الآية ٢٢ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢٢ من سورة يوسف

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولما بلغ ) أي : يوسف عليه السلام ) أشده ) أي : استكمل عقله وتم خلقه .

( آتيناه حكما وعلما ) يعني : النبوة ، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام ، ( وكذلك نجزي المحسنين ) أي : إنه كان محسنا في عمله ، عاملا بطاعة ربه تعالى .

وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده ، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ثلاث وثلاثون .

وعن ابن عباس : بضع وثلاثون .

وقال الضحاك : عشرون .

وقال الحسن : أربعون سنة .

وقال عكرمة : خمس وعشرون سنة .

وقال السدي : ثلاثون سنة .

وقال سعيد بن جبير : ثمانية عشرة سنة .

وقال الإمام مالك ، وربيعة ، وزيد بن أسلم ، والشعبي : الأشد الحلم .

وقيل غير ذلك ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لما بلغ يوسف أشده , يقول: ولما بلغ منتهى شدته وقوته في شبابه وحَدِّه، وذلك فيما بين ثماني عشرة إلى ستين سنة , وقيل إلى أربعين سنة.

(47) * * * يقال منه: " مضت أشُدُّ الرجل ": أي شدته , وهو جمع مثل " الأضُرّ" و " الأشُرّ"، (48) لم يسمع له بواحد من لفظه.

ويجب في القياس أن يكون واحده " شدَّ" , كما واحد " الأضر "" ضر " , وواحد " الأشُر "" شر " , كما قال الشاعر: (49) هَـلْ غَـيْرُ أَنْ كَـثُرَ الأشُـرُّ وَأَهْلَكَتْ حَــرْبُ المُلُــوكِ أَكَـاثِرَ الأَمْـوَالِ (50) وقال حُميد: وَقَــدْ أَتَــى لَـوْ تُعْتِـبُ الْعَـوَاذِلُ بَعْـــدَ الأشُــدّ أَرْبَــعٌ كَــوَامِلُ (51) * * * وقد اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله به في هذا الموضع من " مبلغ الأشد ".

فقال بعضهم: عني به ثلاث وثلاثون سنة .

* ذكر من قال ذلك: 18957 - حدثنا ابن وكيع والحسن بن محمد , قالا حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (ولما بلغ أشده)، قال: ثلاثًا وثلاثين سنة.

18958 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

18959 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد , مثله .

18960 - حدثت عن علي بن الهيثم , عن بشر بن المفضل , عن عبد الله بن عثمان بن خثيم , عن مجاهد , قال: سمعت ابن عباس يقول في قوله: (ولما بلغ أشده) قال: بضعًا وثلاثين سنة.

* * * وقال آخرون: بل عني به عشرون سنة .

* ذكر من قال ذلك: 18961 - حدثت عن علي بن المسيب , عن أبي روق , عن الضحاك , في قوله: (ولما بلغ أشده) قال: عشرين سنة.

* * * وروي عن ابن عباس من وجه غير مرضيّ أنه قال: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين .

وقد بينت معنى " الأشُدّ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى يوسف لما بلغ أشدهُ حكمًا وعلمًا ، و " الأشُدّ": هو انتهاء قوته وشبابه ، وجائز أن يكون آتاه ذلك وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن عشرين سنة ، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، ولا دلالة له في كتاب الله، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في إجماع الأمة، على أيّ ذلك كان .

وإذا لم يكن ذلك موجودًا من الوجه الذي ذكرت , فالصوابُ أن يقال فيه كما قال عز وجل , حتى تثبت حجة بصحة ما قيل في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له، فيسلم لها حينئذ .

* * * وقوله: (آتيناه حكمًا وعلمًا) يقول تعالى ذكره: أعطيناه حينئذ الفهم والعلم، (52) كما: - 18962 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (حكمًا وعلمًا) قال: العقل والعلم قبل النبوة.

* * * وقوله: (وكذلك نجزي المحسنين) يقول تعالى ذكره: وكما جزيت يوسف فآتيته بطاعته إيّاي الحكمَ والعلمَ , ومكنته في الأرض , واستنقذته من أيدي إخوته &; 16-24 &; الذين أرادوا قتله , كذلك نجزي من أحسن في عمله , فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهيته عنه من معاصيّ .

(53) * * * وهذا، وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن , فإن المرادَ به محمدٌ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم .

يقول له عز وجل : كما فعلت هذا بيوسف من بعد ما لقي من إخوته ما لقي، وقاسى من البلاء ما قاسى , فمكنته في الأرض، ووطَّأتُ له في البلاد , فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة , وأمكن لك في الأرض، وأوتيك الحكم والعلم , لأنّ ذلك جزائي أهلَ الإحسان في أمري ونهيي.

* * * 18963 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس: (وكذلك نجزي المحسنين) يقول: المهتدين.

---------------------- الهوامش: (47) انظر تفسير" الأشد" فيما سلف 12 : 222 .

(48) هكذا جاءني المخطوطة والمطبوعة ، إلا أنه كان في المخطوطة" الأسر" ، و" سر" ، وقد مضى هذان اللفظان أيضا فيما سلف 12 : 222 ، وظننت هناك أنهما محرفتان ، ولكن عجيب أن يظل التحريف هو .

هو على بعد المكانين وأخشى أن يكون صواب" الأضر" هو" الأضب" جمع" ضب" ومهما يكن من شيء ، فهذا مما لم أتبينه ولا عرفته ، وفوق كل ذي علم عليم .

(49) لم أعرف قائله .

(50) في المطبوعة :" كثر الأشد" ، وفي المخطوطة بالراء ، ولم أجد البيت في غير هذا المكان .

(51) لم أجده في غير هذا المكان .

ولا أدري أهي في الرجز" الأشد" أو" الأشر" .

(52) انظر تفسير" الحكم" فيما سلف 6 : 538 ، وما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .

(53) انظر تفسير" الجزاء" و" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) ، ( حسن ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين قوله تعالى : ولما بلغ أشده أشده عند سيبويه جمع ، واحده شدة .

وقال الكسائي : واحده شد ; كما قال الشاعر :عهدي به شد النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلموزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب ; ومعناه استكمال القوة ثم يكون النقصان بعد .

وقال مجاهد وقتادة : الأشد ثلاث وثلاثون سنة .

وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس : الأشد بلوغ الحلم ; وقد مضى ما للعلماء في هذا في [ النساء ] و [ الأنعام ] مستوفى .آتيناه حكما وعلما قيل : جعلناه المستولي على الحكم ، فكان يحكم في سلطان الملك ; أي وآتيناه علما بالحكم .

وقال مجاهد : العقل والفهم والنبوة .

وقيل : الحكم النبوة ، والعلم علم الدين ; وقيل : علم الرؤيا ; ومن قال : أوتي النبوة صبيا قال : لما بلغ أشده زدناه فهما وعلما .وكذلك نجزي المحسنين يعني المؤمنين .

وقيل : الصابرين على النوائب كما صبر يوسف ; قاله الضحاك .

وقال الطبري : هذا وإن كان مخرجه ظاهرا على كل محسن فالمراد به محمد - صلى الله عليه وسلم - ; يقول الله تعالى : كما فعلت هذا بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى [ ص: 143 ] ثم أعطيته ما أعطيته ، كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة ، وأمكن لك في الأرض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَلَمَّا بَلَغَ } يوسف { أَشُدَّهُ } أي: كمال قوته المعنوية والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة، من النبوة والرسالة.

{ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أي: جعلناه نبيا رسولا، وعالما ربانيا، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } في عبادة الخالق ببذل الجهد والنصح فيها، وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم، نؤتيهم من جملة الجزاء على إحسانهم علما نافعا.

ودل هذا، على أن يوسف وفَّى مقام الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس والعلم الكثير والنبوة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولما بلغ أشده ) منتهى شبابه وشدته وقوته .

قال مجاهد : ثلاثا وثلاثين سنة .

وقال السدي : ثلاثين سنة .

وقال الضحاك : عشرين سنة .

وقال الكلبي : الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة .

وسئل مالك رحمه الله عن الأشد قال : هو الحلم .

( آتيناه حكما وعلما ) فالحكم : النبوة ، والعلم : الفقه في الدين .

وقيل : حكما يعني : إصابة في القول : وعلما : بتأويل الرؤيا .

وقيل : الفرق بين الحكيم والعالم ، أن العالم : هو الذي يعلم الأشياء ، والحكيم : الذي يعمل بما يوجبه العلم .

( وكذلك نجزي المحسنين ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : المؤمنين .

وعنه أيضا : المهتدين .

وقال الضحاك : الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولما بلغ أشده» وهو ثلاثون سنة أو وثلاث «آتيناه حكما» حكمة «وعلما» فقها في الدين قبل أن يبعث نبيا «وكذلك» كما جزيناه «نجزي المحسنين» لأنفسهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما بلغ يوسف منتهى قوته في شبابه أعطيناه فهمًا وعلمًا، ومثل هذا الجزاء الذي جزينا به يوسف على إحسانه نجزي المحسنين على إحسانهم.

وفي هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر إنعامه على يوسف فقال : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وكذلك نَجْزِي المحسنين ) .والأشد : قوة الإِنسان ، وبلوغه النهاية فى ذلك ، مأخوذ من الشدة بمعنى القوة والارتفاع ، يقال : شد النهار إذا ارتفع .ويرى بعضهم أنه مفرد جاء بصيغة الجمع ويرى آخرون أنه جمع لا واحد له من لفظه وقيل هو جمع شدة كأنعم ونعمة .والمعنى : وحين بلغ يوسف - عليه السلام - منتهى شدته وقوته ، وهى السن التى كان فيها - على ما قيل - ما بين الثلاثين والأربعين .( آتيناه ) أى : أعطيناه بفضلنا وإحساننا .( حكما ) أى : حكمة ، وهى الإِصابة فى القول والعمل أو هى النبوة .و ( علما ) أى فقها فى الدين ، وفهما سليما لتفسير الرؤى ، وإدراكا واسعا لشئون الدين والدنيا .وقوله : ( وكذلك نَجْزِي المحسنين ) أى : ومثل هذا الجزاء الحسن والعطاء الكريم ، نعطى ونجازى الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى - به ، فكل من أحسن فى أقواله وأعماله أحسن الله - تعالى - جزاءه .ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتحدثنا عن مرحلة من أدق المراحل وأخطرها ، فى حياة يوسف - عليه السلام - وهى مرحلة التعرض للفتن والمؤامرات بعد أن أبلغ أشده ، وآتاه الله - تعالى - حكما وعلما ، وقد واجه يوسف - عليه السلام - هذه الفتن بقلب سليم ، وخلق قويم ، فنجاه الله - تعالى - منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أن يقال: بين تعالى أن إخوته لما أساؤا إليه، ثم إنه صبر على تلك الشدائد والمحن مكنه الله تعالى في الاْرض، ثم لما بلغ أشده آتاه الله الحكم والعلم، والمقصود بيان أن جميع ما فاز به من النعم كان كالجزاء على صبره على تلك المحن، ومن الناس من قال: إن النبوة جزاء على الأعمال الحسنة، ومنهم من قال: إن من اجتهد وصبر على بلاء الله تعالى وشكر نعماء الله تعالى وجد منصب الرسالة.

واحتجوا على صحة قولهم: بأنه تعالى لما ذكر صبر يوسف على تلك المحن ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ وهذا يدل على أن كل من أتى بالطاعات الحسنة التي أتى بها يوسف، فإن الله يعطيه تلك المناصب، وهذا بعيد لاتفاق العلماء على أن النبوة غير مكتسبة.

واعلم أن من قال: إن يوسف ما كان رسولاً ولا نبياً ألبتة، وإنما كان عبداً أطاع الله تعالى فأحسن الله إليه، وهذا القول باطل بالإجماع.

وقال الحسن: إنه كان نبياً من الوقت الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا  ﴾ وما كان رسولاً، ثم إنه صار رسولاً من هذا الوقت أعني قوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ ومنهم من قال: إنه كان رسولاً من الوقت الذي ألقى في غيابة الجب.

المسألة الثانية: قال أبو عبيدة تقول العرب بلغ فلان أشده إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان وهذا اللفظ يستعمل في الواحد والجمع يقال بلغ أشده وبلغوا أشدهم، وقد ذكرنا تفسير الأشد في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ  ﴾ وأما التفسير فروى ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس، ولما بلغ أشده قال ثلاثاً وثلاثين سنة، وأقول هذه الرواية شديدة الانطباق على القوانين الطبية وذلك لأن الأطباء قالوا إن الإنسان يحدث في أول الأمر ويتزايد كل يوم شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال، ثم يأخذ في التراجع والانتقاص إلى أن لا يبقى منه شيء، فكانت حالته شبيهة بحال القمر، فإنه يظهر هلالاً ضعيفاً ثم لا يزال يزداد إلى أن يصير بدراً تاماً، ثم يتراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق.

إذا عرفت هذا فنقول: مدة دور القمر ثمانية وعشرون يوماً وكسر فإذا جعلت هذه الدورة أربعة أقسام، كان كل قسم منها سبعة أيام، فلا جرم رتبوا أحوال الأبدان على الأسابيع فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى أن يتم له سبع سنين، ثم إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوة ثم لا يزال في الترقي إلى أن يتم له أربع عشرة سنة.

فإذا دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثالث.

وهناك يكمل العقل ويبلغ إلى حد التكليف وتتحرك فيه الشهوة، ثم لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى أن يتم السنة الحادية والعشرين، وهناك يتم الأسبوع الثالث ويدخل في السنة الثانية والعشرين، وهذا الأسبوع آخر أسابيع النشوء والنماء، فإذا تمت السنة الثامنة والعشرون فقد تمت مدة النشوء والنماء، وينتقل الإنسان منه إلى زمان الوقوف وهو الزمان الذي يبلغ الإنسان فيه أشده، وبتمام هذا الأسبوع الخامس يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة، ثم إن هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان؛ فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدة والكمال يبتدأ من السنة التاسعة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين، وقد يمتد إلى الخامسة والثلاثين، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب، والله أعلم بحقائق الأشياء.

المسألة الثالثة: في تفسير الحكم والعلم، وفيه أقوال: القول الأول: أن الحكم والحكمة أصلهما حبس النفس عن هواها، ومنعها مما يشينها، فالمراد من الحكم الحكمة العملية، والمراد من العلم الحكمة النظرية.

وإنما قدم الحكمة العملية هنا على العملية، لأن أصحاب الرياضات يشتغلون بالحكمة العملية ثم يترقون منها إلى الحكمة النظرية.

وأما أصحاب الأفكار العقلية والأنظار الروحانية فإنهم يصلون إلى الحكمة النظرية أولاً، ثم ينزلون منها إلى الحكمة العملية، وطريقة يوسف عليه السلام هو الأول، لأنه صبر على البلاء والمحنة ففتح الله عليه أبواب المكاشفات، فلهذا السبب قال: ﴿ اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ .

القول الثاني: الحكم هو النبوة، لأن النبي يكون حاكماً على الخلق، والعلم علم الدين.

والقول الثالث: يحتمل أن يكون المراد من الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على نفسه الأمارة بالسوء مستعلية عليها قاهرة لها ومتى صارت القوة الشهوانية والغضبية مقهورة ضعيفة فاضت الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس وتحقيق القول في هذا الباب أن جوهر النفس الناطقة خلقت قابلة للمعارف الكلية والأنوار العقلية، إلا أنه قد ثبت عندنا بحسب البراهين العقلية وبحسب المكاشفات العلوية أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة بالماهيات فمنها ذكية وبليدة ومنها حرة ونذلة ومنها شريفة وخسيسة، ومنها عظيمة الميل إلى عالم الروحانيات وعظيمة الرغبة في الجسمانيات فهذه الأقسام كثيرة وكل واحد من هذه المقامات قابل للأشد والأضعف والأكمل والأنقص فإذا اتفق أن كان جوهر النفس الناطقة جوهراً مشرقاً شريفاً شديد الاستعداد لقبول الأضواء العقلية واللوائح الإلهية، فهذه النفس في حال الصغر لا يظهر منها هذه الأحوال، لأن النفس الناطقة إنما تقوى على أفعالها بواسطة استعمال الآلات الجسدانية وهذه الآلات في حال الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت، فصارت تلك الآلات البدنية صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية وإذا كانت النفس في أصل جوهرها شريفة فعند كمال الآلات البدنية تكمل معارفها وتقوى أنوارها ويعظم لمعان الأضواء فيها، فقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ إشارة إلى استكمال النفس في قوتها العملية والنظرية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قيل في الأشدّ: ثماني عشرة، وعشرون، وثلاث وثلاثون، وأربعون.

وقيل: أقصاه ثنتان وستون ﴿ حُكْمًا ﴾ حكمة وهو العلم بالعمل واجتناب ما يجهل فيه.

وقيل: حكما بين الناس وفقها ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ تنبيه على أنه كان محسناً في عمله، متقياً في عنفوان أمره، وأنّ الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ مُنْتَهى اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ وهو سِنُّ الوُقُوفِ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ، وقِيلَ سِنُّ الشَّبابِ ومَبْدَؤُهُ بُلُوغُ الحُلُمِ.

﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا ﴾ حِكْمَةً وهو العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ، أوْ حَكَمًا بَيْنَ النّاسِ.

﴿ وَعِلْمًا ﴾ يَعْنِي عِلْمَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما آتاهُ ذَلِكَ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ في عَمَلِهِ وإتْقانِهِ في عُنْفُوانِ أمْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} منتهى استعداد قوته وهو ثمان عشرة سنة أو إحدى وعشرون {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} حكمة وهو العلم مع العمل واجتناب ما يجهل فيه أو تحكما بين الناس وفقهاً {وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين} تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ أيْ بَلَغَ زَمانَ انْتِهاءِ اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ وهو سِنُّ الوُقُوفِ عَنِ النُّمُوِّ المُعْتَدِّ بِهِ أعْنِي ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ، وسُئِلَ القاضِي النَّحْوِيِّ مُهَذَّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ الخَيْمِيُّ عَنْهُ، فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً وتَمامُهُ أرْبَعُونَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ -ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ- عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ، أوْ ثَلاثُونَ أوْ أحَدُ وعِشْرُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرُونَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ ثَمانٍ وثَلاثُونَ.

وقالَ الحَسَنُ: أرْبَعُونَ، والمَشْهُورُ أنَّ الإنْسانَ يَقِفُ جِسْمُهُ عَنِ النُّمُوِّ إذا بَلَغَ ذَلِكَ، وإذا وقَفَ الجِسْمُ وقَفَتِ القُوى والشَّمائِلُ والأخْلاقُ، ولِذا قِيلَ: إذا المَرْءُ وفى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمُرُ وقِيلَ: أقْصى الأشُدِّ اثْنانِ وسِتُّونَ، وإلى كَوْنِ الأشُدِّ مُنْتَهى الشَّبابِ والقُوَّةِ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ في النُّقْصانِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ مِن ثِقاتِ اللُّغَوِيِّينَ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ- وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ جَمْعُ شَدٍّ نَحْوُ صَكٍّ وأصُكٍّ وفَلْسٍ وأفْلُسٍ- وهَذا عَلى ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُؤَنَّثًا لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ عَلى أفْعُلٍ مُؤَنَّثٌ.

وزَعَمَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ البَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ اسْمٌ واحِدٌ لَكِنَّهُ عَلى بِناءٍ نَدَرَ في المُفْرَداتِ وقَلَّما رَأيْنا اسْمًا عَلى أفْعْلٍ إلّا وهو جَمْعٌ ﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا ﴾ أيْ حِكْمَةً وهي في لِسانِ الشَّرْعِ العِلْمُ النّافِعُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ لِأنَّهُ بِدُونِهِ لا يُعْتَدُّ بِهِ، والعَمَلُ بِخِلافِ العِلْمِ سَفَهٌ، أوْ حُكْمًا بَيْنَ النّاسِ ﴿ وعِلْمًا ﴾ يَعْنِي عِلْمَ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيما قَبْلَهُ، أوْ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مِمّا لَهُ شَأْنٌ ولِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ اخْتِصاصٌ تامٌّ كَذا قِيلَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحِكْمَةَ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمَ بِالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ هَواها وصَوْنُها عَمّا لا يَنْبَغِي، والعِلْمُ هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ، وقِيلَ: أرادَ بِالحِكْمَةِ الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ، وبِالعِلْمِ العِلْمَ بِوُجُوهِ المَصالِحِ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا إذا تَحاكَمُوا إلى العَزِيزِ أمَرَهُ بِأنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم لِما رَأى مِن عَقْلِهِ وإصابَتِهِ في الرَّأْيِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحُكْمَ النُّبُوَّةُ، والعِلْمَ الشَّرِيعَةُ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ أيْ حُكْمًا وعِلْمًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُما ولا يُقادَرُ قَدْرُهُما، وتُعُقِّبَ كَوْنُ المُرادِ بِالعِلْمِ العِلْمَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ -بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ كُلَّ مَن يُحْسِنُ في عِلْمِهِ -يَأْباهُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأعْمالِهِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُعاناةُ الأحْزانِ والشَّدائِدِ إلّا أنْ يُخَصَّ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ رُؤْيا المَلِكِ فَإنَّ ذَلِكَ حَيْثُ كانَ عِنْدَ تَناهِي أيّامِ البَلاءِ صَحَّ أنْ يُعَدَّ إيتاؤُهُ مِن جُمْلَةِ الجَزاءِ؛ وأمّا رُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ فَقَدْ لَبِثَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَعْبِيرِها في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وفي تَعْلِيقِ الجَزاءِ المَذْكُورِ بِالمُحْسِنِينَ إشْعارٌ بِعَلِيَّةِ الإحْسانِ لَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما آتاهُ ما آتاهُ لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا في أعْمالِهِ مُتْقِنًا في عُنْفُوانِ أمْرِهِ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ، واسْتُشْكِلَ ما أفادَهُ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ مِنَ العِلْيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ الحِكْمَةِ العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ مَثَلًا بِأنَّ إحْسانَ العَمَلِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ فَلَوْ كانَ العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِهِ مَثَلًا عِلَّةً لِلْإحْسانِ بِذَلِكَ لَزِمَ الدَّوْرُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ إحْسانَ العَمَلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ آخَرَ كالتَّقْلِيدِ والتَّوْفِيقِ الإلَهِيِّ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِهِ عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أوْ سَمْعِيٍّ، أوِ المُرادُ الأعْمالُ غَيْرُ المُتَوَقِّفَةِ عَلى السَّمْعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ السَّبَبَ لِلْعِلْمِ بِما شَرَعَ لَهُ مِنَ الأعْمالِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الظّاهِرُ تَغايُرُ العِلْمَيْنِ كَما في الأثَرِ: ”مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ يَسَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ“.

وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُ ( المُحْسِنِينَ ) بِالصّابِرِينَ عَلى النَّوائِبِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ قال ابن عباس: «كان اسمه قوطيفر، وهو العزيز، قال لامرأته واسمها: زليخا أَكْرِمِي مَثْواهُ يعني: منزله وولايته عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في ضياعنا وغلاتنا على وجه التبرك به أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً يقول: نتبناه فيكون ابناً لنا.

وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: «أفرس الناس ثلاثة: العزيز، حين قال لامرأته أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا وبنت شعيب التي قالت يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: 26] وأبو بكر، حين تفرَّس في عمر  ا وولاه من بعده» (١) قال الله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يعني: في أرض مِصْرَ، وهي أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: كي يلهمه تعبير الرؤيا، وغير ذلك من العلوم، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ إذا أمر بشيء لا يقدر أحد أن يرد أمر الله تعالى، إذا أراد بأحد من خلقه.

ويقال: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ، يعني: والله متمّ ليتم أمر يوسف الذي هو كائن وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: أهل مصر.

ويقال: يعني: أهل مكة لا يعلمون أن الله تعالى غالب على أمره.

قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني يوسف: تمت قوة نفسه وعقله.

ويقال: بلغ مبلغ الرجال.

ويقال: الأشد بلوغ ثلاثين سنة.

وقال الضحاك: يعني: بلغ ثلاثا ثلاثين سنة.

ويقال الأشد: ما بين ثمانية عشرة سنة، إلى ثلاثين سنة ويقال: إلى ست وثلاثين سنة ويقال: من خمسة عشر إلى ثمان وثلاثين سنة.

آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً يقول: أكرمناه بالنبوة، والعلم والفهم والفقه فجعلناه حكيماً وعليماً، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: هكذا نكافئ من أحسن.

ويقال: هكذا نجزي المخلصين في العمل بالفهم والعلم.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 517 إلى سعيد بن منصور وابن سعد وابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

آيات: دلالتُهُ على كذبهم، وشهادَتُهُ في قَدِّه، ورَدُّ بَصَرِ يَعقُوبَ به، ووصف الدَّم بالكَذِبِ الَّذي هو مَصْدَرٌ على/ جهة المبالغةِ، ثم قال لهم يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ، أي:

رَضيَتْ وجَعَلَتْ سؤلاً ومراداً أَمْراً، أي: صنعاً قبيحاً بيوسف «١» .

وقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ: إِما على حذف المبتدأ، أي: فشأني صبرٌ جميلٌ، وإِما على حَذْفِ الخبر، تقديره: فصبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ، وجميل الصّبر: ألّا تقع شكوى إلى البشر، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَثَّ، لَمْ يَصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً» «٢» .

وقوله: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ: تسليم لأمر الله تعالى، وتوكّل عليه.

وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ: قيل: إِن السيارة جاءَتْ في اليومِ الثاني من طرحه، و «السيارةُ» : بتاءُ مبالغةٍ للذين يردِّدون السيْرَ في الطُرق.

قال ص: و «السَّيَّارَة» : جمع سَيَّار، وهو الكثيرُ السَّيْر في الأرض.

انتهى.

و «الوَارد» : هو الذي يأتي الماءَ يستَقي منه لجماعته، وهو يَقَعُ على الواحدِ وعلى الجماعة.

وروي أنَّ مُدْلِيَ الدَّلْو كان يسمَّى مَالِكَ بْنَ دعر، ويروَى أَنَّ هذا الجُبَّ كان بالأُرْدُنِّ على ثلاثةِ فراسِخَ من منزل يَعْقُوبَ، ويقال: أدلَى دلْوَهُ إِذا ألقاه ليستقِيَ الماءَ، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: فتعلَّق يوسُفُ بالحَبْل، فلما بصر به المدلي، قال: يا بُشْرى، وروي أنَّ يوسُفَ كان يومئِذٍ ابنَ سَبْعَ سِنينَ ويرجِّح هذا لفظةُ غُلامٌ فإِنها لِمَا بَيْنَ الحولَيْن إِلى البلوغِ، فإِن قيلتْ فيما فَوْقَ ذلك، فعلى استصحاب حالٍ، وتجوُّزٍ، وقرأَ نافعٌ «١» وغيره: «يا بُشْرَايَ» بإِضافةِ البُشْرَى إِلى المتكلِّم، وبفتح الياء على ندائها كأنه يقولُ:

احضري، فهذا وَقْتُكِ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَا بُشْرى» ، ويميلاَنِ ولا يضيفَانِ، وقرأ عاصمٌ كذلك إِلاَّ أَنه يفتح الراءَ ولا يُمِيلُ، واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي:

كان في أصحاب هذا الوارد رَجُلٌ اسمه «بُشْرَى» فناداه، وأعلمه بالغلامِ «٢» ، وقيل: هو على نداءِ البُشْرَى كما قدَّمنا.

وقوله سبحانه: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً قال مجاهد: وذلك أنَّ الوُرَّاد خَشُوا من تُجَّار الرفْقة، إِنْ قالوا وجدْنَاه أنْ يشاركوهم في الغُلاَمِ الموجُودِ، يعني: أو يمنعوهم من تملُّكه «٣» ، إِن كانوا أخياراً، فأسروا بينهم أنْ يقولُوا: أَبْضَعَهُ مَعَنَا بعْضُ أهْلِ المِصْرِ، و «بِضَاعة» : حالٌ، والبضاعة: القطعةُ من المالِ يُتْجَرُ فيها بغير نصيب من الرّبح مأخوذ من قولهم: «بَضْعَة» أي: قطعة، وقيل: الضمير في «أَسَرُّوه» يعود على إِخوة يوسف.

وقوله سبحانه: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: «شروه» هنا: بمعنى بَاعُوه، قال الداوديُّ: وعن أبي عُبَيْدة: وَشَرَوْهُ أي: باعوه، فإِذا ابتعت أَنْتَ، قُلْتَ: اشتريت

انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: يقال:

اشتريت بمعنى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بمعنى اشتريت لغة انتهى، وعلى هذا، فلا مانِعَ مِنْ حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شَرَوْهُ» بمعنى: «اشتروه» .

قال ع «٢» : روي أن إِخوة يُوسُفَ لمَّا علموا أن الوُرَّاد قد أخذوه جاؤوهم، فقالوا: هذا عَبْدٌ قد أَبَقَ منا، ونحنُ نبيعُهُ منكم، فقارَّهم يوسُفُ على هذه المقالة خوفاً منهم، ولينفذ الله أمره، والبخس: مصدر وُصِفَ به الثمن، وهو بمعنى النَّقْصِ.

وقوله: دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ: عبارةٌ عن قلة الثمن لأنها دراهم، لم تبلغْ أنْ توزَنَ لقلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنُونَ ما كان دون الأوقية، وهي أربعون درهماً.

وقوله سبحانه: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: وصفٌ يترتب في إِخوة يوسف، وفي الوُرَّاد، ولكنَّه في إِخوة يوسف أرتَبُ إِذ حقيقة الزهْدِ في الشيء إِخراجُ حُبِّه من القَلْبِ ورَفْضُهُ من اليدِ، وهذه كانَتْ حالَ إِخوة يوسُفٌ في يوسُفَ، وأمَّا الورَّاد، فإِنَّ تمسُّكَهم به وتَجْرَهُمْ يمانِعُ زُهْدَهم إِلا على تجوُّزٍ، قال ابْن العربيِّ في «أحكامه» «٣» : وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ

: أي: إِخوته والواردة، أَما إِخوته فلأنَّ مقصودهم زوالُ عَيْنِه، وأما الواردة، فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:

روي أنَّ مبتاع يوسُفَ وَرَدَ به مصْرَ البلدِ المعروفِ ولذلك لا ينصرفُ، فَعَرَضَهُ في السُّوقِ، وكان أجْمَلَ الناس، فوقَعَتْ فيه مزايدةٌ/ حتى بلغ ثمناً عظيماً، فقيل: وزنه من ذهبٍ، ومن فضةٍ، ومن حريرٍ، فاشتراه العزيزُ، وهو كان حَاجِبَ المَلِكِ وخازِنَة، واسم المَلِك الرَّيَّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقيل: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ، وهو أحد الفراعِنَةِ، واسمُ العزيزِ المذْكُورِ:

«قطيفين» قاله ابن عباس، وقيل: «أظفير» ، وقيل: «قنطور» ، واسم امرأته: «رَاعيل» ، قاله ابنُ إِسحاق، وقيل: «زليخا» ، قال البخاريّ: ومَثْواهُ: مَقَامُهُ.

وقوله: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي: نتبنَّاه، وكان فيما يُقَالُ: لا ولد له، ثم قال تعالى:

وَكَذلِكَ، أي: وكما وصفْنا مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ فعلنا ذلك، والْأَحادِيثِ: الرؤيا في النوْمِ قاله مجاهد، وقيل: أحاديث الأنبياء والأمم، والضمير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الأشُدِّ في (الأنْعامِ:١٥٢)، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهِ هاهُنا عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: بُلُوغُ الحُلُمِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.

والخامِسُ: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ مِن نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ بُلُوغُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّامِنُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفِقْهُ والعَقْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جُعِلَ حَكِيمًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ولَيْسَ كُلُّ عالَمٍ حَكِيمًا، إنَّما الحَكِيمُ: العالِمُ المُسْتَعْمِلُ عِلْمَهُ، المُمْتَنِعُ بِهِ مِنِ اسْتِعْمالِ ما يُجَهَّلُ فِيهِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الإصابَةُ في القَوْلِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحُكْمُ عِنْدَ العَرَبِ ما يَصْرِفُ عَنِ الجَهْلِ والخَطَإ، ويَمْنَعُ مِنهُما، ويَرُدُّ النَّفْسَ عَمّا يَشِينُها ويَعُودُ عَلَيْها بِالضَّرَرِ، ومِنهُ حِكْمَةُ الدّابَّةِ.

وأصْلُ أحْكَمْتُ في اللُّغَةِ: مَنَعْتُ، وسُمِّي الحاكِمُ حاكِمًا، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الظُّلْمِ والزَّيْغِ.

وَفِي المُرادِ بِالعِلْمِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الفِقْهُ.

والثّانِي: عِلْمُ الرُّؤْيا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما وصَفْنا مِن تَعَلُّمِ يُوسُفَ وحِراسَتِهِ، نُثِيبُ مَن أحْسَنَ عَمَلَهُ، واجْتَنَبَ المَعاصِيَ، فَنُنْجِيهِ مِنَ الهَلَكَةِ، ونَسْتَنْقِذُهُ مِنَ الضَّلالَةِ فَنَجْعَلُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ كَما فَعَلْنا بِيُوسُفَ.

وَفِي المُرادِ بِالمُحْسِنِينَ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّابِرُونَ عَلى النَّوائِبِ.

والثّانِي: المُهْتَدُونَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: المُؤْمِنُونَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: هَذا، وإنْ كانَ مَخْرَجُ ظاهِرِهِ عَلى كُلِّ مُحْسِنٍ، فالمُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، والمَعْنى: كَما فَعَلْتُ بِيُوسُفَ بَعْدَ ما لَقِيَ مِنَ البَلاءِ فَمَكَّنْتُهُ في الأرْضِ وآتَيْتُهُ العِلْمَ، كَذَلِكَ أفْعَلُ بِكَ وأُنْجِيكَ مِن مُشْرِكِي قَوْمِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ مُبْتاعَ يُوسُفَ -وَهُوَ الوارِدُ مِن إخْوَتِهِ أوِ التاجِرُ مِنَ الوُرّادِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ- ورَدَ بِهِ مِصْرَ -البَلَدَ المَعْرُوفَ ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ- فَعَرَضَهُ في السُوقِ، وكانَ أجْمَلَ الناسِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ مُزايَدَةٌ حَتّى بَلَغَ ثَمَنًا عَظِيمًا، فَقِيلَ: وزْنُهُ مِن ذَهَبٍ، ومِن فِضَّةِ، ومِن حَرِيرٍ.

فاشْتَراهُ العَزِيزُ وكانَ حاجِبُ المَلِكِ وخازِنُهُ، واسْمُ المَلِكِ الرَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وهو أحَدُ الفَراعِنَةِ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ مُوسى عُمِّرَ إلى زَمانِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وذَلِكَ أنَّ ظُهُورَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ في مُدَّةِ كافِرٍ يَخْدُمُهُ يُوسُفُ.

واسْمُ العَزِيزِ المَذْكُورِ: قَطْفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: أطْفِيرُ، وقِيلَ: قَنْطُورُ، واسْمُ امْرَأتِهِ: راعِيلُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقِيلَ: رَبِيحَةُ، وقِيلَ: زُلَيْخا، وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الصَنَمِ في بَيْتِهِ -حَسْبَما نَذْكُرُهُ في البُرْهانِ الَّذِي رَأى يُوسُفُ - وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ العَزِيزُ مُسْلِمًا.

والمَثْوى: مَكانُ الإقامَةِ، و الإكْرامُ إنَّما هو لِذِي المَثْوى، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ ، أيْ: بِأنْ يُعِينَنا في أبْوابِ دُنْيانا وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ النَفْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ أيْ نَتَبَنّاهُ، وكانَ -فِيما يُقالُ- لا ولَدَ لَهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "وَكَذَلِكَ"، أيْ: كَما وصَفْنا ﴿ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ، و"الأحادِيثُ": الرُؤْيا في النَوْمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أحادِيثُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ.

والضَمِيرُ في "أمْرِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى يُوسُفَ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ إخْبارًا مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ في شَأْنِ يُوسُفَ خاصَّةً بَلْ عامًّا في كُلِّ أمْرٍ، وكَذَلِكَ الِاحْتِمالُ في قَوْلِ الشاعِرِ: رَأيْتُ أبا بَكْرٍ - ورَبُّكَ غالِبٌ ∗∗∗ عَلى أمْرِهِ- يَبْغِي الخِلافَةَ بِالتَمْرِ وأكْثَرُ الناسِ الَّذِينَ نُفِيَ عنهُمُ العِلْمُ هُمُ الكَفَرَةُ، وفِيهِمُ الَّذِينَ زَهِدُوا في يُوسُفَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ جَهِلَ أمْرَهُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: أصَحُّ الناسِ فِراسَةً ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ قالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ: ﴿ اسْتَأْجِرْهُ، إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ  ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ-.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِراسَةُ العَزِيزِ إنَّما كانَتْ في نَفْسِ نَجابَةِ يُوسُفَ، لا أنَّهُ تَفَرَّسَ الَّذِي كانَ كَما في المِثالَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَإنَّ ما تَفَرَّسَ خَرَجَ بِعَيْنِهِ.

و الأشُدُّ: اسْتِكْمالُ القُوَّةِ وتَناهِي البَأْسِ، وهُما أشُدّانِ: أوَّلُهُما البُلُوغُ، وقَدْ عَبَّرَ عنهُ مالِكٌ ورَبِيعَةُ بِأشُدٍّ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والثانِي الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: هو مِن ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ إلى سِتِّينَ سَنَةٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقِيلَ: الأشَدُّ: بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: بَلْ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ،وَهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ فِيما نَحْسَبُهُ، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشُدُّ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الأشُدُّ: جَمَعَ شِدَّةٍ نَحْوُ نِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: أشُدُّ جَمْعُ شَدٍّ نَحْوُ قَدٍّ وأقُدٍّ، وشَدُّ النَهارِ: مُعْظَمُهُ وحَيْثُ تُسْتَكْمَلُ نَهارِيَّتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حُكْمًا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحِكْمَةَ والنُبُوءَةَ، وهَذا عَلى الأشُدِّ الأعْلى، ويُحْتَمَلُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ دُونَ النُبُوَّةِ، وهَذا أشْبَهُ إنْ كانَتْ قِصَّةُ المُراوَدَةِ بَعْدَ هَذا.

"وَعِلْمًا" يُرِيدُ تَأْوِيلَ الأحادِيثِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "حُكْمًا" أيْ سَلَّطانا في الدُنْيا وحُكْمًا بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ، وتَدْخُلُ النُبُوَّةُ وتَأْوِيلُ الأحادِيثِ وغَيْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "وَعِلْمًا".

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ألْفاظٌ فِيها وعْدٌ لِلنَّبِيِّ  ، فَلا يَهُولَنَّكَ فِعْلُ الكَفَرَةِ بِكَ وعُتُوُّهم عَلَيْكَ، فاللهُ تَعالى يَصْنَعُ لِلْمُحْسِنِينَ أجْمَلَ صُنْعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا إخبار عن اصطفاء يوسف عليه السّلام للنبوءة.

ذكر هنا في ذكر مبدأ حلوله بمصر لمناسبة ذكر منّة الله عليه بتمكينه في الأرض وتعليمه تأويل الأحاديث.

والأشدُّ: القوة.

وفسر ببلوغه ما بين خمس وثلاثين سنة إلى أربعين.

والحكم والحكمة مترادفان، وهو: علم حقائق الأشياء والعمل بالصالح واجتناب ضده.

وأريد به هنا النبوءة كما في قوله تعالى في ذكر داود وسليمان عليهما السّلام ﴿ وكلاً آتينا حكماً وعلماً ﴾ [سورة الأنبياء: 79].

والمراد بالعلم علم زائد على النبوءة.

وتنكير علماً } للنوعية، أو للتعظيم.

والمراد: علم تعبير الرؤيا، كما سيأتي في قوله تعالى عنه: ﴿ ذلكما ممّا علّمني ربي ﴾ [سورة يوسف: 37].

وقال فخر الدين: الحكم: الحكمةُ العملية لأنها حكمٌ على هدى النفس.

والعلمُ: الحكمةُ النظرية.

والقول في وكذلك نجزي المحسنين } كالقول في نظيره، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).

وفي ذكر المحسنين} إيماء إلى أنّ إحسانه هو سبب جزائه بتلك النعمة.

وفي هذا الذي دبّره الله تعالى تصريح بآية من الآيات التي كانت في يوسف عليه السّلام وإخوته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ ﴾ وهو العَزِيزُ مَلِكُها واسْمُهُ إظْفِيرُ بْنُ رُوَيْجِبٍ.

﴿ لامْرَأتِهِ ﴾ واسْمُها راعِيلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْمُهُ قِطْفِيرُ وكانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الوَلِيدَ بْنَ الرَّيّانِ مِنَ العَمالِيقِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ البائِعُ لَهُ لِلْمَلِكِ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ بِعِشْرِينَ دِينارًا وزادَهُ حُلَّةً ونَعْلَيْنِ.

﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أجْمِلِي مَنزِلَتَهُ.

الثّانِي: أجِلِّي مَنزِلَتَهُ، قالَ كُثَيِّرٌ: أُرِيدُ ثَواءً عِنْدَها وأظُنُّها إذا ما أطَلْنا عِنْدَها المُكْثَ مَلَّتِ وَإكْرامُ مَثْواهُ بِطَيِّبِ طَعامِهِ ولَيِّنِ لِباسِهِ وتَوْطِئَةِ مَبِيتِهِ.

﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ قِيلَ: في ثَمَنِهِ إنْ بِعْناهُ.

وَيُحْتَمَلُ: يَنْفَعَنا في الخِدْمَةِ والنِّيابَةِ.

﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ إنْ أعْتَقْناهُ وتَبَنَّيْناهُ.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أحْسَنُ النّاسِ في فِراسَةٍ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ في يُوسُفَ حِينَ قالَ لِامْرَأتِهِ ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ وابْنَةُ شُعَيْبٍ في مُوسى حِينَ قالَتْ لِأبِيها ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ  ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.

﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِإخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ.

الثّانِي: بِاسْتِخْلافِ المَلِكِ لَهُ.

﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في تَأْوِيلِهِ وجْهَيْنِ.

﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غالِبٌ عَلى أمْرِ يُوسُفَ حَتّى يَبْلُغَ فِيهِ ما أرادَهُ لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: غالِبٌ عَلى أمْرِ نَفْسِهِ فِيما يُرِيدُهُ، أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ يَعْنِي مُنْتَهى شِدَّتِهِ وقُوَّةِ شَبابِهِ.

وَأمّا الأشُدُّ فَفِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِبُلُوغِ الحُلُمِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ ورَبِيعَةُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

السّادِسُ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً.

قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

هَذا أوَّلُ الأشُدِّ، وفي آخِرِ الأشُدِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ سِتُّونَ سَنَةً، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وقالَ سُحَيْمُ بْنُ وُثَيْلٍ الرِّياحِيُّ أخُو خَمْسِينَ مُجْتَمَعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجُذُّنِي مُداوَرَةَ الشُّؤُونِ وَفِي المُرادِ بِبُلُوغِ الأشُدِّ في يُوسُفَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: ثَلاثُونَ سَنَةً، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ في هَذا الحُكْمِ الَّذِي آتاهُ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: العَقْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الحُكْمُ عَلى النّاسِ.

الثّالِثُ: الحِكْمَةُ في أفْعالِهِ.

الرّابِعُ: القُرْآنُ، قالَهُ سُفْيانُ.

الخامِسُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفي هَذا العِلْمِ الَّذِي آتاهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: الفِقْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ العِلْمُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُطِيعِينَ.

الثّانِي: المُهْتَدِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والفَرْقُ بَيْنَ الحَكِيمِ والعالِمِ أنَّ الحَكِيمَ هو العامِلُ بِعِلْمِهِ، والعالِمَ هو المُقْتَصِرُ عَلى العِلْمِ دُونَ العَمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ قال: ثلاثاً وثلاثين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بلغ أشده ﴾ قال: خمساً وعشرين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ بلغ أشده ﴾ قال: ثلاثين سنة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ قال: عشرين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ بلغ أشده ﴾ قال عشر سنين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ربيعة في قوله: ﴿ بلغ أشده ﴾ قال: الحلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال: لأشد الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ قال: هو الفقه والعلم والعقل قبل النبوة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ يقول المهتدين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ قال أبو عبيدة (١) (٢) (٣) (٤) (٥) إني كأني لَدَى النُّعْمَان حَدّثَه ...

بَعْضُ الأوُدِّ حَدِيثاً غَيْرَ مَكْذُوبِ وقد ذكرنا الكلام في الأشد مستقصى في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ (٦) وأما التفسير: فروى ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس (٧) ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ قال: ثلاثًا وثلاثين سنة.

وروى عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس (٨) (٩) (١٠) وقال الضحاك (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ وقال في قصة موسى ﴿ وَاسْتَوَى  ﴾ قالوا في معناه: بلغ الأربعين، ولم يقل هاهنا استوى؛ لأن موسى بلغ أربعين سنة حين أوحى إليه وهو منتهى الأشد، فأما يوسف فقد أوحى إليه قبل الأربعين، وأما تفسير قوله: ﴿ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ فقال عطاء عن ابن عباس (١٥) وقال الكلبي (١٦) قال ابن الأنباري (١٧) (١٨) وقال أبو إسحاق (١٩) ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ : أي جعلناه حكيمًا عالمًا، وليس كل عالم حكيمًا، الحكيم: العالم المستعمل علمه، الممتنع من استعمال ما يجهل فيه.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أي مثل ما وصفنا من تعليم يوسف ﴿ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال ابن عباس (٢٠) (٢١) (١) "مجاز القرآن" 1/ 305.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٣) في (ب): (شأنه) قلت لعلها شبابه، وهو كذلك في "مجاز القرآن" 1/ 305.

(٤) "تهذيب اللغة" (شُد) 2/ 1843 عن الفراء.

(٥) "ديوانه" ص 35، و"اللسان" (ودد) 8/ 4794، و"تهذيب اللغة" 4/ 3858، و"جمهرة اللغة" (115)، و"تاج العروس" (ودد) 5/ 306، وروى بلفظ (خبره).

(٦) الأنعام (152) وقد نقل هناك عن جماعة من أهل اللغة في بيان معنى الأشد، خلاصة ما ذكروه أنه بمعنى القوة والجلادة، ومبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.

(٧) الطبري 12/ 177 قال: بضعًا وثلاثين.

وقد أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم 7/ 2118 أ، وابن الأنباري في كتاب: "الأضداد" والطبراني في "الأوسط" وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 20، والرازي 18/ 110، و"زاد المسير" 4/ 200.

(٨) هذه الرواية ذكرها الطبري بلفظ بضعًا وثلاثين سنة 12/ 177.

(٩) الطبري 12/ 177، "زاد المسير" 4/ 200، الثعلبي 7/ 70 ب، البغوي 4/ 226 ابن أبي حاتم 7/ 2118.

(١٠) "زاد المسير" 4/ 200 ونسبه إلى الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم وابنه، وكذا ابن أبي حاتم 7/ 2119 عنهم.

(١١) الطبري 12/ 177، الثعلبي 7/ 70 ب، "زاد المسير" 4/ 200، البغوي 4/ 226.

(١٢) "تفسير مقاتل" 152ب، وأخرجه ابن أبي حاتم 7/ 2119 عن سعيد بن جبير.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.

(١٤) كذا في النسخ والصواب: سبع عشرة.

(١٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم 7/ 2119 عن مجاهد بنحوه انظر: "الدر" 4/ 20، الثعلبي 7/ 70 ب.

(١٦) القرطبي 9/ 162، و"زاد المسير" 4/ 200.

(١٧) الرازي 18/ 111.

(١٨) في (ج): (لا تشتهي).

(١٩) "معاني القرن وإعرابه" 3/ 99.

(٢٠) أخرج الطبري عن ابن عباس قوله ﴿ الْمُهْتَدِينَ ﴾ في: "الدر" 4/ 20، و"زاد المسير" 4/ 201.

(٢١) الثعلبي 7/ 70 ب، القرطبي 9/ 162.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الذي اشتراه ﴾ يعني العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، وقال السهلي: اسمه قطفير ﴿ مِن مِّصْرَ ﴾ هو البلد المعروف، ولذلك لم ينصرف، وكان يوسف قد سيق إلى مصر فنودي عليه في السوق حتى بلغ ثمنه وزنه ذهباً، وقيل: فضة فاشتراه العزيز ﴿ تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ قد تقدم ﴿ والله غالب على أَمْرِهِ ﴾ في عود الضمير وجهان: أحدهما أن يعود على الله فالمعنى أنه يفعل ما يشار لا رادّ لأمره، والثاني: أنه يعود على يوسف أي يدبر الله أمره بالحفظ له والكرامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.

والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.

وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.

الآخرون بالضم للإتباع.

﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.

الباقون.

بالكسر.

الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.

قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .

﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.

روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات  ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

والمعنى ولقد جاء آباءكم.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.

وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.

وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟

واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .

ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.

وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.

والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.

﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

ثم إنه  بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.

وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.

والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.

فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.

قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.

والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.

عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.

والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.

يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.

قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.

وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.

وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.

وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.

وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.

وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف  بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله  يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.

وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله  لأنه مسبب الأسباب.

الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.

وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.

قوله  ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر  بإسناده عن علي بن أبي طالب  : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.

وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.

وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.

وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟

فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.

أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟

فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.

وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟

وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.

وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً  ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله  لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.

وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.

قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.

قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.

وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.

ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن  ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله  بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.

ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم  .

فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف  وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.

وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.

وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.

روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.

وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.

روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.

ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟

فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.

وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.

ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.

وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.

وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين  ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.

قال  ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي  أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .

وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.

وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.

واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.

وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.

والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.

قال في الكشاف: التنكير في "قبل".

و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.

أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه  يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله  إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال  : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله  لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.

يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.

وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.

﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.

قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.

وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.

وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.

والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.

﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.

وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.

وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف  فلهذا سمي مكراً.

وقيل: كن أربعين.

﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف  من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.

وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.

وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.

وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.

وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا  كان أملح.

قيل: كان يشبه آدم  يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.

وعن النبي  : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟

فقال: يوسف.

فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.

يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.

وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.

الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.

وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.

وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.

وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.

﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.

واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.

وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟

وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.

وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.

ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.

﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.

والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف  إلى الله  قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.

﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال  ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله  : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.

وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.

عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.

وعن الحسن: خمس سنين.

وعن غيره سبع سنين.

وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.

التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.

﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.

﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.

﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.

﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.

﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.

﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ الأشد: هو اشتداد كل شيء ونهاية كل نوع في الكمال يحتمل أشده: انتهاء بلوغه أو انتهاء شبابه، أو انتهاء عقله في التمام؛ لا يخلو من هذه الوجوه الثلاثة.

وقوله أهل التأويل: من ثماني عشرة سنة إلى أربعين؛ لأنه به يتم ويكمل كل نوع من ذلك إلى ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ .

يحتمل قوله: حكماً: الحكم بين الناس، والعلم: في الحكم.

ويحتمل قوله: ﴿ حُكْماً ﴾ أي: أعطيناه النبوة، ﴿ وَعِلْماً ﴾ : علم الأحاديث وتأويلها؛ على ما تقدم ذكره.

أو أن يكون إذا أعطاه الحكم أعطاه العلم، وإذا أعطاه العلم أعطاه الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

يحتمل: الإحسان في الأعمال؛ أي: عمل أعمالا حسنة صالحة.

ويحتمل: الإحسان إلى الناس؛ أي: أحسن إليهم، أو أحسن إلى نفسه؛ لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: كذلك نجزي من أحسن صحبة نعم الله وإحسانه، وقام بشكر ذلك كذلك؛ أي: مثل الذي جزى يوسف لا يريد أنه يجزي غيره عين ما جزى يوسف، ولكن يجزيه جزاء الإحسان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فِي بَيْتِهَا ﴾ أن البيت قد يجوز أن يضاف إلى المرأة، وإن كان البيت في الحقيقة لزوجها؛ على ما أضاف بيت زوجها إليها.

وقوله: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ المراودة: قيل: هي الدعوة والطلبة، راودته، أي: دعته إلى نفسها.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ﴾ أي: أرادته.

﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ .

قيل: إن هذه كلمة أخذت من الكتب المتقدمة، ليست بعربية، ونحن لا نعرف ما أرادت بها، لكن أهل التأويل قال بعضهم: هلم لك.

وقال بعضهم: تهيأت لك.

وفي بعض القراءات: (هئت لك) بالهمز، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: تهيأت لك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ : هأنا لك.

﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أعوذ بالله وألجأ إليه.

﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ رَبِّيۤ ﴾ أي: سيدي الذي اشتراه ﴿ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ أي: أكرم مقامي ومكاني؛ دليله: قوله لزوجته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، هذا يدل أن قوله: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ أي: أحسني مثواه، ولكن يشبه أن يكون أراد بقوله: ﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ربّه الذي خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ بظلمهم وقت ظلمهم، والمثوى: الموضع الذي يثوى فيه، والثواء: المقام، والثاوي: المقيم، و ﴿ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ قيل: أعوذ بالله، وألجأ إليه، وأتحصن به.

أو: لا يفلح الظالمون: إذا ختموا بالظلم، وأما إذا انقعلوا عنه فقد أفلحوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ .

أما ما قاله أهل التأويل إنها استقلت له ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ أي: حل سراويله، وأمثال هذا من الخرافات؛ فهذا كله مما لا يحل أن يقال فيه شيء من ذلك، والدلالة على فساد ذلك من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ، ولو كان منه الإرادة والمراودة، لم يكن ليقول ذلك لها ويبرئ نفسه من ذلك.

والثاني: قوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ﴾ ، ولو كان شيء مما ذكروا من حل السراويل والجلوس بين رجليها، لم يكن السوء مصروفاً عنه.

والثالث: قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، ولو كان منه ما ذكروا لقد خانه بالغيب.

والرابع: قولها: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ  ﴾ ، وقولها: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ .

هذا كله يدل أن ما قاله أهل التأويل فاسد، لا يحل أن يتكلم فيه بشيء من ذلك، وليس في ظاهر الآية شيء مما قالوا لا قليل ولا كثير؛ إذ ليس فيه سوى أن همت به وهم بها.

ثم تحتمل الآية وجوهاً عندنا: أحدها: همت به: هم عزم، وهم بها هم خطر، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب، ولا مؤاخذة عليه، وهو قول الحسن.

والثاني: همت به همّ الإرادة والتمكن، وهم بها هم دفع، لكنه يدخل عليه قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ، لو كان همه بها هم دفع لم يكن لقوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ معنى، لكنه يشبه أن يكون هم بها، أي: هم بقتلها، فإذا كان هم بقتلها فرأى برهان ربه فتركها لما لا يحل قتلها.

والثالث: كان يهم بها لولا أن رأى برهان ربه على الشرط؛ كان يهم بها لولا ما رأى من برهان ربه، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ  ﴾ لولا ما كان من تثبيتنا إياك، وكذلك يخرج قول إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ ، أي: لو كان هو الذي ينطق لفعل هو.

ثم اختلف في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: رأى يعقوب عاضّاً على شفتيه.

وقال بعضهم: مثل له يعقوب وصور له، فرآه عاضّاً على أصبعه.

وقال بعضهم: رأى برهان ربه.

[و] قال بعضهم: رأى آية من كتاب الله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [الإسراء: 32].

هذا كله لا يدري.

وأصل البرهان: الحجة؛ أي: لولا ما رأى من حجة الله، وإلا كان يهمّ بها، ولكن لا ندري ما تلك الحجّة، والله أعلم بذلك.

والبرهان: هو الحجة والآية؛ لولا أن رأى حجة ربه، وبرهان ربه وآياته، أو الرسالة، ويشبه الحجّة أي: النبوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ ﴾ .

قال بعضهم: استبقا الباب: استبقت هي لتغلق الأبواب، واستبق هو ليخرج ويفر.

لكن قوله: لتغلق الباب، لا يحتمل؛ لأن الأبواب كانت مغلقة بقوله: ﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ ﴾ ، ولكن استبقت هي لتحبسه وتمنعه، واستبق هو ليخرج ويهرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ .

لما جرته لتحبسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .

أي: وجدا سيدها؛ هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ لم يرد به العزيز الذي اشتراه، ولكن العزيز الذي خلقه؛ لأنه قال: ﴿ سَيِّدَهَا ﴾ ، ولم يقل: سيدهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

هذا يدل أن الإرادة تكون مع الفعل؛ لأنها كانت لا تعلم إرادة ضميره، فإذا أخبرت عما عرفت من الميل وإظهار الفعل، وكذلك قول إخوة يوسف: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ ، وكانوا هم لا يعرفون ما في ضميره من الحبّ سوى ما ظهر لهم منه من الميل إليه وإبداء الشفقة له، فهذا يدل على ما ذكرنا من كون الإرادة مع الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .

أي: دعتني، والمراودة قد ذكرنا أنها هي الدعوة؛ كقوله: ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ أي: سندعوه منه ونطلبه.

فإن قيل: كيف هتك سترها بقوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ؟

قيل: ليس فيه هتك الستر عليها؛ بل فيه نفي العيب والطعن عن نفسه، فالواجب على المرء أن ينفي العيب وما يشينه عن نفسه على ما فعل يوسف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ﴾ من كذا فهو كذا، وإن كان كذا فهو كذا من كذا.

قال بعض أهل التأويل: ذلك الشاهد هو ابن عم لها رجل حليم يقال كذا.

وقال بعضهم: شق القميص من دبر هو الشاهد، وأمثاله؛ لكن هذا لا يعلم من كان ذلك الشاهد.

وقيل: صبي في المهد.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ﴾ .

هذا لأن القميص إذا كان قد من قبل فهو إنما ينقد من دفعها إياه عن نفسها، وإذا كان القميص مقدوداً من دبر فهو إنما ينقد من جرها إياه إلى نفسها، لا من دفعها إياه عن نفسها؛ هذا هو الظاهر في العرف؛ لذلك قال الشاهد: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ﴾ كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ...

﴾ الآية؛ استدل على أنه إنما تمزق من جرها إياه لا من دفعها عن نفسها، ففيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن القميص في الغالب لا يتمزق من دبر إلا عن جر من وراء، ولا من قبل إلا عن دفع من قدام، لذلك دل على ما ذكرنا، والله أعلم.

وإن كان يجوز أن يكون في الحقيقة على غير ذلك، لكن نظر إلى الغالب.

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ ﴾ ، أي: شقت ومزقت، ومقدود: أي: مشقوق، من دبر: أي: من خلف، ومن قبل: أي: من قدام، وهو مأخوذ من القبل، من قبل المرأة.

وقوله: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ ولم يقل: سيدهما؛ فهذا يدل على ما ذكرناه.

﴿ لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .

أي: عند الباب، وهو ظاهر؛ أي: وجدا سيدها عند الباب.

وفي قوله: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ فهو كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ فهو من كذا - دلائل يستدل بها لمسائل لأصحابنا؛ من ذلك قولهم في حانوت فيه لؤلؤ وإهاب تنازع فيه دباغ ولؤلئي، فإنه يقضي باليد لكل واحد منهما في ذلك للؤلئي باللؤلؤ وللدباغ بالإهاب باليد؛ يستدل بغالب الأمر وظاهر اليد؛ على ما قضى عليها بالمراودة بتمزق القميص من دبر، وأمثال هذا مسائل يكثر عددها يقضى [فيها] بالدلالة الغالبة، وإن كان يجوز في الحقيقة على خلاف الظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ .

يشبه أن يكون كيدها أنها لما راودته عن نفسه وأمنته على إظهار ذلك وإفشائه عليه، فأفشت عليه ذلك؛ حيث أبي إجابتها، فقالت: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ ذلك القول منها من كيدهن، وأصل الكيد والمكر هو الأخذ على الأمن، والله أعلم.

وفي الآية دلائل لقول أصحابنا في المتاع يختلف فيه الزوجان: فإن كان من متاع الرجال فهو في يد الرجل، وإن كان من متاع النساء فهو في يد المرأة في قول أبي يوسف ومحمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: عن قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ : عن جميع ما كان بينهما؛ أي: استر عليها، ولا تهتك عليها سترها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .

قال ليوسف ذلك القائل: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، وقال للمرأة: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ ﴾ ، لما ظهر عنده أنها هي التي راودته ودعته إلى نفسها.

ثم اختلف في قائل هذا القول؛ قال بعضهم: هو زوجها؛ قال ليوسف: أعرض عن هذا، ولا تهتك عليها سترها، لكنهم قالوا: إنه كان قليل الغيرة.

وقال بعضهم: ذلك القائل هو رجل آخر هو ابن عم لها؛ وهذا أشبه.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .

قال بعضهم: قال هذا لها؛ لأنهم وإن كانوا يعبدون الأصنام فإنما يعبدونها ليقربوهم إلى الله زلفى؛ حيث قال لها: واستغفري لذنبك.

وقال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ أي: إلى زوجك حيث خنتيه، فإن كان التأويل هذا فذلك يدل أن القائل لذلك رجل آخر، لا زوجها.

فإن كان التأويل هو الأوّل فإنه يحتمل كليهما أنهما كان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما بلغ يوسف سن اشتداد البدن أعطيناه فهمًا وعلمًا، ومثل هذا الجزاء الَّذي جزيناه به نجزي المحسنين في عبادتهم لله.

من فوائد الآيات بيان خطورة الحسد الَّذي جرّ إخوة يوسف إلى الكيد به والمؤامرة على قتله.

مشروعية العمل بالقرينة في الأحكام.

من تدبير الله ليوسف  ولطفه به أن قذف في قلب عزيز مصر معاني الأبوة بعد أن حجب الشيطان عن إخوته معاني الأخوة.

<div class="verse-tafsir" id="91.BJ5VD"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الحمد لله