الآية ١٧ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٧ من سورة يوسف

قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا : ( إنا ذهبنا نستبق ) أي : نترامى ، ( وتركنا يوسف عند متاعنا ) أي : ثيابنا وأمتعتنا ، ( فأكله الذئب ) وهو الذي كان [ قد ] جزع منه ، وحذر عليه .

وقولهم : ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه ، يقولون : ونحن نعلم أنك لا تصدقنا - والحالة هذه - لو كنا عندك صادقين ، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك ، لأنك خشيت أن يأكله الذئب ، فأكله الذئب ، فأنت معذور في تكذيبك لنا; لغرابة ما وقع وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قالوا: ( يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب) !

فبكى الشيخ وصاح بأعلى صوته، وقال: أين القميص؟

فجاءوه بالقميص عليه دمٌ كذب ، فأخذ القميص فطرحه على وجهه ، ثم بكى حتى تخضَّب وجهه من دم القميص.

* * * وقوله: (وما أنت بمؤمن لنا) ، يقولون: وما أنت بمصدّقنا على قِيلنا: إن يوسف أكله الذئب، ولو كنا صادقين!

كما:- 18842 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: (وما أنت بمؤمن لنا) قال: بمصدق لنا!

.......................................................................................

......................................................................................

......................................................................................

* * * [ فإن قال قائل : ( ولو كنا صادقين ) وقوله ]: (9) (ولو كنا صادقين) ، إما خبرٌ عنهم أنهم غير صادقين ، فذلك تكذيب منهم أنفسَهم ، أو خبرٌ منهم عن أبيهم أنه لا يصدِّقهم لو صدَقوه، فقد علمت أنهم لو صَدَقوا أباهم الخبرَ صَدَّقهم؟

قيل: ليس معنى ذلك بواحد منهما ، وإنما معنى ذلك: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنا من أهل الصدق الذين لا يُتَّهمون، لسوء ظنك بنا، وتُهمَتك لنا.

---------------------- الهوامش: (9) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام ، وظني أنه سقط من كلام الطبري شيء ، فلذلك وضعت قبله أسطرًا من النقط ، لأني أرى أنه لم يتم تفسير الآية على عادته في كل ما سلف .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين فيه سبع مسائل الأولى : قوله تعالى : نستبق نفتعل ، من ، المسابقة .

وقيل : أي ننتضل ; وكذا في قراءة عبد الله " إنا ذهبنا ننتضل " وهو نوع من المسابقة ; قاله الزجاج .

وقال الأزهري : النضال في السهام ، والرهان في الخيل ، والمسابقة تجمعهما .

قال القشيري أبو نصر : نستبق أي في الرمي ، أو على الفرس ; أو على الأقدام ; والغرض من المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العدو ، لأنه الآلة في قتال العدو ، ودفع الذئب عن الأغنام .

وقال السدي وابن حبان : نستبق نشتد جريا لنرى أينا أسبق .

قال ابن العربي : المسابقة شرعة في الشريعة ، وخصلة بديعة ، وعون على الحرب ; وقد فعلها - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وبخيله ، وسابق عائشة - رضي الله عنها - على قدميه فسبقها ; فلما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابقها فسبقته ; فقال لها : هذه بتلك .[ ص: 129 ] قلت : وسابق سلمة بن الأكوع رجلا لما رجعوا من ذي قرد إلى المدينة فسبقه سلمة ; خرجه مسلم .الثانية : وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها ; وهذا الحديث مع صحته في هذا الباب تضمن ثلاثة شروط ; فلا تجوز المسابقة بدونها ، وهي : أن المسافة لا بد أن تكون معلومة .

الثاني : أن تكون الخيل متساوية الأحوال .

الثالث : ألا يسابق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة .

والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها ، وتقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن .الثالثة : وأما المسابقة بالنصال والإبل ; فروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه ، ومنا من ينتضل ، وذكر الحديث .

وخرج النسائي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر .

وثبت ذكر النصل من حديث ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة ، ذكره النسائي ; وبه يقول فقهاء الحجاز والعراق .

وروى البخاري عن أنس قال : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ناقة تسمى العضباء لا تسبق - قال حميد : أو لا تكاد تسبق - فجاء أعرابي على قعود فسبقها ، فشق ذلك [ ص: 130 ] على المسلمين حتى عرفه ; فقال : حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه .الرابعة : أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف ، والحافر والنصل ; قال الشافعي : ما عدا هذه الثلاثة فالسبق فيها قمار .

وقد زاد أبو البختري القاضي في حديث الخف والحافر والنصل " أو جناح " وهي لفظة وضعها للرشيد ، فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته ; فلا يكتب العلماء حديثه بحال .

وقد روي عن مالك أنه قال : لا سبق إلا في الخيل والرمي ، لأنه قوة على أهل الحرب ; قال : وسبق الخيل أحب إلينا من سبق الرمي .

وظاهر الحديث يسوي بين السبق على النجب والسبق على الخيل .

وقد منع بعض العلماء الرهان في كل شيء إلا في الخيل ; لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها .

وروي عن عطاء أن المراهنة في كل شيء جائزة ; وقد تؤول قوله ; لأن حمله على العموم في كل شيء يؤدي إلى إجازة القمار ، وهو محرم باتفاق .الخامسة : لا يجوز السبق في الخيل والإبل إلا في غاية معلومة وأمد معلوم ، كما ذكرنا ، وكذلك الرمي لا يجوز السبق فيه إلا بغاية معلومة ورشق معلوم ، ونوع من الإصابة ; مشترط خسقا أو إصابة بغير شرط .

والأسباق ثلاثة : سبق يعطيه الوالي أو الرجل غير الوالي من ماله متطوعا فيجعل للسابق شيئا معلوما ; فمن سبق أخذه .

وسبق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه ، فإن سبقه صاحبه أخذه ، وإن سبق هو صاحبه أخذه ، وحسن أن يمضيه في الوجه الذي أخرجه له ، ولا يرجع إلى ماله ; وهذا مما لا خلاف فيه .

والسبق الثالث : اختلف فيه ; وهو أن يخرج كل واحد منهما شيئا مثل ما يخرجه صاحبه ، فأيهما سبق أحرز سبقه وسبق صاحبه ; وهذا الوجه لا يجوز حتى يدخلا بينهما محللا لا يأمنا أن يسبقهما ; فإن سبق المحلل أحرز السبقين جميعا وأخذهما وحده ، وإن سبق أحد المتسابقين أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه ; ولا شيء للمحلل فيه ، ولا شيء عليه .

وإن سبق الثاني منهما الثالث كان كمن لم يسبق واحد منهما .

وقال أبو علي بن خيران - من أصحاب الشافعي - : وحكم الفرس المحلل أن يكون مجهولا جريه ; وسمي محللا لأنه يحلل السبق للمتسابقين أو له .

واتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلل واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه أنه قمار ، ولا يجوز .

وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من [ ص: 131 ] أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخله وهو يأمن أن يسبق فهو قمار .

وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال : ليس برهان الخيل بأس إذا دخل فيها محلل ، فإن سبق أخذ السبق ، وإن سبق لم يكن عليه شيء ; وبهذا قال الشافعي وجمهور أهل العلم .

واختلف في ذلك قول مالك ; فقال مرة لا يجب المحلل في الخيل ، ولا نأخذ فيه بقول سعيد ، ثم قال : لا يجوز إلا بالمحلل ; وهو الأجود من قوله .السادسة : ولا يحمل على الخيل والإبل في المسابقة إلا محتلم ، ولو ركبها أربابها كان أولى ; وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : لا يركب الخيل في السباق إلا أربابها .

وقال الشافعي : وأقل السبق أن يسبق بالهادي أو بعضه ; أو بالكفل أو بعضه .

والسبق من الرماة على هذا النحو عنده ; وقول محمد بن الحسن في هذا الباب نحو قول الشافعي .السابعة : روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سابق أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - فسبق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى أبو بكر وثلث عمر ; ومعنى وصلى أبو بكر : يعني أن رأس فرسه كان عند صلا فرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصلوان موضع العجز .قوله تعالى : وتركنا يوسف عند متاعنا أي عند ثيابنا وأقمشتنا حارسا لها .فأكله الذئب وذلك أنهم لما سمعوا أباهم يقول : وأخاف أن يأكله الذئب أخذوا ذلك من فيه فتحرموا به ; لأنه كان أظهر المخاوف عليه .وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق ." ولو كنا " أي وإن كنا ; قاله المبرد وابن إسحاق .

" صادقين " في قولنا ; ولم يصدقهم يعقوب لما ظهر له منهم من قوة التهمة وكثرة الأدلة على خلاف ما قالوه على ما يأتي بيانه .

وقيل : ولو كنا صادقين أي ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا ، ولاتهمتنا في هذه القضية ، لشدة محبتك في يوسف ; قال معناه الطبري والزجاج وغيرهما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقالوا - متعذرين بعذر كاذب - { يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا } توفيرا له وراحة.

{ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } في حال غيبتنا عنه في استباقنا { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة الشديدة عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ) أي : نترامى وننتضل ، وقال السدي : نشتد على أقدامنا .

( وتركنا يوسف عند متاعنا ) أي : عند ثيابنا وأقمشتنا .

( فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ) بمصدق لنا ( ولو كنا ) وإن كنا ( صادقين ) .

فإن قيل : كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق ؟

.

قيل : معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر لأنك خفتنا في الابتداء واتهمتنا في حقه .

وقيل : معناه لا تصدقنا لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا يا أبانا إنا ذهبا نستبقُ» نرمي «وتركنا يوسف عند متاعنا» ثيابنا «فأكله الذئب وما أنت بمؤمن» بمصدق «لنا ولو كنا صادقين» عندك لاتهمتنا في هذه القصة لمحبة يوسف فكيف وأنت تسيء الظن بنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالوا: يا أبانا إنا ذهبنا نتسابق في الجَرْي والرمي بالسهام، وتركنا يوسف عند زادنا وثيابنا، فلم نقصِّر في حفظه، بل تركناه في مأمننا، وما فارقناه إلا وقتًا يسيرًا، فأكله الذئب، وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنا موصوفين بالصدق؛ لشدة حبك ليوسف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( قَالُواْ ياأبانآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ) أى : نتسابق عن طريق الرمى بالسهام ، أو على الخيل ، أو على الأقدام .

يقال : فلان وفلان استبقا أى : تسابقا حتى ينظر أيها يسبق الآخر .( وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا ) أى : عند الأشياء التى نتمتع بها وننتفع فى رحلتنا ، كالثياب والأطعمة ، وما يشبه ذلك .( فَأَكَلَهُ الذئب ) فى تلك الفترة التى تركناه فيها عند متاعنا .والمراد : قتله الذئب ، ثم أكله دون أن يبقى منه شيئا ندفنه .( وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) أى : وما أنت بمصدق لنا فيما أخبرناك به من أن يوسف قد أكله الذئب ، حتى ولو كنا صادقين فى ذلك ، لسوء ظنك بنا ، وشدة محبتك له .وهذه الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم ، وبمخادعتهم له ، ويكاد المريب أن يقول خذونى - كما يقولون - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنهم لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء باكين ورواه ابن جني عشا بضم العين والقصر وقال: عشوا من البكاء فعند ذلك فزع يعقوب وقال: هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا: لا قال: فما فعل يوسف؟

قالوا: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب ﴾ فبكى وصاح وقال: أين القميص؟

فطرحه على وجهه حتى تخضب وجهه من دم القميص، وروي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية ما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق، واختلفوا في معنى الاستباق قال الزجاج: يسابق بعضهم بعضاً في الرمي، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» يعني بالنصل الرمي، وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهماً وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال: استبقا وتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهماً ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبدالله ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا ﴾ .

والقول الثاني: في تفسير الاستباق ما قاله السدي ومقاتل: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدواً.

فإن قيل: كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون وهذا من فعل الصبيان؟

قلنا: الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو ولأنه كالآلة لهم في محاربة العدو ومدافعة الذئب إذا اختلس الشاة وقوله: ﴿ فَأَكَلَهُ الذئب ﴾ قيل أكل الذئب يوسف وقيل عرَّضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع، والوجه هو الأول.

ثم قالوا: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ليس المعنى أن يعقوب عليه السلام لا يصدق من يعلم أنه صادق، بل المعنى لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف لشدة محبتك إياه ولظننت أنا قد كذبنا والحاصل أنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدقنا لأنك تتهمنا.

وقيل: المعنى: إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان في أصل اللغة عبارة عن التصديق، لأن المراد من قوله: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ أي بمصدق، وإذا ثبت أن الأمر كذلك في أصل اللغة وجب أن يبقى في عرف الشرع كذلك، وقد سبق الاستقصاء فيه في أول سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما جاؤا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم.

قيل: ذبحوا جدياً ولطخوا ذلك القميص بدمه.

قال القاضي: ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحاً علم كذبهم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ ﴾ أي وجاؤا فوق قميصه بدم كما يقال: جاؤا على جمالهم بأحمال.

المسألة الثالثة: قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الأنباري ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي كذب ولكنه جعل نفسه كذباً للمبالغة قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله: ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً  ﴾ ورجل عدل وصوم، ونساء نوح ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضاً بهما فقالوا: للعقل المعقول، وللجلد المجلود، ومنه قوله تعالى: ﴿ بِأَيّكُمُ المفتون  ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ  ﴾ قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه، ولما شهد الشاهد قال: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ  ﴾ ولما أتي بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيراً، ثم ذكر تعالى أن أخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ .

قال ابن عباس: معناه: بل زينت لكم أنفسكم أمراً.

والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري: كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره.

وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز وقال صاحب الكشاف: ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ سهلت من السول وهو الاسترخاء.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ بَلِ ﴾ رد لقولهم: ﴿ أَكَلَهُ الذئب ﴾ كأنه قال: ليس كما تقولون: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ في شأنه ﴿ أمْراً ﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمراً غير ما تصفون، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه: لأول: أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم.

والثاني: أنه كان عالماً بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ  ﴾ وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك.

القول الثالث: قال سعيد بن جبير: لما جاؤا على قميصه بدم كذب، وما كان متخرقاً، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه، وعن السدي أنه قال: إن يعقوب عليه السلام قال: إن هذا الذئب كان رحيماً، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟

وقيل: إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله اللصوص، فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله؟

فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم.

ثم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من قال: إنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل.

وقال قطرب: معناه: فصبري صبر جميل.

وقال الفراء: فهو صبر جميل.

المسألة الثانية: كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة، فقيل له: ما هذا؟

فقال طول الزمان وكثرة الأحزان: فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟

فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.

وروي عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها قالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل.

المسألة الثالثة: عن الحسن أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فقال: صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر ويدل عليه من القرآن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله  ﴾ وقال مجاهد: فصبر جميل، أي من غير جزع، وقال الثوري: من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك، وهاهنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب فأما الصبر على ظلم الظالمين، ومكر الماكرين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير، وهاهنا أن إخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك؟

ولم لم يبالغ في التفتيش والبحث سعياً منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة إن كان في الأحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه، فثبت أن الصبر في المقام مذموم.

ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بأنه حي سليم لأنه قال له: ﴿ وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث  ﴾ والظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالماً بأنه حي سليم فكان من الواجب أن يسعى في طلبه.

وأيضاً إن يعقوب عليه السلام كان رجلاً عظيم القدر في نفسه، وكان من بيت عظيم شريف، وأهل العلم كانوا يعرفونه ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في أنه عليه السلام مع شدة رغبته في حضور يوسف عليه السلام، ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه كان من الواجبات، فثبت أن هذا الصبر في هذا المقام مذموم عقلاً وشرعاً.

والجواب عنه: أن نقول لا جواب عنه إلا أن يقال إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، وتغليظاً للأمر عليه، وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص، وأنه لو بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه وقتله، وأيضاً لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة، ثم لم يرد هتك أستار سرائر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس وذلك لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم فإنه يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم منه، فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يدل على أن الصبر على قسمين منه ما قد يكون جميلاً وما قد يكون غير جميل، فالصبر الجميل هو أن يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه فيصير استغراق قلبه في هذا المقام مانعاً له من إظهار الشكاية.

والوجه الثاني: أنه يعلم أن منزل هذا البلاء، حكيم لا يجهل، وعالم لا يغفل، عليم لا ينسى رحيم لا يطغى، وإذا كان كذلك، فكان كل ما صدر عنه حكمة وصواباً، فعند ذلك يسكت ولا يعترض.

والوجه الثالث: أنه ينكشف له أن هذا البلاء من الحق، فاستغراقه في شهود نور المبلى يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء ولذلك قيل: المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء، لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والحظ وموصل النصيب لا يكون محبوباً بالذات بل بالعرض، فهذا هو الصبر الجميل.

أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض، فذلك الصبر لا يكون جميلاً، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسناً وإلا فلا، وهاهنا يظهر صدق ما روي في الأثر استفت قلبك، ولو أفتاك المفتون فليتأمل الرجل تأملاً شافياً، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا؟

فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة.

ولما ذكر يعقوب قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ قال: ﴿ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ والمعنى: أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يجري مجرى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ وقوله: ﴿ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ يجري مجرى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وعن الحسن ﴿ عشيا ﴾ على تصغير عشيّ يقال: لقيته عشيا وعشياناً، وأصيلا وأصيلاناً ورواه ابن جني: عشى، بضم العين والقصر.

وقال عشوا من البكاء.

وروي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية، أما تراها تبكي؟

فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة: ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

وروي أنه لما سمع صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟

هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا: لا.

قال: فما لكم وأين يوسف؟

﴿ قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ أي نتسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل: والارتماء والترامي، وغير ذلك.

والمعنى: نتسابق في العدو أو في الرمي.

وجاء في التفسير: ننتضل ﴿ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ بمصدّق لنا ﴿ وَلَوْ كُنَّا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، لشدّة محبتك ليوسف، فكيف وأنت سيء الظن بنا، غير واثق بقولنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجاءُوا أباهم عِشاءً ﴾ أيْ آخِرَ النَّهارِ.

وقُرِئَ « عُشِيًّا» وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ و « عُشى» بِالضَّمِّ والقَصْرِ جَمْعُ أعْشى أيْ عَشَوْا مِنَ البُكاءِ.

﴿ يَبْكُونَ ﴾ مُتَباكِينَ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم فَزِعَ وقالَ ما لَكَمَ يا بَنِيَّ وأيْنَ يُوسُفُ.

﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ﴾ نَتَسابَقُ في العَدْوِ أوْ في الرَّمْيِ، وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ.

﴿ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ ﴾ لَنا بِمُصَدِّقٍ لَنا ﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ لِسُوءِ ظَنِّكَ بِنا وفَرْطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ يا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نتسابق العدو أو في الرمي والافتعال والتفاعل يشتركان كالإرتماء والترامي وغير ذلك {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} بمصدق لنا {وَلَوْ كُنَّا صادقين} ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ﴾ أيْ مُتَسابِقِينَ في العَدْوِ عَلى الأقْدامِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ في الرَّمْيِ بِالسِّهامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، أوْ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ في الصَّيْدِ وأخَذَهُ كَما قِيلَ، ورَجُحَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ -إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ- وأوْرَدَ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ كَيْفَ ساغَ لَهم الِاسْتِباقُ في العَدْوِ وهو مِن أفْعالِ الصِّبْيانِ الَّتِي لا ثَمَرَةَ فِيها، وأُجِيبَ بِالمَنعِ وثَمَرَتُهُ التَّدْرِيبُ في العَدْوِ لِمُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافِعَةِ الذِّئْبِ مَثَلًا؛ وبِالجُمْلَةِ (نَسْتَبِقُ) بِمَعْنى نَتَسابَقُ وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ فَيَكُونانِ بِمَعْنًى كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ ونَظائِرِهِما ﴿ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ والأزْوادِ وغَيْرِهِما ﴿ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُضِيِّ زَمانٍ يُعْتادُ فِيهِ التَّفَقُّدُ والتَّعَهُّدُ وحَيْثُ لا يَكادُ يَطْرَحُ المَتاعَ عادَةً إلّا في مَقامٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ لَمْ يُعَدَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ الغَفْلَةِ وتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ لا سِيَّما إذْ لَمْ يَغِيبُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَمْ نُقَصِّرْ في مُحافَظَتِهِ ولَمْ نَغْفُلْ عَنْ مُراقَبَتِهِ بَلْ تَرَكْناهُ في مَأْمَنِنا ومَجْمَعِنا بِمَرْأًى مِنّا وما فارَقْناهُ إلّا ساعَةً يَسِيرَةً بَيْنَنا وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ فَكانَ ما كانَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا إلّا أنَّ الذِّئْبَ أكَلَ يُوسُفَ ولَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَعْرِيضًا فَما قِيلَ: إنَّهم عَرَضُوا وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الجادَّةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ ﴿ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ أيْ ما أنْتَ مُصَدِّقٌ لَنا في هَذِهِ المَقالَةِ ﴿ ولَوْ كُنّا ﴾ عِنْدَكَ وفي اعْتِقادِكَ ﴿ صادِقِينَ ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِالصِّدْقِ والثِّقَةِ لِفَرْطِ مَحَبَّتِكَ فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّئُ الظَّنِّ بِنا غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا، قِيلَ: ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ إذْ لَوْ كانَ المَعْنى ﴿ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ فَكَيْفَ إذا كُنّا كاذِبِينَ فِيهِ فَيَلْزَمُ اعْتِرافُهم بِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ في مِثْلِ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: ﴿ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ.

﴿ وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ أوْ وصْفٍ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الكَذِبِ وعَيْنُهُ كَما يُقالُ لِلْكَذّابِ: هو الكَذِبُ بِعَيْنِهِ والزُّورُ بِذاتِهِ، ومِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ: أفِيضُوا عَلى عُزّابِكم مِن بَناتِكم فَما في كِتابِ اللَّهِ أنْ يُحْرَمَ الفَضْلَ وفِيهِنَّ فَضْلٌ قَدْ عَرَفْنا مَكانَهُ ∗∗∗ فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ كَذِبٌ بِمَكْذُوبٍ فِيهِ، فَإنَّ المَصْدَرَ قَدْ يُؤَوَّلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَذِبًا بِالنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلٍ (جاءُوا) بِتَأْوِيلِ كاذِبِينَ، وقِيلَ: مِن دَمٍ عَلى تَأْوِيلِ مَكْذُوبًا فِيهِ، وفِيهِ أنَّ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ جاءُوا بِذَلِكَ لِأجْلِ الكَذِبِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها والحَسَنُ -كَدِبٍ- بِالدّالِ المُهْمَلَةِ ولَيْسَ مِن قَلْبِ الذّالِ دالًا بَلْ هو لُغَةٌ أُخْرى بِمَعْنى كَدَرٍ أوْ طَرِيٍّ أوْ يابِسٍ فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: المَعْنى ذِي كَدِبٍ أيْ أثَرٍ لِأنَّ الكَدِبَ بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ الفُوفَ ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَقْدِيرَ المُضافِ وجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ الدَّمَ في القَمِيصِ يُشْبِهُ الكَدِبَ مِن جِهَةِ مُخالَفَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ ما هو فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى قَمِيصِهِ ﴾ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِن دَمٍ، وفي جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ خِلافٌ، والحَقُّ كَما قالَ السَّفاقِسِّيُّ: الجَوازُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ، وفي اللُّبابِ ولا تَتَقَدَّمُ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ عَلى الأصَحِّ نَحْوَ مَرَرْتُ جالِسَةً بِهِنْدٍ إلّا أنْ يَكُونَ الحالُ ظَرْفًا عَلى أنَّ الحَقَّ ما اخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ مِن جَوازِ التَّقْدِيمِ مُطْلَقًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: إنَّهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ جاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ (عَلى) عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِعْلاءِ وهو ظَرْفٌ لَغْوٌ، ومَنَعَ في البَحْرِ كَوْنَ العامِلِ فِيهِ المَجِيءُ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الفَوْقِيَّةَ ظَرْفٌ لِلْجائِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ بَلْ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ.

وفِي بَعْضِ الحَواشِي أنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: جاءُوا مُسْتَوْلِينَ عَلى قَمِيصِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِدَمٍ ﴾ حالٌ مِنَ القَمِيصِ، وجَعَلَ المَعْنى اسْتَوْلَوْا عَلى القَمِيصِ مُلْتَبِسًا بِدَمٍ جائِينَ، وهو عَلى ما قِيلَ: أوْلى مِن جاءُوا مُسْتَوْلِينَ لِما تَقَرَّرَ في التَّضْمِينِ، والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ فَإنَّ جُعِلَ المُضَمَّنُ أصْلًا والمَذْكُورُ حالًا وبِالعَكْسِ كُلٌّ مِنهُما جائِزٌ، وإذا اقْتَضى المَقامُ أحَدَهُما رَجُحَ، واسْتَظْهَرَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْمَجِيءِ المُتَعَدِّي، والمَعْنى أتَوْا بِدَمٍ كَذِبٍ فَوْقَ قَمِيصِهِ ولا يَخْفى اسْتِقامَتُهُ، هَذا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الدَّمَ كانَ دَمَ سَخْلَةٍ ذَبَحُوها ولَطَّخُوا بِدَمِها القَمِيصَ -كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم أخَذُوا ظَبْيًا فَذَبَحُوهُ فَلَطَّخُوا بِدَمِهِ القَمِيصَ، ولَمّا جاءُوا بِهِ جَعَلَ يُقَلِّبُهُ فَيَقُولُ: ما أرى بِهِ أثَرَ نابٍ ولا ظُفْرٍ إنَّ هَذا السَّبُعَ رَحِيمٌ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ أخَذَ القَمِيصَ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ، وقالَ: تاللَّهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمُ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهَ، وجاءَ أنَّهُ بَكى وصاحَ وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجِ نَفَسِهِ فَلَمْ يَحِسَّ بِنَفَسٍ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ، فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدِّينِ ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا فَلَمْ يَفُقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ يعني: فلما برزوا به إلى البَريَّة وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يقول: واتفقوا أن يلقوه في أسفل الجب، ثم أظهروا له العداوة، فجعل أحدهم يضربه فيستغيث بالآخر، فيضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا أن يقتلوه.

فقال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟

قوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي: فانطلقوا به إلى الجب، وهي بئر على رأس فرسخين من كنعان، ويقال: أربع فراسخ، فجعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفة البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه.

فقال: يا إخوتاه، ردوا عليّ قميصي أتوارى في الجب، فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك.

فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه، وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة في البئر، وقام عليها وجعل يبكي.

فجاءه جبريل يؤنسه ويطعمه.

قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أي: لتخبرهم بصنيعهم وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: تخبرهم بأمورهم، أو بصنيعهم هذا بمصر وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يعرفونك بمصر.

ويقال: معناه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أن الله تعالى أوحى إليه، وهم لا يعرفونه.

ويقال: لما أرادوا أن يلقوه في البئر، تعلق بإخوته، فقال له جبريل: لا تتعلق بهم، فإنك تنجو من البئر.

فألقوه حتى وقع في قعرها، فارتفع حجر حتى قام عليه، ثم إنهم أخذوا جدياً من الغنم فذبحوه، ثم لطخوا القميص بدمه.

ثمّ أقبلوا إلى أبيهم كما قال الله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ يعني: بعد العصر، فلما سمع يعقوب أصواتهم، فزع وقال: يا بني ما لكم قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ يعني: نتصيّد ويقال: ننتضل، أي يسابق بعضنا البعض في الرمي، وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فلما قالوا هذا القول: بكى يعقوب، وصاح بأعلى صوته: ثم قال: أين قميصه؟

فأخذ القميص وبكى، ثم قال إن هذا الذئب كان بابني رحيماً، كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟

وروى سماك، عن عامر، أنه قال: في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قُدَّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، علم أن الذئب لو أكله لخرق قميصه.

فقال لهم: كذبتم، فقالوا له: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا يعني: بمصدق لنا في مقالتنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ في مقالتنا وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ يعني: بدم السخلة ولم يكن دم يوسف.

ويقال: بدم كذب أي مكذوب به.

وقرأ بعضهم: بِدَمٍ كدب بالدال، يعني: بدم طري.

فأروه القميص بالدم ليعرف به، وهي قراءة شاذة، وقراءة العامة بالذال وقال يعقوب: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل بلا جزع.

ويقال: معناه لا حيلة لي إلا الصبر.

ويقال: معناه فصبري صبر جميل.

وروي عن بعض الصحابة، أنه كان يقرأ فصبرا جَمِيلاً، يعني: اصبر صبراً جميلاً.

وروي عن رسول الله  أنه سئل عن قوله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال «صبر لا شكوى فيه، ومن بث فلم يصبر» .

ثم قال: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ يقول: أستعين بالله، وأطلب العون من الله واستعين بالله، على ما تقولون، وتكذبون من أمر يوسف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)

وقوله: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ: أي: وقْتَ العشاءِ، وقرأ الحسن:

«عُشى» «١» على مثال «دُجىً» ، جمع «عاشٍ» ، ومعنى ذلك: أصابهم عشى من البكاء أو شبه العَشَى، إذ كذلك هي عَيْنُ الباكي لأنه يتعاشَى، ومثَّل شُرَيْحَ امرأة بكَتْ، وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، ونَسْتَبِقُ: معناه: على الأقدام، وقيل: بالرمْي، أي: ننْتَضِلُ، وهو نوعٌ من المسابقة قاله الزَّجَّاج، وقولهم: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: أي بمصَدِّق لنا، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ، أي: ولو كنا موصوفين بالصِّدْقِ، ويحتمل أنْ يكون قولهم: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ: بمعنى: وإن كنا صادقِينَ في معتَقَدِنا.

وقوله سبحانه: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ: روي أنهم أَخَذُوا سَخْلَةً أَوْ جَدْياً، فذبحوه، ولَطَّخُوا به قميصَ يُوسُفَ، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه وبكَى ثم تأمَّله، فلم يَرَ خِرَقاً، ولا أثر نابٍ فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئْبُ حليماً يأكُلُ يوسُفَ، ولا يخرق قميصَهُ قصَّ هذا القَصَصَ ابن عباس وغيره «٢» ، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحَّة القميصِ، واستند الفقهاءُ إِلى هذا في إِعْمَالِ الأماراتِ في مسائِل كالقَسَامة «٣» بها في قول مالكٍ إِلى غير ذلك.

قال الشعبيُّ: كان في القميص ثلاث

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ ﴾ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والأعْمَشُ: " عُشاءً " بِضَمِّ العَيْنِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: جاؤُوا وقْتَ العَتَمَةِ لِيَكُونُوا أجْرَأ في الظُّلْمَةِ عَلى الِاعْتِذارِ بِالكَذِبِ، فَلَمّا سَمِعَ صَوْتَهم فَزِعَ، وقالَ: مالَكم يا بَنِيَّ، هَلْ أصابَكم في غَنَمِكم شَيْءٌ ؟

قالُوا: لا، قالَ: فَما أصابَكم ؟

وأيْنَ يُوسُفُ ؟

" قالُوا: يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ " وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: نَنْتَضِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والمَعْنى، يُسابِقُ بَعْضُنا بَعْضًا في الرَّمْيِ.

والثّانِي: نَشْتَدُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: نَتَصَيَّدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: نَسْتَبِقُ في الرَّمْيِ لِنَنْظُرَ أيُّنا أسْبَقُ سَهْمًا، وعَلى الثّانِي: نَسْتَبِقُ عَلى الأقْدامِ؛ وعَلى الثّالِثِ: لِلصَّيْدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ﴾ أيْ: ثِيابِنا.

" وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا " أيْ: بِمُصَدِّقٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: وإنْ كُنّا قَدْ صَدَقْنا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: لَوْ كُنّا عِنْدَكَ مِن أهْلِ الصِّدْقِ لاتَّهَمْتَنا في يُوسُفَ لِمَحَبَّتِكَ إيّاهُ، وظَنَنْتَ أنّا قَدْ كَذَبْناكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عِشاءً"، أيْ: وقْتُ العِشاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "عُشًى" عَلى مِثالِ دُجًى، أيْ جَمْعُ "عاشٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: عُشاةٌ كَماشٍ ومُشاةٌ، ولَكِنْ حُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَتْ مِن "مَأْلُكَةٍ"، وقالَ عَدِيٌّ: أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى ذَلِكَ أصابَهم عَشًا مِنَ البُكاءِ أو شِبْهُ العَشا إذْ كَذَلِكَ هي هَيْئَةُ عَيْنِ الباكِي لِأنَّهُ يَتَعاشى، ومَثَّلَ شُرَيْحٌ في امْرَأةٍ بَكَتْ وهي مُبْطِلَةٌ بِبُكاءِ هَؤُلاءِ وقَرَأ الآيَةَ، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما بالُكُمْ؟

أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟

قالُوا: لا، قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟

قالُوا: ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ..

فَبَكى وصاحَ وقالَ: أيْنَ قَمِيصُهُ؟

وسَيَأْتِي قَصَصُ ذَلِكَ.

و"نَسْتَبِقُ" مَعْناهُ: عَلى الأقْدامِ، أيْ: نَجْرِي غِلابًا، وقِيلَ: بِالرَمْيِ، أيْ: نَنْتَصِلُ، وهو نَوْعٌ مِنَ المُسابَقَةِ، قالَهُ الزَجّاجُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ، ومَعْنى الكَلامِ: أيْ: لَوْ كُنّا مَوْصُوفِينَ بِالصِدْقِ وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ كُنْتَ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ فِينا في جَمِيعِ أقْوالِنا قَدِيمًا لَما صَدَّقْتَنا في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةً لِما لَحِقَكَ فِيها مِنَ الحُزْنِ ونالَكَ مِنَ المَشَقَّةِ ولِما تَقَدَّمَ مِن تُهْمَتِكَ لَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ بِمَعْنى: وإنْ كُنّا صادِقِينَ، وقالَهُ المُبَرِّدُ، كَأنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم صادِقُونَ في هَذِهِ النازِلَةِ، فَهو تَمادٍ مِنهم في الكَذِبِ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ  ﴾ .

بِمَعْنى: أو إنْ كُنّا كارِهِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا المِثالِ عِنْدِي نَظَرٌ، وتَخَبَّطَ الرُمّانِيُّ في هَذا المَوْضِعِ، وقالَ: "ألْزَمُوا أباهم عِنادًا" ونَحْوَ هَذا مِمّا لا يَلْزَمُ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا: وما أنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ في مُعْتَقَدِكَ.

بَلْ قالُوا: وما أنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ فِيما نَعْتَقِدُ نَحْنُ، وأمّا أنْتَ فَقَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ سُوءُ الظَنِّ بِنا، ولا يُنْكَرُ أنْ يَعْتَقِدَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ صِدْقَ الكاذِبِ وكَذِبَ الصادِقِ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ، فَإنَّما هو بَشَرٌ، كَما قالَ  : « "إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ.."» الحَدِيثُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ جَوَّزَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُصَدِّقَ الكاذِبَ، وكَذَلِكَ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِ السَلامُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ حِينَ حَلَفَ عَلى مَقالَةِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وكَذَّبَ زَيْدًا، حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ فَظَهَرَ الحَقُّ، فَكَلامُ إخْوَةِ يُوسُفَ إنَّما هو مُغالَطَةٌ ومُحاجَّةٌ لا إلْزامَ عِنادٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أو جِدْيًا فَذَبَحُوهُ ولَطَّخُوا بِهِ قَمِيصَ يُوسُفَ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُهُ، فَأخَذَهُ ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا أثَرَ نابٍ.

فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى كَذِبِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: مَتى كانَ الذِئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ؟

قَصَّ هَذا القَصَصَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ لِصِحَّةِ القَمِيصِ، واسْتَنَدَ الفُقَهاءُ إلى هَذا في إعْمالِ الأماراتِ في مَسائِلَ كالقَسامَةِ وغَيْرِها في قَوْلِ مالِكٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، قالَ الشَعْبِيُّ: كانَ في القَمِيصِ ثَلاثُ آياتٍ: دَلالَتُهُ عَلى كَذِبِهِمْ، وشَهادَتُهُ في قَدِّهِ، ورَدُّ بَصَرِ يَعْقُوبَ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهم ذَهَبُوا فَأخَذُوا ذِئْبًا فَلَطَّخُوا فاهُ بِالدَمِ وساقُوهُ وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا أكَلَ يُوسُفَ، فَدَعاهُ يَعْقُوبُ فَأقْعى وتَكَلَّمَ بِتَكْذِيبِهِمْ.

ووَصْفُ الدَمِ بِـ "كَذِبٍ" إمّا عَلى مَعْنى: بِدَمٍ ذِي كَذِبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَكْذُوبٍ عَلَيْهِ، كَما قَدْ جاءَ (المَعْقُولُ) بَدَلَ (العَقْلِ) في قَوْلِ الشاعِرِ: حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولًا فَكَذَلِكَ يَجِيءُ (التَكْذِيبُ) مَكانَ (المَكْذُوبِ).

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كَلامُ الطَبَرِيِّ، ولا شاهِدَ لَهُ فِيهِ عِنْدِي، لِأنَّ نَفْيَ (المَعْقُولِ) يَقْتَضِي نَفْيَ (العَقْلِ) ولا يَحْتاجُ إلى بَدَلٍ، وإنَّما الدَمُ الكَذِبُ عِنْدِي وصْفٌ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "بِدَمٍ كَدِبٍ" بِدالٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، ومَعْناهُ: الطَرِيُّ ونَحْوُهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ القِراءَةُ قَوِيَّةً.

ثُمَّ قالَ لَهم يَعْقُوبُ لَمّا بانَ كَذِبُهُمْ: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ أيْ: رَضِيَتْ وجَعَلَتْ سُؤْلًا ومُرادًا.

"أمْرًا" أيْ: صُنْعًا قَبِيحًا بِيُوسُفَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ رُفِعَ إمّا عَلى حَذْفِ الِابْتِداءِ وإمّا عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، إمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَشَأْنِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ.

وذُكِرَ أنَّ الأشْهَبَ، وعِيسى بْنَ عُمَرَ قَرَئا بِالنَصْبِ: "فَصَبْرًا جَمِيلًا" عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِ أنَسَ بْنِ مالِكٍ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، ولِذا يَحْسُنُ النَصْبُ في قَوْلِ الشاعِرِ: ........................

صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ويُنْشَدُ أيْضًا بِالرَفْعِ، ويُرْوى: "صَبْرٌ جَمِيلٌ" عَلى نِداءِ الجَمَلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُرى ∗∗∗ ∗∗∗ يا جَمَلِي لَيْسَ إلَيَّ المُشْتَكى صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ أثْناءَ مُخاطَبَةِ بَنِيهِ، وجَمِيلُ الصَبْرِ ألّا تَقَعَ شَكْوى إلى بَشَرٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا".» وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ تَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، والتَقْدِيرُ: عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُواْ ياأبانا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين ﴾ ﴿ وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ عطف على جملة ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ [سورة يوسف: 15] عطف جزء القصة.

والعشاء: وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس بعد غروبها.

والبكاء: خروج الدموع من العينين عند الحزن والأسف والقهر.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً ﴾ [سورة التوبة: 82].

وقد أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي.

وإنما اصطنعوا البكاء تمويهاً على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السّلام، ولعلّهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد.

ومن الناس من تتأثر أعصابهم بتخيل الشيء ومحاكاته فيعتريهم ما يعتري الناس بالحقيقة.

وبعض المتظلمين بالباطل يفعلون ذلك، وفطنة الحاكم لا تنخدع لمثل هذه الحيل ولا تنوط بها حكماً، وإنما يناط الحكم بالبينة.

جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء وكانت مبطلة فجعلت تبكي، وأظهر شريح عدم الاطمئنان لدعواها، فقيل له: أما تراها تبكي؟

فقال: قد جاء إخوة يوسف عليه السّلام أباهم عشاء يبكون وهم ظلَمة كَذبَة، لا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بالحق.

قال ابن العربي: قال علماؤنا: هذا يدلّ على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنّعاً.

ومن الخلق من لا يقدر على ذلك ومنهم من يقدر.

قلت: ومن الأمثال دموع الفاجر بيديه وهذه عبرة في هذه العبرة.

والاستباق: افتعال من السبق وهو هنا بمعنى التسابق قال في الكشاف}: «والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل، والارتماء والترامي، أي فهو بمعنى المفاعلة.

ولذلك يقال: السباق أيضاً.

كما يقال النضال والرماء».

والمراد: الاستباق بالجري على الأرجل، وذلك من مرح الشباب ولعبهم.

والمتاع: ما يتمتع أي ينتفع به.

وتقدم قي قوله تعالى: ﴿ لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ في سورة النساء (102).

والمراد به هنا ثَقَلهم من الثياب والآنية والزاد.

ومعنى فأكله الذئب } قتله وأكل منه، وفعل الأكل يتعلق باسم الشيء.

والمراد بعضه.

يقال أكلَه الأسد إذا أكل منه.

قال تعالى: ﴿ وما أكل السّبع ﴾ [سورة المائدة: 3] عطفاً على المنهيات عن أن يؤكل منها، أي بقتلها.

ومن كلام عمر حين طعنه أبو لؤلؤة أكلني الكلب، أي عضّني.

والمراد بالذئب جمع من الذئاب على ما عرفت آنفاً عند قوله: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ [سورة يوسف: 13]؛ بحيث لم يترك الذئاب منه، ولذلك لم يقولوا فدفنّاه.

وقوله: وما أنت بمؤمن لنا} خبر مستعمل في لازم الفائدة.

وهو أن المتكلم علم بمضمون الخبر.

وهو تعريض بأنهم صادقون فيما ادّعوه لأنهم يعلمون أباهم لا يصدقهم فيه، فلم يكونوا طامعين بتصديقه إياهم.

وفعل الإيمان يعدّى باللام إلى المصدّق بفتح الدال كقوله تعالى: ﴿ فآمن له لوطٌ ﴾ [سورة العنكبوت: 26].

وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه ﴾ في سورة يونس (83).

وجملة ولو كنا صادقين } في موضع الحال فالواو واو الحال.

﴿ ولو ﴾ اتصالية، وهي تفيد أنه مضمون ما بعدها هو أبعد الأحوال عن تحقق مضمون ما قبلها في ذلك الحال.

والتقدير: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين في نفس الأمر، أي نحن نعلم انتفاء إيمانك لنا في الحالين فلا نطمع أن نموّه عليك.

وليس يلزم تقدير شرط محذوف هو ضد الشرط المنطوق به لأن ذلك تقدير لمجرد التنبيه على جعل الواو للحال مع (لو وإن) الوصليتين وليس يستقيم ذلك التقدير في كل موضع، ألا ترى قول المعري: وإني وإن كنتُ الأخيّر زمانه *** لآتتٍ بما لم تستطعه الأوائل كيف لا يستقيم تقدير إني إن كنت المتقدم زمانه بل وإن كنت الأخيرَ زمانه.

فشرط (لو) الوصلية و(إن) الوصلية ليس لهما مفهومُ مخالفة، لأن الشرط معهما ليس للتقييد.

وتقدم ذكر (لَو) الوصلية عند قوله تعالى: ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ في سورة البقرة (170)، وعند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ﴾ في سورة آل عمران (91).

وجملة وجاءوا على قميصه} في موضع الحال.

ولما كان الدم ملطخاً به القميص وكانوا قد جاءوا مصاحبين للقميص فقد جاءوا بالدم على القميص.

ووصف الدم بالكذب وصف بالمصدر، والمصدر هنا بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق، أي مكذوب كونه دم يوسف عليه السّلام إذ هو دم جدي، فهو دم حقاً لكنه ليس الدم المزعوم.

ولا شك في أنهم لم يتركوا كيفية من كيفيات تمويه الدم وحالة القميص بحال قميص من يأكله الذئب من آثار تخريق وتمزيق مما لا تخلو عنه حالة افتراس الذئب، وأنهم أفطن من أن يفوتهم ذلك وهم عصبة لا يعْزُب عن مجموعهم مثل ذلك.

فما قاله بعض أصحاب التفسير من أن يعقوب عليه السّلام قال لأبنائه: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلَم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، فذلك من تظرفات القصص.

وقوله: ﴿ على قميصه ﴾ حال من (دم) فقدم على صاحب الحال.

حرف الإضراب إبطال لدعواهم أن الذئب أكله فقد صرح لهم بكذبهم.

والتسويل: التسهيل وتزيين النفس ما تحرص على حصوله.

والإبهام الذي في كلمة ﴿ أمراً ﴾ يحتمل عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف عليه السّلام: من قتل، أو بيع، أو تغريب، لأنه لم يعلم تعيين ما فعلوه.

وتنكير ﴿ أمراً ﴾ للتهويل.

وفرّع على ذلك إنشاءُ التصبر ﴿ فصبرٌ جميل ﴾ نائب مناب اصبر صبراً جميلاً.

عدل به عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات والدوام، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا سلاماً قال سلامٌ ﴾ في سورة هود (69).

ويكون ذلك اعتراضاً في أثناء خطاب أبنائه، أو يكون تقدير: اصبر صبراً جميلاً، على أنه خطاب لنفسه.

ويجوز أن يكون فصبر جميل } خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه السياق، أي فأمْري صبرٌ.

أو مبتدأ خبره محذوف كذلك.

والمعنى على الإنشاء أوقع، وتقدم الصبر عند قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ في سورة البقرة (45).

ووصف ﴿ جميل ﴾ يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً إذ الصبر كله حسن دون الجزع.

كما قال إبراهيم بن كنيف النبهاني: تصبّر فإنّ الصبر بالحرّ أجمل *** وليس على ريب الزمان معوّل أي أجمل من الجزع.

ويحتمل أن يكون وصفاً مخصصاً.

وقد فسّر الصبر الجميل بالذي لا يخالطه جزع.

والجمال: حسن الشيء في صفات محاسن صنفه، فجمال الصبر أحسن أحواله، وهو أن لا يقارنه شيء يقلل خصائص ماهيته.

وفي الحديث الصحيح أن النبي عليه السّلام مر بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري» فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فلما انصرف مرّ بها رجل، فقال لها: إنه النبيءُ صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» أي الصبر الكامل.

وقوله: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ عطف على جملة ﴿ فصبر جميل ﴾ فتكون محتملة للمعنيين المذكورين من إنشاء الاستعانة أو الإخبار بحصول استعانته بالله على تحمل الصبر على ذلك، أو أراد الاستعانة بالله ليوسف عليه السّلام على الخلاص مما أحاط به.

والتعبير عما أصاب يوسف عليه السّلام ب ﴿ ما تصفون ﴾ في غاية البلاغة لأنه كان واثقاً بأنهم كاذبون في الصفة وواثقاً بأنهم ألحقوا بيوسف عليه السّلام ضراً فلما لم يتعيّن عنده المصاب أجمل التعبير عنه إجمالاً موجهاً لأنهم يحسبون أن ما يصفونه هو موته بأكل الذئب إياه ويعقوب عليه السّلام يريد أن ما يصفونه هو المصاب الواقع الذي وصفوه وصفاً كاذباً.

فهو قريب من قوله تعالى: ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون ﴾ [سورة الصافات: 180].

وإنما فوض يعقوب عليه السّلام الأمر إلى الله ولم يسْعَ للكشف عن مصير يوسف عليه السّلام لأنه علم تعذر ذلك عليه لكبر سنه، ولأنه لا عضد له يستعين به على أبنائه أولئك.

وقد صاروا هم الساعين في البعد بيْنه وبين يوسف عليه السّلام، فأيس من استطاعة الكشف عن يوسف عليه السّلام بدونهم، ألا ترى أنه لما وجد منهم فرصة قال لهم: ﴿ اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه ﴾ [سورة يوسف: 87].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ﴾ وهو نَفْتَعِلُ مِنَ السِّباقِ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ نَنْتَصِلُ مِنَ السِّباقِ في الرَّمْيِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: أنَّهم أرادُوا السَّبْقَ بِالسَّعْيِ عَلى أقْدامِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهم عَنَوُا اسْتِباقَهم في العَمَلِ الَّذِي تَشاغَلُوا بِهِ مِنَ الرَّعْيِ والِاحْتِطابِ.

الرّابِعُ: أيْ نَتَصَيَّدُ وأنَّهم يَسْتَبِقُونَ عَلى اقْتِناصِ الصَّيْدِ.

﴿ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعْنُوا بِتَرْكِهِ عِنْدَ مَتاعِهِمْ إظْهارَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنُوا حِفْظَ رِحالِهِمْ.

﴿ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ لَمّا سَمِعُوا أباهم يَقُولُ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ أخَذُوا ذَلِكَ مِن فِيهِ وتَحَرَّمُوا بِهِ لِأنَّهُ كانَ أظْهَرَ المَخاوِفِ عَلَيْهِ.

﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ لَنا.

﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم تَشْكِيكًا لِأبِيهِمْ في صِدْقِهِمْ وإنَّما عَنَوْا: ولَوْ كُنّا أهْلَ صِدْقٍ ما صَدَّقْتَنا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ وإنْ كُنّا قَدْ صَدَقْنا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ دَمَ سَخْلَةٍ.

وَقالَ قَتادَةُ: كانَ دَمَ ظَبْيَةٍ.

قالَ الحَسَنُ: لَمّا جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ فَلَمْ يَرَ يَعْقُوبُ فِيهِ شَقًّا قالَ: يا بَنِيَّ واللَّهِ ما عَهِدْتُ الذِّئْبَ حَلِيمًا، أيَأْكُلُ ابْنِي ويُبْقِي عَلى قَمِيصِهِ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أيْ مَكْذُوبٌ فِيهِ، ولَكِنْ وصَفَهُ بِالمَصْدَرِ فَصارَ تَقْدِيرُهُ بِدَمٍ ذِي كَذِبٍ.

وَقَرَأ الحَسَنُ بِدَمٍ كَذَّبَ بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، ومَعْناهُ بِدَمٍ مُتَغَيِّرٍ.

قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وَفي القَمِيصِ ثَلاثُ آياتٍ: حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وحِينَ قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ، وحِينَ أُلْقِيَ عَلى وجْهِ أبِيهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا.

﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ أمَرَتْكم أنْفُسُكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بَلْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي رَدِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبِهِ لَهم ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بَعْدَ فِعْلِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ عِنْدَهُ عَلِمٌ بِذَلِكَ قَدِيمٌ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ حَدْسًا بِصائِبِ رَأْيِهِ وصِدْقِ ظَنِّهِ.

قالَ تَرْضِيَةً لِنَفْسِهِ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فاحْتَمَلَ ما أمَرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصَّبْرِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الصَّبْرُ عَلى مُقابَلَتِهِمْ عَلى فِعْلِهِمْ فَيَكُونُ هَذا الصَّبْرُ عَفْوًا عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن فَقْدِ يُوسُفَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى أنَّ مِنَ الجَمِيلِ أنْ أصْبِرَ.

الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ نَفْسَهُ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ.

وَفي الصَّبْرِ الجَمِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا جَزَعَ فِيهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ.

رَوى حَبّابُ بْنُ أبِي حُبْلَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فَقالَ: (صَبْرٌ لا شَكْوى فِيهِ، ومَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ)» .

﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى الصَّبْرِ الجَمِيلِ.

الثّانِي: واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.

الثّالِثُ: يَعْنِي عَلى ما تَكْذِبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ابْتَلى اللَّهُ يَعْقُوبَ في كِبَرِهِ، ويُوسُفَ في صِغَرِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَزْمُهُما.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى شريح رضي الله عنه تخاصم في شيء، فجعلت تبكي، فقالوا: يا أبا أمية، أما تراها تبكي؟

فقال: قد جاء اخوة يوسف أباهم عشاء يبكون.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ﴾ قال: نزلت على كلام العرب.

كقولك لا تصدق بالصدق ولو كنت صادقاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ قال أكثر المفسرين (١) (٢) (٣)  : "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (٤) ﴿ إنا ذهبنا ننتصل ﴾ (٥) وقال السدي (٦) (٧) فالجواب ما ذكره صاحب النظم، وهو أن الاستباق فيهم كان مثل السباق في الخيل والنصال عندنا، وكانوا يُحْزنُون بذلك أنفسهم ويدربونها على العَدْو؛ لأنه كالآلة لهم في محاربة العدو، ومدافعة الذئب إذا رام ماشيتهم (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا ﴾ قال ابن عباس (٩) ﴿ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ﴾ ، قال عامة المفسرين (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ، قال أبو إسحاق (١٣) ونحو هذا قال أبو العباس (١٤) وقال أبو بكر: أرادوا نحن صادقون عند أنفسنا، وأنت غير مصدق لنا، إن لم تقم أمارات صدقنا عندك، فلو كنا صادقين عند الله أولاً ثم عند أنفسنا ما صدقتنا، إذ لم يقم عندك براهين صدقنا.

(١) الطبري 12/ 162، والثعلبي 7/ 66 ب، و"زاد المسير" 4/ 191، والبغوي 4/ 222.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 95.

(٣) "مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 217.

(٤) أخرجه أحمد 2/ 474، برقم (10138)، ط.

الرسالة، من حديث أبي هريرة، والترمذي (1700) في الجهاد، باب: ما جاء في الرهبان والسبق، وأبو داود "عون المعبود" (2557) في الجهاد، باب: في السبق، وابن ماجه (2878) في الجهاد، باب: السبق والرهان وصححه الألباني.

انظر: "صحيح سنن ابن ماجه" للألباني (1326)، كتاب: الجهاد، باب: السبق والرهان وخرجه الألباني في "إرواء الغليل" (1506).

(٥) الثعلبي 7/ 66 ب، القرطبي 9/ 145.

(٦) "زاد المسير" 4/ 192، الرازي 18/ 101.

(٧) ذكره الثعلبي بقوله ابن حيان 7/ 67 أ.

(٨) الرازي 18/ 101، القرطبي 9/ 145.

(٩) البغوي 4/ 222، و"زاد المسير" 4/ 192.

(١٠) الطبري 12/ 162، الثعلبي 7/ 67 أ، البغوي 4/ 222، "زاد المسير" 4/ 192، القرطبي 9/ 148.

(١١) "معاني القرآن وإعربه" 3/ 96، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 303، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 1/ 217.

(١٢) ذكر عند قوله تعالى ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ أقوال العلماء في أن الإيمان بمعنى التصديق: ونقل عن الأزهري حكايته اتفاق العلماء على هذا المعنى، وشرح دلالة اللفظ عليه مع الاستشهاد بأقوال أهل اللغة، ثم قال: والقول في معنى الإيمان ما قاله الأزهري.

قلت: إن كان المقصود أن ذلك في اللغة، فالأمر فيه واسع وهو محل خلاف، وإن كان المقصود المعنى الشرعي فهو مردود، والإيمان عند علماء السلف: تصديق القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح.

انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص381، 382.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.

(١٤) لعله أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب السناني النيسابوري الوراق، أحد أئمة الشافعية، إمام ثقة حافظ، توفي سنة 346 هـ.

انظر: "طبقات فقهاء الشافعية" 1/ 76، و"طبقات الشافعية" للآسنوي 1/ 42.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ أي: نجري على أقدامنا لننظر أينا يسبق ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ أي بمصدّق لمقالتنا ﴿ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ أي لا تصدّقنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا، وقيل: معناه لا تصدقنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم، والأول أظهر ﴿ وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي: ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة، وروي أنهم لطخو قمصه بدم جَدْي، وقالوا ليعقوب: هذا دمه في قميصه فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يخرق قميصه، فاستدل بذلك على كذبهم ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ أي زينت ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه مبتدأ تقديره: صبر جميل أمثل، أو خبر مبتدأ تقديره: شأني صبر جميل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ﴾ : [غيابة الجب] قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ : وحي نبوة، أو وحي بشارة النجاة من ذلك الجب، أو بشارة الملك له والعز.

ثم قوله: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هو قول يوسف حيث قال لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ...

﴾ الآية [يوسف: 89] ﴿ قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي  ﴾ هذا الذي نبأهم يوسف وهم لا يشعرون بذلك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى يعقوب ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ هو ما قال لهم: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ...

﴾ الآية [يوسف: 87] أمرهم أن يطلبوه ويتحسسوا من أمره؛ كأنه علم أنه حي؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أنه حي؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ  ﴾ ولهذا قال حين ألقى الثوب على وجهه فارتد بصيراً: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وذلك تأويل قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ إن كانت الآية في يعقوب، وإن كانت في يوسف فهو ما ذكرنا، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ﴾ الآية.

في الآية دلائل: أحدها: أن من ارتكب صغيرة فإنه يخاف عليه التعذيب، ولا يصير كافراً، ومن ارتكب كبيرة لم يخرج من الإيمان؛ لأن إخوة يوسف همّوا بقتل يوسف، أو طرحه في الجب، والتغييب عن وجه أبيه، وإخلائه عنه، وذلك لا يخلو منهم: إما أن تكون صغيرة أو كبيرة: فإن كانت صغيرة فقد استغفروا عليها بقولهم: ﴿ قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ...

﴾ الآية [يوسف: 97]؛ دل أنهم إنما استغفروا لما خافوا العذاب عليها.

وإن كانت كبيرة فلم يخرجوا من الإيمان؛ حيث صاروا أنبياء من بعد وصاروا قوماً صالحين؛ حيث قالوا: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ  ﴾ .

دل ما ذكرنا على نقض قول المعتزلة في صاحب الصغيرة أن لا تعذيب عليه، وصاحب الكبيرة أنه خرج من الإيمان، ونقض قول الخوارج في قولهم: إنه إذا ارتكب كبيرة أو صغيرة صار به كافراً مشركاً.

وفيه نقض قول من يقول: إن من كذب متعمداً أو وعد فأخلف أو اؤتمن فخان يصير منافقاً؛ لأن إخوة يوسف أؤتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، وحدثوا فكذبوا، فلم يصيروا منافقين؛ لأنهم قالوا: أكله الذئب، [ولم يأكله]، وهو كذب، واؤتمنوا، فخانوا حين ألقوه في الجبّ، ووعدوا أنهم يحفظونه، ولم يحفظوه.

فإن قيل: روي عن رسول الله  أنه قال: "ثلاث من علامات النفاق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن [خان، وإذا وعد أخلف]" فكيف يوفق بين الآية والخبر؟!

إذ هو لا يحتمل النسخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يحتمل النسخ.

قيل: يشبه أن يكون هذا في قوم خاص من الكفرة اؤتمنوا بما أودع في التوراة من نعت محمد، فغيروه، ووعدوا أن يبينوه، فأخلفوا وكتموه، وحدثوا أنهم بينوه، فكذبوا، أو يصير منافقاً بما ذكر، إذا كان ذلك في أمر الدين، وأما في غيره: فإنه لا يصير به منافقاً، ولا يكون ذلك من أعلام المنافق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ .

هذا القول منهم له في الظاهر عظيم؛ لأنهم قالوا: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ، ولا يحتمل أن يكونوا عنده صدقة ثم يكذبهم، يكون نبي من الأنبياء يعلم صدق إنسان ثم لا يصدقه؛ هذا بعيد، لكن يحتمل قولهم: وما أنت بمؤمن لنا في هذا ولو كنا صادقين عندك من قبل في غير هذا.

أو يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا ولا تصدقنا؛ لأنه اتهمهم؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ فاعترضت له التهمة، وليس في الاتهام تكذيب؛ إنما فيه الوقف؛ لأن من ائتمن آخر في شيء ثم اتهمه فيه، لا يكون في اتهامه إياه تكذيبه؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا لما سبقت من التهمة ولو كنا صادقين.

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، وإلا لم يجز أن يكون نبي من الأنبياء يكذب من يعلم أنه صادق في خبره وقوله.

فإن قيل في قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ : كيف خاف ذلك وقد قال له يعقوب: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ...

﴾ الآية [يوسف: 6]؛ أنبأه أنه يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم [عليه نعمته]، فكيف خاف عليه أكل الذئب والضياع، وذلك لا يحتمل أن يقول له إلا بعلم من الله والوحي إليه؟

قيل: يحتمل أن يكون ما ذكر على شرط الخوف أنه يخاف مما ذكر فيكون له ما قال من الاجتباء، وتعليم الأحاديث، وإتمام النعمة عليه.

أو خاف ذلك على ما خافوا جميعاً على ما هم عليه من الدين وإن عصموا عما خافوا جميعاً؛ حيث قال إبراهيم: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، ومعلوم أن إبراهيم لا يعبد الأصنام، وقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ وأمثاله، وهو ما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تزيل الخوف، ولا تؤمن عن ارتكاب مضاداته؛ بل يزيد الخوف على ذلك الأخيار والأبرار؛ كان خوفهم وإشفاقهم على دينهم أكثر من غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ .

قال بعضهم: أي: نشتد إلى الصيد.

وقال أبو عوسجة: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ هذا من السباق؛ أي: يعدون حتى ينظروا أيّهم يسبق؛ أي: يتقدم من صاحبه ويغلبه في العدو.

وقال القتبي: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ ، أي: ننتضل، يسابق بعضنا بعضا في الرمي؛ يقال: سابقته فسبقته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ .

الدم لا يكون كذباً، لكنه - والله أعلم - جاءوا على قميصه بدم قد كذبوا فيه أنه دم يوسف وأن الذئب أكله، ولم يكن.

وقال الفراء: ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ : بدم مكذوب، والعرب قد تستعمل المصدر في موضع المفعول.

ثم قال: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ .

أي: زينت لكم أنفسكم.

والتسويل: هو التزيين في اللغة؛ وتأويله - والله أعلم - أي: زينت لكم أنفسكم ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون به بيني وبين ابني.

لكنا لا نعلم ما ذلك الأمر الذي زينت أنفسهم لهم، ويشبه أن يكون ذلك قوله: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: صبر لا جزع فيه، جميل نرضي بما ابتلينا به؛ لأن الصبر هو كف النفس عن الجزع.

والثاني: صبر جميل: كف النفس عن الجزع، وجميل: لا مكافأة فيه؛ لأنهم بما فعلوا بيوسف كانوا مستوجبين للمكافأة.

فقال: ﴿ فَصَبْرٌ ﴾ كف النفس عن الجزع بذلك، وجميل لا مكافأة فيه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ...

﴾ الآية؛ أي: وبالله أستعين على الصبر بما تصفون.

أو يقول: إني به أستعين على ما تقولون من الكذب حين تزعمون أن الذئب أكله ونحوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالوا: يا أبانا، إنا ذهبنا نتسابق على الأرجل ونترامى بالنبال، وتركنا يوسف عند ثيابنا وأزْوَادنا ليحفظها، فأكله الذئب، ولست بمصدّق لنا، وإن كنا في الواقع صادقين فيما أخبرناك به.

<div class="verse-tafsir" id="91.v3AkE"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل