الآية ١٩ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٩ من سورة يوسف

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عما جرى ليوسف ، عليه السلام ، حين ألقاه إخوته ، وتركوه في ذلك الجب فريدا وحيدا ، فمكث في البئر ثلاثة أيام ، فيما قالهأبو بكر بن عياش وقال محمد بن إسحاق : لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك ، ينظرون ما يصنع وما يصنع به ، فساق الله له سيارة ، فنزلوا قريبا من تلك البئر ، وأرسلوا واردهم - وهو الذي يتطلب لهم الماء - فلما جاء تلك البئر ، وأدلى دلوه فيها ، تشبث يوسف ، عليه السلام ، فيها ، فأخرجه واستبشر به ، وقال : ( يا بشراي هذا غلام ) وقرأ بعض القراء : " يا بشرى " ، زعم السدي أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه ، معلما له أنه أصاب غلاما .

وهذا القول من السدي غريب; لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس ، والله أعلم .

وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى ، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه ، وحذف ياء الإضافة وهو يريدها ، كما تقول العرب : " يا نفس اصبري " ، و " يا غلام أقبل " ، بحذف حرف الإضافة ، ويجوز الكسر حينئذ والرفع ، وهذا منه ، وتفسرها القراءة الأخرى ) يا بشراي " ) والله أعلم .

وقوله : ( وأسروه بضاعة ) أي : وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا : اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره .

قاله مجاهد ، والسدي ، وابن جرير .

هذا قول .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : قوله : ( وأسروه بضاعة ) يعني : إخوة يوسف ، أسروا شأنه ، وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته ، واختار البيع .

فذكره إخوته لوارد القوم ، فنادى أصحابه : ( يا بشرى هذا غلام ) يباع ، فباعه إخوته .

وقوله : ( والله عليم بما يعملون ) أي : يعلم ما يفعله إخوة يوسف ومشتروه ، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه ، ولكن له حكمة وقدر سابق ، فترك ذلك ليمضى ما قدره وقضاه ، ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .

وفي هذا تعريض لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وإعلامه له بأنني عالم بأذى قومك ، وأنا قادر على الإنكار عليهم ، ولكني سأملي لهم ، ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم ، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجاءت مارَّةُ الطريق من المسافرين (19) ، (فأرسلوا واردهم) وهو الذي يرد المنهل والمنـزل , و " وروده إياه "، مصيره إليه ودخوله (20) .(فأدلى دلوه) يقول: أرسل دلوه في البئر.

* * * يقال: " أدليت الدلو في البئر " إذا أرسلتها فيه , فإذا استقيت فيها قلت: " دلوْتُ أدْلُو دلوًا ".

* * * وفي الكلام محذوف، استغنى بدلالة ما ذكر عليه، فترك , وذلك: (فأدلى دلوه) ، فتعلق به يُوسف، فخرج , فقال المدلي: (يا بشرى هذا غلام) .

* * * وبالذي قلنا في ذلك , جاءت الأخبار عن أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 18880 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه) فتعلق يوسف بالحبل، فخرج , فلما رآه صاحب الحبل نادَى رجلا من أصحابه يقال له " بُشرى ": (يا بشرى هذا غلامٌ).

18881 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه) فتشبث الغلام بالدلو , فلما خرج قال: (يا بشرى هذا غلام) .

* * * 18882 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (فأرسلوا واردهم) يقول: أرسلوا رسولهم , فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام ( ، (قال يا بشرى هذا غلام).

* * * واختلفوا في معنى قوله:: (يا بشرى هذا غلام).

فقال بعضهم: ذلك تبشير من المدلي دلوَه أصحابَه، في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدًا (21) .

* ذكر من قال ذلك: 18883 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (قال يا بشرى هذا غلام) تباشروا به حين أخرجوه .

وهي بئر بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانها 18884 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (يا بشرى هذا غلام) قال: بشّرهم واردهم حين وجدَ يوسف.

* * * وقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيَّارة بعينه، ناداه المدلي لما خرج يوسف من البئر متعلِّقًا بالحبل .

* ذكر من قال ذلك: 18885 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (يا بشرى هذا غلام) قال: نادى رجلا من أصحابه يقال له " بشرى " , فقال: (يا بشرى هذا غلام).

18886 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا خلف بن هشام , قال: حدثنا يحيى بن آدم , عن قيس بن الربيع , عن السدي , في قوله: (يا بشرى هذا غلام) قال: كان اسم صاحبه " بشرى ".

18887 - حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد , قال: حدثنا الحكم بن ظهير , عن السدي , في قوله: (يا بشرى هذا غلام) قال: اسم الغلام " بشرى " ; قال: " يا بشرى " , كما تقول ": يا زيد ".

* * * واختلفت القراء في قراءة ذلك: فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة: " يا بُشْرَيَّ" بإثبات ياء الإضافة , غير أنه أدغم الألف في الياء طلبا للكسرة التي تلزم ما قبل ياء الإضافة من المتكلم، في قولهم ": غلامي" و " جاريتي"، في كل حال , وذلك من لغة طيئ , (22) كما قال أبو ذؤيب: سَــبَقوا هَــوَيَّ وأَعْنَقُـوا لِهَـوَاهُمُ فَتُخِــرِّمُوا وَلِكُــلِّ جَـنْبٍ مَصْـرَعُ (23) * * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (يا بُشْرَى) بإرسال الياء وترك الإضافة .

وإذا قرئ ذلك كذلك احتمل وجهين من التأويل: أحدهما ما قاله السدي , وهو أن يكون اسم رجل دعاه المستقي باسمه , كما يقال: " يا زيد " , و " يا عمرو " , فيكون " بشرى " في موضع رفع بالنداء.

والآخر: أن يكون أرادَ إضافة البشرى إلى نفسه , فحذف الياء وهو يريدها , فيكون مفردًا وفيه نيَّة الإضافة , كما تفعل العرب في النداء فتقول: " يا نفس اصبري" , و " يا نفسي اصبري" , و " يا بُنَيُّ لا تفعل " , و " يا بُنَيِّ لا تفعل " , فتفرد وترفع، وفيه نية الإضافة.

وتضيف أحيانًا فتكسر , كما تقول: " يا غلامِ أقبل " , و " يا غلامي أقبل " .

* * * قال أبو جعفر: وأعجب القراءة في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأه بإرسال الياء وتسكينها ; لأنه إن كان اسم رجل بعينِه كان معروفًا فيهم كما قال السدي , فتلك هي القراءة الصحيحة لا شك فيها (24) .

وإن كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرئ كذلك على ما بيَّنت.

وأما التشديد والإضافة في الياء، فقراءة شاذة، لا أرى القراءة بها , وإن كانت لغة معروفة ; لإجماع الحجة من القرأة على خلافها .

* * * وأما قوله: (وأسروه بضاعة) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: وأسرَّه الوارد المستقي وأصحابُه من التجار الذين كانوا معهم , وقالوا لهم ": هو بضاعة استبضعناها بعضَ أهل مصر " ; لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشتروه بما اشتروه به أن يطلبوا منهم فيه الشركة .

* ذكر من قال ذلك: 18888 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وأسرو بضاعة) قال: صاحب الدلو ومن معه , قالوا لأصحابهم: " إنما استبضعناه " , خيفةَ أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه.

وتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثق منه لا يأبَقْ !

حتى وَقَفوه بمصر , فقال: من يبتاعني ويُبَشَّر؟

فاشتراه الملك , والملك مُسلم.

18889 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه ، غير أنه قال: خيفة أن يستشركوهم إن علموا به , واتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق !

حتى واقفوه بمصر (25) ، وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو.

18890 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ، 18891 - ....

قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , بنحوه ، غير أنه قال: خيفة أن يشاركوهم فيه، إن علموا بثمنه .

18892 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , بنحوه ، إلا أنه قال: خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا ثمنه .

وقال أيضًا: حتى أوقفوه بمصر.

18893 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (وأسروه بضاعة) قال: لما اشتراه الرجلان فَرَقًا من الرفقة أن يقولوا: " اشتريناه " فيسألونهم الشركة , فقالا إن سألونا ما هذا؟

قلنا بضاعة استبضَعَناه أهل الماء .

فذلك قوله: (وأسروه بضاعة) بينهم * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسرّه التجار بعضهم من بعض .

* ذكر من قال ذلك: 18894 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن سفيان , عن رجل , عن مجاهد: (وأسروه بضاعة) قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.

18895 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم الفضل , قال: حدثنا سفيان , عن مجاهد: (وأسروه بضاعة) قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أسرُّوا بيعَه .

* ذكر من قال ذلك: 18896 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا معمر , عن قتادة: (وأسروه بضاعة) قال: أسروا بيعه.

18897 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن مجاهد: (وأسروه بضاعة) قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعة .

* * * وقال آخرون: إنما عني بقوله: (وأسروه بضاعة) إخوة يوسف، أنهم أسرُّوا شأن يوسف أن يكون أخَاهم , قالوا: هو عبدٌ لنا .

* ذكر من قال ذلك: 18898 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله: (وأسروه بضاعة) يعني: إخوة يوسف أسرُّوا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم , فكتم يوسف شأنه مخافةَ أن تقتله إخوته , واختار البيع .

فذكره إخوته لوارد القوم , فنادى أصحابه قال: يا بشرى‍!

هذا غلامٌ يباع .

فباعه إخوته.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب: قولُ من قال: " وأسرَّ وارد القوم المدلي دلوَه ومن معه من أصحابه، من رفقته السيارة، أمرَ يوسف أنهم أشتروه، خيفةً منهم أن يستشركوهم , وقالوا لهم: هو بضاعة أبضَعَها معنا أهل الماء ، وذلك أنه عقيب الخبر عنه , فلأن يكون ما وليه من الخبر خبرًا عنه , أشبهُ من أن يكون خبرًا عمَّن هو بالخبر عنه غيرُ متَّصِل (26) .

* * * وقوله: (والله عليم بما يعملون) يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يعمله باعَةُ يوسف ومشتروه في أمره، لا يخفى عليه من ذلك شيء , ولكنه ترك تغيير ذلك ليمضي فيه وفيهم حكمه السابق في علمه , وليري إخوة يوسف ويوسف وأباه قدرتَه فيه.

(27) * * * وهذا , وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن يوسف نبيّه صلى الله عليه وسلم , فإنه تذكير من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وتسلية منه له عما كان يلقى من أقربائه وأنسبائه المشركين من الأذى فيه , يقول : فاصبر، يا محمد، على ما نالك في الله , فإنّي قادرٌ على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون , كما كنت قادرًا على تغيير ما لقي يوسف من إخوته في حال ما كانوا يفعلون به ما فعلوا , ولم يكن تركي ذلك لهوان يوسف عليّ، ولكن لماضي علمي فيه وفي إخوته , فكذلك تركي تغييرَ ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك عليّ , ولكن لسابق علمي فيك وفيهم , ثم يصير أمرُك وأمرهم إلى عُلوّك عليهم، وإذعانهم لك , كما صار أمر إخوة يوسف إلى الإذعان ليوسف بالسؤدد عليهم، وعلوِّ يوسف عليهم.

(28) * * * ---------------------- الهوامش: (19) انظر تفسير" السيارة" فيما سلف 15 : 567 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(20) انظر تفسير" الورود" فيما سلف 15 : 466 .

(21) انظر تفسير" البشرى" فيما سلف من فهارس اللغة ( بشر ) .

(22) ولغة هذيل أيضًا ، كما قال الأصمعي .

(23) ديوانه ( في ديوان الهذليين ) 1 : 2 ، وشرح المفضليات : 854 ، وغيرهما ، وهي إحدى عجائب أبي ذؤيب ، يقولها في بنيه الذين ماتوا ، سبقه بهم الطاعون في عام واحد ، وكانوا خمسة : أَوْدَى بَنِــيَّ , وأعْقَبُــونِي غُصَّـةً بَعْــدَ الرُّقــادِ , وعَــبْرةً لا تُقْلِـعُ سَـــبَقوا هـــوَيَّ ..............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

فَغَــبَرْتُ بَعْــدَهُمُ بعَيْشٍ نــاصِبٍ وَإخــالُ أنِّــي لاحِــقٌ مُسْــتَتْبِعُ يقول: سبقوني بما اختاروه من الموت والذهاب ، وساروا سيرًا حثيثًا إلى الذي اختاروه ، فتخرمتهم المنية ، فأخذتهم واحدًا بعد واحد .

ولكل جنب مصرع لا يخطئه ، فحيث قدر الله له الميتة أدركته .

(24) في المطبوعة والمخطوطة :" فذلك هي ....." ، والأجود ما أثبت .

(25) في المطبوعة :" حتى أوقفوه" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وانظر هذه الرواية في رقم : 18892 .

(26) انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف 15 : 103 ، 239 .

(27) انظر تفسير" عليم" فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) .

(28) عند هذا الموضع انتهى الجزء الثاني عشر من مخطوطتنا ، وفي آخرها ما نصه :" نجز الجزء الثاني عشر ، بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم يتلوه في أول الجزء الثالث عشر إن شاء الله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } وكان الفراغ منه في شهر رمضان المعظم سنة خمس عشرة وسبعمئة" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون [ ص: 135 ] قوله تعالى : وجاءت سيارة أي رفقة مارة يسيرون من الشام إلى مصر فأخطئوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبا من الجب ، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران ، إنما هو للرعاة والمجتاز ، وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف .فأرسلوا واردهم فذكر على المعنى ; ولو قال : فأرسلت واردها لكان على اللفظ ، مثل وجاءت .

والوارد الذي يرد الماء يستقي للقوم ; وكان اسمه - فيما ذكر المفسرون - مالك بن دعر ، من العرب العاربة .فأدلى دلوه أي أرسله ; يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها ليملأها ، ودلاها أي أخرجها : عن الأصمعي وغيره .

ودلا - من ذات الواو - يدلو دلوا ، أي جذب وأخرج ، وكذلك أدلى إذا أرسل ، فلما ثقل ردوه إلى الياء ، لأنها أخف من الواو ; قال الكوفيون .

وقال الخليل وسيبويه : لما جاوز ثلاثة أحرف رجع إلى الياء ، اتباعا للمستقبل .

وجمع دلو في أقل العدد أدل فإذا كثرت قلت : دلي ودلي ; فقلبت الواو ياء ، إلا أن الجمع بابه التغيير ، وليفرق بين الواحد والجمع ; ودلاء أيضا .فتعلق يوسف بالحبل ، فلما خرج إذا غلام كالقمر ليلة البدر ، أحسن ما يكون من الغلمان .

قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث الإسراء من صحيح مسلم : فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن .

وقال كعب الأحبار : كان يوسف حسن الوجه ، جعد الشعر ، ضخم العينين ، مستوي الخلق ، أبيض اللون ، غليظ الساعدين والعضدين ، خميص البطن ، صغير السرة ، إذا ابتسم رأيت النور من ضواحكه ، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع الشمس من ثناياه ، لا يستطيع أحد وصفه ; وكان حسنه كضوء النهار عند الليل ، وكان يشبه آدم - عليه السلام - يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية ، وقيل : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة ; وكانت قد أعطيت سدس الحسن ; فلما رآه مالك بن دعر قال : " يا بشراي هذا غلام " هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة ; إلا ابن أبي إسحاق فإنه قرأ " يا بشري هذا غلام " فقلب الألف ياء ، لأن هذه الياء يكسر ما قبلها ، فلما لم يجز كسر الألف كان قلبها عوضا .

وقرأ أهل الكوفة " يا بشرى " غير مضاف ; وفي معناه قولان : أحدهما : اسم الغلام ، والثاني : معناه يا أيتها البشرى هذا حينك وأوانك .

قال قتادة والسدي : لما أدلى المدلي دلوه تعلق بها يوسف فقال : يا بشرى هذا غلام ; قال قتادة : بشر أصحابه بأنه وجد عبدا .

وقال السدي : نادى رجلا اسمه بشرى .

قال النحاس : قول قتادة أولى ; لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا ; وإنما يأتي بالكناية كما قال - عز وجل - : ويوم يعض الظالم على يديه [ ص: 136 ] وهو عقبة بن أبي معيط ، وبعده يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا وهو أمية بن خلف ; قاله النحاس .

والمعنى في نداء البشرى : التبشير لمن حضر ; وهو أوكد من قولك تبشرت ، كما تقول : يا عجباه !

أي يا عجب هذا من أيامك ومن آياتك ، فاحضر ; وهذا مذهب سيبويه ، وكذا قال السهيلي .

وقيل : هو كما تقول : واسروراه !

وأن البشرى مصدر من الاستبشار : وهذا أصح ; لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافا إلى ضمير المتكلم ; وعلى هذا يكون " بشراي " في موضع نصب ، لأنه نداء مضاف ; ومعنى النداء هاهنا التنبيه ، أي انتبهوا لفرحتي وسروري ; وعلى قول السدي يكون في موضع رفع كما تقول : يا زيد هذا غلام .

ويجوز أن يكون محله نصبا كقولك : يا رجلا ، وقوله : يا حسرة على العباد ولكنه لم ينون " بشرى " لأنه لا ينصرف .وأسروه بضاعة الهاء كناية عن يوسف - عليه السلام - فأما الواو فكناية عن إخوته .

وقيل : عن التجار الذين اشتروه ، وقيل : عن الوارد وأصحابه .

" بضاعة " نصب على الحال .

قال مجاهد : أسره مالك بن دعر وأصحابه من التجار الذين معهم في الرفقة ، وقالوا لهم : هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الشام أو أهل هذا الماء إلى مصر ; وإنما قالوا هذا خيفة الشركة .

وقال ابن عباس : أسره إخوة يوسف بضاعة لما استخرج من الجب ; وذلك أنهم جاءوا فقالوا : بئس ما صنعتم !

هذا عبد لنا أبق ، وقالوا ليوسف بالعبرانية : إما أن تقر لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء ، وإما أن نأخذك فنقتلك ; فقال : أنا أقر لكم بالعبودية ، فأقر لهم فباعوه منهم .

وقيل : إن يهوذا وصى أخاه يوسف بلسانهم أن اعترف لإخوتك بالعبودية فإني أخشى إن لم تفعل قتلوك ; فلعل الله أن يجعل لك مخرجا ، وتنجو من القتل ، فكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته ; فقال مالك : والله ما هذه سمة العبيد !

، قالوا : هو تربى في حجورنا ، وتخلق بأخلاقنا ، وتأدب بآدابنا ; فقال : ما تقول يا غلام ؟

قال : صدقوا !

تربيت في حجورهم ، وتخلقت بأخلاقهم ; فقال مالك : إن بعتموه مني اشتريته منكم ; فباعوه منه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: مكث يوسف في الجب ما مكث، حتى { جَاءَتْ سَيَّارَةٌ } أي: قافلة تريد مصر، { فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ } أي: فرطهم ومقدمهم، الذي يعس لهم المياه، ويسبرها ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك، { فَأَدْلَى } ذلك الوارد { دَلْوَهُ } فتعلق فيه يوسف عليه السلام وخرج.

{ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ } أي: استبشر وقال: هذا غلام نفيس، { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجاءت سيارة ) وهم القوم المسافرون ، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض ، كانت رفقة من مدين تريد مصر فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب ، وكان الجب في [ قفر بعيد ] من العمران للرعاة والمارة ، وكان ماؤه مالحا فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه ، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر ، [ لطلب الماء ] فذلك قوله عز وجل : ( فأرسلوا واردهم ) والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء .

( فأدلى دلوه ) أي : أرسلها في البئر ، يقال : أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ، ودلوتها إذا أخرجتها ، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أعطي يوسف شطر الحسن" .

ويقال : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن .

قال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن .

فلما رآه مالك بن ذعر ( قال يا بشرى ) قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء ، بشر المستقي أصحابه يقول : أبشروا .

وقرأ أهل الكوفة : يا بشرى ، بغير إضافة ، يريد نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه بشرى .

( هذا غلام ) وروى ابن مجاهد عن أبيه : أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها .

( وأسروه ) أخفوه ( بضاعة ) قال مجاهد : أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم وقالوا : هو بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة .

وقيل : أراد أن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف وقالوا هذا عبد لنا [ أبق ] .

قال الله تعالى : ( والله عليم بما يعملون ) فأتى يهوذا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر ، فأخبر بذلك إخوته ، فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزولا فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا هذا عبد آبق منا .

ويقال : إنهم هددوا يوسف حتى لم يعرف حاله .

وقال مثل قولهم ، ثم باعوه ، فذلك قوله عز وجل :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجاءت سيارة» مسافرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريبا من جب يوسف «فأرسلوا واردهم» الذي يرد الماء ليستقي منه «فأدلى» أرسل «دلوه» في البئر فتعلق بها يوسف فأخرجه فلما رآه «قال يا بشراي» وفي قراءة بشرى ونداؤها مجاز أي احضري فهذا وقتك «هذا غلام» فعلم به إخوته فأتوه «وأسَرُّوه» أي أخفوا أمره جاعليه «بضاعة» بأن قالوا هذا عبدنا أبق، وسكت يوسف خوفا من أن يقتلوه «والله عليم بما يعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجاءت جماعة من المسافرين، فأرسلوا مَن يطلب لهم الماء، فلما أرسل دلوه في البئر تعلَّق بها يوسف، فقال واردهم: يا بشراي هذا غلام نفيس، وأخفى الواردُ وأصحابه يوسفَ من بقية المسافرين فلم يظهروه لهم، وقالوا: إن هذه بضاعة استبضعناها، والله عليم بما يعملونه بيوسف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتقص علينا مرحلة أخرى من مراحل حياة يوسف - عليه السلام - حيث حدثتنا عن انتشاله من الجب ، وعن بيعه بثمن بخس وعن وصية الذى اشتراه لامرأته ، وعن مظاهر رعاية الله - تعالى - له فقال - سبحانه -( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فأدلى دَلْوَهُ .

.

.

)قوله - سبحانه - : ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فأدلى دَلْوَهُ .

.

.

) شروع فى الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ألقى به إخوته فى الجب .والسيارة : جماعة المسافرين ، وكانوا - كما قيل - متجهين من بلاد الشام إلى مصر .والوارد : هو الذى يرد الماء ليستقى للناس الذين معه .

ويقع هذا اللفظ على الفرد والجماعة ، فيقال لكل من يرد الماء وارد ، كما يقال للماء مورود .وقوله ( فأدلى ) من الإِدلاء بمعنى إرسال الدول فى البئر لأخذ الماء .والدلو : إناء معروف يوضع فيه الماء .وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير :وبعد أن ألقى إخوة يوسف به فى الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم ، جاءت إلى ذلك المكان قافلة من المسافرين ، فأرسلوا واردهم ليبحث لهم عن ماء ليستقوا ، فوجد جبا ، فأدلى دلوه فيه ، فتعلق به يوسف ، فلما خرج ورآه فرح به وقال : يا بشرى هذا غلام .وأوقع النداء على البشرى ، للتعبير عن انتهاجه وسروره ، حتى لكأنها شخص عاقل يستحق النداء ، أى : يا بشارتى أقبلى فهذا أوان إقبالك .وقيل المنادى محذوف والتقدير : يا رفاقى فى السفر أبشروا فهذا غلام ، وقد خرج من الجب .وقرأ أهل المدينة ومكة : يا بشراى هذا غلام .

بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم .

والضمير المنصوب وهو الهاء فى قوله : ( وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ) يعود إلى يوسف .أما الضمير المرفوع فيعود إلى السيارة ، وأسر من الإِسرار الذى هو ضد الإِعلان .والبضاعة : عرضو التجاة ومتاعها .

وهذا اللفظ مأخذو من البضع بمعنى القطع ، وأصله جملة من اللحم تبضع أى : تقطع .

وهو حال من الضمير المنصوب فى ( وأسروه ) .والمعنى : وأخفى جماعة المسافرين خبر التقاط يوسف من الجب مخافة أن يطلبه أحد من السكان المجاورين للجب ، واعتبره بضاعة سرية لهم ، وعزموا على بيعه على أنه من العبيد الأرقاء .ولعل يوسف - عليه السلام - قد أخبرهم بقصته بعد إخراجه من الجب .ولكنهم لم يلتفتوا إلى ما أخبرهم به طمعا فى بيعه والانتفاع بثمنه .ومن المفسرين من يرى أن الضمير المرفوع فى قوله ( وأسروه ) يعود على الوارد ورفاقه ، فيكون المعنى :وأسر الوارد ومن معه أمر يوسف عن بقية أفراد القافلة ، مخافة أن يشاركهوهم فى ثمنه إذا علموا خبره ، وزعموا أن أهل هذا المكان الذى به الجب دفعوه إليهم ليبيعوه لهم فى مصر على أنه بضاعة لهم .ومنهم من يرى أن الضمير السابق يعود إلى إخوة يوسف .قال الشوكانى ما ملخصه : وذلك أن يهوذا كان يأتى إلى يوسف كل يوم بالطعام ، فأتاه يوم خروجه من الجب فلم يجده ، فأخبر إخوته بذلك ، فأتوا إلى السيارة وقالوا لهم : " إن الغلام الذى معكم عبد لنا قد أبق ، فاشتروه منهم بثمن بخس ، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه إخوته فيقتلوه " .وعلى هذا الرأى يكون معنى ( وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ) : أخفى إخوة يوسف كونه أخا لهم ، واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء .ويكون المراد بقوله - تعالى - بعد ذلك ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) الشراء الحقيقى ، بمعنى أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس .والحق أن الرأى الأول هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية ، ولأنهبعيد عن التكلف الذى يرى واضحا فى القولين الثانى والثالث .وقوله : ( والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) أى : لا يخفى عليه شئ من إسرارهم .

ومن عملهم السئ فى حق يوسف .

حيث إنهم استرقوه وباعوه بثمن بخس ، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، كما جاء فى الحديث الشريف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة، فقال: ﴿ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ ﴾ يعني رفقة تسير للسفر.

قال ابن عباس: جاءت سيارة أي قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطؤا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف عليه السلام، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة، وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف عليه السلام فأرسلوا رجلاً يقال له: مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء، والوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم ﴿ فأدلى دَلْوَهُ ﴾ ونقل الواحدي عن عامة أهل اللغة أنه يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها إذا نزعها من البئر يقال: أدلى يدلي إدلاء إذا أرسل ودلا يدلو دلواً إذا جذب وأخرج، والدلو معروف، والجمع دلاء ﴿ قَالَ يَا بُشْرى هذا غُلاَمٌ ﴾ وهاهنا محذوف، والتقدير: فظهر يوسف قال المفسرون: لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فنظر الوارد إليه ورأى حسنه نادى، فقال: يا بشرى.

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ بُشْرىً ﴾ بغير الألف وبسكون الياء، والباقون يا بشراي بالألف وفتح الياء على الإضافة.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ الرياح بُشْرىً ﴾ قولان: القول الأول: أنها كلمة تذكر عند البشارة ونظيره قولهم: يا عجباً من كذا وقوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وعلى هذا القول ففي تفسير النداء وجهان: الأول: قال الزجاج: معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين وتوكيد القصة فإذا قلت: يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا.

الثاني: قال أبو علي: كأنه يقول: يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك، ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن ولأمرت بالحضور.

واعلم أن سبب البشارة هو أنهم وجدوا غلاماً في غاية الحسن وقالوا: نبيعه بثمن عظيم ويصير ذلك سبباً لحصول الغنى.

والقول الثاني: وهو الذي ذكره السدي أن الذي نادى صاحبه وكان اسمه، فقال يا بشرى كما تقول يا زيد.

وعن الأعمش أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى ﴿ الرياح بُشْرىً ﴾ قال أبو علي الفارسي: إن جعلنا البشرى اسماً للبشارة، وهو الوجه جاز أن يكون في محل الرفع كما قيل: يا رجل لاختصاصه بالنداء، وجاز أن يكون في موضع النصب على تقدير: أنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى، ولم يخص كما تقول: يا رجلاً ﴿ ياحسرة عَلَى العباد  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بضاعة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الضمير في ﴿ وَأَسَرُّوهُ ﴾ إلى من يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه في الجب، وذلك لأنهم قالوا: إن قلنا للسيارة التقطناه شاركونا فيه، وإن قلنا اشتريناه: سألونا الشركة، فالأصوب أن نقول: إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر.

والثاني: نقل عن ابن عباس أنه قال: ﴿ وَأَسَرُّوهُ ﴾ يعني: إخوة يوسف أسروا شأنه، والمعنى: أنهم أخفوا كونه أخاً لهم، بل قالوا: إنه عبد لنا أبق منا وتابعهم على ذلك يوسف لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية، والأول أولى لأن قوله: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بضاعة ﴾ يدل على أن المراد أسروه حال ما حكموا بأنه بضاعة، وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة يوسف.

المسألة الثانية: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت اللحم إذا قطعته.

قال الزجاج: وبضاعة منصوبة على الحال كأنه قال: وأسروه حال ما جعلوه بضاعة.

ثم قال تعالى: ﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ والمراد منه أن يوسف عليه السلام لما رأى الكواكب والشمس والقمر في النوم سجدت له وذكر ذلك حسده إخوته عليه واحتالوا في إبطال ذلك الأمر عليه فأوقعوه في البلاء الشديد حتى لا يتيسر له ذلك المقصود، وأنه تعالى جعل وقوعه في ذلك البلاء سبباً إلى وصوله إلى مصر، ثم تمادت وقائعه وتتابع الأمر إلى أن صار ملك مصر وحصل ذلك الذي رآه في النوم فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيره الله تعالى سبباً لحصول ذلك المطلوب، فلهذا المعنى قال: ﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ أما قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ ففيه قولان: القول الأول: المراد من الشراء هو البيع، وعلى هذا التقدير ففي ذلك البائع قولان: القول الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن إخوة يوسف لما طرحوا يوسف في الجب ورجعوا عادوا بعد ثلاث يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبدنا أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، والمراد من قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ أي باعوه يقال: شريت الشيء إذا بعته، وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع، لأن الضمير في قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين ﴾ عائد إلى شيء واحد لكن الضمير في قوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين ﴾ عائد إلى الإخوة فكذا في قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ يجب أن يكون عائداً إلى الإخوة، وإذا كان كذلك فهم باعوه فوجب حمل هذا الشراء على البيع.

والقول الثاني: أن بائع يوسف هم الذين استخرجوه من البئر، وقال محمد بن إسحاق: ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة، وهاهنا قول آخر وهو أنه يحتمل أن يقال: المراد من الشراء نفس الشراء، والمعنى أن القوم اشتروه وكانوا فيه من الزاهدين، لأنهم علموا بقائن الحال أن إخوة يوسف كذابون في قولهم إنه عبدنا وربما عرفوا أيضاً أنه ولد يعقوب فكرهوا شراءه خوفاً من الله تعالى، ومن ظهور تلك الواقعة، إلا أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة لأنهم اشتروه بثمن قليل مع أنهم أظهروا من أنفسهم كونهم فيه من الزاهدين، وغرضهم أن يتوصلوا بذلك إلى تقليل الثمن، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الأخوة لما قالوا: إنه عبدنا أبق صار المشتري عديم الرغبة فيه.

قال مجاهد: وكانوا يقولون استوثقوا منه لئلا يأبق.

ثم اعلم أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث.

الصفة الأولى: كونه بخساً.

قال ابن عباس: يريد حراماً لأن ثمن الحر حرام، وقال كل بخس في كتاب الله نقصان إلا هذا فإنه حرام، قال الواحدي سموا الحرام بخساً لأنه ناقص البركة، وقال قتادة: بخس ظلم والظلم نقصان يقال ظلمه أي نقصه، وقال عكرمة والشعبي قليل وقيل: ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً، وقيل كانت الدراهم زيوفاً ناقصة العيار.

قال الواحدي رحمه الله تعالى: وعلى الأقوال كلها، فالبخس مصدر وضع موضع الاسم، والمعنى بثمن مبخوس.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ قيل تعد عداً ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا إذا بلغ أوقية، وهي الأربعون ويعدون ما دونها فقيل للقليل معدود، لأن الكثيرة يمتنع من عدها لكثرتها، وعن ابن عباس كانت عشرين درهماً، وعن السدي اثنين وعشرين درهماً.

قالوا والإخوة كانوا أحد عشر فكل واحد منهم أخذ درهمين إلا يهوذا لم يأخذ شيئاً.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين ﴾ ومعنى الزهد قلة الرغبة يقال زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه وأصله القلة.

يقال: رجل زهيد إذا كان قليل الطمع، وفيه وجوه: أحدها: أن إخوة يوسف باعوه، لأنهم كانوا فيه من الزاهدين.

والثاني: أن السيارة الذين باعوه كانوا فيه من الزاهدين، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بأي شيء يبيعه أو لأنهم خافوا أن يظهر المستحق فينزعه من يدهم، فلا جرم باعوه بأوكس الأثمان.

والثالث: أن الذين اشتروه كانوا فيه من الزاهدين، وقد سبق توجيه هذه الأقوال فيما تقدم، والضمير في قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ يحتمل أن يكون عائد إلى يوسف عليه السلام، ويحتمل أن يكون عائداً إلى الثمن البخس والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ ﴾ رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤها ملحاً.

فعذب حين ألقي فيه يوسف ﴿ فَأَرْسَلُواْ ﴾ رجلا يقال له مالك ابن ذعر الخزاعي، ليطلب لهم الماء.

والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ يابشرى ﴾ نادى البشرى، كأنه يقول: تعالى، فهذا من آونتك وقرئ: ﴿ يا بشراي ﴾ على إضافتها إلى نفسه.

وفي قراءة الحسن وغيره: ﴿ يا بشري ﴾ بالياء مكان الألف، جعلت الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة وهي لغة للعرب مشهورة سمعت أهل السروات يقولون في دعائهم: يا سيدي ومولي.

وعن نافع: يا بشراي بالسكون، وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حدّه، إلا أن يقصد الوقف.

وقيل: لما أدلى دلوه أي أرسلها في الجب تعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون، فقال: يا بشراي ﴿ هذا غُلاَمٌ ﴾ وقيل: ذهب به، فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به ﴿ وَأَسَرُّوهُ ﴾ الضمير للوارد وأصحابه: أخفوه من الرفقة.

وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في الجب، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر.

وعن ابن عباس أنّ الضمير لإخوة يوسف، وأنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.

و ﴿ بضاعة ﴾ نصب على الحال، أي: أخفوه متاعاً للتجارة.

والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة أي قطع ﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ لم يخف عليه أسرارهم، وهو وعيد لهم حيث استبضعوا ما ليس لهم.

أو: والله عليم بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ ﴾ رُفْقَةٌ يَسِيرُونَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثٍ مِن إلْقائِهِ فِيهِ.

﴿ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.

﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ فَأرْسَلَها في الجُبِّ لِيَمْلَأها فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَلَمّا رَآهُ.

﴿ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قالَ تَعالى فَهَذا أوانُكَ.

وقِيلَ هو اسْمٌ لِصاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ.

وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ « يا بُشْرايَ» بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.

وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وقُرِئَ « يا بُشْرى» بِالإدْغامِ وهو لُغَةٌ و « بُشْرايَ» بِالسُّكُونِ عَلى قَصْدِ الوَقْفِ.

﴿ وَأسَرُّوهُ ﴾ أيِ الوارِدُ وأصْحابُهُ مِن سائِرِ الرُّفْقَةِ.

وقِيلَ أخْفَوْا أمْرَهُ وقالُوا لَهم دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ وذَلِكَ أنَّ يَهُوذا كانَ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فِيها فَأخْبَرَهُ إخْوَتُهُ فَأتَوُا الرُّفْقَةَ وقالُوا: هَذا غُلامُنا أبْقِ مِنّا فاشْتَرَوْهُ، فَسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ.

﴿ بِضاعَةً ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ البِضْعِ فَإنَّهُ ما بُضِعَ مِنَ المالِ لِلتِّجارَةِ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم أوْ صَنِيعُ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ} رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة

أيام من إلقاء يوسف فى الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعي {فأدلى دَلْوَهُ} أرسل الدلو ليملأها فتشبت يوسف بالدلو فنزعوه {قال يا بُشْرىً} كوفي نادى البشرى كأنه يقول تعالى فهذا أوانك غيرهم بشراي على إضافتها لنفسه أو هو اسم غلامه فناداه مضافاً إلى نفسه {هذا غُلاَمٌ} قيل ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به {وَأَسَرُّوهُ} الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة أو لأخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه {بضاعة} حال أي أخفوه متاعاً للتجارة والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي قطع {والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} بما يعمل أخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجاءَتْ ﴾ شُرُوعٌ فِيما جَرى عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُبِّ بَعْدَ الفَراغِ عَنْ ذِكْرِ ما وقَعَ بَيْنَ إخْوَتِهِ وبَيْنَ أبِيهِ أيْ وجاءَتْ إلى الجُبِّ ﴿ سَيّارَةٌ ﴾ رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن جِهَةِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مَضَتْ مِن زَمَنِ إلْقائِهِ في قَوْلٍ، وقِيلَ: في اليَوْمِ الثّانِي، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ في طَرِيقِ سَيْرِهِمُ المُعْتادُ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فَأصابُوهُ ﴿ فَأرْسَلُوا ﴾ إلَيْهِ ﴿ وارِدَهُمْ ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ ذَلِكَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ اهـ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، والتَّأْنِيثُ في (جاءَتْ) والتَّذْكِيرُ في أرْسَلُوا و وارِدَهُمْ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَجِيءِ إيماءٌ إلى كَرامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ وكَذا مُتَعَلِّقُ الإرْسالِ لِظُهُورِهِ، ولِذا حُذِفَ المُتَعَلِّقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ أيْ أرْسَلَها إلى الجُبِّ لِيُخْرِجَ الماءَ، ويُقالَ: دَلا الدَّلْوَ إذا أخْرَجَها مَلْأى، والدَّلْوُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ لِلسَّماعِيَّةِ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلِيَّةٍ وتُجْمَعُ عَلى أدُلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ.

وقالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ: إنَّ الدَّلْوَ الَّتِي يُسْتَقى بِها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ، وأمّا الدَّلْوُ مَصْدَرُ دَلَوْتُ وضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ فَمُذَكَّرٌ ومِثْلُها في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ الجُبُّ عِنْدَ الفَرّاءِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرَ، وأمّا البِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ فَقَطْ في المَشْهُورِ، ويُقالُ في تَصْغِيرِها: بُوَيْرَةٌ، وفي جَمْعِها آبارٌ وأبْآرٌ وأبْؤُرٌ وبِئارٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأدْلى دَلْوَهُ فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَخَرَجَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ.

﴿ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ ورُفْقَتِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَها مَنزِلَةَ شَخْصٍ فَناداهُ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أيْ يا بُشْرى تَعالَيْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ، وقِيلَ: المُنادى مَحْذُوفٌ كَما في يا لَيْتَ أيْ يا قَوْمِي انْظُرُوا واسْمَعُوا بُشْرايَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّبْشِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِّداءِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ بُشْرى اسْمُ صاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ -ولَيْسَ بِذاكَ- وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ -يا بُشْرايَ- بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.

ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ -يا بُشْرايَ- بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ ويُلْزِمُهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ واعْتَذَرَ بِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ لِمَدِّها تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ، وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ (يا بُشْرَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ -وهِيَ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ ولِناسٍ غَيْرِهِمْ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا (هُوِيَّ) وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ويَقُولُونَ: يا سَيِّدِي ومَوْلَيَّ، و-الغُلامُ- كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ كَما في قَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ: غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها والظّاهِرُ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ، وحُقَّ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ الغِلْمانِ، وذَكَرَ البَغْوِيُّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الحُسْنِ».

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ذَهَبَ يُوسُفُ وأُمُّهُ بِثُلُثَيِ الحُسْنِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: كانَ يُوسُفُ حَسَنَ الوَجْهِ جَعْدَ الشَّعَرِ ضَخْمَ العَيْنَيْنِ مُسْتَوِي الخَلْقِ أبْيَضَ اللَّوْنِ غَلِيظَ السّاعِدَيْنِ والسّاقَيْنِ خَمِيصَ البَطْنِ صَغِيرَ السُّرَّةِ، وكانَ إذا تَبَسَّمَ رَأيْتَ النُّورَ في ضَواحِكِهِ، وإنْ تَكَلَّمَ رَأيْتَ شُعاعَ النُّورِ مِن ثَناياهُ ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ وصْفَهُ وكانَ حُسْنُهُ كَضَوْءِ النَّهارِ عِنْدَ اللَّيْلِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ، ويُحْكى أنَّ جَوانِبَ الجُبِّ بَكَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ مِنها، ولَعَلَّهُ مِن بابِ بَكَتِ الدّارُ لِفَقْدِ فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ الوارِدِ ﴿ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ كانَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ وُرُودِهِ عَلى أصْحابِهِ صاحَ بِذاكَ ﴿ وأسَرُّوهُ ﴾ أيْ أخْفاهُ الوارِدُ وأصْحابُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ حَتّى لا تَراهُ فَتَطْمَعَ فِيهِ، وقِيلَ: أخْفَوْا أمْرَهُ وكَوْنَهُ وُجِدَ في البِئْرِ، وقالُوا لِسائِرِ القافِلَةِ: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ لِيَتَحَقَّقَ أمْرَهُ فَرَآهُ عِنْدَ السَّيّارَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَجاءُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: هَذا غُلامٌ أبَقَ لَنا فاشْتَرُوهُ فاشْتَرَوْهُ وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا بِالعِبْرانِيَّةِ: لا تُنْكِرِ العُبُودِيَّةَ نَقْتُلْكَ فَأقَرَّ بِها واشْتَرَوْهُ مِنهُمْ، وقِيلَ: كانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَ أُخْرِجَ فَلَمْ يَجِدْهُ في الجُبِّ ووَجَدَهُ عِنْدَ الرُّفْقَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَأتَوْهم فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْأُخْوَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِإفْرادِ (قالَ) وجَمْعِ ضَمِيرِ -أسَرُّوا- ولِلْوَعِيدِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ فِيهِ اخْتِلالٌ في النَّظْمِ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا، ونَصْبُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِضاعَةً ﴾ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ حالَ كَوْنِهِ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، وفي الفَرائِدِ أنَّهُ ضَمَّنَ أسَرُّوهُ مَعْنى جَعَلُوهُ أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً مُسَرِّينَ إيّاهُ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ.

وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأجْلِ التِّجارَةِ ولَيْسَ شَرْطُهُ مَفْقُودًا لِاتِّحادِ فاعِلِهِ وفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ إذِ المَعْنى كَتَمُوهُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ المالِ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا وهو مِنَ -البِضْعِ- بِمَعْنى القِطْعِ وكَأنَّ البِضاعَةَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُقْطَعُ مِنَ المالِ وتُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ، ومِن ذَلِكَ البِضْعُ بِالكَسْرِ لِما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشَرَةِ أوْ لِما فَوْقَ الخَمْسِ ودُونَ العَشَرَةِ، والبَضِيعَةُ لِلْجَزِيرَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ البَرِّ، واعْتَبَرَ الرّاغِبُ في البِضاعَةِ كَوْنَها قِطْعَةً وافِرَةً مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الكَثِيرُ كَوْنَها وافِرَةً ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أسْرارُهُمْ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ هَذا وعِيدٌ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما صَنَعُوا بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ وجَعْلِهِمْ إيّاهُ، وهو هو عُرْضَةٌ لِلِابْتِذالِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ أي: قافلة يمرون من قبل مدين إلى مصر، فنزلوا بقرب البئر، فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ أي: طالب مائهم، ويقال: أرسل كل قوم ساقيهم يستقي لهم الماء، فجاء مالك بن دعر إلى الجب الذي فيه يوسف، فَأَدْلى دَلْوَهُ يقول: أرخى، وأرسل دلوه في البئر، فتعلق يوسف بالدلو، فنظر مالك بن دعر، فإذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان.

قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: يَا بُشْرَايَ بالألف والياء، ونصب الياء، وقرأ عاصم: يا بُشْرىً بنصب الراء وسكون الياء، وقرأ نافع في رواية ورش: بالألف والياء مع السكون، وكذلك يقرءونه في مَثْوايَ ومَحْيايَ وعَصايَ، بسكون بالياء.

وقرأ حمزة والكسائي: يَا بُشْرِي بغير ألف، وسكون الياء، وكسر الراء.

فمن قرأ: يا بشرَايَ، يكون بمعنى الإضافة إلى نفسه، ومن قرأ: يا بُشْرى يكون على معنى تنبيه المخاطبين، كقوله: يا عجبَا، وإنما أراد به: اعجبوا.

ومن قرأ: يا بُشْرى، كأنه اسم رجل دعاه باسمه بشرى، وقال أبو عبيدة: هذه القراءة تقرأ، لأنها تجمع المعنيين، إن أراد به الاسم، أو أراد به البشرى بعينها.

وقال السدي: تعلق يوسف بالحبل فخرج، فلما رآه صاحب الدلو، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له البشرى، وقال: يا بشراي، هذا غلام.

وقال قتادة وغيره: إنه بشر واردهم حين وجد يوسف.

ثم قال: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً يعني: التّجار بعضهم بعضاً وقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لكيلا يسألوكم فيه بشركة، فإن قالوا لكم ما هذا الغلام؟

قولوا: استبضعنا بعض أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، فذلك قوله: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً يعني: أسروه وأعلنوه بضاعة، فرجع إخوته بعد ثلاثة أيام، فرأوا يوسف في أيديهم، فقالوا: هذا غلام أبق منا منذ ثلاثة أيام، فقالوا لهم: ما بال هذا الغلام لا يشبه العبيد، وإنما هو يشبهكم؟

فقالوا: إنما وُلِدَ في حجرنا وإنه ابن وليدة منّا أمرتنا ببيعه.

وقالوا ليوسف بلسانهم: لئن أنكرت أنك عبد لنا لنأخذنّك ونقتلنّك.

أترى أنا نرجع بك إلى يعقوب أبداً، وقد أخبرناه أن الذئب قد أكلك.

فقال: يا إخوتاه ارجعوا بي إلى أبي، وأنا ضامن لكم رضاه، وأنا لا أذكر له هذا أبداً.

فأبوا عليه فذلك قوله تعالى وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ يعني: بما يصنع به إخوته.

قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ، يعني: باعوه بِثَمَنٍ بَخْسٍ يعني: ظلماً وحراماً لم يحل بيعه.

ويقال: بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي: بدراهم رديئة ويقال: البخس: الخسيس دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ أي: يسير عددها.

وقال مجاهد: البخس القليل، والمعدودة: عشرون درهماً، وقال: كان في ذلك الزمان ما كان فوق الأوقية وزنوه وزناً، وما كان دون الأوقية عدّوه عداً.

وقال بعضهم: باعوه بعشرة دراهم، لأن اسم الدرهم يقع على ما بين الثلاثة إلى العشرة، فأصاب كل واحد منهم درهماً.

وروي عن الضحاك، أنه قال: باعوه باثني عشر درهماً، وقال ابن مسعود: «بيع بعشرين درهماً» ، وقال عكرمة: البخس: أربعون درهماً، وقال بعضهم: لم يبعه إخوته ولكن الذين وردوا الماء، وجدوه في البئر، وأخرجوه من البئر، فباعوه بثمن بخس، دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وهو قول المعتزلة- لأن مذهبهم أن الأنبياء معصومون عن الكبيرة قبل النبوة لأن الكبيرة عندهم تخرج المؤمن عن الإيمان، وعند أهل السنة: الكبيرة لا تخرج المؤمن عن الإيمان، وجاز جريان المعصية قبل النبوة (١) ثم قال: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ يعني: الذين اشتروه لم يعلموا بحاله وقصته.

ويقال: يعني إخوة يوسف، في ثمنه لم يكونوا محتاجين إليه.

ثم إن مالك بن دعر، لما أدخله مصر باعه.

قال مقاتل: باعه بعشرين ديناراً ونعلين وحلة.

وقال الكلبي: بعشرين درهماً ونعلين وحلة.

وقال بعضهم: باعه بوزنه فضة.

وقال بعضهم: باعه بوزنه ذهباً.

وقال وهب بن منبه: باعه مالك بن دعر، بعد ما عرضه في بيع من يزيد، ثلاثة أيام، فزاد الناس بعضهم على بعض، حتى بلغ ثمنه بحيث لا يقدر أحد عليه، فاشتراه عزيز مصر، وكان خازن الملك وصاحب جنوده لامرأته زليخا، بوزنه مرة مسكاً، ومرة لؤلؤاً، ومرة ذهباً، ومرة فضة، ومرة حللا، وسلم كلها.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

آيات: دلالتُهُ على كذبهم، وشهادَتُهُ في قَدِّه، ورَدُّ بَصَرِ يَعقُوبَ به، ووصف الدَّم بالكَذِبِ الَّذي هو مَصْدَرٌ على/ جهة المبالغةِ، ثم قال لهم يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ، أي:

رَضيَتْ وجَعَلَتْ سؤلاً ومراداً أَمْراً، أي: صنعاً قبيحاً بيوسف «١» .

وقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ: إِما على حذف المبتدأ، أي: فشأني صبرٌ جميلٌ، وإِما على حَذْفِ الخبر، تقديره: فصبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ، وجميل الصّبر: ألّا تقع شكوى إلى البشر، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَثَّ، لَمْ يَصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً» «٢» .

وقوله: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ: تسليم لأمر الله تعالى، وتوكّل عليه.

وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ: قيل: إِن السيارة جاءَتْ في اليومِ الثاني من طرحه، و «السيارةُ» : بتاءُ مبالغةٍ للذين يردِّدون السيْرَ في الطُرق.

قال ص: و «السَّيَّارَة» : جمع سَيَّار، وهو الكثيرُ السَّيْر في الأرض.

انتهى.

و «الوَارد» : هو الذي يأتي الماءَ يستَقي منه لجماعته، وهو يَقَعُ على الواحدِ وعلى الجماعة.

وروي أنَّ مُدْلِيَ الدَّلْو كان يسمَّى مَالِكَ بْنَ دعر، ويروَى أَنَّ هذا الجُبَّ كان بالأُرْدُنِّ على ثلاثةِ فراسِخَ من منزل يَعْقُوبَ، ويقال: أدلَى دلْوَهُ إِذا ألقاه ليستقِيَ الماءَ، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: فتعلَّق يوسُفُ بالحَبْل، فلما بصر به المدلي، قال: يا بُشْرى، وروي أنَّ يوسُفَ كان يومئِذٍ ابنَ سَبْعَ سِنينَ ويرجِّح هذا لفظةُ غُلامٌ فإِنها لِمَا بَيْنَ الحولَيْن إِلى البلوغِ، فإِن قيلتْ فيما فَوْقَ ذلك، فعلى استصحاب حالٍ، وتجوُّزٍ، وقرأَ نافعٌ «١» وغيره: «يا بُشْرَايَ» بإِضافةِ البُشْرَى إِلى المتكلِّم، وبفتح الياء على ندائها كأنه يقولُ:

احضري، فهذا وَقْتُكِ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَا بُشْرى» ، ويميلاَنِ ولا يضيفَانِ، وقرأ عاصمٌ كذلك إِلاَّ أَنه يفتح الراءَ ولا يُمِيلُ، واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي:

كان في أصحاب هذا الوارد رَجُلٌ اسمه «بُشْرَى» فناداه، وأعلمه بالغلامِ «٢» ، وقيل: هو على نداءِ البُشْرَى كما قدَّمنا.

وقوله سبحانه: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً قال مجاهد: وذلك أنَّ الوُرَّاد خَشُوا من تُجَّار الرفْقة، إِنْ قالوا وجدْنَاه أنْ يشاركوهم في الغُلاَمِ الموجُودِ، يعني: أو يمنعوهم من تملُّكه «٣» ، إِن كانوا أخياراً، فأسروا بينهم أنْ يقولُوا: أَبْضَعَهُ مَعَنَا بعْضُ أهْلِ المِصْرِ، و «بِضَاعة» : حالٌ، والبضاعة: القطعةُ من المالِ يُتْجَرُ فيها بغير نصيب من الرّبح مأخوذ من قولهم: «بَضْعَة» أي: قطعة، وقيل: الضمير في «أَسَرُّوه» يعود على إِخوة يوسف.

وقوله سبحانه: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: «شروه» هنا: بمعنى بَاعُوه، قال الداوديُّ: وعن أبي عُبَيْدة: وَشَرَوْهُ أي: باعوه، فإِذا ابتعت أَنْتَ، قُلْتَ: اشتريت

انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: يقال:

اشتريت بمعنى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بمعنى اشتريت لغة انتهى، وعلى هذا، فلا مانِعَ مِنْ حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شَرَوْهُ» بمعنى: «اشتروه» .

قال ع «٢» : روي أن إِخوة يُوسُفَ لمَّا علموا أن الوُرَّاد قد أخذوه جاؤوهم، فقالوا: هذا عَبْدٌ قد أَبَقَ منا، ونحنُ نبيعُهُ منكم، فقارَّهم يوسُفُ على هذه المقالة خوفاً منهم، ولينفذ الله أمره، والبخس: مصدر وُصِفَ به الثمن، وهو بمعنى النَّقْصِ.

وقوله: دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ: عبارةٌ عن قلة الثمن لأنها دراهم، لم تبلغْ أنْ توزَنَ لقلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنُونَ ما كان دون الأوقية، وهي أربعون درهماً.

وقوله سبحانه: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: وصفٌ يترتب في إِخوة يوسف، وفي الوُرَّاد، ولكنَّه في إِخوة يوسف أرتَبُ إِذ حقيقة الزهْدِ في الشيء إِخراجُ حُبِّه من القَلْبِ ورَفْضُهُ من اليدِ، وهذه كانَتْ حالَ إِخوة يوسُفٌ في يوسُفَ، وأمَّا الورَّاد، فإِنَّ تمسُّكَهم به وتَجْرَهُمْ يمانِعُ زُهْدَهم إِلا على تجوُّزٍ، قال ابْن العربيِّ في «أحكامه» «٣» : وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ

: أي: إِخوته والواردة، أَما إِخوته فلأنَّ مقصودهم زوالُ عَيْنِه، وأما الواردة، فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:

روي أنَّ مبتاع يوسُفَ وَرَدَ به مصْرَ البلدِ المعروفِ ولذلك لا ينصرفُ، فَعَرَضَهُ في السُّوقِ، وكان أجْمَلَ الناس، فوقَعَتْ فيه مزايدةٌ/ حتى بلغ ثمناً عظيماً، فقيل: وزنه من ذهبٍ، ومن فضةٍ، ومن حريرٍ، فاشتراه العزيزُ، وهو كان حَاجِبَ المَلِكِ وخازِنَة، واسم المَلِك الرَّيَّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقيل: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ، وهو أحد الفراعِنَةِ، واسمُ العزيزِ المذْكُورِ:

«قطيفين» قاله ابن عباس، وقيل: «أظفير» ، وقيل: «قنطور» ، واسم امرأته: «رَاعيل» ، قاله ابنُ إِسحاق، وقيل: «زليخا» ، قال البخاريّ: ومَثْواهُ: مَقَامُهُ.

وقوله: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي: نتبنَّاه، وكان فيما يُقَالُ: لا ولد له، ثم قال تعالى:

وَكَذلِكَ، أي: وكما وصفْنا مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ فعلنا ذلك، والْأَحادِيثِ: الرؤيا في النوْمِ قاله مجاهد، وقيل: أحاديث الأنبياء والأمم، والضمير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ ﴾ أيْ: قَوْمٌ يَسِيرُونَ ﴿ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أنَّثَ السَّيّارَةَ وذَكَّرَ الوارِدَ، لِأنَّ السَّيّارَةَ في المَعْنى لِلرِّجالِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الوارِدُ: الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ.

وَفِي اسْمِ هَذا الوارِدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مالِكُ بْنُ ذُعْرَ بْنِ يُؤِيبَ بْنِ عِيفا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِجْلِثُ بْنُ رَعْوِيلَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ أيْ: أرْسَلَها.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إذا أرْسَلْتَها لِتَمْلَأها، ودَلَوْتُها: إذا أخْرَجْتَها.

" قالَ يا بُشْرايَ " قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يا بُشْرايَ " بِفَتْحِ الياءِ وإثْباتِ الألِفِ.

ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ " بُشْرايْ " و " مَحْيايَ " [الأنْعامِ:١٦٢] و ﴿ مَثْوايَ  ﴾ بِسُكُونِ الياءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " يا بُشْرى " بِألِفٍ بِغَيْرِ ياءٍ.

وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يُمِيلانِها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ يا " بُشْرايَ " فَهَذا النِّداءُ تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطِبِينَ، لِأنَّ البُشْرى لا تُجِيبُ ولا تَعْقِلُ؛ فالمَعْنى: أبْشِرُوا، ويا أيَّتُها البُشْرى هَذا مِن أوانِكِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: يا عَجَباهُ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: اعْجَبُوا، ويا أيُّها العَجَبُ هَذا مِن حِينِكَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى [هُودٍ: ٦٩ و٧٤] .

فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ " يا بُشْرى " فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يا مَن حَضَرَ، هَذِهِ بُشْرى.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يا بُشْرى هَذا أوانُكِ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ مِن تَنْبِيهِ الحاضِرِينَ.

وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّهُ نادى بِذاكَ أحَدَهم وكانَ اسْمُهُ بُشْرى.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ فِيهِ هَذِهِ الأقْوالُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ امْرَأةٍ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " يا بُشْرَيَّ " بِتَشْدِيدِ الياءِ وفَتْحِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أدْلى دَلْوَهُ؛ تَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالحَبْلِ فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإذا غُلامٌ أحْسَنُ ما يَكُونُ مِنَ الغِلْمانِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: البُشْرى، فَقالُوا: ما وراءَكَ ؟

قالَ: هَذا غُلامٌ في البِئْرِ، فَأقْبَلُوا يَسْألُونَهُ الشَّرِكَةَ فِيهِ، واسْتَخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اكْتُمُوهُ عَنْ أصْحابِكم لِئَلّا يَسْألُوكُمُ الشَّرِكَةَ فِيهِ، فَإنْ قالُوا: ما هَذا ؟

فَقُولُوا: اسْتَبْضَعَناهُ أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ؛ فَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ في البِئْرِ، فَنَظَرُوا، فَإذا هم بِالقَوْمِ ومَعَهم يُوسُفُ، فَقالُوا لَهم: هَذا غُلامٌ أبِقَ مِنّا، فَقالَ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ: فَأنا أشْتَرِيهِ مِنكم، فَباعُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وحُلَّةٍ ونَعْلَيْنِ، وأسَرَهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ مِن أصْحابِهِ، وقالَ: اسْتَبْضَعَناهُ أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَرُّوهُ بِضاعَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " بِضاعَةً " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وأسَرُّوهُ جاعِلِيهِ بِضاعَةً.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ أنَّهُ بِضاعَةٌ وتِجارَةٌ.

في الفاعِلَيْنِ لِذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم وارِدُو الجُبِّ: أسَرُّوا ابْتِياعَهُ عَنْ باقِي أصْحابِهِمْ، وتَواصَوْا أنَّهُ بِضاعَةٌ اسْتَبْضَعْهم إيّاها أهْلُ الماءِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم إخْوَتُهُ، أسَرُّوا أمْرَهُ، وباعُوهُ، وقالُوا: هو بِضاعَةٌ لَنا، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ يَعُمُّ الباعَةَ والمُشْتَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ ﴾ قِيلَ: إنَّ السَيّارَةَ جاءَتْ في اليَوْمِ الثانِي مِن طَرْحِهِ في الجُبِّ، والسَيّارَةُ: جَمْعُ سَيّارٍ، كَما قالُوا: بَغّالٌ وبَغّالَةٌ، وهَذا بِعَكْسِ تَمْرَةٌ وتَمْرٌ، والسَيّارَةُ بِناءُ مُبالَغَةٍ لِلَّذِينِ يُرَدِّدُونَ السِيَرَ في الطُرُقِ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ السَيّارَةَ كانُوا قَوْمًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ، وقِيلَ: قَوْمٌ أعْرابٌ، و الوارِدُ هو الَّذِي يَأْتِي الماءَ لِيَسْقِيَ مِنهُ لِجَماعَتِهِ، ويُرْوى أنَّ مُدْلِيَ الدَلْوِ كانَ يُسَمّى مالِكَ بْنَ ذُعَرَ، والوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ.

ويُرْوى أنَّ هَذا الجُبَّ كانَ بِالأُرْدُنِّ عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: أدْلى الدَلْوَ إذا ألْقاهُ في البِئْرِ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، ودَلّاهُ يَدْلُوهُ: إذا اسْتَقاهُ مِنَ البِئْرِ، وفي الكَلامِ هُنا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالحَبَلِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ المُدْلِي قالَ: يا بُشْرايَ.

ورُوِيَ أنَّ يُوسُفَ كانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، ويُرَجِّحُ هَذا لَفْظَةَ "غُلامٌ" فَإنَّهُ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ، فَإنْ قِيلَتْ فِيما فَوْقَ ذَلِكَ فَعَلى اسْتِصْحابِ حالٍ وتَجَوُّزٍ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وهَذا بَعِيدٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "يا بُشْرايَ" بِإضافَةِ البُشْرى إلى المُتَكَلِّمِ وبِفَتْحِ الياءِ عَلى نِدائِها كَأنَّهُ يَقُولُ: احْضُرِي فَهَذا وقْتُكِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ  ﴾ ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "يا بُشْرايْ"، بِسُكُونِ الياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفِيها جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنِينَ عَلى حَدِّ دابَّةٍ وشابَّةٍ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَخْتَصَّ بِها الألِفُ لِزِيادَةِ المَدِّ الَّذِي فِيها عَلى المَدِّ الَّذِي في أُخْتَيْها، كَما اخْتُصَّتْ في القَوافِي بِالتَأْسِيسِ، واخْتُصَّتْ في تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ نَحْوُ هَباةٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في الياءِ والواوِ.

وقَرَأ أبُو الطُفَيْلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "يا بُشْرَيَّ" تُقْلَبُ الألِفُ ياءً ثُمَّ تُدْغَمُ في ياءِ الإضافَةِ، وهي لُغَةٌ فاشِيَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وأنْشَدَ أبُو الفَتْحِ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ: يُطَوِّفُ بِي كَعَبْدٍ في مَعَدٍّ ∗∗∗ ∗∗∗ ويَطْعُنُ بِالصُمُلَّةِ في قَفَيّا فَإنْ لَمْ تَثْأرُوا لِي في مَعَدٍّ ∗∗∗ ∗∗∗ فَما أرَوَيْتُما أبَدًا صَدَيّا أرادَ: هَوايَ، وقْفايَ، وصَدايَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يا بُشْرِايْ" بِالإمالَةِ ويُمِيلانِ ولا يُضِيفانِ، وقَرَأ عاصِمٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَفْتَحُ الراءَ ولا يُمِيلُ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ القِراءَةِ -فَقالَ السُدِّيُّ: كانَ في أصْحابِ هَذا الوارِدِ رَجُلٌ اسْمُهُ بُشْرى، فَناداهُ وأعْلَمَهُ بِالغُلامِ، وقِيلَ: هو عَلى نِداءِ البُشْرى كَما قَدَّمْنا.

والضَمِيرُ في "وَأسَرُّوهُ" ظاهِرُ الآياتِ أنَّهُ لِوُرّادِ الماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ: إنَّهم خَشُوا مَن تُجّارِ الرُفْقَةِ -إنْ قالُوا وجَدْناهُ- أنْ يُشارِكُوهم في الغُلامِ المَوْجُودِ، -هَذا إنْ كانُوا فَسَقَةً- أو يَمْنَعُوهم مِن تَمَلُّكِهِ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَأسَرُّوا بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا: أبْضَعَهُ مَعْناهُ بَعْضُ أهْلِ المِصْرِ.

و"بِضاعَةً" حالٌ، و البِضاعَةُ: القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُتَّجَرُ فِيها بِغَيْرِ نَصِيبٍ مِنَ الرِبْحِ، مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: بَضَعَتْ، أيْ: قَطَعَتْ، وقِيلَ: إنَّهم أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ أنَّهم يَتَّخِذُونَهُ بِضاعَةً لِأنْفُسِهِمْ، أيْ مُتَّجَرًا، ولَمْ يَخافُوا مِن أهْلِ الرُفْقَةِ شَيْئًا، ثُمَّ يَكُونُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَشَرَوْهُ" لَهم أيْضًا، أيْ: باعُوهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ، إذْ لَمْ يَعْرِفُوا حَقَّهُ ولا قَدْرَهُ، بَلْ كانُوا زاهِدِينَ فِيهِ، ورُوِيَ- عَلى هَذا- أنَّهم باعُوهُ مِن تاجِرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "أسَرُّوهُ" لِأصْحابِ الدَلْوِ، وفي "شَرَوْهُ" لِإخْوَةِ يُوسُفَ الأحَدَ عَشَرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلِ الضَمِيرُ في "أسَرُّوهُ" و"شَرَوْهُ" لِإخْوَةِ يُوسُفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ لِما رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وأعْلَمُوهُ رَجَعَ بَعْضُهم إلى الجُبِّ لِيَتَحَقَّقُوا أمْرَ يُوسُفَ، ويَقِفُوا عَلى الحَقِيقَةِ مِن فَقْدِهِ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ الوُرّادَ قَدْ أخَذُوهُ جاؤُوهم فَقالُوا: هَذا عَبْدٌ أبَقَ لِأُمِّنا ووَهَبَتْهُ لَنا ونَحْنُ نَبِيعُهُ مِنكُمْ، فَقارَّهم يُوسُفُ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ خَوْفًا مِنهُمْ، ولِيَنْفُذَ أمْرُ اللهِ، فَحِينَئِذٍ أسَرَّهُ إخْوَتُهُ إذْ جَحَدُوا أُخُوَّتَهُ فَأسَرُّوها واتَّخَذُوهُ بِضاعَةً، أيْ مُتَّجَرًا لَهم ومَكْسَبًا، وشَرَوْهُ أيْضًا بِثَمَنٍ بَخْسٍ، أيْ باعُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ، إنْ كانَتِ الضَمائِرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ فَفي ذَلِكَ تَوَعُّدٌ، وإنْ كانَتِ الضَمائِرُ لِلْوارِدِينَ فَفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى إرادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِيُوسُفَ، وسَوْقِ الأقْدارِ بِحَسَبِ بِناءِ حالِهِ، فَهو -حِينَئِذٍ- بِمَعْنى قَوْلِ النَبِيِّ  : « "يُدَبِّرُ ابْنُ آدَمَ والقَضاءُ يَضْحَكُ".» وفي الآيَةِ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  عَمّا يَجْرِي عَلَيْهِ مِن جِهَةِ قُرَيْشٍ، أيِ: العاقِبَةُ الَّتِي هي لِلْمُتَّقِينَ هي المُراعاةُ والمُنْتَظَرَةُ.

و"شَرَوْهُ" هُنا بِمَعْنى باعُوهُ، وقَدْ يُقالُ: شَرى بِمَعْنى اشْتَرى، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ و "بُرْدٌ" اسْمُ غُلامٍ لَهُ نَدِمَ عَلى بَيْعِهِ، والضَمِيرُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.

و البَخْسُ: مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الثَمَنُ، وهو بِمَعْنى النَقْصِ، وهَذا أشْهَرُ مَعانِيهِ، فَكَأنَّهُ القَلِيلُ الناقِصُ، وهو قَوْلُ الشَعْبِيِّ، وقالَ قَتادَةُ: البَخْسُ هُنا بِمَعْنى الظُلْمِ، ورَجَّحَهُ الزَجّاجُ مِن حَيْثُ أنَّ الحُرَّ لا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: وهو بِمَعْنى الحَرامِ، وهَذا أيْضًا بِمَعْنى لا يَحِلُّ بَيْعُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ الثَمَنِ لِأنَّها دَراهِمُ لَمْ تَبْلُغْ أنْ تُوزَنَ لِقِلَّتِها، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يَزِنُونَ ما دُونَ الأُوقِيَّةِ وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

واخْتُلِفَ في مَبْلَغِ ثَمَنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقِيلَ: باعُوهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِعِشْرِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِاثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، أخَذَها إخْوَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وقالَ عِكْرِمَةُ: بِأرْبَعِينَ دِرْهَمًا دُفِعَتْ ناقِصَةً فَهَذا كانَ بَخْسُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ ﴾ وصْفٌ يَتَرَتَّبُ في وُرّادِ الماءِ، أيْ: كانُوا لا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُ، فَهم لِذَلِكَ- قَلِيلٌ اغْتِباطُهم بِهِ، لَكِنَّهُ أرْتَبُ في إخْوَةِ يُوسُفَ، إذْ حَقِيقَةُ الزُهْدِ في الشَيْءِ إخْراجُ حُبِّهِ مِنَ القَلْبِ ورَفْضُهُ مِنَ اليَدِ، وهَذِهِ كانَتْ حالَ إخْوَةِ يُوسُفَ في يُوسُفَ، وأمّا الوُرّادُ فَتَمَسُّكُهم بِهِ وتَجْرُهم يُمانِعُ زُهْدَهم إلّا عَلى تَجَوُّزٍ.

وقَوْلُهُ: "فِيهِ" لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لـِ "الزاهِدِينَ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي وصْفَهم بِالزُهْدِ عَلى الإطْلاقِ ولَيْسَ قَصْدُ الآيَةِ هَذا، بَلْ قَصْدُها الزُهْدُ الخاصُّ في يُوسُفَ، والظُرُوفُ يَجُوزُ فِيها مِنَ التَقْدِيمِ ما لا يَجُوزُ في سائِرِ الصِلاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في عَوْدِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "وَشَرَوْهُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ وجاءوا أباهم عشاء يبكون ﴾ [سورة يوسف: 16] عطف قصة على قصة.

وهذا رجوع إلى ما جرى في شأن يوسف عليه السّلام، والمعنى: وجاءت الجبّ.

و (السّيّارة) تقدم آنفاً.

والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم.

والإدلاء: إرسال الدلو في البئر لنزع الماء.

والدلو: ظرف كبير من جلد مخيط له خرطوم في أسفله يكون مطوياً على ظاهر الظرف بسبب شده بحبل مقارن للحبل المعلقة فيه الدلو.

والدلو مؤنثة.

وجملة قال يا بشراي مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ذكر إدلاء الدلو يهيّئ السامع للسؤال عمّا جرى حينئذٍ فيقع جوابه قال يا بشراي.

والبشرى: تقدمت في قوله تعالى: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ في سورة يونس (64).

ونداء البشرى مجاز، لأنّ البشرى لا تنادى، ولكنها شبّهت بالعاقل الغائب الذي احتيج إليه فينادى كأنه يقال له: هذا آن حضورك.

ومنه: يا حسرتَا، ويا عجباً، فهي مكنية وحرف النداء تخييل أو تبعية.

والمعنى: أنه فرح وابتهج بالعثور على غلام.

وقرأ الجمهور يا بشّرَايَ} بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم.

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف بدون إضافة.

واسم الإشارة عائد إلى ذات يوسف عليه السّلام؛ خاطب الواردُ بقية السيّارة، ولم يكونوا يرون ذات يوسف عليه السّلام حين أصعده الوارد من الجب، إذ لو كانوا يرونه لما كانت فائدة لتعريفهم بأنه غلام إذ المشاهدة كافية عن الإعلام، فتعين أيضاً أنهم لم يكونوا مشاهدين شبح يوسف عليه السّلام حين ظهر من الجب، فالظاهر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام لا يقصد به الدلالة على ذات معيّنة مرئية بل يقصد به إشعار السامع بأنه قد حصَل شيءٌ فرح به غير مترقب، كما يقول الصائد لرفاقه: هذا غزال وكما يقول الغائص: هذه صدقة أو لؤلؤة ويقول الحافر للبئر: هذا الماء قال النابغة يصف الصائد وكلابه وفرسه: يقول راكبه الجنيّ مرتفقاً *** هذا لكُنّ ولحم الشاة محجور وكان الغائصون إذا وجدوا لؤلؤة يصيحون.

قال النابغة: أو درّة صدفاته غوّاصها *** بهج متى يُرها يهلّ ويسجد والمعنى: وجدت في البئر غلاماً، فهو لقطة، فيكون عبداً لمن التقطه.

وذلك سبب ابتهاجه بقوله: ﴿ يا بشراي هذا غلام ﴾ .

والغلام: مَن سنهُ بين العشر والعشرين.

وكان سنّ يوسف عليه السّلام يومئذٍ سبع عشرة سنة.

وكان هؤلاء السيارة من الإسماعيليين كما في التّوراة، أي أبناء إسماعيل بن إبراهيم.

وقيل: كانوا من أهل مدين وكان مجيئهم الجب للاستقاء منها، ولم يشعر بهم إخوة يوسف إذ كانوا قد ابتعدوا عن الجب.

ومعنى ﴿ أسَرُّوه ﴾ أخْفَوْه.

والضمير للسيارة لا محالة، أي أخْفوا يوسف عليه السّلام، أي خبر التقاطه خشية أن يكون من ولدان بعض الأحياء القريبة من الماء قد تردّى في الجب، فإذا علم أهله بخبره طلبوه وانتزعوه منهم لأنهم توسموا منه مخائل أبناء البيوت، وكان الشأن أن يعرّفوا من كان قريباً من ذلك الجب ويعلنوا كما هو الشأن في التعريف باللّقطة، ولذلك كان قوله: ﴿ وأسرّوه ﴾ مشعراً بأن يوسف عليه السّلام أخبرهم بقصته، فأعرضوا عن ذلك طمعاً في أن يبيعوه.

وذلك من فقدان الدين بينهم أو لعدم العمل بالدين.

و ﴿ بضاعةً ﴾ منصوب على الحال المقدّرة من الضمير المنصوب في ﴿ أسرّوه ﴾ ، أي جعلوه بضاعة.

والبضاعة: عروض التجارة ومتاعها، أي عزموا على بيعه.

وجملة ﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ معترضة، أي والله عليم بما يعملون من استرقاق من ليس لهم حقّ في استرقاقه، ومن كان حقّه أن يسألوا عن قومه ويبلغوه إليهم، لأنهم قد علموا خبره، أو كان من حقهم أن يسْألوه لأنه كان مستطيعاً أن يخبرهم بخبره.

وفي عثور السيارة على الجب الذي فيه يوسف عليه السّلام آية من لطف الله به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ ﴾ وهو الَّذِي يَرِدُ أمامَهُمُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لَهم.

وَذَكَرَ أصْحابُ التَّوارِيخِ أنَّهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرِ بْنِ حَجَرِ بْنِ يَكَهَ بْنِ لَخْمٍ.

﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ أيْ أرْسَلَها لِيَمْلَأها، يُقالُ أدْلاها إذا أرْسَلَ الدَّلْوَ لِيَمْلَأها، ودَلّاها إذا أخْرَجَها مَلْأى.

قالَ قَتادَةُ: فَتَعَلَّقَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالدَّلْوِ حِينَ أُرْسِلَتْ.

والبِئْرُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ مَعْرُوفٌ مَكانُها.

﴿ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ناداهم بِالبُشْرى يُبَشِّرُهم بِغُلامٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ نادى أحَدَهم، كانَ اسْمُهُ بُشْرى فَناداهُ بِاسْمِهِ يُعْلِمُهُ بِالغُلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَأسَرُّوهُ بِضاعَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كانُوا بِقُرْبِ الجُبِّ، فَلَمّا رَأوُا الوارِدَ قَدْ أخْرَجَهُ قالُوا هَذا عَبْدُنا قَدْ أوْثَقْناهُ فَباعُوهُ وأسَرُّوا بَيْعَهُ بِثَمَنٍ جَعَلُوهُ بِضاعَةً لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الوارِدِينَ إلى الجُبِّ أسَرُّوا ابْتِياعَهُ عَنْ باقِي أصْحابِهِمْ لِيَكُونَ بِضاعَةً لَهم كَيْلا يُشْرِكُوهم فِيهِ لِرُخْصِهِ وتَواصَوْا أنَّهُ بِضاعَةٌ اسْتَبْضَعُوها مِن أهْلِ الماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ شَرَوْهُ أسَرُّوا بَيْعَهُ عَلى المَلِكِ حَتّى لا يَعْلَمَ بِهِ أصْحابُهم وذَكَرُوا أنَّهُ بِضاعَةٌ لَهم.

وَحَكى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ أُلْقِيَ في الجُبِّ وهو ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وبَقِيَ فِيهِ إلى أنْ أخْرَجَتْهُ السَّيّارَةُ مِنهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ: أُلْقِيَ فِيهِ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ مَعْنى شَرَوْهُ أيْ باعُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ.

وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَةْ واسْمُ البَيْعِ والشِّراءِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ البائِعِ والمُشْتَرِي لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بائِعٌ لِما في يَدِهِ مُشْتَرٍ لِما في يَدِ صاحِبِهِ.

وَفي بائِعِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَتُهُ باعُوهُ عَلى السَّيّارَةِ حِينَ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ فادَّعَوْهُ عَبْدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ السَّيّارَةَ باعُوهُ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ البَخْسَ ها هُنا الحَرامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: لِأنَّهم أوْقَعُوا البَيْعَ عَلى نَفْسٍ لا يَجُوزُ بَيْعُها فَكانَ ثَمَنُهُ وإنْ جَلَّ بَخْسًا، وما هو وإنْ باعَهُ أعْداؤُهُ بِأعْجَبَ مِنكَ في بَيْعِ نَفْسِكَ بِشَهْوَةِ ساعَةٍ مِن مَعاصِيكَ.

الثّانِي: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القَلِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.

﴿ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ اخْتُلِفَ في قَدْرِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا اقْتَسَمُوها وكانُوا عَشَرَةً، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم دِرْهَمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِاثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا، كانُوا أحَدَ عَشَرَ فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم دِرْهَمَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ بِأرْبَعِينَ دِرْهَمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ وابْنُ إسْحاقَ.

وَكانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ: اشْتَرَوْا بِها خِفافًا ونِعالًا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْدُودَةٌ غَيْرُ مَوْزُونَةٍ لِزُهْدِهِمْ فِيهِ.

الثّانِي: لِأنَّها كانَتْ أقَلَّ مِن أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وكانُوا لا يَزِنُونَ أقَلَّ مِن أرْبَعِينَ دِرْهَمًا؛ لِأنَّ أقَلَّ الوَزْنِ عِنْدَهم كانَ الأُوقِيَّةَ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ وفي المَعْنِيِّ بِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَةُ يُوسُفَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ حِينَ صَنَعُوا بِهِ ما صَنَعُوا.

الثّانِي: أنَّ السَّيّارَةَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ حِينَ باعُوهُ بِما باعُوهُ بِهِ.

وَفي زُهْدِهِمْ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ حُرٌّ لا يُبْتاعُ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ عِنْدَهم عَبْدًا فَخافُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ مالِكُوهُ فَيَأْخُذُوهُ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا في ثَمَنِهِ مِنَ الزّاهِدِينَ لِاخْتِبارِهِمْ لَهُ وعِلْمِهِمْ بِفَضْلِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ أُعْتِقَ يُوسُفُ حِينَ بِيعَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: جاءت سيارة فنزلت على الجب فأرسلوا واردهم فاستقى من الماء فاستخرج يوسف، فاستبشروا بأنهم أصابوا غلاماً، لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا فيه فباعوه، وكان بيعه حراماً وباعوه بدراهم معدودة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ يقول: فأرسلوا رسولهم فأدلى دلوه، فتشبث الغلام بالدلو، فلما خرج قال: يا بشراي، هذا غلام تباشروا به حين استخرجوه وهي بئر بيت المقدس معلوم مكانها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق في قوله: ﴿ يا بشراي ﴾ قال: يا بشارة.

وأخرج ابن المنذر من طريق أبي عبيد قال: سمعت الكسائي يحدث عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر، عن عاصم أنهما قرآ ﴿ يا بشرى ﴾ بإرسال الياء غير مضاف إليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ يا بشرى ﴾ قال: كان اسم صاحبه بشرى.

قال: يا بشرى، كما تقول يا زيد.

وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي في قوله: ﴿ يا بشرى ﴾ قال كان اسمه بشرى.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ يعني إخوة يوسف، أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله، إخوته، واختار البيع، فباعه إخوته بثمن بخس.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ قال: أسروا بيعه.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ قال: أسره التجار بعضهم من بعض.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ قال: صاحب الدلو ومن معه، فقالوا: لأصحابهم: إنا استَبْضعناه خفية أن يستشركوكم فيه ان علموا به وأتبعهم إخوته، يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبقن، حتى وثقوه بمصر فقال: من يبتاعني ويستسر؟

فابتاعه الملك والملك مسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ قال المفسرون (١) ﴿ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ﴾ وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم.

وقوله تعالى: ﴿ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾ قال عامة أهل اللغة (٢) قال الشاعر (٣) يَنْزِعُ من جَمّاتِها دَلْو الدَّالىِ أي ينزع النازع، والدلو معروف، والجميع الدلاء، والعدد إدل ودُلي، ويقال للدلو دلاة.

وقوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ ﴾ قال ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) قال ابن الأنباري: وقع النداء في اللفظ بالبشرى، وهو في المعنى واقع لغيرها، تأويله: يا هؤلاء تنبهوا لبشراي.

وهذا معنى قول أبي إسحاق (٨) (٩) وقرأ أهل (١٠) ﴿ يَا بُشْرَى ﴾ من غير إضافة، وهذه القراءة كالأولى في أنه نداءٌ لمن لا يجيب، إلا أن هذا نداءٌ غير مضاف فيكون رفعًا، قال السدي (١١) وروي عن الأعمش (١٢) قال أبو علي (١٣) ﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ  ﴾ ، فالوجه الأول على أنه بشرى مختصة، والآخر أن ينزله من جملة كلها مثلها في الشياع، إلا أن التنوين لم يلحق بشرى لأنه لا ينصرف.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ ، قال مجاهد (١٤) (١٥) (١٦) قال إسحاق بن بشر (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ بِضَاعَةً ﴾ البضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة، من: بضعت الشيء، إذا قطعته، قال الزجاج (١٩) (٢٠) قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ قال ابن عباس (٢١) (٢٢) قال أهل المعاني: هذه الآية بيان عما يوجبه حسن تدبير الله تعالى من التسبيب لنجاة من يشاء نجاته.

(١) الثعلبي 7/ 67 ب.

(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 1213 مع تقديم وتأخير، (دلا).

(٣) سبق تخريجه.

(٤) "زاد المسير" 4/ 194.

(٥) عبد الرزاق 2/ 302، والطبري 12/ 167، وابن أبي حاتم 7/ 2113 ب، وابن المنذر كما في "الرد" 4/ 17، القرطبي 9/ 153.

(٦) الطبري 12/ 167، والقرطبي 9/ 153.

(٧) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 260.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 97.

(٩) "الحجة" 4/ 412.

(١٠) "السبعة" ص 346، و"النشر" 3/ 124، و"إبراز المعاني" ص 533، و"إتحاف" ص 263.

(١١) الطبري 12/ 167 - 168، وابن أبي حاتم 7/ 2113أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 17، و"زاد المسير" 4/ 194، والقرطبي 9/ 153.

(١٢) الرازي 18/ 106، و"زاد المسير" 4/ 194.

(١٣) "الحجة" 4/ 411.

(١٤) الطبري 12/ 168، وابن أبي حاتم 7/ 2114أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، و"زاد المسير" 4/ 195، والثعلبى 7/ 68 أ، والبغوي 4/ 224.

(١٥) الطبري 12/ 169، وابن أبي حاتم 7/ 2114 أ.

(١٦) الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، البغوي 4/ 224، و"زاد المسير" 4/ 195، الرازي 18/ 106.

(١٧) هو: إسحاق بن بشر أبو حذيفة البخاري، له كتاب المبتدأ، تركوه وكذبه ابن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك.

توفي سنة 206 هـ.

انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 184، و"الأعلام" 1/ 294، و"معجم المؤلفين" 1/ 340.

وانظر: الرازي 18/ 107.

(١٨) الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، "زاد المسير" 4/ 195، ابن عطية 7/ 463.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.

(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٢١) "تنوير المقباس" ص 147.

(٢٢) في (ج): (يوسف).

من غير باء.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ رُوي أن هؤلاء السيارة من مَدْين، وقيل: هم أعراب ﴿ وَارِدَهُمْ ﴾ الوارد هو الذي يستقي الماء لجماعة، ونقل السهيلي أن اسم هذا الوارد مالك بن دعر من العرب العاربة، ولم يكن له ولد فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له، فرزقه الله اثني عشر ولداً، أعقب كل واحد منهم قبيلة ﴿ قَالَ يابشرى ﴾ أي نادى البشرى كقولك: يا حسرة، وأضافها إلى نفسه، وقرئ يا بشرى بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك وقيل: على هذه القراءة نادى رجلاً منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد، ولما أدلى الوارد الحبل في الجب تعلق به يوسف فحينئذ قال: يا بشراي هذا غلام ﴿ وَأَسَرُّوهُ بضاعة ﴾ الضمير الفاعل للسيارة والضمير المفعول ليوسف أي أخفوه من الرفقة، أو قالوا لهم: دفعة لنا قوم لنبيعه لهم بمصر ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ أي باعوه، والضمير أيضاً للذين أخذوه، وقيل: الضمير لإخوة يوسف وأنهم رجعوا إليه فقالوا: للسيارة هذا عبدنا ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي ناقص عن قيمته، وقيل: البخس هنا الظلم ﴿ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ عبارة عن قلتها ﴿ وَكَانُواْ ﴾ الضمير للذين أخذوه أو لإخوته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ .

السيارة: هي جماعة السائرين كالمسافرين.

﴿ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ ﴾ .

الوارد: هو طالب الماء ومستقيه.

﴿ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ﴾ .

أي: أرسل دلوه في البئر.

وقوله: ﴿ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ .

قال بعضهم: بشرى هو اسم ذلك الرجل الذي كان مع المدلي الدلو، فقال له: ﴿ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ ؛ كما يقال: يا فلان، هذا غلام.

وقال بعضهم: هو من البشارة؛ كأنه قال له: أبشر بهذا الغلام.

وفي بعض القراءات: (يا بشراي) على الإضافة إلى نفسه؛ فكأنه بشر نفسه؛ أي: البشرى لي بهذا الغلام.

ويشبه أن يكون هذا كناية كلام كان هنالك، لكن لم يبين لنا ذلك، والله أعلم بذلك؛ كقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ  ﴾ أخبر أنه أقسم؛ لكن لم [يبين لنا] ما ذلك القسم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ .

قال بعضهم: الإسرار: هو اسم الإخفاء والإظهار جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ ، أي: أظهروا الندامة، فإن كان ما ذكر أنه اسم لهما جميعاً فكأنه قال: أظهروه بضاعة؛ فإن كان على حقيقة الإخفاء والإسرار فهو على الإضمار؛ كأنه قال: وأسرّوا على ما كان وأظهروا بضاعة لئلا يطلب أصحابهم في ذلك شركة.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: عليم بما عمل إخوة يوسف بيوسف، أو عليم بما عمل السيارة من الإسرار والإظهار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي: باعوه بثمن بخس ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: البخس: هو النقصان؛ أي: باعوه بثمن لا يباع مثله بمثله.

وقال بعضهم: البخس [هو] الظلم؛ باعوه ظلماً، وأخذوا ثمنه ظلماً؛ لأنهم باعوا حرّاً، وبيع الحر حرام، وأخذوا ثمنه ظلماً حراماً؛ لأن ثمن الحرّ حرام.

وقال بعضهم: ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ ﴾ أي: دراهم مبهرجة وزيف.

﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: كانت السيارة في يوسف من الزاهدين؛ حيث باعوه بثمن الدون والنقصان بما لا يباع مثله بمثل ذلك الثمن؛ خشية أن يجيئهم طالب؛ لما علموا أن مثل هذا لو كان مملوكاً لا يترك هكذا لا يطلب، فباعوه بأدنى ثمن يكون لهم، لا كما يبيع الرجل ملكه على رغبة منه؛ خشية الطلب والاستنقاذ من أيديهم.

وقال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ ﴾ : إن إخوة يوسف هم الذين باعوه من السيارة ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ ، أي: لم يعرفوا منزلته ومكانه.

والأول أشبه.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: كانوا في شرائه من الزاهدين؛ لما خافوا ذهاب الثمن إن كان مسروقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ .

أي: مقامه ومنزلته.

﴿ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .

إن صدق التجار أنه بضاعة عندهم.

﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .

إن ظهر أنه مسروق، وأنه حر؛ لما وقع عندهم أن البضاعة لا تباع بمثل ذلك الثمن الذي باعوه.

[وقوله]: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: كما مكنا ليوسف عند العزيز وامرأته كذلك نمكنك عند أهل الأرض، ولكن ذكر ﴿ مَكَّنَّا ﴾ على الخبر؛ لأنه كان ممكناً في ذلك اليوم عند العزيز والملك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكَّنَّا ﴾ ، أي: كذلك جعلنا ليوسف مكاناً ومنزلة عند الناس، وفي قلوبهم مكان ما خذله إخوته، ولم يعرفوا مكانه ومنزلته وبعد ما كان شبه المملوك عند أولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ﴾ .

أي: لا مرد لقضائه إذا قضى أمراً كان كقوله، ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ  ﴾ ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وقال أهل التأويل: إنه بيع بعشرين درهماً أو بعشرين [ونيف]؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر سوى أن فيه أنه بيع بثمن الدون والنقصان بقوله: ﴿ بَخْسٍ ﴾ البخس هو النقصان؛ يقل: بخسته؛ أي نقصته؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ  ﴾ ؛ أي: لا تنقصوا، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ  ﴾ .

وقيل: البخس: الظلم والحرام، وقد ذكرناه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وجاءت قافلة مارّة، فبعثوا من يستقي لهم الماء، فأرسل دَلْوَه في البئر، فتعلّق يوسف بالحبل، فلما أبصره مرسلها قال مسرورًا: يا بشراي هذا غلام، وأخفاه واردهم وبعض أصحابه عن بقية القافلة زاعمين أنَّه بضاعة استبضعوها، والله عليم بما يفعلونه بيوسف من الابتذال والبيع، لا يخفى عليه من عملهم شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.2xEmJ"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا إله إلا الله