا ، وأن الذئب لم يأكله ، فأعرض عنهم كالمغضب باكيا حزينا وقال : يا معشر ولدي !

دلوني على ولدي ; فإن كان حيا رددته إلي ، وإن كان ميتا كفنته ودفنته ، فقيل قالوا حينئذ : ألم تروا إلى أبينا كيف يكذبنا في مقالتنا !

تعالوا نخرجه من الجب ونقطعه عضوا عضوا ، ونأت أبانا بأحد أعضائه فيصدقنا في مقالتنا ويقطع يأسه ; فقال يهوذا : والله لئن فعلتم لأكونن لكم عدوا ما بقيت ، ولأخبرن أباكم بسوء صنيعكم ; قالوا : فإذا منعتنا من هذا فتعالوا نصطد له ذئبا ، قال : فاصطادوا ذئبا ولطخوه بالدم ، وأوثقوه بالحبال ، ثم جاءوا به يعقوب وقالوا : يا أبانا !

إن هذا الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها ، ولعله الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه ، وهذا دمه عليه ، فقال يعقوب : أطلقوه ; فأطلقوه ، وتبصبص له الذئب ; فأقبل يدنو منه ويعقوب يقول له : ادن ادن ; حتى ألصق خده بخده فقال له يعقوب : أيها الذئب !

لم فجعتني بولدي وأورثتني حزنا طويلا ؟

!

ثم قال اللهم أنطقه ، فأنطقه الله تعالى فقال : والذي اصطفاك نبيا ما أكلت لحمه ، ولا مزقت جلده ، ولا نتفت شعرة من شعراته ، ووالله !

ما لي بولدك عهد ، وإنما أنا ذئب غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخ لي فقد ، فلا أدري أحي هو أم ميت ، فاصطادني أولادك وأوثقوني ، وإن لحوم الأنبياء حرمت علينا وعلى جميع الوحوش ، وتالله لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش ; فأطلقه [ ص: 134 ] يعقوب وقال : والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم ; هذا ذئب بهيم خرج يتبع ذمام أخيه ، وأنتم ضيعتم أخاكم ، وقد علمت أن الذئب بريء مما جئتم به .بل سولت أي زينت لكم .

لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون وتذكرون .ثم قال توطئة لنفسه : فصبر جميل وهي :الثانية : قال الزجاج : أي فشأني والذي اعتقده صبر جميل .

وقال قطرب : أي فصبري صبر جميل .

وقيل : أي فصبر جميل أولى بي ; فهو مبتدأ وخبره محذوف .

ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الصبر الجميل فقال : هو الذي لا شكوى معه .

وسيأتي له مزيد بيان آخر السورة إن شاء الله .

قال أبو حاتم : قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف " فصبرا جميلا " قال : وكذا قرأ الأشهب العقيلي ; قال وكذا .

في مصحف أنس وأبي صالح .

قال المبرد : فصبر جميل بالرفع أولى من النصب ; لأن المعنى : قال رب عندي صبر جميل ; قال : وإنما النصب على المصدر ، أي فلأصبرن صبرا جميلا ; قال :شكا إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلىوالصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى .

وقيل : المعنى لا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين ، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم ; وفي هذا ما يدل على أنه عفا عن مؤاخذتهم .

وعن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب كان قد سقط حاجباه على عينيه ; فكان يرفعهما بخرقة ; فقيل له : ما هذا ؟

قال : طول الزمان وكثرة الأحزان ; فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب ؟

!

قال : يا رب !

خطيئة أخطأتها فاغفر لي .والله المستعان ابتداء وخبر .

على ما تصفون أي على احتمال ما تصفون من الكذب .الثالثة : قال ابن أبي رفاعة : ينبغي لأهل الرأي أن يتهموا رأيهم عند ظن يعقوب - صلى الله عليه وسلم - وهو نبي ; حين قال له بنوه : إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب قال : بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل فأصاب هنا ، ثم قالوا له : إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين قال : بل سولت لكم أنفسكم أمرا فلم يصب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولكن عدم تصديقك إيانا، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكل هذا، تأكيد لعذرهم.

{ وَ } مما أكدوا به قولهم، أنهم { جَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و { قَالَ } { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه، لأنه رأى من القرائن والأحوال [ ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ] ما دلّه على ما قال.

{ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } أي: أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا سالما من السخط والتَّشكِّي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل، لأن النبي إذا وعد وفى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجاءوا على قميصه بدم كذب ) أي : بدم هو كذب ، لأنه لم يكن دم يوسف .

وقيل : بدم مكذوب فيه ، فوضع المصدر موضع الاسم .

وفي القصة : أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه ، فقال يعقوب عليه السلام : كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه ؟

فاتهمهم .

( قال بل سولت ) زينت ( لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ) معناه : فأمري صبر جميل أو فعلي صبر جميل .

وقيل : فصبر جميل أختاره .

والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع .

( والله المستعان على ما تصفون ) أي : أستعين بالله على الصبر ، على ما تكذبون .

وفي القصة : أنهم جاءوا بذئب ، وقالوا : هذا الذي أكله فقال له يعقوب : يا ذئب ، أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي ؟

فأنطقه الله عز وجل ، فقال : تالله ما رأيت وجه ابنك قط .

قال : كيف وقعت بأرض كنعان ؟

.

قال : جئت لصلة قرابة [ فصادني هؤلاء ] فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجاءُوا على قميصه» محله نصب على الظرفية أي فوقه «بدم كذب» أي ذي كذب بأن ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها وذهلوا عن شقه وقالوا إنه دمه «قال» يعقوب لما رآه صحيحا وعلم كذبهم «بل سوَّلت» زينت «لكم أنفسكم أمرا» ففعلتموه به «فصبر جميل» لا جزع فيه، وهو خبر مبتدأ محذوف أي أمري «والله المستعان» المطلوب منه العون «على ما تصفون» تذكرون من أمر يوسف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجاؤوا بقميصه ملطخًا بدم غير دم يوسف؛ ليشهد على صدقهم، فكان دليلا على كذبهم؛ لأن القميص لم يُمَزَّقْ.

فقال لهم أبوهم يعقوب عليه السلام: ما الأمر كما تقولون، بل زيَّنت لكم أنفسكم الأمَّارة بالسوء أمرًا قبيحًا في يوسف، فرأيتموه حسنًا وفعلتموه، فصبري صبر جميل لا شكوى معه لأحد من الخلق، وأستعين بالله على احتمال ما تصفون من الكذب، لا على حولي وقوتي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكى وبهذا القول ، بل أضافوا إلى ذلك تمويها آخر حكاه القرآن فى قوله : ( وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ .

.

.

) أى : بدم ذى كذب ، فهو مصدر بتقدير مضافه ، أو وصف الدم بالمصدر مبالغة ، حتى لكأنه الكذب بعينه ، والمصدر هنا بمعنى المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، أى : بدم مكذوب .والمعنى : وبعد أن ألفوا بيوسف فى الجب ، واحتفظوا بقميصه معهم ، ووضعوا على هذا القميص دما مصطنعا ليس من جسم يوسف ، وإنما من جمس شئ آخر قد يكون ظبيا وقد يكون خلافه .وقال - سبحانه - ( على قَمِيصِهِ ) للإِشعار بأنه دم موضوع على ظاهر القميص وضعا متكلفا مصطنعا ، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه ، لظهر التمزق والتخريق فى القميص ، ولتغلغل الدم فى قطعة منه .ولقد أدرك يعقوب - عليه السلام - من قسمات وجوههم ، ومن دلائل حالهم ، ومن نداء قلبه المفجوع أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأن هؤلاء المتباكين هم الذين دبروا له مكيدة ما ، وأنهم قد اصطنعوا هذه الحيلة المكشوفة مخادعة له ، ولذا جابههم بقوله : ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً .

.

.

) .والتسويل : التسهيل والتزيين .

يقال : سولت لفلان نفسه هذا الفعل أى زينته وحسنته له ، وصورته له فى صورة الشئ الحسن مع أنه قبيح .أى : قال يعقوب لأبنائه بأسى ولوعة بعد أن فعلوا ما عفلوا وقالوا ما قالوا : قال لهم ليس الأمر كما زعمتم من أن يوسف قد أكله الذئب ، وإنما الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هى التى زينت لكم أن تفعلوا معه فعلا سيئا قبيحا ، ستكشف الأيام عنه بإذن ربى ومشيئته .ونكر الأمر فى قوله : ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ) لاحتماله عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف ، كالقتل ، أو التغريب ، أو البيع فى الأسواق لأنه لم يكن يعلم على سبيل اليقين ما فعلوه به .وفى هذا التنكير والإِبهام - أيضا - ما فيه من تهويل والتشنيع لما اقترفوه فى حق أخيهم .وقوله ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) أى : فصبرى صبر جميل ، وهو الذى لا شكوى فيه لأحد سوى الله - تعالى - ولا رجاء معه إلا منه - سبحانه - .ثم أضاف إلى ذلك وقوله : ( والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ) أى : والله - تعالى - هو الذى أستعين به على احتمال ما تصفون من أن ابنىيوسف قد أكله الذئب .أو المعنى : والله - تعالى - وحده هو المطلوب عونه على إظهار حقيقة ما تصفون ، وإثبات كونه كذبا ، وأن يوسف مازال حيا ، وأنه - سبحانه - سيجمعنى به فى الوقت الذى يشاؤه .قال الآلوسى : " أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن قتادة : أن إخوة يوسف - بعد أن ألقوا به فى الجب - أخذوا ظبيا فذبحوه ، ولطخوا بدمه قميصه ، ولما جاءوا به إلى أبيهم جعل يقلبه ويقول : تا الله ما رأيت كاليوم ئبا أحلم من هذا الذئب!!

أكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه .

.

" .وقال القرطبى : " استدل الفقهاء بهذه الآية فى إعمال الأمارات فى مسائل الفقه كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب - عليه السلام - قد استدل على كذب أبنائه بصحة القميص ، وهكذا يجب على الحاكم أن يلحظ الأمارات والعلامات .

.

.

" .وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : " وفى الآية من الفوائد : أن الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود وبمن يراعيه .

.

.

وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة ، لم يصدق ، وأن من طلب مراده بمعصية الله - تعالى - فصحه الله - عز وجل - ، وأن القدر كائن ، وأن الحذر لا ينجى منه .

.

.

" .وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ ، وتصويرها المؤثر ، ما تآمر به إخوة يوسف عليه ، وما اقترحوه لتنفيذ مكرهم ، وما قاله لهم أوسطهم عقلا ورأيا ، وما تحايلوا به على أبيهم لكى يصلوا إلى مآربهم ، وما رد به عليهم أبوهم ، وما قالوه له بعد أن نفذوا جريمتهم فى أخيهم .

بأن ألقوا به فى الجب .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنهم لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء باكين ورواه ابن جني عشا بضم العين والقصر وقال: عشوا من البكاء فعند ذلك فزع يعقوب وقال: هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا: لا قال: فما فعل يوسف؟

قالوا: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب ﴾ فبكى وصاح وقال: أين القميص؟

فطرحه على وجهه حتى تخضب وجهه من دم القميص، وروي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية ما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق، واختلفوا في معنى الاستباق قال الزجاج: يسابق بعضهم بعضاً في الرمي، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» يعني بالنصل الرمي، وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهماً وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال: استبقا وتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهماً ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبدالله ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا ﴾ .

والقول الثاني: في تفسير الاستباق ما قاله السدي ومقاتل: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدواً.

فإن قيل: كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون وهذا من فعل الصبيان؟

قلنا: الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو ولأنه كالآلة لهم في محاربة العدو ومدافعة الذئب إذا اختلس الشاة وقوله: ﴿ فَأَكَلَهُ الذئب ﴾ قيل أكل الذئب يوسف وقيل عرَّضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع، والوجه هو الأول.

ثم قالوا: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ليس المعنى أن يعقوب عليه السلام لا يصدق من يعلم أنه صادق، بل المعنى لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف لشدة محبتك إياه ولظننت أنا قد كذبنا والحاصل أنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدقنا لأنك تتهمنا.

وقيل: المعنى: إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان في أصل اللغة عبارة عن التصديق، لأن المراد من قوله: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ أي بمصدق، وإذا ثبت أن الأمر كذلك في أصل اللغة وجب أن يبقى في عرف الشرع كذلك، وقد سبق الاستقصاء فيه في أول سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما جاؤا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم.

قيل: ذبحوا جدياً ولطخوا ذلك القميص بدمه.

قال القاضي: ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحاً علم كذبهم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ ﴾ أي وجاؤا فوق قميصه بدم كما يقال: جاؤا على جمالهم بأحمال.

المسألة الثالثة: قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الأنباري ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي كذب ولكنه جعل نفسه كذباً للمبالغة قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله: ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً  ﴾ ورجل عدل وصوم، ونساء نوح ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضاً بهما فقالوا: للعقل المعقول، وللجلد المجلود، ومنه قوله تعالى: ﴿ بِأَيّكُمُ المفتون  ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ  ﴾ قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه، ولما شهد الشاهد قال: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ  ﴾ ولما أتي بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيراً، ثم ذكر تعالى أن أخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ .

قال ابن عباس: معناه: بل زينت لكم أنفسكم أمراً.

والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري: كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره.

وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز وقال صاحب الكشاف: ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ سهلت من السول وهو الاسترخاء.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ بَلِ ﴾ رد لقولهم: ﴿ أَكَلَهُ الذئب ﴾ كأنه قال: ليس كما تقولون: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ في شأنه ﴿ أمْراً ﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمراً غير ما تصفون، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه: لأول: أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم.

والثاني: أنه كان عالماً بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ  ﴾ وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك.

القول الثالث: قال سعيد بن جبير: لما جاؤا على قميصه بدم كذب، وما كان متخرقاً، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه، وعن السدي أنه قال: إن يعقوب عليه السلام قال: إن هذا الذئب كان رحيماً، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟

وقيل: إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله اللصوص، فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله؟

فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم.

ثم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من قال: إنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل.

وقال قطرب: معناه: فصبري صبر جميل.

وقال الفراء: فهو صبر جميل.

المسألة الثانية: كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة، فقيل له: ما هذا؟

فقال طول الزمان وكثرة الأحزان: فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟

فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.

وروي عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها قالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل.

المسألة الثالثة: عن الحسن أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فقال: صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر ويدل عليه من القرآن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله  ﴾ وقال مجاهد: فصبر جميل، أي من غير جزع، وقال الثوري: من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك، وهاهنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب فأما الصبر على ظلم الظالمين، ومكر الماكرين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير، وهاهنا أن إخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك؟

ولم لم يبالغ في التفتيش والبحث سعياً منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة إن كان في الأحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه، فثبت أن الصبر في المقام مذموم.

ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بأنه حي سليم لأنه قال له: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث  ﴾ والظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالماً بأنه حي سليم فكان من الواجب أن يسعى في طلبه.

وأيضاً إن يعقوب عليه السلام كان رجلاً عظيم القدر في نفسه، وكان من بيت عظيم شريف، وأهل العلم كانوا يعرفونه ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في أنه عليه السلام مع شدة رغبته في حضور يوسف عليه السلام، ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه كان من الواجبات، فثبت أن هذا الصبر في هذا المقام مذموم عقلاً وشرعاً.

والجواب عنه: أن نقول لا جواب عنه إلا أن يقال إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، وتغليظاً للأمر عليه، وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص، وأنه لو بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه وقتله، وأيضاً لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة، ثم لم يرد هتك أستار سرائر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس وذلك لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم فإنه يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم منه، فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يدل على أن الصبر على قسمين منه ما قد يكون جميلاً وما قد يكون غير جميل، فالصبر الجميل هو أن يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه فيصير استغراق قلبه في هذا المقام مانعاً له من إظهار الشكاية.

والوجه الثاني: أنه يعلم أن منزل هذا البلاء، حكيم لا يجهل، وعالم لا يغفل، عليم لا ينسى رحيم لا يطغى، وإذا كان كذلك، فكان كل ما صدر عنه حكمة وصواباً، فعند ذلك يسكت ولا يعترض.

والوجه الثالث: أنه ينكشف له أن هذا البلاء من الحق، فاستغراقه في شهود نور المبلى يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء ولذلك قيل: المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء، لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والحظ وموصل النصيب لا يكون محبوباً بالذات بل بالعرض، فهذا هو الصبر الجميل.

أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض، فذلك الصبر لا يكون جميلاً، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسناً وإلا فلا، وهاهنا يظهر صدق ما روي في الأثر استفت قلبك، ولو أفتاك المفتون فليتأمل الرجل تأملاً شافياً، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا؟

فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة.

ولما ذكر يعقوب قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ قال: ﴿ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ والمعنى: أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يجري مجرى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ وقوله: ﴿ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ يجري مجرى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ ذي كذب.

أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه، والزور بذاته.

ونحوه.

فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وَأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ وقرئ: ﴿ كذباً ﴾ نصباً على الحال، بمعنى جاءوا به كاذبين، ويجوز أن يكون مفعولاً له.

وقرأت عائشة رضي الله عنها: كدب، بالدال غير المعجمة، أي كدر.

وقيل: طري، وقال ابن جني: أصله من الكدب وهو الفوف: البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث.

كأنه دم قد أثر في قميصه.

روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، وزلّ عنهم أن يمزقوه.

وروي أنّ يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات: كان دليلاً ليعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيراً، ودليلا على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

فإن قلت: ﴿ على قَمِيصِهِ ﴾ ما محله؟

قلت: محله النصب على الظرف، كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحمال.

فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالا متقدمة؟

قلت: لا، لأنّ حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ سهلت من السول وهو الاسترخاء، أي: سهلت ﴿ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ عظيماً ارتكبتموه من يوسف وهوّنته في أعينكم: استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص.

أو أُوحي إليه بأنهم قصدوه ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل، وفي قراءة أبيّ: ﴿ فصبراً جميلاً ﴾ والصبر الجميل جاء في الحديث المرفوع: «أنه الذي لا شكوى فيه» ومعناه الذي لا شكوى فيه إلى الخلق.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ [يوسف: 86] وقيل: لا أعايشكم على كآبة الوجه، بل أكون لكم كما كنت وقيل: سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب.

خطيئة فاغفرها لي ﴿ والله المستعان ﴾ أي أستعينه ﴿ على ﴾ احتمال ﴿ مَا تَصِفُونَ ﴾ من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ بِمَعْنى مَكْذُوبٍ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الواوِ أيْ جاءُوا كاذِبِينَ و « كَدِبٍ» بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ أيْ كَدِرٍ أوْ طَرِيٍّ.

وقِيلَ: أصْلُهُ البَياضُ الخارِجُ عَلى أظْفارِ الأحْداثِ فَشَبَّهَ بِهِ الدَّمَ اللّاصِقَ عَلى القَمِيصِ، وعَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ أيْ فَوْقَ قَمِيصِهِ أوْ عَلى الحالِ مِنَ الدَّمِ إنْ جُوِّزَ تَقْدِيمُها عَلى المَجْرُورِ.

رُوِيَ: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ بِخَبَرِ يُوسُفَ صاحَ وسَألَ عَنْ قَمِيصِهِ فَأخَذَهُ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ وقالَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمَ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهُ.

وَلِذَلِكَ قالَ ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ أيْ سَهَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم وهَوَّنَتْ في أعْيُنِكم أمْرًا عَظِيمًا مِنَ السَّوْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ.

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلَ، وفي الحَدِيثِ «الصَّبْرُ الجَمِيلُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ إلى الخَلْقِ» .

﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَهُ مِن إهْلاكِ يُوسُفَ وهَذِهِ الجَرِيمَةُ كانَتْ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ إنْ صَحَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وجاؤوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب ويعنه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته روى أنهم ذبحوا سخلة ولطخواالقميص بدمها وزل عنهم أن يمزقوه ورُوي أن يعقوب عليه السلام لم سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال اين القميص وأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال تالله

يوسف (١٨ _ ٢١)

ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات كان دليلاً ليعقوب على كذبهم وألقاه على وجهه فارتد بصيراً ودليلاً على براءة يوسف حين قد من دبره ومحل على قميصه النصب على الظرف كأنه قيل وجاءوا فوق قميصه بدم {قَالَ} يعقوب عليه السلام {بل سولت} زينت أوسهلت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} عظيماً ارتكبتموه {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل وهو مالا شكوى فيه إلى الخلق {والله المستعان} أي استعينه {على} احتمال {مَا تَصِفُونَ} من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ ﴾ أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ ﴿ أمْرًا ﴾ مِنَ الأُمُورِ مُنْكَرًا لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ، وأصْلُ التَّسْوِيلِ تَقْدِيرُ شَيْءٍ في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: هو تَزْيِينُ النَّفْسِ لِما تَحْرِصُ عَلَيْهِ وتَصْوِيرُ القَبِيحِ بِصُورَةِ الحَسَنِ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سِوالِ الإنْسانِ وهو أُمْنِيَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ، وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ، وقِيلَ: مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اسْتِرْخاءٌ في العَصَبِ ونَحْوِهِ كَأنَّ المُسَوِّلَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ اسْتَرْخى عَصَبُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى ما في البَحْرِ أيْ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ إلَخْ، وعِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَذِبِهِمْ قِيلَ: حَصَلَ مِن سَلامَةِ القَمِيصِ عَنِ التَّمْزِيقِ وهي إحْدى ثَلاثِ آياتٍ في القَمِيصِ: ثانِيَتُها عَوْدُ يَعْقُوبَ بَصِيرًا بِإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، وثالِثَتُها قَدُّهُ مِن دُبُرٍ فَإنَّهُ كانَ دَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ وُقُوفُهُ بِالرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى بُلُوغِهِ مَرْتَبَةً عَلْياءَ تَنْحَطُّ عَنْها الكَواكِبُ، وقِيلَ: مَن تُناقِضُهم فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ما تَقَدَّمَ عَنْ قَتادَةَ قالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ، فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهم إلى قَتْلِهِ؟!

ولَعَلَّهُ مَعَ هَذا العِلْمِ إنَّما حَزِنَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما خَشِيَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرُوهِ والشَّدائِدِ غَيْرِ المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّما حَزِنَ لِفِراقِهِ وفِراقُ الأحِبَّةِ مِمّا لا يُطاقُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْ لا مُفارَقَةُ الأحْبابِ ما وجَدَتْ لَها المَنايا إلى أرْواحِنا سُبُلًا ولا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ أحْزَنَهُ فِراقُهُ وخَوْفُ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ فالَّذِي أفْعَلُهُ ذَلِكَ كَما قالَ الخَلِيلُ، أوْ فَهو صَبْرٌ إلَخْ، كَما قالَ الفَرّاءُ، وصَبْرٌ في كُلِّ ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ وأجْمَلُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وهَلِ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أوْ جائِزٌ؟

فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتَلَفُوا فِيما إذا صَحَّ في كَلامٍ واحِدٍ اعْتِبارُ حَذْفِ المُبْتَدَأِ وإبْقاءِ الخَبَرِ واعْتِبارُ العَكْسِ هَلْ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ أوْلى أمِ الثّانِي؟

وقَرَأ أُبَيٌّ والأشْهَبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ -فَصَبْرًا جَمِيلًا- بِنَصْبِهِما، وكَذا في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، وخَرَجَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ فاصْبِرْ صَبْرًا عَلى أنَّ اصْبِرْ مُضارِعٌ مُسْنَدٌ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلّا مَعَ الأمْرِ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ هُنا بِأنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: صَبْرًا جَمِيلًا عَلى مَعْنى فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، والصَّبْرُ الجَمِيلُ عَلى ما رَوى الحَسَنُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -ما لا شَكْوى فِيهِ أيْ إلى الخَلْقِ وإلّا فَقَدَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَكانَ يَرْفَعُهُما بِعِصابَةٍ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أتَشْكُو إلى غَيْرِي، فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها.

وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أنّى أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ وعُبُوسِ الجَبِينِ بَلْ أبْقى عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ وهو إنْشاءٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلِاسْتِعانَةِ المُسْتَمِرَّةِ ﴿ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَعانِ والوَصْفُ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِنِعْمَتِهِ وهو قَدْ يَكُونُ صِدْقًا وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ بَلْ قِيلَ: إنَّ الصِّيغَةَ قَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ ومَعْنى اسْتِعانَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى كَذِبِهِمْ طَلَبُهُ مِنهُ سُبْحانَهُ إظْهارُ كَوْنِهِ كَذِبًا بِسَلامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاجْتِماعِ مَعَهُ فَيَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِعانَةِ هَنا نَظِيرَ ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، ﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ يَوْمَ الإفْكِ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَذَرْتُ لا تَعْذِرُونِي فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في عُذْرِها ما أنْزَلَ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَهُ مِن هَلاكِ يُوسُفَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ قالَ: صَبْرٌ جَمِيلٌ طَلَبَ الإعانَةَ مِنهُ تَعالى عَلى الصَّبْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّواعِيَ النَّفْسانِيَّةَ تَدْعُو إلى إظْهارِ الجَزَعِ وهي قَوِيَّةٌ والدَّواعِي الرُّوحانِيَّةُ الصَّبْرُ الجَمِيلُ فَكَأنَّهُ وقَعَتِ المُحارَبَةُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَما لَمْ تَحْصُلِ المَعُونَةُ مِنهُ جَلَّ وعَلا لا تَحْصُلُ الغَلَبَةُ، فَقَوْلُهُ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يَجْرِي مَجْرى ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ، ﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ يَجْرِي مَجْرى ﴿ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولَعَلَّ الأوَّلَ أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ، ولِلْإمامِ الرّازِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في هَذا المَقامِ بَحْثٌ، وهُوَ: أنَّ الصَّبْرَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وأمّا الصَّبْرُ عَلى ظُلْمِ الظّالِمِينَ ومَكْرِ الماكِرِينَ فَغَيْرُ واجِبٍ بَلِ الواجِبُ إزالَتُهُ لا سِيَّما في الضَّرَرِ العائِدِ إلى الغَيْرِ، فَكانَ اللّائِقُ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّفْتِيشَ والسَّعْيَ في تَخْلِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلِيَّةِ والشِّدَّةِ إنْ كانَ حَيًّا، وفي إقامَةِ القَصاصِ إنْ صَحَّ أنَّهم قَتَلُوهُ بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ الواجِبَ المُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ السَّعْيُ في طَلَبِهِ وتَخْلِيصِهِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنَّما قالَهُ عَنْ وحْيٍ، وأيْضًا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ مُعَظَّمًا في النُّفُوسِ مَشْهُورًا في الآفاقِ فَلَوْ بالَغَ في الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ واشْتُهِرَ ولَزالَ وجْهُ التَّلْبِيسِ فَما السَّبَبُ في تَرْكِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الفَحْصَ مَعَ نِهايَةِ رَغْبَتِهِ في حُضُورِ يُوسُفَ وغايَةِ مَحَبَّتِهِ لَهُ، وهَلِ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ إلّا مَذْمُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا؟

ثُمَّ قالَ: والجَوابُ أنْ نَقُولَ: لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ وتَغْلِيظًا لِلْأمْرِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرائِنِ الأحْوالِ أنَّ أوْلادَهُ أقْوِياءُ وأنَّهم لا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ، وأنَّهُ لَوْ بالَغَ في البَحْثِ رُبَّما أقْدَمُوا عَلى إيذائِهِ وقَتْلِهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ البَلاءِ والمِحْنَةِ، وأنَّ أمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ سِتْرِ أوْلادِهِ وما رَضِيَ بِإلْقائِهِمْ في ألْسِنَةِ النّاسِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الوَلَدَيْنِ إذا ظَلَمَ الآخَرَ وقَعَ الأبُ في العَذابِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ المَظْلُومِ وإنِ انْتَقَمَ يَحْتَرِقْ عَلى الوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي ∗∗∗ فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي ولَئِنْ عَفَوْتُ لَأعْفُوَنَّ جَلَلًا ∗∗∗ ولَئِنْ سَطَوْتُ لَمُوهِنٌ عَظْمِي فَلَمّا وقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ البَلِيَّةِ رَأى أنَّ الأصْوَبَ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى لا سِيَّما إنْ قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّ ما وقَعَ لا يُمْكِنُ تَلافِيهِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابْ أجَلَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ يعني: فلما برزوا به إلى البَريَّة وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يقول: واتفقوا أن يلقوه في أسفل الجب، ثم أظهروا له العداوة، فجعل أحدهم يضربه فيستغيث بالآخر، فيضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا أن يقتلوه.

فقال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟

قوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي: فانطلقوا به إلى الجب، وهي بئر على رأس فرسخين من كنعان، ويقال: أربع فراسخ، فجعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفة البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه.

فقال: يا إخوتاه، ردوا عليّ قميصي أتوارى في الجب، فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك.

فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه، وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة في البئر، وقام عليها وجعل يبكي.

فجاءه جبريل يؤنسه ويطعمه.

قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أي: لتخبرهم بصنيعهم وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: تخبرهم بأمورهم، أو بصنيعهم هذا بمصر وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يعرفونك بمصر.

ويقال: معناه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أن الله تعالى أوحى إليه، وهم لا يعرفونه.

ويقال: لما أرادوا أن يلقوه في البئر، تعلق بإخوته، فقال له جبريل: لا تتعلق بهم، فإنك تنجو من البئر.

فألقوه حتى وقع في قعرها، فارتفع حجر حتى قام عليه، ثم إنهم أخذوا جدياً من الغنم فذبحوه، ثم لطخوا القميص بدمه.

ثمّ أقبلوا إلى أبيهم كما قال الله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ يعني: بعد العصر، فلما سمع يعقوب أصواتهم، فزع وقال: يا بني ما لكم قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ يعني: نتصيّد ويقال: ننتضل، أي يسابق بعضنا البعض في الرمي، وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فلما قالوا هذا القول: بكى يعقوب، وصاح بأعلى صوته: ثم قال: أين قميصه؟

فأخذ القميص وبكى، ثم قال إن هذا الذئب كان بابني رحيماً، كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟

وروى سماك، عن عامر، أنه قال: في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قُدَّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، علم أن الذئب لو أكله لخرق قميصه.

فقال لهم: كذبتم، فقالوا له: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا يعني: بمصدق لنا في مقالتنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ في مقالتنا وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ يعني: بدم السخلة ولم يكن دم يوسف.

ويقال: بدم كذب أي مكذوب به.

وقرأ بعضهم: بِدَمٍ كدب بالدال، يعني: بدم طري.

فأروه القميص بالدم ليعرف به، وهي قراءة شاذة، وقراءة العامة بالذال وقال يعقوب: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل بلا جزع.

ويقال: معناه لا حيلة لي إلا الصبر.

ويقال: معناه فصبري صبر جميل.

وروي عن بعض الصحابة، أنه كان يقرأ فصبرا جَمِيلاً، يعني: اصبر صبراً جميلاً.

وروي عن رسول الله  أنه سئل عن قوله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال «صبر لا شكوى فيه، ومن بث فلم يصبر» .

ثم قال: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ يقول: أستعين بالله، وأطلب العون من الله واستعين بالله، على ما تقولون، وتكذبون من أمر يوسف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)

وقوله: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ: أي: وقْتَ العشاءِ، وقرأ الحسن:

«عُشى» «١» على مثال «دُجىً» ، جمع «عاشٍ» ، ومعنى ذلك: أصابهم عشى من البكاء أو شبه العَشَى، إذ كذلك هي عَيْنُ الباكي لأنه يتعاشَى، ومثَّل شُرَيْحَ امرأة بكَتْ، وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، ونَسْتَبِقُ: معناه: على الأقدام، وقيل: بالرمْي، أي: ننْتَضِلُ، وهو نوعٌ من المسابقة قاله الزَّجَّاج، وقولهم: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: أي بمصَدِّق لنا، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ، أي: ولو كنا موصوفين بالصِّدْقِ، ويحتمل أنْ يكون قولهم: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ: بمعنى: وإن كنا صادقِينَ في معتَقَدِنا.

وقوله سبحانه: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ: روي أنهم أَخَذُوا سَخْلَةً أَوْ جَدْياً، فذبحوه، ولَطَّخُوا به قميصَ يُوسُفَ، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه وبكَى ثم تأمَّله، فلم يَرَ خِرَقاً، ولا أثر نابٍ فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئْبُ حليماً يأكُلُ يوسُفَ، ولا يخرق قميصَهُ قصَّ هذا القَصَصَ ابن عباس وغيره «٢» ، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحَّة القميصِ، واستند الفقهاءُ إِلى هذا في إِعْمَالِ الأماراتِ في مسائِل كالقَسَامة «٣» بها في قول مالكٍ إِلى غير ذلك.

قال الشعبيُّ: كان في القميص ثلاث

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: مَعْناهُ: بِدَمٍ مَكْذُوبٍ فِيهِ، والعَرَبُ تَجْعَلُ المَصْدَرَ في كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ مَفْعُولًا، فَيَقُولُونَ لِلْكَذِبِ مَكْذُوبٌ، ولِلْعَقْلِ مَعْقُولٌ، ولِلْجَلْدِ مَجْلُودٌ، قالَ الشّاعِرُ: حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أرادَ: عَقْلًا.

وقالَ الآخَرُ: قَدْ والَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بِقُدْرَةٍ ∗∗∗ بُلِغَ العَزاءُ وأُدْرِكَ المَجْلُودُ يُرِيدُ: أُدْرِكَ الجَلْدُ.

ويَقُولُونَ: لَيْسَ لِفُلانٍ عَقْدُ رَأْيٍ، ولا مَعْقُودُ رَأْيٍ، ويَقُولُونَ: هَذا ماءٌ سَكْبٌ، يُرِيدُونَ: مَسْكُوبًا، وهَذا شَرابٌ صَبٌّ، يُرِيدُونَ: مَصْبُوبًا، وَماءٌ غَوْرٌ، يَعْنُونَ: غائِرًا، ورَجُلٌ صَوْمٌ، يُرِيدُونَ: صائِمًا، وامْرَأةٌ نَوْحٌ، يُرِيدُونَ: نائِحَةً؛ وهَذا الكَلامُ مَجْمُوعُ قَوْلِ الفَرّاءِ، والأخْفَشِ، والزَّجّاجِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخَذُوا جَدْيًا فَذَبَحُوهُ، ثُمَّ غَمَسُوا قَمِيصَ يُوسُفَ في دَمِهِ، وأتَوْهُ بِهِ ولَيْسَ فِيهِ خَرْقٌ، فَقالَ: كَذَبْتُمْ، لَوْ كانَ أكْلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ القَمِيصَ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ دَمَ ظَبْيَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بِدَمٍ كَذِبًا " بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ: " بِدَمٍ كَدِبٍ " بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، أيْ: بِدَمٍ طَرِيٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ أيْ: زَيَّنَتْ ﴿ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ غَيْرَ ما تَصِفُونَ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَعْنى: فَشَأْنِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، والَّذِي أعْتَقِدُهُ صَبْرٌ جَمِيلٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: الصَّبْرُ مَرْفُوعٌ، لِأنَّهُ عَزّى نَفْسَهُ وقالَ: ما هو إلّا الصَّبْرُ، ولَوْ أمَرَهم بِالصَّبْرِ، لَكانَ نَصْبًا.

وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى: فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " فَصَبْرًا جَمِيلًا " بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والصَّبْرُ الجَمِيلُ، لا جَزَعَ فِيهِ، ولا شَكْوى إلى النّاسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلى ما تَصِفُونَ مِنَ الكَذِبِ.

والثّانِي: عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عِشاءً"، أيْ: وقْتُ العِشاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "عُشًى" عَلى مِثالِ دُجًى، أيْ جَمْعُ "عاشٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: عُشاةٌ كَماشٍ ومُشاةٌ، ولَكِنْ حُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَتْ مِن "مَأْلُكَةٍ"، وقالَ عَدِيٌّ: أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى ذَلِكَ أصابَهم عَشًا مِنَ البُكاءِ أو شِبْهُ العَشا إذْ كَذَلِكَ هي هَيْئَةُ عَيْنِ الباكِي لِأنَّهُ يَتَعاشى، ومَثَّلَ شُرَيْحٌ في امْرَأةٍ بَكَتْ وهي مُبْطِلَةٌ بِبُكاءِ هَؤُلاءِ وقَرَأ الآيَةَ، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما بالُكُمْ؟

أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟

قالُوا: لا، قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟

قالُوا: ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ..

فَبَكى وصاحَ وقالَ: أيْنَ قَمِيصُهُ؟

وسَيَأْتِي قَصَصُ ذَلِكَ.

و"نَسْتَبِقُ" مَعْناهُ: عَلى الأقْدامِ، أيْ: نَجْرِي غِلابًا، وقِيلَ: بِالرَمْيِ، أيْ: نَنْتَصِلُ، وهو نَوْعٌ مِنَ المُسابَقَةِ، قالَهُ الزَجّاجُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ، ومَعْنى الكَلامِ: أيْ: لَوْ كُنّا مَوْصُوفِينَ بِالصِدْقِ وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ كُنْتَ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ فِينا في جَمِيعِ أقْوالِنا قَدِيمًا لَما صَدَّقْتَنا في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةً لِما لَحِقَكَ فِيها مِنَ الحُزْنِ ونالَكَ مِنَ المَشَقَّةِ ولِما تَقَدَّمَ مِن تُهْمَتِكَ لَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ بِمَعْنى: وإنْ كُنّا صادِقِينَ، وقالَهُ المُبَرِّدُ، كَأنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم صادِقُونَ في هَذِهِ النازِلَةِ، فَهو تَمادٍ مِنهم في الكَذِبِ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ  ﴾ .

بِمَعْنى: أو إنْ كُنّا كارِهِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا المِثالِ عِنْدِي نَظَرٌ، وتَخَبَّطَ الرُمّانِيُّ في هَذا المَوْضِعِ، وقالَ: "ألْزَمُوا أباهم عِنادًا" ونَحْوَ هَذا مِمّا لا يَلْزَمُ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا: وما أنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ في مُعْتَقَدِكَ.

بَلْ قالُوا: وما أنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ فِيما نَعْتَقِدُ نَحْنُ، وأمّا أنْتَ فَقَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ سُوءُ الظَنِّ بِنا، ولا يُنْكَرُ أنْ يَعْتَقِدَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ صِدْقَ الكاذِبِ وكَذِبَ الصادِقِ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ، فَإنَّما هو بَشَرٌ، كَما قالَ  : « "إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ.."» الحَدِيثُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ جَوَّزَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُصَدِّقَ الكاذِبَ، وكَذَلِكَ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِ السَلامُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ حِينَ حَلَفَ عَلى مَقالَةِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وكَذَّبَ زَيْدًا، حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ فَظَهَرَ الحَقُّ، فَكَلامُ إخْوَةِ يُوسُفَ إنَّما هو مُغالَطَةٌ ومُحاجَّةٌ لا إلْزامَ عِنادٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أو جِدْيًا فَذَبَحُوهُ ولَطَّخُوا بِهِ قَمِيصَ يُوسُفَ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُهُ، فَأخَذَهُ ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا أثَرَ نابٍ.

فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى كَذِبِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: مَتى كانَ الذِئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ؟

قَصَّ هَذا القَصَصَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ لِصِحَّةِ القَمِيصِ، واسْتَنَدَ الفُقَهاءُ إلى هَذا في إعْمالِ الأماراتِ في مَسائِلَ كالقَسامَةِ وغَيْرِها في قَوْلِ مالِكٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، قالَ الشَعْبِيُّ: كانَ في القَمِيصِ ثَلاثُ آياتٍ: دَلالَتُهُ عَلى كَذِبِهِمْ، وشَهادَتُهُ في قَدِّهِ، ورَدُّ بَصَرِ يَعْقُوبَ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهم ذَهَبُوا فَأخَذُوا ذِئْبًا فَلَطَّخُوا فاهُ بِالدَمِ وساقُوهُ وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا أكَلَ يُوسُفَ، فَدَعاهُ يَعْقُوبُ فَأقْعى وتَكَلَّمَ بِتَكْذِيبِهِمْ.

ووَصْفُ الدَمِ بِـ "كَذِبٍ" إمّا عَلى مَعْنى: بِدَمٍ ذِي كَذِبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَكْذُوبٍ عَلَيْهِ، كَما قَدْ جاءَ (المَعْقُولُ) بَدَلَ (العَقْلِ) في قَوْلِ الشاعِرِ: حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولًا فَكَذَلِكَ يَجِيءُ (التَكْذِيبُ) مَكانَ (المَكْذُوبِ).

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كَلامُ الطَبَرِيِّ، ولا شاهِدَ لَهُ فِيهِ عِنْدِي، لِأنَّ نَفْيَ (المَعْقُولِ) يَقْتَضِي نَفْيَ (العَقْلِ) ولا يَحْتاجُ إلى بَدَلٍ، وإنَّما الدَمُ الكَذِبُ عِنْدِي وصْفٌ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "بِدَمٍ كَدِبٍ" بِدالٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، ومَعْناهُ: الطَرِيُّ ونَحْوُهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ القِراءَةُ قَوِيَّةً.

ثُمَّ قالَ لَهم يَعْقُوبُ لَمّا بانَ كَذِبُهُمْ: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ أيْ: رَضِيَتْ وجَعَلَتْ سُؤْلًا ومُرادًا.

"أمْرًا" أيْ: صُنْعًا قَبِيحًا بِيُوسُفَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ رُفِعَ إمّا عَلى حَذْفِ الِابْتِداءِ وإمّا عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، إمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَشَأْنِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ.

وذُكِرَ أنَّ الأشْهَبَ، وعِيسى بْنَ عُمَرَ قَرَئا بِالنَصْبِ: "فَصَبْرًا جَمِيلًا" عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِ أنَسَ بْنِ مالِكٍ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، ولِذا يَحْسُنُ النَصْبُ في قَوْلِ الشاعِرِ: ........................

صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ويُنْشَدُ أيْضًا بِالرَفْعِ، ويُرْوى: "صَبْرٌ جَمِيلٌ" عَلى نِداءِ الجَمَلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُرى ∗∗∗ ∗∗∗ يا جَمَلِي لَيْسَ إلَيَّ المُشْتَكى صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ أثْناءَ مُخاطَبَةِ بَنِيهِ، وجَمِيلُ الصَبْرِ ألّا تَقَعَ شَكْوى إلى بَشَرٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا".» وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ تَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، والتَقْدِيرُ: عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُواْ ياأبانا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين ﴾ ﴿ وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ عطف على جملة ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ [سورة يوسف: 15] عطف جزء القصة.

والعشاء: وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس بعد غروبها.

والبكاء: خروج الدموع من العينين عند الحزن والأسف والقهر.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً ﴾ [سورة التوبة: 82].

وقد أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي.

وإنما اصطنعوا البكاء تمويهاً على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السّلام، ولعلّهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد.

ومن الناس من تتأثر أعصابهم بتخيل الشيء ومحاكاته فيعتريهم ما يعتري الناس بالحقيقة.

وبعض المتظلمين بالباطل يفعلون ذلك، وفطنة الحاكم لا تنخدع لمثل هذه الحيل ولا تنوط بها حكماً، وإنما يناط الحكم بالبينة.

جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء وكانت مبطلة فجعلت تبكي، وأظهر شريح عدم الاطمئنان لدعواها، فقيل له: أما تراها تبكي؟

فقال: قد جاء إخوة يوسف عليه السّلام أباهم عشاء يبكون وهم ظلَمة كَذبَة، لا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بالحق.

قال ابن العربي: قال علماؤنا: هذا يدلّ على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنّعاً.

ومن الخلق من لا يقدر على ذلك ومنهم من يقدر.

قلت: ومن الأمثال دموع الفاجر بيديه وهذه عبرة في هذه العبرة.

والاستباق: افتعال من السبق وهو هنا بمعنى التسابق قال في الكشاف}: «والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل، والارتماء والترامي، أي فهو بمعنى المفاعلة.

ولذلك يقال: السباق أيضاً.

كما يقال النضال والرماء».

والمراد: الاستباق بالجري على الأرجل، وذلك من مرح الشباب ولعبهم.

والمتاع: ما يتمتع أي ينتفع به.

وتقدم قي قوله تعالى: ﴿ لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ في سورة النساء (102).

والمراد به هنا ثَقَلهم من الثياب والآنية والزاد.

ومعنى فأكله الذئب } قتله وأكل منه، وفعل الأكل يتعلق باسم الشيء.

والمراد بعضه.

يقال أكلَه الأسد إذا أكل منه.

قال تعالى: ﴿ وما أكل السّبع ﴾ [سورة المائدة: 3] عطفاً على المنهيات عن أن يؤكل منها، أي بقتلها.

ومن كلام عمر حين طعنه أبو لؤلؤة أكلني الكلب، أي عضّني.

والمراد بالذئب جمع من الذئاب على ما عرفت آنفاً عند قوله: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ [سورة يوسف: 13]؛ بحيث لم يترك الذئاب منه، ولذلك لم يقولوا فدفنّاه.

وقوله: وما أنت بمؤمن لنا} خبر مستعمل في لازم الفائدة.

وهو أن المتكلم علم بمضمون الخبر.

وهو تعريض بأنهم صادقون فيما ادّعوه لأنهم يعلمون أباهم لا يصدقهم فيه، فلم يكونوا طامعين بتصديقه إياهم.

وفعل الإيمان يعدّى باللام إلى المصدّق بفتح الدال كقوله تعالى: ﴿ فآمن له لوطٌ ﴾ [سورة العنكبوت: 26].

وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه ﴾ في سورة يونس (83).

وجملة ولو كنا صادقين } في موضع الحال فالواو واو الحال.

﴿ ولو ﴾ اتصالية، وهي تفيد أنه مضمون ما بعدها هو أبعد الأحوال عن تحقق مضمون ما قبلها في ذلك الحال.

والتقدير: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين في نفس الأمر، أي نحن نعلم انتفاء إيمانك لنا في الحالين فلا نطمع أن نموّه عليك.

وليس يلزم تقدير شرط محذوف هو ضد الشرط المنطوق به لأن ذلك تقدير لمجرد التنبيه على جعل الواو للحال مع (لو وإن) الوصليتين وليس يستقيم ذلك التقدير في كل موضع، ألا ترى قول المعري: وإني وإن كنتُ الأخيّر زمانه *** لآتتٍ بما لم تستطعه الأوائل كيف لا يستقيم تقدير إني إن كنت المتقدم زمانه بل وإن كنت الأخيرَ زمانه.

فشرط (لو) الوصلية و(إن) الوصلية ليس لهما مفهومُ مخالفة، لأن الشرط معهما ليس للتقييد.

وتقدم ذكر (لَو) الوصلية عند قوله تعالى: ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ في سورة البقرة (170)، وعند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ﴾ في سورة آل عمران (91).

وجملة وجاءوا على قميصه} في موضع الحال.

ولما كان الدم ملطخاً به القميص وكانوا قد جاءوا مصاحبين للقميص فقد جاءوا بالدم على القميص.

ووصف الدم بالكذب وصف بالمصدر، والمصدر هنا بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق، أي مكذوب كونه دم يوسف عليه السّلام إذ هو دم جدي، فهو دم حقاً لكنه ليس الدم المزعوم.

ولا شك في أنهم لم يتركوا كيفية من كيفيات تمويه الدم وحالة القميص بحال قميص من يأكله الذئب من آثار تخريق وتمزيق مما لا تخلو عنه حالة افتراس الذئب، وأنهم أفطن من أن يفوتهم ذلك وهم عصبة لا يعْزُب عن مجموعهم مثل ذلك.

فما قاله بعض أصحاب التفسير من أن يعقوب عليه السّلام قال لأبنائه: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلَم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، فذلك من تظرفات القصص.

وقوله: ﴿ على قميصه ﴾ حال من (دم) فقدم على صاحب الحال.

حرف الإضراب إبطال لدعواهم أن الذئب أكله فقد صرح لهم بكذبهم.

والتسويل: التسهيل وتزيين النفس ما تحرص على حصوله.

والإبهام الذي في كلمة ﴿ أمراً ﴾ يحتمل عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف عليه السّلام: من قتل، أو بيع، أو تغريب، لأنه لم يعلم تعيين ما فعلوه.

وتنكير ﴿ أمراً ﴾ للتهويل.

وفرّع على ذلك إنشاءُ التصبر ﴿ فصبرٌ جميل ﴾ نائب مناب اصبر صبراً جميلاً.

عدل به عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات والدوام، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا سلاماً قال سلامٌ ﴾ في سورة هود (69).

ويكون ذلك اعتراضاً في أثناء خطاب أبنائه، أو يكون تقدير: اصبر صبراً جميلاً، على أنه خطاب لنفسه.

ويجوز أن يكون فصبر جميل } خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه السياق، أي فأمْري صبرٌ.

أو مبتدأ خبره محذوف كذلك.

والمعنى على الإنشاء أوقع، وتقدم الصبر عند قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ في سورة البقرة (45).

ووصف ﴿ جميل ﴾ يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً إذ الصبر كله حسن دون الجزع.

كما قال إبراهيم بن كنيف النبهاني: تصبّر فإنّ الصبر بالحرّ أجمل *** وليس على ريب الزمان معوّل أي أجمل من الجزع.

ويحتمل أن يكون وصفاً مخصصاً.

وقد فسّر الصبر الجميل بالذي لا يخالطه جزع.

والجمال: حسن الشيء في صفات محاسن صنفه، فجمال الصبر أحسن أحواله، وهو أن لا يقارنه شيء يقلل خصائص ماهيته.

وفي الحديث الصحيح أن النبي عليه السّلام مر بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري» فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فلما انصرف مرّ بها رجل، فقال لها: إنه النبيءُ صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» أي الصبر الكامل.

وقوله: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ عطف على جملة ﴿ فصبر جميل ﴾ فتكون محتملة للمعنيين المذكورين من إنشاء الاستعانة أو الإخبار بحصول استعانته بالله على تحمل الصبر على ذلك، أو أراد الاستعانة بالله ليوسف عليه السّلام على الخلاص مما أحاط به.

والتعبير عما أصاب يوسف عليه السّلام ب ﴿ ما تصفون ﴾ في غاية البلاغة لأنه كان واثقاً بأنهم كاذبون في الصفة وواثقاً بأنهم ألحقوا بيوسف عليه السّلام ضراً فلما لم يتعيّن عنده المصاب أجمل التعبير عنه إجمالاً موجهاً لأنهم يحسبون أن ما يصفونه هو موته بأكل الذئب إياه ويعقوب عليه السّلام يريد أن ما يصفونه هو المصاب الواقع الذي وصفوه وصفاً كاذباً.

فهو قريب من قوله تعالى: ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون ﴾ [سورة الصافات: 180].

وإنما فوض يعقوب عليه السّلام الأمر إلى الله ولم يسْعَ للكشف عن مصير يوسف عليه السّلام لأنه علم تعذر ذلك عليه لكبر سنه، ولأنه لا عضد له يستعين به على أبنائه أولئك.

وقد صاروا هم الساعين في البعد بيْنه وبين يوسف عليه السّلام، فأيس من استطاعة الكشف عن يوسف عليه السّلام بدونهم، ألا ترى أنه لما وجد منهم فرصة قال لهم: ﴿ اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه ﴾ [سورة يوسف: 87].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ﴾ وهو نَفْتَعِلُ مِنَ السِّباقِ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ نَنْتَصِلُ مِنَ السِّباقِ في الرَّمْيِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: أنَّهم أرادُوا السَّبْقَ بِالسَّعْيِ عَلى أقْدامِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهم عَنَوُا اسْتِباقَهم في العَمَلِ الَّذِي تَشاغَلُوا بِهِ مِنَ الرَّعْيِ والِاحْتِطابِ.

الرّابِعُ: أيْ نَتَصَيَّدُ وأنَّهم يَسْتَبِقُونَ عَلى اقْتِناصِ الصَّيْدِ.

﴿ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعْنُوا بِتَرْكِهِ عِنْدَ مَتاعِهِمْ إظْهارَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنُوا حِفْظَ رِحالِهِمْ.

﴿ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ لَمّا سَمِعُوا أباهم يَقُولُ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ أخَذُوا ذَلِكَ مِن فِيهِ وتَحَرَّمُوا بِهِ لِأنَّهُ كانَ أظْهَرَ المَخاوِفِ عَلَيْهِ.

﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ لَنا.

﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم تَشْكِيكًا لِأبِيهِمْ في صِدْقِهِمْ وإنَّما عَنَوْا: ولَوْ كُنّا أهْلَ صِدْقٍ ما صَدَّقْتَنا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ وإنْ كُنّا قَدْ صَدَقْنا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ دَمَ سَخْلَةٍ.

وَقالَ قَتادَةُ: كانَ دَمَ ظَبْيَةٍ.

قالَ الحَسَنُ: لَمّا جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ فَلَمْ يَرَ يَعْقُوبُ فِيهِ شَقًّا قالَ: يا بَنِيَّ واللَّهِ ما عَهِدْتُ الذِّئْبَ حَلِيمًا، أيَأْكُلُ ابْنِي ويُبْقِي عَلى قَمِيصِهِ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أيْ مَكْذُوبٌ فِيهِ، ولَكِنْ وصَفَهُ بِالمَصْدَرِ فَصارَ تَقْدِيرُهُ بِدَمٍ ذِي كَذِبٍ.

وَقَرَأ الحَسَنُ بِدَمٍ كَذَّبَ بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، ومَعْناهُ بِدَمٍ مُتَغَيِّرٍ.

قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وَفي القَمِيصِ ثَلاثُ آياتٍ: حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وحِينَ قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ، وحِينَ أُلْقِيَ عَلى وجْهِ أبِيهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا.

﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ أمَرَتْكم أنْفُسُكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بَلْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي رَدِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبِهِ لَهم ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بَعْدَ فِعْلِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ عِنْدَهُ عَلِمٌ بِذَلِكَ قَدِيمٌ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ حَدْسًا بِصائِبِ رَأْيِهِ وصِدْقِ ظَنِّهِ.

قالَ تَرْضِيَةً لِنَفْسِهِ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فاحْتَمَلَ ما أمَرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصَّبْرِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الصَّبْرُ عَلى مُقابَلَتِهِمْ عَلى فِعْلِهِمْ فَيَكُونُ هَذا الصَّبْرُ عَفْوًا عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن فَقْدِ يُوسُفَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى أنَّ مِنَ الجَمِيلِ أنْ أصْبِرَ.

الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ نَفْسَهُ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ.

وَفي الصَّبْرِ الجَمِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا جَزَعَ فِيهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ.

رَوى حَبّابُ بْنُ أبِي حُبْلَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فَقالَ: (صَبْرٌ لا شَكْوى فِيهِ، ومَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ)» .

﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى الصَّبْرِ الجَمِيلِ.

الثّانِي: واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.

الثّالِثُ: يَعْنِي عَلى ما تَكْذِبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ابْتَلى اللَّهُ يَعْقُوبَ في كِبَرِهِ، ويُوسُفَ في صِغَرِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَزْمُهُما.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجاؤوا على قميصه بدم كذب ﴾ قال: كان دم سخلة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بدم كذب ﴾ قال: كان ذلك الدم كذباً لم يكن دم يوسف، كان دم سخلة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: أخذوا ظبياً فذبحوه فلطخوا به القميص، فجعل يعقوب عليه السلام يقلب القميص فيقول: ما أرى أثر أثر ناب ولا ظفر، إن هذا السبع رحيم.

فعرف أنهم كذبوه.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وجاؤوا على قميصه بدم كذب ﴾ قال: لما أتي يعقوب بقميص يوسف عليه السلام فلم ير فيه خرقاً، قال: كذبتم، لو كان كما تقولون أكله الذئب لخرق القميص.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما جيء بقميص يوسف عليه السلام إلى يعقوب عليه السلام، جعل يقلبه فيرى أثر الدم ولا يرى فيه شقاً ولا خرقاً، فقال: يا بني، والله ما كنت أعهد الذئب حليماً إذا أكل ابني وأبقى قميصه.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال: ذبحوا جدياً ولطخوه بدمه، فلما نظر يعقوب إلى القميص صحيحاً، عرف أن القوم كذبوه فقال لهم: ان كان هذا الذئب لحليماً حيث رحم القميص ولم يرحم ابني.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: لما أتوا نبي الله يعقوب بقميصه قال: ما أرى أثر سبع ولا طعن ولا خرق.

وأخرج ابو عبد الله محمد بن إبراهيم الجرجاني في أماليه، عن ربيعة رضي الله عنه قال: لما أتى يعقوب عليه السلام فقيل: إن يوسف عليه السلام أكله الذئب.

دعا الذئب فقال: أكلت قرة عيني وثمرة فؤادي.

قال: لم أفعل.

قال: فمن أين جئت، ومن أين تريد؟

قال: جئت من أرض مصر، وأريد أرض جرجان.

قال: فما يعنيك بها؟

قال: سمعت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلك يقولون: من زار حميماً أو قريباً، كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة وحط عنه ألف سيئة يرفع له ألف درجة.

فدعا بنيه فقال: اكتبوا هذا الحديث، فأبى أن يحدثهم.

فقال: ما لك لا تحدثهم؟

فقال: إنهم عصاة.

وأخرج أبو الشيخ عن مبارك قال: سئل ابن سيرين عن رجل رأى في المنام أنه يستاك، كلما أخرج السواك رأى عليه دماً.

قال: اتق الله ولا تكذب.

وقرأ ﴿ وجاؤوا على قميصه بدم كذب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً ﴾ قال: أمرتكم أنفسكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً ﴾ يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمراً ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ﴾ أي على ما تكذبون.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حيان بن أبي حيلة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ فصبر جميل ﴾ قال: لا شكوى فيه من بث ولم يصبر.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فصبر جميل ﴾ قال ليس فيه جزع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: الصبر الجميل، الذي ليس فيه شكوى إلا إلى الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن الثوري، عن بعض الصحابة قال: يقال ثلاثة من الصبر: أن لا تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تركي نفسك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) قال الفراء (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير: ذي كذب، ولكنه أجري على الوصف بالمصدر للمبالغة، وهذا معنى قول الأخفش (١٠) ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ  ﴾ قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي: مسكوب، ودرهم ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا  ﴾ ورجل عدل وصوم (١١) (١٢) ...

وجاوبي نَوْحًا قِيَاما ولما سميتا بالمصدر، سُمِّي المصدرُ بهما، فقالوا للعقل: المعقول، وللجلد: المجلود، ومنه قوله تعالي: ﴿ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ  ﴾ وقالوا للكذب الكاذبه، وللخيانة الخائنة، ومثله العاقبة والعافية.

قال الحسن (١٣) (١٤) (١٥) وقال الكلبي عن ابن عباس (١٦) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ قال ابن عباس (١٧) (١٨) قال أهل المعاني: التسويل تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه، وقوله ﴿ بَل ﴾ رد لقولهم: أكله الذئب، كأنه قال: ليس كما تقولون، بل سولت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون.

وقال الأزهري [["تهذيب اللغة" 13/ 67، وهذا السياق نص نسخة (ج)، وفي الأصل [فيزين لطالبها الباطل والغرور].]]: وكأن التسويل تفعيل من سوْل الإنسان، وهي أمنيته التي يطلبها، فيزين لطالبها الباطل وغيره من أمر الدنيا، وأهله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز لما كثر في كلامهم.

وقوله تعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ قال مجاهد (١٩) (٢٠)  ، سئل عن الصبر الجميل فقال: "هو صبرٌ لا شكوى فيه" (٢١) وقال أهل المعاني: الصبر الجميل هو أن يصبر حتى لا يظهر فيه تغير بعبوس وجه وانقباض عما كان يتبسط (٢٢) واختلفوا في وجه ارتفاع الصبر، فقال الخليل (٢٣) وقال قطرب (٢٤) وقال الفراء (٢٥) (٢٦) وقال الزجاج (٢٧) وقال أبو إسحاق (٢٨) (٢٩) يَشْكُو إليَّ جَمَلِي طُولَ السّرَى ...

يا جَمَلِي ليسَ إليَّ المُشْتَكَى قال: وروي: صبرًا، على فاصبرْ صبرًا، قال أبو عبيدة (٣٠) وأنشدوا (٣١) ألا انمامي فصَبْرًا بَليَّة ...

وقد يُبْتَلَى المَرْءُ الكَرِيمُ فيَصبِرُ وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ قال أهل المعاني: هذا بيان عما يوجبه التقى من الصبر الجميل عند المصيبة، والاستعانة بالله عزّ وجلّ عندما يعرض من الأمور الهائلة.

(١) الطبري 12/ 163، ابن أبي حاتم 7/ 2111 ب وانظر.

"الدر" 4/ 16، وعبد الرزاق 2/ 318.

(٢) الطبري 12/ 163، القرطبي 9/ 149، ابن أبي حاتم 7/ 2111 ب.

(٣) الطبري 12/ 163، والبغوي 4/ 222، و"زاد المسير" 4/ 193، والرازي 18/ 102.

(٤) قاله السدي كما في الطبري 12/ 163، والشعبي كما في الطبري 12/ 164.

(٥) "معاني القرآن" 2/ 38.

(٦) "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 3115.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.

(٨) الرازي 18/ 102.

(٩) "معاني القرآن" 2/ 590، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 1/ 217، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 167.

(١٠) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 590.

(١١) (صوم): ساقطة من (ج).

(١٢) بعض بيت من الوافر وتمامه: هَريْقي منْ دموعها سجالا ...

صنباعَ وجاوبي نَوْحًا قيامًا ولم ينسبه الواحدي هنا، وهو بلا نسبة أيضاً في "مجاز القرآن" 1/ 404، الطبري 15/ 249 (العلمية)، القرطبي 10/ 409.

(١٣) الطبري 12/ 164، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 16، وانظر: "تفسير الحسن" 2/ 29.

(١٤) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس 12/ 164 وكذا ابن أبي حاتم 7/ 211 ب.

(١٥) في (أ)، (ج): (ما عهد بي).

(١٦) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 38، و"زاد المسير" 4/ 193، والقرطبي 9/ 149.

(١٧) "تنوير المقباس" ص 147.

(١٨) الثعلبي 7/ 67 ب، والطبري 12/ 165، والبغوي 4/ 223، و"زاد المسير" 4/ 193، القرطبي 9/ 151، و"مشكل القرآن وغريبه" 217، و"مجاز القرآن" 1/ 303.

(١٩) الطبري 12/ 165، وعبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2112 أ، والفريابي وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 19.

(٢٠) الطبري 12/ 165، الثعلبي 7/ 67 ب، البغوي 4/ 223، و"زاد المسير" 4/ 193.

(٢١) أخرجه الطبري 12/ 165، وابن أبي حاتم 7/ 2112 أ.

قال المناوي: هو من حديث حبان بن حيلة وهو مرسل، و"الفتح السماوي" 2/ 727.

(٢٢) في (ب): (تبسط).

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 96، و"زاد المسير" 4/ 193.

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96، و"زاد المسير" 4/ 193، والقرطبي 9/ 151.

(٢٥) "معاني القرآن" 2/ 53، و"زاد المسير" 4/ 193.

(٢٦) انظر: "البحر المحيط" 5/ 289، و"الدر المصون" 6/ 457.

(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.

(٢٩) الأبيات لملبد بن حرملة، في ابن السيرافي ص 228 وبلا نسبه في "معاني الفراء" 2/ 54، و"معاني الزجاج" 3/ 97، و"تأويل مشكل القرآن" ص 107، و"مجاز القرآن" 1/ 303، 304، و"اللسان" (شكا) 4/ 2114، و"تهذيب اللغة" 2/ 1909، والقرطبي 9/ 153، و"كتاب سيبويه" 1/ 321، و"شواهد الكشاف" (شكا إلي جملي).

(٣٠) "مجاز القرآن" 1/ 303.

(٣١) كذا في النسخ ولعل البيت: (ألا يا نمامي فصبرًا ..) وبه يستقيم الوزن، وهو من الطويل، ولم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ أي: نجري على أقدامنا لننظر أينا يسبق ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ أي بمصدّق لمقالتنا ﴿ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ أي لا تصدّقنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا، وقيل: معناه لا تصدقنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم، والأول أظهر ﴿ وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي: ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة، وروي أنهم لطخو قمصه بدم جَدْي، وقالوا ليعقوب: هذا دمه في قميصه فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يخرق قميصه، فاستدل بذلك على كذبهم ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ أي زينت ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه مبتدأ تقديره: صبر جميل أمثل، أو خبر مبتدأ تقديره: شأني صبر جميل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ﴾ : [غيابة الجب] قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ : وحي نبوة، أو وحي بشارة النجاة من ذلك الجب، أو بشارة الملك له والعز.

ثم قوله: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هو قول يوسف حيث قال لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ...

﴾ الآية [يوسف: 89] ﴿ قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي  ﴾ هذا الذي نبأهم يوسف وهم لا يشعرون بذلك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى يعقوب ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ هو ما قال لهم: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ...

﴾ الآية [يوسف: 87] أمرهم أن يطلبوه ويتحسسوا من أمره؛ كأنه علم أنه حي؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أنه حي؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ  ﴾ ولهذا قال حين ألقى الثوب على وجهه فارتد بصيراً: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وذلك تأويل قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ إن كانت الآية في يعقوب، وإن كانت في يوسف فهو ما ذكرنا، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ﴾ الآية.

في الآية دلائل: أحدها: أن من ارتكب صغيرة فإنه يخاف عليه التعذيب، ولا يصير كافراً، ومن ارتكب كبيرة لم يخرج من الإيمان؛ لأن إخوة يوسف همّوا بقتل يوسف، أو طرحه في الجب، والتغييب عن وجه أبيه، وإخلائه عنه، وذلك لا يخلو منهم: إما أن تكون صغيرة أو كبيرة: فإن كانت صغيرة فقد استغفروا عليها بقولهم: ﴿ قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ...

﴾ الآية [يوسف: 97]؛ دل أنهم إنما استغفروا لما خافوا العذاب عليها.

وإن كانت كبيرة فلم يخرجوا من الإيمان؛ حيث صاروا أنبياء من بعد وصاروا قوماً صالحين؛ حيث قالوا: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ  ﴾ .

دل ما ذكرنا على نقض قول المعتزلة في صاحب الصغيرة أن لا تعذيب عليه، وصاحب الكبيرة أنه خرج من الإيمان، ونقض قول الخوارج في قولهم: إنه إذا ارتكب كبيرة أو صغيرة صار به كافراً مشركاً.

وفيه نقض قول من يقول: إن من كذب متعمداً أو وعد فأخلف أو اؤتمن فخان يصير منافقاً؛ لأن إخوة يوسف أؤتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، وحدثوا فكذبوا، فلم يصيروا منافقين؛ لأنهم قالوا: أكله الذئب، [ولم يأكله]، وهو كذب، واؤتمنوا، فخانوا حين ألقوه في الجبّ، ووعدوا أنهم يحفظونه، ولم يحفظوه.

فإن قيل: روي عن رسول الله  أنه قال: "ثلاث من علامات النفاق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن [خان، وإذا وعد أخلف]" فكيف يوفق بين الآية والخبر؟!

إذ هو لا يحتمل النسخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يحتمل النسخ.

قيل: يشبه أن يكون هذا في قوم خاص من الكفرة اؤتمنوا بما أودع في التوراة من نعت محمد، فغيروه، ووعدوا أن يبينوه، فأخلفوا وكتموه، وحدثوا أنهم بينوه، فكذبوا، أو يصير منافقاً بما ذكر، إذا كان ذلك في أمر الدين، وأما في غيره: فإنه لا يصير به منافقاً، ولا يكون ذلك من أعلام المنافق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ .

هذا القول منهم له في الظاهر عظيم؛ لأنهم قالوا: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ، ولا يحتمل أن يكونوا عنده صدقة ثم يكذبهم، يكون نبي من الأنبياء يعلم صدق إنسان ثم لا يصدقه؛ هذا بعيد، لكن يحتمل قولهم: وما أنت بمؤمن لنا في هذا ولو كنا صادقين عندك من قبل في غير هذا.

أو يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا ولا تصدقنا؛ لأنه اتهمهم؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ فاعترضت له التهمة، وليس في الاتهام تكذيب؛ إنما فيه الوقف؛ لأن من ائتمن آخر في شيء ثم اتهمه فيه، لا يكون في اتهامه إياه تكذيبه؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا لما سبقت من التهمة ولو كنا صادقين.

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، وإلا لم يجز أن يكون نبي من الأنبياء يكذب من يعلم أنه صادق في خبره وقوله.

فإن قيل في قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ : كيف خاف ذلك وقد قال له يعقوب: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ...

﴾ الآية [يوسف: 6]؛ أنبأه أنه يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم [عليه نعمته]، فكيف خاف عليه أكل الذئب والضياع، وذلك لا يحتمل أن يقول له إلا بعلم من الله والوحي إليه؟

قيل: يحتمل أن يكون ما ذكر على شرط الخوف أنه يخاف مما ذكر فيكون له ما قال من الاجتباء، وتعليم الأحاديث، وإتمام النعمة عليه.

أو خاف ذلك على ما خافوا جميعاً على ما هم عليه من الدين وإن عصموا عما خافوا جميعاً؛ حيث قال إبراهيم: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، ومعلوم أن إبراهيم لا يعبد الأصنام، وقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ وأمثاله، وهو ما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تزيل الخوف، ولا تؤمن عن ارتكاب مضاداته؛ بل يزيد الخوف على ذلك الأخيار والأبرار؛ كان خوفهم وإشفاقهم على دينهم أكثر من غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ .

قال بعضهم: أي: نشتد إلى الصيد.

وقال أبو عوسجة: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ هذا من السباق؛ أي: يعدون حتى ينظروا أيّهم يسبق؛ أي: يتقدم من صاحبه ويغلبه في العدو.

وقال القتبي: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ ، أي: ننتضل، يسابق بعضنا بعضا في الرمي؛ يقال: سابقته فسبقته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ .

الدم لا يكون كذباً، لكنه - والله أعلم - جاءوا على قميصه بدم قد كذبوا فيه أنه دم يوسف وأن الذئب أكله، ولم يكن.

وقال الفراء: ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ : بدم مكذوب، والعرب قد تستعمل المصدر في موضع المفعول.

ثم قال: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ .

أي: زينت لكم أنفسكم.

والتسويل: هو التزيين في اللغة؛ وتأويله - والله أعلم - أي: زينت لكم أنفسكم ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون به بيني وبين ابني.

لكنا لا نعلم ما ذلك الأمر الذي زينت أنفسهم لهم، ويشبه أن يكون ذلك قوله: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: صبر لا جزع فيه، جميل نرضي بما ابتلينا به؛ لأن الصبر هو كف النفس عن الجزع.

والثاني: صبر جميل: كف النفس عن الجزع، وجميل: لا مكافأة فيه؛ لأنهم بما فعلوا بيوسف كانوا مستوجبين للمكافأة.

فقال: ﴿ فَصَبْرٌ ﴾ كف النفس عن الجزع بذلك، وجميل لا مكافأة فيه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ...

﴾ الآية؛ أي: وبالله أستعين على الصبر بما تصفون.

أو يقول: إني به أستعين على ما تقولون من الكذب حين تزعمون أن الذئب أكله ونحوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأكدوا خبرهم بحيلة، فجاؤوا بقميص يوسف ملطّخًا بدم غير دمه، موهمين أنَّه أثر أكل الذئب له، ففطن يعقوب -بقرينة أن القميص لم يُمَزَّق- لكذبهم، فقال لهم: ليس الأمر كما أخبرتم، بل زيّنت لكم أنفسكم أمرًا سيئًا صنعتموه به، فأمري صبر جميل لا جزع فيه، والله المطلوب منه العون على ما تذكرونه من أمر يوسف.

<div class="verse-tafsir" id="91.bw6kR"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد