الآية ٢٠ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢٠ من سورة يوسف

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) يقول تعالى : وباعه إخوته بثمن قليل ، قاله مجاهد وعكرمة .

والبخس : هو النقص ، كما قال تعالى : ( فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) [ الجن : 13 ] أي : اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل ، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين ، أي : ليس لهم رغبة فيه ، بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا .

قال ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك : إن الضمير في قوله : ( وشروه ) عائد على إخوة يوسف .

وقال قتادة : بل هو عائد على السيارة .

والأول أقوى; لأن قوله : ( وكانوا فيه من الزاهدين ) إنما أراد إخوته ، لا أولئك السيارة; لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة ، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه ، فيرجح من هذا أن الضمير في ) وشروه ) إنما هو لإخوته .

وقيل : المراد بقوله : ( بخس ) الحرام .

وقيل : الظلم .

وهذا وإن كان كذلك ، لكن ليس هو المراد هنا; لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال ، وعلى كل أحد ، لأنه نبي ، ابن نبي ، ابن نبي ، ابن خليل الرحمن ، فهو الكريم ، ابن الكريم ، ابن الكريم ، ابن الكريم ، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما ، أي : إنهم إخوته ، وقد باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان; ولهذا قال : ( دراهم معدودة ) فعن ابن مسعود باعوه بعشرين درهما ، وكذا قال ابن عباس ، ونوف البكالي ، والسدي ، وقتادة ، وعطية العوفي وزاد : اقتسموها درهمين درهمين .

وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهما .

وقال محمد بن إسحاق وعكرمة : أربعون درهما .

وقال الضحاك في قوله : ( وكانوا فيه من الزاهدين ) وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل .

وقال مجاهد : لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم : استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر ، فقال : من يبتاعني وليبشر ؟

فاشتراه الملك ، وكان مسلما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (وشروه) به: وباع إخوة يوسف يوسف.

* * * ، فأما إذا أراد الخبر عن أنه ابتاعه , قال: " اشتريته "، (29) ومنه قول ابن مفرّغ الحميري: وَشَــــرَيْتُ بُـــرْدًا لَيْتَنِـــي مِــنْ قَبْــلِ بُــرْدٍ كـنْتُ هَامَـهْ (30) يقول: " بعت بردًا " , وهو عبدٌ كان له.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 18899 - حدثني يعقوب , قال: حدثنا إبراهيم , قال: حدثنا هشيم , عن &; 16-9 &; مغيرة , عن أبي معشر , عن إبراهيم , أنه كره الشراء والبيع للبدويّ.

قال: والعرب تقول: " اشر لي كذا وكذا "، أي: بع لي كذا وكذا ، وتلا هذه الآية (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) يقول: باعوه , وكان بيعه حرامًا.

18900 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: إخوة يوسف أحد عشر رجلا باعوه حين أخرجَه المدلي بدلوه.

18901 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بمثله .

18902 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن أبي نجيح , عن مجاهد 18903 - وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

18904 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله .

18905 - ....

قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج (وشروه) قال: قال ابن عباس: فبيع بينهم.

18906 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , في قوله: (وشروه بثمن بخس) قال: باعوه.

18907 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , مثله .

18908 - حدثني محمد بن سعد , قال: ثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: فباعه إخوته بثمن بخس.

* * * وقال آخرون: بل عني بقوله: (وشروه بثمن بخس) السيارةَ أنهم باعوا يوسف بثمن بخس .

* ذكر من قال ذلك: 18909 - حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (وشروه بثمن بخس) وهم السيارة الذين باعوه.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: تأويل ذلك: وشَرى إخوةُ يوسف يوسف بثمن بخس (31) وذلك أن الله عز وجل قد أخبر عن الذين اشتروه أنهم أسرُّوا شراء يوسف من أصحابهم، خيفة أن يستشركوهم، بادّعائهم أنَّه بضاعة.

ولم يقولوا ذلك إلا رغبة فيه أن يخلُص لهم دونهم، واسترخاصًا لثمنه الذي ابتاعوه به , لأنهم ابتاعوه كما قال جل ثناؤه (بثمن بخس) .

ولو كان مبتاعوه من إخوته فيه من الزاهدين، لم يكن لقيلهم لرفقائهم: " هو بضاعة "، معنى ، ولا كان لشرائهم إياه، وهم فيه من الزاهدين وجهٌ , إلا أن يكونوا كانوا مغلوبًا على عقولهم ; لأنه محال أن يشتري صحيح العقل ما هو فيه زاهدٌ من غير إكراهِ مكرِهٍ له عليه , ثم يكذب في أمرِه الناس بأن يقول: " هو بضاعة لم أشتره "، مع زهده فيه.

بل هذا القولُ من قول من هو بسلعته ضنينٌ لنفاستها عنده , ولما يرجُو من نفيس الثَّمن لها وفضلِ الربح.

* * * وأما قوله: (بخس) فإنه يعني: نَقْص.

* * * وهو مصدر من قول القائل: " بخست فلانًا حقه ": إذا ظلمته , يعني: ظلمه فنقصه عما يجبُ له من الوفاء: " أبخَسُه بَخْسًا "، ومنه قوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [ سورة هود: 85 ]، وإنما أريد: بثمن مبخوس منقوصٍ , فوضع " البخس " وهو مصدر مكان " مفعول " , كما قيل:: بِدَمٍ كَذِبٍ وإنما هو " بدم مكذوب فيه " (32) .

* * * واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: قيل (بثمن بخس) لأنه كان حرامًا عليهم .

* ذكر من قال ذلك: 18910 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن جويبر عن الضحاك : (وشروه بثمن بخس) قال: " البخس ": الحرام.

18911 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا علي بن عاصم , عن جويبر , عن الضحاك: : (وشروه بثمن بخس)، قال: حرام.

(33) 18912 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: كان ثمنه بخسًا، حرامًا، لم يحلّ لهم أن يأكلوه .

18913 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: حدثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , في قوله: (وشروه بثمن بخس) قال: باعوه بثمن بخس , قال: كان بيعه حرامًا وشراؤه حرامًا.

18914 - حدثني القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا جويبر , عن الضحاك: (بثمن بخس) قال: حرام .

18915 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: (بثمن بخس) يقول: لم يحلّ لهم أن يأكلوا ثمنَه.

* * * وقال آخرون: معنى البخس هنا: الظلم .

* ذكر من قال ذلك: 18916 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (وشروه بثمن بخس) قال ": البخس ": هو الظلم .

وكان بيع يوسف وثمنه حرامًا عليهم 18917 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , قال: قال قتادة: (وشروه بثمن بخس) قال: ظلم.

* * * وقال آخرون: عني بالبخس في هذا الموضع: القليل (34) .

* ذكر من قال ذلك: 18918 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن آدم , عن قيس , عن جابر , عن عكرمة , قال: " البخس ": القليل.

18919 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن عكرمة , مثله.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا الصحيح من القول في ذلك.

* * * وأما قوله (دراهم معدودة)، (35) فإنه يعني عز وجل أنهم باعوه بدراهم غير موزونة، ناقصة غير وافية، لزهدهم كان فيه.

* * * وقيل: إنما قيل " معدودة " ليعلم بذلك أنها كانت أقلّ من الأربعين , لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقلّ من أربعين درهمًا , لأن أقل أوزانهم وأصغرها كان الأوقية , وكان وزن الأوقية أربعين درهمًا .

قالوا: إنما دلَّ بقوله: (معدودة) على قلة الدراهم التي باعُوه بها.

* * * فقال بعضهم: كان عشرين درهمًا .

* ذكر من قال ذلك: 18920 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن , عن زهير , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال: إن ما اشتري به يوسف عشرون درهمًا.

18921 - حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن عبد الله: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) قال: عشرون درهمًا.

18922 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن نوف البكالي , في قوله: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) قال: عشرون درهمًا.

18923 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن نوف الشاميّ: " بخس دراهم " قال: كانت عشرين درهمًا .

(36) 18924 - حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن نوف , مثله .

18925 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال: قال ابن عباس , في قوله: (بثمن بخس دراهم معدودة) قال: عشرون درهمًا .

18926 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: (دراهم معدودة) قال: كانت عشرين درهمًا.

18927 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ذكر لنا أنه بيع بعشرين درهمًا ، (وكانوا فيه من الزاهدين).

18928 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , مثله .

18929 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أبي إدريس , عن عطية , قال: كانت الدراهم عشرين درهمًا، اقتسموها درهمين درهمين.

* * * وقال آخرون: بل كان عددها اثنين وعشرين درهمًا , أخذ كل واحد من إخوة يوسف، وهم أحد عشر رجلا درهمين درهمين منها .

* ذكر من قال ذلك: 18930 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أسباط , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (دراهم معدودة) قال: اثنين وعشرين درهمًا.

18931 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله: (دراهم معدودة) قال: &; 16-15 &; اثنان وعشرون درهمًا لإخوة يوسف، [وكان إخوة] أحد عشر رجلا .

(37) 18932 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله: (دراهم معدودة) ، 18933 - ....

قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , بنحوه .

18934 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , بنحوه.

* * * وقال آخرون: بل كانت أربعين درهمًا .

* ذكر من قال ذلك: 18935 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن عكرمة: (دراهم معدودة) قال: أربعين درهمًا.

18936 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: باعوه ولم يبلغ ثمنه الذي باعوه به أوقية , وذلك أن الناس كانوا يتبايعون في ذلك الزمان بالأواقي , فما قصَّر عن الأوقية فهو عَدد ; يقول الله: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) أي لم يبلغ الأوقية.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعُوه بدراهم معدودة غير موزونة , ولم يحدَّ مبلغَ ذلك بوزن ولا عدد , ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقد يحتمل أن يكون كان عشرين ، ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين ، وأن يكون كان أربعين , وأقل من ذلك وأكثر , وأيُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودة &; 16-16 &; غير موزونة ; وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه .

والإيمان بظاهر التنـزيل فرضٌ , وما عَداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمه.

(38) * * * وقوله: (وكانوا فيه من الزاهدين) يقول تعالى ذكره: وكان إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين , لا يعلمون كرامته على الله , ولا يعرفون منـزلته عنده , فهم مع ذلك يحبّون أن يحولوا بينه وبين والده، ليخلو لهم وجهه منه , ويقطعوه عن القرب منه، لتكون المنافع التي كانت مصروفة إلى يوسف دونهم، مصروفةً إليهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 18937 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أبي مرزوق , عن جويبر , عن الضحاك: (وكانوا فيه من الزاهدين) قال: لم يعلموا بنبوّته ومنـزلته من الله.

18938 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال: سمعت أبا معاذ , يقول: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك , في قوله: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فنـزلت على الجب , فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فاستقى من الماء فاستخرج يوسف , فاستبشروا بأنهم أصابوا غلامًا لا يعلمون علمه ولا منـزلته من ربه , فزهدوا فيه، فباعوه.

وكان بيعه حرامًا , وباعوه بدراهم معدودة.

18939 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني هشيم , قال: &; 16-17 &; أخبرنا جويبر , عن الضحاك: (وكانوا فيه من الزاهدين) قال إخوته زهدوا , فلم يعلموا منـزلته من الله ونبوته ومكانه.

18940 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال: إخوته زهدوا فيه , لم يعلموا منـزلته من الله .

* * * ---------------------- الهوامش: (29) انظر تفسير" الشراء" فيما سلف 14 : 150 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(30) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 2 : 341 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(31) في المطبوعة :" وشروا أخوة يوسف .

يوسف" ، وهو فاسد ، صوابه من المخطوطة .

(32) انظر تفسير" البخس" فيما سلف 15 : 262 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(33) الأثر : 18911 - في المطبوعة ، أسقط سطرًا كاملًا من المخطوطة ، فساق الخبرين رقم : 18911 ، 18912، سياقًا واحدًا هكذا :" .....

على بن عاصم ، عن الحسين بن الفرج" ، ورددته إلى أصله من المخطوطة .

(34) في المخطوطة أسقط" القليل" ، والصواب إثباتها كما فعل ناشر المطبوعة .

(35) انظر تفسير" معدودة" فيما سلف من فهارس اللغة ( عدد ) .

(36) الأثر : 18923 -" نوف الشامي" ، هو نفسه" نوف بن فضالة البكالي" ، وقد سلف مرارًا .

وقد غيره في المطبوعة ، وكتب" نوف البكالي" .

(37) هذه زيادة لا بد منها ، وسقطت من الناسخ ، لأنه كان أسقط صدر الخبر ، ثم كتبه في الهامش ، فلعله نسي بعضه .

(38) هذا من موازين أبي جعفر ، التي فرق ذكرها في كتابه ، ولم يذكرها عند كل موضع .

وهي الحكم بينه وبين من يزعمونه ذهب في تفسيره مذهب الاعتقاد لكثير مما أورده ، مما لم تأت به بينة صحيحة من خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو حجة عقل يجب التسليم لها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : وشروه يقال : شريت بمعنى اشتريت ، وشريت بمعنى بعت لغة ; قال الشاعر :[ ص: 137 ]وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامهأي بعت .

وقال آخر :فلما شراها فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز من اللوم حامزبثمن بخس أي نقص ; وهو هنا مصدر وضع موضع الاسم ; أي باعوه بثمن مبخوس ، أي منقوص .

ولم يكن قصد إخوته ما يستفيدونه من ثمنه ، وإنما كان قصدهم ما يستفيدونه من خلو وجه أبيهم عنه .

وقيل : إن يهوذا رأى من بعيد أن يوسف أخرج من الجب فأخبر إخوته فجاءوا وباعوه من الواردة .

وقيل : لا بل عادوا بعد ثلاث إلى البئر يتعرفون الخبر ، فرأوا أثر السيارة فاتبعوهم وقالوا : هذا عبدنا أبق منا فباعوه منهم .

وقال قتادة : " بخس " ظلم وقال الضحاك ومقاتل والسدي وابن عطاء : " بخس " حرام .

وقال ابن العربي : ولا وجه له ، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة ; لأن إخوته إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدونه من ثمنه ، وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه ; وإن كان الذين باعوه الواردة فإنهم أخفوه مقتطعا ; أو قالوا لأصحابهم : أرسل معنا بضاعة فرأوا أنهم لم يعطوا عنه ثمنا وأن ما أخذوا فيه ربح كله .قلت : قوله - وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة - يدل على أنهم لو أخذوا القيمة فيه كاملة كان ذلك جائزا وليس كذلك ; فدل على صحة ما قاله السدي وغيره ; لأنهم أوقعوا البيع على نفس لا يجوز بيعها ، فلذلك كان لا يحل لهم ثمنه .

وقال عكرمة والشعبي : قليل .

وقال ابن حيان : زيف .

وعن ابن عباس وابن مسعود باعوه بعشرين درهما أخذ كل واحد من إخوته درهمين ، وكانوا عشرة ; وقاله قتادة والسدي .

وقال أبو العالية ومقاتل : اثنين وعشرين درهما ، وكانوا أحد عشر أخذ كل واحد درهمين ; وقاله مجاهد .

وقال عكرمة : أربعين درهما ; وما روي عن الصحابة أولى .

و " بخس " من نعت " ثمن " .دراهم معدودة على البدل والتفسير له .

ويقال : دراهيم على أنه جمع درهام ، وقد يكون اسما للجمع عند سيبويه ، ويكون أيضا عنده على أنه مد الكسرة فصارت ياء ، وليس هذا مثل مد المقصور ; لأن مد المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ولا غيره .

وأنشد النحويون :تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهيم تنقاد الصياريف[ ص: 138 ] " معدودة " نعت ; وهذا يدل على أن الأثمان كانت تجري عندهم عدا لا وزنا بوزن .

وقيل : هو عبارة عن قلة الثمن ; لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها ; وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما كان دون الأوقية ، وهي أربعون درهما .الثانية : قال القاضي ابن العربي : وأصل النقدين الوزن ; قال - صلى الله عليه وسلم - : لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن من زاد أو ازداد فقد أربى .

والزنة لا فائدة فيها إلا المقدار ; فأما عينها فلا منفعة فيه ، ولكن جرى فيها العد تخفيفا عن الخلق لكثرة المعاملة ، فيشق الوزن ; حتى لو ضرب مثاقيل أو دراهم لجاز بيع بعضها ببعض عدا إذا لم يكن بها نقصان ولا رجحان ; فإن نقصت عاد الأمر إلى الوزن ; ولأجل ذلك كان كسرها أو قرضها من الفساد في الأرض حسب ما تقدم .الثالثة : واختلف العلماء في الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا ؟

وقد اختلفت الرواية في ذلك عن مالك : فذهب أشهب إلى أن ذلك لا يتعين ، وهو الظاهر من قول مالك ; وبه قال أبو حنيفة .

وذهب ابن القاسم إلى أنها تتعين ، وحكي عن الكرخي ; وبه قال الشافعي .

وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا لا تتعين فإذا قال : بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم تعلقت الدنانير بذمة صاحبها ، والدراهم بذمة صاحبها ; ولو تعينت ثم تلفت لم يتعلق بذمتهما شيء ، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها .الرابعة : روي عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنه قضى في اللقيط أنه حر ، وقرأ : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وقد مضى القول فيه .الخامسة : قوله تعالى : وكانوا فيه من الزاهدين قيل : المراد إخوته .

وقيل : السيارة .

وقيل : الواردة ; وعلى أي تقدير فلم يكن عندهم غبيطا ، لا عند الإخوة ; لأن المقصد زواله عن أبيه لا ماله ، ولا عند السيارة لقول الإخوة إنه عبد أبق منا - والزهد قلة الرغبة - ولا عند الواردة لأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم ، ورأوا أن القليل من ثمنه في الانفراد أولى .السادسة : في هذه الآية دليل واضح على جواز شراء الشيء الخطير بالثمن اليسير ، ويكون البيع لازما ; ولهذا قال مالك : لو باع درة ذات خطر عظيم بدرهم ثم قال لم أعلم أنها [ ص: 139 ] درة وحسبتها مخشلبة لزمه البيع ولم يلتفت إلى قوله .وقيل : وكانوا فيه من الزاهدين أي في حسنه ; لأن الله تعالى وإن أعطى يوسف شطر الحسن صرف عنه دواعي نفوس القوم إليه إكراما له .

وقيل : وكانوا فيه من الزاهدين لم يعلموا منزلته عند الله تعالى .

وحكى سيبويه والكسائي : زهدت وزهدت بكسر الهاء وفتحها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: مكث يوسف في الجب ما مكث، حتى { جَاءَتْ سَيَّارَةٌ } أي: قافلة تريد مصر، { فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ } أي: فرطهم ومقدمهم، الذي يعس لهم المياه، ويسبرها ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك، { فَأَدْلَى } ذلك الوارد { دَلْوَهُ } فتعلق فيه يوسف عليه السلام وخرج.

{ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ } أي: استبشر وقال: هذا غلام نفيس، { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } وكان إخوته قريبا منه، فاشتراه السيارة منهم، { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } أي: قليل جدا، فسره بقوله: { دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ } لأنه لم يكن لهم قصد إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصد في أخذ ثمنه، والمعنى في هذا: أن السيارة لما وجدوه، عزموا أن يُسِرُّوا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنه عبد أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وشروه ) أي : باعوه ( بثمن بخس ) قال الضحاك ، ومقاتل ، والسدي : حرام لأن ثمن الحر حرام ، وسمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة .

وعن ابن عباس ، وابن مسعود : بخس أي زيوف .

وقال عكرمة والشعبي : بثمن قليل .

( دراهم ) بدل من الثمن ( معدودة ) ذكر العدد عبارة عن قلتها .

وقيل : إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما ، إنما كانوا يعدونها عدا ، فإذا بلغت أوقية وزنوها .

واختلفوا في عدد تلك الدراهم : قال ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة : عشرون درهما ، فاقتسموها درهمين درهمين .

وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهما .

وقال عكرمة : أربعون درهما .

( وكانوا ) يعني : إخوة يوسف ( فيه ) أي : في يوسف ( من الزاهدين ) لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله .

وقيل : كانوا في الثمن من الزاهدين ، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن ، إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه .

ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف فتبعهم إخوته يقولون : استوثقوا منه لا يأبق ، قال : فذهبوا به حتى قدموا مصر وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن عباس .

وقيل : إظفير صاحب أمر الملك ، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة .

وقيل : إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ، ثم مات ويوسف حي .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين .

وقال وهب بن منبه : قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع ، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا ، وكان وزنه أربعمائة رطل ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة فابتاعه قطفير من مالك بن ذعر بهذا الثمن ، فذلك قوله تعالى :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وشروه» باعوه منهم «بثمن بخس» ناقص «دراهم معدودة» عشرين أو اثنين وعشرين «وكانوا» أي إخوته «فيه من الزاهدين» فجاءت به السيارة إلى مصر فباعه الذي اشتراه بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وباعه إخوته للواردين من المسافرين بثمن قليل من الدراهم، وكانوا زاهدين فيه راغبين في التخلص منه؛ وذلك أنهم لا يعلمون منزلته عند الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : - سبحانه - ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين ) بيان لما فعله السايرة بيوسف بعد أن أسروه بضاعة .وقوله ( شروه ) هنا بمعنى باعوه .والبخس : النقص ، يقال بخس فلا فلانا حقه ، إذا نقصه وعابه .

وهو هنا بمعنى المبخوس .و ( دراهم ) جمع درهم ، وهى بدل من ( ثمن ) .و ( معدود ) صفة لدراهم ، وهى كناية عن كونها قليلة ، لأن الشئ القليل يسهل عده ، بخلاف الشئ الكثير ، فإنه فى الغالب يوزن وزنا .والمعنى : أن هؤلاء المسافرين بعد أن أخذوا يوسف ليجعلوه عرضا من عروض تجارتهم ، باعوه فى الأسواق بثمن قليل تافه ، وهو عبارة عن دراهم معدودة ، ذكر بعضهم أنها لا تزيد على عشرين درهما .وقوله : ( وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين ) بيان لعدم حرصهم على بقائه معهم ، إذ أصل الزهد قلة الرغبة فى الشئ ، تقول زهدت فى هذا الشئ ، إذا كنت كارها له غير مقبل عليه .أى : وكان هؤلاء الذين باعوه من الزاهدين فى بقائه معهم ، الراغبين فى التخلص منه بأقل ثمن قبل أن يظهر من يطالبهم به .قال الآلوسى ما ملخصه : " وزهدهم فيه سببه أنهم التقطوه من الجب ، والملتقط للشئ متهاون به لا يبالى أن يبيعه بأى ثمن خوفا من أن يعرض له مستحق ينزعه منه .

.

"

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة، فقال: ﴿ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ ﴾ يعني رفقة تسير للسفر.

قال ابن عباس: جاءت سيارة أي قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطؤا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف عليه السلام، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة، وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف عليه السلام فأرسلوا رجلاً يقال له: مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء، والوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم ﴿ فأدلى دَلْوَهُ ﴾ ونقل الواحدي عن عامة أهل اللغة أنه يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها إذا نزعها من البئر يقال: أدلى يدلي إدلاء إذا أرسل ودلا يدلو دلواً إذا جذب وأخرج، والدلو معروف، والجمع دلاء ﴿ قَالَ يَا بُشْرى هذا غُلاَمٌ ﴾ وهاهنا محذوف، والتقدير: فظهر يوسف قال المفسرون: لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فنظر الوارد إليه ورأى حسنه نادى، فقال: يا بشرى.

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ بُشْرىً ﴾ بغير الألف وبسكون الياء، والباقون يا بشراي بالألف وفتح الياء على الإضافة.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ الرياح بُشْرىً ﴾ قولان: القول الأول: أنها كلمة تذكر عند البشارة ونظيره قولهم: يا عجباً من كذا وقوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وعلى هذا القول ففي تفسير النداء وجهان: الأول: قال الزجاج: معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين وتوكيد القصة فإذا قلت: يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا.

الثاني: قال أبو علي: كأنه يقول: يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك، ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن ولأمرت بالحضور.

واعلم أن سبب البشارة هو أنهم وجدوا غلاماً في غاية الحسن وقالوا: نبيعه بثمن عظيم ويصير ذلك سبباً لحصول الغنى.

والقول الثاني: وهو الذي ذكره السدي أن الذي نادى صاحبه وكان اسمه، فقال يا بشرى كما تقول يا زيد.

وعن الأعمش أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى ﴿ الرياح بُشْرىً ﴾ قال أبو علي الفارسي: إن جعلنا البشرى اسماً للبشارة، وهو الوجه جاز أن يكون في محل الرفع كما قيل: يا رجل لاختصاصه بالنداء، وجاز أن يكون في موضع النصب على تقدير: أنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى، ولم يخص كما تقول: يا رجلاً ﴿ ياحسرة عَلَى العباد  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بضاعة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الضمير في ﴿ وَأَسَرُّوهُ ﴾ إلى من يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه في الجب، وذلك لأنهم قالوا: إن قلنا للسيارة التقطناه شاركونا فيه، وإن قلنا اشتريناه: سألونا الشركة، فالأصوب أن نقول: إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر.

والثاني: نقل عن ابن عباس أنه قال: ﴿ وَأَسَرُّوهُ ﴾ يعني: إخوة يوسف أسروا شأنه، والمعنى: أنهم أخفوا كونه أخاً لهم، بل قالوا: إنه عبد لنا أبق منا وتابعهم على ذلك يوسف لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية، والأول أولى لأن قوله: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بضاعة ﴾ يدل على أن المراد أسروه حال ما حكموا بأنه بضاعة، وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة يوسف.

المسألة الثانية: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت اللحم إذا قطعته.

قال الزجاج: وبضاعة منصوبة على الحال كأنه قال: وأسروه حال ما جعلوه بضاعة.

ثم قال تعالى: ﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ والمراد منه أن يوسف عليه السلام لما رأى الكواكب والشمس والقمر في النوم سجدت له وذكر ذلك حسده إخوته عليه واحتالوا في إبطال ذلك الأمر عليه فأوقعوه في البلاء الشديد حتى لا يتيسر له ذلك المقصود، وأنه تعالى جعل وقوعه في ذلك البلاء سبباً إلى وصوله إلى مصر، ثم تمادت وقائعه وتتابع الأمر إلى أن صار ملك مصر وحصل ذلك الذي رآه في النوم فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيره الله تعالى سبباً لحصول ذلك المطلوب، فلهذا المعنى قال: ﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ أما قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ ففيه قولان: القول الأول: المراد من الشراء هو البيع، وعلى هذا التقدير ففي ذلك البائع قولان: القول الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن إخوة يوسف لما طرحوا يوسف في الجب ورجعوا عادوا بعد ثلاث يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبدنا أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، والمراد من قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ أي باعوه يقال: شريت الشيء إذا بعته، وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع، لأن الضمير في قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين ﴾ عائد إلى شيء واحد لكن الضمير في قوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين ﴾ عائد إلى الإخوة فكذا في قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ يجب أن يكون عائداً إلى الإخوة، وإذا كان كذلك فهم باعوه فوجب حمل هذا الشراء على البيع.

والقول الثاني: أن بائع يوسف هم الذين استخرجوه من البئر، وقال محمد بن إسحاق: ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة، وهاهنا قول آخر وهو أنه يحتمل أن يقال: المراد من الشراء نفس الشراء، والمعنى أن القوم اشتروه وكانوا فيه من الزاهدين، لأنهم علموا بقائن الحال أن إخوة يوسف كذابون في قولهم إنه عبدنا وربما عرفوا أيضاً أنه ولد يعقوب فكرهوا شراءه خوفاً من الله تعالى، ومن ظهور تلك الواقعة، إلا أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة لأنهم اشتروه بثمن قليل مع أنهم أظهروا من أنفسهم كونهم فيه من الزاهدين، وغرضهم أن يتوصلوا بذلك إلى تقليل الثمن، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الأخوة لما قالوا: إنه عبدنا أبق صار المشتري عديم الرغبة فيه.

قال مجاهد: وكانوا يقولون استوثقوا منه لئلا يأبق.

ثم اعلم أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث.

الصفة الأولى: كونه بخساً.

قال ابن عباس: يريد حراماً لأن ثمن الحر حرام، وقال كل بخس في كتاب الله نقصان إلا هذا فإنه حرام، قال الواحدي سموا الحرام بخساً لأنه ناقص البركة، وقال قتادة: بخس ظلم والظلم نقصان يقال ظلمه أي نقصه، وقال عكرمة والشعبي قليل وقيل: ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً، وقيل كانت الدراهم زيوفاً ناقصة العيار.

قال الواحدي رحمه الله تعالى: وعلى الأقوال كلها، فالبخس مصدر وضع موضع الاسم، والمعنى بثمن مبخوس.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ قيل تعد عداً ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا إذا بلغ أوقية، وهي الأربعون ويعدون ما دونها فقيل للقليل معدود، لأن الكثيرة يمتنع من عدها لكثرتها، وعن ابن عباس كانت عشرين درهماً، وعن السدي اثنين وعشرين درهماً.

قالوا والإخوة كانوا أحد عشر فكل واحد منهم أخذ درهمين إلا يهوذا لم يأخذ شيئاً.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين ﴾ ومعنى الزهد قلة الرغبة يقال زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه وأصله القلة.

يقال: رجل زهيد إذا كان قليل الطمع، وفيه وجوه: أحدها: أن إخوة يوسف باعوه، لأنهم كانوا فيه من الزاهدين.

والثاني: أن السيارة الذين باعوه كانوا فيه من الزاهدين، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بأي شيء يبيعه أو لأنهم خافوا أن يظهر المستحق فينزعه من يدهم، فلا جرم باعوه بأوكس الأثمان.

والثالث: أن الذين اشتروه كانوا فيه من الزاهدين، وقد سبق توجيه هذه الأقوال فيما تقدم، والضمير في قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ يحتمل أن يكون عائد إلى يوسف عليه السلام، ويحتمل أن يكون عائداً إلى الثمن البخس والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ وباعوه ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ مبخوس ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً، أو زيف ناقص العيار ﴿ دراهم ﴾ لا دنانير ﴿ مَّعْدُودَةً ﴾ قليلة تعدّ عدّاً ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون، ويعدّون ما دونها.

وقيل للقليلة معدودة؛ لأنّ الكثيرة يمتنع من عدّها لكثرتها.

وعن ابن عباس: كانت عشرين درهماً.

وعن السدي: اثنين وعشرين ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده فيبيعه بما طف من الثمن لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بم باعه، ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من أوّل مساوم بأوكس الثمن.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ واشتروه، يعني الرفقة من إخوته ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزهدين ﴾ لأنهم اعتقدوا أنه آن فخافوا أن يخطروا بما لهم فيه.

ويروى أنّ إخوته اتبعوهم يقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق.

وقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ ليس من صلة ﴿ الزاهدين ﴾ لأنّ الصلة لا تتقدّم على الموصول.

ألا تراك لا تقول: وكانوا زيداً من الضاربين، وإنما هو بيان، كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟

فقال: زهدوا فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ وباعُوهُ، وفي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ الوَجْهانِ أوِ اشْتَرَوْهُ مِنَ إخْوَتِهِ.

﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ مَبْخُوسٍ لِزَيْفِهِ أوْ نُقْصانِهِ.

﴿ دَراهِمَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الثَّمَنِ.

﴿ مَعْدُودَةٍ ﴾ قَلِيلَةٍ فَإنَّهم يَزِنُونَ ما بَلَغَ الأُوقِيَّةَ ويَعُدُّونَ ما دُونَها.

قِيلَ كانَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وقِيلَ كانَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا.

﴿ وَكانُوا فِيهِ ﴾ في يُوسُفَ.

﴿ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ الرّاغِبِينَ عَنْهُ والضَّمِيرُ في ﴿ وَكانُوا ﴾ إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزَهَّدَهم فِيهِ، لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ خائِفٌ مِنَ انْتِزاعِهِ مُسْتَعْجِلٌ في بَيْعِهِ، وإنْ كانُوا مُبْتاعِينَ فَلِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ آبِقٌ وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِالزّاهِدِينَ إنْ جُعِلَ اللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى الَّذِي فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُبَيِّنُهُ الزّاهِدِينَ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَشَرَوْهُ} وباعوه {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} مبخوس ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً أو زيف {دراهم} بدل من ثمن {مَّعْدُودَةً} قليلة تعد عداً ولا توزن لأنهم كانوايعدون ما دون الأربعين ويزنون الأربعين وما فوقها وكان عشرين درهما {وكانوا فيه من الزاهدين} ممن يرغب عما في يده فيبيعه بالثمن الطفيف أو معنى وشروه واشتروه يعني الرفقة من إخوته وكانوا فيه من الزاهدين أي غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه آبق ويُروى أن إخوته اتبعوهم وقالوا استوثقوا منه لا يأبق ليس من صلة الزاهدين أى فغير راغبين لأن الصلة لا تتقدم على الموصول وإنما هو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا فقال زهدوا فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وشَرَوْهُ ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا لِلْأُخْوَةِ فَشَرى بِمَعْنى باعَ، وإمّا لِلسَّيّارَةِ فَهو بِمَعْنى اشْتَرى كَما في قَوْلِهِ: (وشَرَيْتُ) بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهُ وقَوْلِهِ: ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى باعَ بِناءً عَلى أنَّهم باعُوهُ لَمّا التَقَطُوهُ مِن بَعْضِهِمْ ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أيْ نَقْصٍ وهو مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَنقُوصٌ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى باخِسٍ أيْ ناقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ ظُلْمٌ لِأنَّهُ ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: البَخْسُ الحَرامُ وكانَ ذَلِكَ حَرامًا لِأنَّهُ ثَمَنُ الحُرِّ وسُمِّيَ الحَرامُ بَخْسًا لِأنَّهُ مَبْخُوسُ البَرَكَةِ أيْ مَنقُوصُها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ دَراهِمَ ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ أيْ لا دَنانِيرَ ﴿ مَعْدُودَةٍ ﴾ أيْ قَلِيلَةٍ وكُنِّيَ بِالعَدِّ عَنِ القِلَّةِ لِأنَّ الكَثِيرَ يُوزَنُ عِنْدَهم وكانَتْ عِدَّةُ هَذِهِ الدَّراهِمِ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وفي أُخْرى عَنْهُ عِشْرِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةً، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ولا يَأْبى هَذا ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ عادَتَهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّ الأرْبَعِينَ قَدْ تُعَدُّ ﴿ وكانُوا فِيهِ ﴾ أيْ في يُوسُفَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ أيِ الرّاغِبِينَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ في ( وكانُوا ) إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزُهْدُهم فِيهِ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ يَنْتَزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ وإنْ كانَ لَهم وكانُوا مُبْتاعِينَ بِأنِ اشْتَرَوْهُ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مِنَ الإخْوَةِ فَزُهْدُهم لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (فِيهِ) لِلثَّمَنِ وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَتِهِ أوْ لِأنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إبْعادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كانُوا) لِلْإخْوَةِ، والجارُّ -عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ- مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ -الزّاهِدِينَ- أيْ كانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ في الزّاهِدِينَ اسْمٌ مَوْصُولٌ ولا يَتَقَدَّمُ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ما بَعْدَ الجارِّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وهَلْ ﴿ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِزاهِدِينَ المَحْذُوفِ مُؤَكَّدَةٌ كَما تَقُولُ: عالِمٌ مِنَ العُلَماءِ، أوْ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أيْ زاهِدِينَ بَلَغَ بِهِمُ الزُّهْدُ إلى أنْ يُعَدُّوا في الزّاهِدِينَ لِأنَّ الزّاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ عَرِيقًا في الزّاهِدِينَ حَتّى يُعَدَّ فِيهِمْ إذا عُدُّوا، أوْ يَكُونُ خَبَرًا ثانِيًا؟

كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ لِوُجُودِ (مِن) مَعَهُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَحْذُوفَ أعْنِي وأنا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالصِّلَةِ والمَعْنى عَلَيْهِ بِلا شُبْهَةٍ، وإنَّما فَرُّوا مِنهُ لِما فَهِمُوا مِن أنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَ المَوْصُولِ مُطْلَقًا، وبَيْنَ صِلَةِ -ألْ- وغَيْرِها فَرْقٌ فَإنَّ هَذِهِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ المُنْزَلِ مَنزِلَةَ الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِها عَلَيْها فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِالمَذْكُورِ إنَّما هو مَذْهَبُ المازِنِيِّ الَّذِي جَعَلَ -ألْ- في مِثْلِ ذَلِكَ حَرْفَ تَعْرِيفٍ وكَأنَّهُ لا يَرى تَقَدُّمَ مَعْمُولِ المَجْرُورِ مُمْتَنِعًا، وإلّا لَمْ يَتِمَّ بِما ذَكَرَهُ ارْتِفاعُ المَحْذُورِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَلْزَمُ بَعْدَ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ مِنَ الغَفْلَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ مَحَلَّ الخِلافِ عَمَلُهُ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ لا في الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يَكْفِيهِ رائِحَةَ الفِعْلِ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ الصِّفَةَ هُنا مُعْتَمِدَةٌ عَلى اسْمِ -كانُوا- وهو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ، والِاعْتِمادُ عَلى ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُمْ، فَفي الرَّضِيِّ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: والِاعْتِمادُ عَلى صاحِبِهِ ويَعْنِي بِصاحِبِهِ المُبْتَدَأ إمّا في الحالِ نَحْوَ زَيْدٌ ضارِبٌ أخَواهُ، أوْ في الأصْلِ نَحْوَ كانَ زَيْدٌ ضارِبًا أخَواهُ، وظَنَنْتُكَ ضارِبًا أخَواكَ وإنَّ زَيْدًا ضارِبٌ غُلاماهُ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إخْراجِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنْ حُكْمِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ خِلافًا لِمَن أنْكَرَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَتَمَسَّكُ بِعُمُومٍ يَتَوَسَّعُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِما في دَفْعِ ما يُورَدُ عَلى تَعَلُّقِ الجارِّ هُنا بِالصِّفَةِ المَجْرُورِ الواقِعَةِ صِلَةً لِألْ كائِنًا ما كانَ فَلْيُفْهَمْ.

هَذا والشّائِعُ أنَّ الباعَةَ إخْوَتُهُ والزّاهِدِينَ هُمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم حِينَ باعُوهُ قالُوا لِلتّاجِرِ: إنَّهُ لِصٌّ آبِقٌ فَقَيِّدْهُ ووَكِّلْ بِهِ عَبْدًا أسْوَدَ فَلَمّا جاءَ وقْتُ ارْتِحالِهِمْ بَكى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ما لَكَ تَبْكِي؟

فَقالَ: أُرِيدُ أنْ أصِلَ إلى الَّذِينَ باعُونِي لِأُوَدِّعَهم وأُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ سَلامَ مَن لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَقالَ التّاجِرُ لِلْعَبْدِ: خُذْهُ واذْهَبْ بِهِ إلى مَوالِيهِ لِيُوَدِّعَهم ثُمَّ ألْحِقْهُ بِالقافِلَةِ فَما رَأيْتُ غُلامًا أبَرَّ مِن هَذا بِمَوالِيهِ ولا قَوْمًا أجْفى مِنهُمْ، فَتَقَدَّمَ العَبْدُ بِهِ إلى إخْوَتِهِ وكانَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَيْقِظًا يَحْرُسُ الأغْنامَ فَلَمّا وصَلَ إلَيْهِ يُوسُفُ وهو يَعْثُرُ في قَيْدِهِ انْكَبَّ عَلَيْهِ وبَكى، فَقالَ لَهُ: لِما جِئْتَ؟

فَقالَ: جِئْتُ لِأُوَدِّعَكم وأُسَلِّمَ عَلَيْكم فَصاحَ عَلَيْهِمْ أخُوهم قُومُوا إلى مَن أتاكم يُسَلِّمُ عَلَيْكم سَلامَ مَن لا يَرْجُو أنْ يَراكم أبَدًا فَوَيْلٌ لَكم مِن هَذا الوَداعِ فَقامُوا فَجَعَلَ يُوسُفُ يَنْكَبُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ويُقَبِّلُهُ ويُعانِقُهُ، ويَقُولُ: حَفِظَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ ضَيَّعْتُمُونِي آواكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ طَرَدْتُمُوَنِي رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ تَرْحَمُونِي، قِيلَ: إنَّ الأغْنامَ ألْقَتْ ما في بُطُونِها مِن هَوْلِ هَذا التَّوْدِيعِ، ثُمَّ أخَذَهُ العَبْدُ وطَلَبَ القافِلَةَ فَبَيْنَما هو عَلى الرّاحِلَةِ إذْ مَرَّ بِقَبْرِ أُمِّهِ راحِيلَ في مَقابِرِ كَنْعانَ فَلَمّا أبْصَرَ القَبْرَ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ رَمى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ فاعْتَنَقَهُ وجَعَلَ يَبْكِي ويَقُولُ: يا أُمّاهُ ارْفَعِي رَأْسَكِ مِنَ التُّرابِ حَتّى تَرَيْ ولَدَكِ مُقَيَّدًا يا أُمّاهُ إخْوَتِي في الجُبِّ طَرَحُونِي ومِن أبِي فَرَّقُونِي وبِأبْخَسِ الأثْمانِ باعُونِي ولَمْ يَرِقُّوا لِصِغَرِ سِنِّي ولَمْ يَرْحَمُونِي فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي في مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ إنَّهُ هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فالتَفَتَ العَبْدُ فَلَمْ يَرَهُ فَرَجَعَ فَرَآهُ عَلى القَبْرِ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ مَوالِيكَ إنَّكَ عَبْدٌ آبِقٌ ثُمَّ لَطَمَهُ لَطْمَةً شَدِيدَةً فَغُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ لَهُ: لا تُؤاخِذْنِي هَذا قَبْرُ أُمِّي نَزَلْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْها ولا أعُودُ بَعْدُ لِما تَكْرَهُهُ أبَدًا ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وقَدْ تَمَرَّغَ بِالتُّرابِ والدُّمُوعُ في وجْهِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَتْ لِي خَطِيئَةٌ أخْلَقَتْ وجْهِي عِنْدَكَ فَبِحُرْمَةِ آبائِي الكِرامِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أنْ تَعْفُوَ عَنِّي وتَرْحَمَنِي يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ فَضَجَّتِ المَلائِكَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: يا مَلائِكَتِي هَذا نَبِيِّي وابْنُ أنْبِيائِي وقَدِ اسْتَغاثَ بِي وأنا مُغِيثُهُ ومُغِيثُ المُسْتَغِيثِينَ يا جِبْرِيلُ أدْرِكْهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا صَدِيقَ اللَّهِ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: مَهْلًا عَلَيْكَ فَقَدْ أبْكَيْتَ مَلائِكَةَ السَّماواتِ السَّبْعِ أتُرِيدُ أنْ أُطْبِقَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ؟

فَقالَ: لا يا جِبْرِيلُ ارْفُقْ بِخَلْقِ رَبِّي فَإنَّهُ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ، فَضَرَبَ الأرْضَ بِجَناحِهِ فَهَبَّتْ رِيحٌ حَمْراءُ وكَسَفَتِ الشَّمْسُ وأظْلَمَتِ الغَبْراءُ فَلَمْ يَرَ أهْلُ القافِلَةِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالَ التّاجِرُ: انْزِلُوا قَبْلَ أنْ تَهْلَكُوا إنَّ لِي سِنِينَ عَدِيدَةً أمُرُّ بِهَذا الطَّرِيقِ فَما رَأيْتُ كاليَوْمِ فَمَن أصابَ مِنكم ذَنْبًا فَلْيَتُبْ مِنهُ فَما أصابَنا هَذا إلّا بِذَنْبٍ اقْتَرَفْناهُ فَأخْبَرَهُ العَبْدُ بِما فَعَلَ مَعَ يُوسُفَ، وقالَ يا سَيِّدِي: إنِّي لَمّا ضَرَبْتُهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ويْحَكَ أهْلَكْتَنا وأهْلَكْتَ نَفْسَكَ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ التّاجِرُ وقالَ: يا غُلامُ إنّا ظَلَمْناكَ حِينَ ضَرَبْناكَ فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقْتَصَّ مِنّا فَها نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ؟

فَقالَ يُوسُفُ: ما أنا مِن قَوْمٍ إذا ظَلَمُوا يَقْتَصُّونَ ولَكِنِّي مِن أهْلِ بَيْتٍ إذْ ظَلَمُوا عَفَوْا وغَفَرُوا ولَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكم رَجاءَ أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي فانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ وسَكَنَتِ الرِّيحُ وأسْفَرَتِ الشَّمْسُ وأضاءَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، فَسارُوا حَتّى دَخَلُوا مِصْرَ آمِنِينَ، وكانَ هَذا التّاجِرُ فِيما قِيلَ: مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجُبِّ، وقِيلَ: غَيْرُهُ.

ورُوِيَ أنَّهُ حِينَ ورَدَ بِهِ مِصْرَ باعَهُ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، وقِيلَ: أدْخُلُ السُّوقَ لِلْبَيْعِ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ وزْنَهُ مِسْكًا، ووَزْنَهُ ورِقًّا، ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ بِذَلِكَ العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ عِنْدَ مَلِكِها، وقِيلَ: كانَ خَبّازَ المَلِكِ وصاحِبَ شَرابِهِ ودَوابِّهِ وصاحِبَ السِّجْنِ المَشْهُورِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو الأوَّلُ، واسْمُهُ قَطْفِيرُ أوْ أطْفِيرُ أوْ قَنْطُورا، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ أي: قافلة يمرون من قبل مدين إلى مصر، فنزلوا بقرب البئر، فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ أي: طالب مائهم، ويقال: أرسل كل قوم ساقيهم يستقي لهم الماء، فجاء مالك بن دعر إلى الجب الذي فيه يوسف، فَأَدْلى دَلْوَهُ يقول: أرخى، وأرسل دلوه في البئر، فتعلق يوسف بالدلو، فنظر مالك بن دعر، فإذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان.

قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: يَا بُشْرَايَ بالألف والياء، ونصب الياء، وقرأ عاصم: يا بُشْرىً بنصب الراء وسكون الياء، وقرأ نافع في رواية ورش: بالألف والياء مع السكون، وكذلك يقرءونه في مَثْوايَ ومَحْيايَ وعَصايَ، بسكون بالياء.

وقرأ حمزة والكسائي: يَا بُشْرِي بغير ألف، وسكون الياء، وكسر الراء.

فمن قرأ: يا بشرَايَ، يكون بمعنى الإضافة إلى نفسه، ومن قرأ: يا بُشْرى يكون على معنى تنبيه المخاطبين، كقوله: يا عجبَا، وإنما أراد به: اعجبوا.

ومن قرأ: يا بُشْرى، كأنه اسم رجل دعاه باسمه بشرى، وقال أبو عبيدة: هذه القراءة تقرأ، لأنها تجمع المعنيين، إن أراد به الاسم، أو أراد به البشرى بعينها.

وقال السدي: تعلق يوسف بالحبل فخرج، فلما رآه صاحب الدلو، نادى رجلاً من أصحابه، يقال له البشرى، وقال: يا بشراي، هذا غلام.

وقال قتادة وغيره: إنه بشر واردهم حين وجد يوسف.

ثم قال: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً يعني: التّجار بعضهم بعضاً وقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لكيلا يسألوكم فيه بشركة، فإن قالوا لكم ما هذا الغلام؟

قولوا: استبضعنا بعض أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، فذلك قوله: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً يعني: أسروه وأعلنوه بضاعة، فرجع إخوته بعد ثلاثة أيام، فرأوا يوسف في أيديهم، فقالوا: هذا غلام أبق منا منذ ثلاثة أيام، فقالوا لهم: ما بال هذا الغلام لا يشبه العبيد، وإنما هو يشبهكم؟

فقالوا: إنما وُلِدَ في حجرنا وإنه ابن وليدة منّا أمرتنا ببيعه.

وقالوا ليوسف بلسانهم: لئن أنكرت أنك عبد لنا لنأخذنّك ونقتلنّك.

أترى أنا نرجع بك إلى يعقوب أبداً، وقد أخبرناه أن الذئب قد أكلك.

فقال: يا إخوتاه ارجعوا بي إلى أبي، وأنا ضامن لكم رضاه، وأنا لا أذكر له هذا أبداً.

فأبوا عليه فذلك قوله تعالى وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ يعني: بما يصنع به إخوته.

قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ، يعني: باعوه بِثَمَنٍ بَخْسٍ يعني: ظلماً وحراماً لم يحل بيعه.

ويقال: بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي: بدراهم رديئة ويقال: البخس: الخسيس دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ أي: يسير عددها.

وقال مجاهد: البخس القليل، والمعدودة: عشرون درهماً، وقال: كان في ذلك الزمان ما كان فوق الأوقية وزنوه وزناً، وما كان دون الأوقية عدّوه عداً.

وقال بعضهم: باعوه بعشرة دراهم، لأن اسم الدرهم يقع على ما بين الثلاثة إلى العشرة، فأصاب كل واحد منهم درهماً.

وروي عن الضحاك، أنه قال: باعوه باثني عشر درهماً، وقال ابن مسعود: «بيع بعشرين درهماً» ، وقال عكرمة: البخس: أربعون درهماً، وقال بعضهم: لم يبعه إخوته ولكن الذين وردوا الماء، وجدوه في البئر، وأخرجوه من البئر، فباعوه بثمن بخس، دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وهو قول المعتزلة- لأن مذهبهم أن الأنبياء معصومون عن الكبيرة قبل النبوة لأن الكبيرة عندهم تخرج المؤمن عن الإيمان، وعند أهل السنة: الكبيرة لا تخرج المؤمن عن الإيمان، وجاز جريان المعصية قبل النبوة (١) ثم قال: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ يعني: الذين اشتروه لم يعلموا بحاله وقصته.

ويقال: يعني إخوة يوسف، في ثمنه لم يكونوا محتاجين إليه.

ثم إن مالك بن دعر، لما أدخله مصر باعه.

قال مقاتل: باعه بعشرين ديناراً ونعلين وحلة.

وقال الكلبي: بعشرين درهماً ونعلين وحلة.

وقال بعضهم: باعه بوزنه فضة.

وقال بعضهم: باعه بوزنه ذهباً.

وقال وهب بن منبه: باعه مالك بن دعر، بعد ما عرضه في بيع من يزيد، ثلاثة أيام، فزاد الناس بعضهم على بعض، حتى بلغ ثمنه بحيث لا يقدر أحد عليه، فاشتراه عزيز مصر، وكان خازن الملك وصاحب جنوده لامرأته زليخا، بوزنه مرة مسكاً، ومرة لؤلؤاً، ومرة ذهباً، ومرة فضة، ومرة حللا، وسلم كلها.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

آيات: دلالتُهُ على كذبهم، وشهادَتُهُ في قَدِّه، ورَدُّ بَصَرِ يَعقُوبَ به، ووصف الدَّم بالكَذِبِ الَّذي هو مَصْدَرٌ على/ جهة المبالغةِ، ثم قال لهم يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ، أي:

رَضيَتْ وجَعَلَتْ سؤلاً ومراداً أَمْراً، أي: صنعاً قبيحاً بيوسف «١» .

وقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ: إِما على حذف المبتدأ، أي: فشأني صبرٌ جميلٌ، وإِما على حَذْفِ الخبر، تقديره: فصبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ، وجميل الصّبر: ألّا تقع شكوى إلى البشر، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَثَّ، لَمْ يَصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً» «٢» .

وقوله: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ: تسليم لأمر الله تعالى، وتوكّل عليه.

وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ: قيل: إِن السيارة جاءَتْ في اليومِ الثاني من طرحه، و «السيارةُ» : بتاءُ مبالغةٍ للذين يردِّدون السيْرَ في الطُرق.

قال ص: و «السَّيَّارَة» : جمع سَيَّار، وهو الكثيرُ السَّيْر في الأرض.

انتهى.

و «الوَارد» : هو الذي يأتي الماءَ يستَقي منه لجماعته، وهو يَقَعُ على الواحدِ وعلى الجماعة.

وروي أنَّ مُدْلِيَ الدَّلْو كان يسمَّى مَالِكَ بْنَ دعر، ويروَى أَنَّ هذا الجُبَّ كان بالأُرْدُنِّ على ثلاثةِ فراسِخَ من منزل يَعْقُوبَ، ويقال: أدلَى دلْوَهُ إِذا ألقاه ليستقِيَ الماءَ، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: فتعلَّق يوسُفُ بالحَبْل، فلما بصر به المدلي، قال: يا بُشْرى، وروي أنَّ يوسُفَ كان يومئِذٍ ابنَ سَبْعَ سِنينَ ويرجِّح هذا لفظةُ غُلامٌ فإِنها لِمَا بَيْنَ الحولَيْن إِلى البلوغِ، فإِن قيلتْ فيما فَوْقَ ذلك، فعلى استصحاب حالٍ، وتجوُّزٍ، وقرأَ نافعٌ «١» وغيره: «يا بُشْرَايَ» بإِضافةِ البُشْرَى إِلى المتكلِّم، وبفتح الياء على ندائها كأنه يقولُ:

احضري، فهذا وَقْتُكِ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَا بُشْرى» ، ويميلاَنِ ولا يضيفَانِ، وقرأ عاصمٌ كذلك إِلاَّ أَنه يفتح الراءَ ولا يُمِيلُ، واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي:

كان في أصحاب هذا الوارد رَجُلٌ اسمه «بُشْرَى» فناداه، وأعلمه بالغلامِ «٢» ، وقيل: هو على نداءِ البُشْرَى كما قدَّمنا.

وقوله سبحانه: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً قال مجاهد: وذلك أنَّ الوُرَّاد خَشُوا من تُجَّار الرفْقة، إِنْ قالوا وجدْنَاه أنْ يشاركوهم في الغُلاَمِ الموجُودِ، يعني: أو يمنعوهم من تملُّكه «٣» ، إِن كانوا أخياراً، فأسروا بينهم أنْ يقولُوا: أَبْضَعَهُ مَعَنَا بعْضُ أهْلِ المِصْرِ، و «بِضَاعة» : حالٌ، والبضاعة: القطعةُ من المالِ يُتْجَرُ فيها بغير نصيب من الرّبح مأخوذ من قولهم: «بَضْعَة» أي: قطعة، وقيل: الضمير في «أَسَرُّوه» يعود على إِخوة يوسف.

وقوله سبحانه: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: «شروه» هنا: بمعنى بَاعُوه، قال الداوديُّ: وعن أبي عُبَيْدة: وَشَرَوْهُ أي: باعوه، فإِذا ابتعت أَنْتَ، قُلْتَ: اشتريت

انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: يقال:

اشتريت بمعنى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بمعنى اشتريت لغة انتهى، وعلى هذا، فلا مانِعَ مِنْ حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شَرَوْهُ» بمعنى: «اشتروه» .

قال ع «٢» : روي أن إِخوة يُوسُفَ لمَّا علموا أن الوُرَّاد قد أخذوه جاؤوهم، فقالوا: هذا عَبْدٌ قد أَبَقَ منا، ونحنُ نبيعُهُ منكم، فقارَّهم يوسُفُ على هذه المقالة خوفاً منهم، ولينفذ الله أمره، والبخس: مصدر وُصِفَ به الثمن، وهو بمعنى النَّقْصِ.

وقوله: دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ: عبارةٌ عن قلة الثمن لأنها دراهم، لم تبلغْ أنْ توزَنَ لقلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنُونَ ما كان دون الأوقية، وهي أربعون درهماً.

وقوله سبحانه: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: وصفٌ يترتب في إِخوة يوسف، وفي الوُرَّاد، ولكنَّه في إِخوة يوسف أرتَبُ إِذ حقيقة الزهْدِ في الشيء إِخراجُ حُبِّه من القَلْبِ ورَفْضُهُ من اليدِ، وهذه كانَتْ حالَ إِخوة يوسُفٌ في يوسُفَ، وأمَّا الورَّاد، فإِنَّ تمسُّكَهم به وتَجْرَهُمْ يمانِعُ زُهْدَهم إِلا على تجوُّزٍ، قال ابْن العربيِّ في «أحكامه» «٣» : وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ

: أي: إِخوته والواردة، أَما إِخوته فلأنَّ مقصودهم زوالُ عَيْنِه، وأما الواردة، فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:

روي أنَّ مبتاع يوسُفَ وَرَدَ به مصْرَ البلدِ المعروفِ ولذلك لا ينصرفُ، فَعَرَضَهُ في السُّوقِ، وكان أجْمَلَ الناس، فوقَعَتْ فيه مزايدةٌ/ حتى بلغ ثمناً عظيماً، فقيل: وزنه من ذهبٍ، ومن فضةٍ، ومن حريرٍ، فاشتراه العزيزُ، وهو كان حَاجِبَ المَلِكِ وخازِنَة، واسم المَلِك الرَّيَّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقيل: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ، وهو أحد الفراعِنَةِ، واسمُ العزيزِ المذْكُورِ:

«قطيفين» قاله ابن عباس، وقيل: «أظفير» ، وقيل: «قنطور» ، واسم امرأته: «رَاعيل» ، قاله ابنُ إِسحاق، وقيل: «زليخا» ، قال البخاريّ: ومَثْواهُ: مَقَامُهُ.

وقوله: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي: نتبنَّاه، وكان فيما يُقَالُ: لا ولد له، ثم قال تعالى:

وَكَذلِكَ، أي: وكما وصفْنا مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ فعلنا ذلك، والْأَحادِيثِ: الرؤيا في النوْمِ قاله مجاهد، وقيل: أحاديث الأنبياء والأمم، والضمير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ هَذا حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الأضْدادِ، تَقُولُ شَرَيْتُ الشَّيْءَ، بِمَعْنى بِعْتَهُ؛ وشَرَيْتُهُ، بِمَعْنى اشْتَرَيْتَهُ.

فَإنْ كانَ بِمَعْنى باعُوهُ، فَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَتُهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّيّارَةُ، ولَمْ يَبِعْهُ إخْوَتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وإنْ كانَ بِمَعْنى اشْتَرُوهُ، فَإنَّهُمُ السَّيّارَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القَلِيلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَخْسُ: الخَسِيسُ الَّذِي بُخِسَ بِهِ البائِعُ.

والثّالِثُ: النّاقِصُ، وكانَتِ الدَّراهِمُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا في العَدَدِ، وهي تَنْقُصُ عَنْ عِشْرِينَ في المِيزانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قِيلَ: " مَعْدُودَةٍ " لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى القِلَّةِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَسِيرَةٍ، سَهُلَ عَدَدُها لِقِلَّتِها، فَلَوْ كانَتْ كَثِيرَةً لَثَقُلَ عَدَدُها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ لا يَزِنُونَ أقَلَّ مِن أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَزِنُوها لِزُهْدِهِمْ فِيهِ.

وَفِي عَدَدِ تِلْكَ الدَّراهِمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، ونَوْفِ الشّامِيِّ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيُّ، وعَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ.

والثّانِي: عِشْرُونَ دِرْهَمًا وحُلَّةٌ، ونَعْلانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: اثْنانِ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والخامِسُ: ثَلاثُونَ دِرْهَمًا، ونَعْلانِ، وحُلَّةٌ، وكانُوا قالُوا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ: إمّا أنْ تُقِرَّ لَنا بِالعُبُودِيَّةِ، وإمّا أنْ نَأْخُذَكَ مِنهم فَنَقْتُلَكَ، قالَ: بَلْ أُقِرُّ لَكم بِالعُبُودِيَّةِ، ذَكَرَهُ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اقْتَسَمُوا ثَمَنَهُ، فاشْتَرَوْا بِهِ نِعالًا وخِفافًا.

وَكانَ بَعْضُ الصّالِحِينَ يَقُولُ: واللَّهِ ما يُوسُفُ - وإنْ باعَهُ أعْداؤُهُ - بِأعْجَبَ مِنكَ في بَيْعِكَ نَفْسَكَ بِشَهْوَةِ ساعَةٍ مِن مَعاصِيكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ الزُّهْدُ: قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في الشَّيْءِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَتُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، في هاءِ " فِيهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا مَكانَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الثَّمَنِ.

وفي عِلَّةِ زُهْدِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رَداءَتُهُ.

والثّانِي: أنَّهم قَصَدُوا بُعْدَ يُوسُفَ، لا الثَّمَنَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّيّارَةُ الَّذِينَ اشْتَرَوْهُ.

وَفِي عِلَّةِ زُهْدِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ ارْتابُوا لِقِلَّةِ ثَمَنِهِ.

والثّانِي: أنَّ إخْوَتَهُ وصَفُوهُ عِنْدَهم بِالخِيانَةِ والإباقِ.

والثّالِثُ: لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهُ حُرٌّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ ﴾ قِيلَ: إنَّ السَيّارَةَ جاءَتْ في اليَوْمِ الثانِي مِن طَرْحِهِ في الجُبِّ، والسَيّارَةُ: جَمْعُ سَيّارٍ، كَما قالُوا: بَغّالٌ وبَغّالَةٌ، وهَذا بِعَكْسِ تَمْرَةٌ وتَمْرٌ، والسَيّارَةُ بِناءُ مُبالَغَةٍ لِلَّذِينِ يُرَدِّدُونَ السِيَرَ في الطُرُقِ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ السَيّارَةَ كانُوا قَوْمًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ، وقِيلَ: قَوْمٌ أعْرابٌ، و الوارِدُ هو الَّذِي يَأْتِي الماءَ لِيَسْقِيَ مِنهُ لِجَماعَتِهِ، ويُرْوى أنَّ مُدْلِيَ الدَلْوِ كانَ يُسَمّى مالِكَ بْنَ ذُعَرَ، والوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ.

ويُرْوى أنَّ هَذا الجُبَّ كانَ بِالأُرْدُنِّ عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: أدْلى الدَلْوَ إذا ألْقاهُ في البِئْرِ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، ودَلّاهُ يَدْلُوهُ: إذا اسْتَقاهُ مِنَ البِئْرِ، وفي الكَلامِ هُنا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالحَبَلِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ المُدْلِي قالَ: يا بُشْرايَ.

ورُوِيَ أنَّ يُوسُفَ كانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، ويُرَجِّحُ هَذا لَفْظَةَ "غُلامٌ" فَإنَّهُ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ، فَإنْ قِيلَتْ فِيما فَوْقَ ذَلِكَ فَعَلى اسْتِصْحابِ حالٍ وتَجَوُّزٍ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وهَذا بَعِيدٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "يا بُشْرايَ" بِإضافَةِ البُشْرى إلى المُتَكَلِّمِ وبِفَتْحِ الياءِ عَلى نِدائِها كَأنَّهُ يَقُولُ: احْضُرِي فَهَذا وقْتُكِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ  ﴾ ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "يا بُشْرايْ"، بِسُكُونِ الياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفِيها جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنِينَ عَلى حَدِّ دابَّةٍ وشابَّةٍ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَخْتَصَّ بِها الألِفُ لِزِيادَةِ المَدِّ الَّذِي فِيها عَلى المَدِّ الَّذِي في أُخْتَيْها، كَما اخْتُصَّتْ في القَوافِي بِالتَأْسِيسِ، واخْتُصَّتْ في تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ نَحْوُ هَباةٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في الياءِ والواوِ.

وقَرَأ أبُو الطُفَيْلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "يا بُشْرَيَّ" تُقْلَبُ الألِفُ ياءً ثُمَّ تُدْغَمُ في ياءِ الإضافَةِ، وهي لُغَةٌ فاشِيَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وأنْشَدَ أبُو الفَتْحِ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ: يُطَوِّفُ بِي كَعَبْدٍ في مَعَدٍّ ∗∗∗ ∗∗∗ ويَطْعُنُ بِالصُمُلَّةِ في قَفَيّا فَإنْ لَمْ تَثْأرُوا لِي في مَعَدٍّ ∗∗∗ ∗∗∗ فَما أرَوَيْتُما أبَدًا صَدَيّا أرادَ: هَوايَ، وقْفايَ، وصَدايَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يا بُشْرِايْ" بِالإمالَةِ ويُمِيلانِ ولا يُضِيفانِ، وقَرَأ عاصِمٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَفْتَحُ الراءَ ولا يُمِيلُ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ القِراءَةِ -فَقالَ السُدِّيُّ: كانَ في أصْحابِ هَذا الوارِدِ رَجُلٌ اسْمُهُ بُشْرى، فَناداهُ وأعْلَمَهُ بِالغُلامِ، وقِيلَ: هو عَلى نِداءِ البُشْرى كَما قَدَّمْنا.

والضَمِيرُ في "وَأسَرُّوهُ" ظاهِرُ الآياتِ أنَّهُ لِوُرّادِ الماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ: إنَّهم خَشُوا مَن تُجّارِ الرُفْقَةِ -إنْ قالُوا وجَدْناهُ- أنْ يُشارِكُوهم في الغُلامِ المَوْجُودِ، -هَذا إنْ كانُوا فَسَقَةً- أو يَمْنَعُوهم مِن تَمَلُّكِهِ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَأسَرُّوا بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا: أبْضَعَهُ مَعْناهُ بَعْضُ أهْلِ المِصْرِ.

و"بِضاعَةً" حالٌ، و البِضاعَةُ: القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُتَّجَرُ فِيها بِغَيْرِ نَصِيبٍ مِنَ الرِبْحِ، مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: بَضَعَتْ، أيْ: قَطَعَتْ، وقِيلَ: إنَّهم أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ أنَّهم يَتَّخِذُونَهُ بِضاعَةً لِأنْفُسِهِمْ، أيْ مُتَّجَرًا، ولَمْ يَخافُوا مِن أهْلِ الرُفْقَةِ شَيْئًا، ثُمَّ يَكُونُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَشَرَوْهُ" لَهم أيْضًا، أيْ: باعُوهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ، إذْ لَمْ يَعْرِفُوا حَقَّهُ ولا قَدْرَهُ، بَلْ كانُوا زاهِدِينَ فِيهِ، ورُوِيَ- عَلى هَذا- أنَّهم باعُوهُ مِن تاجِرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "أسَرُّوهُ" لِأصْحابِ الدَلْوِ، وفي "شَرَوْهُ" لِإخْوَةِ يُوسُفَ الأحَدَ عَشَرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلِ الضَمِيرُ في "أسَرُّوهُ" و"شَرَوْهُ" لِإخْوَةِ يُوسُفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ لِما رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وأعْلَمُوهُ رَجَعَ بَعْضُهم إلى الجُبِّ لِيَتَحَقَّقُوا أمْرَ يُوسُفَ، ويَقِفُوا عَلى الحَقِيقَةِ مِن فَقْدِهِ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ الوُرّادَ قَدْ أخَذُوهُ جاؤُوهم فَقالُوا: هَذا عَبْدٌ أبَقَ لِأُمِّنا ووَهَبَتْهُ لَنا ونَحْنُ نَبِيعُهُ مِنكُمْ، فَقارَّهم يُوسُفُ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ خَوْفًا مِنهُمْ، ولِيَنْفُذَ أمْرُ اللهِ، فَحِينَئِذٍ أسَرَّهُ إخْوَتُهُ إذْ جَحَدُوا أُخُوَّتَهُ فَأسَرُّوها واتَّخَذُوهُ بِضاعَةً، أيْ مُتَّجَرًا لَهم ومَكْسَبًا، وشَرَوْهُ أيْضًا بِثَمَنٍ بَخْسٍ، أيْ باعُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ، إنْ كانَتِ الضَمائِرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ فَفي ذَلِكَ تَوَعُّدٌ، وإنْ كانَتِ الضَمائِرُ لِلْوارِدِينَ فَفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى إرادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِيُوسُفَ، وسَوْقِ الأقْدارِ بِحَسَبِ بِناءِ حالِهِ، فَهو -حِينَئِذٍ- بِمَعْنى قَوْلِ النَبِيِّ  : « "يُدَبِّرُ ابْنُ آدَمَ والقَضاءُ يَضْحَكُ".» وفي الآيَةِ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  عَمّا يَجْرِي عَلَيْهِ مِن جِهَةِ قُرَيْشٍ، أيِ: العاقِبَةُ الَّتِي هي لِلْمُتَّقِينَ هي المُراعاةُ والمُنْتَظَرَةُ.

و"شَرَوْهُ" هُنا بِمَعْنى باعُوهُ، وقَدْ يُقالُ: شَرى بِمَعْنى اشْتَرى، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ و "بُرْدٌ" اسْمُ غُلامٍ لَهُ نَدِمَ عَلى بَيْعِهِ، والضَمِيرُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.

و البَخْسُ: مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الثَمَنُ، وهو بِمَعْنى النَقْصِ، وهَذا أشْهَرُ مَعانِيهِ، فَكَأنَّهُ القَلِيلُ الناقِصُ، وهو قَوْلُ الشَعْبِيِّ، وقالَ قَتادَةُ: البَخْسُ هُنا بِمَعْنى الظُلْمِ، ورَجَّحَهُ الزَجّاجُ مِن حَيْثُ أنَّ الحُرَّ لا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: وهو بِمَعْنى الحَرامِ، وهَذا أيْضًا بِمَعْنى لا يَحِلُّ بَيْعُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ الثَمَنِ لِأنَّها دَراهِمُ لَمْ تَبْلُغْ أنْ تُوزَنَ لِقِلَّتِها، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يَزِنُونَ ما دُونَ الأُوقِيَّةِ وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

واخْتُلِفَ في مَبْلَغِ ثَمَنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقِيلَ: باعُوهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِعِشْرِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِاثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، أخَذَها إخْوَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وقالَ عِكْرِمَةُ: بِأرْبَعِينَ دِرْهَمًا دُفِعَتْ ناقِصَةً فَهَذا كانَ بَخْسُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ ﴾ وصْفٌ يَتَرَتَّبُ في وُرّادِ الماءِ، أيْ: كانُوا لا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُ، فَهم لِذَلِكَ- قَلِيلٌ اغْتِباطُهم بِهِ، لَكِنَّهُ أرْتَبُ في إخْوَةِ يُوسُفَ، إذْ حَقِيقَةُ الزُهْدِ في الشَيْءِ إخْراجُ حُبِّهِ مِنَ القَلْبِ ورَفْضُهُ مِنَ اليَدِ، وهَذِهِ كانَتْ حالَ إخْوَةِ يُوسُفَ في يُوسُفَ، وأمّا الوُرّادُ فَتَمَسُّكُهم بِهِ وتَجْرُهم يُمانِعُ زُهْدَهم إلّا عَلى تَجَوُّزٍ.

وقَوْلُهُ: "فِيهِ" لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لـِ "الزاهِدِينَ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي وصْفَهم بِالزُهْدِ عَلى الإطْلاقِ ولَيْسَ قَصْدُ الآيَةِ هَذا، بَلْ قَصْدُها الزُهْدُ الخاصُّ في يُوسُفَ، والظُرُوفُ يَجُوزُ فِيها مِنَ التَقْدِيمِ ما لا يَجُوزُ في سائِرِ الصِلاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في عَوْدِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "وَشَرَوْهُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معنى ﴿ شروه ﴾ باعوه.

يقال: شرى كما يقال: باع، ويقال: اشترى كما يقال: ابتاع.

ومثلهما رَهن وارتهن، وعاوض واعتاض، وكَرى واكترى.

والأصل في ذلك وأمثاله أن الفعل للحدث والافتعال لمطاوعة الحدث.

ومن فسر ﴿ شروه ﴾ باشتروه أخطأ خطأ أوقعه فيه سوء تأويل قوله: ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ .

وما ادّعاه بعض أهل اللغة أن شرى واشترى مترادفان في معنييهما يغلب على ظني أنه وَهَم إذ لا دليل يدل عليه.

والبخس: أصله مصدر بَخَسه إذا نقصه عن قيمة شيئه.

وهو هنا بمعنى المبخوس كالخلق بمعنى المخلوق.

وتقدم فعل البخس عند قوله تعالى: ﴿ ولا يَبخس منه شيئاً ﴾ في سورة البقرة (282).

و ﴿ دراهم ﴾ بدل من ﴿ ثمن ﴾ وهي جمع درهم، وهو المسكوك.

وهو معرّب عن الفارسية كما في «صحاح الجوهري».

وقد أغفله الذين جمعوا ما هو معرب في القرآن كالسيوطي في «الإتقان».

و ﴿ معدودة ﴾ كناية عن كونها قليلة لأن الشيء القليل يسهل عدّه فإذا كثر صار تقديره بالوزن أو الكيل.

ويقال في الكناية عن الكثرة: لا يعدّ.

وضمائر الجمع كلها للسيّارة على أصح التفاسير.

والزهادة: قلة الرغبة في حصول الشيء الذي من شأنه أن يرغب فيه، أو قلة الرغبة في عوضه كما هنا، أي كان السيارة غير راغبين في إغلاء ثمن يوسف عليه السّلام.

ولعل سبب ذلك قلة معرفتهم بالأسعار.

وصوغ الإخبار عن زهادتهم فيه بصيغة ﴿ من الزاهدين ﴾ أشد مبالغة مما لو أخبر بكانوا فيه زاهدين، لأن جعلهم من فريق زاهدين ينبئ بأنهم جَروا في زهدهم في أمثاله على سنَن أمثالهم البسطاء الذين لا يقدرون قدر نفائس الأمور.

و ﴿ فيه ﴾ متعلق ب ﴿ الزاهدين ﴾ و(أل) حرف لتعريف الجنس، وليست اسم موصول خلافاً لأكثر النحاة الذين يجعلون (أل) الداخلة على الأسماء المشتقة اسم موصول ما لم يتحقق عهد وتمسكوا بعلل واهية وخالفهم الأخفش والمازني.

وتقديم المجرور على عامله للتنويه بشأن المزهود فيه، وللتنبيه على ضعف توسمهم وبصارتهم مع الرعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ ﴾ وهو الَّذِي يَرِدُ أمامَهُمُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لَهم.

وَذَكَرَ أصْحابُ التَّوارِيخِ أنَّهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرِ بْنِ حَجَرِ بْنِ يَكَهَ بْنِ لَخْمٍ.

﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ أيْ أرْسَلَها لِيَمْلَأها، يُقالُ أدْلاها إذا أرْسَلَ الدَّلْوَ لِيَمْلَأها، ودَلّاها إذا أخْرَجَها مَلْأى.

قالَ قَتادَةُ: فَتَعَلَّقَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالدَّلْوِ حِينَ أُرْسِلَتْ.

والبِئْرُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ مَعْرُوفٌ مَكانُها.

﴿ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ناداهم بِالبُشْرى يُبَشِّرُهم بِغُلامٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ نادى أحَدَهم، كانَ اسْمُهُ بُشْرى فَناداهُ بِاسْمِهِ يُعْلِمُهُ بِالغُلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَأسَرُّوهُ بِضاعَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كانُوا بِقُرْبِ الجُبِّ، فَلَمّا رَأوُا الوارِدَ قَدْ أخْرَجَهُ قالُوا هَذا عَبْدُنا قَدْ أوْثَقْناهُ فَباعُوهُ وأسَرُّوا بَيْعَهُ بِثَمَنٍ جَعَلُوهُ بِضاعَةً لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الوارِدِينَ إلى الجُبِّ أسَرُّوا ابْتِياعَهُ عَنْ باقِي أصْحابِهِمْ لِيَكُونَ بِضاعَةً لَهم كَيْلا يُشْرِكُوهم فِيهِ لِرُخْصِهِ وتَواصَوْا أنَّهُ بِضاعَةٌ اسْتَبْضَعُوها مِن أهْلِ الماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ شَرَوْهُ أسَرُّوا بَيْعَهُ عَلى المَلِكِ حَتّى لا يَعْلَمَ بِهِ أصْحابُهم وذَكَرُوا أنَّهُ بِضاعَةٌ لَهم.

وَحَكى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ أُلْقِيَ في الجُبِّ وهو ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وبَقِيَ فِيهِ إلى أنْ أخْرَجَتْهُ السَّيّارَةُ مِنهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ: أُلْقِيَ فِيهِ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ مَعْنى شَرَوْهُ أيْ باعُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ.

وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَةْ واسْمُ البَيْعِ والشِّراءِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ البائِعِ والمُشْتَرِي لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بائِعٌ لِما في يَدِهِ مُشْتَرٍ لِما في يَدِ صاحِبِهِ.

وَفي بائِعِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَتُهُ باعُوهُ عَلى السَّيّارَةِ حِينَ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ فادَّعَوْهُ عَبْدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ السَّيّارَةَ باعُوهُ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ البَخْسَ ها هُنا الحَرامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: لِأنَّهم أوْقَعُوا البَيْعَ عَلى نَفْسٍ لا يَجُوزُ بَيْعُها فَكانَ ثَمَنُهُ وإنْ جَلَّ بَخْسًا، وما هو وإنْ باعَهُ أعْداؤُهُ بِأعْجَبَ مِنكَ في بَيْعِ نَفْسِكَ بِشَهْوَةِ ساعَةٍ مِن مَعاصِيكَ.

الثّانِي: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القَلِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.

﴿ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ اخْتُلِفَ في قَدْرِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا اقْتَسَمُوها وكانُوا عَشَرَةً، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم دِرْهَمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِاثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا، كانُوا أحَدَ عَشَرَ فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم دِرْهَمَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ بِأرْبَعِينَ دِرْهَمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ وابْنُ إسْحاقَ.

وَكانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ: اشْتَرَوْا بِها خِفافًا ونِعالًا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْدُودَةٌ غَيْرُ مَوْزُونَةٍ لِزُهْدِهِمْ فِيهِ.

الثّانِي: لِأنَّها كانَتْ أقَلَّ مِن أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وكانُوا لا يَزِنُونَ أقَلَّ مِن أرْبَعِينَ دِرْهَمًا؛ لِأنَّ أقَلَّ الوَزْنِ عِنْدَهم كانَ الأُوقِيَّةَ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ وفي المَعْنِيِّ بِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَةُ يُوسُفَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ حِينَ صَنَعُوا بِهِ ما صَنَعُوا.

الثّانِي: أنَّ السَّيّارَةَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ حِينَ باعُوهُ بِما باعُوهُ بِهِ.

وَفي زُهْدِهِمْ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ حُرٌّ لا يُبْتاعُ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ عِنْدَهم عَبْدًا فَخافُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ مالِكُوهُ فَيَأْخُذُوهُ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا في ثَمَنِهِ مِنَ الزّاهِدِينَ لِاخْتِبارِهِمْ لَهُ وعِلْمِهِمْ بِفَضْلِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ أُعْتِقَ يُوسُفُ حِينَ بِيعَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وشروه ﴾ قال: إخوة يوسف باعوه حين أخرج المدلي دلوه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وشروه ﴾ قال: إخوة يوسف باعوه حين أخرج المدلي دلوه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وشروه ﴾ قال: بيع بينهما بثمن بخس.

قال: حرام، لم يحل لهم بيعه ولا أكل ثمنه.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ وشروه بثمن بخس ﴾ قال: هم السيارة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وشروه بثمن بخس ﴾ قال: باعوه بثمن حرام؛ كان بيعه حراماً وشراؤه حراماً.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وشروه بثمن بخس ﴾ قال: البخس، هو الظلم.

وكان بيع يوسف عليه السلام وثمنه حراماً عليهم، وبيع بعشرين درهماً.

وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ أنه قضى في اللقيط أنه حر ﴿ وشروه بثمن بخس ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم رضي الله عنه، أنه كره الشراء والبيع للبدوي وتلا هذه الآية ﴿ وشروه بثمن بخس ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بثمن بخس ﴾ قال: البخس القليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الشعبي رضي الله عنه قال: البخس، القليل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إنما اشتري يوسف عليه السلام بعشرين درهماً، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلثمائة وتسعين إنساناً، رجالهم أنبياء، ونساؤهم صديقات، والله ما خرجوا مع موسى عليه السلام حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ دراهم معدودة ﴾ قال عشرون درهماً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ دراهم معدودة ﴾ قال: اثنان وعشرون درهماً لإخوة يوسف، أحد عشر رجلاً.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن نوف الشامي البكالي مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ دراهم معدودة ﴾ قال: عشرون درهماً، كانوا عشرة اقتسموا درهمين درهمين.

وأخرج أبو الشيخ، عن نعيم بن أبي هند ﴿ دراهم معدودة ﴾ قال: ثلاثون درهماً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة في قوله: ﴿ بثمن بخس ﴾ قال: البخس، القليل.

﴿ دراهم معدودة ﴾ قال: أربعون درهماً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ قال: إخوته، زهدوا فيه لم يعلموا بنبوّته ولا بمنزلته من الله ومكانه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) قال الزجاج (٣) وقال ابن عباس (٤) (٥) (٦) ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ أي باعوه، يقال: شريت الشيء، إذا بعته وإذا اشتريته، قال الشماخ في البيع (٧) فلما شَرَاهَا فَاضَتِ العَيْنُ عَبْرةً ...

وفي الصَّدْرِ حَزَّازٌ من اللومِ حَامِزُ يريد: باعها، وقال قتادة (٨) وقوله تعالى: ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ يريد حرام، وهذا قول الضحاك (٩) (١٠) (١١) وقال قتادة (١٢) (١٣) (١٤) وقال مقاتل بن حيان (١٥) وقوله تعالى: ﴿ دَرَاهِمَ ﴾ بدل من الثمن وتفسير له وواحده درهم، ويقال (١٦) وقوله تعالى: ﴿ مَعْدُودَةٍ ﴾ قال ابن إسحاق (١٧) ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ ، ليعلم أنها أقل من أوقية، وذلك أنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقل من أربعين درهماً، إنما كانوا يعدونه عدًّا، وقال أصحاب المعاني (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾ قال الليث (١٩) ﴿ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾ الزهادة لا الزهد، قال ابن عباس (٢٠) قال الضحاك (٢١) ﴿ فِيهِ ﴾ إلى الثمن (٢٢) قال الزجاج (٢٣) ﴿ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾ (فيه) ليست من صلة الزاهدين؛ لأنها لو كانت من صلته ما جاز أن تقدم عليه، لا يجوز أن تقول: كانوا زيدًا من الضاربين؛ لأن زيدًا (٢٤) (٢٥) وقال قتادة (٢٦) وقال محمد بن إسحاق (٢٧) (٢٨) قال مجاهد (٢٩) (١) الرازي 18/ 107، ابن عطية 7/ 464 - 466.

(٢) الطبري 12/ 173، وابن أبي حاتم 7/ 2116 أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، و"زاد المسير" 4/ 197، والقرطبي 9/ 156، والبغوي 4/ 224، والثعلبي 7/ 68 ب.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 98.

(٤) الطبري 12/ 173، لكنها من رواية ابن جريح، وابن أبي حاتم: 7/ 2116 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 19، و"زاد المسير" 4/ 196، والقرطبي 9/ 155، والبغوي 2/ 224، والثعلبي 7/ 68 ب.

(٥) الطبري 12/ 172، الثعلبي 7/ 68 ب، وابن أبي شيبة والطبراني: وقال في "المجمع" 7/ 39: ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه والحاكم: وصححه وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 19، والبغوي 4/ 224، و"زاد المسير" 4/ 196، والقرطبي 9/ 155.

(٦) الطبري 12/ 172، "زاد المسير" 4/ 196، القرطبي 9/ 155، الثعلبي 7/ 68 ب.

(٧) وهو الشماخ بن ضرار الغطفاني، شاعر فحل مخضرم، شهد القادسية وتوفي في خلافة عثمان انظر: "الشعر والشعراء" ص 195، و"الإصابة " 2/ 154، و"الأعلام" 3/ 175، "ديوانه" 190، و"الزاهر" 1/ 371، 2/ 256، والبيت قاله في رجل باع قوسه من رجل، ومعنى (حامز): عامر وقيل: ممض محرق، ويروى (من الوجد) "اللسان" (حزز) 1/ 612، القرطبي 9/ 155.

كتاب: "العين" 3/ 17، 167، و"تهذيب اللغة" 1/ 918 (حمز)، و"جمهرة اللغة" (529)، و"مقاييس اللغة" 2/ 8، و"مجمل اللغة" 1/ 212، و"أساس البلاغة" (حزز) 1/ 171.

(٨) عبد الرزاق 2/ 320، و"زاد المسير" 4/ 196، والطبري 12/ 171، و"الدر" 4/ 18.

(٩) الطبري 12/ 171، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، الثعلبي 7/ 68 ب، "زاد المسير" 4/ 196، القرطبي 9/ 155.

(١٠) "تفسير مقاتل" 152 أ، الثعلبي 7/ 68 ب، البغوي 4/ 224.

(١١) الثعلبي 7/ 68 ب، البغوي 4/ 224، القرطبي 9/ 155.

(١٢) الطبري 12/ 172، وعبد الرزاق 2/ 320، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، والقرطبي 9/ 155، وابن أبي حاتم 7/ 2116 ب.

(١٣) الطبري 12/ 172، وابن أبي حاتم 7/ 2116 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، والبغوي 2/ 224، و"زاد المسير" 4/ 196.

(١٤) الطبري وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 18، البغوي 4/ 224، "زاد المسير" 4/ 196.

(١٥) الثعلبي 7/ 68 ب، وعزاه البغوي لابن عباس وابن مسعود 4/ 224.

(١٦) "تهذيب اللغة" (درهم) 2/ 1181.

(١٧) الطبري 12/ 173، الثعلبي 7/ 68 ب، و "زاد المسير" 4/ 196 عن ابن عباس، القرطبي 9/ 156.

(١٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 40، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبه ص 217.

(١٩) "تهذيب اللغة" (زهد) 2/ 1568.

(٢٠) "زاد المسير" 4/ 197، القرطبي 9/ 157، البغوي 4/ 225.

(٢١) الطبري 12/ 174، وابن أبي حاتم 7/ 2118 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 19، و"زاد المسير" 4/ 197.

(٢٢) "زاد المسير" 4/ 197.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.

(٢٤) في (أ)، (ب): (زبدٌ).

(٢٥) الطبري 12/ 174، و"الدر المنثور" 4/ 18، والبغوي 4/ 225، و"زاد المسير" 4/ 196.

(٢٦) عبد الرزاق 2/ 320، والطبري 12/ 173، و"زاد المسير" 4/ 196.

(٢٧) الرازي 18/ 107.

(٢٨) في (ب): (والسيارة).

(٢٩) الطبري 12/ 186، وابن أبي حاتم 7/ 2117 ب، وابن أبي شيبة: وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ رُوي أن هؤلاء السيارة من مَدْين، وقيل: هم أعراب ﴿ وَارِدَهُمْ ﴾ الوارد هو الذي يستقي الماء لجماعة، ونقل السهيلي أن اسم هذا الوارد مالك بن دعر من العرب العاربة، ولم يكن له ولد فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له، فرزقه الله اثني عشر ولداً، أعقب كل واحد منهم قبيلة ﴿ قَالَ يابشرى ﴾ أي نادى البشرى كقولك: يا حسرة، وأضافها إلى نفسه، وقرئ يا بشرى بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك وقيل: على هذه القراءة نادى رجلاً منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد، ولما أدلى الوارد الحبل في الجب تعلق به يوسف فحينئذ قال: يا بشراي هذا غلام ﴿ وَأَسَرُّوهُ بضاعة ﴾ الضمير الفاعل للسيارة والضمير المفعول ليوسف أي أخفوه من الرفقة، أو قالوا لهم: دفعة لنا قوم لنبيعه لهم بمصر ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ أي باعوه، والضمير أيضاً للذين أخذوه، وقيل: الضمير لإخوة يوسف وأنهم رجعوا إليه فقالوا: للسيارة هذا عبدنا ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي ناقص عن قيمته، وقيل: البخس هنا الظلم ﴿ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ عبارة عن قلتها ﴿ وَكَانُواْ ﴾ الضمير للذين أخذوه أو لإخوته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ .

السيارة: هي جماعة السائرين كالمسافرين.

﴿ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ ﴾ .

الوارد: هو طالب الماء ومستقيه.

﴿ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ﴾ .

أي: أرسل دلوه في البئر.

وقوله: ﴿ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ .

قال بعضهم: بشرى هو اسم ذلك الرجل الذي كان مع المدلي الدلو، فقال له: ﴿ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ ؛ كما يقال: يا فلان، هذا غلام.

وقال بعضهم: هو من البشارة؛ كأنه قال له: أبشر بهذا الغلام.

وفي بعض القراءات: (يا بشراي) على الإضافة إلى نفسه؛ فكأنه بشر نفسه؛ أي: البشرى لي بهذا الغلام.

ويشبه أن يكون هذا كناية كلام كان هنالك، لكن لم يبين لنا ذلك، والله أعلم بذلك؛ كقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ  ﴾ أخبر أنه أقسم؛ لكن لم [يبين لنا] ما ذلك القسم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ .

قال بعضهم: الإسرار: هو اسم الإخفاء والإظهار جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ ، أي: أظهروا الندامة، فإن كان ما ذكر أنه اسم لهما جميعاً فكأنه قال: أظهروه بضاعة؛ فإن كان على حقيقة الإخفاء والإسرار فهو على الإضمار؛ كأنه قال: وأسرّوا على ما كان وأظهروا بضاعة لئلا يطلب أصحابهم في ذلك شركة.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: عليم بما عمل إخوة يوسف بيوسف، أو عليم بما عمل السيارة من الإسرار والإظهار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي: باعوه بثمن بخس ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: البخس: هو النقصان؛ أي: باعوه بثمن لا يباع مثله بمثله.

وقال بعضهم: البخس [هو] الظلم؛ باعوه ظلماً، وأخذوا ثمنه ظلماً؛ لأنهم باعوا حرّاً، وبيع الحر حرام، وأخذوا ثمنه ظلماً حراماً؛ لأن ثمن الحرّ حرام.

وقال بعضهم: ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ ﴾ أي: دراهم مبهرجة وزيف.

﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: كانت السيارة في يوسف من الزاهدين؛ حيث باعوه بثمن الدون والنقصان بما لا يباع مثله بمثل ذلك الثمن؛ خشية أن يجيئهم طالب؛ لما علموا أن مثل هذا لو كان مملوكاً لا يترك هكذا لا يطلب، فباعوه بأدنى ثمن يكون لهم، لا كما يبيع الرجل ملكه على رغبة منه؛ خشية الطلب والاستنقاذ من أيديهم.

وقال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ ﴾ : إن إخوة يوسف هم الذين باعوه من السيارة ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ ، أي: لم يعرفوا منزلته ومكانه.

والأول أشبه.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: كانوا في شرائه من الزاهدين؛ لما خافوا ذهاب الثمن إن كان مسروقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ .

أي: مقامه ومنزلته.

﴿ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .

إن صدق التجار أنه بضاعة عندهم.

﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .

إن ظهر أنه مسروق، وأنه حر؛ لما وقع عندهم أن البضاعة لا تباع بمثل ذلك الثمن الذي باعوه.

[وقوله]: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: كما مكنا ليوسف عند العزيز وامرأته كذلك نمكنك عند أهل الأرض، ولكن ذكر ﴿ مَكَّنَّا ﴾ على الخبر؛ لأنه كان ممكناً في ذلك اليوم عند العزيز والملك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكَّنَّا ﴾ ، أي: كذلك جعلنا ليوسف مكاناً ومنزلة عند الناس، وفي قلوبهم مكان ما خذله إخوته، ولم يعرفوا مكانه ومنزلته وبعد ما كان شبه المملوك عند أولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ﴾ .

أي: لا مرد لقضائه إذا قضى أمراً كان كقوله، ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ  ﴾ ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وقال أهل التأويل: إنه بيع بعشرين درهماً أو بعشرين [ونيف]؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر سوى أن فيه أنه بيع بثمن الدون والنقصان بقوله: ﴿ بَخْسٍ ﴾ البخس هو النقصان؛ يقل: بخسته؛ أي نقصته؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ  ﴾ ؛ أي: لا تنقصوا، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ  ﴾ .

وقيل: البخس: الظلم والحرام، وقد ذكرناه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وباعه الوارد وأصحابه بمصر بثمن زهيد، فهو دراهم سهلة العد لقلَّتها، وكانوا من الزاهدين فيه لحرصهم على التخلص منه سريعًا، فقد علموا من حاله أنه ليس بمملوك، وخافوا على أنفسهم من أهله، وهذا من تمام رحمة الله به حتَّى لا يبقى معهم طويلًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.jEzpg"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله