الآية ٢٣ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢٣ من سورة يوسف

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 148 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر ، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه [ ( وراودته التي هو في بيتها ] عن نفسه ) أي : حاولته على نفسه ، ودعته إليها ، وذلك أنها أحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه ، فحملها ذلك على أن تجملت له ، وغلقت عليه الأبواب ، ودعته إلى نفسها ، ( وقالت هيت لك ) فامتنع من ذلك أشد الامتناع ، ( وقال معاذ الله إنه ربي [ أحسن مثواي ] ) وكانوا يطلقون " الرب " على السيد والكبير ، أي : إن بعلك ربي أحسن مثواي أي : منزلي وأحسن إلي ، فلا أقابله بالفاحشة في أهله ، ( إنه لا يفلح الظالمون ) قال ذلك مجاهد ، والسدي ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم .

وقد اختلف القراء في قراءة : ( هيت لك ) فقرأه كثيرون بفتح الهاء ، وإسكان الياء ، وفتح التاء .

وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : معناه : أنها تدعوه إلى نفسها .

وقال علي بن أبي طلحة ، والعوفي ، عن ابن عباس : ( هيت لك ) تقول : هلم لك .

وكذا قال زر بن حبيش ، وعكرمة ، والحسن وقتادة .

قال عمرو بن عبيد ، عن الحسن : وهي كلمة بالسريانية ، أي : عليك .

وقال السدي : ( هيت لك ) أي : هلم لك ، وهي بالقبطية .

قال مجاهد : هي لغة عربية تدعوه بها .

وقال البخاري : وقال عكرمة : ( هيت لك ) هلم لك بالحورانية .

وهكذا ذكره معلقا ، وقد أسنده الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن سهيل الواسطي ، حدثنا قرة بن عيسى ، حدثنا النضر بن عربي الجزري ، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله : ( هيت لك ) قال : هلم لك .

قال : هي بالحورانية .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : وكان الكسائي يحكي هذه القراءة - يعني : ( هيت لك ) - ويقول : هي لغة ، لأهل حوران ، وقعت إلى أهل الحجاز ، معناها : تعال .

وقال أبو عبيد : سألت شيخا عالما من أهل حوران ، فذكر أنها لغتهم يعرفها .

واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبى طالب ، رضي الله عنه : أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتينا إن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا يقول : فتعال واقترب وقرأ ذلك آخرون : " هئت لك " بكسر الهاء والهمزة ، وضم التاء ، بمعنى : تهيأت لك ، من قول القائل : هئت للأمر أهى هيئة وممن روي عنه هذه القراءة ابن عباس ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وأبو وائل ، وعكرمة ، وقتادة ، وكلهم يفسرها بمعنى : تهيأت لك .

قال ابن جرير : وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة .

وقرأ عبد الله بن إسحاق هيت " ، " بفتح الهاء وكسر التاء : وهي غريبة .

وقرأ آخرون ، منهم عامة أهل المدينة " هيت " بفتح الهاء ، وضم التاء ، وأنشد قول الشاعر : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة : هيت قال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي وائل قال : قال ابن مسعود : قد سمعت القرأة فسمعتهم متقاربين ، فاقرءوا كما علمتم ، وإياكم والتنطع والاختلاف ، فإنما هو كقول أحدكم : " هلم " و " تعال " ثم قرأ عبد الله : ( هيت لك ) فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن ناسا يقرءونها : " هيت [ لك ] " ؟

فقال عبد الله : إني أقرؤها كما علمت ، أحب إلي وقال ابن جرير : حدثني ابن وكيع ، حدثنا ابن عيينة ، عن منصور ، عن أبي وائل قال : قال عبد الله : ( هيت لك ) فقال له مسروق : إن ناسا يقرءونها : " هيت لك " ؟

فقال : دعوني ، فإني أقرأ كما أقرئت ، أحب إلي وقال أيضا : حدثني المثنى ، حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شعبة ، عن شقيق ، عن ابن مسعود قال : ( هيت لك ) بنصب الهاء والتاء وبلا همز .

وقال آخرون : " هيت لك " ، بكسر الهاء ، وإسكان الياء ، وضم التاء .

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : " هيت " لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث ، بل يخاطب الجميع بلفظ واحد ، فيقال : هيت لك ، وهيت لك ، وهيت لكما ، وهيت لكم ، وهيت لهن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وراودت امرأة العزيز، وهي التي كان يوسفُ في بيتها [ يوسفَ ] عن نفسه، (1) أن يواقعها، كما: - 18964 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ولما بلغ أشدَّه، راودته التي هو في بيتها عن نفسه، امرأة العزيز.

18965 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه) قال: أحبته.

18966 - ....

قال: وحدثني أبي , عن إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال: قالت: تعالَهْ.

* * * وقوله: (وغلقت الأبواب)، يقول: وغلقت المرأة أبواب البيوت عليها وعلى يوسف، لما أرادت منه وراودته عليه , بابًا بعد باب.

* * * وقوله: (وقالت هيت لك)، اختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأته عامة قرأة الكوفة والبصرة: (هَيْتَ لَكْ) بفتح , الهاء والتاء , بمعنى: هلمَّ لك، وادن وتقرَّب , كما قال الشاعر لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه: (2) أَبْلِــــغْ أَمِــــيرَ الْمُـــؤْمِنِينَ أَخَــــا العِـــرَاقِ إذَا أَتَيْنَـــا أَنَّ العِــــــرَاقَ وَأَهْلَــــــهُ عُنُـــقٌ إِلَيْـــكَ فَهَيْــتَ هَيْتَــا (3) يعني: تعال واقرب.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك تأوّله من قرأه كذلك: 18967 - حدثني محمد بن عبد الله المخرمي , قال: حدثنا أبو الجواب , قال: حدثنا عمار بن رزيق , عن الأعمش , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: (هيت لك) قال: هلمَّ لك.

(4) 18968- حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: (هيت لك) قال: هلم لك.

18969 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال:حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال: (هيت لك) تقول: هلمّ لك.

18970 - حدثني المثنى , قال: حدثنا حجاج , قال: حدثنا حماد , عن عاصم بن بهدلة , عن زرّ بن حبيش , أنه كان يقرأ هذا الحرف: (هيتَ لك) نصبًا، أي: هلم لك.

18971 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , قال: قال ابن جريج , قال ابن عباس , قوله: (هيت لك) قال: تقول: هلم لك.

18972 - حدثني أحمد بن سهيل الواسطي , قال: حدثنا قرة بن عيسى , قال: حدثنا النضر بن عربيّ الجزري , عن عكرمة , مولى ابن عباس , في قوله: (هيت لك) قال: هلم لك ، قال: هي بالحَوْرانية.

(5) 18973 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (وقالت هيت لك) قال الحسن: يقول: هلم لك.

18974 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , عن الحسن: (هيت لك) يقول بعضهم: هلم لك.

18975 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وقالت هيت لك) قال: هلم لك ، وهي بالقبطية.

18976 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء , عن عمرو , عن الحسن: (هيت لك) قال: كلمة بالسريانية، أي: عليك.

18977 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن: (هيت لك) قال: هلمَّ لك.

18978 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا خلف بن هشام , قال: حدثنا محبوب , عن قتادة , عن الحسن: (هيت لك) قال: هلم لك.

18979 - ...

قال: حدثنا عفان , قال: حدثنا حماد , عن عاصم , عن زرّ: (هيت لك) ، أي: هلم.

18980 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا الثوري , قال: بلغني في قوله: (هيت لك) قال: هلم لك.

18981 - حدثنا أحمد بن يوسف , قال: حدثنا أبو عبيد , قال: حدثنا علي بن عاصم , عن خالد الحذاء , عن عكرمة , عن ابن عباس أنه قرأ: (هيت لك) وقال: تدعوه إلى نفسها .

18982 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله تعالى: (هيت لك) قال: لغة عربية، تدعُوه بها .

18983 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله ، إلا أنه قال: لغة بالعربية، تدعوه بها إلى نفسها .

18984 - حدثنا الحسن , قال: حدثنا شبابة , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثل حديث محمد بن عمرو سواء .

18985 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله .

18986 - حدثنا أحمد بن يوسف , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن: (هيت لك) بفتح الهاء والتاء , وقال: تقول: هلم لك.

18987 - حدثني الحارث قال: قال أبو عبيد: كان الكسائي يحكيها ، يعني: (هيت لك) قال: وقال: وهي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز , معناها: " تعال " .

قال: وقال أبو عبيدة: سألت شيخًا عالمًا من أهل حوران , فذكر أنها لغتُهم، يعرفها.

18988 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (هيت لك) قال: تعال.

18989 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وقالت هيت لك) قال: هلمَّ لك، إليَّ.

* * * وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين: " وَقَالَتْ هِئْتُ لَكَ" بكسر الهاء، وضم التاء، والهمزة , بمعنى: تهيَّأت لك , من قول القائل: " هئت للأمر أهِيء هَيْئَةً".

وممن روي ذلك عنه ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وجماعة غيرهما .

18990 - حدثنا أحمد بن يوسف , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحجاج , عن هارون , عن أبان العطار , عن قتادة: أن ابن عباس قرأها كذلك، مكسور الهاء، مضمومة التاء .

قال أحمد: قال أبو عبيدة: لا أعلمها إلا مهموزة.

18991 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب , عن أبان العطار , عن عاصم , عن أبي عبد الرحمن السلمي: " هِئْتُ لَكَ" أي: تهيأت لك.

18992 - ....

قال: حدثنا عبد الوهاب , عن سعيد , عن قتادة , عن عكرمة , مثله .

18993 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قال: كان عكرمة يقول: تهيأت لك.

18994 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال: " هِئْتُ لَكَ" قال عكرمة: تهيأت لك .

18995 - حدثني المثنى , قال: حدثنا الحجاج , قال: حدثنا حماد , عن عاصم بن بهدلة , قال: كان أبو وائل يقول: " هِئْتُ لَكَ": أي تهيأت لك.

وكان أبو عمرو بن العلاء والكسائي ينكران هذه القراءة .

18996 - حدثت عن علي بن المغيرة , قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: شهدت أبا عمرو وسأله أبو أحمد ، أو أحمد ، وكان عالما بالقرآن (6) [وكان لألاء، ثم كبر، فقعد في بيته، فكان يؤخذ عنه القرآن، ويكون مع القضاة، فسأله] عن قول من قال: " هِئْتُ لَكَ" بكسر الهاء، وهمز الياء.

فقال: أبو عمرو: [سى] (7) إي: باطل، جعلها ," فعلت " من " تهيأت " , فهذا الخندق، (8) فاستعرض العربَ حتى تنتهي إلى اليمن , هل تعرف أحدًا يقول: " هئت لك "؟

(9) 18997 - حدثني الحارث , قال: حدثنا القاسم , قال: لم يكن الكسائي يحكي &; 16-30 &; " هئت لك " عن العرب.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: " هِيتَ لَكَ" بكسر الهاء، وتسكين الياء، وفتح التاء.

* * * وقرأه بعض المكيين: " هَيْتُ لَكَ" بفتح الهاء، وتسكين الياء، وضم التاء.

* * * وقرأه بعض البصريين , وهو عبد الله بن إسحاق: " هَيْتِ لَكَ" بفتح الهاء، وكسر التاء.

* * * وقد أنشد بعض الرواة بيتًا لطرفة بن العبد في" هيت " بفتح الهاء، وضم التاء , وذلك: لَيْسَ قَــومِي بِــالأبْعَدِينَ إذَا مَــا قَــالَ دَاعٍ مِــنَ الْعَشِــيرَةِ هَيْـتُ (10) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءة في ذلك , قراءة من قرأه: (هَيْتَ لَكَ) بفتح الهاء والتاء , وتسكين الياء , لأنها اللغة المعروفة في العرب دون غيرها , وأنها فيما ذُكِر قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

18998 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا الثوري , عن الأعمش , عن أبي وائل , قال ابن مسعود: قد سمعت القرأة، فسمعتهم متقاربين , فاقرءوا كما عُلِّمتم , وإياكم والتنطع والاختلاف , فإنما هو كقول أحدكم: " هلم " و " تعال " .

ثم قرأ عبد الله: (هَيْتَ لَكَ) فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا يقرءونها: " هَيْتُ لَكَ" فقال عبد الله: إني أقرؤها كما عُلِّمْت، أحبُّ إليَّ.

(11) 18999 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن الأعمش , عن أبي وائل , قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ هذه الآية: ( وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ) قال: فقالوا له: ما كنا نقرؤها إلا " هَيْتُ لَكَ" ، فقال عبد الله: إنّي أقرؤها كما عُلِّمت، أحبُّ إليّ.

(12) 19000 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن عيينة , عن منصور , عن أبي وائل , قال: قال عبد الله: (هَيْتَ لَكَ) فقال له مسروق: إن ناسًا يقرءونها: " هَيْتُ لَكَ" فقال: دعوني , فإني أقرأ كما أقرئت أحبُّ إليّ.

(13) 19001 - حدثني المثنى , قال: حدثنا آدم العسقلاني , قال: حدثنا شعبة , عن الأعمش , عن شقيق , عن ابن مسعود قال: (هَيْتَ لَكَ) بنصب الهاء، والتاء، وبلا همز.

(14) * * * وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى: أنَّ العرب لا تثني" هيت " ولا تجمع ولا تؤنث، (15) وأنها تصوره في كل حال،, وإنّما يتبين العدد بما بعد , وكذلك التأنيث والتذكير.

وقال: تقول للواحد: " هيت لك " , وللإثنين: " هيت لكما " , وللجمع: " هيت لكم " , وللنساء: " هيت لكن ".

(16) * * * وقوله: (قال معاذ الله) يقول جل ثناؤه: قال يوسف إذ دعته المرأة &; 16-32 &; إلى نفسها، وقالت له: " هلم إلي": أعتصم بالله من الذي تدعوني إليه، واستجير به منه.

(17) * * * وقوله: (إنه ربي أحسن مثواي) يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي، (18) كما: - 19002 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (معاذ الله إنه ربي) قال: سيدي.

19003 - ....

قال: حدثنا ابن نمير , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح: (إنه ربي) قال: سيدي.

19004 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19005 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19006 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19007 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: (قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي) قال: سيدي ، يعني: زوج المرأة.

19008 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (قال معاذ الله إنه ربي) يعني: إطفير.

يقول: إنه سيدي.

* * * وقوله: (أحسن مثواي) يقول: أحسن منـزلتي، وأكرمني وائتمنني , فلا أخونه، (19) كما:- 19009 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: (أحسن مثواي) أمنني على بيته وأهله.

19010 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (أحسن مثواي) فلا أخونه في أهله.

19011 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: (أحسن مثواي) قال: يريد يوسف سيدَه زوجَ المرأة.

* * * وقوله: (إنه لا يفلح الظالمون) يقول: إنه لا يدرك البقاء , ولا ينجح من ظلم، (20) ففعل ما ليس له فعله.

وهذا الذي تدعوني إليه من الفجور، ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على منـزله، كما:- 19012 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (إنه لا يفلح الظالمون) قال: هذا الذي تدعوني إليه ظلم , ولا يفلح من عمل به.

* * * ---------------------- الهوامش: (1) الزيادة بين القوسين ، لا يستقيم الكلام إلا بها .

(2) لم أعرف الآن قائله .

(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 305 ، واللسان ( هيت ) ، ( عنق ) .

وقوله :" عنق إليك" أي مائلون إليك ، كأنهم لووا أعناقهم إليك شوقًا أو ترقبًا .

(4) الأثر : 18967 -" محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي" ، شيخ الطبري سلف مرارًا .

" أبو الجواب" ، هو" الأحوص بن جواب الضبي" ، روى عن سفيان الثوري ، وسعير ابن الخمس ، وعمار بن رزيق ، وغيرهم .

كان ثقة ، وربما وهم .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 59 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 328 .

" وعمار بن رزيق الضبي" ،" أبو الأحوص" ، ثقة مضى برقم : 10191 .

(5) الأثر : 18972 -" أحمد بن سهيل الواسطي" شيخ الطبري .

قال الحاكم :" في حديثه بعض المناكير" ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : حدثنا عنه حبيش بن عبد الله النهشلي بواسط .

مترجم في ميزان الاعتدال 1 : 48 ، ولسان الميزان 1 : 185 .

وأما" قرة بن عيسى" فلم أجد من يسمى بهذا الاسم .

ولكن الذي يروي عن" النضر بن عربي" هو :" بشر بن عبيس بن مرحوم العطار" ، مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 1 / 1 / 362 .

وأما" النضر بن عربي الجزري الباهلي" ثقة لا بأس به ، مضى برقم : 1307 ، 5864 ، وكان في المطبوعة" النضر بن علي الجزري" ، غير ما في المخطوطة وأساء .

(6) هذه الزيادة بين القوسين ، من كتاب أبي عبيدة ، مجاز القرآن 1 : 305 .

وقوله" لألاء" ، هو بائع اللؤلؤ ، ويقال أيضًا :" لأء" و لأل" ( بتشديد الهمزة بعد هاء ألف ) على وزن" نجار" .

(7) هكذا رسم الكلمة في المخطوطة ، وف المطبوعة" ينسى" ، وفي مجاز القرآن" بنسى" ، ( بكسر النون ، وسكون الباء ، وكسر السين ، بعدها ياء ) ، وأنا في شك من ذلك كله ، وأخشى أن تكون" بسبس" ( بفتح فسكون ففتح ) و" البسبس" ، الباطل ، و" البسابس" مثله .

(8) " الخندق" ، هو خندق سابور ، حفره من مدينة" هيت" ، يشق طف البادية إلى كاظمة ، مما يلي البصرة ، وجعل عليه المسالح .

وشرحه أبو عبيدة في المجاز شرحًا وافيًا ، فراجعه هناك .

(9) الأثر : 18996 - هو نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 305 - 306 .

(10) لم أجد البيت في مكان آخر .

(11) الأثر : 18998 - هذا إسناد صحيح ، مر تفسير مثله مرارًا ، وسيأتي من طرق مختصرًا .

وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح 8: 274، 275،) ، مختصرا.

ورواه أبو داود أيضًا مختصرا في سننه 4 : 52 ، 53 برقم : 4004 ، 4005 .

ورواه أبو جعفر فيما سلف من طرق أخرى ، مختصرًا ، ليس فيه" هيت لك"، برقم : 48 ، في أول الكتاب .

وفصل الحافظ ابن حجر في الفتح ، الكلام فيه بما لا مزيد عليه .

(12) الأثر : - 18999 - مكرر الأثر السالف ، مختصرًا .

(13) الأثر : - 19000 - مكرر الأثرين السالفين ، من طريق أخرى صحيحة ، مختصر .

(14) الأثر : 19001 - مختصر الآثار السالفة ، من طريق صحيحة .

(15) في المطبوعة :" هيت لك" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(16) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 305 .

(17) انظر تفسير" عاذ" فيما سلف 15 : 352 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(18) انظر تفسير" الرب" فيما سلف 1 : 141 ، 142 / 12 : 385 ، 386 ، وغيرهما في فهارس اللغة ( ربب ) .

(19) انظر تفسير" المثوى" فيما سلف ص : 18 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(20) انظر تفسير" الفلاح" فيما سلف 15 : 156 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصينقوله تعالى : وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وهي امرأة العزيز ، طلبت منه أن يواقعها .

وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين .

والرود والرياد طلب الكلأ ; وقيل : هي من رويد ; يقال : فلان يمشي رويدا ، أي برفق ; فالمراودة الرفق في الطلب ; يقال في الرجل : راودها عن نفسها ، وفي المرأة راودته عن نفسه .

والرود التأني ; يقال : أرودني أمهلني .وغلقت الأبواب غلق للكثير ، ولا يقال : غلق الباب ; وأغلق يقع للكثير والقليل ; كما قال الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء :ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها حتى أتيت أبا عمرو بن عماريقال : إنها كانت سبعة أبواب غلقتها ثم دعته إلى نفسها .وقالت هيت لك أي هلم وأقبل وتعال ; ولا مصدر له ولا تصريف .

قال النحاس : فيها سبع قراءات ; فمن أجل ما فيها وأصحه إسنادا ما رواه الأعمش عن أبي وائل قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ هيت لك قال فقلت : إن قوما يقرءونها " هيت لك " فقال : إنما أقرأ كما علمت .

قال أبو جعفر : وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يبعد ذلك ; لأن قوله : إنما أقرأ كما علمت يدل على أنه مرفوع ، وهذه القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وعكرمة ; وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي .

قال عبد الله بن مسعود : لا تقطعوا في القرآن ; فإنما هو مثل قول أحدكم : هلم وتعال .

وقرأ ابن أبي إسحاق النحوي " قالت هيت لك " بفتح الهاء وكسر التاء .

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن كثير " هيت لك " بفتح الهاء وضم التاء ; قال طرفة :[ ص: 144 ]ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيتفهذه ثلاث قراءات الهاء فيهن مفتوحة .

وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع " وقالت هيت لك " بكسر الهاء وفتح التاء .

وقرأ يحيى بن وثاب " وقالت هيت لك " بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة .

وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس ومجاهد وعكرمة : " وقالت هئت لك " بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة .

وعن ابن عامر وأهل الشام : " وقالت هئت " بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح التاء ; قال أبو جعفر : " هئت لك " بفتح التاء لالتقاء الساكنين ، لأنه صوت نحو مه وصه يجب ألا يعرب ، والفتح خفيف ; لأن قبل التاء ياء مثل أين وكيف ; ومن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر ; لأن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ، ومن ضم فلأن فيه معنى الغاية ; أي قالت : دعائي لك ، فلما حذفت الإضافة بني على الضم ; مثل حيث وبعد .

وقراءة أهل المدينة فيها قولان : أحدهما : أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مر .

والآخر : أن يكون فعلا من هاء يهيء مثل جاء يجيء ; فيكون المعنى في " هئت " أي حسنت هيئتك ، ويكون " لك " من كلام آخر ، كما تقول : لك أعني .

ومن همز وضم التاء فهو فعل بمعنى تهيأت لك ; وكذلك من قرأ " هيت لك " .

وأنكر أبو عمرو هذه القراءة ; قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزا فقال أبو عمرو : باطل ; جعلها من تهيأت !

اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن هل تعرف أحدا يقول هذا ؟

!

وقال الكسائي أيضا : لم تحك " هئت " عن العرب .

قال عكرمة : " هئت لك " أي تهيأت لك وتزينت وتحسنت ، وهي قراءة غير مرضية ; لأنها لم تسمع في العربية .

قال النحاس : وهي جيدة عند البصريين ; لأنه يقال : هاء الرجل يهاء ويهيء هيأة فهاء يهيء مثل جاء يجيء وهئت مثل جئت .

وكسر الهاء في " هيت " لغة لقوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها .

قال الزجاج : أجود القراءات " هيت " بفتح الهاء والتاء ; قال طرفة :ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيتبفتح الهاء والتاء .

وقال الشاعر في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - :أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتاإن العراق وأهله سلم إليك فهيت هيتاقال ابن عباس والحسن : " هيت " كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها .

وقال السدي : معناها بالقبطية هلم لك .

قال أبو عبيد : كان الكسائي يقول : هي لغة لأهل حوران وقعت إلى [ ص: 145 ] أهل الحجاز معناه تعال ; قال أبو عبيد : فسألت شيخا عالما من حوران فذكر أنها لغتهم ; وبه قال عكرمة .

وقال مجاهد وغيره : هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها ، وهي كلمة حث وإقبال على الأشياء ; قال الجوهري : يقال هوت به وهيت به إذا صاح به ودعاه ; قال :قد رابني أن الكري أسكتا لو كان معنيا بها لهيتاأي صاح ; وقال آخر :يحدو بها كل فتى هياتقوله تعالى : قال معاذ الله أي أعوذ بالله وأستجير به مما دعوتني إليه ; وهو مصدر ، أي أعوذ بالله معاذا ; فيحذف المفعول وينتصب المصدر بالفعل المحذوف ، ويضاف المصدر إلى اسم الله كما يضاف المصدر إلى المفعول ، كما تقول : مررت بزيد مرور عمرو أي كمروري بعمرو .إنه ربي يعني زوجها ، أي هو سيدي أكرمني فلا أخونه ; قاله مجاهد وابن إسحاق والسدي .

وقال الزجاج : أي إن الله ربي تولاني بلطفه ، فلا أرتكب ما حرمه .

إنه لا يفلح الظالمون وفي الخبر أنها قالت له : يا يوسف !

ما أحسن صورة وجهك !

قال : في الرحم صورني ربي ; قالت : يا يوسف ما أحسن شعرك !

قال : هو أول شيء يبلى مني في قبري ; قالت : يا يوسف !

ما أحسن عينيك ؟

قال : بهما أنظر إلى ربي .

قالت : يا يوسف !

ارفع بصرك فانظر في وجهي ، قال : إني أخاف العمى في آخرتي .

قالت يا يوسف !

أدنو منك وتتباعد مني ؟

!

قال : أريد بذلك القرب من ربي .

قالت : يا يوسف !

القيطون فرشته لك فادخل معي ، قال : القيطون لا يسترني من ربي .

قالت : يا يوسف !

فراش الحرير قد فرشته لك ، قم فاقض حاجتي ، قال : إذا يذهب من الجنة نصيبي ; إلى غير ذلك من كلامها وهو يراجعها ; إلى أن هم بها .وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله ، فألقى عليه هيبة النبوة ; فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه .

واختلف العلماء في همه .

ولا خلاف أن همها كان المعصية ، وأما يوسف فهم بها لولا أن رأى برهان ربه ولكن لما رأى البرهان ما هم ; وهذا لوجوب العصمة للأنبياء ; قال الله تعالى : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فإذا في الكلام تقديم وتأخير ; أي لولا أن رأى برهان ربه هم بها .

قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله :[ ص: 146 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرا، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة، لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته، فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعا أو كارها، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرما في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك، أن { رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } أي: هو غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر.

{ وَ } زادت المصيبة، بأن { غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ } وصار المحل خاليا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إليَّ، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزب، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم.

فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القوي فيه، لأنه قد هم فيها هما تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان، الموجب لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف، عن هذه المعصية الكبيرة، و { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ } أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح، لأنه مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي.

فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يفلح، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء، لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) يعني : امرأة العزيز .

والمراودة : طلب الفعل ، والمراد ها هنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها ( وغلقت الأبواب ) أي : أطبقتها ، وكانت سبعة ( وقالت هيت لك ) أي : هلم وأقبل .

قرأه أهل الكوفة والبصرة : ( هيت لك ) بفتح الهاء والتاء .

وقرأ أهل المدينة والشام : ( هيت ) بكسر الهاء وفتح التاء .

وقرأ ابن كثير : ( هيت ) بفتح الهاء وضم التاء .

وقرأ السلمي وقتادة : ( هئت لك ) بكسر الهاء وضم التاء مهموزا ، يعني : تهيأت لك ، وأنكره أبو عمرو والكسائي وقالا لم يحك هذا عن العرب .

والأول هو المعروف عند العرب .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم ( هيت لك ) .

قال أبو عبيدة كان الكسائي يقول : هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها [ إلي ] تعال .

وقال عكرمة : هي أيضا بالحورانية هلم .

وقال مجاهد وغيره : هي لغة عربية وهي كلمة حث وإقبال على الشيء .

قال أبو عبيدة : إن العرب لا تثني ( هيت ) ولا تجمع ولا تؤنث ، وإنها بصورة واحدة في كل حال .

( قال ) يوسف لها عند ذلك : ( معاذ الله ) أي : أعوذ بالله وأعتصم بالله مما دعوتني إليه ( إنه ربي ) يريد أن زوجك قطفير سيدي ( أحسن مثواي ) أي : أكرم منزلي .

هذا قول أكثر المفسرين .

وقيل : الهاء راجعة إلى الله تعالى ، يريد : أن الله تعالى ربي أحسن مثواي ، أي : آواني ، ومن بلاء الجب عافاني .

( إنه لا يفلح الظالمون ) يعني : إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما أكرم مثواي فأنا ظالم ، ولا يفلح الظالمون .

وقيل : لا يفلح الظالمون : أي لا يسعد الزناة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وراودته التي هو في بيتها» هي زليخا «عن نفسه» أي طلبت منه أن يواقعها «وغلَّقت الأبواب» للبيت «وقالت» له «هيْت لك» أي هلم واللام للتبيين وفي قراءة بكسر الهاء وأخرى بضم التاء «قال معاذ الله» أعوذ بالله من ذلك «إنه» الذي اشتراني «ربي» سيدي «أحسن مثواي» مقامي فلا أخونه في أهله «إنه» أي الشأن «لا يفلح الظالمون» الزناة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ودعت امرأة العزيز -برفق ولين- يوسف الذي هو في بيتها إلى نفسها؛ لحبها الشديد له وحسن بهائه، وغلَّقت الأبواب عليها وعلى يوسف، وقالت: هلمَّ إليَّ، فقال: معاذ الله أعتصم به، وأستجير مِن الذي تدعينني إليه، من خيانة سيدي الذي أحسن منزلتي وأكرمني فلا أخونه في أهله، إنه لا يفلح مَن ظَلَم فَفَعل ما ليس له فعله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

استمع إلى السورةالكريمة وهى تحكى بأسلوبها البليغ ما فعلتهه معه امرأة العزيز من ترغيب وترهيب ، وإغراء وتهديد .

.

.

فتقول :( وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ .

.

.

)قوله - سبحانه - ( وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ .

.

.

) رجوع إلى شرح ما جرى ليوسف فى منزل العزيز بعد أن أمر امرأته بإكرام مثواه ، وما كان من حال تلك المرأة مع يوسف ، وكيف أنها نظرت إليه بعين ، تخالف العين التى نظر بها إليه زوجها .والمراودة - كما يقول صاحب الكشاف - مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب ، كأن المعنى : خادعته عن نفسه ، أى : فعلت معه ما يفعله المخادع لصاحبه عن الشئ الذى لا يريد أن يخرجه من يده ، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهو عبارة عن التحايل لمواقعته إياها .والتعبير عن حالها معه بالمراودة المقتضية لتكرار المحاولة ، للإِشعار بأنها كان منها الطلب المستمر ، المصحوب بالإِغراء والترفق والتحايل على ما تشتهيه منه بشتى الوسائل والحيل .

وكان منه - عليه السلام - الإِباء والامتناع عما تريده خوفا من الله - تعالى .

.وقال - سبحانه - ( التي هُوَ فِي بَيْتِهَا ) دون ذكر لاسمها ، سترا لها ، وابتعادا عن التشهير بها ، وهذا من الأدب السامى الذى التزمه القرآن فى تعبيراته وأساليبه ، حتى يتأسى أتباعه بهذا اللون من الأدب فى التعبير .والمراد ببيتها : يبت سكناها ، والإِخبار عن المراودة بأنها كانت فى بيتها .

أدعى لإظهار كما نزاهته عليه السلام - فإن كونه فى بيتها يغرى بالاستجابة لها ، ومع ذلك فقد أعرض عنها ، ولم يطاوعها فى مرادها .وعدى فعل المراودة بعن ، لتضمنه معنى المخادعة .قال بعض العلماء : و " عن " هنا للمجاوزة ، أى : راودته مباعدة له عن نفسه ، أى : بأن يجعل نفسه لها ، والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن الكريم ، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة ، قاله ابن عطية ، أى : فالنفس أريد به عفافه وتمكينها منه لما تريد ، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه فى نفسه .وقوله ( وَغَلَّقَتِ الأبواب ) أى : أبواب بيت سكناها الذى تبيت فيه بابا فباباً ، قيل : كانت الأبواب سبعة .والمراد أنها أغلقت جميع الأبواب الموصلة إلى المكان الذى راودته فيه إغلاقا شديدا محكما ، كما يشعر بذلك التضعيف فى " غلّقت " زيادة فى حمله على الاستجابة لها .ثم أضاقت إلى كل تلك المغريات أنها قالت له : هيت لك ، أى : هأنذا مهيئة لك فأسرع فى الإقبال على .

.

.وهذه الدعوة السافرة منها له ، تدل على أنه تلك المرأة كانت قد بلغت النهاية فى الكشف عن رغبتها ، وأنها قد خرجت من المألوف من بنات جنسها ، فقد جرت العادة أن تكون المرأة مطلوبة لا طالبة .

.

.و " هيت " اسم فعل أمر بمعنى أقبل وأسرع ، فهى كلمة حض وحث على الفعل ، واللام فى " لك " لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما فى قولهم : سقيا لك وشكراً لك .وهى متعلقة بمحذوف فكأنما تقول : إرادتى كائنة لك .قال الجمل ما ملخصه : " ورد هذه الكلمة قراءات : " هَيتِ " كليت ، و " هِيتَ " كفيل و " هَيتُ " كحيث ، و " هِيئتُ " بكسر الهاء وضم التاء ، و " هِئتَ " بكسر الهاء وفتح التاء .ثم قال : فالقراءات السبعية خمسة ، وهذه كلها لغات فى هذه الكلمة ، وهى فى كلها اسم فعل بمعنى هلم أى أقبل وتعال .وقوله - سبحانه - ( قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون )بيان لما ردّ به يوس عليها ، بعد أن تجاوزت فى إثارته كل حد .و " معاذ " مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة ، وهو منصوب بفعل محذوف أى : قال يوسف فى الرد عليها : أعوذ بالله معاذا مما تطلبينه منى ، وأعتصم به اعتصاما مما تحاولينه معى ، فإن ما تطلبينه وتلحين فى طلبه يتنافى مع الدين والمروءة والشرف .

.

ولا يفعله إلا من خبث منبته ، وساء طبعه ، وأظلم قلبه .وقوله : ( إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ) تعليل لنفوره مما دعته إليه ، واستعاذ بالله منه .والضمير فى " إنه " يصح أن يعود إلى الله - تعالى - فيكون لفظ ربى بمعنى خالقى .

والتقدير : قال يوسف فى الرد عليها : معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر ، بعد أن أكرمنى الله - تعالى - بما أكرمنى به من النجاة من الجب ، ومن تهيئة الأسباب التى جعلتنى أعيش معززا مكرما ، وإذا كان - سبحانه - قد حبانى كل هذه النعم فيكف ارتكب ما يغضبه؟وجوز بعضهم عودة الضمير فى " إنه " إلى زوجها ، فيكون لفظ ربى بمعنى سيدى ومالكى ، والتقدير : معاذ الله أن أقابل من اشترانى بماله ، وأحسن منزلى ، وأمرك بإكرامى - بالخيانة له فى عرضه .وفى هذه الجملة الكريمة تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله - تعالى - وبحقوق زوجها ، وتنبيه لها إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها ، لأنه يؤدى إلى غضب الله وغضب زوجها عليها .وجملة ( إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ) تعليل آخر لصدها عما تريده منه .والفلاح : الظفر وإدراك المأمول .أى : إن كل من ارتكب ما نهى الله - تعالى - عنه ، تكون عاقبته الخيبة والخسران وعدم الفلاح فى الدنيا والآخرة فكيف تريدين منى أن أكون كذلك؟هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى أن القرآن الكريم قد قابل دواعى الغواية الثلاث التى جاهرت بها امرأة العزيز والمتمثلة فى المراودة ، وتغليق الأبواب ، وقولها ، هيت لك : بدواعى العفاف الثلاث التى رد بها عليها يوسف ، والمتمثلة فى قوله - كما حكى القرآن عنه - ( مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن يوسف عليه السلام كان في غاية الجمال والحسن، فلما رأته المرأة طمعت فيه ويقال أيضاً إن زوجها كان عاجزاً يقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل واحد منها الوطء والجماع ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبواب ﴾ والسبب أن ذلك العمل لا يؤتى به إلا في المواضع المستورة لا سيما إذا كان حراماً، ومع قيام الخوف الشديد وقوله: ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبواب ﴾ أي أغلقتها قال الواحدي: وأصل هذا من قولهم في كل شيء تشبث في شيء فلزمه قد غلق يقال: غلق في الباطل وغلق في غضبه، ومنه غلق الرهن، ثم يعدى بالألف فيقال: أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه.

قال المفسرون: وإنما جاء غلقت على التكثير لأنها غلقت سبعة أبواب، ثم دعته إلى نفسها.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: هيت لك اسم للفعل نحو: رويداً، وصه، ومه.

ومعناه هلم في قول جميع أهل اللغة، وقال الأخفش: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ مفتوحة الهاء والتاء، ويجوز أيضاً كسر التاء ورفعها.

قال الواحدي: قال أبو الفضل المنذري: أفادني ابن التبريزي عن أبي زيد قال: هيت لك بالعبرانية هيالح، أي تعال عربه القرآن، وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى بكة فتكلموا بها.

قال ابن الأنباري: وهذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس ولغة العرب والفرس في السجيل ولغة العرب والترك في الغساق ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان ﴿ هَيْتَ ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ ابن كثير ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ مثل حيث، وقرأ هشام بن عمار عن أبي عامر ﴿ أَحْلَلْنَا لَكَ ﴾ بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء مثل جئت من تهيأت لك، والباقون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء، ثم إنه تعالى قال: إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام قال يوسف عليه السلام: ﴿ مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ ﴾ فقوله: ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ أي أعوذ بالله معاذاً، والضمير في قوله: ﴿ أَنَّهُ ﴾ للشأن والحديث ﴿ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ ﴾ أي ربي وسيدي ومالكي أحسن مثواي حين قال لك: أكرمي مثواه، فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بهذه الخيانة القبيحة ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ الذين يجازون الإحسان بالإساءة، وقيل: أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم أو لأن عملهم يقتضي وضع الشيء في غير موضعه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أن يوسف عليه السلام كان حراً وما كان عبداً لأحد فقوله: ﴿ إِنَّهُ رَبّى ﴾ يكون كذباً وذلك ذنب وكبيرة.

والجواب: أنه عليه السلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر وعلى وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبداً له وأيضاً أنه رباه وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة فعنى بكونه رباً له كونه مربياً له، وهذا من باب المعاريض الحسنة، فإن أهل الظاهر يحملونه على كونه رباً له وهو كان يعني به أنه كان مربياً له ومنعماً عليه.

السؤال الثاني: هل يدل قول يوسف عليه السلام: ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ على صحة مذهبنا في القضاء والقدر.

والجواب: أنه يدل عليه دلالة ظاهرة لأن قوله عليه السلام أعوذ بالله معاذاً، طلب من الله أن يعيذه من ذلك العمل، وتلك الإعاذة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل والآلة، وإزاحة الأعذار، وإزالة الموانع وفعل الألطاف، لأن كل ما كان في مقدور الله تعالى من هذا الباب فقد فعله، فيكون ذلك إما طلباً لتحصيل الحاصل، أو طلباً لتحصيل الممتنع وأنه محال فعلمنا أن تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله تعالى لا معنى لها، إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة وأن يزيل عن قلبه داعية المعصية، وذلك هو المطلوب، والدليل على أن المراد ما ذكرناه ما نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقع بصره على زينب قال: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وكان المراد منه تقوية داعية الطاعة، وإزالة داعية المعصية فكذا هاهنا، وكذا قوله عليه السلام: «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن» فالمراد من الأصبعين داعية الفعل، وداعية الترك وهاتان الداعيتان لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى، وإلا لافتقرت إلى داعية أخرى ولزم التسلسل فثبت أن قول يوسف عليه السلام: ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ من أدل الدلائل على قولنا والله أعلم.

السؤال الثالث: ذكر يوسف عليه السلام في الجواب عن كلامها ثلاثة أشياء: أحدها: قوله: ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ والثاني: قوله تعالى عنه: ﴿ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ ﴾ والثالث: قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ فما وجه تعلق بعض هذا الجواب ببعض؟

والجواب: هذا الترتيب في غاية الحسن، وذلك لأن الانقياد لأمر الله تعالى وتكليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه وألطافه في حق العبد فقوله: ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ إشارة إلى أن حق الله تعالى يمنع عن هذا العمل، وأيضاً حقوق الخلق واجبة الرعاية، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقي يقبح مقابلة إنعامه وإحسانه بالإساءة، وأيضاً صون النفس عن الضرر واجب، وهذه اللذة لذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة، واللذة القليلة إذا لزمها ضرر شديد، فالعقل يقتضي تركها والاحتزاز عنها فقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ إشارة إليه، فثبت أن هذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه الترتيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المراودة: مفاعلة، من راد يرود إذا جاء وذهب، كأن المعني: خادعته عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحمل لمواقعته إياها ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبواب ﴾ قيل: كانت سبعة.

وقرئ: ﴿ هَيت ﴾ بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء، وبناؤها كبناء أين، وعيط.

وهيت كجير وهيت كحيث.

وهئت بمعنى تهيأت يقال: هاء يهيء، كجاء يجيء: إذا تهيأ.

وهيئت لك واللام من صلة الفعل وأما في الأصوات فللبيان كأنه قيل: لك أقول هذا، كما تقول: هلم لك ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ أعوذ بالله معاذاً ﴿ إِنَّهُ ﴾ إن الشأن والحديث ﴿ ربى ﴾ سيدي ومالكي، يريد قطفير ﴿ أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ ﴾ حين قال لك أكرمي مثواه، فما جزاؤه أن أخلفه في أهله سوء الخلافة وأخونه فيهم ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء.

وقيل: أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم.

وقيل: أراد الله تعالى، لأنه مسبب الأسباب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ طَلَبَتْ مِنهُ وتَمَحَّلَتْ أنْ يُواقِعَها، مِن رادَ يَرُودُ إذا جاءَ وذَهَبَ لِطَلَبِ شَيْءٍ ومِنهُ الرّائِدُ.

﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ قِيلَ كانَتْ سَبْعَةً والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في الإيثاقِ.

﴿ وَقالَتْ هَيْتَ ﴾ لَكَ أيْ أقْبِلْ وبادِرْ، أوْ تَهَيَّأْتُ والكَلِمَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْمُ فِعْلٍ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَأيْنَ واللّامُ لِلتَّبْيِينِ كالَّتِي في سُقْيًا لَكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ وفَتْحِ الهاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِحَيْثُ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ وكَسْرِ الهاءِ كَعِيطٍ.

وقَرَأ هُشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَهْمِزُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ضَمُّ التّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

وقُرِئَ « هِيتَ» كَجِيرٍ و « هِئْتُ» كَجِئْتُ مِن هاءَ يَهِيءُ إذا تَهَيَّأ وقُرِئَ « هُيِّئْتُ» وعَلى هَذا فاللّامُ مِن صِلَتِهِ.

﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا.

﴿ إنَّهُ ﴾ إنَّ الشَّأْنَ.

﴿ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ سَيِّدِي قِطْفِيرُ أحْسَنَ تَعَهُّدِي إذْ قالَ لَكِ فِيَّ ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ فَما جَزاؤُهُ أنْ أخُونَهُ في أهْلِهِ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أيْ إنَّهُ خالِقِي أحْسَنَ مَنزِلَتِي بِأنْ عَطَفَ عَلى قَلْبِهِ فَلا أعْصِيَهُ.

﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ المُجازُونَ الحَسَنَ بِالسَّيِّئِ.

وقِيلَ الزُّناةُ فَإنَّ الزِّنا ظُلْمٌ عَلى الزّانِي والمَزْنِيِّ بِأهْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} أي طلبت يوسف أن يواقعها والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن

نفسه أي فعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه وهى عبارة عن التمحل لمواقعته إياها {وَغَلَّقَتِ الأبواب} وكانت سبعة {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} هو اسم لتعال وأقبل وهو مبني على الفتح هيتُ مكي بناه على الضم هِيتَ مدني وشامي واللام للبيان كأنه قيل لك أقول هذا كما تقول هلم لك {قَالَ مَعَاذَ الله} أعوذ بالله معاذاً {إنَّهُ} أي إن الشأن والحديث {رَبّي} سيدي ومالكى يريد قطفير {أحسن مثواي}

يوسف (٢٣ _ ٢٥)

حين قال لك اكرمى مثواى فما جزاؤه أن اخونه فى أهله {إنه لا يفلح الظالمون} الخائنون أو الزناة أو أراد بقوله إنه ربي الله تعالى لأنه مسبب الأسباب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها ﴾ رُجُوعٌ إلى شَرْحِ ما جَرى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَنزِلِ العَزِيزِ بَعْدَ ما أمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ أُنْمُوذَجًا لِلْقِصَّةِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ ما لَقِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفِتَنِ الَّتِي سَتُحْكى بِتَفاصِيلِها لَهُ غايَةٌ جَمِيلَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحْسِنٌ في أعْمالِهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُخِلُّ بِنَزاهَتِهِ، والمُراوَدَةُ المُطالَبَةُ بِرِفْقٍ مِن رادَ يَرُودُ إذا ذَهَبَ وجاءَ لِطَلَبِ شَيْءٍ، ومِنهُ الرّائِدُ لِطالِبِ الكَلَأِ والماءِ، وبِاعْتِبارِ الرِّفْقِ قِيلَ: رادَتِ الإبِلُ في مِشْيَتِها تَرُودُ رَوَدانًا، ومِنهُ بَنى المِرْوَدِ، ويُقالُ: أرْوَدَ يَرُودُ إذا رَفَقَ، ومِنهُ بَنِي رُوَيْدٍ، والإرادَةُ مَنقُولَةٌ مِن رادَ يَرُودُ إذا سَعى في طَلَبِ شَيْءٍ وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ نَحْوَ مُطالَبَةِ الدّائِنِ ومُماطَلَةِ المَدْيُونِ ومُداواةِ الطَّبِيبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ الفِعْلُ ومِنَ الآخَرِ سَبَبُهُ فَإنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وإنْ كانَتْ صادِرَةً عَنْ أحَدِ الجانِبَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَتْ أسْبابُها صادِرَةً عَنِ الجانِبِ الآخَرِ جُعِلَتْ كَأنَّها صادِرَةٌ عَنْهُما، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا بابٌ لَطِيفُ المَسْلَكِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارٍ دَقِيقٍ تَحْقِيقُهُ أنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَهُ ويُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ كَما في قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ، أيْ كَما تَجْزِي تُجْزى، فَإنَّ فِعْلَ البادِئِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَزاءً لَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْجَزاءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْمُهُ، وكَذَلِكَ إرادَةُ القِيامِ إلى الصَّلاةِ وإرادَةُ قِراءَةِ القُرْآنِ حَيْثُ كانَتا سَبَبًا لِلْقِيامِ والقِراءَةِ عَبَّرَ عَنْهُما بِهِما فَقِيلَ: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ)، ﴾ وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، ولَمّا كانَتْ أسْبابُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فِيما نَحْنُ فِيهِ صادِرَةً عَنِ الجانِبِ المُقابِلِ لِجانِبِ فاعِلِها فَإنَّ مُطالَبَةَ الدّائِنِ لِلْمُماطَلَةِ الَّتِي هي مِن جانِبِ الغَرِيمِ وهي مِنهُ لِلْمُطالَبَةِ الَّتِي مِن جانِبِ الدّائِنِ، وكَذا مُداواةُ الطَّبِيبِ لِلْمَرَضِ الَّذِي هو مِن جانِبِ المَرِيضِ، وكَذَلِكَ مُراوَدَتُها فِيما نَحْنُ فِيهِ لِجَمالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ صُدُورُها عَنْ مَحالِها بِمَنزِلَةِ صُدُورِ مُسَبِّباتِها الَّتِي هي تِلْكَ الأفْعالُ فَبُنِيَ الصِّيغَةُ عَلى ذَلِكَ ورُوعِيَ جانِبُ الحَقِيقَةِ بِأنْ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الفاعِلِ وأوْقَعَ عَلى صاحِبِ السَّبَبِ فَتَأمَّلْ، اهـ.

وكَأنَّهُ أشارَ بِالأمْرِ بِالتَّأمُّلِ إلى ما فِيهِ مِمّا لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، وفي الكَشْفِ المُراوَدَةُ مُنازَعَةٌ في الرَّوْدِ بِأنْ يَكُونَ لَهُ مَقْصِدٌ مَجِيئًا وذَهابًا ولِلْمُفاعِلِ مَقْصِدٌ آخَرُ يُقابِلُهُ فِيهِما، ومَعْنى المُفاعَلَةِ هَهُنا إمّا المُبالَغَةُ في رَوْدِها أوِ الدَّلالَةُ عَلى اخْتِلافِهِما فِيهِ، فَإنَّها طَلَبَتْ مِنهُ الفِعْلَ وهو طَلَبَ مِنها التَّرْكَ وهَذا أبْلَغُ ولِما كانَ مُنازَعَةً جِيءَ -بِعْنَ- في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ كَما تَقُولُ: جاذَبْتُهُ عَنْ كَذا دَلالَةً عَلى الِإبْعادِ وتَحْصِيلِ الجَذْبِ البالِغِ، ولِهَذا قالَ في الأساسِ: ومِنَ المَجازِ راوَدَهُ عَنْ نَفْسِهِ خادَعَهُ عَنْها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: أيْ فَعَلَتْ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ بِصِحابِهِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَهُ مِن يَدِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا إنَّما يَحْصُلُ مِنَ المُنازَعَةِ في الرَّوْدِ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ التَّمَحُّلِ لِمُوافَقَتِهِ إيّاها، والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِها لِلْمُحافَظَةِ عَلى السَّتْرِ ما أمْكَنَ، أوْ لِلِاسْتِجْهانِ بِذِكْرِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ لِتَقْرِيرِ المُراوَدَةِ فَإنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِمّا يَدْعُو إلى ذَلِكَ ولِإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ عَدَمَ مَيْلِهِ إلَيْها مَعَ دَوامِ مُشاهَدَتِهِ لِمَحاسِنِها واسْتِعْصائِهِ عَلَيْها مَعَ كَوْنِهِ تَحْتَ يَدِها يُنادِي بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أعْلى مَعارِجِ العِفَّةِ، وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِها لِما أنَّ العَرَبَ تُضِيفُ البُيُوتَ إلى النِّساءِ بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ القائِماتُ بِمَصالِحِهِ أوِ المُلازِماتُ لَهُ، وخُرِّجَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ وكَثُرَ في كَلامِهِمْ صاحِبَةُ البَيْتِ ورَبَّةُ البَيْتِ لِلْمَرْأةِ، ومِن ذَلِكَ: يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ.

﴿ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ أيْ أبْوابَ البَيْتِ، وتَشْدِيدُ الفِعْلِ لِلتَّكْثِيرِ في المَفْعُولِ إنْ قُلْنا: إنَّ الأبْوابَ كانَتْ سَبْعَةً كَما قِيلَ، فَإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ فَهو لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ فَكَأنَّهُ غُلِقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أوْ بِمِغْلاقٍ بَعْدَ مِغْلاقٍ، وجَمْعُ (الأبْوابِ) حِينَئِذٍ إمّا لِجَعْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ كَأنَّهُ بابٌ أوْ لِجَعْلِ تَعَدُّدِ إغْلاقِهِ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يُغْلَقْ إلّا بابانِ: بابُ الدّارِ، وبابُ الحُجْرَةِ الَّتِي هُما فِيها.

وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ وأنَّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ وهم مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ (غَلَّقَتِ الأبْوابَ) غَلْقًا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ مَتْرُوكَةٌ حَسْبَما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ، ورُدَّ بِأنَّ إفادَةَ التَّعْدِيَةِ لا تُنافِي إفادَةَ التَّكْثِيرِ مَعَها، فَإنَّ مُجَرَّدَ التَّعْدِيَةِ يَحْصُلُ بِبابِ الأفْعالِ، فاخْتِيارُ التَّفْعِيلِ عَلَيْهِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ولِذا قالَ الجَوْهَرِيُّ أيْضًا: ﴿ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ اهـ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ لَمْ يَتَنَبَّهِ الرّادُّ لِأنَّ ما نَقَلَهُ عَلَيْهِ لا لَهُ لِأنَّ الرَّدِيءَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللُّغَوِيُّونَ إنَّما هو اسْتِعْمالُ الثُّلاثِيِّ مِنهُ لا أنَّ لَهُ ثُلاثِيًّا لازِمًا حَتّى يَتَعَيَّنَ كَوْنُ التَّفْعِيلِ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَعَدِّيهِ لازِمٌ في الثُّلاثِيِّ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ رَدِيئًا أوْ فَصِيحًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، فالواهِمُ ابْنُ أُخْتِ خالَةِ المُوهَمِ فافْهَمْ.

﴿ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ أيْ أسْرِعْ فَهي اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ كَأيْنَ، وفَسَّرَها الكِسائِيُّ والفَرّاءُ بِتَعالَ، وزَعَما أنَّها كَلِمَةٌ حُورانِيَّةٌ وقَعَتْ إلى أهْلِ الحِجازِ فَتَكَلَّمُوا بِها؛ وقالَ أبُو زَيْدٍ: هي عِبْرانِيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ هي سُرْيانِيَّةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ هي قِبْطِيَّةٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ هي عَرَبِيَّةٌ تَدْعُوهُ بِها إلى نَفْسِها، وهي كَلِمَةُ حَثٍّ وإقْبالٍ، واللّامُ لِلتَّبْيِينِ كالَّتِي في سُقْيا لَكَ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ إرادَتِي كائِنَةٌ لَكَ، أوْ أقُولُ لَكَ، وجَوَّزَ كَوْنَها اسْمَ فِعْلٍ خَبَرِيٍّ كَهَيْهاتَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والمَعْنى تَهَيَّأْتُ لَكَ، وجَعَلَها بَعْضُهم عَلى هَذا لِلتَّبْيِينِ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ أيْضًا لِأنَّ اسْمَ الفِعْلِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ، والتّاءُ مُطْلَقًا مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ، ولَيْسَ تَفْسِيرُها بِتَهَيَّأْتُ لِكَوْنِ الدّالِّ عَلى التَّكَلُّمِ التّاءُ لِيُرَدَّ أنَّها إذا كانَتْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ لا تَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ بَلْ تَكُونُ فِعْلًا مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بَلْ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَتِ التَّهَيُّؤَ بِأنَّهُ لَهُ لَزِمَ كَوْنُها هي المُتَهَيَّأةُ كَما إذا قِيلَ لَكَ: قَرِّبْنِي مِنكَ فَقُلْتُ هَيْهاتَ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعْنى بَعُدَتْ بِالقَرِينَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ (هَيْتُ) بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِحَيْثُ.

وقَرَأ أبُو الأسْوَدِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى البَصْرَةِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (هَيْتِ) بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَيْرِ، والكَلامُ فِيها عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ كالكَلامِ فِيها عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ (هِيتَ) بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وتاءٌ مَفْتُوحَةٌ، وحَكى الحَلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الدّانِيُّ تَبَعًا لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في الحُجَّةِ، وقَدْ تَبِعَهُ أيْضًا جَماعَةٌ بِأنَّ فَتْحَ التّاءِ فِيما ذَكَرَ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي لِأنَّ الفِعْلَ حِينَئِذٍ مِنَ التَّهَيُّؤِ، ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَها بِدَلِيلِ ﴿ وراوَدَتْهُ ﴾ إلَخْ فَلا بُدَّ مِن ضَمِّ التّاءِ، ورَدَّ ذَلِكَ صاحِبُ النَّشْرِ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ تَهَيَّأ لِي أمْرُكَ لِأنَّها لَمْ يَتَيَسَّرْ لَها الخَلْوَةُ بِهِ قَبْلُ، أوْ حَسُنَتْ هَيْئَتُكَ و(لَكَ) عَلى المَعْنَيَيْنِ لِلْبَيانِ، والرِّوايَةُ عَنْ هِشامٍ صَحِيحَةٌ جاءَتْ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزَةِ وضَمِّ التّاءِ، وهي رِوايَةٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو أيْضًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، وأبُو وائِلٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطَلْحَةُ وآخَرُونَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما سَهَّلا الهَمْزَةَ، وذَكَرَ النَّحّاسُ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وكَسْرِ ِالتّاءِ، وقُرِئَ أيْضًا هَيّا بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِها وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي عَلى ما قالَ ابْنُ هِشامٍ: لُغَةٌ في (هَيْتَ)، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ القِراآتِ كُلَّها لُغاتٌ وهي فِيها اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى هَلُمَّ، ولَيْسَتِ التّاءُ ضَمِيرًا، وقالَ آخَرُ: إنَّها لُغاتٌ والكَلِمَةُ عَلَيْها اسْمُ فِعْلٍ إلّا عَلى قِراءَةِ ضَمِّ التّاءِ مَعَ الهَمْزِ وتَرْكِهِ فَإنَّ الكَلِمَةَ عَلَيْها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا رافِعًا لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن هاءَ الرَّجُلُ يَهِيءُ كَجاءَ يَجِيءُ إذا حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ، أوْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ، يُقالُ: هِئْتُ وتَهَيَّأْتُ بِمَعْنًى وإذا كانَتْ فِعْلًا تَعَلَّقَتِ اللّامُ بِها، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ هُيِيْتُ مِثْلَ حُبِبْتُ وهي في ذَلِكَ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مُسَهَّلُ الهَمْزَةِ مِن هَيَّأْتُ الشَّيْءَ كَأنَّ أحَدًا هَيَّأها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ يُقالُ: عُذْتُ عَوَذًا وعِياذًا وعِياذَةً ومُعاذًا أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعاذًا مِمّا تُرِيدِينَ مِنِّي، وهَذا اجْتِنابٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وإشارَةٌ إلى التَّعْلِيلِ بِأنَّهُ مُنْكَرٌ هائِلٌ يَجِبُ أنْ يُعاذَ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا لِلْخَلاصِ مِنهُ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِما أراهُ اللَّهُ تَعالى ما هو عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ مِن غايَةِ القُبْحِ ونِهايَةِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ تَعْلِيلٌ بِبَعْضِ الأسْبابِ الخارِجَةِ مِمّا عَسى يَكُونُ مُؤَثِّرًا عِنْدَها وداعِيًا لَها إلى اعْتِبارِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِهِ الذّاتِيِّ الَّتِي لا تَكادُ تَقْبَلُهُ لِما سَوَّلَتْهُ لَها نَفْسُها، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ مِنَ الإيذانِ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها ما فِيهِ مَعَ زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ أيْ إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا أيْ هو رَبِّي أيْ سَيِّدِي العَزِيزِ أحْسَنَ تَعَهُّدِي حَيْثُ أمَرَكَ بِإكْرامِي عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ أُسِيءَ إلَيْهِ بِالخِيانَةِ في حَرَمِهِ؟

!

وفِيهِ إرْشادٌ لَها إلى رِعايَةِ حَقِّ العَزِيزِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ الرَّبِّ عَلى غَيْرِهِ تَعالى فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الرَّبُّ بِمَعْنى الخالِقِ فَهو باطِلٌ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُطْلِقَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ عَلى مَخْلُوقٍ ذَلِكَ، وإذا أُرِيدَ بِهِ السَّيِّدُ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ في الحَقِيقَةِ مَمْلُوكٌ لَهُ، ومِن هُنا -وإنْ كانَ فِيما ذَكَرَ نَظَرٌ ظاهِرٌ- اخْتارَ في البَحْرِ أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، و(رَبِّي) خَبَرُ إنَّ، و ﴿ أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو الخَبَرُ، والأوَّلُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ إنَّهُ تَعالى خالِقِي أحْسَنَ مَثْوايَ بِعَطْفِ قَلْبٍ مِن أمْرِكَ بِإكْرامِي عَلَيَّ فَكَيْفَ أعْصِيهِ بِارْتِكابِ تِلْكَ الفاحِشَةِ الكَبِيرَةِ؟

!

وفِيهِ تَحْذِيرٌ لَها عَنْ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، وجَوَّزَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ بِمَعْنى الخالِقِ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلشَّأْنِ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِاقْتِضائِها الِامْتِناعُ عَمّا دَعَتْهُ إلَيْهِ إيذانٌ بِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ البَيانِ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَتِهِ وكَوْنِهِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ أصْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ غِبَّ تَعْلِيلٍ لِلِامْتِناعِ المَذْكُورِ، والفَلاحُ الظَّفَرُ وإدْراكُ البُغْيَةِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ، فالأوَّلُ الظَّفَرُ بِالسَّعاداتِ الَّتِي تَطِيبُ بِها حَياةُ الدُّنْيا وهو البَقاءُ، والغِنى والعِزُّ، والثّانِي أرْبَعَةُ أشْياءَ: بَقاءٌ بِلا فَناءٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ وعِزٌّ بِلا ذُلٍّ وعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لا عَيْشَ إلّا عَيْشُ الآخِرَةِ، ومَعْنى أفْلَحَ دَخَلَ في الفَلاحِ كَأصْبَحَ وأخَواتِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ هُنا الفَلاحُ الأُخْرَوِيُّ، وبِالظّالِمِينَ كُلَّ مَن ظَلَمَ كائِنًا مَن كانَ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُجازُونَ لِلْإحْسانِ بِالإساءَةِ والعُصاةُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: الزُّناةُ لِأنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، ولِلْمَزْنِيِّ بِأهْلِهِ، وقِيلَ: الخائِنُونَ لِأنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ أيْضًا ولِمَن خانُوهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ يعني: راودته عما أرادت عليه، مما تريد النساء من الرجال، فعلم بذلك ذكر الفاحشة الذي راودته عليه.

ومعناه: طلبت إليه أن يمكنها من نفسه، يعني: امرأة العزيز واسمها زليخا وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ عليها وعلى يوسف، وجعلت تغمزه وتمازحه، ويوسف يعظها بالله ويزجرها.

وروي عن ابن عباس، أنه قال: «كان يوسف إذا تبسم، رئيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور في كلامه يذهب من بين يديه، ولا يستطيع آدمي أن ينعت نعته» .

فقالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك!

قال: هما أول شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي.

ثم قالت: يا يوسف ما أحسن ديباج وجهك!

قال: هو للتراب يأكله.

ثم قالت: يا يوسف ما أحسن شعرك!

قال: هو أول ما ينتثر من جسدي.

وَقالَتْ: يا يوسف، هَيْتَ لَكَ.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم، هَيْتَ لَكَ بنصب الهاء والتاء، بمعنى: أقبل، ويقال: هلم إليّ، والعرب تقول: هيت فلان لفلان، إذا دعاه وصاح به، وهكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن.

وقرأ ابن عامر في رواية هشام هِئْتُ بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك.

وقرأ ابن كثير هَيْتَ لك بنصب الهاء وضم التاء، ومعناه: أنا لك، وأنا فداؤك، وقرأ نافع وابن عامر في إحدى الروايتين هَيْتَ بكسر الهاء ونصب التاء، بغير همز.

قالَ مَعاذَ اللَّهِ قال يوسف: أعوذ بالله أن أعصيه وأخونه.

إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ يعني: إنه سيدي الذي اشتراني أحسن إكرامي، فلم أكن لأفعل بامرأته ذلك.

إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: لا ينجو الزناة من عذاب الله تعالى، وفي هذه الآية دليل: أن معرفة الإحسان واجب، لأن يوسف امتنع عنها لأجل شيئين: لأجل المعصية والظلم، ولأجل إحسان الزوج إليه.

قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها روى حماد بن سلمة عن الكلبي أنه قال: كان من همها أنها دعته إلى نفسها واضطجعت، وهَمَّ بها بالموعظة والتخويف من الله تعالى، وقيل: إنه حلَّ سراويله، وجلس بين رجليها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يقول: مثل له يعقوب في الحائط عاضاً على شفتيه، فاستحيا، فتنحى بنفسه.

وقال وهب بن منبه: لم تزل تخدعه حتى همَّ بها، ودخل معها في فراشها، فنودي من السماء: مهلاً يا يوسفُ، فإنك لو وقعت في خطيئة محي اسمك عن ديوان النبوة.

وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ما بلغ من همه؟

قال: «أطلق هميانه فنودي: يا يوسف لا تكن كالطائر له ريش فزنى، فسقط ريشه» .

ويقال: كان همها هم إرادة وشهوة، وهمه همّ اضطرار وغلبة.

وقال بعضهم: كان همه حديث النفس والفكر وهما مرفوعان.

وقال بعضهم: هَمَّ بِها يعني: يضربها.

وقال بعضهم: يعني: هم بالفرار عنها.

وقال بعضهم: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ تم الكلام، ثم قال: وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يعني: لما رأى البرهان لم يهم بها، فقد قيل هذه الأقاويل، والله أعلم.

وقد روي في الخبر: «أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو همَّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا، ولكنهم كانوا معصومين من الفواحش.

وقوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «مثل له يعقوب، فضرب بيده على صدره، فخرجت شهوته من أنامله» .

وقال محمد بن كعب لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال: لولا أن قرأ القرآن من تحريم الزنى، وذلك أنه استقبل بكتاب لله وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] .

قال الله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ يقول: هكذا صرفت السوء والفحشاء عن يوسف بالبرهان، حين استعاذ إليّ بقوله: معاذ الله.

ثم قال: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ بالتوحيد والطاعة.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الْمُخْلَصِينَ بكسر اللام، ومعناه ما ذكرناه.

وقرأ الباقون الْمُخْلَصِينَ بالنصب، يعني: المعصومين من الذنوب والفواحش، ويقال: أخلصه الله بالنبوة والرسالة والإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في «أمره» يحتمل أنْ يعودَ على يوسف قاله الطبري «١» ، ويحتملُ أن يعود على اللَّهِ عزَّ وجلَّ قاله ابن جُبَيْر، فيكون إِخباراً منبِّهاً على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ ليس في شأن يوسُفَ خاصَّة، بل عامًّا في كل أمر، و «الأَشُدَّ» : استكمال القوة وتناهِي بِنْيَةِ الإِنسان، وهما أَشُدَّان: أولهما، البلوغ، والثاني: الذي يستعمله العرب.

وقوله سبحانه: وآتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً: يحتمل أن يريد بالحُكْم: الحكمة والنبوَّة، وهذا على الأشُدِّ الأعلَى، ويحتملُ أن يريد بالحُكْمِ: السلطانَ في الدنيا وحكماً بين الناس، وتدخُلُ النبوَّة وتأويلُ الأحاديث وغير ذلك في قوله: وَعِلْماً، وقال ابن «٢» العربيِّ:

آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً: الحُكْم: هو العَمَلُ بالعلْمِ.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: عبارةٌ فيها وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أي: فلا يهولَنَّكَ فعل الكَفَرة وعتوّهم عليك، فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع.

وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)

وقوله سبحانه: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ: المراودة: الملاطفةُ في السُّوق إِلى غرض، والَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها هي زُلَيْخَا امرأةُ العزيز، وقوله: عَنْ نَفْسِهِ:

كنايةٌ عن غرض المواقعة، وظاهرُ هذه النازِلة أنها كانَتْ قبل أنْ ينبَّأ عليه السلام، وقولها:

هَيْتَ لَكَ: معناه: الدُّعاء، أيْ: تعالَ وأقْبِلْ عَلَى هَذا الأمْرِ، قال الحَسن: معناها:

هَلُمَّ، قال البخاريُّ: قال عكرمةُ: هَيْتَ لَكَ بالحُورَانِيَّةِ: هَلُمَّ.

وقال ابن جُبير: تَعَالَهْ، انتهى.

وقرأ هشام عن ابن عامرٍ «٣» : «هِئْتُ لَكَ» - بكسر الهاءِ والهمزِ وضمِّ التاء-، ورويت عن أبي عَمْرو، وهذا يحتملُ أنْ يكون من هَاءَ الرجُلُ يَهِيءُ، إِذا حَسُن هيئته، ويحتمل أنْ يكون بمعنى: تَهَيَّأَتُ، ومَعاذَ: نصب على المصدر، ومعنى الكلام: أعوذ باللَّهِ، ثم

قال: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ، فيحتمل أن يعود الضمير في «إِنه» على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتمل أنْ يريد العزيزَ سيِّدَهُ، أي: فلا يصلح لي أنْ أخونه، وقد أكْرَمَ مثواي، وائتمنني، قال مجاهد وغيره: «رَبِّي» معناه سَيِّدي «١» وإِذا حفظ الآدميّ لإِحسانه فهو عمل زَاكٍ، وأحرى أن يحفظ ربه، والضمير في قوله: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ مرادٌ به الأمر والشأن فقطْ، وحكى بعض المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لمَّا قال: مَعَاذَ اللَّهِ، ثم دافَعَ الأمْرَ باحتجاج وملاينةٍ، امتحنه اللَّه تعالى بالهَمِّ بما هَمَّ به، ولو قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ودافَعَ بِعُنْفٍ وتغييرٍ، لم يَهمَّ بشيء من المَكْروه.

وقوله سبحانه: وَهَمَّ بِها: اختلف في هَمِّ يوسُفُ.

قال ع «٢» : والذي أقولُ به في هذه الآية: أَنَّ كَوْنَ يوسُفَ عليه السلام نبيًّا في وقت هذه النازلة لم يصحَّ، ولا تظاهَرَتْ به روايةٌ، فإِذا كان ذلك، فهو مؤمنٌ قد أوتِيَ حكماً وعلماً، ويجوز عَلَيْه الهَمُّ الذي هو إِرادةُ الشيْءِ دون مواقَعَتِهِ، وأنْ يستصحب الخَاطِرَ الرديءَ علَى ما في ذلك من الخطيئة، وإِن فرضْنَاه نبيًّا في ذلك الوقْتِ، فلا يجوز عليه عندي إِلاَّ الهَمُّ الذي هو الخاطرُ، ولا يصحُّ عندي شيْءٌ مما ذكر من حَلِّ تِكَّةٍ، ونحوِ ذلك لأنَّ العِصْمة مع النبوَّة، وللَهمِّ بالشيْءِ مرتبتانِ، فالخاطرُ المجرَّد دون استصحاب يجوزُ عليه، ومع استصحابِ لا يَجُوزُ عليه إِذ الإِجماع منعقدٌ أَنَّ الهمَّ بالمعصية واستصحابَ التلذُّذ بها غير جائزٍ، / ولا داخِلٍ في التجاوُزِ.

ت: قال عياضٌ: والصحيحُ إِن شاء اللَّه تنزيهُهُمْ أيضاً قبل النبوَّة مِنْ كُلِّ عيْبٍ، وعصمتُهُم مِنْ كُلِّ ما يوجبُ الرَّيْب، ثم قال عياضٌ بعد هذا: وأما قولُ اللَّه سبحانه:

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، فعلى طريق كثيرٍ من الفقَهَاء والمحدِّثين أنَّ همَّ النفْس لا يؤاخذ به، وليس بسيِّئة، لقوله عليه السلام عن ربِّه: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» «٣» فَلاَ مَعْصِيَةَ في همه إِذَنْ، وأما علَى مذهب المحقِّقين من الفقهاء والمتكلِّمين، فإِن الهمَّ إِذا وُطِّنَتْ عليه النفْسُ سيئةٌ، وأَما ما لم توطَّن عليه النفس مِنْ همومها وخواطرها، فهو المعفوُّ عنه، وهذا هو الحقُّ، فيكون إِن شاء اللَّه هَمُّ يوسُفَ من هذا، ويكونُ قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ...

الآية [يوسف: ٥٣] : أي:

مِن هذا الهَمِّ، أو يكون ذلك مِنْهُ على طريق التواضُع.

انتهى.

واختلف في البُرْهَان الذي رآه يوسُفُ، فقيل: ناداه جبريلُ: يا يوسُفُ، تَكُونُ في ديوانِ الأنبياءِ، وتفعلُ فِعْلَ السفهاءِ، وقيل: رأَى يعقوبَ عَاضًّا علَى إِبهامه، وقيل غير هذا، وقيل: بل كان البرهَانُ فِكْرَتَهُ في عذابِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ على المعصية، والبرهانُ في كلام العرب: الشيء الذي يُعْطِي القطْعِ واليَقِينَ، كان مما يَعلَمُ ضرورةً أو بخبرٍ قطعيٍّ أو بقياسٍ نظريٍّ «وأنْ» في قوله: لَوْلا أَنْ رَأى في موضع رفعٍ، تقديره: لولا رؤيته برهانَ رَبِّه، لَفَعَلَ، وذَهَبَ قومٌ إِلى أَنَّ الكلامَ تَمَّ في قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وأن جواب «لولا» في قوله: وَهَمَّ بِها، وأن المعنى: لولا أنْ رأَى البرهان لَهَمَّ، أي: فلم يهمَّ عليه السلام، وهذا قولٌ يردُّه لسانُ العربِ، وأقوالُ السلَفِ ت: وقد ساقَ عيَاضٌ هذا القولَ مساق الاحتجاج به متَّصلاً بما نقَلْناه عنْه آنفاً، ولفظه: فكيف، وقَدْ حكَى أبو حاتمٍ عن أبي عُبَيْدة، أن يوسف لم يَهِمَّ، وأنَّ الكلام فيه تقديمٌ وتأخير، أي: ولقد همَّتْ به، ولولا أنْ رأَى برهانَ ربه لَهَمَّ بها، وقد قال اللَّه تعالى عن المرأة: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، [يوسف:

٢٣] وقال تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ...

الآية.

انتهى.

وكذا نقله الداودي ولفظه: وقد قال سعيدُ بْنَ الحَدَّاد: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ومعناه: أنه لولا أنْ رأَى برهان ربِّه لَهَمَّ بها، فلمَّا رأى البرهان لم يَهِمَّ، انتهى.

قال ابن العربيِّ في «أَحكامه» «١» : وقد أخبر اللَّه سبحانه عن حالِ يوسُفَ من حين بلوغه بأنه آتاه حكماً وعلماً، والحُكْم: هو العمل بالعلم، وكلامُ اللَّه صادِقٌ، وخبره صحيحٌ، ووصفه حَقٌّ، فقد عَمِلَ يوسُفُ بما عَلَّمه اللَّه من تحريم الزنا، وتحريم خيانةِ السيِّد في أهْله، فما تعرَّض لامرأةِ العزيز، ولا أناب إِلى المُرَاودة، بل أَدْبَرَ عنها، وَفَّر منها حِكْمَةٌ خُصَّ بها، وعملٌ بما علَّمه اللَّه تعالى، وهذا يطمس وُجُوهَ الجَهَلَةِ مِنَ النَّاس والغَفَلَةِ من العلماءِ في نسْبتهم إِلى الصِّدِّيقِ ما لا يليقُ، وأقلُّ ما اقتحموا مِنْ ذلك هَتْكُ السراويلِ، والهَمُّ بالفَتْكِ فيما رَأَوْهُ من تأويلٍ، وحاشاه من ذلك، فما لهؤلاء المفسِّرين لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً يقولون: فَعَلَ فَعَلَ، واللَّه تعالى إِنما قال هَمَّ بها، قال علماء الصوفيَّة: إِن فائدة قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ...

[يوسف: ٢٢] أن اللَّه عزَّ وجلَّ أعطاه العلْمَ والحكْمة بأن غلب الشهوة ليكون ذلك سبباً للعصْمَة، انتهى.

والكافُ من قوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ: متعلِّقةٌ بمضمرٍ، تقديره:

جَرَتْ أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرفَ، ويصحُّ أن تكون الكافُ في موضع رفع بتقدير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أيْ: طَلَبَتْ مِنهُ المُواقَعَةَ، وقَدْ سَبَقَ اسْمُها.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: راوَدَتْهُ عَمّا أرادَتْهُ مِمّا يُرِيدُ النِّساءَ مِنَ الرِّجالِ.

﴿ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " هَيْتُ لَكَ " بِفَتْحِ الهاءِ وتَسْكِينِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " هِيْتَ لَكَ " بِكَسْرِ الهاءِ وتَسْكِينِ الياءِ وفَتْحِ التّاءِ.

وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

ورَوى الحَلَوانِيُّ عَنْ هِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ هَمَزَهُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو خَطَأٌ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " هِئْتُ لَكَ " بِكَسْرِ الهاءِ وهَمْزِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وقَتادَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ الهَيْئَةِ، كَأنَّها قالَتْ: تَهَيَّأْتُ لَكَ.

وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ إلّا أنَّها بِغَيْرِ هَمْزٍ.

وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التّاءِ.

وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، وحُمَيْدٍ.

وعَنِ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بِكَسْرِ الهاءِ والتّاءِ مَعَ الهَمْزِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ خُثَيْمٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَهْمِزْ.

وعَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ التّاءِ مَعَ الهَمْزِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: " هُيِّئْتُ لَكَ " بِرَفْعِ الهاءِ والتّاءِ وبِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ ساكِنَةٌ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " ها أنا لَكَ " .

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ والتّاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ اللُّغاتِ، وأكْثَرُها في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْناها: هَلُمَّ لَكَ، أيْ: أقْبِلْ عَلى ما أدْعُوكَ إلَيْهِ، وقالَ الشّاعِرُ: أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أخا العِراقِ إذا أتَيْتا أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا أيْ: فَأقْبِلْ وتَعالَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ هَيَّتَ فَلانٌ لِفُلانٍ: إذا دَعاهُ وصاحَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: قَدْ رابَنِي أنَّ الكَرِيَّ أسْكَتا ∗∗∗ لَوْ كانَ مَعْنِيًّا بِها لَهَيَّتا أيْ: صارَ ذا سُكُوتٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: " هَيْتَ لَكَ " بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَرَبِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِن كَلامِ قُرَيْشٍ، إلّا أنَّها مِمّا دَرَسَ وقَلَّ في أفْواهِهِمْ آخِرًا، فَأتى اللَّهُ بِهِ، لِأنَّ أصْلَهُ مِن كَلامِهِمْ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا مَصْدَرَ لَها، ولا تَصَرُّفَ، ولا تَثْنِيَةَ، ولا جَمْعَ، ولا تَأْنِيثَ، يُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هَيْتَ لَكُما، ولِلْجَمِيعِ: هَيْتَ لَكم، ولِلنِّسْوَةِ: هَيْتَ لَكُنَّ.

والثّانِي: أنَّها بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: بِالحَوْرانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والكِسائِيُّ.

وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّها لُغَةٌ لَأهِلَ حَوَرانَ، سَقَطَتْ إلى أهْلِ مَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِها.

والرّابِعُ: أنَّها بِالقِبْطِيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ، والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أفْعَلَ هَذا، يُقالُ عُذْتُ عِياذًا ومَعاذًا ومَعاذَةً.

﴿ إنَّهُ رَبِّي ﴾ أيْ: إنَّ العَزِيزَ صاحِبِي " أحْسَنَ مَثْوايَ "، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " إنَّهُ رَبِّي " يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ﴿ أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ أيْ: تَوَلّانِي في طُولِ مُقامِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ أيْ: إنْ فَعَلْتُ هَذا فَخُنْتُهُ في أهْلِهِ بَعْدَما أكْرَمَنِي فَأنا ظالِمٌ.

وقِيلَ: الظّالِمُونَ هاهُنا: الزُّناةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عن نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عنهُ السُوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابَ قالَتْ ما جَزاءُ مِن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ المُراوَدَةُ: المُلاطَفَةُ في السُوقِ إلى غَرَضٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما هو في هَذا المَعْنى الَّذِي هو بَيْنَ الرِجالِ والنِساءِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن "رادَ يَرُودُ" إذا تَقَدَّمَ لِاخْتِبارِ الأرْضِ والمَراعِي، فَكَأنَّ المُراوِدَ يَخْتَبِرُ أبَدًا بِأقْوالِهِ وتَلَطُّفِهِ حالَ المُراوَدِ مِنَ الإجابَةِ أوِ الِامْتِناعِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقَرَعَتِ الأبْوابَ"، وكَذَلِكَ رُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، والَّتِي هو في بَيْتِها هي زُلَيْخا امْرَأةُ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: "عن نَفْسِهِ" كِنايَةٌ عن غَرَضِ المُواقَعَةِ، وقَوْلُهُ: "وَغَلَّقَتِ" تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ.

وظاهِرُ هَذِهِ النازِلَةِ أنَّها كانَتْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: "هَيْتُ" بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الأسْوَدِ، وعِيسى بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والبَصْرِيُّونَ: "هَيْتَ" بِفَتْحِ الهاءِ والتاءِ وسُكُونِ الياءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأبِي عَمْرٍو، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَعْرِفُ أهْلُ البَصْرَةِ غَيْرَها، وهم أقَلُّ الناسِ غُلُوًّا في القِراءَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقَدْ رُوِيَتْ عن رَسُولِ اللهِ  ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "هِيتَ" بِكَسْرِ الهاءِ، وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ التاءِ وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهَذِهِ الأرْبَعُ بِمَعْنًى واحِدٍ واخْتَلَفَتْ بِاخْتِلافِ اللُغاتِ فِيها، وَمَعْناهُ: الدُعاءُ، أيْ: تَعالَ وأقْبِلْ عَلى هَذا الأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناها: هَلُمَّ، ويَحْسُنُ أنْ تَتَّصِلَ بِها "لَكَ" إذْ حَلَّتْ مَحَلَّ قَوْلِها: إقْبالًا أو قُرْبًا، فَجَرَتْ مَجْرى "سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ يُخاطِبُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِيـ......

ـنَ أخا العِراقِ إذا أتَيْنا إنَّ العِراقَ وأهْلَهَ ∗∗∗ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتًا ومِن ذَلِكَ عَلى اللُغَةِ الأُخْرى قَوْلُ طُرْفَةَ: لَيْسَ قَوْمِي بِالأبْعَدِينَ إذا ما ∗∗∗ ∗∗∗ قالَ داعٍ مِنَ العَشِيرَةِ هَيْتُ ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْ رابَنِي أنَّ الكِرى أسْكَتا ∗∗∗ ∗∗∗ ولَوْ غَدا يُعْنى بِنا لَهَيَّتا أسْكَتَ: دَخَلَ في السُكُوتِ، و "هَيَّتَ" مَعْناهُ: قالَ: هَيْتَ، كَما قالُوا: أفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ أُفٍّ، ومِنهُ: سَبَّحَ وكَبَّرَ ودَعْدَعَ إذا قالَ: داعَ داعَ.

والتاءُ عَلى هَذِهِ اللُغاتِ كُلِّها مَبْنِيَّةٌ، فَهي في حالِ الرَفْعِ مِثْلَ قَبْلُ وبَعْدُ، وفي الكَسْرِ عَلى البابِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وفي حالِ النَصْبِ كَكَيْفَ ونَحْوِها قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و"هَيْتَ" لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَيْتَ لَكَ، وهَيْتَ لَكُما، وهَيْتَ لَكم.

وقَرَأ هِشامُ ابْنُ عامِرٍ: "هِئِتُ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وضَمِّ التاءِ.

وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي وائِلٍ، وأبِي رَجاءَ، ويَحْيى، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن: "هاءَ الرَجُلُ يَهِيءُ" إذا أحْسَنَ هَيْئَتَهُ عَلى مِثالِ: "جاءَ يَجِيءُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَهَيَّأْتُ، كَما يُقالُ: "فِئْتُ وتَفَيَّأْتُ" بِمَعْنىً واحِدٍ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ  ﴾ ، وقالَ: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا هَكَذا إلّا أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "هُيِّئْتُ لَكَ"، وقَرَأ الحُلْوانِيُّ عن هِشامٍ: "هِئِتَ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وفَتْحِ التاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وهْمٌ، لِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ: "هِئِتَ لِي" وسِياقُ الآياتِ يُخالِفُ هَذا، وحَكى النَحّاسُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "هِيتِ" بِكَسْرِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ.

و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ومَعْنى الكَلامِ: أعُوذُ بِاللهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّهُ رَبِّي ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العَزِيزَ سَيِّدَهُ، أيْ: فَلا يَصْلُحُ لِي أنْ أخُونَهُ وقَدْ أكْرَمَ مَثْوايَ وائْتَمَنَنِي.

قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُ: "رَبِّي" مَعْناهُ: سَيِّدِي، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا حَفِظَ الآدَمِيَّ لِإحْسانِهِ فَهو عَمَلٌ زاكٍ وأحْرى أنْ يَحْفَظَ رَبَّهُ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْأمْرِ والشَأْنِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ .

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ ﴾ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ والشَأْنُ فَقَطْ.

وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿ مَعاذَ اللهِ ﴾ ثُمَّ دافَعَ الأمْرَ بِاحْتِجاجٍ ومُلايَنَةٍ امْتَحَنَهُ اللهُ تَعالى بِالهَمِّ بِما هَمَّ بِهِ، ولَوْ قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ" ودافَعَ بِعُنْفٍ، وبِغَيْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما ابْتُلِيَ بِالمَكْرُوهِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مَثْوَيَّ"، وكَذا قَرَأها أبُو طُفَيْلٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  : ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ الآيَةُ.

لا شَكَّ أنَّ هَمَّ زُلَيْخا كانَ في أنْ يُواقِعَها يُوسُفُ، واخْتُلِفَ في هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ مِثْلَ هَمِّها، واخْتَلَفُوا كَيْفَ يَقَعُ مِن مِثْلِ يُوسُفَ وهو نَبِيُّ؟

فَقِيلَ: ذَلِكَ لِيُرِيَهُ اللهُ تَعالى مَوْقِعَ العَفْوَ والكِفايَةَ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِثالًا لِلْمُذْنِبِينَ لِيَرَوْا أنَّ تَوْبَتَهم تَرْجِعُ بِهِمْ إلى عَفْوِ اللهِ كَما رَجَعَتْ بِمَن هو خَيْرٌ مِنهم ولَمْ يُوبِقْهُ القُرْبُ مِنَ الذَنْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ هَمَّ يُوسُفَ بَلَغَ -فِيما رَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ- إلى أنْ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْ زُلَيْخا وأخَذَ في حَلِّ ثِيابِهِ وتِكَّتِهِ ونَحْوِ هَذا، وهي قَدِ اسْتَلْقَتْ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَمِّهِ: إنَّما كانَ بِخَطِراتِ القَلْبِ الَّتِي لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى التَحَفُّظِ مِنها، ونَزَعَ عِنْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَتَجاوَزْهُ، فَلا يَبْعُدُ هَذا عَلى مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ "حَسَنَةٌ"، فَقَدْ يَدْخُلُ يُوسُفُ في هَذا الصِنْفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَمُّ يُوسُفَ بِضَرْبِها ونَحْوِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ البَتَّةَ.

والَّذِي أقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كَوْنَ يُوسُفَ نَبِيًّا في وقْتِ هَذِهِ النازِلَةِ لَمْ يَصِحْ ولا تَظاهَرَتْ بِهِ رِوايَةٌ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَهو مُؤْمِنٌ قَدْ أُوتِيَ حُكْمًا وعِلْمًا ويَجُوزُ عَلَيْهِ الهَمُّ الَّذِي هو إرادَةُ الشَيْءِ دُونَ مُواقَعَتِهِ، وأنْ يَسْتَصْحِبَ الخاطِرَ الرَدِيءَ عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الخَطِيئَةِ، وإنْ فَرَضْناهُ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ عِنْدِي إلّا الهَمُّ الَّذِي هو الخاطِرُ، ولا يَصِحُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ مِن حَلِّ تِكَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِصْمَةَ مَعَ النُبُوَّةِ، وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لَهُ: "تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ السُفَهاءِ؟!" فَإنَّما مَعْناهُ العِدَةُ بِالنُبُوَّةِ فِيما بَعْدُ، ولِلْهَمِّ بِالشَيْءِ مَرْتَبَتانِ: فالأُولى تَجُوزُ عَلَيْهِ مَعَ النُبُوَّةِ، والثانِيَةُ الكُبْرى لا تَقَعُ إلّا مِن غَيْرِ نَبِيٍّ؛ لِأنَّ اسْتِصْحابَ خاطِرِ المَعْصِيَةِ والتَلَذُّذُ بِهِ مَعْصِيَةٌ في نَفْسِها تُكْتَبُ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ اللهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسُهم ما لَمْ تَنْطِقْ بِهِ أو تَعْمَلْ"» مَعْناهُ: مِنَ الخَواطِرِ، وأمّا اسْتِصْحابُ الخاطِرِ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ مُباحًا، فَإنْ وقَعَ فَهو خَطِيئَةٌ مِنَ الخَطايا، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَمُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ الَّتِي فِيها الخاطِرُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ اسْتِصْحابَ الخاطِرِ مَعْصِيَةٌ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"،» وقَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ  ﴾ ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الشَرْعِ، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ أنَّ الهَمَّ بِالمَعْصِيَةِ واسْتِصْحابَ التَلَذُّذِ بِها غَيْرُ جائِزٍ ولا داخِلٍ في التَجاوُزِ.

واخْتُلِفَ في البُرْهانِ الَّذِي رَأى يُوسُفُ، وقِيلَ: نُودِيَ.

واخْتُلِفَ فِيما نُودِيَ بِهِ فَقِيلَ: ناداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: يا يُوسُفُ، تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ السُفَهاءِ؟!

وقِيلَ: نُودِيَ: يا يُوسُفُ، لا تُواقِعِ المَعْصِيَةَ فَتَكُونَ كالطائِرِ الَّذِي عَصى فَتَساقَطَ رِيشُهُ فَبَقِيَ مُلْقًى، ناداهُ بِذَلِكَ يَعْقُوبُ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا في مَعْناهُ.

وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ كِتابًا رَآهُ مَكْتُوبًا، فَقِيلَ: في جِدارِ المَجْلِسِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: بَيْنَ عَيْنَيْ زُلَيْخا، وقِيلَ: في كَفٍّ مِنَ الأرْضِ خَرَجَتْ دُونَ جَسَدٍ، واخْتُلِفَ في المَكْتُوبِ؛ فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ  ﴾ ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا  ﴾ ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا.

وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ أنْ رَأى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ مُمَثَّلًا مَعَهُ في البَيْتِ عاضًّا عَلى إبْهامِهِ، وقِيلَ: عَلى شَفَتِهِ، وقِيلَ: بَلِ انْفَرَجَ السَقْفُ فَرَآهُ كَذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُ: لَئِنْ واقَعْتَ المَعْصِيَةَ لَأمْحُوَنَّكَ مِن دِيوانِ النُبُوَّةِ.

وقِيلَ: إنْ جِبْرِيلَ رَكَضَهُ بِرِجْلِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ عَلى أنامِلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ فِكْرَتَهُ في عَذابِ اللهِ ووَعِيدِهِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ الَّذِي اتَّعَظَ بِهِ أنَّ زُلَيْخا قالَتْ لَهُ: مَكانَكَ حَتّى أسْتُرَ هَذا الصَنَمَ -لِصَنَمٍ كانَ مَعَها في البَيْتِ- فَإنِّي أسْتَحْيِي مِنهُ أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ الحالِ، وقامَتْ إلَيْهِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فاتَّعَظَ يُوسُفُ وقالَ: مَن يَسْتُرُنِي أنا مِنَ اللهِ القائِمِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟!

وإذا كُنْتِ أنْتِ تَفْعَلِينَ هَذا لِما لا يَعْقِلُ فَإنِّي أولى أنْ أسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ.

والبُرْهانُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُعْطِي القَطْعَ واليَقِينَ لِأنَّهُ مِمّا يُعْلَمُ ضَرُورَةً أو بِخَبَرٍ قَطْعِيٍّ أو بِقِياسٍ نَظَرِيٍّ، فَهَذِهِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيما رَآهُ يُوسُفُ بَراهِينُ.

و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: لَوْلا رُؤْيَتُهُ بُرْهانَ رَبِّهِ، وهَذِهِ "لَوْلا" الَّتِي يُحْذَفُ مَعَها الخَبَرُ، تَقْدِيرُهُ: لَفَعَلَ أو لارْتَكَبَ المَعْصِيَةَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ ، وأنَّ جَوابَ "لَوْلا" في قَوْلِهِ: ﴿ وَهَمَّ بِها ﴾ ، وأنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ رَأى البُرْهانَ لَهَمَّ، أيْ: فَلَمْ يَهُمَّ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ وأقْوالُ السَلَفِ، قالَ الزَجّاجُ: ولَوْ كانَ الكَلامُ: "وَلَهَمَّ بِها لَوْلا" لَكانَ بَعِيدًا، فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللامِ؟

والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ: عِصْمَتُنا لَهُ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِنَصْرِفَ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيَصْرِفَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ في كُلِّ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ "مُخْلِصًا" في سُورَةِ مَرْيَمَ، وقَرَأ نافِعٌ "مُخْلِصًا" كَذَلِكَ بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ سائِرَ القُرْآنِ "المُخَلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وجُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، و”مُخْلَصًا" كَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ الآيَةُ.

"واسْتَبَقا" مَعْناهُ: سابَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ إلى البابِ؛ هي لِتَرُدَّهُ إلى نَفْسِها، وهو لِيَهْرُبَ عنها، فَقَبَضَتْ في أعْلى قَمِيصِهِ مِن خَلْفِهِ، فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ عِنْدَ طَوْقِهِ، ونَزَلَ التَخْرِيقُ إلى أسْفَلِ القَمِيصِ و”القَدُّ": القَطْعُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ طُولًا، والقَطُّ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وكَذَلِكَ هي اللَفْظَةُ في قَوْلِ النابِغَةِ: تَقُدُّ السَلُوقِيَّ ∗∗∗..........

[...................

فَإنَّ قَوْلَهُ: "تُوقِدُ بِالصُفّاحِ" يَقْتَضِي أنَّ القَطْعَ بِالطُولِ.

و”ألْفَيا": وجَدا، والسَيِّدُ: الزَوْجُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ومُجاهِدٌ.

فَيُرْوى أنَّهُما وجَدا العَزِيزَ ورَجُلًا مِن قَرابَةِ زُلَيْخا عِنْدَ البابِ الَّذِي اسْتَبَقا إلَيْهِ، قالَهُ السُدِّيُّ، فَلَمّا رَأتِ الفَضِيحَةَ فَزِعَتْ إلى مُطالَبَةِ يُوسُفَ والبَغْيِ عَلَيْهِ، فَأرَتِ العَزِيزَ أنْ يُوسُفَ أرادَها، وقالَتْ: ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وتَكَلَّمَتْ في الجَزاءِ، أيْ أنَّ الذَنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ.

وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ مَوْقِعِ السِجْنِ مِنَ النُفُوسِ لا سِيَّما بِذَوِي الأقْدارِ؛ إذْ قَدْ قُرِنَ بِألِيمِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة، فلا يلزم أن تكون هذه القصة حاصلة في الوجود بعد التي قبلها.

وقد كان هذا الحادث قبل إيتائه النبوءة لأن إيتاء النبوءة غلب أن يكون في سن الأربعين.

والأظهر أنه أوتي النبوءة والرسالة بعد دخول أهله إلى مصر وبعد وفاة أبيه.

وقد تعرضت الآيات لتقرير ثبات يوسف عليه السّلام على العفاف والوفاء وكرم الخلق.

فالمراودة المقتضية تكرير المحاولة بصيغة المفاعلة، والمفاعلة مستعملة في التكرير.

وقيل: المفاعلة تقديرية بأن اعتبر العمل من جانب والممانعة من الجانب الآخر من العمل بمنزلة مقابلة العمل بمثله.

والمراودة: مشتقة من راد يرود، إذا جاء وذهب.

شبه حال المحاول أحداً على فعل شيء مكرراً ذلك.

بحال من يذهب ويجيء في المعاودة إلى الشيء المذهوب عنه، فأطلق راود بمعنى حاول.

و ﴿ عن ﴾ للمجاوزة، أي راودته مباعدة له عن نفسه، أي بأن يجعل نفسه لها.

والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة، قاله ابن عطية، أي فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه.

وأما تعديته ب (على) فذلك إلى الشيء المطلوب حصوله.

ووقع في قول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يراود عمه أبا طالب على الإسلام: وفي حديث الإسلاء «فقال له موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه».

والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف عليه السّلام لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوّعه لمرادها.

و ﴿ بيتها ﴾ بيت سكناها الذي تبيت فيه.

فمعنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه كان حينئذٍ في البيت الذي هي به، ويجوز أن يكون المراد بالبيت: المنزل كله، وهو قصر العزيز.

ومنه قولهم: ربة البيت، أي زوجة صاحب الدار ويكون معنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه من جملة أتباع ذلك المنزل.

وغلق الأبواب: جَعْل كل باب سادّاً للفرجة التي هو بها.

وتضعيف ﴿ غلّقت ﴾ لإفادة شدة الفعل وقوته، أي أغلقت إغلاقاً محكماً.

والأبواب: جمع باب.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ [سورة المائدة: 23].

وهَيتَ} اسم فعل أمر بمعنى بَادرْ.

قيل أصلها من اللغة الحَوْرانية، وهي نبطية.

وقيل: هي من اللغة العبرانية.

واللام في ﴿ لك ﴾ لزيادة بيان المقصود بالخطاب، كما في قولهم: سقياً لك وشكراً لك.

وأصله: هيتَك.

ويظهر أنها طلبت منه أمراً كان غير بدع في قصورهم بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته، ولذلك لم تتقدم إليه من قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها.

وسيأتي لهذا ما يزيده بياناً عند قوله تعالى: ﴿ قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ .

وفي ﴿ هيت ﴾ لغات.

قَرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية.

وقرأه ابن كثير بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية.

وقرأه الباقون بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية، والفتحة والضمة حركتا بناء.

و ﴿ مَعاذ ﴾ مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله.

وأصله: أعوذ عَوذاً بالله، أي أعتصم به مما تحاولين.

وسيأتي بيانه عند قوله: ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ ﴾ [سورة يوسف: 79] في هذه السورة.

و (إنّ) مفيدة تعليل ما أفاده معاذ الله} من الامتناع والاعتصام منه بالله المقتضي أن الله أمر بذلك الاعتصام.

وضمير ﴿ إنه ﴾ يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى خالقي.

ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها غيره، فهو معلوم بدلالة العرف، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى سيدي ومالكي.

وهذا من الكلام الموجّه توجيهاً بليغاً حكي به كلام يوسف عليه السّلام إمّا لأن يوسف عليه السّلام أتى بمثل هذا التركيب في لغة القِبط، وإما لأنه أتى بتركيبين عُذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه.

وأياً ما كان فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها.

وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة من الكبائر.

وذُكِرَ وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى الله، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز.

وأكدَ ذلك بوصفه بجملة ﴿ أحسن مثواي ﴾ ، أي جعل آخرتي حسنى، إذ أنقذني من الهلاك، أو أكرم كفالتي.

وتقدم آنفاً تفسير المثوى.

وجملة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ تعليل ثان للامتناع.

والضمير المجعول اسماً ل (إن) ضميرُ الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبراً عنه لأنها موعظة جامعة.

وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة، وظلم سيده الذي آمنه على بينه وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجاً وأحصنها.

والهم: العزم على الفعل.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهمّوا بما لم ينالوا ﴾ في سورة براءة (74).

وأكد همّها ب ﴿ قد ﴾ ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزماً محققاً.

وجملة ﴿ ولقد همت به ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

والمقصود: أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة.

والمقصود من ذكر هَمّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم.

وجملة ﴿ وهَمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولقد همت به ﴾ كلها.

وليست معطوفة على جملة ﴿ همت ﴾ التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام، لأنه لما أردفت جملة ﴿ وهمّ بها ﴾ بجملة شرط ﴿ لولا ﴾ المتمحض لكونه من أحوال يوسف عليه السّلام وحْده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها.

فالتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها، فقدم الجواب على شرطه للاهتمام به.

ولم يقرن الجواب باللاّم التي يكثر اقتران جواب ﴿ لولا ﴾ بها لأنه ليس لازماً ولأنه لمّا قُدم على ﴿ لولا ﴾ كُره قرنه باللام قبل ذكر حرف الشرط، فيحسن الوقف على قوله: ﴿ ولقد همت به ﴾ ليظهر معنى الابتداء بجملة ﴿ وهَمّ بها ﴾ واضحاً.

وبذلك يظهر أن يوسف عليه السّلام لم يخالطه همّ بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان.

قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: ﴿ ولقد همّت به وهمّ بها ﴾ الآية قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط، كأنه قال: ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها.

وطعن في هذا التأويل الطبري بأن جواب ﴿ لولا ﴾ لا يتقدم عليها.

ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب ﴿ لولا ﴾ ، على أنه قد يجعل المذكور قبل ﴿ لولا ﴾ دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل ﴿ لولا ﴾ عليه.

ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن ﴿ لولا ﴾ وشرطها تقييد لقوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ على جميع التأويلات، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات.

وقال جماعة: هَمّ يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكفّ على ذلك لما رأى برهان ربه.

قاله ابن عباس، وقتادة، وابن أبي مليكة، وثعْلب.

وبيان هذا أنه انصرف عمّا همّ به بحفظ الله أو بعصمته، والهمّ بالسيئة مع الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف.

وقال جماعة: هَمّ يوسف وأخذ في التهيّؤ لذلك فرأى برهاناً صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك.

وهذا قول السديّ، ورواية عن ابن عباس.

وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي قبله.

وقد خبط صاحب «الكشاف» في إلصاق هذه الروايات بمن يسميهم الحشوية والمجْبرة، وهو يعني الأشاعرة، وغض بصره عن أسماء من عزيت إليهم هذه التّأويلات (رمتني بدائها وانسلت) ولم يتعجب من إجماع الجميع على محاولة إخوة يوسف عليه السّلام قتلَه والقتلُ أشد.

والرؤية: هنا عِلمية لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر.

والبرهان: الحجة.

وهذا البرهان من جملته صرفهُ عن الهمّ بها، ولولا ذلك لكان حال البشرية لا يسلم من الهمّ بمطاوعتها في تلك الحالة لتوفّر دواعي الهمّ من حسنها، ورغبتها فيه، واغتباط أمثاله بطاعتها، والقرب منها، ودواعي الشباب المسولة لذلك، فكان برهان الله هو الحائل بينه وبين الهمّ بها دون شيء آخر.

واختلف المفسرون في ما هو هذا البرهان، فمنهم من يشير إلى أنه حجة نظرية قبّحت له هذا الفعل، وقيل: هو وحي إلهي، وقيل: حفظ إلهي، وقيل: مشاهدات تمثلت له.

والإشارة في قوله: ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ﴾ إلى شيء مفهوم مما قبله بتضمنه قوله: ﴿ رأى برهان ربّه ﴾ ، وهو رأي البرهان، أي أريناه كذلك الرأي لنصرف عنه السوء.

والصرف: نقل الشيء من مكان إلى مكان، وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول الشيء بالمحل الذي من شأنه أن يحل فيه.

عبر به عن العصمة من شيء يوشك أن يلابس شيئاً.

والتعبير عن العصمة بالصرف يشير إلى أن أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن الله صرفهما عنه.

والسوء: القبيح، وهو خيانة من ائتمنه.

والفحشاء: المعصية، وهي الزنى.

وتقدم السوء والفحشاء عند قوله تعالى: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ في سورة البقرة (169).

ومعنى صرفهما عنه صرف ملابسته إياهما.

وجملة ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ تعليل لحكمة صرفه عن السوء والفحشاء الصرف الخارق للعادة لئلا ينتقص اصطفاء الله إياه في هذه الشدة على النفس.

قرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ﴿ المخلَصين ﴾ بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم.

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب بكسر اللام على معنى المخلصين دينهم لله.

ومعنى التعليل على القراءتين واحد.

والاستباق: افتعال من السبْق.

وتقدم آنفاً، وهو هنا إشارة إلى تكلفهما السبق، أي أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب.

وانتصب ﴿ الباب ﴾ على نزع الخافض.

وأصله: واستبقا إلى الباب، مثل ﴿ واختار موسى قومَه سبعين رجلاً ﴾ [سورة الأعراف: 155]، أي من قومه، أو على تضمين استبقا } معنى ابتدرا.

والتعريف في (الباب) تعريف الجنس إذ كانت عدة أبواب مغلقة.

وذلك أن يوسف عليه السّلام فرّ من مراودتها إلى الباب يريد فتحه والخروج وهي تريد أن تسبقه إلى الباب لتمنعه من فتحه.

وجملة ﴿ وقدّت قميصه ﴾ في موضع الحال.

و ﴿ قدت ﴾ أي قطعت، أي قطعت منه قداً، وذلك قبل الاستباق لا محالة.

لأنه لو كان تمزيق القميص في حال الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف عليه السّلام أنها راودته، إذ لا يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف عليه السّلام سبقها مسرعاً إلى الباب، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة.

وكان قطع القميص من دبر لأنه كان مولياً عنها معْرضاً فأمسكته منه لرده عن إعراضه.

وقد أبدع إيجاز الآية في جمع هذه المعاني تحت جملة ﴿ استبقا الباب وقَدت قميصه ﴾ .

وصادف أن ألفيا سيدها، أي زوجها، وهو العزيز، عند الباب الخارجي يريد الدخول إلى البيت من الباب الخارجي.

وإطلاق السيد على الزوج قيل: إن القرآن حكى به عادة القبط حينئذٍ، كانوا يدعون الزوج سيداً.

والظاهر أنه لم يكن ذلك مستعملاً في عادة العرب، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ مثل قوله الآتي ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ [سورة يوسف: 76].

ولعل الزواج في مصر في ذلك العهد كان بطريق الملك غالباً.

وقد علم من الكلام أن يوسف عليه السّلام فتح الأبواب التي غَلّقتها زليخا باباً باباً حتى بلغ الخارجي، كل ذلك في حال استبَاقهما، وهو إيجاز.

والإلفاء: وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه، فالأكثر أن يكون مفاجئاً، أو حاصلاً عن جهل بأول حصول، كقوله تعالى: ﴿ قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ [سورة البقرة: 170].

وجملة قالت ما جزاء} الخ مستأنفة بيانياً، لأن السامع يسأل: ماذا حدث عند مفاجأة سيدها وهما في تلك الحالة.

وابتدرته بالكلام إمعاناً في البهتان بحيث لم تتلعثم، تخيل له أنها على الحق، وأفرغت الكلام في قالب كلي ليأخذ صيغة القانون، وليكون قاعدة لا يعرف المقصود منها فلا يسع المخاطب إلا الإقرار لها.

ولعلها كانت تخشى أن تكون محبة العزيز ليوسف عليه السّلام مانعة له من عقابه، فأفرغت كلامها في قالب كلي.

وكانت تريد بذلك أن لا يشعر زوجها بأنها تهوى غير سيدها، وأن تخيف يوسف عليه السّلام من كيدها لئلا يمتنع منها مرة أخرى.

ورددت يوسف عليه السّلام بين صنفين من العقاب، وهما: السجن، أي الحبس.

وكان الحبس عقاباً قديماً في ذلك العصر، واستمر إلى زمن موسى عليه السّلام، فقد قال فرعون لموسى عليه السّلام: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ﴾ [سورة الشعراء: 29].

وأما العذاب فهو أنواع، وهو عقاب أقدمُ في اصطلاح البشر.

ومنه الضرب والإيلام بالنار وبقطع الأعضاء.

وسيأتي ذكر السجن في هذه السورة مراراً.

وجملة قال هي راودتني عن نفسي } من قول يوسف عليه السّلام، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة مع كلامها.

ومخالفة التعبير بين ﴿ أن يسجن أو عذابٌ ﴾ دون أن يقول: إلا السجنُ أو عذاب، لأن لفظ السجن يطلق على البيت الذي يوضع فيه المسجون ويطلق على مصدر سجن، فقوله: ﴿ أن يسجن ﴾ أوضح في تسلط معنى الفعل عليه.

وتقديم المبتدأ على خبره الذي هو فعل يفيد القصر، وهو قصر قلب للرد عليها.

وكان مع العزيز رجل من أهل امرأته، وهو الذي شهد وكان فطناً عارفاً بوجوه الدلالة.

وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه السّلام على سيدته أو دحضه.

وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قُبُل، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار وإعراض.

ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقاً وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص.

والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها فأراد أن يقيم دليلاً على صدقها فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف عليه السّلام.

وجملة ﴿ إن كان قميصه ﴾ مبينة لفعل ﴿ شهد ﴾ .

وزيادة ﴿ وهو من الكاذبين ﴾ بعد ﴿ فصدقت ﴾ ، وزيادة ﴿ وهو من الصادقين ﴾ بعد ﴿ فكذبت ﴾ تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو شأن الأحكام.

وأدوات الشرط لا تدل على أكثر من الربط والتسبب بين مضمون شرطها ومضمون جوابها من دون تقييد باستقبال ولا مضي.

فمعنى ﴿ إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت ﴾ وما بعدها: أنه إن كان ذلك حصل في الماضي فقد حصل صدقها في الماضي.

والذي رأى قميصه قدّ من دبر وقال: إنه من كيدكن، هو العزيز لا محالة.

وقد استبان لديه براءة يوسف عليه السّلام من الاعتداء على المرأة فاكتفى بلوم زوجه بأن ادّعاءها عليه من كيد النساء؛ فضمير جمع الإناث خطاب لها فدخل فيه من هن من صنفها بتنزيلهن منزلة الحواضر.

والكيد: فعل شيء في صورة غير المقصودة للتوصل إلى مقصود.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن كيدي متينٌ ﴾ في سورة الأعراف (183).

ثم أمر يوسفَ عليه السّلام بالإعراض عما رمتْه به، أي عدم مؤاخذتها بذلك، وبالكف عن إعادة الخوض فيه.

وأمر زوجه بالاستغفار من ذنبها، أي في اتهامها يوسف عليه السّلام بالجرأة والاعتداء عليها.

قال المفسرون: وكان العزيز قليل الغيرة.

وقيل: كان حليماً عاقلاً.

ولعله كان مولعاً بها، أو كانت شبهة المِلك تخفف مؤاخذة المرأة بمراودة مملوكها.

وهو الذي يؤذن به حال مراودتها يوسف عليه السّلام حين بادرته بقولها: ﴿ هِيتَ لك ﴾ كما تقدم آنفاً.

والخاطئ: فاعل الخطيئة، وهي الجريمة.

وجَعَلَها من زمرة الذين خَطِئوا تخفيفاً في مؤاخذتها.

وصيغة جمع المذكر تغليب.

وجملة ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ من قول العزيز إذ هو صاحب الحكم.

وجملة ﴿ واستغفري لذنبك ﴾ عطف على جملة ﴿ يوسف أعرض ﴾ في كلام العزيز عطف أمر على أمر والمأمور مختلف.

وكاف المؤنثة المخاطبة متعين أنه خطاب لامرأة العزيز، فالعزيز بعد أن خاطبها بأن ما دبّرته هو من كيد النساء وجه الخطاب إلى يوسف عليه السّلام بالنداء ثم أعاد الخطاب إلى المرأة.

وهذا الأسلوب من الخطاب يسمى بالإقبال، وقد يسمى بالالتفات بالمعنى اللغوي عند الالتفات البلاغي، وهو عزيز في الكلام البليغ.

ومنه قول الجَرمي من طي من شعراء الحماسة: إخَالكَ مُوعدي ببني جفَيْف *** وهالةَ إنني أنْهَاككِ هَالا قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: والعرب تجمع في الخطاب والإخبار بين عدة ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم أو أحسنهم سماعاً وأخصّهم بالحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ وهي راعِيلُ امْرَأةُ العَزِيزِ إظْفِيرَ.

قالَ الضَّحّاكُ: وكانَ اسْمُها زُلَيْخا.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: وكانَ إظْفِيرُ فِيما يُحْكى لَنا رَجُلًا لا يَأْتِي النِّساءَ وكانَتِ امْرَأتُهُ حَسْناءَ، وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الحُسْنِ ما لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ كَما لَمْ يَكُنْ في النِّساءِ مِثْلَ حَوّاءَ حُسْنًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْتَسَمَ يُوسُفُ وحَوّاءُ الحُسْنَ نِصْفَيْنِ.

فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ عَنْ نَفْسِهِ اسْتِدْعاءً لَهُ إلى نَفْسِها.

﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِتَكْثِيرِ الأغْلاقِ.

الثّانِي: بِكَثْرَةِ الإيثاقِ.

﴿ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ تَهَيَّأْتُ لَكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ وتَرَكَ الهَمْزَ، وقالَ الشّاعِرُ: قَدْ رابَنِي أنَّ الكَرى أسْكَتا لَوْ كانَ مَعْنِيًّا بِها لَهَيَّتا الثّانِي: هَلُمَّ لَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: وأنْشَدَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أخا ∗∗∗ العِراقَ إذا أتَيْتا ∗∗∗ أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ، فَهَيْتَ هَيْتا وَهَذا تَأْوِيلُ مَن قَرَأ هَيْتَ لَكَ بِفَتْحِ الهاءِ وهي أصَحُّ وأفْصَحُ، قالَ طُرْفَةُ بْنُ العَبْدِ: لَيْسَ قَوْمِي بِالأبْعَدِينَ إذا ما ∗∗∗ قالَ داعٍ مِنَ العَشِيرَةِ: هَيْتا ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا التَّأْوِيلِ في الكَلِمَةِ؛ فَحَكى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ كَلِمَةٌ بِالقِبْطِيَّةِ مَعْناها هَلُمَّ لَكَ، وقالَ مُجاهِدٌ بَلْ هي كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ هَذا مَعْناها، وقالَ الحَسَنُ: هي كَلِمَةٌ سُرْيانِيَّةٌ.

﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ.

وَفي ﴿ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ اللَّهَ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ فَلا أعْصِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ العَزِيزَ إظْفِيرَ إنَّهُ رَبِّي أيْ سَيِّدِي أحْسَنَ مَثْوايَ فَلا أخُونُهُ.

قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ والسُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وراودته التي هو في بيتها ﴾ قال: هي امرأة العزيز.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ﴾ قال: حين بلغ مبلغ الرجال.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي وائل رضي الله عنه قال: قرأها عبد الله ﴿ هيت لك ﴾ بفتح الهاء والتاء، فقلنا له: إن ناساً يقرؤونها ﴿ هيت لك ﴾ فقال: دعوني، فإني أقرأ كما اقرئت أحب إلي.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ هيت لك ﴾ بنصب الهاء والتاء ولا يهمز.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هيت لك ﴾ يعني (هلم لك).

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يقرأ كما يقرأ عبد الله ﴿ هيت لك ﴾ وقال: هلم لك، تدعوه إلى نفسها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هيت لك ﴾ قال: هلم لك، وهي بالحورانية.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه ﴿ هيت لك ﴾ قال: هلم لك وهي بالقبطية هنا.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ هيت لك ﴾ قال: تعال.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هيت لك ﴾ قال: ألقت نفسها واستقلت له، ودعته إلى نفسها، وهي لغة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هيت لك ﴾ قال: ألقت نفسها واستلقت له، لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ عن يحيى بن وثاب أنه قرأها ﴿ هيت لك ﴾ يعني بكسر الهاء وضم التاء يعني تهيأت لك.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ هئت لك ﴾ مكسورة الهاء مضمومة التاء مهموزة.

قال: تهيأت لك.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ هيت لك ﴾ قال: تهيأت لك.

قم فاقض حاجتك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت أحيحة الأنصاري وهو يقول: به أحمى المصاب إذا دعال ** إذا ما قيل للأبطال هيتا وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي وائل رضي الله عنه، أنه كان يقرأ ﴿ هئت لك ﴾ رفع، أي تهيأت لك.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة عن زر بن حبيش رضي الله عنه، أنه كان يقرأ ﴿ هيت لك ﴾ نصباً، أي هلم لك.

وقال أبو عبيد كذلك.

كان الكسائي يحكيها قال: هي لغة لأهل نجد، وقعت إلى الحجاز معناها: تعال.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عبد الله بن عامر اليحصبي رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ هيت لك ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه ربي ﴾ قال: سيدي، يعني زوج المرأة.

وأخرج ابن المنذر عن أبي بكر بن عياش رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه ربي ﴾ قال: يعني زوجها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ يعني: امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها، طلبت منه أن يواقعها، يقال: راود فلان جاريته عن نفسها، وروادته هي عن نفسه، إذا حاول كل واحد من صاحبه الوطء والجماع، ومعنى المراودة في اللغة: المطالبة بأمر للعمل به، قال الزجاج (١) وقوله تعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ ﴾ أي أغلقتها، وأصل (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ هيت: اسم للفعل نحو: رويد، وصه، ومه، وبابه، ومعناه: هلم في قول جميع أهل اللغة (٥) (٦) (٧) (٨) وقال الفراء (٩) (١٠) قال ابن الأنباري (١١) (١٢) وأنشد لطرفه (١٣) هيت الفِتْيَان في مَجْلِسِنَا ...

جَرَّدُوا منها وِرَادًا وشُقُرْ وقال أيضاً (١٤) ليس قَوْمِي بالأبْعَدِين إذا ما ...

قَالَ دَاعٍ من العَشِيرَةِ هَيْتا قال: وللعرب فيها لغات أجودها فتح الهاء والتاء، وهي قراءة العامة (١٥) قال الزجاج (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قال أبو علي الفارسي (٢٠) (٢١) أبْلِغْ أمير المؤمنين أخَا العِرَاقِ إذا انْتَهَيْتا أنَّ العِرَاقَ وأهْلَه عنق إليك فهَيْتَ هَيْتَا أي: هلم إليها، قال أبو علي: قولهم: هيت فلان بفلان إذا دعاه، ينبغي أن يكون مأخوذًا من قولهم: هيت لك، كما أن قولهم: أفف، مأخوذ من أف، وجعلوها بمنزلة الأصوات لموافقتها لها في البناء، فاشتقوا منها كما يشتقون الأصوات نحو: دع دع، وسبح، إذا قال: سبحان الله، ولبَّا إذا قال: لبيك، قال: ومثل هذه الكلمة في أن الأخير قد جازت فيه الحركات لالتقاء الساكنين قولهم: كان في الأمر ذَيْتُ وذْيتَ وذيْتِ، قال: و (لك) في قوله ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ للتبيين بمنزلة (لك) في قولهم: هلم لك، والكاف في قولهم رويدك (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال أبو زيد: هئتُ للأمر هَيئة وتهيأت (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) فأما قول المفسرين في هذا، فروي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس (٢٩) ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ قال: معناه، هلم لك، هو قول الحسن (٣٠) (٣١) ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ قال: هلم، وزاد وكيع: وهو بالحورانية (٣٢) وقال محمد بن إسحاق (٣٣) قال أبو إسحاق (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) أي: كتسليمي على الأمير، وقد مر.

وقولى تعالى: ﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ يعني زوجها، في قول مجاهد (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) قال أبو إسحاق (٤٤) ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد العاصون، وقيل: الزناة، وهو قول الكلبي (٤٥) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.

(٢) "تهذيب اللغة" (غلق) 3/ 2686.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2686، و"لسان العرب" 6/ 3283.

(٤) الثعلبي 7/ 71 أ، الطبري 12/ 179، البغوي 4/ 227.

(٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3816 (هيت)، و"لسان العرب" 8/ 4732 (هيت)، و"مجاز القرآن" 1/ 305.

(٦) ابن اليزيدي هو: أبو جعفر أحمد بن محمد اليزيدي، كان متقنًا للعلوم، رواية للشعر والأخبار، شاعرًا، توفي قبل سنة 260 هـ.

انظر: "تاريخ العلماء النحويين" ص 225.

(٧) في (أ)، (ب): (هنالخ) والصحيح ما أثبته كما في "تهذيب اللغة" 4/ 3816.

(٨) في (ج): (إعرابه).

(٩) "معاني القرآن" 2/ 40.

(١٠) ما سبق من "تهذيب اللغة" 4/ 3816 - 3817.

بتصرف.

(١١) "زاد المسير" 4/ 202، الرازي 18/ 91.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(١٣) والبيت روي بـ (أيها) بدل: هيت، انظر: "ديوانه" 63، و"التكملة" ص 255، و"الخزانة" 4/ 102، و"الخصائص" 2/ 335، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 581، و"شرح المفصل" 5/ 60، وبلا نسبة في "المحتسب" 1/ 162، و"اللسان" (غلف) 6/ 3282.

(١٤) البيت من الخفيف وقد نسبه الواحدي إلى طرفة وليس في ديوانه، وقد نسب إلى طرفة بمثل رواية الواحدي في القرطبي 9/ 164، و"النكت والعيون" 3/ 23، ونسب إلى طرفة، ولكن برواية (هَيتُ) بفتح الهاء وضم التاء في الطبري 12/ 181 (العلمية)، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 100، و"المحتسب" 1/ 337، و"مجمع البيان" 5/ 340.

(١٥) "السبعة" 347، و"النشر" 3/ 125، و"إتحاف" ص 263 وهي قراءة عاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 100.

(١٧) قرأ بها ابن محيصن.

(١٨) وهي قراءة ابن كثير.

(١٩) رواها هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر مع الهمز (هِئتُ) على معنى تهيأتُ لك.

انظر: "السبعة" 347، و"إتحاف" ص 263.

(٢٠) "الحجة" 4/ 417، بتصرف.

"مجاز القرآن" 1/ 305.

(٢١) في "مجاز القرآن" 1/ 279، و"المفصل" 4/ 32، و"اللسان" (هيت) 8/ 4772، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 357، و"جمهرة اللغة" 251، 440.

(٢٢) في (ب): (ويدك) من في غير راء.

(٢٣) في (ج): (وأماها روى).

بالهاء.

(٢٤) هشام بن عمار بن نصير، ابن ميسرة السلمي، أبو الوليد، قاض من القراء المشهورين، من أهل دمشق.

قال الذهبي: خطيبها ومقرئها ومحدثها وعالمها، توفي سنة 245 هـ انظر: "غاية النهاية" 2/ 354، و"ميزان الاعتدال" 5/ 427، و"الأعلام" 8/ 87.

(٢٥) في (أ)، (ب): (وهيأت).

(٢٦) في (أ)، (ج): (وانكسر).

(٢٧) في (ج): (وأبو عمروا أو الكسائي).

(٢٨) "مجاز القرآن" 1/ 305، والطبري 12/ 181، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 410، والثعلبي 7/ 71 أ.

(٢٩) في مسائل نافع بن الأزرق: تهيأت لك، و"الإتقان" 1/ 167، وهذا التفسير في صحيفة علي بن أبي طلحة 291، وهو في الطبري 12/ 179، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم 7/ 2121، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 21.

(٣٠) الطبري 12/ 179، القرطبي 9/ 164.

(٣١) الطبري 12/ 180.

(٣٢) الطبري 12/ 179.

(٣٣) في الطبري 12/ 180 عن ابن إسحاق قال: تعال.

وابن أبي حاتم 7/ 2122 وفيه تعالى فأنا لك.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.

(٣٥) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).

(٣٦) في (ب): (لمروري).

(٣٧) في (أ)، (ب): (لتسليم).

(٣٨) لم أجده.

(٣٩) الطبري 12/ 183، القرطبي 9/ 165، ابن عطية 7/ 475.

(٤٠) الطبري 12/ 183، القرطبي 9/ 165، ابن عطية 7/ 475.

(٤١) "تنوير المقباس" ص 148.

(٤٢) الطبري 12/ 683، القرطبي 9/ 165، ابن عطية 7/ 475.

(٤٣) الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، "زاد المسير" 4/ 203.

(٤٤) في "معاني القرآن" خلاف ذلك 3/ 101 لأنه قال: (أي إن العزيز ربي).

(٤٥) "تنوير المقباس" ص 148، الثعلبي 7/ 72 أ، "زاد المسير" 4/ 203.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ قيل: الأشدّ البلوغ، وقيل: ثماني عشرة سنة؛ وقيل: ثلاث وثلاثون، وقيل: أربعون ﴿ حُكْماً ﴾ هي الحكمة والنبوة ﴿ وراودته التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي: طلبت منه ما يكون من الرجل إلى المرأة وهي زليخا امرأة العزيز ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبواب ﴾ روي أنها كانت سبع أبواب ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ اسم فعل معناه تعال وأقبل، وقرئ بفتح الهاء وكسرها وبفتح التاء وضمها، والمعنى في ذلك كله واحد، وحركة التاء للبناء، وأما من قرأ بالهمز فهو فعل من تهيأتُ كقولك: جئت ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ منصوب على المصدرية، والمعنى أعوذ بالله ﴿ إِنَّهُ ربي ﴾ يحتمل ان يكون الضمير لله تعالى، أو للذي اشتراه، لأن السيد يقال له رب، فالمعنى لا ينبغي لي أن أخونه ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ الضمير للأمر والشأن، ويحتمل ذلك في الأوّل أي الضمير.

رقم الصفحة <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.

والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.

وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.

الآخرون بالضم للإتباع.

﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.

الباقون.

بالكسر.

الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.

قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .

﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.

روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات  ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

والمعنى ولقد جاء آباءكم.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.

وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.

وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟

واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .

ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.

وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.

والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.

﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

ثم إنه  بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.

وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.

والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.

فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.

قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.

والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.

عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.

والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.

يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.

قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.

وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.

وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.

وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.

وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.

وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف  بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله  يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.

وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله  لأنه مسبب الأسباب.

الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.

وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.

قوله  ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر  بإسناده عن علي بن أبي طالب  : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.

وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.

وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.

وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟

فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.

أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟

فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.

وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟

وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.

وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً  ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله  لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.

وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.

قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.

قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.

وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.

ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن  ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله  بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.

ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم  .

فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف  وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.

وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.

وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.

روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.

وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.

روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.

ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟

فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.

وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.

ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.

وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.

وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين  ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.

قال  ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي  أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .

وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.

وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.

واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.

وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.

والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.

قال في الكشاف: التنكير في "قبل".

و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.

أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه  يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله  إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال  : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله  لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.

يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.

وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.

﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.

قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.

وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.

وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.

والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.

﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.

وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.

وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف  فلهذا سمي مكراً.

وقيل: كن أربعين.

﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف  من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.

وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.

وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.

وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.

وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا  كان أملح.

قيل: كان يشبه آدم  يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.

وعن النبي  : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟

فقال: يوسف.

فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.

يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.

وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.

الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.

وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.

وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.

وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.

﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.

واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.

وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟

وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.

وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.

ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.

﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.

والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف  إلى الله  قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.

﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال  ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله  : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.

وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.

عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.

وعن الحسن: خمس سنين.

وعن غيره سبع سنين.

وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.

التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.

﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.

﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.

﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.

﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.

﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.

﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ الأشد: هو اشتداد كل شيء ونهاية كل نوع في الكمال يحتمل أشده: انتهاء بلوغه أو انتهاء شبابه، أو انتهاء عقله في التمام؛ لا يخلو من هذه الوجوه الثلاثة.

وقوله أهل التأويل: من ثماني عشرة سنة إلى أربعين؛ لأنه به يتم ويكمل كل نوع من ذلك إلى ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ .

يحتمل قوله: حكماً: الحكم بين الناس، والعلم: في الحكم.

ويحتمل قوله: ﴿ حُكْماً ﴾ أي: أعطيناه النبوة، ﴿ وَعِلْماً ﴾ : علم الأحاديث وتأويلها؛ على ما تقدم ذكره.

أو أن يكون إذا أعطاه الحكم أعطاه العلم، وإذا أعطاه العلم أعطاه الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

يحتمل: الإحسان في الأعمال؛ أي: عمل أعمالا حسنة صالحة.

ويحتمل: الإحسان إلى الناس؛ أي: أحسن إليهم، أو أحسن إلى نفسه؛ لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: كذلك نجزي من أحسن صحبة نعم الله وإحسانه، وقام بشكر ذلك كذلك؛ أي: مثل الذي جزى يوسف لا يريد أنه يجزي غيره عين ما جزى يوسف، ولكن يجزيه جزاء الإحسان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فِي بَيْتِهَا ﴾ أن البيت قد يجوز أن يضاف إلى المرأة، وإن كان البيت في الحقيقة لزوجها؛ على ما أضاف بيت زوجها إليها.

وقوله: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ المراودة: قيل: هي الدعوة والطلبة، راودته، أي: دعته إلى نفسها.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ﴾ أي: أرادته.

﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ .

قيل: إن هذه كلمة أخذت من الكتب المتقدمة، ليست بعربية، ونحن لا نعرف ما أرادت بها، لكن أهل التأويل قال بعضهم: هلم لك.

وقال بعضهم: تهيأت لك.

وفي بعض القراءات: (هئت لك) بالهمز، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: تهيأت لك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ : هأنا لك.

﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أعوذ بالله وألجأ إليه.

﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ رَبِّيۤ ﴾ أي: سيدي الذي اشتراه ﴿ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ أي: أكرم مقامي ومكاني؛ دليله: قوله لزوجته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، هذا يدل أن قوله: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ أي: أحسني مثواه، ولكن يشبه أن يكون أراد بقوله: ﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ربّه الذي خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ بظلمهم وقت ظلمهم، والمثوى: الموضع الذي يثوى فيه، والثواء: المقام، والثاوي: المقيم، و ﴿ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ قيل: أعوذ بالله، وألجأ إليه، وأتحصن به.

أو: لا يفلح الظالمون: إذا ختموا بالظلم، وأما إذا انقعلوا عنه فقد أفلحوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ .

أما ما قاله أهل التأويل إنها استقلت له ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ أي: حل سراويله، وأمثال هذا من الخرافات؛ فهذا كله مما لا يحل أن يقال فيه شيء من ذلك، والدلالة على فساد ذلك من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ، ولو كان منه الإرادة والمراودة، لم يكن ليقول ذلك لها ويبرئ نفسه من ذلك.

والثاني: قوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ﴾ ، ولو كان شيء مما ذكروا من حل السراويل والجلوس بين رجليها، لم يكن السوء مصروفاً عنه.

والثالث: قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، ولو كان منه ما ذكروا لقد خانه بالغيب.

والرابع: قولها: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ  ﴾ ، وقولها: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ .

هذا كله يدل أن ما قاله أهل التأويل فاسد، لا يحل أن يتكلم فيه بشيء من ذلك، وليس في ظاهر الآية شيء مما قالوا لا قليل ولا كثير؛ إذ ليس فيه سوى أن همت به وهم بها.

ثم تحتمل الآية وجوهاً عندنا: أحدها: همت به: هم عزم، وهم بها هم خطر، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب، ولا مؤاخذة عليه، وهو قول الحسن.

والثاني: همت به همّ الإرادة والتمكن، وهم بها هم دفع، لكنه يدخل عليه قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ، لو كان همه بها هم دفع لم يكن لقوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ معنى، لكنه يشبه أن يكون هم بها، أي: هم بقتلها، فإذا كان هم بقتلها فرأى برهان ربه فتركها لما لا يحل قتلها.

والثالث: كان يهم بها لولا أن رأى برهان ربه على الشرط؛ كان يهم بها لولا ما رأى من برهان ربه، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ  ﴾ لولا ما كان من تثبيتنا إياك، وكذلك يخرج قول إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ ، أي: لو كان هو الذي ينطق لفعل هو.

ثم اختلف في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: رأى يعقوب عاضّاً على شفتيه.

وقال بعضهم: مثل له يعقوب وصور له، فرآه عاضّاً على أصبعه.

وقال بعضهم: رأى برهان ربه.

[و] قال بعضهم: رأى آية من كتاب الله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [الإسراء: 32].

هذا كله لا يدري.

وأصل البرهان: الحجة؛ أي: لولا ما رأى من حجة الله، وإلا كان يهمّ بها، ولكن لا ندري ما تلك الحجّة، والله أعلم بذلك.

والبرهان: هو الحجة والآية؛ لولا أن رأى حجة ربه، وبرهان ربه وآياته، أو الرسالة، ويشبه الحجّة أي: النبوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ ﴾ .

قال بعضهم: استبقا الباب: استبقت هي لتغلق الأبواب، واستبق هو ليخرج ويفر.

لكن قوله: لتغلق الباب، لا يحتمل؛ لأن الأبواب كانت مغلقة بقوله: ﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ ﴾ ، ولكن استبقت هي لتحبسه وتمنعه، واستبق هو ليخرج ويهرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ .

لما جرته لتحبسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .

أي: وجدا سيدها؛ هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ لم يرد به العزيز الذي اشتراه، ولكن العزيز الذي خلقه؛ لأنه قال: ﴿ سَيِّدَهَا ﴾ ، ولم يقل: سيدهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

هذا يدل أن الإرادة تكون مع الفعل؛ لأنها كانت لا تعلم إرادة ضميره، فإذا أخبرت عما عرفت من الميل وإظهار الفعل، وكذلك قول إخوة يوسف: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ ، وكانوا هم لا يعرفون ما في ضميره من الحبّ سوى ما ظهر لهم منه من الميل إليه وإبداء الشفقة له، فهذا يدل على ما ذكرنا من كون الإرادة مع الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .

أي: دعتني، والمراودة قد ذكرنا أنها هي الدعوة؛ كقوله: ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ أي: سندعوه منه ونطلبه.

فإن قيل: كيف هتك سترها بقوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ؟

قيل: ليس فيه هتك الستر عليها؛ بل فيه نفي العيب والطعن عن نفسه، فالواجب على المرء أن ينفي العيب وما يشينه عن نفسه على ما فعل يوسف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ﴾ من كذا فهو كذا، وإن كان كذا فهو كذا من كذا.

قال بعض أهل التأويل: ذلك الشاهد هو ابن عم لها رجل حليم يقال كذا.

وقال بعضهم: شق القميص من دبر هو الشاهد، وأمثاله؛ لكن هذا لا يعلم من كان ذلك الشاهد.

وقيل: صبي في المهد.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ﴾ .

هذا لأن القميص إذا كان قد من قبل فهو إنما ينقد من دفعها إياه عن نفسها، وإذا كان القميص مقدوداً من دبر فهو إنما ينقد من جرها إياه إلى نفسها، لا من دفعها إياه عن نفسها؛ هذا هو الظاهر في العرف؛ لذلك قال الشاهد: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ﴾ كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ...

﴾ الآية؛ استدل على أنه إنما تمزق من جرها إياه لا من دفعها عن نفسها، ففيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن القميص في الغالب لا يتمزق من دبر إلا عن جر من وراء، ولا من قبل إلا عن دفع من قدام، لذلك دل على ما ذكرنا، والله أعلم.

وإن كان يجوز أن يكون في الحقيقة على غير ذلك، لكن نظر إلى الغالب.

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ ﴾ ، أي: شقت ومزقت، ومقدود: أي: مشقوق، من دبر: أي: من خلف، ومن قبل: أي: من قدام، وهو مأخوذ من القبل، من قبل المرأة.

وقوله: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ ولم يقل: سيدهما؛ فهذا يدل على ما ذكرناه.

﴿ لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .

أي: عند الباب، وهو ظاهر؛ أي: وجدا سيدها عند الباب.

وفي قوله: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ فهو كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ فهو من كذا - دلائل يستدل بها لمسائل لأصحابنا؛ من ذلك قولهم في حانوت فيه لؤلؤ وإهاب تنازع فيه دباغ ولؤلئي، فإنه يقضي باليد لكل واحد منهما في ذلك للؤلئي باللؤلؤ وللدباغ بالإهاب باليد؛ يستدل بغالب الأمر وظاهر اليد؛ على ما قضى عليها بالمراودة بتمزق القميص من دبر، وأمثال هذا مسائل يكثر عددها يقضى [فيها] بالدلالة الغالبة، وإن كان يجوز في الحقيقة على خلاف الظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ .

يشبه أن يكون كيدها أنها لما راودته عن نفسه وأمنته على إظهار ذلك وإفشائه عليه، فأفشت عليه ذلك؛ حيث أبي إجابتها، فقالت: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ ذلك القول منها من كيدهن، وأصل الكيد والمكر هو الأخذ على الأمن، والله أعلم.

وفي الآية دلائل لقول أصحابنا في المتاع يختلف فيه الزوجان: فإن كان من متاع الرجال فهو في يد الرجل، وإن كان من متاع النساء فهو في يد المرأة في قول أبي يوسف ومحمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: عن قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ : عن جميع ما كان بينهما؛ أي: استر عليها، ولا تهتك عليها سترها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .

قال ليوسف ذلك القائل: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، وقال للمرأة: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ ﴾ ، لما ظهر عنده أنها هي التي راودته ودعته إلى نفسها.

ثم اختلف في قائل هذا القول؛ قال بعضهم: هو زوجها؛ قال ليوسف: أعرض عن هذا، ولا تهتك عليها سترها، لكنهم قالوا: إنه كان قليل الغيرة.

وقال بعضهم: ذلك القائل هو رجل آخر هو ابن عم لها؛ وهذا أشبه.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .

قال بعضهم: قال هذا لها؛ لأنهم وإن كانوا يعبدون الأصنام فإنما يعبدونها ليقربوهم إلى الله زلفى؛ حيث قال لها: واستغفري لذنبك.

وقال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ أي: إلى زوجك حيث خنتيه، فإن كان التأويل هذا فذلك يدل أن القائل لذلك رجل آخر، لا زوجها.

فإن كان التأويل هو الأوّل فإنه يحتمل كليهما أنهما كان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وطلبت امرأة العزيز برفق وإعمال حيلة من يوسف  فعل الفاحشة، وغلّقت الأبواب إمعانًا في الخلوة، وقالت له: هَلُمَّ وتعال إليّ، فقال يوسف: أعتصم بالله مما دعوتِني إليه، إن سيّدي أحسن إليّ في مقامي عنده فلن أخونه، فإن خنته كنت ظالمًا، إنه لا يفوز الظالمون.

<div class="verse-tafsir" id="91.R6nAk"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل