الآية ٢١ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢١ من سورة يوسف

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى بألطافه بيوسف ، عليه السلام ، أنه قيض له الذي اشتراه من مصر ، حتى اعتنى به وأكرمه ، وأوصى أهله به ، وتوسم فيه الخير والفلاح ، فقال لامرأته : ( أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها ، وهو الوزير بها .

[ قال ] العوفي ، عن ابن عباس : وكان اسمه قطفير .

وقال محمد بن إسحاق : اسمه إطفير بن روحيب ، وهو العزيز ، وكان على خزائن مصر ، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد ، رجل من العماليق قال : واسم امرأته راعيل بنت رعائيل .

وقال غيره : اسمها زليخا .

وقال محمد بن إسحاق أيضا ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن بويب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم ، فالله أعلم .

وقال أبو إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : أفرس الناس ثلاثة : عزيز مصر حين قال لامرأته : ( أكرمي مثواه ) والمرأة التي قالت لأبيها [ عن موسى ] : ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ) [ القصص : 26 ] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما .

يقول تعالى : وكما أنقذنا يوسف من إخوته ، ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) يعني : بلاد مصر ، ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) قال مجاهد والسدي : هو تعبير الرؤيا ، ( والله غالب على أمره ) أي إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف ، بل هو الغالب لما سواه .

قال سعيد بن جبير في قوله : ( والله غالب على أمره ) أي : فعال لما يشاء .

وقوله : ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يقول : لا يدرون حكمته في خلقه ، وتلطفه لما يريد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقال الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر .

* * * وذكر أن اسمه: " قطفير " .

18941 - حدثني محمد بن سعد , قال:حدثني أبي , قال:حدثني عمي , قال:حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال: كان اسم الذي اشتراه قطفير.

(39) * * * وقيل: إن اسمه إطفير بن روحيب , وهو العزيز , وكان على خزائن مصر , وكان الملك يومئذ الريَّان بن الوليد , رجل من العماليق، كذلك: - 18942 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق (40) .

* * * وقيل: إن الذي باعه بمصر كان مالك بن ذعر بن بُويب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم، (41) كذلك: - 18943 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن السائب , عن أبي صالح , عن ابن عباس .

* * * (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته)، واسمها فيما ذكر ابن إسحاق: راعيل بنت رعائيل.

18944 - حدثنا بذلك ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق.

* * * (أكرمي مثواه)، يقول: أكرمي موضع مقامه، وذلك حيث يَثوِي ويُقيم فيه.

* * * يقال: " ثوى فلان بمكان كذا ": إذا أقام فيه.

(42) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 18945 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (أكرمي مثواه) منـزلته , وهي امرأة العزيز .

18946 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , عن ابن جريج , قوله: (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه)، قال: منـزلته.

18947 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد اشتراه الملك , والملك مسلم.

* * * وقوله: (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا) ذكر أن مشتري يوسف قال هذا القول لامرأته، حين دفعه إليها , لأنه لم يكن له ولد، ولم يأت النساء , فقال لها: أكرميه عسَى أن يكفينا بعض ما نعاني من أمورنا إذا فهم الأمور التي يُكلَّفها وعرفها ، (أو نتخذه ولدًا)، يقول: أو نتبنَّاه .

18948 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: كان إطفير فيما ذكر لي رجلا لا يأتي النساء، وكانت امرأته راعيل امرأةً حسناء ناعمةً طاعمة، في مُلك ودُنْيا.

(43) 18949 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف فقال لامرأته: (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا) ، وأبو بكر حين تفرَّس في عمر ، والتي قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [سورة القصص: 26] .

18950 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي , قال: انطُلِق بيوسف إلى مصر , فاشتراه العزيز ملك مصر , فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته: (أكرمي مثْواه عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولدًا).

18951 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال: حدثنا أبو أحمد , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: (أكرمي مثواه)، والقوم فيه زاهدون ، وأبو بكر حين تفرَّس في عمر فاستخلفه ، والمرأة التي قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ .

* * * وقوله: (وكذلك مكنَّا ليوسف في الأرض) يقول عز وجل : وكما أنقذنا يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله , وأخرجناه من الجبّ بعدَ أن ألقي فيه , فصيرناه إلى الكرامة والمنـزلة الرفيعة عند عزيز مصر , كذلك مكنّا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها .

(44) * * * وقوله: (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) يقول تعالى ذكره: وكي نعلم يوسف من عبارة الرؤيا، (45) مكنا له في الأرض، كما: - 18952 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (من تأويل الأحاديث) قال: عبارة الرؤيا.

18953 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

18954- حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) قال: تعبير الرؤيا.

18955 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبو أسامة , عن شبل , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) قال: عبارة الرؤيا.

* * * وقوله: (والله غالب على أمره) يقول تعالى ذكره: والله مستولٍ على أمر يوسف، يسوسه ويدبّره ويحوطه.

* * * و " الهاء " في قوله: (على أمره) عائدة على يوسف.

* * * وروي عن سعيد بن جبير في معنى " غالب " , ما: - 18956- حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن حبير: (والله غالب على أمره) قال: فعالٍ.

(46) * * * وقوله (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يقول: ولكن أكثر الناس الذين زهدوا في يوسف، فباعوه بثمن خسيس , والذين صَار بين أظهرهم من أهل مصر حين بيع فيهم , لا يعلمون ما الله بيوسف صانع، وإليه يوسف من أمره صائرٌ .

---------------------- الهوامش: (39) الأثر : 18941 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 172 ، وكان في المخطوطة في الموضعين :" قطيفين" ، وفي التاريخ قبل الخبر" قطين" ، وفي الخبر" قطفير" .

(40) الأثر : 18942 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 172 .

(41) في التاريخ 1 : 172 :" دعر" بالدال مهملة ، وكان في المطبوعة هنا" عنقاء" وفي المخطوطة :" عفقا" بغير نون في آخره .

وكان في المطبوعة :" ثويب" ، وهي غير منقوطة في المخطوطة ، فتبعت ما في التاريخ .

(42) انظر تفسير" المثوى" فيما سلف 7 : 279 12 : 117 .

(43) الأثر : 18948 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 172 ، 173 .

(44) انظر تفسير" التمكين" فيما سلف 11 : 63 12 : 315 .

(45) انظر تفسير" التأويل" فيما سلف 15 : 560 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(46) ممكن أن تقرأ" فعال" مشددة العين من" الفعل" ، ولكني أستجيد أن تقرأها" فعال" الفاء حرف عطف بعده" عال" من" العلو" .

أما الأولى ، فإني لا أكاد أرتضيها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمونقوله تعالى : وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه قيل : الاشتراء هنا بمعنى الاستبدال ; إذ لم يكن ذلك عقدا ، مثل : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى .

وقيل : إنهم ظنوه في ظاهر الحال اشتراء ، فجرى هذا اللفظ على ظاهر الظن .

قال الضحاك : هذا الذي اشتراه ملك مصر ، ولقبه العزيز .

السهيلي : واسمه قطفير .

وقال ابن إسحاق : إطفير بن رويحب اشتراه لامرأته راعيل ; ذكره الماوردي .

وقيل : كان اسمها زليخاء .

وكان الله ألقى محبة يوسف على قلب العزيز ، فأوصى به أهله ; ذكره القشيري .

وقد ذكر القولين في اسمها الثعلبي وغيره .

وقال ابن عباس : إنما اشتراه قطفير وزير ملك مصر ، وهو الريان بن الوليد .

وقيل : الوليد بن الريان ، وهو رجل من العمالقة .

وقيل : هو فرعون موسى ; لقول موسى : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات وأنه عاش أربعمائة سنة .

وقيل : فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف ، على ما يأتي في [ غافر ] بيانه .

وكان هذا العزيز الذي اشترى يوسف على خزائن الملك ; واشترى يوسف من مالك بن دعر بعشرين دينارا ، وزاده حلة ونعلين .

وقيل : اشتراه من أهل الرفقة .

وقيل : تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مسكا وعنبرا وحريرا وورقا وذهبا ولآلئ وجواهر لا يعلم قيمتها إلا الله ; فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن ; قاله وهب بن منبه .

وقال وهب أيضا وغيره : ولما اشترى مالك بن دعر يوسف من إخوته كتب بينهم وبينه كتابا : هذا ما اشترى مالك بن دعر من بني يعقوب ، وهم فلان وفلان مملوكا لهم بعشرين درهما ، وقد شرطوا له أنه آبق ، وأنه لا ينقلب به إلا مقيدا مسلسلا ، [ ص: 140 ] وأعطاهم على ذلك عهد الله .

قال : فودعهم يوسف عند ذلك ، وجعل يقول : حفظكم الله وإن ضيعتموني ، نصركم الله وإن خذلتموني ، رحمكم الله وإن لم ترحموني ; قالوا : فألقت الأغنام ما في بطونها دما عبيطا لشدة هذا التوديع ، وحملوه على قتب بغير غطاء ولا وطاء ، مقيدا مكبلا مسلسلا ، فمر على مقبرة آل كنعان فرأى قبر أمه - وقد كان وكل به أسود يحرسه فغفل الأسود - فألقى يوسف نفسه على قبر أمه فجعل يتمرغ ويعتنق القبر ويضطرب ويقول : يا أماه !

ارفعي رأسك تري ولدك مكبلا مقيدا مسلسلا مغلولا ; فرقوا بيني وبين والدي ، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقر رحمته إنه أرحم الراحمين ، فتفقده الأسود على البعير فلم يره ، فقفا أثره ، فإذا هو بياض على قبر ، فتأمله فإذا هو إياه ، فركضه برجله في التراب ومرغه وضربه ضربا وجيعا ; فقال له : لا تفعل !

والله ما هربت ولا أبقت وإنما مررت بقبر أمي فأحببت أن أودعها ، ولن أرجع إلى ما تكرهون ; فقال الأسود : والله إنك لعبد سوء ، تدعو أباك مرة وأمك أخرى !

فهلا كان هذا عند مواليك ; فرفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت بها وجهي فأسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني ; فضجت الملائكة في السماء ، ونزل جبريل فقال له : يا يوسف غض صوتك فلقد أبكيت ملائكة السماء أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها ؟

قال : تثبت يا جبريل ، فإن الله حليم لا يعجل ; فضرب الأرض بجناحه فأظلمت ، وارتفع الغبار ، وكسفت الشمس ، وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضا ; فقال رئيس القافلة : من أحدث منكم حدثا ؟

- فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قط مثل هذا - فقال الأسود : أنا لطمت ذلك الغلام العبراني فرفع يده إلى السماء وتكلم بكلام لا أعرفه ، ولا أشك أنه دعا علينا ; فقال له : ما أردت إلا هلاكنا ايتنا به ، فأتاه به ، فقال له : يا غلام لقد لطمك فجاءنا ما رأيت ; فإن كنت تقتص فاقتص ممن شئت ، وإن كنت تعفو فهو الظن بك ; قال : قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني ; فانجلت الغبرة ، وظهرت الشمس ، وأضاء مشارق الأرض ومغاربها ، وجعل التاجر يزوره بالغداة والعشي ويكرمه ، حتى وصل إلى مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة السفر ، ورد عليه جماله ، ودخل به البلد نهارا فسطع نوره على الجدران ، وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير وزير الملك ; قاله ابن عباس على ما تقدم .وقيل : إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ، ثم مات الملك ويوسف يومئذ على خزائن الأرض ; فملك بعده قابوس وكان كافرا ، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى .أكرمي مثواه أي منزله ومقامه بطيب المطعم واللباس الحسن ; [ ص: 141 ] وهو مأخوذ من ثوى بالمكان أي أقام به ; وقد تقدم في [ آل عمران ] وغيره .عسى أن ينفعنا أي يكفينا بعض المهمات إذا بلغ .أو نتخذه ولدا قال ابن عباس : كان حصورا لا يولد له ، وكذا قال ابن إسحاق : كان قطفير لا يأتي النساء ولا يولد له .

فإن قيل : كيف قال أو نتخذه ولدا وهو ملكه ، والولدية مع العبدية تتناقض ؟

قيل له : يعتقه ثم يتخذه ولدا بالتبني ; وكان التبني في الأمم معلوما عندهم ، وكذلك كان في أول الإسلام ، على ما يأتي بيانه في [ الأحزاب ] إن شاء الله تعالى .

وقال عبد الله بن مسعود : أحسن الناس فراسة ثلاثة ; العزيز حين تفرس في يوسف فقال : عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ، وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ، وأبو بكر حين استخلف عمر .

قال ابن العربي : عجبا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر ، والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه في سورة [ الحجر ] وليس كذلك فيما نقلوه ; لأن الصديق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال ، والمواظبة على الصحبة وطولها ، والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنة ، وليس ذلك من طريق الفراسة ; وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه في [ القصص ] .

وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة ; لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة .

والله أعلم .قوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض الكاف في موضع نصب ; أي وكما أنقذناه من إخوته ومن الجب فكذلك مكنا له ; أي عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه .ولنعلمه من تأويل الأحاديث أي فعلنا ذلك تصديقا لقول يعقوب : ويعلمك من تأويل الأحاديث .

وقيل : المعنى مكناه لنوحي إليه بكلام منا ، ونعلمه تأويله .

وتفسيره ، وتأويل الرؤيا ، وتم الكلام .والله غالب على أمره الهاء راجعة إلى الله تعالى ; أي لا يغلب الله شيء ، بل هو الغالب على أمر نفسه فيما يريده أن يقول له : كن فيكون .

وقيل : ترجع إلى يوسف ; أي الله غالب على أمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره ، حتى لا يصل إليه كيد كائد .ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي لا يطلعون على غيبه .

وقيل : المراد بالأكثر الجميع ; لأن أحدا لا يعلم الغيب .

وقيل : هو مجرى على ظاهره ; إذ قد يطلع من يريد على بعض غيبه .

وقيل : المعنى ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله غالب على أمره ، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر .وقالت الحكماء في [ ص: 142 ] هذه الآية : والله غالب على أمره حيث أمره يعقوب ألا يقص رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قص ، ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه ، ثم أراد الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم ، وافتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة ، فقال : يا أسفا على يوسف ثم تدبروا أن يكونوا من بعده قوما صالحين ، أي تائبين فغلب أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروا عليه حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة ، وقالوا لأبيهم : إنا كنا خاطئين ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص فغلب أمر الله فلم ينخدع ، وقال : بل سولت لكم أنفسكم أمرا ثم احتالوا في أن تزول محبته من قلب أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه ، ثم دبرت امرأة العزيز أنها إن ابتدرته بالكلام غلبته ، فغلب أمر الله حتى قال العزيز : استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر الله فنسي الساقي ، ولبث يوسف في السجن بضع سنين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لما ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها، فاشتراه عزيز مصر، فلما اشتراه، أعجب به، ووصى عليه امرأته وقال: { أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي: إما أن ينفعنا كنفع العبيد بأنواع الخدم، وإما أن نستمتع فيه استمتاعنا بأولادنا، ولعل ذلك أنه لم يكن لهما ولد، { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } أي: كما يسرنا له أن يشتريه عزيز مصر، ويكرمه هذا الإكرام، جعلنا هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق.

{ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } إذا بقي لا شغل له ولا همَّ له سوى العلم صار ذلك من أسباب تعلمه علما كثيرا، من علم الأحكام، وعلم التعبير، وغير ذلك.

{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } أي: أمره تعالى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } فلذلك يجري منهم ويصدر ما يصدر، في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم أعجز وأضعف من ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ) واسمها : راعيل وقيل : زليخا ( أكرمي مثواه ) أي : منزله ومقامه ، والمثوى : موضع الإقامة .

وقيل : أكرميه في المطعم والملبس والمقام .

وقال قتادة ، وابن جريج : منزلته .

( عسى أن ينفعنا ) أي : نبيعه بالربح إن أردنا البيع ، أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا .

( أو نتخذه ولدا ) أي : نتبناه .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : أفرس الناس ثلاثة : العزيز في يوسف حيث قال لامرأته : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ، وابنة شعيب عليه السلام حيث قالت لأبيها في موسى عليه السلام : يا أبت استأجره ، وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حيث استخلفه .

( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) [ أي : في أرض مصر ] أي : كما أنقذنا يوسف من القتل وأخرجناه من الجب ، كذلك [ مكنا له ] في الأرض فجعلناه على خزائنها .

( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) أي : [ مكنا له ] في الأرض لكي نعلمه من تأويل الأحاديث ، وهي عبارة عن الرؤيا .

( والله غالب على أمره ) قيل : الهاء في أمره كناية عن الله تعالى ، يقول : إن الله غالب على أمره يفعل ما يشاء ، لا يغلبه شيء ولا يرد حكمه راد .

وقيل : هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه : إن الله مستول على أمر يوسف بالتدبير [ والحياطة ] لا يكله إلى أحد حتى يبلغ منتهى علمه فيه .

( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ما الله به صانع .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الذي اشتراه من مصر» وهو قطفير العزيز «لامرأته» زليخا «أكرمي مثواه» مقامه عندنا «عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا» وكان حصورا «وكذلك» كما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه قلب العزيز «مكنَّا ليوسف في الأرض» أرض مصر حتى بلغ ما بلغ «ولنعلِّمه من تأويل الأحاديث» تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا أي لنملكه أو الواو زائدة «والله غالب على أمره» تعالى لا يعجزه شيء «ولكن أكثر الناس» وهم الكفار «لا يعلمون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما ذهب المسافرون بيوسف إلى "مصر" اشتراه منهم عزيزها، وهو الوزير، وقال لامرأته: أحسني معاملته، واجعلي مقامه عندنا كريمًا، لعلنا نستفيد من خدمته، أو نقيمه عندنا مقام الولد، وكما أنجينا يوسف وجعلنا عزيز "مصر" يَعْطِف عليه، فكذلك مكنَّا له في أرض "مصر"، وجعلناه على خزائنها، ولنعلِّمه تفسير الرؤى فيعرف منها ما سيقع مستقبلا.

والله غالب على أمره، فحكمه نافذ لا يبطله مبطل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الأمر كله بيد الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عسى أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً .

.

.

) بيان لبعض مظاهر رعاية الله - تعالى - ليوسف - عليه السلام - .والذى اشتراه ، قالوا إنه كان رئيس الشرطة لملك مصر فى ذلك الوقت ولقبه القرآن بالعزيز كما سيأتى فى قوله - تعالى - : ( قَالَتِ امرأت العزيز الآن حَصْحَصَ الحق .

.

.

) و ( مِن مِّصْرَ ) صفة لقوله ( الذي اشتراه ) .وامرأته : المراد بها زوجته ، واسمها كما قيل زليخا أو راعيل .ومثواه من المثوى وهو مكان الإِقامة والاستقرار .

يقال : ثوى فلان بمكان كذا ، إذا أطال الإِقامة به .

ومنه قوله - تعالى -( وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ .

.

.

) أى مقيما معهم .أى : وقال الرجل المصرى الذى اشترى يوسف لامرأته : اجعلى محل إقامته كريما ، وأنزليه منزلا حسنا مرضيا .وهذا كناية عن وصيته لها بإكرامه على أبلغ وجه ، لأن من أكرم المحل بتنظيفه وتهيئته تهيئة حسنة فقد أكرم صاحبه .قال صاحب الكشاف : قوله ( أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ) أى : اجعلى منزله ومقامه عندنا كريما : أى حسنا مرضيا بدليل قوله بعد ذلك ( إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ) والمراد تفقديه بالإِحسان ، وتعهديه بحسن الملكة ، حتى تكون نفسه طيبة فى صحبتنا ، ساكنة فى كنفنا ، ويقال للرجال : كيف أبو مثواك وأم مثواك؟

لمن ينزل به من رجل أو امرأة ، يراد هلى تطيب نفسك بثوائك عنده وهل يراعى حق نزولك به؟

واللام فى ( لامرأته ) متعلق بقال .

.

.وقوله : ( عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً .

.

.

) بيان لسبب أمره لها بإكرام مثواه .أى : عسى هذا الغلام أن ينفعنا فى قضاء مصالحنا ، وفى مختلف شئوننا ، أو نتبناه فيكون منا بمنزلة الولد ، فإنى أرى فيه علامات الرشد والنجابة ، وأمارات الأدب وحسن الخلق .قالوا وهذه الجملة ( أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) توحى بأنهما لم يكن عندهما أولاد .

والكاف فى قوله - سبحانه - ( وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض ) فى محل نصب ، على أنه نعت لمصدر محذوف والإِشارة إلى ما تقدم من إنجائه من إخوته ، وانتشاله من الجب ، ومحبة العزيز له .

.

و " مكنا " من التمكين بمعنى التثبيت ، والمراد بالأرض : أرض مصر التى نزل فيها .أى : ومثل ذلك التمكين البديع الدال على رعايتنا له ، مكنا ليوسف فى أرض مصر ، حتى صار أهلا للأمر والنهى فيها .وقوله - سبحانه - ( وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ) علة لمعلل محذوف ، فكأنه قيل : وفعلنا ذلك التمكين له ، لنعلمه من تأويل الأحاديث ، بأن نهيه من صدق اليقين ، واستنارة العقل ، ما يجعله يدرك معنى الكلام إدراكا سليما ، ويفسر الرؤى تفسيرا صحيحا صادقا .وقوله : ( والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) تذييل قصد به بيان قدرة الله - تعالى - ونفاذ مشيئته .فأمر الله هنا : هو ما قدره وأراده .أى : والله - تعالى - متمم ما قدره وأراده ، لا يمنعه من ذلك مانع ، ولا ينازعه منازع ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم ، فيما يأتون ويذرون من أقوال وأفعال .والتعبير بقوله : ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) احتراس لإِنصاف ومدح القلة من الناس الذين يعطيهم الله - تعالى - من فضله ما يجعلهم لا يندرجون فى الكثرة التى لا تعلم ، بل هو - سبحانه - يعطيهم من فضله ما يجعلهم يعلمون مالا يعلمه غيرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين على الماء ذهب به إلى مصر وباعه هناك.

وقيل إن الذي اشتراه قطفير أو إطفير وهو العزيز الذي كان يلي خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف عليه السلام فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الملك والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل كان الملك في أيامه فرعوه موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات  ﴾ وقيل فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، وقيل اشتراه العزيز بعشرين ديناراً، وفيل أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه ما يساويه في الوزن من المسك والورق والحرير فابتاعه قطفير بذلك الثمن.

وقالوا: اسم تلك المرأة زليخا، وقيل راعيل.

واعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن، ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات، فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ ﴾ أي منزله ومقامه عندك من قولك ثويت بالمكان إذا أقمت به، ومصدره الثواء والمعنى: اجعلي منزله عندك كريماً حسناً مرضياً بدليل قوله: ﴿ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ ﴾ وقال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه، يدل على أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال: سلام الله على المجلس العالي، ولما أمرها بإكرام مثواه علل ذلك بأن قال: ﴿ عسى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ أي يقوم بإصلاح مهماتنا، أو نتخذه ولداً، لأنه كان لا يولد له ولد، وكان حصوراً.

ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالسلامة من الجب مكناه بأن عطفنا عليه قلب العزيز، حتى توصل بذلك إلى أن صار متمكناً من الأمر والنهي في أرض مصر.

واعلم أن الكمالات الحقيقية ليست إلا القدرة والعلم وأنه سبحانه لما حاول إعلاء شأن يوسف ذكره بهذين الوصفين، أما تكميله في صفة القدرة والمكنة فإليه الإشارة بقوله: ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض ﴾ وأما تكميله في صفة العلم، فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الاحاديث ﴾ وقد تقدم تفسير هذه الكلمة.

واعلم أنا ذكرنا أنه عليه السلام لما ألقى في الجب قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا  ﴾ وذلك يدل ظاهراً على أنه تعالى أوحى إليه في ذلك الوقت.

وعندنا الإرهاص جائز، فلا يبعد أن يقال: إن ذلك الوحي إليه في ذلك الوقت ما كان لأجل بعثته إلى الخلق، بل لأجل تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه السلام، ثم إنه تعالى قال هاهنا ﴿ وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ والمراد منه إرساله إلى الخلق بتبليغ التكاليف، ودعوة الخلق إلى الدين الحق، ويحتمل أيضاً أن يقال: إن ذلك الوحي الأول كان لأجل الرسالة والنبوة ويحمل قوله: ﴿ وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ على أنه تعالى أوحى إليه بزيادات ودرجات يصير بها كل يوم أعلى حالاً مما كان قبله وقال ابن مسعود: أشد النار فراسة ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، والمرأة لما رأت موسى، فقالت: ﴿ إِحْدَاهُمَا ياأبت استجره  ﴾ وأبو بكر حين استخلف عمر.

ثم قال تعالى: ﴿ والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ﴾ وفيه وجهان: الأول: غالب على أمر نفسه لأنه فعال لما يريد لا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه وسمائه، والثاني: والله غالب على أمر يوسف، يعني أن انتظام أموره كان إلهياً، وما كان بسعيه وإخوته أرادوا به كل سوء ومكروه والله أراد به الخير، فكان كما أراد الله تعالى ودبر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الأمر كله بيد الله.

واعلم أن من تأمل في أحوال الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أن الأمر كله لله، وأن قضاء الله غالب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذى اشتراه ﴾ قيل هو قطفير أو أطفير، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك يؤمئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف، فملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة بدليل قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات ﴾ [غافر: 34] وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه، حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً، فابتاعه قطفير بذلك المبلغ ﴿ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً، أي حسناً مرضياً، بدليل قوله ﴿ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ ﴾ [يوسف: 23] والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه بحسن الملكة، حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل به من رجل أو امرأة، يراد: هل تطيب نفسك بثوائك عنده، وهل يراعى حق نزولك به.

واللام في ﴿ لاِمْرَأَتِهِ ﴾ متعلقةبقال، لا باشتراه ﴿ عسى أَن يَنفَعَنَا ﴾ لعله إذا تدرّب وراض الأمور وفهم مجاريها، نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله، فينفعنا فيه بكفايته وأمانته.

أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيماً لا يولد له، وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك.

وقيل: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته ﴿ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عسى أَن يَنفَعَنَا ﴾ والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها ﴿ ياأبت استجره ﴾ [القصص: 26] وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما.

وروي أنه سأله عن نفسه، فأخبره بنسبه فعرفه ﴿ وكذلك ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه، والكاف منصوب تقديره: ومثل ذلك الإنجاء والعطف ﴿ مَكَّنَّا ﴾ له، أي: كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز، كذلك مكنا له في أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه ﴿ وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الاحاديث ﴾ كان ذلك الإنجاء والتمكين لأنّ غرضنا ليس إلا ما تحمد عاقبته من علم وعمل ﴿ والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ﴾ على أمر نفسه: لا يمنع عما يشاء ولا ينازع ما يريد ويقضي.

أو على أمر يوسف يدبره لا يكله إلى غيره، قد أراد إخوته به ما أرادوا، ولم يكن إلا ما أراد الله ودبره ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ ﴾ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ واسْمُهُ قِطْفِيرُ أوْ إطْفِيرُ، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ العَمْلِيقِيَّ وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وماتَ في حَياتِهِ.

وقِيلَ كانَ فِرْعَوْنَ مُوسى عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ .

والمَشْهُورُ أنَّهُ مِن أوْلادِ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ.

والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ.

رُوِيَ: أنَّهُ اشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَبِثَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

واخْتُلِفَ فِيما اشْتَراهُ بِهِ مَن جَعَلَ شِراءَهُ بِهِ غَيْرَ الأوَّلِ: عِشْرُونَ دِينارًا وزَوْجا نَعْلٍ وثَوْبانِ أبْيَضانِ.

وقِيلَ مِلْؤُهُ فِضَّةً وقِيلَ ذَهَبًا.

﴿ لامْرَأتِهِ ﴾ راعِيلَ أوْ زُلَيْخا.

﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ اجْعَلِي مَقامَهُ عِنْدَنا كَرِيمًا أيْ حَسَنًا والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ.

﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ في ضِياعِنا وأمْوالِنا ونَسْتَظْهِرَ بِهِ في مَصالِحِنا.

﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ نَتَبَنّاهُ وكانَ عَقِيمًا لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِنَ الرُّشْدِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ عَزِيزُ مِصْرَ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ الَّتِي قالَتْ ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ ، وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ وكَما مَكَّنا مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ العَزِيزِ أوْ كَما مَكَّنّاهُ في مَنزِلِهِ أوْ كَما أنْجَيْناهُ وعَطَفْنا عَلَيْهِ العَزِيزَ مَكَّنا لَهُ فِيها.

﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ عُطِفَ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ لِيَتَصَرَّفَ فِيها بِالعَدْلِ ولِنُعَلِّمَهُ أيْ كانَ القَصْدُ في إنْجائِهِ وتَمْكِينِهِ إلى أنْ يُقِيمَ العَدْلَ ويُدَبِّرَ أُمُورَ النّاسِ، ويَعْلَمَ مَعانِيَ كُتِبِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ فَيُنَفِّذَها، أوْ تَعْبِيرَ المَناماتِ المُنَبِّهَةِ عَلى الحَوادِثِ الكائِنَةِ لِيَسْتَعِدَّ لَها ويَشْتَغِلَ بِتَدْبِيرِها قَبْلَ أنْ تَحِلَّ كَما فَعَلَ لِسِنِيهِ.

﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا يُنازِعُهُ فِيما يَشاءُ أوْ عَلى أمْرِ يُوسُفَ أرادَ بِهِ إخْوَتَهُ شَيْئًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ فَلَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَهُ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، أوْ لَطائِفَ صُنْعِهِ وخَفايا لُطْفِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)

{وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ} هو قطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد وقد آمن

يوسف (٢١ _ ٢٣)

بيوسف ومات فى

حياته واشتراه العزيز بزينته ورقاً وحريراً ومسكاً وهو ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره ريان بن الوليد ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثيتن سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة {لامرأته} راعيل أو زليخا واللام متعلقة بقال لاباشتراه {أكرمي مثواه} اجعلى منزلته ومقامه عندنا كريماً أي حسنا مرضياً بدليل قوله {إنه ربي أحسن مثواي} وعن الضحاك بطيب معاشه ولين لباسه ووطىء فراشه {عسى أَن يَنفَعَنَا} لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله {أو نتخذه ولدا} أو نبتناه ونقيمه مقام الولد وكان قطفير عقيماً وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك {وكذلك} إشارة إلى ما تقدم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه والكاف منصوب تقديره ومثل ذلك الإنجاء والعطف {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} أي كما أنجيناه وعطَّفنا عليه العزيز كذلك مكنا له {فِي الأرض} أي أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} كان ذلك الإنجاء والتمكين {والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ} لا يمنع عما شاء أو على أمر يوسف بتبليغه ما أراد له دون ما أراد إخوته {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يعلمون} ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ ﴾ فَهَذا الشِّراءُ غَيْرُ الشِّراءِ السّابِقِ الَّذِي كانَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وزَعَمَ اتِّحادُهُما ضَعِيفٌ جِدًّا وإلّا لا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿ مِن مِصْرَ ﴾ كَثِيرُ جَدْوى، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ العَمْلِيقِيُّ وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ فَدَعاهُ إلى الإيمانِ فَأبى.

وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ وهو الصَّحِيحُ، وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا.

واسْتَدَلَّ في البَحْرِ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ في بَعْضِ الرِّواياتِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ آمَنَ بَعْدَ ذاكَ، وإلّا فَكَوْنُهُ مُؤْمِنًا يَوْمَ الِاشْتِراءِ مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، نَعَمْ إنَّهُ اعْتَنى بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذا قالَ: ﴿ لامْرَأتِهِ ﴾ راعِيلَ بِنْتِ رَعابِيلَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ: زُلَيْخا بِنْتُ تَمْلِيخا، وقِيلَ: اسْمُها راعِيلُ ولَقَبُها زُلَيْخا، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، والجارُّ الأوَّلُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقٌ -بِاشْتَراهُ- كَقَوْلِكَ اشْتَرَيْتُهُ مِن بَغْدادَ أيْ فِيها أوْ بِها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الَّذِي أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في -اشْتَرى- أيْ كائِنًا مِن أهْلِ مِصْرَ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ -بِقالَ- كَما أشَرْنا إلَيْهِ لا -بِاشْتَراهُ- ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ أيِ اجْعَلِي مَحَلَّ ثِوائِهِ وإقامَتِهِ كَرِيمًا أيْ حَسَنًا مَرْضِيًّا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ إكْرامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ لِأنَّ مَن أكْرَمَ المَحَلَّ بِتَنْظِيفِهِ وفَرْشِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَقَدْ أكْرَمَ ضَيْفَهُ بِسائِرِ ما يُكْرَمُ بِهِ، وقِيلَ: المَثْوى مُقْحَمٌ، يُقالُ: المَجْلِسُ العالِي والمَقامُ السّامِي، والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ والنَّظَرَ فِيما يَقْتَضِيهِ إكْرامُ الضَّيْفِ ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ في قَضاءِ مَصالِحِنا إذا تَدَرَّبَ في الأُمُورِ وعَرَفَ مَجارِيها ﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ أيْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ فِيما يُرْوى عَقِيمًا، ولَعَلَّ الِانْفِصالَ لِمَنعِ الخُلُوِّ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِمَنعِ الجَمْعِ عَلى مَعْنى عَسى أنْ نَبِيعَهُ فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ العَزِيزِ لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ، ومِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ فَقالَ لِاِمْرَأتِهِ: ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ إلَخْ، والمَرْأةُ الَّتِي أتَتْ مُوسى فَقالَتْ لِأبِيها: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.

﴿ وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَكانًا يُقالُ: مَكَّنَهُ فِيهِ أيْ أثْبَتَهُ فِيهِ، ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ أيْ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيهِ، ولِتَقارُبِهِما وتَلازُمِهِما يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَقامِ الآخَرِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ والمُرادُ بِالمَكانِ هُنا المَكانَةُ والمَنزِلَةُ لا البُعْدُ المُجَرَّدُ أوِ السَّطْحُ الباطِنُ مِنَ الحاوِي المُماسِّ لِلسَّطْحِ الظّاهِرِ مِنَ المَحْوِيِّ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ مِنَ الفَلاسِفَةِ إنْ حَقًّا وإنْ باطِلًا، والإشارَةُ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِهِ، والكافُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ كَما جَعَلْنا لَهُ مَثْوًى كَرِيمًا في مَنزِلِ العَزِيزِ أوْ مَكانًا عَلِيًّا في قَلْبِهِ حَتّى أمَرَ امْرَأتَهُ دُونَ سائِرِ حَواشِيهِ بِإكْرامِ مَثْواهُ جَعَلْنا لَهُ مَكانَةً رَفِيعَةً في أرْضِ مِصْرَ، وفُسِّرَ الجَعْلُ المَذْكُورُ بِجَعْلِهِ وجِيهًا فِيما بَيْنَ أهْلِ مِصْرَ ومُحَبَّبًا في قُلُوبِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ أيْ بَعْضِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا الَّتِي عُمْدَتُها رُؤْيا المَلِكِ، وصاحِبَيِ السِّجْنِ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُجاهِدٍ، وهو الظّاهِرُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ سَواءٌ جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى غايَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْساقُ إلَيْها الكَلامُ ويَسْتَدْعِيها النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّمْكِينِ البَدِيعِ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ وجَعَلْنا قُلُوبَ أهْلِها كافَّةً مَحالَّ مَحَبَّتِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما يَتَرَتَّبُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأةِ العَزِيزِ، ولِنُعَلِّمَهُ بَعْضَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الرُّتْبَةِ العُلْيا والرِّياسَةِ العُظْمى، ولَعَلَّ تَرْكَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ كَوْنِهِ مُرادًا أوْ جُعِلَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِهَذِهِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ فَعَلْنا ذَلِكَ التَّمْكِينَ لا لِشَيْءٍ غَيْرِها مِمّا لَيْسَ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ.

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَأْكِيدِ فَخامَةِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ عَلى ما ذَكَرُوا في ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ والمُرادُ بِهِ التَّمْكِينُ في قَلْبِ العَزِيزِ أوْ في مَنزِلِهِ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَمْكِينًا في الأرْضِ بِمُلابَسَةِ أنَّهُ عَزِيزٌ فِيها لِما أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ تِلْكَ الأُمُورُ، إنَّما هو التَّمْكِينُ في جانِبِ العَزِيزِ، وأمّا التَّمْكِينُ في جانِبِ النّاسِ كافَّةً فَتَأْدِيَتُهُ إلَيْها إنَّما هي بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ التَّمْكِينِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ التَّمْكِينِ في الأرْضِ عَلى التَّمْكِينِ في قَلْبِ العَزِيزِ، أوْ في مَنزِلِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا حَمْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَعَلَّ الظّاهِرَ حَمْلُهُ عَلى جَعْلِهِ مَلِكًا يَتَصَرَّفُ في أرْضِ مِصْرَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ إلّا أنَّ في جَعْلِ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ غايَةً لَهُ خَفاءً؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مِن آثارِهِ ونَتائِجِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ دُونَ العَكْسِ ولَمْ يُعْهَدْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ قَضاياهُ العَمَلَ بِمُوجِبِ الرُّؤْيا المُنَبِّهَةِ عَلى الحَوادِثِ قَبْلَ وُقُوعِها عَهْدًا مُصَحَّحًا لِجَعْلِهِ غايَةً لِذَلِكَ وما وقَعَ مِنَ التَّداوُلِ في أمْرِ السِّنِينَ فَإنَّما هو عَمَلٌ بِمُوجِبِ الرُّؤْيا السّابِقَةِ المَعْهُودَةِ وإرادَةٌ لِيَظْهَرَ تَعْلِيمُنا لَهُ كَما تَرى، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ -لِأنَّهُ الظّاهِرُ- أرادَ بِتَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَفْهِيمَ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ مَكَّنّا لَهُ في أرْضِ مِصْرَ لِيَتَصَرَّفَ فِيها بِالعَدْلِ ولِنُعَلِّمَهُ مَعانِيَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَها ودَقائِقَ سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَقْضِي بِها بَيْنَ أهْلِها، والتَّعْلِيمُ الإجْمالِيُّ لِتِلْكَ الأحادِيثِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَأخِّرٍ عَنْ تَمْكِينِهِ بِذَلِكَ المَعْنى إلّا أنَّ تَعْلِيمَ كُلِّ مَعْنًى شَخْصِيٍّ يَتَّفِقُ في ضِمْنِ الحَوادِثِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ في كُلِّ نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ مُتَأخِّرٌ عَنْ ذَلِكَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ غايَةً لَهُ، وأدْرَجَ بَعْضُهُمُ الإنْجاءَ تَحْتَ الإشارَةِ بِذَلِكَ، وفِيهِ بَحْثٌ فَتَدَبَّرْ ﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ، بَلْ إنَّما أمْرُهُ لِشَيْءٍ إذا أرادَ أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ المَصْدَرِ المُضافِ شُؤُونُهُ سُبْحانَهُ المُتَعَلِّقَةُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُخُولًا لا أوَّلِيًّا أوْ مُتَوَلٍّ عَلى أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُدَبِّرُهُ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ، وإلى رُجُوعِ ضَمِيرِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وإلى رُجُوعِهِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ القُرْطُبِيُّ، وأيّامّا كانَ فالكَلامُ عَلى ما في الكَشْفِ تَذْيِيلٌ أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِجَرْيِهِ مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا ﴾ مِن سابِقِهِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ غالِبًا عَلى جَمِيعِ أُمُورِهِ لا يُزاحِمُهُ أحَدٌ ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مُرادٌ كانَتْ إرادَتُهُ تَمْكِينَ يُوسُفَ وكَيْتَ وكَيْتَ، والوُقُوعُ رَضِيعِي لَبّانٍ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ يَتَوَلّاهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وجَزِيلِ إحْسانِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ تَعالى بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ فَأيْنَ يَقَعُ كَيْدُ الإخْوَةِ وغَيْرِهِمْ كامْرَأةِ العَزِيزِ مَوْقِعَهُ فَهو كَقَوْلِهِ: وعَلامَ أرْكَبُهُ إذا لَمْ أنْزِلْ مِن سابِقِهِ أعْنِي فَدَعُوا نِزالَ فَكُنْتُ أوَّلَ نازِلٍ والآيَةُ عَلى الأوَّلِ صَرِيحَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ زَعْمًا مِنهم أنَّ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْئًا، وأنّى لَهم ذَلِكَ؟!

وأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لا يَعْلَمُونَ لَطائِفَ صُنْعِهِ وخَفايا فَضْلِهِ، والمُرادُ -بِأكْثَرِ النّاسِ- قِيلَ: الكُفّارُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ.

وقِيلَ: أهْلُ مِصْرَ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الأكْثَرُ بِمَعْنى الجَمِيعِ، والمُرادُ أنَّ جَمِيعَ النّاسِ لا يَطَّلِعُونَ عَلى غَيْبِهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يَبْقى عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ ولا يَقْتَصِرُ في تَفْسِيرِهِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الأقْوالُ قَبْلُ، بَلْ يُرادُ بِهِ مَن نَفى عَنْهُ العِلْمَ بِما تَقَدَّمَ كائِنًا ما كانَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ في عُمُومِهِ أهْلُ الِاعْتِزالِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ قال ابن عباس: «كان اسمه قوطيفر، وهو العزيز، قال لامرأته واسمها: زليخا أَكْرِمِي مَثْواهُ يعني: منزله وولايته عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في ضياعنا وغلاتنا على وجه التبرك به أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً يقول: نتبناه فيكون ابناً لنا.

وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: «أفرس الناس ثلاثة: العزيز، حين قال لامرأته أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا وبنت شعيب التي قالت يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: 26] وأبو بكر، حين تفرَّس في عمر  ا وولاه من بعده» (١) قال الله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يعني: في أرض مِصْرَ، وهي أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: كي يلهمه تعبير الرؤيا، وغير ذلك من العلوم، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ إذا أمر بشيء لا يقدر أحد أن يرد أمر الله تعالى، إذا أراد بأحد من خلقه.

ويقال: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ، يعني: والله متمّ ليتم أمر يوسف الذي هو كائن وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: أهل مصر.

ويقال: يعني: أهل مكة لا يعلمون أن الله تعالى غالب على أمره.

قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني يوسف: تمت قوة نفسه وعقله.

ويقال: بلغ مبلغ الرجال.

ويقال: الأشد بلوغ ثلاثين سنة.

وقال الضحاك: يعني: بلغ ثلاثا ثلاثين سنة.

ويقال الأشد: ما بين ثمانية عشرة سنة، إلى ثلاثين سنة ويقال: إلى ست وثلاثين سنة ويقال: من خمسة عشر إلى ثمان وثلاثين سنة.

آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً يقول: أكرمناه بالنبوة، والعلم والفهم والفقه فجعلناه حكيماً وعليماً، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: هكذا نكافئ من أحسن.

ويقال: هكذا نجزي المخلصين في العمل بالفهم والعلم.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 517 إلى سعيد بن منصور وابن سعد وابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

آيات: دلالتُهُ على كذبهم، وشهادَتُهُ في قَدِّه، ورَدُّ بَصَرِ يَعقُوبَ به، ووصف الدَّم بالكَذِبِ الَّذي هو مَصْدَرٌ على/ جهة المبالغةِ، ثم قال لهم يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ، أي:

رَضيَتْ وجَعَلَتْ سؤلاً ومراداً أَمْراً، أي: صنعاً قبيحاً بيوسف «١» .

وقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ: إِما على حذف المبتدأ، أي: فشأني صبرٌ جميلٌ، وإِما على حَذْفِ الخبر، تقديره: فصبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ، وجميل الصّبر: ألّا تقع شكوى إلى البشر، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَثَّ، لَمْ يَصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً» «٢» .

وقوله: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ: تسليم لأمر الله تعالى، وتوكّل عليه.

وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ: قيل: إِن السيارة جاءَتْ في اليومِ الثاني من طرحه، و «السيارةُ» : بتاءُ مبالغةٍ للذين يردِّدون السيْرَ في الطُرق.

قال ص: و «السَّيَّارَة» : جمع سَيَّار، وهو الكثيرُ السَّيْر في الأرض.

انتهى.

و «الوَارد» : هو الذي يأتي الماءَ يستَقي منه لجماعته، وهو يَقَعُ على الواحدِ وعلى الجماعة.

وروي أنَّ مُدْلِيَ الدَّلْو كان يسمَّى مَالِكَ بْنَ دعر، ويروَى أَنَّ هذا الجُبَّ كان بالأُرْدُنِّ على ثلاثةِ فراسِخَ من منزل يَعْقُوبَ، ويقال: أدلَى دلْوَهُ إِذا ألقاه ليستقِيَ الماءَ، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: فتعلَّق يوسُفُ بالحَبْل، فلما بصر به المدلي، قال: يا بُشْرى، وروي أنَّ يوسُفَ كان يومئِذٍ ابنَ سَبْعَ سِنينَ ويرجِّح هذا لفظةُ غُلامٌ فإِنها لِمَا بَيْنَ الحولَيْن إِلى البلوغِ، فإِن قيلتْ فيما فَوْقَ ذلك، فعلى استصحاب حالٍ، وتجوُّزٍ، وقرأَ نافعٌ «١» وغيره: «يا بُشْرَايَ» بإِضافةِ البُشْرَى إِلى المتكلِّم، وبفتح الياء على ندائها كأنه يقولُ:

احضري، فهذا وَقْتُكِ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَا بُشْرى» ، ويميلاَنِ ولا يضيفَانِ، وقرأ عاصمٌ كذلك إِلاَّ أَنه يفتح الراءَ ولا يُمِيلُ، واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي:

كان في أصحاب هذا الوارد رَجُلٌ اسمه «بُشْرَى» فناداه، وأعلمه بالغلامِ «٢» ، وقيل: هو على نداءِ البُشْرَى كما قدَّمنا.

وقوله سبحانه: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً قال مجاهد: وذلك أنَّ الوُرَّاد خَشُوا من تُجَّار الرفْقة، إِنْ قالوا وجدْنَاه أنْ يشاركوهم في الغُلاَمِ الموجُودِ، يعني: أو يمنعوهم من تملُّكه «٣» ، إِن كانوا أخياراً، فأسروا بينهم أنْ يقولُوا: أَبْضَعَهُ مَعَنَا بعْضُ أهْلِ المِصْرِ، و «بِضَاعة» : حالٌ، والبضاعة: القطعةُ من المالِ يُتْجَرُ فيها بغير نصيب من الرّبح مأخوذ من قولهم: «بَضْعَة» أي: قطعة، وقيل: الضمير في «أَسَرُّوه» يعود على إِخوة يوسف.

وقوله سبحانه: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: «شروه» هنا: بمعنى بَاعُوه، قال الداوديُّ: وعن أبي عُبَيْدة: وَشَرَوْهُ أي: باعوه، فإِذا ابتعت أَنْتَ، قُلْتَ: اشتريت

انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: يقال:

اشتريت بمعنى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بمعنى اشتريت لغة انتهى، وعلى هذا، فلا مانِعَ مِنْ حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شَرَوْهُ» بمعنى: «اشتروه» .

قال ع «٢» : روي أن إِخوة يُوسُفَ لمَّا علموا أن الوُرَّاد قد أخذوه جاؤوهم، فقالوا: هذا عَبْدٌ قد أَبَقَ منا، ونحنُ نبيعُهُ منكم، فقارَّهم يوسُفُ على هذه المقالة خوفاً منهم، ولينفذ الله أمره، والبخس: مصدر وُصِفَ به الثمن، وهو بمعنى النَّقْصِ.

وقوله: دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ: عبارةٌ عن قلة الثمن لأنها دراهم، لم تبلغْ أنْ توزَنَ لقلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنُونَ ما كان دون الأوقية، وهي أربعون درهماً.

وقوله سبحانه: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: وصفٌ يترتب في إِخوة يوسف، وفي الوُرَّاد، ولكنَّه في إِخوة يوسف أرتَبُ إِذ حقيقة الزهْدِ في الشيء إِخراجُ حُبِّه من القَلْبِ ورَفْضُهُ من اليدِ، وهذه كانَتْ حالَ إِخوة يوسُفٌ في يوسُفَ، وأمَّا الورَّاد، فإِنَّ تمسُّكَهم به وتَجْرَهُمْ يمانِعُ زُهْدَهم إِلا على تجوُّزٍ، قال ابْن العربيِّ في «أحكامه» «٣» : وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ

: أي: إِخوته والواردة، أَما إِخوته فلأنَّ مقصودهم زوالُ عَيْنِه، وأما الواردة، فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:

روي أنَّ مبتاع يوسُفَ وَرَدَ به مصْرَ البلدِ المعروفِ ولذلك لا ينصرفُ، فَعَرَضَهُ في السُّوقِ، وكان أجْمَلَ الناس، فوقَعَتْ فيه مزايدةٌ/ حتى بلغ ثمناً عظيماً، فقيل: وزنه من ذهبٍ، ومن فضةٍ، ومن حريرٍ، فاشتراه العزيزُ، وهو كان حَاجِبَ المَلِكِ وخازِنَة، واسم المَلِك الرَّيَّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقيل: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ، وهو أحد الفراعِنَةِ، واسمُ العزيزِ المذْكُورِ:

«قطيفين» قاله ابن عباس، وقيل: «أظفير» ، وقيل: «قنطور» ، واسم امرأته: «رَاعيل» ، قاله ابنُ إِسحاق، وقيل: «زليخا» ، قال البخاريّ: ومَثْواهُ: مَقَامُهُ.

وقوله: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي: نتبنَّاه، وكان فيما يُقَالُ: لا ولد له، ثم قال تعالى:

وَكَذلِكَ، أي: وكما وصفْنا مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ فعلنا ذلك، والْأَحادِيثِ: الرؤيا في النوْمِ قاله مجاهد، وقيل: أحاديث الأنبياء والأمم، والضمير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ ﴾ قالَ وهْبٌ: لَمّا ذَهَبَتْ بِهِ السَّيّارَةُ إلى مِصْرَ، وقَفُوهُ في سُوقِها يَعْرِضُونَهُ لِلْبَيْعِ، فَتُزايِدَ النّاسُ في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وزْنَهُ مِسْكًا، ووَزْنَهُ ورِقًا، ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ رَجُلٌ يُقالُ: لَهُ قِطْفِيرٌ، وكانَ أمِينَ فِرْعَوْنَ وخازِنَهُ، وكانَ مُؤْمِنًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما اشْتَراهُ قِطْفِيرٌ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ، وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، فَلَمّا رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ قالَ لِامْرَأتِهِ: أكْرِمِي مَثْواهُ.

وقالَ قَوْمٌ: اسْمُهُ أطْفِيرٌ وَفِي اسْمِ المَرْأةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: راعَيِلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي.

أزْلِيخا بِنْتُ تَمْلِيخا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أكْرِمِي مَثْواهُ " يَعْنِي أكْرِمِي مَنزِلَهُ ومَقامَهُ عِنْدَكِ، مِن قَوْلِكَ: ثَوَيْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ بِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أحْسِنِي إلَيْهِ في طُولِ مَقامِهِ عِنْدَنا.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةُ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ  ﴾ ، وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَكْفِينا إذا بَلَغَ أُمُورَنا.

والثّانِي: بِالرِّبْحِ في ثَمَنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَتَبَنّاهُ.

وقالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُما ولَدٌ، وكانَ العَزِيزُ لا يَأْتِي النِّساءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ أيْ: وكَما أنْجَيْناهُ مِن إخْوَتِهِ وأخْرَجْناهُ مِن ظُلْمَةِ الجُبِّ، مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ، أيْ: مَلَّكْناهُ في أرْضِ مِصْرَ فَجَعَلْناهُ عَلى خَزائِنِها.

﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما دَخَلَتِ الواوُ في " ولِنُعَلِّمَهُ " لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو المُجْتَلَبُ لِلّامِ، والمَعْنى: مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ، واخْتَصَصْناهُ بِذَلِكَ لِكَيْ نُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ " تَأْوِيلِ الأحادِيثِ " [يُوسُفَ:٦] .

﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ غالِبٌ عَلى ما أرادَ مِن قَضائِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، فالمَعْنى: غالِبٌ عَلى أمْرِ يُوسُفَ حَتّى يُبَلِّغَهُ ما أرادَهُ لَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

وقالَ بَعْضُهم: واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ حَيْثُ أمَرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ أنْ لا يَقُصُّ رُؤْياهُ عَلى إخْوَتِهِ، فَعَلِمُوا بِها، ثُمَّ أرادَ يَعْقُوبُ أنْ لا يَكِيدُوهُ، فَكادُوهُ، ثُمَّ أرادَ إخْوَةُ يُوسُفَ قَتْلَهُ، فَلَمْ يُقَدِّرْ لَهم، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ فَيَنْدَرِسَ أمْرُهُ، فَعَلا أمْرُهُ، ثُمَّ باعُوهُ لِيَكُونَ مَمْلُوكًا، فَغَلَبَ أمْرُهُ حَتّى مَلَكَ، وأرادُوا أنْ يُعَطِّفُوا أباهم، فَأباهم، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَغُرُّوا يَعْقُوبَ بِالبُكاءِ والدَّمِ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلى القَمِيصِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ، فَنَسُوا ذَنْبَهم إلى أنْ أقَرُّوا بِهِ بَعْدَ سِنِينَ فَقالُوا: ﴿ إنّا كُنّا خاطِئِينَ  ﴾ ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَمْحُوا مَحَبَّتَهُ مِن قَلْبِ أبِيهِ، فازْدادَتْ، ثُمَّ أرادَتْ أزْلِيخا أنْ تُلْقِيَ عَلَيْهِ التُّهْمَةَ بِقَوْلِها: ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا  ﴾ ، فَغَلَبَ أمْرُهُ، حَتّى شَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها، وأرادَ يُوسُفُ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ السَّجْنِ بِذِكْرِ السّاقِي، فَنَسِيَ السّاقِي حَتّى لَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ مُبْتاعَ يُوسُفَ -وَهُوَ الوارِدُ مِن إخْوَتِهِ أوِ التاجِرُ مِنَ الوُرّادِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ- ورَدَ بِهِ مِصْرَ -البَلَدَ المَعْرُوفَ ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ- فَعَرَضَهُ في السُوقِ، وكانَ أجْمَلَ الناسِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ مُزايَدَةٌ حَتّى بَلَغَ ثَمَنًا عَظِيمًا، فَقِيلَ: وزْنُهُ مِن ذَهَبٍ، ومِن فِضَّةِ، ومِن حَرِيرٍ.

فاشْتَراهُ العَزِيزُ وكانَ حاجِبُ المَلِكِ وخازِنُهُ، واسْمُ المَلِكِ الرَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وهو أحَدُ الفَراعِنَةِ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ مُوسى عُمِّرَ إلى زَمانِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وذَلِكَ أنَّ ظُهُورَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ في مُدَّةِ كافِرٍ يَخْدُمُهُ يُوسُفُ.

واسْمُ العَزِيزِ المَذْكُورِ: قَطْفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: أطْفِيرُ، وقِيلَ: قَنْطُورُ، واسْمُ امْرَأتِهِ: راعِيلُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقِيلَ: رَبِيحَةُ، وقِيلَ: زُلَيْخا، وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الصَنَمِ في بَيْتِهِ -حَسْبَما نَذْكُرُهُ في البُرْهانِ الَّذِي رَأى يُوسُفُ - وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ العَزِيزُ مُسْلِمًا.

والمَثْوى: مَكانُ الإقامَةِ، و الإكْرامُ إنَّما هو لِذِي المَثْوى، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ ، أيْ: بِأنْ يُعِينَنا في أبْوابِ دُنْيانا وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ النَفْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ أيْ نَتَبَنّاهُ، وكانَ -فِيما يُقالُ- لا ولَدَ لَهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "وَكَذَلِكَ"، أيْ: كَما وصَفْنا ﴿ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ، و"الأحادِيثُ": الرُؤْيا في النَوْمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أحادِيثُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ.

والضَمِيرُ في "أمْرِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى يُوسُفَ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ إخْبارًا مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ في شَأْنِ يُوسُفَ خاصَّةً بَلْ عامًّا في كُلِّ أمْرٍ، وكَذَلِكَ الِاحْتِمالُ في قَوْلِ الشاعِرِ: رَأيْتُ أبا بَكْرٍ - ورَبُّكَ غالِبٌ ∗∗∗ عَلى أمْرِهِ- يَبْغِي الخِلافَةَ بِالتَمْرِ وأكْثَرُ الناسِ الَّذِينَ نُفِيَ عنهُمُ العِلْمُ هُمُ الكَفَرَةُ، وفِيهِمُ الَّذِينَ زَهِدُوا في يُوسُفَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ جَهِلَ أمْرَهُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: أصَحُّ الناسِ فِراسَةً ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ قالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ: ﴿ اسْتَأْجِرْهُ، إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ  ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ-.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِراسَةُ العَزِيزِ إنَّما كانَتْ في نَفْسِ نَجابَةِ يُوسُفَ، لا أنَّهُ تَفَرَّسَ الَّذِي كانَ كَما في المِثالَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَإنَّ ما تَفَرَّسَ خَرَجَ بِعَيْنِهِ.

و الأشُدُّ: اسْتِكْمالُ القُوَّةِ وتَناهِي البَأْسِ، وهُما أشُدّانِ: أوَّلُهُما البُلُوغُ، وقَدْ عَبَّرَ عنهُ مالِكٌ ورَبِيعَةُ بِأشُدٍّ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والثانِي الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: هو مِن ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ إلى سِتِّينَ سَنَةٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقِيلَ: الأشَدُّ: بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: بَلْ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ،وَهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ فِيما نَحْسَبُهُ، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشُدُّ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الأشُدُّ: جَمَعَ شِدَّةٍ نَحْوُ نِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: أشُدُّ جَمْعُ شَدٍّ نَحْوُ قَدٍّ وأقُدٍّ، وشَدُّ النَهارِ: مُعْظَمُهُ وحَيْثُ تُسْتَكْمَلُ نَهارِيَّتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حُكْمًا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحِكْمَةَ والنُبُوءَةَ، وهَذا عَلى الأشُدِّ الأعْلى، ويُحْتَمَلُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ دُونَ النُبُوَّةِ، وهَذا أشْبَهُ إنْ كانَتْ قِصَّةُ المُراوَدَةِ بَعْدَ هَذا.

"وَعِلْمًا" يُرِيدُ تَأْوِيلَ الأحادِيثِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "حُكْمًا" أيْ سَلَّطانا في الدُنْيا وحُكْمًا بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ، وتَدْخُلُ النُبُوَّةُ وتَأْوِيلُ الأحادِيثِ وغَيْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "وَعِلْمًا".

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ألْفاظٌ فِيها وعْدٌ لِلنَّبِيِّ  ، فَلا يَهُولَنَّكَ فِعْلُ الكَفَرَةِ بِكَ وعُتُوُّهم عَلَيْكَ، فاللهُ تَعالى يَصْنَعُ لِلْمُحْسِنِينَ أجْمَلَ صُنْعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَقَالَ الذى اشتراه مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عسى أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ .

﴿ الذي اشتراه ﴾ مراد منه الذي دفع الثمن فملكه وإن كان لم يتول الاشتراء بنفسه، فإن فعل الاشتراء لا يدل إلاّ على دفع العوض، بحيث إن إسناد الاشتراء لمن يتولى إعطاء الثمن وتسلم المبيع إذا لم يكن هو مالك الثمن ومالك المبيع يكون إسناداً مجازياً، ولذلك يكتب الموثّقون في مثل هذا أن شراءه لفلان.

والذي اشترى يوسفَ عليه السّلام رجل اسمه (فوطيفار) رئيس شرط ملك مصر، وهو والي مدينة مصر، ولقّب في هذه السورة بالعزيز، وسيأتي.

ومدينة مصر هي (منفيس) ويقال: (منف) وهي قاعدة مصر السفلى التي يحكمها قبائل من الكنعانيين عرفوا عند القبط باسم (الهيكسوس) أي الرعاة.

وكانت مصر العليا المعروفة اليوم بالصعيد تحت حكم فراعنة القبط.

وكانت مدينتها (ثيبة أو طيبة)، وهي اليوم خراب وموضعها يسمّى الأقصر، جمع قصر، لأن بها أطلال القصور القديمة، أي الهياكل.

وكانت حكومة مصر العليا أيامئذٍ مستضعفة لغلبة الكنعانيين على معظم القطر وأجوده.

وامرأته تسمّى في كتب العرب (زَلِيخا) بفتح الزاي وكسر اللام وقصر آخره وسماها اليهود (راعيل).

و ﴿ من مصر ﴾ صفة ل ﴿ الذي اشتراه ﴾ .

و ﴿ لامرأته ﴾ متعلق ب ﴿ قال ﴾ أو ب ﴿ اشتراه ﴾ أو يتنازعه كلا الفعلين، فيكون اشتراه ليهبه لها لتتخذه ولداً.

وهذا يقتضي أنهما لم يكن لهما ولد.

وامرأته: معناه زوجه، فإن الزوجة يطلق عليها اسم المرأة ويراد منه معنى الزوجة.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وامرأته قائمة فضحكت ﴾ [سورة هود: 71].

والمثوى: حقيقته المحل الذي يَثوي إليه المرء، أي يرجع إليه.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال النار مثواكم ﴾ في سورة الأنعام (128).

وهو هنا كناية عن حال الإقامة عندهما لأن المرء يثوَى إلى منزل إقامته.

فالمعنى: اجعلي إقامته عندك كريمة، أي كاملة في نوعها.

أراد أن يجعل الإحسان إليه سبباً في اجتلاب محبته إياهما ونصحه لهما فينفعهما، أو يتخذانه ولداً فيبرّ بهما وذلك أشد تقريباً.

ولعله كان آيساً من ولادة زوجه.

وإنما قال ذلك لحسن تفرّسه في ملامح يوسف عليه السّلام المؤذنة بالكمال، وكيف لا يكون رجلاً ذا فراسة وقد جعله الملك رئيس شرطته، فقد كان الملوك أهل حذر فلا يولون أمورهم غير الأكفاء.

﴿ وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارض وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الاحاديث والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

إن أجرينا اسم الإشارة على قياس كثير من أمثاله في القرآن كقوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143) كانت الإشارة إلى التمكين المستفاد من ﴿ مكّنّا ليوسف ﴾ تنويهاً بأن ذلك التمكين بلغ غاية ما يطلب من نوعه بحيث لو أريد تشبيهه بتمكين أتم منه لما كان إلا أن يشبّه بنفسه على نحو قول النابغة: والسفاهة كاسمها *** فيكون الكاف في محل نصب على المفعول المطلق.

والتقدير: مكنا ليوسف تمكيناً كذلك التمكين.

وإن أجرينا على ما يحتمله اللفظ كانت لحاصل المذكور آنفاً، وهو ما يفيده عثور السيارة عليه من أنه إنجاء له عجيب الحصول بمصادفة عدم الإسراع بانتشاله من الجب، أي مكنا ليوسف عليه السّلام تمكيناً من صنعنا، مثل ذلك الإنجاء الذي نجيناه، فتكون الكاف في موضع الحال من مصدر مأخوذ من ﴿ مكّنّا ﴾ .

ونظيره ﴿ كذلك زيّنّا لكل أمةٍ عملهم ﴾ في سورة الأنعام (108).

والتمكين في الأرض هنا مراد به ابتداؤه وتقدير أول أجزائه، فيوسف عليه السّلام بحلوله محل العناية من عزيز مصر قد خُطّ له مستقبل تمكينه من الأرض بالوجه الأتمّ الذي أشير له بقوله تعالى بعد: ﴿ وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء ﴾ [سورة يوسف: 56]، فما ذكر هنالك هو كردّ العجز على الصدر مما هنا، وهو تمامه.

وعطف على وكذلك } علة لمعنى مستفاد من الكلام، وهو الإيتاء، تلك العلة هي ﴿ ولنعلّمه من تأويل الأحاديث ﴾ لأن الله لما قدّر في سابق علمه أن يجعل يوسف عليه السّلام عالماً بتأويل الرؤيا وأن يجعله نبيئاً أنجاه من الهلاك، ومكن له في الأرض تهيئة لأسباب مراد الله.

وتقدم معنى تأويل الأحاديث آنفاً عند ذكر قول أبيه له: ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ [سورة يوسف: 6] أي تعبير الرؤيا.

وجملة والله غالب على أمره } معترضة في آخر الكلام، وتذييل، لأن مفهومها عامّ يشمل غَلَب الله إخوةَ يوسف عليه السّلام بإبطال كيدهم، وضمير ﴿ أمره ﴾ عائد لاسم الجلالة.

وحرف ﴿ على ﴾ بعد مادة الغلب ونحوها يدخل على الشيء الذي يتوقع فيه النزاع، كقولهم: غلبناهم على الماء.

و ﴿ أمرُ الله ﴾ هو ما قدّره وأراده، فمن سعى إلى عمل يخالف ما أراده الله فحاله كحال المنازع على أن يحقق الأمر الذي أراده ويمنع حصول مراد الله تعالى ولا يكون إلا ما أراده الله تعالى فشأن الله تعالى كحال الغالب لمنازعه.

والمعنى والله متمم ما قدره، ولذلك عقّبه بالاستدراك بقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ استدراكاً على ما يقتضيه هذا الحكم من كونه حقيقة ثابتة شأنها أن لا تجعل لأن عليها شواهد من أحوال الحدثان، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك مع ظهوره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ ﴾ وهو العَزِيزُ مَلِكُها واسْمُهُ إظْفِيرُ بْنُ رُوَيْجِبٍ.

﴿ لامْرَأتِهِ ﴾ واسْمُها راعِيلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْمُهُ قِطْفِيرُ وكانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الوَلِيدَ بْنَ الرَّيّانِ مِنَ العَمالِيقِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ البائِعُ لَهُ لِلْمَلِكِ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ بِعِشْرِينَ دِينارًا وزادَهُ حُلَّةً ونَعْلَيْنِ.

﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أجْمِلِي مَنزِلَتَهُ.

الثّانِي: أجِلِّي مَنزِلَتَهُ، قالَ كُثَيِّرٌ: أُرِيدُ ثَواءً عِنْدَها وأظُنُّها إذا ما أطَلْنا عِنْدَها المُكْثَ مَلَّتِ وَإكْرامُ مَثْواهُ بِطَيِّبِ طَعامِهِ ولَيِّنِ لِباسِهِ وتَوْطِئَةِ مَبِيتِهِ.

﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ قِيلَ: في ثَمَنِهِ إنْ بِعْناهُ.

وَيُحْتَمَلُ: يَنْفَعَنا في الخِدْمَةِ والنِّيابَةِ.

﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ إنْ أعْتَقْناهُ وتَبَنَّيْناهُ.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أحْسَنُ النّاسِ في فِراسَةٍ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ في يُوسُفَ حِينَ قالَ لِامْرَأتِهِ ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ وابْنَةُ شُعَيْبٍ في مُوسى حِينَ قالَتْ لِأبِيها ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ  ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.

﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِإخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ.

الثّانِي: بِاسْتِخْلافِ المَلِكِ لَهُ.

﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في تَأْوِيلِهِ وجْهَيْنِ.

﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غالِبٌ عَلى أمْرِ يُوسُفَ حَتّى يَبْلُغَ فِيهِ ما أرادَهُ لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: غالِبٌ عَلى أمْرِ نَفْسِهِ فِيما يُرِيدُهُ، أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ يَعْنِي مُنْتَهى شِدَّتِهِ وقُوَّةِ شَبابِهِ.

وَأمّا الأشُدُّ فَفِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِبُلُوغِ الحُلُمِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ ورَبِيعَةُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

السّادِسُ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً.

قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

هَذا أوَّلُ الأشُدِّ، وفي آخِرِ الأشُدِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ سِتُّونَ سَنَةً، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وقالَ سُحَيْمُ بْنُ وُثَيْلٍ الرِّياحِيُّ أخُو خَمْسِينَ مُجْتَمَعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجُذُّنِي مُداوَرَةَ الشُّؤُونِ وَفِي المُرادِ بِبُلُوغِ الأشُدِّ في يُوسُفَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: ثَلاثُونَ سَنَةً، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ في هَذا الحُكْمِ الَّذِي آتاهُ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: العَقْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الحُكْمُ عَلى النّاسِ.

الثّالِثُ: الحِكْمَةُ في أفْعالِهِ.

الرّابِعُ: القُرْآنُ، قالَهُ سُفْيانُ.

الخامِسُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفي هَذا العِلْمِ الَّذِي آتاهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: الفِقْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ العِلْمُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُطِيعِينَ.

الثّانِي: المُهْتَدِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والفَرْقُ بَيْنَ الحَكِيمِ والعالِمِ أنَّ الحَكِيمَ هو العامِلُ بِعِلْمِهِ، والعالِمَ هو المُقْتَصِرُ عَلى العِلْمِ دُونَ العَمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق رضي الله عنه قال: الذي اشتراه ظيفر بن روحب، وكان اسم امرأته راعيل بنت رعائيل.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما باع يوسف صاحبه الذي باعه من العزيز- واسمه مالك بن ذعر- قال حين باعه: من أنت؟- وكان مالك من مدين- فذكر له يوسف من هو وابن من هو، فعرفه فقال: لو كنت أخبرتني لم أبعك.

ادع لي، فدعا له يوسف فقال: بارك الله لك في أهلك.

قال: فحملت امرأته اثني عشر بطناً، في كل بطن غلامان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أكرمي مثواه ﴾ قال منزلته.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة مثله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: يا أبت، استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغنا أن العزيز كان يلي عملاً من أعمال الملك.

وقال الكلبي: كان خبازه وصاحب شرابه وصاحب دوائه وصاحب السجن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولنعلمه من تأويل الأحاديث ﴾ قال عبارة الرؤيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ والله غالب على أمره ﴾ قال فعال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والله غالب على أمره ﴾ قال لغة عربية.

وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والله غالب على أمره ﴾ قال: لما يريد أن يبلغ يوسف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ ﴾ قال جويبر عن الضحاك (١) وقال محمد بن إسحاق (٢) وقال الكلبي عن ابن عباس (٣) وقال مقاتل بن سليمان (٤) ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾ (٥) ﴿ لِامْرَأَتِهِ ﴾ اللام من صلة القول، أي: قال لامرأته.

قال ابن عباس (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ أي أكرمي منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت بالمكان، إذا أقمت به، ومصدره الثواء، يقال: ثوى يثوي (١٠) (١١) نحو هذا قال الزجاج (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا ﴾ أي يكفينا -إذا بلغ وفهم الأمور (١٥) ﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ قال ابن عباس (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا ﴾ أنه شبه التمكين له في الأرض بالتوفيق للأسباب التي صار بها إلى ما صار بالنجاة من الهلاك، والإخراج من البئر، يعني: وكما أنجيناه من إخوته حين هموا بقتله وإهلاكه، وأخرجناه من ظلمة البئر، مكنا له في الأرض حتى بلغ ما بلغ، قال ابن عباس (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ اختلفوا في هذه الواو، فقال أكثرهم (٢٢) وقال بعضهم: هي عاطفة على معنى الكلام المتقدم بتقدير: دبرنا ذلك لنمكنه في الأرض ولنعلمه.

وذكرنا معنى (تأويل الأحاديث) عند قوله ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾ قال ابن عباس (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ قال ابن عباس (٢٧) (٢٨) (١) الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 158.

(٢) الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 158، الثعلبي 7/ 68 ب.

(٣) "تنوير المقباس" ص 148، الثعلبي 7/ 68 ب.

(٤) "تفسير مقاتل" 152 ب.

(٥) البقرة: 16، 175 وقال هناك: حقيقة الاشتراء الاستبدال، وكل شراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء.

(٦) "تنوير المقباس" ص 148، و"زاد المسير" 4/ 198، والبغوي 4/ 225.

(٧) "تفسير مقاتل" 152 ب، و"زاد المسير" 4/ 198.

(٨) لم أجده في مظانه، وهذا القول هو قول مقاتل، وانظر: "زاد المسير" 4/ 198، الرازي 18/ 109، البغوي 4/ 225، القرطبي 9/ 158.

(٩) الطبري 12/ 175، ابن أبي حاتم 7/ 2117 ب، وانظر: "الدر المنثور" 4/ 19، والثعلبي 7/ 69 أ، و"زاد المسير" 4/ 198.

(١٠) في (ج): (يثوى ثواء) وهو الصحيح كما في "تهذيب اللغة" 1/ 510.

(١١) انظر: البغوي 4/ 225، و"زاد المسير" 4/ 198، والقرطبي 9/ 159.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.

(١٣) الطبري 12/ 175، الثعلبي 7/ 69 أ.

(١٤) الطبري 12/ 175، الثعلبي 7/ 69 أ.

(١٥) هذه عبارة الثعلبي 7/ 69 أ.

(١٦) القرطبي 9/ 160، ابن عطية 7/ 468.

(١٧) "تنوير المقباس" ص 148، و "زاد المسير" 4/ 198.

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.

(٢٠) "تنوير المقباس" ص 148.

(٢١) الطبري 12/ 176، البغوي 2/ 417، الرازي 18/ 109، "زاد المسير" 4/ 198، الثعلبي 7/ 69 ب.

(٢٢) انظر: "زاد المسير" 4/ 198.

(٢٣) البغوي 2/ 226، و"زاد المسير" 14/ 199.

(٢٤) "تنوير المقباس" ص 148.

(٢٥) في (أ)، (ج): (صانع).

(٢٦) "تفسير مقاتل" 152ب، و"زاد المسير" 4/ 199.

(٢٧) القرطبي 9/ 191.

(٢٨) الطبري 12/ 176، الثعلبي 7/ 70 أ، البغوي 4/ 226.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الذي اشتراه ﴾ يعني العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، وقال السهلي: اسمه قطفير ﴿ مِن مِّصْرَ ﴾ هو البلد المعروف، ولذلك لم ينصرف، وكان يوسف قد سيق إلى مصر فنودي عليه في السوق حتى بلغ ثمنه وزنه ذهباً، وقيل: فضة فاشتراه العزيز ﴿ تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ قد تقدم ﴿ والله غالب على أَمْرِهِ ﴾ في عود الضمير وجهان: أحدهما أن يعود على الله فالمعنى أنه يفعل ما يشار لا رادّ لأمره، والثاني: أنه يعود على يوسف أي يدبر الله أمره بالحفظ له والكرامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.

والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.

وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.

الآخرون بالضم للإتباع.

﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.

الباقون.

بالكسر.

الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.

قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .

﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.

روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات  ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

والمعنى ولقد جاء آباءكم.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.

وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.

وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟

واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .

ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.

وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.

والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.

﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

ثم إنه  بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.

وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.

والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.

فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.

قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.

والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.

عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.

والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.

يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.

قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.

وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.

وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.

وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.

وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.

وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف  بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله  يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.

وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله  لأنه مسبب الأسباب.

الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.

وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.

قوله  ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر  بإسناده عن علي بن أبي طالب  : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.

وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.

وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.

وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟

فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.

أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟

فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.

وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟

وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.

وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً  ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله  لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.

وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.

قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.

قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.

وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.

ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن  ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله  بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.

ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم  .

فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف  وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.

وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.

وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.

روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.

وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.

روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.

ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟

فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.

وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.

ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.

وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.

وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين  ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.

قال  ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي  أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .

وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.

وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.

واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.

وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.

والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.

قال في الكشاف: التنكير في "قبل".

و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.

أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه  يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله  إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال  : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله  لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.

يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.

وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.

﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.

قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.

وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.

وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.

والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.

﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.

وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.

وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف  فلهذا سمي مكراً.

وقيل: كن أربعين.

﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف  من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.

وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.

وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.

وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.

وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا  كان أملح.

قيل: كان يشبه آدم  يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.

وعن النبي  : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟

فقال: يوسف.

فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.

يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.

وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.

الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.

وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.

وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.

وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.

﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.

واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.

وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟

وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.

وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.

ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.

﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.

والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف  إلى الله  قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.

﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال  ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله  : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.

وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.

عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.

وعن الحسن: خمس سنين.

وعن غيره سبع سنين.

وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.

التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.

﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.

﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.

﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.

﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.

﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.

﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ .

السيارة: هي جماعة السائرين كالمسافرين.

﴿ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ ﴾ .

الوارد: هو طالب الماء ومستقيه.

﴿ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ﴾ .

أي: أرسل دلوه في البئر.

وقوله: ﴿ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ .

قال بعضهم: بشرى هو اسم ذلك الرجل الذي كان مع المدلي الدلو، فقال له: ﴿ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ ؛ كما يقال: يا فلان، هذا غلام.

وقال بعضهم: هو من البشارة؛ كأنه قال له: أبشر بهذا الغلام.

وفي بعض القراءات: (يا بشراي) على الإضافة إلى نفسه؛ فكأنه بشر نفسه؛ أي: البشرى لي بهذا الغلام.

ويشبه أن يكون هذا كناية كلام كان هنالك، لكن لم يبين لنا ذلك، والله أعلم بذلك؛ كقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ  ﴾ أخبر أنه أقسم؛ لكن لم [يبين لنا] ما ذلك القسم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ .

قال بعضهم: الإسرار: هو اسم الإخفاء والإظهار جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ ، أي: أظهروا الندامة، فإن كان ما ذكر أنه اسم لهما جميعاً فكأنه قال: أظهروه بضاعة؛ فإن كان على حقيقة الإخفاء والإسرار فهو على الإضمار؛ كأنه قال: وأسرّوا على ما كان وأظهروا بضاعة لئلا يطلب أصحابهم في ذلك شركة.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: عليم بما عمل إخوة يوسف بيوسف، أو عليم بما عمل السيارة من الإسرار والإظهار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي: باعوه بثمن بخس ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: البخس: هو النقصان؛ أي: باعوه بثمن لا يباع مثله بمثله.

وقال بعضهم: البخس [هو] الظلم؛ باعوه ظلماً، وأخذوا ثمنه ظلماً؛ لأنهم باعوا حرّاً، وبيع الحر حرام، وأخذوا ثمنه ظلماً حراماً؛ لأن ثمن الحرّ حرام.

وقال بعضهم: ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ ﴾ أي: دراهم مبهرجة وزيف.

﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: كانت السيارة في يوسف من الزاهدين؛ حيث باعوه بثمن الدون والنقصان بما لا يباع مثله بمثل ذلك الثمن؛ خشية أن يجيئهم طالب؛ لما علموا أن مثل هذا لو كان مملوكاً لا يترك هكذا لا يطلب، فباعوه بأدنى ثمن يكون لهم، لا كما يبيع الرجل ملكه على رغبة منه؛ خشية الطلب والاستنقاذ من أيديهم.

وقال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ ﴾ : إن إخوة يوسف هم الذين باعوه من السيارة ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ ، أي: لم يعرفوا منزلته ومكانه.

والأول أشبه.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: كانوا في شرائه من الزاهدين؛ لما خافوا ذهاب الثمن إن كان مسروقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ .

أي: مقامه ومنزلته.

﴿ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .

إن صدق التجار أنه بضاعة عندهم.

﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .

إن ظهر أنه مسروق، وأنه حر؛ لما وقع عندهم أن البضاعة لا تباع بمثل ذلك الثمن الذي باعوه.

[وقوله]: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: كما مكنا ليوسف عند العزيز وامرأته كذلك نمكنك عند أهل الأرض، ولكن ذكر ﴿ مَكَّنَّا ﴾ على الخبر؛ لأنه كان ممكناً في ذلك اليوم عند العزيز والملك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكَّنَّا ﴾ ، أي: كذلك جعلنا ليوسف مكاناً ومنزلة عند الناس، وفي قلوبهم مكان ما خذله إخوته، ولم يعرفوا مكانه ومنزلته وبعد ما كان شبه المملوك عند أولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ﴾ .

أي: لا مرد لقضائه إذا قضى أمراً كان كقوله، ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ  ﴾ ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وقال أهل التأويل: إنه بيع بعشرين درهماً أو بعشرين [ونيف]؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر سوى أن فيه أنه بيع بثمن الدون والنقصان بقوله: ﴿ بَخْسٍ ﴾ البخس هو النقصان؛ يقل: بخسته؛ أي نقصته؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ  ﴾ ؛ أي: لا تنقصوا، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ  ﴾ .

وقيل: البخس: الظلم والحرام، وقد ذكرناه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال الرجل الَّذي اشتراه من مصر لامرأته: أحسني إليه وأكرميه في مقامه معنا؛ لعله ينفعنا في القيام ببعض ما نحتاج إليه، أو نُصيِّره ولدًا بالتبنِّي، وكما أنجينا يوسف من القتل، وأخرجناه من البئر، وعطفنا عليه قلب العزيز؛ مكّنا له في مصر، ولنعلمه تأويل الرؤيا، والله غالب على أمره، فأمره نافذ، فلا مكرِه له سبحانه، ولكن غالب الناس -وهم الكفار- لا يعلمون ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.5P4p5"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده