الآية ٢٤ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢٤ من سورة يوسف

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 209 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام ، وقد روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وطائفة من السلف في ذلك ما ذكره ابن جرير وغيره ، والله أعلم .

وقال بعضهم : المراد بهمه بها هم خطرات حديث النفس .

حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق ، ثم أورد البغوي هاهنا حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها ، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإنما تركها من جرائي ، فإن عملها فاكتبوها بمثلها " .

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة ، هذا منها .

وقيل : هم بضربها .

وقيل : تمناها زوجة .

وقيل : ( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) أي : فلم يهم بها .

وفي هذا القول نظر من حيث العربية ، ذكره ابن جرير وغيره .

وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضا : فعن ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن سيرين ، والحسن ، وقتادة ، وأبي صالح ، والضحاك ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم : رأى صورة أبيه يعقوب ، عليه السلام ، عاضا على أصبعه بفمه .

وقيل عنه في رواية : فضرب في صدر يوسف .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : رأى خيال الملك ، يعني : سيده ، وكذا قال محمد بن إسحاق ، فيما حكاه عن بعضهم : إنما هو خيال إطفير سيده ، حين دنا من الباب .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن أبي مودود سمعت من محمد بن كعب القرظي قال : رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت ، فإذا كتاب في حائط البيت : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) [ الإسراء : 32 ] وكذا رواه أبو معشر المدني ، عن محمد بن كعب .

وقال عبد الله بن وهب ، أخبرني نافع بن يزيد ، عن أبي صخر قال : سمعت القرظي يقول في : " البرهان " الذي رأى يوسف : ثلاث آيات من كتاب الله ( إن عليكم لحافظين ) الآية [ الانفطار : 10 ] ، وقوله : ( وما تكون في شأن ) الآية : [ يونس : 61 ] ، وقوله : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) [ الرعد : 33 ] قال نافع : سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي ، وزاد آية رابعة ( ولا تقربوا الزنا ) [ الإسراء : 32 ] وقال الأوزاعي : رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك .

قال ابن جرير : والصواب أن يقال : إنه رأى من آيات الله ما زجره عما كان هم به ، وجائز أن يكون صورة يعقوب ، وجائز أن يكون [ صورة ] الملك ، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك .

ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك ، فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى .

قال : وقوله : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) أي : كما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه ، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره .

( إنه من عبادنا المخلصين ) أي : من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار ، صلوات الله وسلامه عليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) قال أبو جعفر: ذكر أنَّ امرأة العزيز لما هَمَّت بيوسف وأرادت مُراودته , جعلت تذكر له محاسنَ نفسه , وتشوّقه إلى نفسها، كما:- 19013 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (ولقد همت به وهم بها) قال: قالت له: يا يوسف، ما أحسن شعرك!

قال: هو أوَّل ما ينتثر من جسدي .

قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهك !

قال: هو للتراب يأكله .

فلم تزل حتى أطمعته , فهمَّت به وهم بها، فدخلا البيت , وغلَّقت الأبواب , وذهب ليحلّ سراويله , فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت، قد عضَّ على إصبعه، يقول: " يا يوسف لا تواقعها (21) فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق , ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات ووقع إلى الأرض لا يستطع أن يدفع عن نفسه.

ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يُعمل عليه , ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النَّمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه "، فربط سراويله , وذهب ليخرج يشتدُّ , (22) فأدركته , فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته، حتى أخرجته منه وسقط , وطرحه يوسف واشتدَّ نحو الباب.

(23) 19014 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: أكبَّت عليه - يعني المرأة - تُطمعه مرة وتخيفه أخرى , وتدعوه إلى لذّة من حاجة الرجال في جمالها وحسنها وملكها , وهو شاب مستقبل يجد من شَبق الرجال ما يجد الرجل ; حتى رَقَّ لها مما يرى من كَلَفها به , ولم يتخوَّف منها حتى همَّ بها وهمَّت به , حتى خلوا في بعض بُيوته.

* * * ومعنى " الهم بالشيء " ، في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعتِه , ما لم يُواقِع &; 16-35 &; .

(24) * * * فأما ما كان من هم يوسف بالمرأة وهمها به , فإن أهل العلم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره , وذلك ما:- 19015 - حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع , وسهل بن موسى الرازي , قالوا: حدثنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , سئل عن همّ يوسف ما بلغ؟

قال: حَلّ الهِمْيان , وجلس منها مجلس الخاتن (25) ، لفظ الحديث لأبي كريب.

(26) 19016 - حدثنا أبو كريب , وابن وكيع , قالا حدثنا ابن عيينة , قال: سمع عبيد الله بن أبي يزيد ابن عباس في (ولقد همت به وهم بها) قال: جلس منها مجلس الخاتن , وحلّ الهميان.

19017 - حدثنا زياد بن عبد الله الحسَّاني , وعمرو بن علي , والحسن بن محمد , قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة , عن عبد الله بن أبي يزيد , قال: سمعت ابن عباس سئل: ما بلغ من همّ يوسف؟

قال: حلّ الهميان , وجلس منها مجلس الخاتن.

19018 - حدثني زياد بن عبد الله , قال: حدثنا محمد بن أبي عدي , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: سألت ابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟

قال: استلقت له , وجلس بين رجليها.

19019 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن يمان , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة: (ولقد همت به وهم بها) قال: استلقت له , وحلّ ثيابه.

19020 - حدثني المثنى , قال: حدثنا قبيصة بن عقبة , قال: حدثنا سفيان , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس: (ولقد همت به وهم بها) ، ما بلغ؟

قال: استلقت له وجلس بين رجليها , وحلّ ثيابه ، أو ثيابها.

19021 - حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا يحيى بن سعيد , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: سألت ابن عباس ما بلغ من همّ يوسف؟

قال: استلقت على قفاها , وقعد بين رجليها لينـزعَ ثيابه.

19022 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن نافع بن عمر , عن ابن أبي مليكة , قال: سئل ابن عباس , عن قوله: (ولقد همت به وهم بها) ما بلغ من هم يوسف؟

قال: حل الهميان ، يعني السَّراويل .

19023 - حدثنا أبو كريب وابن وكيع , قالا حدثنا ابن إدريس , قال: سمعت الأعمش , عن مجاهد , في قوله: (ولقد همت به وهم بها) قال: حلَّ السراويل حتى أَلْيَتيه (27) واستلقت له.

19024 - حدثنا زياد بن عبد الله الحساني , قال: حدثنا مالك بن سعير , قال: حدثنا الأعمش , عن مجاهد , في قوله: (ولقد همت به وهم بها) قال: حلّ سراويله , حتى وقع على أَلْيَتيه.

(28) 19025 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (ولقد همت به وهم بها) قال: جلس منها مجلس الرجل من امرأته.

19026 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , قال: حدثني القاسم بن أبي بزة: (ولقد همت به وهم بها) قال: أمّا همّها به , فاستلقت له ، وأما همُّه بها، فإنه قعد بين رجليها ونـزع ثيابه.

19027 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثني حجاج بن محمد , عن ابن جريج , قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة , قال: قلت لابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟

قال: استلقت له , وجلس بين رجليها ينـزع ثيابه.

19028 - حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا يحيى بن اليمان , عن سفيان , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير وعكرمة , قالا حلّ السراويل , وجلس منها مجلس الخاتن.

19029 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي , عن شريك , عن جابر , عن مجاهد: (ولقد همت به وهم بها) قال: استلقت , وحلّ ثيابه حتى بلغ ألياته.

(29) 19030 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (ولقد همت به وهم بها) قال: أطلق تِكَّة سراويله.

19031 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , قال: شهدت ابن عباس سئل عن هم يوسف ما بلغ؟

قال: حلّ الهِميان , وجلس منها مجلس الخاتن.

* * * فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا، وهو لله نبيّ؟

قيل: إن أهل العلم اختلفوا في ذلك.

فقال بعضهم: كان من ابتلي من الأنبياء بخطيئة , (30) فإنما ابتلاه الله بها، ليكون من الله عز وجلّ على وَجَلٍ إذا ذكرها , فيجد في طاعته إشفاقًا منها , ولا يتّكل على سعة عفو الله ورحمته.

* * * وقال آخرون: بل ابتلاهم الله بذلك، ليعرّفهم موضع نعمته عليهم , بصفحه عنهم، وتركه عقوبتَه عليه في الآخرة.

* * * وقال آخرون: بل ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رَجاء رحمة الله , وترك الإياس من عفوه عنهم إذا تابوا.

* * * وأما آخرون ممن خالف أقوال السلف وتأوَّلوا القرآن بآرائهم , فإنهم قالوا في ذلك أقوالا مختلفة.

فقال بعضهم: معناه: ولقد همت المرأة بيوسف , وهمَّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمِّها به مما أرادته من المكروه , لولا أنّ يوسف رأى برهان ربه , وكفَّه ذلك عما همّ به من أذاها ، لا أنها ارتدعت من قِبَل نفسها .

قالوا: والشاهد على صحة ذلك قوله: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) قالوا: فالسوء هُو ما كان همَّ به من أذاها , وهو غير " الفحشاء ".

* * * وقال آخرون منهم: معنى الكلام: ولقد همت به، فتناهى الخبرُ عنها.

ثم ابتدئ الخبر عن يوسف , فقيل: " وهم بها يوسف لولا أن رأى برهان ربه " .

كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلى أنَّ يوسف لم يهمّ بها , وأن الله إنما أخبر أنَّ يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهمَّ بها , ولكنه رأى برهان ربه فلم يهمَّ بها , كما قيل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ، [النساء: 83].

* * * قال أبو جعفر: ويفسد هذين القولين: أن العرب لا تقدم جواب " لولا " قبلها , لا تقول: " لقد قمت لولا زيد " , وهي تريد ": لولا زيد لقد قمت " , هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن، الذين عنهم يؤخذ تأويله.

* * * وقال آخرون منهم: بل قد همَّت المرأة بيوسف، وهم يوسف بالمرأة , غير أن همَّهما كان تميِيلا منهما بين الفعل والترك، (31) لا عزمًا ولا إرادة.

قالوا: ولا حرج في حديث النفس، ولا في ذكر القلب، إذا لم يكن معهما عزْمٌ ولا فعلٌ.

* * * وأما " البرهان " الذي رآه يوسف، فترك من أجله مواقعة الخطيئة , فإن أهل العلم مختلفون فيه.

فقال بعضهم: نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة .

* ذكر من قال ذلك: 19032 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: نودي: يا يوسف، أتزني , فتكون كالطير وَقَع ريشه، فذهب يطير فلا ريش له؟

19033 - ....

قال: حدثنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , قال: لم يُعْطِ على النداء، (32) حتى رأى برهان ربه , قال: تمثالَ صورة وجه أبيه ، قال سفيان: عاضًّا على أصبعه ، فقال: يا يوسف، تزني , فتكون كالطير ذهب ريشه؟

19034 - حدثني زياد بن عبد الله الحساني , قال:حدثني محمد بن أبي عدي , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: نُودي: يا ابن يعقوب، لا تكن كالطائر له ريش , فإذا زنى ذهب ريشه، أو قعد لا ريش له.

قال: فلم يُعْطِ على النداء، (33) فلم يزد على هذا ، قال ابن جريج: وحدثني غير واحد , أنه رأى أباه عاضًّا على إصبعه.

19035 - حدثني أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي ، ، عن نافع بن عمر , عن ابن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: نودي فلم يسمع , فقيل له: يا ابن يعقوب، تريد أن تزني، فتكون كالطير نتف فلا ريش له؟

19036 - حدثنا ابن حميد .

قال: حدثنا سلمة , عن طلحة , عن عمرو الحضرمي , عن ابن أبي مليكة , قال: بلغني أنّ يوسف لما جلس بين رجلي المرأة فهو يحلّ هميانه، نودي: يا يوسف بن يعقوب، لا تزن , فإن الطير إذا زنى تناثر ريشه.

فأعرض، ثم نودي فأعرض، فتمثل له يعقوب عاضًّا على إصبعه , فقام.

19037 - حدثني المثنى , قال: حدثنا قبيصة بن عقبة , قال: حدثنا سفيان , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , قال: نودي: يا ابن يعقوب، لا تكن كالطير إذا زنى ذهب ريشه، وبقي لا ريش له !

فلم يطع على النداء , ففُزِّع.

19038 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا حجاج بن محمد , عن &; 16-41 &; ابن جريج , قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: نودي: يا ابن يعقوب لا تكونَنّ كالطائر له ريش , فإذا زنى ذهب ريشه ، قال: أو قعد لا ريش له ، فلم يُعْطِ على النداء شيئًا , حتى رأى برهان ربه , ففَرِق ففرَّ.

19039 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: نودي: يا ابن يعقوب، أتزني، فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطيرُ فلا ريش له؟

19040 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: أخبرني نافع بن يزيد , عن همام بن يحيى , عن قتادة قال: نودي يوسف فقيل: أنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء؟

19041 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن يمان .

عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: نودي: يُوسفَ بن يعقوب، تزني , فتكون كالطير نتف فلا ريش له؟

* * * وقال آخرون: " البرهان " الذي رأى يوسف فكفّ عن مواقعة الخطيئة من أجله، صورة يعقوب عليهما السلام يتوعّده .

* ذكر من قال ذلك: 19042 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي , قال: أخبرنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى صورةَ ، أو: تمثالَ ، وجهِ يعقوب عاضًّا على إصبعه , فخرجت شهوته من أنامله.

19043 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي , عن إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: مَثَل له يعقوب , فضرب في صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

(34) 19044 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا محمد بن بشر , عن مسعر , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى تمثال وجه أبيه، قائلا بكفه هكذا ، وبسط كفه ، فخرجت شهوته من أنامله.

19045 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: مَثَل له يعقوب عاضًّا على أصابعه , فضرب صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

19046 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى , قال: حدثنا عبد الله بن وهب , قال: أخبرني ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى صورة يعقوب واضعًا أنملته على فيه، يتوعَّده , ففرَّ.

19047 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا يحيى بن عباد , قال: حدثنا جرير بن حازم , قال سمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث , عن ابن عباس , في قوله: (ولقد همت به وهم بها) قال: حين رأى يعقوبَ في سقف البيْت , قال: فنـزعت شهوته التي كان يجدها، حتى خرج يسعى إلى باب البيت , فتبعته المرأة.

19048 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي ، عن قرة بن خالد السدوسي , عن الحسن , قال: زعموا، والله &; 16-43 &; أعلم، أن سقف البيت انفرج , فرأى يعقوبَ عاضًّا على أصابعه.

19049 - حدثني يعقوب , قال: حدثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى تمثالَ يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف!

يوسف!

19050 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , نحوه .

19051 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو العنقزي , قال: أخبرنا سفيان الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى تمثال وجه يعقوب , فخرجت شهوته من أنامله.

19052 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن يمان , عن سفيان , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير , قال: رأى صورةً فيها وجه يعقوب عاضًّا على أصابعه , فدفع في صدره , فخرجت شهوته من أنامله .

فكلُّ ولد يعقوب وُلِدَ له اثنا عشر رجلا إلا يوسف , فإنه نقص بتلك الشهوة، ولم يولد له غير أحد عشر.

19053 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: أخبرني يونس بن يزيد , عن ابن شهاب , أن حميد بن عبد الرحمن أخبره: أن البرهان الذي رأى يوسف، يعقوبُ.

19054 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عيسى بن المنذر , قال: حدثنا أيوب بن سويد , قال: حدثنا يونس بن يزيد الإيلي , عن الزهري , عن حميد بن عبد الرحمن , مثله .

19055 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: مَثَل له يعقوب.

19056 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن عمرو , عن منصور , عن مجاهد , مثله .

19057 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: يعقوب.

19058 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19059 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19060 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , وحدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا الثوري , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال: مَثَل له يعقوب.

19061 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قال: جلس منها مجلس الرجل من امرأته، حتى رأى صورةَ يعقوب في الجدُر (35) .

19062 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: مثل له يعقوب.

19063 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن القاسم بن أبي بزة , قال: نودي: يا ابن يعقوب , لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قَعَد ليس له ريش.

فلم يُعْرِض للنداء وقعد , فرفع رأسه , فرأى وجهَ يعقوب عاضًّا على إصبعه , فقام مرعوبًا استحياء من الله، فذلك قول الله: (لولا أن رأى برهان ربه) ، وجهَ يعقوب.

19064 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن النضر بن عربي , عن عكرمة , قال: مثل له يعقوب عاضًّا على أصابعه.

19065 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن نضر بن عربي , عن عكرمة , مثله .

19066 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال: مثل له يعقوب , فدفع في صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

19067 - ....

قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا سفيان , عن علي بن بذيمة , قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر ابنًا، إلا يوسف , ولد له أحد عشر، من أجل ما خرج من شهوته.

19068 - حدثني يونس , قال: أخبرنا: ابن وهب , قال: قال أبو شريح: سمعت عبيد الله بن أبي جعفر يقول: بلغ من شهوة يوسف أن خرجت من بَنَانه.

19069 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يعلى بن عبيد , عن محمد الخراساني , قال: سألت محمد بن سيرين , عن قوله: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: مَثَل له يعقوب عاضًّا على أصابعه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله , اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء؟

19070 - حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا يزيد بن زريع , عن يونس , عن الحسن , في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف !

19071 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال، حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , قال، قال قتادة: رأى صورة يعقوب , فقال: يا يوسف، تعمل عمل الفجَّار , وأنت مكتوب في الأنبياء؟

فاستحيى منه.

&; 16-46 &; 19072 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (لولا أن رأى برهان ربه) رأى آية من آيات ربه , حجزه الله بها عن معصيته.

ذكر لنا أنه مثل له يعقوب حتى كلمه , فعصمه الله، ونـزع كل شهوة كانت في مفاصله.

19073 - ....

قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن: أنه مَثَل له يعقوب وهو عاضٌّ على إصبع من أصابعه.

19074 - حدثني يعقوب , قال: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم , عن أبي صالح , قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت عاضًّا على إصبعه يقول: يا يوسف!

يا يوسف !

يعني قوله: (لولا أن رأى برهان ربه).

19075 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن منصور ويونس عن الحسن , في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه)، قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت، عاضًّا على إصبعه.

19076 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن إسماعيل بن سالم , عن أبي صالح مثله , وقال عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف!

يوسف !

19077 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا يعقوب القمي , عن حفص بن حميد , عن شمر بن عطية , قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يا يوسف !

فذاك حيث كفَّ , وقام فاندفع.

19078 - حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا شريك , عن سالم وأبي حصين , عن سعيد بن جبير: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى صورةً فيها وجه يعقوب عاضًّا على أصابعه , فدفع في صدره، فخرجت شهوته من بين أنامله.

19079 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم , قال: حدثنا مسعر , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: رأى تمثال وجه أبيه , فخرجت الشهوة من أنامله.

19080 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا يحيى ، يعني ابن عباد , قال: حدثنا أبو عوانة , عن إسماعيل بن سالم , عن أبي صالح: (لولا أن رأى برهان ربه)، قال: تمثال صورة يعقوب في سقف البيت.

19081 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا جعفر بن سليمان , عن يونس بن عبيد , عن الحسن , قال: رأى يعقوب عاضًّا على يده.

19082 - ....

قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه)، قال: يعقوب، ضرب بيده على صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

19083 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه) ، آية من ربه ; يزعمون أنه مَثَلَ له يعقوب , فاستحيى منه.

* * * وقال آخرون: بل البرهان الذي رأى يوسف، ما أوعد الله عز وجل على الزنا أهله .

* ذكر من قال ذلك: 19084 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن أبي مودود , قال: سمعت محمد بن كعب القرظي , قال: رفع رأسَه إلى سقف البيت , فإذا كتاب في حائط البيت: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا ، (36) [سورة الإسراء: 32].

19085 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن أبي مودود , عن محمد بن كعب , قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همّ , فرأى كتابًا في حائط البيت: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا .

19086 - ....

قال: حدثنا زيد بن الحباب , عن أبي معشر , عن محمد بن كعب: (لولا أن رأى برهان ربه) قال: لولا ما رأى في القرآن من تعظيم الزنا.

19087 - حدثنا يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: أخبرني نافع بن يزيد , عن أبي صخر , قال: سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رأى يوسف: ثلاث آيات من كتاب الله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ الآية، [سورة الانفطار: 10] , وقوله: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ الآية، [سورة يونس: 61]، وقوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [سورة الرعد: 33].

قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي , وزاد آية رابعة: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا .

19088 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: أخبرنا أبو معشر , عن محمد بن كعب القرظي: (لولا أن رأى برهان ربه) فقال: ما حرَّم الله عليه من الزنا.

* * * وقال آخرون: بل رأى تمثال الملك .

* ذكر من قال ذلك: 19089 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) يقول: آيات ربه، أُرِيَ تمثالَ الملك.

19090 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: &; 16-49 &; كان بعض أهل العلم، فيما بلغني، يقول: البرهان الذي رأى يوسف فصرف عنه السوءَ والفحشاء، يعقوبُ عاضًّا على إصبعه , فلما رآه انكشفَ هاربًا ، ويقول بعضهم: إنما هو خيال إطفير سيده، حين دَنا من الباب , وذلك أنه لما هرب منها واتبعته، ألفياه لدى الباب.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه , لولا أن رأى يوسف برهان ربه , وذلك آيةٌ من الله , زجرته عن ركوب ما همَّ به يوسف من الفاحشة ، وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب ، وجائز أن تكون صورة الملك - وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا ، ولا حجة للعذر قاطعة بأيِّ ذلك [كان] من أيٍّ .

والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى , والإيمان به , وترك ما عدا ذلك إلى عالمه.

* * * وقوله: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) ، يقول تعالى ذكره: كما أرينَا يوسف برهاننا على الزجر عمَّا همّ به من الفاحشة , كذلك نسبّب له في كلِّ ما عرض له من همٍّ يهمُّ به فيما لا يرضاه، ما يزجره ويدفعه عنه ; كي نصرف عنه ركوب ما حرَّمنا عليه، وإتيان الزنا , لنطهره من دنس ذلك.

(37) * * * وقوله: (إنه من عبادنا المخلصين) اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة المدينة والكوفة ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) بفتح اللام من " المخلصين " , بتأويل: إن يوسف من عبادنا الذين أخلصناهم لأنفسنا، واخترناهم لنبوّتنا ورسالتنا.

* * * وقرأ بعض قرأة البصرة: " إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ" بكسر اللام ، بمعنى: إن يوسف من عبادنا الذين أخلَصوا توحيدنا وعبادتنا , فلم يشركوا بنا شيئًا , ولم يعبدُوا شيئًا غيرنا.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بهما جماعة كثيرة من القرأة , وهما متفقتا المعنى.

وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره , فهو مُخْلِصٌ لله التوحيدَ والعبادة , ومن أخلص توحيدَ الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئًا , فهو ممن أخلصه الله , فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصوابِ مصيبٌ.

---------------------- الهوامش: (21) في المطبوعة والمخطوطة :" تواقعها" بغير" لا" ، وأثبتها من التاريخ .

(22) " اشتد" ، أسرع العدو .

(23) الأثر : 19013 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 173 .

(24) انظر تفسير" الهم" فيما سلف 9 : 199 / 10 : 100 / 14 : 158 ، ولم يشرحها هناك شرحًا يغني ، وشرحها هنا .

(25) قوله :" مجلس الخاتن" ، هو الذي يختن الفتى أو الفتاة وفي مطبوعة تاريخ الطبري :" مجلس الحائز" ، ولكن ستأتي في مخطوطة التفسير" الخاتن" في كل مكان وسيأتي تفسير" الهميان" في رقم : 19022 ، وفي اللسان أنه" تكة السراويل" .

(26) الأثر : 19015 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 173 ، بهذا الإسناد نفسه .

(27) في المطبوعة :" حتى التبان" ، وهو سراويل صغير مقدار شبر ، يستر العورة المغلظة ، وليس بشيء .

وفي المخطوطة في هذا الموضع" التبن" غير منقوطة ثم في رقم : 19024 فيها :" حتى وقع على التنتين" ، ثم في رقم : 19029 ، فيها أيضًا :" على الثنات" ، وقد جعلها الناشر في جميعها" التبان" برسم واحد ، ورجحت أنا أكتبها" أليتيه" في موضعين و" ألياته" في آخر المواضع ، لأني وجدت الخبر عن مجاهد في القرطبي 9 : 166" حل السراويل حتى بلغ الأليتين" ، ولو كتبتها كما في القرطبي ، لكان صوابًا ، و" الألية" ( بفتح الهمزة ) ، هي العجيزة للناس وغيرهم ، وهما من الناس" أليتان" ، ويقال :" إنه لذو أليات" ، كأنه جعل كل جزء" ألية" ، ثم جمع على هذا .

(28) انظر التعليق السالف ، وكان في المطبوعة :" على التبان" .

(29) " أليات" جمع" ألية" ، وانظر ما سلف ص : 36 ، تعليق رقم : 1 .

(30) في المطبوعة :" كان ممن ابتلى ..." ، والصواب ما في المخطوطة .

(31) في المخطوطة والمطبوعة :" تمثيلا منهما" ، وهو خطأ .

و" التمييل" الترجيح ، أي الأمرين تأخذ ، وأيهم تدع .

يقال :" إني لأميل بين ذينك الأمرين ، وأمايل بينهما ، أيهما أركب ، أو أيهما أفضل" .

(32) في المطبوعة :" لم يتعظ" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صحيح المعنى ، يعني لم يعط المقادة والطاعة وهو كقوله في رقم : 19037 ،" فلم يطع على النداء" ، ثم قوله في رقم 19038" فلم يعط على النداء شيئا" ، فجاء بها في المطبوعة على الصواب .

(33) انظر التعليق السالف ص 39 .

(34) الأثر : 19043 -" عمرو بن محمد العنقزي" ، مضى مرارًا ، وكان في المطبوعة والمخطوطة :" عمرو بن العنقزي" ، سقط اسم أبيه .

(35) في المطبوعة :" على الجدار" وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

(36) في المطبوعة والمخطوطة : { إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا } ، وهذه آية أخرى ، هي آية نكاح ما نكح الآباء من النساء ، وهي آية المقت" سورة النساء : 22" ، وزيادة" ومقتًا" سهو من الناسخ ، لا شك في ذلك ، وجاءت على صواب التلاوة في الأثر التالي ، ولكن الناشر زاد" ومقتًا" ، هناك ، فأساء غاية الإساءة .

(37) انظر تفسير" الصرف" فيما سلف 15 : 254 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

، وتفسير" الفحشاء" فيما سلف 12 : 547 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ولقد همت به وهم بها الآية ، قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ; كأنه أراد ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها .

وقال أحمد بن يحيى : أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصرة ، وهم يوسف ولم يواقع ما هم به ; فبين الهمتين فرق ، ذكر هذين القولين الهروي في كتابه .

قال جميل :هممت بهم من بثينة لو بدا شفيت غليلات الهوى من فؤادياآخر :هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائلهفهذا كله حديث نفس من غير عزم .

وقيل : هم بها تمنى زوجيتها .

وقيل : هم بها أي بضربها ودفعها عن نفسه ، والبرهان كفه عن الضرب ; إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها .

وقيل : إن هم يوسف كان معصية ، وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته ، وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم ، فيما ذكر القشيري أبو نصر ، وابن الأنباري والنحاس والماوردي وغيرهم .

قال ابن عباس : حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن ، وعنه : استلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه .

وقال سعيد بن جبير : أطلق تكة سراويله .

وقال مجاهد : حل السراويل حتى بلغ الأليتين ، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته .

قال ابن عباس : ولما قال : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال له جبريل : ولا حين هممت بها يا يوسف ؟

!

فقال عند ذلك : وما أبرئ نفسي .

قالوا : والانكفاف في مثل هذه الحالة دال على الإخلاص ، وأعظم للثواب .قلت : وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكفل حسب ما يأتي بيانه في [ ص ] إن شاء الله تعالى .

وجواب لولا على هذا محذوف ; أي لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به ; ومثله كلا لو تعلمون علم اليقين وجوابه لم تتنافسوا ; قال ابن عطية : روي هذا القول عن ابن عباس وجماعة من السلف ، وقالوا : الحكمة في ذلك أن يكون مثلا للمذنبين [ ص: 147 ] ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم ولم يوبقه القرب من الذنب ، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخاء وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو ذلك ، وهي قد استلقت له ; حكاه الطبري .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها ، وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه ، وأشد تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم .

وقال الحسن : إن الله - عز وجل - لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ; ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة .

قال الغزنوي : مع أن لزلة الأنبياء حكما : زيادة الوجل ، وشدة الحياء بالخجل ، والتخلي عن عجب العمل ، والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل ، وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل .

قال القشيري أبو نصر : وقال قوم جرى من يوسف هم ، وكان ذلك الهم حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل ; وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد ، وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد ; وتناول الطعام اللذيذ ; فإذا لم يأكل ولم يشرب ، ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس ; والبرهان صرفه عن هذا الهم حتى لم يصر عزما مصمما .قلت : هذا قول حسن ; وممن قال به الحسن .

قال ابن عطية : الذي أقول به في هذه الآية إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح ، ولا تظاهرت به رواية ; وإذا كان كذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما ، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة ; وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو خاطر ، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكته ونحوه ; لأن العصمة مع النبوة .

وما روي من أنه قيل له : تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء .

فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد .قلت : ما ذكره من هذا التفصيل صحيح ; لكن قوله تعالى : وأوحينا إليه يدل على أنه كان نبيا على ما ذكرناه ، وهو قول جماعة من العلماء ; وإذا كان نبيا فلم يبق إلا أن يكون الهم الذي هم به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر ; وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق ، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه ; ويكون قوله : وما أبرئ نفسي - إن كان من قول يوسف - أي من هذا الهم ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف ، لمخالفة النفس لما زكي به قبل وبرئ ; وقد أخبر الله تعالى عن حال يوسف من حين بلوغه فقال : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما على ما تقدم بيانه ; وخبر الله تعالى صدق ، ووصفه صحيح ، وكلامه حق ; فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنا ومقدماته ; وخيانة السيد والجار [ ص: 148 ] والأجنبي في أهله ; فما تعرض لامرأة العزيز ، ولا أجاب إلى المراودة ، بل أدبر عنها وفر منها ; حكمة خص بها ، وعملا بمقتضى ما علمه الله .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جراي .

وقال - عليه السلام - مخبرا عن ربه : إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة .

فإن كان ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب ; وفي الصحيح : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به وقد تقدم .

قال ابن العربي : كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية - وأي إمام - يعرف بابن عطاء !

تكلم يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه ; فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال : يا شيخ !

يا سيدنا !

فإذا يوسف هم وما تم ؟

قال : نعم !

لأن العناية من ثم .

فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم ، وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله ، وجواب العالم في اختصاره واستيفائه ; ولذلك قال علماء الصوفية : إن فائدة قوله : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما إنما أعطاه ذلك إبان غلبة الشهوة لتكون له سببا للعصمة .قلت : وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال مصعب بن عثمان : إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها ، فاشتاقته امرأة فسامته نفسها فامتنع عليها وذكرها ، فقالت : إن لم تفعل لأشهرنك ; فخرج وتركها ، فرأى في منامه يوسف الصديق - عليه السلام - جالسا فقال : أنت يوسف ؟

فقال : أنا يوسف الذي هممت ، وأنت سليمان الذي لم تهم ؟

!

فإن هذا يقتضي أن تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوة وهو محال ; ولو قدرنا يوسف غير نبي فدرجته الولاية ، فيكون محفوظا كهو ; ولو غلقت على سليمان الأبواب ، وروجع في المقال والخطاب ، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة ، وعظيم المحنة ، والله أعلم .[ ص: 149 ] قوله تعالى : لولا أن رأى برهان ربه " أن " في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه والجواب محذوف .

لعلم السامع ; أي لكان ما كان .

وهذا البرهان غير مذكور في القرآن ; فروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن زليخاء قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب ، فقال : ما تصنعين ؟

قالت : أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة ; فقال يوسف : أنا أولى أن أستحي من الله ; وهذا أحسن ما قيل فيه ، لأن فيه إقامة الدليل .

وقيل : رأى مكتوبا في سقف البيتولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا .

وقال ابن عباس : بدت كف مكتوب عليها وإن عليكم لحافظين وقال قوم : تذكر عهد الله وميثاقه .

وقيل : نودي يا يوسف !

أنت مكتوب في ديوان الأنبياء وتعمل عمل السفهاء ؟

!

وقيل : رأى صورة يعقوب على الجدران عاضا على أنملته يتوعده فسكن ، وخرجت شهوته من أنامله ; قاله قتادة ومجاهد والحسن والضحاك .

وأبو صالح وسعيد بن جبير .

وروى الأعمش عن مجاهد قال : حل سراويله فتمثل له يعقوب ، وقال له : يا يوسف !

فولى هاربا .

وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال : مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله ، قال مجاهد : فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكرا إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان ، ونقص بتلك الشهوة ولده ; وقيل غير هذا .

وبالجملة : فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي إيمانه ، وامتنع عن المعصية .قوله تعالى : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء الكاف من كذلك يجوز أن تكون رفعا ، بأن يكون خبر ابتداء محذوف ، التقدير : البراهين كذلك ، ويكون نعتا لمصدر محذوف ; أي أريناه البراهين رؤية كذلك .

والسوء الشهوة ، والفحشاء المباشرة .

وقيل : السوء الثناء القبيح ، والفحشاء الزنا .

وقيل : السوء خيانة صاحبه ، والفحشاء ركوب الفاحشة .

وقيل : السوء عقوبة الملك العزيز .قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " المخلصين " بكسر اللام ; وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله .

وقرأ الباقون بفتح اللام ، وتأويلها : الذين أخلصهم الله لرسالته ; وقد كان يوسف - صلى الله عليه وسلم - بهاتين الصفتين ; لأنه كان مخلصا في طاعة الله تعالى ، مستخلصا لرسالة الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرا، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة، لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته، فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعا أو كارها، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرما في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك، أن { رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } أي: هو غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر.

{ وَ } زادت المصيبة، بأن { غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ } وصار المحل خاليا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إليَّ، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزب، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم.

فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القوي فيه، لأنه قد هم فيها هما تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان، الموجب لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف، عن هذه المعصية الكبيرة، و { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ } أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح، لأنه مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي.

فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يفلح، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء، لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد همت به وهم بها ) والهم هو : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه .

فهمها : عزمها على المعصية والزنا .

وأما همه : فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن .

وعن مجاهد قال : حل سراويله وجعل يعالج ثيابه .

وهذا قول أكثر المتقدمين مثل سعيد بن جبير ، والحسن .

وقال الضحاك : جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف وباليد الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام : وقد أنكر قوم هذا القول ، والقول ما قال متقدمو هذه الأمة ، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم السلام من غير علم .

وقال السدي وابن إسحاق : لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه ، وتشوقه إلى نفسها ، فقالت : يا يوسف ، ما أحسن شعرك !

.

قال : هو أول ما ينتثر من جسدي .

قالت : ما أحسن عينيك !

قال : هي أول ما تسيل على وجهي في قبري .

قالت : ما أحسن وجهك !

قال : هو للتراب يأكله .

وقيل : إنها قالت : إن فراش الحرير مبسوط ، فقم فاقض حاجتي .

قال : إذا يذهب نصيبي من الجنة .

فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة ، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل ، وهي امرأة حسناء جميلة ، حتى لان لها مما يرى من كلفها ، وهم بها ، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره .

وزعم بعض المتأخرين : أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام ، وقال : تم الكلام عند قوله : ( ولقد همت به ) ثم ابتدأ الخبر عن يوسف عليه السلام فقال : ( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) على التقديم والتأخير ، أي : لولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، ولكنه رأى البرهان فلم يهم .

وأنكره النحاة وقالوا : إن العرب لا تؤخر ( لولا ) عن الفعل ، فلا تقول : لقد قمت لولا زيد ، [ وهو يريد لولا زيد لقمت ] .

وقيل : همت بيوسف أن يفترشها ، وهم بها يوسف أي : تمنى أن تكون له زوجة .

وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم .

وقال بعضهم : إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام .

روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن وأقرت المرأة ، قال يوسف : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) قال له جبريل : ولا حين هممت بها يا يوسف ؟

فقال يوسف عند ذلك : ( وما أبرئ نفسي ) الآية .

وقال الحسن البصري : إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام في القرآن ليعيرهم ، ولكن ذكرها ليبين موضع النعمة عليهم ، ولئلا ييئس أحد من رحمته .

وقيل : إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة ، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية .

وقيل : ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة وترك الإياس من المغفرة والعفو .

وقال بعض أهل الحقائق : الهم همان : هم ثابت ، وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا ، مثل هم امرأة العزيز ، والعبد مأخوذ به ، وهم عارض وهو الخطرة ، وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ، مثل هم يوسف عليه السلام ، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل .

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال : حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله عز وجل : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها ، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ، ما لم يعملها ، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها " .

قوله عز وجل : ( لولا أن رأى برهان ربه ) اختلفوا في ذلك البرهان : قال قتادة وأكثر المفسرين : إنه رأى صورة يعقوب وهو يقول له : يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء !

.

وقال الحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك : انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عليه السلام عاضا على أصبعه .

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : مثل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده في صدره ، فخرجت شهوته من أنامله .

وقال السدي : نودي يا يوسف ، تواقعها !

إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جوف السماء لا يطاق ، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق ، ومثلك إن واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفعه عن نفسه .

وعن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ( وهم بها ) قال : حل سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته ، فإذا بكف قد بدت بينهما بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) ( الانفطار - 11 ) ، فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فظهرت تلك الكف مكتوبا عليها : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) ( الإسراء - 32 ) فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ، فظهر ، ورأى تلك الكف مكتوبا عليها : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) ( البقرة - 281 ) فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ، فقال الله عز وجل لجبريل عليه السلام : أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة ، فانحط جبريل عليه السلام عاضا على أصبعه ، يقول : يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء .

وروي أنه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله .

وقال محمد بن كعب القرظي : رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين هم بها فرأى كتابا في حائط البيت : " لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا " .

وروى عطية ، عن ابن عباس : في البرهان أنه رأى مثال الملك .

وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما : البرهان النبوة التي أودعها الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل .

وعن علي بن الحسين قال : كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب ، فقال لها يوسف : لم فعلت هذا ؟

.

فقالت : استحييت منه أن يراني على المعصية .

فقال يوسف : أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه ؟

فأنا أحق أن أستحي من ربي ، وهرب .

قوله عز وجل : ( لولا أن رأى برهان ربه ) جواب لولا محذوف ، تقديره : لولا أن رأى برهان ربه لواقع المعصية .

( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) فالسوء : الإثم .

وقيل : السوء القبيح .

والفحشاء : الزنا .

( إنه من عبادنا المخلصين ) قرأ أهل المدينة ، والكوفة : ( المخلصين ) بفتح اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدين ، زاد الكوفيون " مخلصا " في سورة مريم ففتحوا .

ومعنى ( المخلصين ) المختارين للنبوة ، دليله : ( إنا أخلصناهم بخالصة ) ( ص - 146 ) .

وقرأ الآخرون بكسر اللام ، أي : المخلصين لله الطاعة والعبادة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد همَّت به» قصدت منه الجماع «وهمَّ بها» قصد ذلك «لولا أن رأى برهان ربه» قال ابن عباس مَثُل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله وجواب لولا لجامعها «كذلك» أريناه البرهان «لنصرف عنه السوء» الخيانة «والفحشاء» الزنا «إنه من عبادنا المخلصين» في الطاعة وفي قراءة بفتح اللام أي المختارين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد مالت نفسها لفعل الفاحشة، وحدَّثت يوسفَ نفسُه حديث خطرات للاستجابة، لولا أن رأى آية من آيات ربه تزجره عمَّا حدثته به نفسه، وإنما أريناه ذلك؛ لندفع عنه السوء والفاحشة في جميع أموره، إنه من عبادنا المطهرين المصطفَين للرسالة الذين أخلصوا في عبادتهم لله وتوحيده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وذلك ليثبت أن الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة ، كان سلاح - يوسف - عليه السلام - فى تلك المعركة العنيفة بين نداء العقل ونداء الشهوة .

.

.ولكن نداء العقل ونداء الشهوة الجامحة لم ينته عند هذا الحد ، بل نرى القرآن الكريم بحكى لنا بعد ذلك صداما آخر بينهما فيقول : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ .

.

.

) .وهذه الآية الكريمة من الآيات التى خلط المفسرون فيها بن الأقوال الصحيحة والأقوال السقيمة .وسنبين أولا الرأى الذى نختاره فى تفسيرها ثم نتبعه بعد ذلك بغيره فنقول : ألهّم : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه ، تقول هممت على فعل هذا الشئ ، إذا أقبلت نفسك عليه دون أن تفعله .وقال : بعض العلماء : الهم نوعان : هم ثابت معه عزم وعقد ورضا ، وهو مذموم مؤاخد به صاحبه ، وهَمٌّ بمعنى خاطر وحديث نفس ، من غير تصميم وهو غير مؤاخذ به صاحبه ، لأن خطور المناهى فى الصدور ، وتصورها فى الأذهان ، لا مؤاخذة بها ما لم توجد فى الأعيان .روى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ، ما لم تتكلم به ، أو تعمل به " .وقد أجمع العلماء على أن همَّ امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية ، وكان مقرونا بالعزم والجزم والقصد ، بدليل المراودة وتغليق الأبواب ، وقولها " هيْت لك " .كما أجمعوا على أن يوسف - عليه السلام - لم يأت بفاحشة ، وأن همه كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية : من غير جزم وعزم .

.

.وهذا اللون من الهم لا يدخل تحت التكليف ، ولا يخل بمقام النبوّة ، كالصائم يرى الماء البارد فى اليوم الشديد الحرراة ، فتميل نفسه إليه ، ولكن دينه يمنعه من الشرب منه ، فلا يؤاخذ بهذا الميل .والمراد ببرهان ربه هو : ما غرسه الله - تعالى - فى قلبه من العلم المصحوب بالعمل ، بأن هذا الفعل الذى دعته إليه امرأة العزيز قبيح ، ولا يليق به .أو هو - كما يقول ابن جرير - رؤيته من آيات الله ما زجره عما كان همّ به .

.والمعنى : ولقد همت به ، أى : ولقد قصدت امرأة العزيز مواقعة يوسف - عليه السلام - قصداً جازما ، بعد أن أغرته بشتى الوسائل فلم يستجب لها .

.

.( وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) أى : ومال إلى مطاوعتها بمقتضى طبيعته البشرية وبمقتضى توفر كل الدواعى لهذا الميل .

.

.ولكن مشاهدته للأدلة على شناعة المعصية ، وخوفه لمقام ربه ، وعون الله - تعالى - له على مقاومة شهوته .

.

.

كل ذلك حال بينه وبين تنفيذ هذا الميل ، وصرفه عنه صرفا كليا ، وجعله يفر هاربا طالبا النجاة مما تريده منه تلك المرأة .هذا هو الرأى الذى نختاره فى تفسير هذه الآية الكريمة ، وقد استخلصناه من أقوال المفسرين القدامى والمحدثين .فمن المفسرين القدامى الذن ذكروا هذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد قال ما ملخصه .وقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) معناه : ولقد همت بمخالطته؛ " وهم بها " أى : وهم بمخالطتها ( لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) جوابه محذوف تقديره؛ لولا أن رأى برهان ربه لخالطها ، فحذف لأن قوله وهم بها يدل عليه ، كقولك : هممت بقتله لولا أنى خفت الله .

معناه : لولا أنى خفت الله لقتلته .فإن قلت : كيف جاز على نبى الله أن يكون منه هم بالمعصية؟قلت : " المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة ، ونازعت إليها عن شهوة الشباب ، ميلا يشبه الهم به ، وكما تقتضيه تلك الحال التى تكاد تذهب بالعقول والعزائم ، وهو يكسر ما به ، ويرده بالنظر فى برهان الله المأخوذ على المكلفين بوجوب اجتناب المحارم ، ولو لم يكن ذلك الميل الشديؤد المسمى هما لشدته ، لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع ، لأن استعظام الصبر على الابتلاء ، على حسب عظم الابتلاء وشدته ، ولو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه بأنه من عباده المخلصين "ومن المفسرين المحدثين الذين ذكروا هذا الرأى الإمام الآلوسى ، فقد قال ما ملخصه : قوله : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) أى : بمخالطته .

.

والمعنى : أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزما جازما ، لا يلويها عنها صارف بعدما باشرت مباديها .

.

.والتأكيد - باللام وقد - لدفع ما يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه .( وَهَمَّ بِهَا ) أى : مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية .

.

.

ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحتل التكليف ، وليس المراد أنه قصدها قصدا اختياريا ، لأن ذلك أمر مذموم تنادى الآيات بعدم اتصافه به ، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه فى صحبة همها فى الذكر على سبيل المشاكلة لا لشبهه به .

.

.

( لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) أى محبته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا ، وسوء سبيله .والمراد برؤيته له : كمال إيقانه به ، ومشاهدته له مشاهدة وصلت إلى مرتبة عين اليقين .

.

.ومن المفسرين من يرى أن المراد بهما به : الهم بضربه نتيجة عصيانه لأمرها .وان المراد بهمه بها : الدفاع عن نفسه برد الاعتداء ، ولكنه آثر الهرب .وقد قرر هذا الرأى ودافع عنه وأنكر سواه صاحب المنار ، فقد قال ما ملخصه :( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) أى : وتالله لقد قهمت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها ، وهى فى نظرها سيدته وهو عبدها ، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها ، بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه .

.

.

فخرجت بذلك عن طبع أنوثتها فى التمنع .

.

مما جعلها تحاول البطش به بعد أن أذل كرامتها ، وهو انتقام معهود من مثلها ، وممن دونها فى كل زمان ومكان ..وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله ، وهو قوله - تعالى - ( وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) ولكنه رأى من برهان ربه فى سريرة نفسه ، ما هو مصداق قوله - تعالى - ( والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ) وهو إما النبوة .

.

.

وإما معجزتها .

.

وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا ، وهى مراقبته لله - تعالى - ورؤيته ربه متجليا له ، ناظرا إليه .وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف ، وتفسير الهم منه برد الاعتداء الذى وقع عليه منها .

.

.

اقول : ما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم بذلك ، لا أرى دليلا عليه من الآية ، لا عن طريق الإِشارة ، ولا عن طريق العبارة .

.

.ولعل صاحب المنار - رحمه الله - أراد بهذا التفسير أن يبعد يوسف - عليه السلام - عن أن يكون قدهم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة البشرية ، ونحن لا نرى مقتضيا لهذا الإِبعاد ، لأن خطور المناهى فى الأذهان ، لا مؤاخذة عليها ، ما دامت لم يصاحبها عزم أو قصد - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من قبل .هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين فى معنى الآية الكيرمة ، رأينا أن نضرب عنها صفحا؛ لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من النقل ولا من اللغة .

.

.

وإنما هى من الأوهام الإِسرائيلية التى تتنافى كل التنافى مع أخلاق عباد الله المخلصين ، الذين على رأسهم يوسف - عليه السلام .قوله - سبحانه - ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء والفحشآء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ) بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - به ، ورعايته له .والكاف : نعت لمصدر محذوف والإِشارة بذلك إلى الإِراءة المدلول عليها بقوله ( لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك .والصرف : نقل الشئ من مكان إلى مكان والمراد به هنا : الحفظ من الوقوع فيما نهى الله عنه ، أى : أريناه مثل هذه الإِراءة أو ثبتناه تثبيتا مثل هذا التثبيت لنعصمه ونحفظه ونصونه عن الوقوع فى السوء - أى فى المنكر والفجور والمكروه - والفحشاء - أى كل ما فحش وقبح من الأفعال كالزن ونحوه .( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ) - بفتح اللام - أى : إنه من عبادنا الذين أخلصناهم لطاعتنا وعصمناهم من كل ما يغضبنا .وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمر " المخلصين " - بكسر اللام - أى : إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم لنا .والجملة الكريمة على القراءتين تعليل لحكمة صرفه - عليه السلام - عن السوء والفحشاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: في أنه عليه السلام هل صدر عنه ذنب أم لا؟

وفي هذه المسألة قولان: الأول: أن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة.

قال الواحدي في كتاب البسيط قال المفسرون: الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هم يوسف أيضاً بهذه المرأة هما صحيحاً وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه.

قال جعفر الصادق رضي الله عنه بإسناده عن علي عليه السلام أنه قال: طمعت فيه وطمع فيها فكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن وعنه أيضاً أنها استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه، ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب، وما ذكر آية يحتج بها ولا حديثاً صحيحاً يعول عليه في تصحيح هذه المقالة، وما أمعن النظر في تلك الكلمات العارية عن الفائدة روي أن يوسف عليه السلام لما قال: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب  ﴾ قال له جبريل عليه السلام ولا حين هممت يا يوسف فقال يوسف عند ذلك: ﴿ وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى  ﴾ ثم قال والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء عليهم السلام وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا لهم عنه، فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب.

والقول الثاني: أن يوسف عليه السلام كان بريئاً عن العمل الباطل، والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين، وبه نقول وعنه نذب.

واعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة، ولقد استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام فلا نعيدها إلا أنا نزيد هاهنا وجوهاً: فالحجة الأولى: أن الزنا من منكرات الكبائر والخيانة في معرض الأمانة أيضاً من منكرات الذنوب، وأيضاً مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضاً من منكرات الذنوب، وأيضاً الصبي إذا تربى في حجر إنسان وبقي مكفي المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكما قوته فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال.

إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول عليه الصلاة والسلاما المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة.

ثم إنه تعالى قال في غير هذه الواقعة: ﴿ كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء ﴾ وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه، ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع وأفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئاً من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء.

وأيضاً فالآية تدل على قولنا من وجه آخر، وذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم الدمائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم، فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه، فإن ذلك يستنكر جداً فكذا هاهنا والله أعلم.

الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلة، أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع، ولو كان يوسف عليه السلام أقدم هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية.

الرابع: أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية.

واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف عليه السلام، وتلك المرأة وزوجها، والنسوة والشهود ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضاً عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب.

أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام: ﴿ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى  ﴾ وقوله عليه السلام: ﴿ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ  ﴾ وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم  ﴾ وأيضاً قالت: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ  ﴾ وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك، فهو قوله: ﴿ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ  يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ  ﴾ وأما الشهود فقوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذبين  ﴾ وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: ﴿ كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات: أولها: قوله: ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة.

والثاني: قوله: ﴿ والفحشاء ﴾ أي كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء.

والثالث: قوله: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ مع أنه تعالى قال: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ والرابع: قوله: ﴿ المخلصين ﴾ وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل وأخرى باسم المفعول فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات والقربات مع صفة الأخلاص.

ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه، وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته، فلأنه قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ فكان هذا إقراراً من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة كما قال الخوارزمي: وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى *** بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده *** طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برئ عما يقوله هؤلاء الجهال.

وإذا عرفت هذا فنقول: الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين: المقام الأول: أن نقول لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها.

والدليل عليه: أنه تعالى قال: ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ وجواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ هاهنا مقدم، وهو كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أن فلاناً خلصك، وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين: الأول: أن تقديم جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح.

الثاني: أن ﴿ لَوْلاَ ﴾ يجاب جوابها باللام، فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال: ولقد همت ولهم بها لولا.

وذكر غير الزجاج سؤالاً ثالثاً وهو أنه لو لم يوجد الهم لما كان لقوله: ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فائدة.

واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد، لأنا نسلم أن تأخير جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ حسن جائز، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب، وكيف ونقل عن سيبويه أنه قال: إنهم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى فكان الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطاً بشدة الاهتمام.

وأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك مما لا يليق بالحكمة، وأيضاً ذكر جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ باللام جائز.

أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز، ثم إنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين، وهو قوله تعالى: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا  ﴾ .

وأما السؤال الثالث: وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله: ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فائدة.

فنقول: بل فيه أعظم الفوائد، وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء، وعدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، ثم نقول: إن الذي يدل على أن جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ ما ذكرناه أن ﴿ لَوْلاَ ﴾ تستدعي جواباً، وهذا المذكور يصلح جواباً له، فوجب الحكم بكونه جواباً له لا يقال إنا نضمر له جواباً، وترك الجواب كثير في القرآن، لأنا نقول: لا نزاع أنه كثير في القرآن، إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفاً.

وأيضاً فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في اللفظ ما يدل على تعينه، وهاهنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفاً فليس في اللفظ ما يدل على تعين ذلك الجواب، فإن هاهنا أنواعاً من الإضمارات يحسن إضمار كل واحد منها، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق.

والله أعلم.

المقام الثاني: في الكلام على هذه الآية أن نقول: سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول: إن قوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية، فثبت أنه لابد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم وذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة بها ونحن نضمر شيئاً آخر يغاير ما ذكروه وبيانه من وجوه: الأول: المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعيم والتمتع واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه.

فإن قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فائدة.

قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صوناً للنفس عن الهلاك، والثاني: أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به، فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزقاً من خلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هارباً عنها، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية.

الوجه الثاني: في الجواب أن يفسر الهم بالشهوة، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة.

يقول القائل: فيما لا يشتهيه مايهمني هذا، وفيما يشتهيه هذا أهم الأشياء إلي، فسمى الله تعالى شهوة يوسف عليه السلام هماً، فمعنى الآية: ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود.

الثالث: أن يفسر الهم بحديث النفس، وذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلابد وأن يقع هناك بين الحكمة والشهوة الطبيعية وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة وتارة تقوى داعية العقل والحكمة.

فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية، ومثال ذلك أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف، إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه، إلا أن دينه وهداه يمنعه منه، فهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل، فقد ظهر بحمد الله تعالى صحة هذا القول الذي ذهبنا إليه ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين.

واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات» فقلت الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار فقار على طريق الاستنكار فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم عليه السلام وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب.

إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي: ومن الذي يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين، والله أعلم.

المسألة الثانية: في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه: الأول: أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب والثاني: أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة.

بل نقول: إنه تعالى طهر نفوس المتصلين به عنها كما قال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً  ﴾ فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات.

والثالث: أنه رأى مكتوباً في سقف البيت ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً  ﴾ والرابع: أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، والدليل عليه أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح فلو أنهم منعوا الناس عنها، ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ  كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ  ﴾ وأيضاً أن الله تعالى عير اليهود بقوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ  ﴾ وما يكون عيباً في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات.

وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أموراً: الأول: قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب فقال يوسف: لم فعلت ذلك؟

قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على معصية، فقال يوسف: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فوالله لا أفعل ذلك أبداً قالوا: فهذا هو البرهان.

الثاني: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمثل له يعقوب فرآه عاضاً على أصابعه ويقول له: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء فاستحى منه.

قال وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين قال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

والثالث: قالوا إنه سمع في الهواء قائلاً يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنا ذهب ريشه.

والرابع: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لم ينزجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل عليه السلام فلم يبق فيه شيء من الشهوة إلا خرج، ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف وقال: هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل فيقال له: إنك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين هذا من الحجة والدليل، وأيضاً فإن ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز، وأنه عليه الصلاة والسلام كان ممتنعاً عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية، فلما انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز والعجب أنهم نقلوا أن جرواً دخل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبقي هناك بغير عمله قالوا: فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول عليه أربعين يوماً، وهاهنا زعموا أن يوسف عليه السلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السلام، والعجب أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام، ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلاً بفاحشة فإذا دخل عليه رجل على زي الصالحين استحيا منه وفر وترك ذلك العمل، وهاهنا أنه رأى يعقوب عليه السلام عض على أنامله فلم يلتفت إليه، ثم إن جبريل عليه السلام على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضاً عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبريل عليه السلام إلى أن يركضه على ظهره فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين، والخذلان في طلب اليقين فهذا هو الكلام المخلص في هذه المسألة والله أعلم.

المسألة الثالثة: في الفرق بين السوء والفحشاء وفيه وجوه: الأول: أن السوء جناية اليد والفحشاء هو الزنا.

الثاني: السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة والفحشاء هو الزنا.

أما قوله: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ أي الذين أخلصوا دينهم لله تعالى ومن فتح اللام أراد الذين خلصهم الله من الأسواء، ويحتمل أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذي قال الله فيهم: ﴿ إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ  ﴾ .

المسألة الرابعة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ المخلصين ﴾ بكسر اللام في جميع القرآن والباقون بفتح اللام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

همّ بالأمر إذا قصده وعزم عليه، قال: همَمْتُ وَلَمْ أفعل وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ** تَرَكْتُ عَلَى عُثْمانَ تَبْكي حَلاَئِلُهْ ومنه قولك: لا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هماً.

أي ولا أكاد أن أفعله كيداً، ولا أهم بفعله هماً، حكاه سيبويه، ومنه: الهمام وهو الذي إذا همّ بأمر أمضاه ولم ينكل عنه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ معناه.

ولقد همت بمخالطته ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ وهمّ بمخالطتها ﴿ لَوْلا أَن رأى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ جوابه محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف؛ لأنّ قوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أني خفت الله، معناه لولا أني خفت الله لقتلته.

فإن قلت: كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصدٌ إليها؟

قلت المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلاً يشبه الهم به والقصد إليه، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم.

وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هماً لشدّته لما كان صاحبه ممدوحاً عند الله بالامتناع؛ لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته.

ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين.

ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ وشارف أن يهم بها، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته.

كأنه شرع فيه فإن قلت: قوله ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ داخل تحت حكم القسم في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ أم هو خارج منه؟

قلت: الأمران جائزان.

ومن حق القارئ إذا قدّر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ ويبتدئ قوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين.

فإن قلت: لم جعلت جواب لولا محذوفاً يدل عليه هم بها وهلا جعلته هو الجواب مقدماً فإن قلت: لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها، من قبل أنه في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض.

وأما حذف بعضها إذا دلّ الدليل عليه فجائز، فإن قلت: فلم جعلت ﴿ لولا ﴾ متعلقة بهمّ بها وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني.

فلا بدّ من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معاً، فكأنه قيل: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما؟

قلت: نعم ما قلت، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ فكان إغفاله إلغاء له، فوجب أن يكون التقدير، ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها ﴿ لَوْلا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فترك التوصل إلى حظه من الشهوة؛ فلذلك كانت ﴿ لولا ﴾ حقيقة بأن تعلق بهمّ بها وحده، وقد فسرهمّ يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر البرهان بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها، فلم يكترث له، فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمع ثالثاً: أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته.

وقيل: ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولداً إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به: يا يوسف، لا تكن كالطائر: كان له ريش، فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب فيها ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَاماً كاتبين ﴾ [الانفطار: 11] فلم ينصرف، ثم رأى فيها ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 32] فلم ينته، ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ﴾ [البقرة: 281] فلم ينجع فيه، فقال الله لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته وقالت: أستحي منه أن يرانا.

فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا أستحي من السميع البصير، العليم بذوات الصدور.

وهذا ونحوه.

مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وُجِدَت من يوسف عليه السلام أدنى زلة لنُعِيت عليه وذُكِرَت توبته واستغفاره، كما نُعِيَت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب، وعلى ذي النون، وذُكِرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصاً، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أُولي القوّة والعزم، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب صورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم عليه السلام، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهاً لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا، لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرّك.

فيا له من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه ﴿ كذلك ﴾ الكاف منصوب المحل، أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه.

أو مرفوعه، أي الأمر مثل ذلك ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء ﴾ من خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ من الزنا ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم.

ويجوز أن يريد بالسوء.

مقدّمات الفاحشة، من القبلة والنظر بشهوة، ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مّنْ عِبَادِنَا ﴾ معناه بعض عبادنا، أي: هو مخلص من جملة المخلصين.

أو هو ناشئ منهم، لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال فيهم ﴿ إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ﴾ [ص: 46] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها ﴾ وقَصَدَتْ مُخالَطَتَهُ وقَصَدَ مُخالَطَتَها، والهَمُّ بِالشَّيْءِ قَصْدُهُ والعَزْمُ عَلَيْهِ ومِنهُ الهُمامُ وهو الَّذِي إذا هَمَّ بِالشَّيْءِ أمْضاهُ، والمُرادُ بِهَمِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَيْلُ الطَّبْعِ ومُنازَعَةُ الشَّهْوَةِ لا القَصْدُ الِاخْتِيارِيُّ، وذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بَلِ الحَقِيقُ بِالمَدْحِ والأجْرِ الجَزِيلِ مِنَ اللَّهِ مَن يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الفِعْلِ عِنْدَ قِيامِ هَذا الهَمِّ، أوْ مُشارَفَةِ الهَمِّ كَقَوْلِكَ قَتَلْتُهُ لَوْ لَمْ أخَفِ اللَّهَ.

﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ في قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ مَغَبَّتِهِ لَخالَطَها لِشَبَقِ الغُلْمَةِ وكَثْرَةِ المُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ﴿ وَهَمَّ بِها ﴾ جَوابَ ﴿ لَوْلا ﴾ فَإنَّها في حُكْمِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها جَوابُها، بَلِ الجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

وقِيلَ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ.

وقِيلَ قِطْفِيرُ.

وقِيلَ نُودِيَ يا يُوسُفُ أنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ وتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوِ الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ.

﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ خِيانَةَ السَّيِّدِ.

﴿ والفَحْشاءَ ﴾ الزِّنا.

﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالكَسْرِ في كُلِّ القُرْآنِ إذا كانَ في أوَّلِهِ الألِفُ واللّامُ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)

{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} هم عزم {وَهَمَّ بِهَا} هم الطباع مع الامتناع قاله الحسن وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله وهم بها هم خطرة ولا صنع للعبد فيمايخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين وقيل وهم بها وشارف أن يهم بها يقال هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه وجواب {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} محذوف أي لكان ماكان وقيل وهمّ بها جوابه ولا يصح لأن جواب لولا لا يتقدم عليها لأنه في حكم القسم وله صدر الكلام والبرهان الحجة ويجوز أن يكون وهم بها داخلاً في حكم القسم في قوله ولقد همت به ويجوز أن يكون خارجاً ومن حق القارىء إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على به ويبتدىء بقوله وهم بها وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين وفسرهم يوسف بأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهى مستلقية على فقاها وفسر

البرهان بأنه سمع صوتاً إياك وإياها مرتين فسمع ثالثاً أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته وهو باطل ويدل على بطلانه قوله هى راودتنى عن نفسي ولو كان ذلك منه أيضاً لما برأ نفسه من ذلك وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفاً عنه وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ولو كان كذلك لخانه بالغيب وقوله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ من سوء الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ولأنه لو وجد منا ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ونوح وذي النون وداود عليهم السلام وقد سماه الله مخلصاً فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظر في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء ومحل الكاف في {كذلك} نصب أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو رفع أي الأمر مثل ذلك {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء} خيانة السيد {والفحشاء} الزنا {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين} بفتح اللام حيث كان مدني وكوفي أي الذين أخلصهم الله لطاعته وبكسرها غيرهم أي الذين أخلصوا دينهم لله ومعنى من عبادنا بعض عبادنا أى هو مخلص من جملة المخلصين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ أيْ بِمُخالَطَتِهِ إذًا لَهم -سَواءٌ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى القَصْدِ والإرادَةِ مُطْلَقًا أوْ بِمَعْنى القَصْدِ الجازِمِ والعَقْدِ الثّابِتِ كَما هو المُرادُ هَهُنا، لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ.

والمَعْنى أنَّها قَصَدَتِ المُخالَطَةَ وعَزَمَتْ عَلَيْها عَزْمًا جازِمًا لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ بَعْدَ ما باشَرَتْ مَبادِيها وفَعَلَتْ ما فَعَلَتْ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى، ولَعَلَّها تَصَدَّتْ هُنالِكَ لِأفْعالٍ أُخَرَ مِن بَسْطِ يَدِها إلَيْهِ وقَصْدِ المُعانَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اضْطَرَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الهَرَبِ نَحْوَ البابِ، والتَّأْكِيدُ لِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِنِ احْتِمالِ إقْلاعِها عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ بِما في مَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الزَّواجِرِ ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ أيْ مالَ إلى مُخالَطَتِها بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ كَمَيْلِ الصّائِمِ في اليَوْمِ الحارِّ إلى الماءِ البارِدِ، ومِثْلَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَها قَصْدًا اخْتِيارِيًّا لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَذْمُومٌ تُنادِي الآياتُ عَلى عَدَمِ اتِّصافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالهَمِّ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ في صُحْبَةِ هَمِّها في الذَّكَرِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لا لِشَبَهِهِ بِهِ كَما قِيلَ، وقَدْ أُشِيرَ إلى تَغايُرِهِما كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: حَيْثُ لَمْ يَلُزّا في قَرْنٍ واحِدٍ مِنَ التَّعْبِيرِ بِأنْ قِيلَ: ولَقَدْ هَمّا بِالمُخالَطَةِ أوْ هَمَّ كُلٌّ مِنهُما بِالآخَرِ وأكَّدَ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي.

﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ أيْ حُجَّتَهُ الباهِرَةَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ سَبِيلِهِ، والمُرادُ بِرُؤْيَتِهِ لَها كَمالُ إيقانِهِ بِها ومُشاهَدَتُهُ لَها مُشاهَدَةً واصِلَةً إلى مَرْتَبَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِرُؤْيَةِ البُرْهانِ حُصُولُ الأخْلاقِ وتَذْكِيرُ الأحْوالِ الرّادِعَةِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المُنْكَرِ، وقِيلَ: رُؤْيَةٌ ﴿ ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ مَكْتُوبًا في السَّقْفِ، وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لَوْلا مُشاهَدَتُهُ البُرْهانَ لَجَرى عَلى مُوجَبِ مَيْلِهِ الجِبِلِّيِّ لَكِنَّهُ حَيْثُ كانَ مُشاهِدًا لَهُ اسْتَمَرَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن قَضِيَّةِ البُرْهانِ، هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلٌ بِإثْباتِ هَمَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ هَمٌّ غَيْرُ مَذْمُومٍ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمٌّ بِها ألْبَتَّةَ بَلْ هو مَنفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ كَما تَقُولُ: قارَفْتُ الذَّنْبَ لَوْ لا أنْ عَصَمَكَ اللَّهُ تَعالى ولا نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها وإنْ كانَ لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِ أجْوِبَتِها عَلَيْها، وقَدْ ذَهَبَ إلى الجَوازِ الكُوفِيُّونَ.

ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بَلْ نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما يَقُولُ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ كَذا فَيُقَدِّرُونَهُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا يَدُلُّ قَوْلُهُمْ: أنْتَ ظالِمٌ عَلى ثُبُوتِ الظُّلْمِ بَلْ هو مُثْبَتٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الفِعْلِ، وكَذَلِكَ هَهُنا التَّقْدِيرُ ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ لَهم بِها فَكانَ يُوجَدُ الهَمُّ عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ لَكِنَّهُ وجَدَ رُؤْيَةَ البُرْهانِ فانْتَفى الهَمُّ، والمُرادُ بِالبُرْهانِ ما عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العِلْمِ الدّالِّ عَلى تَحْرِيمِ ما هَمَّتْ بِهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُ الهَمُّ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: ولَوْ كانَ الكَلامُ ولَهَمَّ بِها كانَ بَعِيدًا فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللّامِ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (هَمَّ بِها) هو جَوابُ (لَوْلا) ونَحْنُ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ عَلى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الجَوابِ قَدْ يُقالُ: إنَّ اللّامَ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ جَوابُ (لَوْلا) إذا كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي بِاللّامِ وبِدُونِها فَيُقالُ: لَوْلا زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ ولَوْلا زَيْدٌ أكْرَمْتُكَ، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَذْكُورَ هو نَفْسُ الجَوابِ لَمْ يَبْعُدْ، وكَذا لا التِفاتَ أيْضًا لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ وأنَّ جَوابَ (لَوْلا) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ وأنَّ المَعْنى ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ لَهَمَّ بِها فَلَمْ يَهِمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ، وأقْوالُ السَّلَفِ لِما في قَوْلِهِ: يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ مِنَ البَحْثِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى الجَوازِ بِوُجُودِهِ في لِسانِ العَرَبِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كادَتْ ﴾ إلَخْ؛ إمّا أنْ يَكُونَ هو الجَوابَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ القائِلُ، وإمّا أنْ يَكُونَ دَلِيلَ الجَوابِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وأمّا أقْوالُ السَّلَفِ فالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ عَنْهم لِأنَّها أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا مَعَ كَوْنِها قادِحَةً في بَعْضِ فُسّاقِ المُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنِ المَقْطُوعِ لَهم بِالعِصْمَةِ عَلى أنَّ ما رُوِيَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الجَوابِ مَحْذُوفًا لِغَيْرِ دَلِيلٍ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوا بِناءً عَلى ذَلِكَ لَهَمَّ بِها، وكَلامُ العَرَبِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِن مَعْنى ما قَبْلَ الشَّرْطِ لِأنَّهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، هَذا ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى تَحَقُّقِ الهَمِّ القَبِيحِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الواحِدِيُّ فَإنَّهُ قالَ في كِتابِ البَسِيطِ: قالَ المُفَسِّرُونَ المَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمُ المَرْجُوعُ إلى رِوايَتِهِمُ الآخِذُونَ لِلتَّأْوِيلِ عَمَّنْ شاهَدَ التَّنْزِيلَ: هَمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا بِهَذِهِ المَرْأةِ هَمًّا صَحِيحًا وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ فَلَمّا رَأى البُرْهانَ مِن رَبِّهِ زالَ كُلُّ شَهْوَةٍ عَنْهُ.

قالَ أبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهُهُ أنَّهُ قالَ: ”طَمِعَتْ فِيهِ وطَمِعَ فِيها“ وكانَ طَمَعُهُ فِيها أنْ هَمَّ أنْ يَحُلَّ التِّكَّةَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَلَّ الهِمْيانَ وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الخاتِنَ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها اسْتَلْقَتْ لَهُ وقَعَدَ بَيْنَ رِجْلَيْها يَنْزِعُ ثِيابَهُ، ورَوَوْا في البُرْهانِ رِواياتٍ شَتّى: مِنها ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها قامَتْ إلى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ في ناحِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ أبْيَضَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أيُّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ؟

فَقالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ السَّوْأةِ، فَقالَ: تَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا أسْتَحْيِ أنا مِن إلَهِي الَّذِي هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ؟!

ثُمَّ قالَ: لا تَنالِيها مِنِّي أبَدًا وهو البُرْهانُ الَّذِي رَأى، ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى صَدْرِهِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى إصْبَعَيْهِ وهو يَقُولُ: يا يُوسُفُ أتَهِمُّ بِعَمَلِ السُّفَهاءِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ قالَ: نُودِيَ يا ابْنَ يَعْقُوبَ لا تَكُونَنَّ كالطَّيْرِ لَهُ رِيشٌ فَإذا زَنى قَعَدَ لَيْسَ لَهُ رِيشٌ فَلَمْ يَعْرِضْ لِلنِّداءِ وقَعَدَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأى وجْهَ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى إصْبَعِهِ فَقامَ مَرْعُوبًا اسْتِحْياءً مِن أبِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَ الإمامُ الرّازِيُّ ما ذُكِرَ بِأنَّ هَذِهِ المَعْصِيَةَ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ -وحاشاهُ- مِن أقْبَحِ المَعاصِي وأنْكَرِها، ومِثْلُها لَوْ نُسِبَ إلى أفْسَقِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وأبْعَدِهِمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ لاسْتَنْكَفَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى هَذا الصِّدِّيقِ الكَرِيمِ؟

وأيْضًا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَهِدَ بِكَوْنِ ماهِيَّةِ السُّوءِ وماهِيَّةِ الفَحْشاءِ مَصْرُوفَتَيْنِ عَنْهُ، ومَعَ هَذِهِ الشَّهادَةِ كَيْفَ يُقْبَلُ القَوْلُ بِنِسْبَةِ أعْظَمِ السُّوءِ والفَحْشاءِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا إنَّ هَذا الهَمَّ القَبِيحَ لَوْ كانَ واقِعًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما زَعَمُوا وكانَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لَهُ لَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ ﴾ خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ لِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَعْصِيَةِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَدُلَّ عَلى المَدْحِ العَظِيمِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ إقْدامَهُ عَلى مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ ثُمَّ إنَّهُ يَمْدَحُهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأعْظَمِ المَدائِحِ والأثْنِيَةِ، وأيْضًا إنَّ الأكابِرَ كالأنْبِياءِ مَتى صَدَرَتْ عَنْهم زَلَّةٌ أوْ هَفْوَةٌ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ وأتْبَعُوهُ بِإظْهارِ النَّدامَةِ والتَّوْبَةِ والتَّخَضُّعِ والتَّنَصُّلِ فَلَوْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْدَمَ عَلى هَذِهِ الفاحِشَةِ المُنْكَرَةِ لَكانَ مِنَ المُحالِ أنْ لا يُتْبِعَها بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ قَدْ أتْبَعَها لَحُكِيَ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِلْمُنا أنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ ذَنْبٌ أصْلًا، وأيْضًا جَمِيعُ مَن لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الواقِعَةِ قَدْ أفْصَحَ بِبَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، ومَن نَظَرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ رَآهُ أفْصَحَ شاهِدٍ عَلى بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَ إبْلِيسَ: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ وجَدَ إبْلِيسَ مُقِرًّا بِأنَّهُ لَمْ يُغْوِهِ ولَمْ يُضِلَّهُ عَنْ سَبِيلِ الهُدى كَيْفَ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُخْلَصِينَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَدِ اسْتَثْناهم مِن عُمُومِ ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ).

﴾ وعِنْدَ هَذا يُقالُ لِلْجَهَلَةِ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الفَعْلَةَ الشَّنِيعَةَ: إنْ كانُوا مِن أتْباعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى طَهارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانُوا مِن أتْباعِ إبْلِيسَ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَتَهُ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ كُنّا في أوَّلِ الأمْرِ مِن تَلامِذَتِهِ إلى أنْ تَخَرَّجْنا فَزِدْنا عَلَيْهِ في السَّفاهَةِ كَما قالَ الحَرِيرِيُّ: وكُنْتُ امْرَءًا مِن جُنْدِ إبْلِيسَ فانْتَهى بِيَ الحالُ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِي فَلَوْ ماتَ قَبْلِي كُنْتُ أُحْسِنُ بَعْدَهُ ∗∗∗ طَرائِقَ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُها بَعْدِي ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في الحُجَجِ وأنْصَفَ جَزَمَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في يَدِ الواحِدِي ومَن وافَقَهُ إلّا مُجَرَّدُ التَّصَلُّفِ وتَعْدِيدُ أسْماءِ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يَجِدْ مَعَهم شُبْهَةً في دَعْواهُمُ المُخالِفَةِ لِما شَهِدَ لَهُ الآياتُ البَيِّناتُ سِوى رِواياتٍ واهِياتٍ.

وقَدْ ذَكَرَ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ بَعْدَ أنْ نَقَلَ ما حَكاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ الحَقائِقِ مِن أنَّ الهَمَّ هَمّانِ: هَمٌّ ثابِتٌ وهو ما كانَ مَعَهُ عَزْمٌ وعَقْدٌ ورِضا مِثْلُ هَمِّ امْرَأةِ العَزِيزِ، وهَمٌّ عارِضٌ وهو الخَطِرَةُ وحَدِيثُ النَّفْسِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ ولا عَزْمٍ مِثْلُ هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الَّذِي يَجِبُ أنْ نَذْهَبَ إلَيْهِ ونَتَّخِذَهُ مَذْهَبًا، وإنْ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ ما نَقَلُوا لِأنَّ مُتابَعَةَ النَّصِّ القاطِعِ وبَراءَةَ المَعْصُومِ عَنْ تِلْكَ الرَّذِيلَةِ وإحالَةِ التَّقْصِيرِ عَلى الرُّواةِ أوْلى بِالمَصِيرِ إلَيْهِ عَلى أنَّ أساطِينَ النَّقْلِ المُتْقِنِينَ لَمْ يَرْوُوا في ذَلِكَ شَيْئًا مَرْفُوعًا في كُتُبِهِمْ، وجُلَّ تِلْكَ الرِّواياتِ بَلْ كُلُّها مَأْخُوذٌ مِن مَسْألَةِ أهْلِ الكِتابِ اهـ، نَعَمْ قَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ بَعْضًا مِنَ الرِّواياتِ الَّتِي اسْتَنَدَ إلَيْها مَن نَسَبَ تِلْكَ الشَّنِيعَةَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ ذَوِي الِاعْتِبارِ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ نُبْذَةٍ مِنها إنْ كُلُّ ذَلِكَ إلّا خُرافاتٍ وأباطِيلَ تَمُجُّها الآذانُ وتَرُدُّها العُقُولُ والأذْهانُ ويْلٌ لِمَن لاكَها ولَفَّقَها أوْ سَمِعَها وصَدَّقَها، ثُمَّ إنَّ الإمامَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ أنْ مَنَعَ دَلالَتَها عَلى الهَمِّ ما حاصِلُهُ: إنّا سَلَّمْنا أنَّ الهَمَّ قَدْ حَصَلَ إلّا أنّا نَقُولُ: لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ يَجْعَلُ مُتَعَلِّقَ الهَمِّ إذِ الذَّواتُ لا تَصْلُحُ لَهُ ولا يَتَعَيَّنُ ما زَعَمُوهُ مِن إيقاعِ الفاحِشَةِ بِها بَلْ نُضْمِرُهُ شَيْئًا آخَرَ يُغايِرُ ما أضْمَرُهُ، فَنَقُولُ: المُرادُ هَمَّ بِدَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ ومَنعِها عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَ هَمَمْتُ بِفُلانٍ أيْ قَصَدْتُهُ ودَفَعْتُهُ ويُضْمِرُ في الأوَّلِ المُخالَطَةَ والتَّمَتُّعَ ونَحْوَ ذَلِكَ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِحالِها، فَإنْ قالُوا: لا يَبْقى حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ فائِدَةٌ، قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ يُوسُفَ أنَّهُ لَوْ هَمَّ بِدَفْعِها لَفَعَلَتْ مَعَهُ ما يُوجِبُ هَلاكُهُ فَكانَ في الِامْتِناعِ عَنْ ذَلِكَ صَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الهَلاكِ، الثّانِي أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِدَفْعِها فَلَرُبَّما تَعَلَّقَتْ بِهِ فَكانَ يَتَمَزَّقُ ثَوْبُهُ مِن قُدّامَ، وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ الشّاهِدَ يَشْهَدُ بِأنَّ ثَوْبَهُ لَوْ كانَ مُتَمَزِّقًا مِن قُدّامَ لَكانَ هو الجانِي، ولَوْ كانَ مُتَمَزِّقًا مِن خَلْفٍ لَكانَتْ هي الجانِيَةُ فَأعْلَمَهُ هَذا المَعْنى فَلا جَرْمَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِدَفْعِها وفَّرَ عَنْها حَتّى صارَتِ الشَّهادَةُ حُجَّةً لَهُ عَلى بَراءَتِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وإلى تَقْدِيرِ الدَّفْعِ ذَهَبَ بَعْضُ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَفي الجَواهِرِ والدُّرَرِ لِلشَّعْرانِيِّ: سَألْتُ شَيْخَنا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها ﴾ ما هَذا الهَمُّ الَّذِي أُبْهِمَ فَقَدْ تَكَلَّمَ النّاسُ فِيهِ بِما لا يَلِيقُ بِرُتَبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؟

فَقالَ: لا أعْلَمُ، قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ مُطْلَقَ اللِّسانِ يَدُلُّ عَلى أُحَدِيَّةِ المَعْنى، ولَكِنَّ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ فالحَقُّ أنَّها هَمَّتْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَقْهَرَهُ عَلى ما أرادَتْهُ مِنهُ، وهَمَّ هو بِها لِيَقْهَرَها في الدَّفْعِ عَمّا أرادَتْهُ مِنهُ، فالِاشْتِراكُ في طَلَبِ القَهْرِ مِنهُ ومِنها والحُكْمُ مُخْتَلِفٌ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ وما جاءَ في السُّورَةِ أصْلًا أنَّهُ راوَدَها عَنْ نَفْسِها اهـ، وجَوَّزَ الإمامُ أيْضًا تَفْسِيرَ الهَمِّ بِالشَّهْوَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في اللُّغَةِ الشّائِعَةِ فَإنَّهُ يَقُولُ القائِلُ فِيما لا يَشْتَهِيهِ: لا يُهِمُّنِي هَذا، وفِيما يَشْتَهِيهِ: هَذا أهَمُّ الأشْياءِ إلَيَّ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ حَمَلَ الهَمَّ في المَوْضِعَيْنِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ بَعْدُ: فَمَعْنى الآيَةِ ولَقَدِ اشْتَهَتْهُ واشْتَهاها ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَفَعَلَ وهو مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ إذْ لا مَحْذُورَ في نِسْبَةِ الهَمِّ المَذْمُومِ إلَيْها، والظّاهِرُ أنَّ الهَمَّ بِهَذا المَعْنى مَجازٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ السَّيِّدُ المُرْتَضِي في دُرَرِهِ لا حَقِيقَةَ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ الإمامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى ما شاعَ في الأخْبارِ والعُدُولُ عَمّا ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ الأخْيارُ، وإيّاكَ والهَمَّ بِنِسْبَةِ تِلْكَ الشَّنِيعَةِ إلى ذَلِكَ الجَنابِ بَعْدَ أنْ كَشَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ بَصَرِ بَصِيرَتِكَ فَرَأيْتَ بُرْهانَ رَبِّكَ بِلا حِجابٍ ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ قِيلَ: خِيانَةُ السَّيِّدِ ﴿ والفَحْشاءَ ﴾ الزِّنا لِأنَّهُ مُفْرَطُ القُبْحِ، وقِيلَ: (السُّوءُ) مُقَدِّماتُ الفَحْشاءِ مِنَ القُبْلَةِ والنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وقِيلَ: هو الأمْرُ السَّيِّئُ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ فِيهِ الخِيانَةُ المَذْكُورَةُ وغَيْرُها، والكافُ عَلى ما قِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ، والإشارَةُ إلى التَّثْبِيتِ اللّازِمِ لِلْإراءَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ ﴿ لِنَصْرِفَ ﴾ إلَخْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الكافَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ)، ﴾ وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ نُراعِيهِ كَذَلِكَ، والحَوْفِيُّ أرَيْناهُ البَراهِينَ كَذَلِكَ، وجَوَّزَ الجَمِيعُ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَقِيلَ: أيِ الأمْرُ أوْ عِصْمَتُهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ قالَ الحَوْفِيُّ: إنَّ النَّصْبَ أجْوَدُ لِمُطالَبَةِ حُرُوفِ الجَرِّ لِلْأفْعالِ أوْ مَعانِيها، واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَ الإشارَةِ إلى الرُّؤْيا المَفْهُومَةِ مِن رَأى أوِ الرَّأْيِ المَفْهُومِ، وقَدْ جاءَ مَصْدَرُ الرَّأْيِ كالرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ: ورَأْيُ عَيْنَيِ الفَتى أباكا ∗∗∗ يُعْطِي الجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذاكا والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى ﴾ إلَخْ وهو أيْضًا مُتَعَلِّقُ ﴿ لِنَصْرِفَ ﴾ أيْ مِثْلُ الرُّؤْيَةِ أوِ الرَّأْيِ يَرى بَراهِينَنا ﴿ لِنَصْرِفَ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ما قِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِهَمَّ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها كَذَلِكَ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ إلَخْ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ دُونَ لِنَصْرِفَهُ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى رَدِّ مَن نَسَبَ إلَيْهِ ما نُسِبَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى.

وقَرَأ الأعْمَشُ -لِيَصْرِفَ- بِياءِ الغَيْبَةِ وإسْنادِ الصَّرْفِ إلى ضَمِيرِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، والمُخْلَصُونَ هُمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى واخْتارَهم لِطاعَتِهِ بِأنْ عَصَمَهم عَمّا هو قادِحٌ فِيها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُخْتارٌ لِطاعَتِهِ سُبْحانَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ المُخْلِصِينَ إذا كانَ فِيهِ ألْ حَيْثُ وقَعَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى انْتِظامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ أُولَئِكَ العِبادِ الَّذِينَ هم هم مِن أوَّلِ الأمْرِ لا أنَّهُ حَدَثَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وفي هَذا عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ ما يَنْقَطِعُ مَعَهُ عُذْرُ أُولَئِكَ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ هاتَيْكَ الأخْبارِ الَّتِي ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ يعني: راودته عما أرادت عليه، مما تريد النساء من الرجال، فعلم بذلك ذكر الفاحشة الذي راودته عليه.

ومعناه: طلبت إليه أن يمكنها من نفسه، يعني: امرأة العزيز واسمها زليخا وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ عليها وعلى يوسف، وجعلت تغمزه وتمازحه، ويوسف يعظها بالله ويزجرها.

وروي عن ابن عباس، أنه قال: «كان يوسف إذا تبسم، رئيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور في كلامه يذهب من بين يديه، ولا يستطيع آدمي أن ينعت نعته» .

فقالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك!

قال: هما أول شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي.

ثم قالت: يا يوسف ما أحسن ديباج وجهك!

قال: هو للتراب يأكله.

ثم قالت: يا يوسف ما أحسن شعرك!

قال: هو أول ما ينتثر من جسدي.

وَقالَتْ: يا يوسف، هَيْتَ لَكَ.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم، هَيْتَ لَكَ بنصب الهاء والتاء، بمعنى: أقبل، ويقال: هلم إليّ، والعرب تقول: هيت فلان لفلان، إذا دعاه وصاح به، وهكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن.

وقرأ ابن عامر في رواية هشام هِئْتُ بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك.

وقرأ ابن كثير هَيْتَ لك بنصب الهاء وضم التاء، ومعناه: أنا لك، وأنا فداؤك، وقرأ نافع وابن عامر في إحدى الروايتين هَيْتَ بكسر الهاء ونصب التاء، بغير همز.

قالَ مَعاذَ اللَّهِ قال يوسف: أعوذ بالله أن أعصيه وأخونه.

إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ يعني: إنه سيدي الذي اشتراني أحسن إكرامي، فلم أكن لأفعل بامرأته ذلك.

إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: لا ينجو الزناة من عذاب الله تعالى، وفي هذه الآية دليل: أن معرفة الإحسان واجب، لأن يوسف امتنع عنها لأجل شيئين: لأجل المعصية والظلم، ولأجل إحسان الزوج إليه.

قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها روى حماد بن سلمة عن الكلبي أنه قال: كان من همها أنها دعته إلى نفسها واضطجعت، وهَمَّ بها بالموعظة والتخويف من الله تعالى، وقيل: إنه حلَّ سراويله، وجلس بين رجليها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يقول: مثل له يعقوب في الحائط عاضاً على شفتيه، فاستحيا، فتنحى بنفسه.

وقال وهب بن منبه: لم تزل تخدعه حتى همَّ بها، ودخل معها في فراشها، فنودي من السماء: مهلاً يا يوسفُ، فإنك لو وقعت في خطيئة محي اسمك عن ديوان النبوة.

وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ما بلغ من همه؟

قال: «أطلق هميانه فنودي: يا يوسف لا تكن كالطائر له ريش فزنى، فسقط ريشه» .

ويقال: كان همها هم إرادة وشهوة، وهمه همّ اضطرار وغلبة.

وقال بعضهم: كان همه حديث النفس والفكر وهما مرفوعان.

وقال بعضهم: هَمَّ بِها يعني: يضربها.

وقال بعضهم: يعني: هم بالفرار عنها.

وقال بعضهم: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ تم الكلام، ثم قال: وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يعني: لما رأى البرهان لم يهم بها، فقد قيل هذه الأقاويل، والله أعلم.

وقد روي في الخبر: «أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو همَّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا، ولكنهم كانوا معصومين من الفواحش.

وقوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «مثل له يعقوب، فضرب بيده على صدره، فخرجت شهوته من أنامله» .

وقال محمد بن كعب لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال: لولا أن قرأ القرآن من تحريم الزنى، وذلك أنه استقبل بكتاب لله وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] .

قال الله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ يقول: هكذا صرفت السوء والفحشاء عن يوسف بالبرهان، حين استعاذ إليّ بقوله: معاذ الله.

ثم قال: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ بالتوحيد والطاعة.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الْمُخْلَصِينَ بكسر اللام، ومعناه ما ذكرناه.

وقرأ الباقون الْمُخْلَصِينَ بالنصب، يعني: المعصومين من الذنوب والفواحش، ويقال: أخلصه الله بالنبوة والرسالة والإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في «أمره» يحتمل أنْ يعودَ على يوسف قاله الطبري «١» ، ويحتملُ أن يعود على اللَّهِ عزَّ وجلَّ قاله ابن جُبَيْر، فيكون إِخباراً منبِّهاً على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ ليس في شأن يوسُفَ خاصَّة، بل عامًّا في كل أمر، و «الأَشُدَّ» : استكمال القوة وتناهِي بِنْيَةِ الإِنسان، وهما أَشُدَّان: أولهما، البلوغ، والثاني: الذي يستعمله العرب.

وقوله سبحانه: وآتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً: يحتمل أن يريد بالحُكْم: الحكمة والنبوَّة، وهذا على الأشُدِّ الأعلَى، ويحتملُ أن يريد بالحُكْمِ: السلطانَ في الدنيا وحكماً بين الناس، وتدخُلُ النبوَّة وتأويلُ الأحاديث وغير ذلك في قوله: وَعِلْماً، وقال ابن «٢» العربيِّ:

آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً: الحُكْم: هو العَمَلُ بالعلْمِ.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: عبارةٌ فيها وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أي: فلا يهولَنَّكَ فعل الكَفَرة وعتوّهم عليك، فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع.

وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)

وقوله سبحانه: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ: المراودة: الملاطفةُ في السُّوق إِلى غرض، والَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها هي زُلَيْخَا امرأةُ العزيز، وقوله: عَنْ نَفْسِهِ:

كنايةٌ عن غرض المواقعة، وظاهرُ هذه النازِلة أنها كانَتْ قبل أنْ ينبَّأ عليه السلام، وقولها:

هَيْتَ لَكَ: معناه: الدُّعاء، أيْ: تعالَ وأقْبِلْ عَلَى هَذا الأمْرِ، قال الحَسن: معناها:

هَلُمَّ، قال البخاريُّ: قال عكرمةُ: هَيْتَ لَكَ بالحُورَانِيَّةِ: هَلُمَّ.

وقال ابن جُبير: تَعَالَهْ، انتهى.

وقرأ هشام عن ابن عامرٍ «٣» : «هِئْتُ لَكَ» - بكسر الهاءِ والهمزِ وضمِّ التاء-، ورويت عن أبي عَمْرو، وهذا يحتملُ أنْ يكون من هَاءَ الرجُلُ يَهِيءُ، إِذا حَسُن هيئته، ويحتمل أنْ يكون بمعنى: تَهَيَّأَتُ، ومَعاذَ: نصب على المصدر، ومعنى الكلام: أعوذ باللَّهِ، ثم

قال: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ، فيحتمل أن يعود الضمير في «إِنه» على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتمل أنْ يريد العزيزَ سيِّدَهُ، أي: فلا يصلح لي أنْ أخونه، وقد أكْرَمَ مثواي، وائتمنني، قال مجاهد وغيره: «رَبِّي» معناه سَيِّدي «١» وإِذا حفظ الآدميّ لإِحسانه فهو عمل زَاكٍ، وأحرى أن يحفظ ربه، والضمير في قوله: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ مرادٌ به الأمر والشأن فقطْ، وحكى بعض المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لمَّا قال: مَعَاذَ اللَّهِ، ثم دافَعَ الأمْرَ باحتجاج وملاينةٍ، امتحنه اللَّه تعالى بالهَمِّ بما هَمَّ به، ولو قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ودافَعَ بِعُنْفٍ وتغييرٍ، لم يَهمَّ بشيء من المَكْروه.

وقوله سبحانه: وَهَمَّ بِها: اختلف في هَمِّ يوسُفُ.

قال ع «٢» : والذي أقولُ به في هذه الآية: أَنَّ كَوْنَ يوسُفَ عليه السلام نبيًّا في وقت هذه النازلة لم يصحَّ، ولا تظاهَرَتْ به روايةٌ، فإِذا كان ذلك، فهو مؤمنٌ قد أوتِيَ حكماً وعلماً، ويجوز عَلَيْه الهَمُّ الذي هو إِرادةُ الشيْءِ دون مواقَعَتِهِ، وأنْ يستصحب الخَاطِرَ الرديءَ علَى ما في ذلك من الخطيئة، وإِن فرضْنَاه نبيًّا في ذلك الوقْتِ، فلا يجوز عليه عندي إِلاَّ الهَمُّ الذي هو الخاطرُ، ولا يصحُّ عندي شيْءٌ مما ذكر من حَلِّ تِكَّةٍ، ونحوِ ذلك لأنَّ العِصْمة مع النبوَّة، وللَهمِّ بالشيْءِ مرتبتانِ، فالخاطرُ المجرَّد دون استصحاب يجوزُ عليه، ومع استصحابِ لا يَجُوزُ عليه إِذ الإِجماع منعقدٌ أَنَّ الهمَّ بالمعصية واستصحابَ التلذُّذ بها غير جائزٍ، / ولا داخِلٍ في التجاوُزِ.

ت: قال عياضٌ: والصحيحُ إِن شاء اللَّه تنزيهُهُمْ أيضاً قبل النبوَّة مِنْ كُلِّ عيْبٍ، وعصمتُهُم مِنْ كُلِّ ما يوجبُ الرَّيْب، ثم قال عياضٌ بعد هذا: وأما قولُ اللَّه سبحانه:

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، فعلى طريق كثيرٍ من الفقَهَاء والمحدِّثين أنَّ همَّ النفْس لا يؤاخذ به، وليس بسيِّئة، لقوله عليه السلام عن ربِّه: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» «٣» فَلاَ مَعْصِيَةَ في همه إِذَنْ، وأما علَى مذهب المحقِّقين من الفقهاء والمتكلِّمين، فإِن الهمَّ إِذا وُطِّنَتْ عليه النفْسُ سيئةٌ، وأَما ما لم توطَّن عليه النفس مِنْ همومها وخواطرها، فهو المعفوُّ عنه، وهذا هو الحقُّ، فيكون إِن شاء اللَّه هَمُّ يوسُفَ من هذا، ويكونُ قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ...

الآية [يوسف: ٥٣] : أي:

مِن هذا الهَمِّ، أو يكون ذلك مِنْهُ على طريق التواضُع.

انتهى.

واختلف في البُرْهَان الذي رآه يوسُفُ، فقيل: ناداه جبريلُ: يا يوسُفُ، تَكُونُ في ديوانِ الأنبياءِ، وتفعلُ فِعْلَ السفهاءِ، وقيل: رأَى يعقوبَ عَاضًّا علَى إِبهامه، وقيل غير هذا، وقيل: بل كان البرهَانُ فِكْرَتَهُ في عذابِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ على المعصية، والبرهانُ في كلام العرب: الشيء الذي يُعْطِي القطْعِ واليَقِينَ، كان مما يَعلَمُ ضرورةً أو بخبرٍ قطعيٍّ أو بقياسٍ نظريٍّ «وأنْ» في قوله: لَوْلا أَنْ رَأى في موضع رفعٍ، تقديره: لولا رؤيته برهانَ رَبِّه، لَفَعَلَ، وذَهَبَ قومٌ إِلى أَنَّ الكلامَ تَمَّ في قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وأن جواب «لولا» في قوله: وَهَمَّ بِها، وأن المعنى: لولا أنْ رأَى البرهان لَهَمَّ، أي: فلم يهمَّ عليه السلام، وهذا قولٌ يردُّه لسانُ العربِ، وأقوالُ السلَفِ ت: وقد ساقَ عيَاضٌ هذا القولَ مساق الاحتجاج به متَّصلاً بما نقَلْناه عنْه آنفاً، ولفظه: فكيف، وقَدْ حكَى أبو حاتمٍ عن أبي عُبَيْدة، أن يوسف لم يَهِمَّ، وأنَّ الكلام فيه تقديمٌ وتأخير، أي: ولقد همَّتْ به، ولولا أنْ رأَى برهانَ ربه لَهَمَّ بها، وقد قال اللَّه تعالى عن المرأة: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، [يوسف:

٢٣] وقال تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ...

الآية.

انتهى.

وكذا نقله الداودي ولفظه: وقد قال سعيدُ بْنَ الحَدَّاد: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ومعناه: أنه لولا أنْ رأَى برهان ربِّه لَهَمَّ بها، فلمَّا رأى البرهان لم يَهِمَّ، انتهى.

قال ابن العربيِّ في «أَحكامه» «١» : وقد أخبر اللَّه سبحانه عن حالِ يوسُفَ من حين بلوغه بأنه آتاه حكماً وعلماً، والحُكْم: هو العمل بالعلم، وكلامُ اللَّه صادِقٌ، وخبره صحيحٌ، ووصفه حَقٌّ، فقد عَمِلَ يوسُفُ بما عَلَّمه اللَّه من تحريم الزنا، وتحريم خيانةِ السيِّد في أهْله، فما تعرَّض لامرأةِ العزيز، ولا أناب إِلى المُرَاودة، بل أَدْبَرَ عنها، وَفَّر منها حِكْمَةٌ خُصَّ بها، وعملٌ بما علَّمه اللَّه تعالى، وهذا يطمس وُجُوهَ الجَهَلَةِ مِنَ النَّاس والغَفَلَةِ من العلماءِ في نسْبتهم إِلى الصِّدِّيقِ ما لا يليقُ، وأقلُّ ما اقتحموا مِنْ ذلك هَتْكُ السراويلِ، والهَمُّ بالفَتْكِ فيما رَأَوْهُ من تأويلٍ، وحاشاه من ذلك، فما لهؤلاء المفسِّرين لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً يقولون: فَعَلَ فَعَلَ، واللَّه تعالى إِنما قال هَمَّ بها، قال علماء الصوفيَّة: إِن فائدة قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ...

[يوسف: ٢٢] أن اللَّه عزَّ وجلَّ أعطاه العلْمَ والحكْمة بأن غلب الشهوة ليكون ذلك سبباً للعصْمَة، انتهى.

والكافُ من قوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ: متعلِّقةٌ بمضمرٍ، تقديره:

جَرَتْ أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرفَ، ويصحُّ أن تكون الكافُ في موضع رفع بتقدير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ الهَمُّ بِالشَّيْءِ في كَلامِ العَرَبِ: حَدِيثُ المَرْءِ نَفْسَهُ بِمُواقَعَتِهِ ما لَمْ يُواقِعْ.

فَأمّا هَمُّ أزْلِيخا، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: دَعَتْهُ إلى نَفْسِها واسْتَلْقَتْ لَهُ.

واخْتَلَفُوا في هَمِّهِ بِها عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن جِنْسِ هَمِّها، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُ لَفَعَلَ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ، واخْتارَهُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ في اللُّغَةِ: هَمَمْتُ بِفُلانٍ، وهَمَّ بِي، وأنْتَ تُرِيدُ: اخْتِلافَ الهَمَّيْنِ.

واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِنَ السَّلَفِ والعُلَماءِ الأكابِرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَنَذْكُرُهُ مِن أمْرِ البُرْهانِ الَّذِي رَآهُ.

قالُوا: ورُجُوعُهُ عَمّا هَمَّ بِهِ مِن ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى يَمْحُو عَنْهُ سَيِّئَ الهَمِّ، ويُوجِبُ لَهُ عُلُوَّ المَنازِلِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  : «أنَّ ثَلاثَةً خَرَجُوا فَلَجَؤُوا إلى غارٍ، فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَقالُوا: لِيَذْكُرْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أفْضَلَ عَمَلِهِ.

فَقالَ أحَدُهم: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ فَراوَدْتُها عَنْ نَفْسِها فَأبَتْ إلّا بِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمّا أتَيْتُها بِها وجَلَسْتُ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ أُرْعِدَتْ وقالَتْ: إنَّ هَذا لَعَمَلٌ ما عَمِلْتُهُ قَطُّ، فَقُمْتُ عَنْها وأعْطَيْتُها المِائَةَ الدِّينارِ، فَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا، فَزالَ ثُلُثُ الحَجَرِ» .

والحَدِيثُ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ في " الحَدائِقِ " فَعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّما هَمَّتْ، فَتَرَقَّتْ هِمَّتُها إلى العَزِيمَةِ، فَصارَتْ مُصِرَّةً عَلى الزِّنا.

فَأمّا هو، فَعارَضَهُ ما يُعارِضُ البَشَرَ مِن خَطَراتِ القَلْبِ، وحَدِيثِ النَّفْسِ، مِن غَيْرِ عَزْمٍ، فَلَمْ يُلْزِمْهُ هَذا الهَمُّ ذَنْبًا، فَإنَّ الرَّجُلَ الصّالِحَ قَدْ يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وهو صائِمٌ شُرْبُ الماءِ البارِدِ، فَإذا لَمْ يَشْرَبْ لَمْ يُؤاخَذْ بِما هَجَسَ في نَفْسِهِ، وقَدْ قالَ  : " «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ أوْ تَعْمَلْ» " وقالَ  " «هَلَكَ المُصِرُّونَ» "، ولَيْسَ الإصْرارُ إلّا عَزْمَ القَلْبِ، فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ حَدِيثِ النَّفْسِ وعَزْمِ القَلْبِ، وسُئِلَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أيُؤاخَذُ العَبْدُ بِالهِمَّةِ ؟

فَقالَ: إذا كانَتْ عَزْمًا، ويُؤَيِّدُهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إذا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها لَمْ أكْتُبْها عَلَيْهِ، فَإنْ عَمِلَها كَتَبْتُها عَلَيْهِ سَيِّئَةً» " .

واحْتَجَّ القاضِي أبُو يَعْلى عَلى أنَّ هِمَّتَهُ لَمْ تَكُنْ مِن جِهَةِ العَزِيمَةِ، وإنَّما كانَتْ مِن جِهَةِ دَواعِي الشَّهْوَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ إخْبارٌ بِبَراءَةِ ساحَتِهِ مِنَ العَزِيمَةِ عَلى المَعْصِيَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدَ سَوّى القُرْآنُ بَيْنَ الهِمَّتَيْنِ، فَلِمَ فَرَّقْتُمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ الِاسْتِواءَ وقَعَ في بِدايَةِ الهِمَّةِ، ثُمَّ تَرَقَّتْ هِمَّتُها إلى العَزِيمَةِ، بِدَلِيلِ مُراوَدَتِها واسْتِلْقائِها بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ تَتَعَدَّ هِمَّتُهُ مَقامَها، بَلْ نَزَلَتْ عَنْ رُتْبَتِها، وانْحَلَّ مَعْقُودُها، بِدَلِيلِ هَرَبِهِ مِنها، وقَوْلِهِ: ﴿ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ ، وعَلى هَذا تَكُونُ هِمَّتُهُ مُجَرَّدَ خاطِرٍ لَمْ يَخْرُجْ إلى العَزْمِ.

ولا يَصِحُّ ما يُرْوى عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ حَلَّ السَّراوِيلَ وقَعَدَ مِنها مَقْعَدَ الرَّجُلِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ هَذا، دَلَّ عَلى العَزْمِ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ العَزْمِ عَلى الزِّنا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها هَمَّتْ بِهِ أنْ يَفْتَرِشَها، وهَمَّ بِها، أيْ: تَمَنّاها أنْ تَكُونَ لَهُ زَوْجَةً، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَلَمّا رَأى البُرْهانَ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ الهَمُّ، فَقُدِّمَ جَوابُ " لَوْلا " عَلَيْها، كَما يُقالُ: قَدْ كُنْتَ مِنَ الهالِكِينَ، لَوْلا أنَّ فُلانًا خَلَّصَكَ، لَكُنْتَ مِنَ الهالِكِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلا يَدْعُنِي قَوْمِي صَرِيحًا لِحُرَّةٍ لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا وتَسْلَمُ عامِرُ أرادَ: لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا وتَسْلَمُ عامِرُ، فَلا يَدَعُنِي قَوْمِي فَقَدَّمَ الجَوابَ.

وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، وأنْكَرَهُ قَوْمٌ، مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقالُوا: تَقْدِيمُ جَوابِ " لَوْلا " عَلَيْها شاذٌّ مُسْتَكْرَهٌ، لا يُوجَدُ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ.

فَأمّا البَيْتُ المُسْتَشْهَدُ بِهِ، فَمِنِ اضْطِرارِ الشُّعَراءِ، لِأنَّ الشّاعِرَ يَضِيقُ الكَلامُ بِهِ عِنْدَ اهْتِمامِهِ بِتَصْحِيحِ أجْزاءِ شِعْرِهِ، فَيَضَعُ الكَلِمَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ويُقَدِّمُ ما حُكْمُهُ التَّأْخِيرُ، ويُؤَخِّرُ ما حُكْمُهُ التَّقْدِيمُ، ويَعْدِلُ عَنِ الِاخْتِيارِ إلى المُسْتَقْبَحِ لِلضَّرُورَةِ، قالَ الشّاعِرُ: جَزى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمِ ؎ بِتَرْكِي وخِذْلانِي جَزاءً مُوَفَّرا تَقْدِيرُهُ: جَزى عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ رَبُّهُ، فاضْطُرَّ إلى تَقْدِيمِ الرَّبِّ، وقالَ الآخَرُ: لَمّا جَفا إخْوانُهُ مُصْعَبا ∗∗∗ أدّى بِذاكَ البَيْعِ صاعًا بِصاعِ أرادَ: لَمّا جَفا مُصْعَبًا إخْوانُهُ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: طَلَبًا لِعُرْفِكَ يا ابْنَ يَحْيى بَعْدَما ∗∗∗ تَتَقَطَّعَتْ بِي دُونَكَ الأسْبابُ فَزادَ تاءً عَلى " تَقَطَّعَتْ " لا أصْلَ لَها لِيُصْلِحَ وزْنَ شِعْرِهِ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ: إنَّ شَكْلِي وإنَّ شَكْلَكِ شَتّى ∗∗∗ فالزَمِي الخَفْضَ وانْعَمِي تَبْيَضِّضِي فَزادَ ضادًا لا أصْلَ لَها لِتَكْمُلَ أجْزاءُ البَيْتِ، وقالَ الفَرَزْدَقُ: هُما تَفَلا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما ∗∗∗ عَلى النّابِحِ العاوِي أشُدُّ لِجامِيا فَزادَ واوًا بَعْدَ المِيمِ لِيُصْلِحَ شِعْرَهُ.

ومِثْلُ هَذِهِ الأشْياءِ لا يُحْمَلُ عَلَيْها كِتابُ اللَّهِ النّازِلُ بِالفَصاحَةِ، لِأنَّها مِن ضَرُوراتِ الشُّعَراءِ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ هَمَّ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، فَكانَ البُرْهانُ الَّذِي رَآهُ مِن رَبِّهِ أنَّ اللَّهَ أوْقَعَ في نَفْسِهِ إنْ ضَرَبَها كانَ ضَرْبُهُ إيّاها حُجَّةً عَلَيْهِ، لِأنَّها تَقُولُ: راوَدَنِي فَمَنَعْتُهُ فَضَرَبَنِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ هَمَّ بِالفِرارِ مِنها، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ، وهو قَوْلٌ مَرْذُولٌ، أفَتَراهُ أرادَ الفِرارَ مِنها، فَلَمّا رَأى البُرْهانَ، أقامَ عِنْدَها ؟

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ هَمُّ يُوسُفَ خَطِيئَةً مِنَ الصَّغائِرِ الجائِزَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وإنَّما ابْتَلاهم بِذَلِكَ لِيَكُونُوا عَلى خَوْفٍ مِنهُ، ولِيُعَرِّفَهم مَواقِعَ نِعْمَتِهِ في الصَّفْحِ عَنْهم.

ولِيَجْعَلَهم أئِمَّةً لِأهْلِ الذُّنُوبِ في رَجاءِ الرَّحْمَةِ.

قالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْكم ذُنُوبَ الأنْبِياءِ تَعْيِيرًا لَهم، ولَكِنْ لِئَلّا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ.

يَعْنِي الحَسَنُ: أنَّ الحُجَّةَ لِلْأنْبِياءِ ألْزَمُ، فَإذا قَبِلَ التَّوْبَةَ مِنهم، كانَ إلى قَبُولِها مِنكم أسْرَعَ.

ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «ما مِن أحَدٍ يَلْقى اللَّهَ تَعالى إلّا وقَدْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ أوْ عَمِلَها، إلّا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، فَإنَّهُ لَمْ يَهِمَّ ولَمْ يَعْمَلْها» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ جَوابُ " لَوْلا " مَحْذُوفٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَأمْضى ما هَمَّ بِهِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَزَنا، فَلَمّا رَأى البُرْهانَ كانَ سَبَبَ انْصِرافِ الزِّنا عَنْهُ.

وَفِي البُرْهانِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ.

رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُودِيَ يا يُوسُفُ، أتَزْنِي فَتَكُونَ مِثْلَ الطّائِرِ الَّذِي نُتِفَ رِيشُهُ فَذَهَبَ يَطِيرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ؟

فَلَمْ يُعْطِ عَلى النِّداءِ شَيْئًا، فَنُودِيَ الثّانِيَةَ، فَلَمْ يُعْطِ عَلى النِّداءِ شَيْئًا، فَتَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، فَقامَ، فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ.

ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَأى صُورَةَ أبِيهِ يَعْقُوبَ في وسَطِ البَيْتِ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ، فَأدْبَرَ هارِبًا، وقالَ: وحَقِّكَ يا أبَتِ لا أعُودُ أبَدًا.

وقالَ: أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَأى مِثالَ يَعْقُوبَ في الحائِطِ عاضًّا عَلى شَفَتَيْهِ.

وقالَ الحَسَنُ: مُثِّلَ لَهُ جِبْرِيلُ في صُورَةِ يَعْقُوبَ في سَقْفِ البَيْتِ عاضًّا عَلى إبْهامِهِ أوْ بَعْضِ أصابِعِهِ.

وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: كُلُّ ولَدِ يَعْقُوبَ قَدْ وُلِدَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، إلّا يُوسُفَ فَإنَّهُ وُلِدَ لَهُ أحَدَ عَشَرَ ولَدًا، فَنُقِصَ بِتِلْكَ الشَّهْوَةِ ولَدًا.

والثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَلَمْ يَزْدَجِرْ، فَنُودِيَ: أتَزْنِي فَتَكُونَ مِثْلَ الطّائِرِ نُتِفَ رِيشُهُ ؟!

فَلَمْ يَزْدَجِرْ حَتّى رَكَضَهُ جِبْرِيلُ في ظَهْرِهِ، فَوَثَبَ.

والثّالِثُ: أنَّها قامَتْ إلى صَنَمٍ في زاوِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فَقالَ لَها يُوسُفُ: أيَّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ ؟

قالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي هَذا أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ السَّوْأةِ، فَقالَ: أتَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، ولا أسْتَحِي مِن إلَهِي القائِمِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ؟

فَهو البُرْهانُ الَّذِي رَأى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكًا، فَكَتَبَ في وجْهِ المَرْأةِ بِالدَّمِ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أنَّهُ رَأى هَذِهِ الآيَةَ مَكْتُوبَةً بَيْنَ عَيْنَيْها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ، أنَّهُ رَآها مَكْتُوبَةً في الحائِطِ.

ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَدَتْ فِيما بَيْنَهُما كَفٌّ لَيْسَ فِيها عَضُدٌ ولا مِعْصَمٌ، وفِيها مَكْتُوبٌ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا  ﴾ ، فَقامَ هارِبًا، وقامَتْ، فَلَمّا ذَهَبَ عَنْها الرُّعْبُ عادَتْ وعادَ، فَلَمّا قَعَدَ إذا بِكَفٍّ قَدْ بَدَتْ فِيما بَيْنَهُما فِيها مَكْتُوبٌ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ  ﴾ ، فَقامَ هارِبًا، فَلَمّا عادَ، قالَ اللَّهُ تَعالى لِجِبْرَئِيلَ: أدْرِكْ عَبْدِي قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ، فانْحَطَّ جِبْرِيلُ عاضًّا عَلى كَفِّهِ أوْ أُصْبُعِهِ وهو يَقُولُ: يا يُوسُفُ، أتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ في الأنْبِياءِ ؟!

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ظَهَرَتْ تِلْكَ الكَفُّ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ بِالعِبْرانِيَّةِ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ  ﴾ ، فانْصَرَفا، فَلَمّا عادا عادَتْ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ ﴿ كِرامًا كاتِبِينَ  ﴾ ، فانْصَرَفا، فَلَمّا عادا عادَتْ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا ﴾ .

.

.

" الآيَةُ، فَعادَ، فَعادَتِ الرّابِعَةُ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ " ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ ، فَوَلّى يُوسُف هارِبًا.

الخامِسُ: أنَّهُ سَيِّدُهُ العَزِيزُ دَنا مِنَ البابِ، رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: يُقالُ: إنَّ البُرْهانَ خَيالُ سَيِّدِهِ، رَآهُ عِنْدَ البابِ فَهَرَبَ.

والسّادِسُ: أنَّ البُرْهانَ أنَّهُ عَلِمَ ما أحَلَّ اللَّهُ مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ، فَرَأى تَحْرِيمَ الزِّنا، رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَأى حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهي البُرْهانُ، وهَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وما تَقَدَّمَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنَّما هي أحادِيثُ مِن أعْمالِ القُصّاصِ، وقَدْ أشَرْتُ إلى فَسادِها في كِتابِ " المُغْنِي في التَّفْسِيرِ " .

وَكَيْفَ يُظَنُّ بِنَبِيٍّ لِلَّهِ كَرِيمٍ أنَّهُ يُخَوَّفُ ويُرْعَبُ ويُضْطَرُّ إلى تَرْكِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ وهو مُصِرٌّ ؟!

هَذا غايَةُ القُبْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ أرَيْناهُ البُرْهانَ ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ وهو خِيانَةُ صاحِبِهِ ﴿ والفَحْشاءَ ﴾ رُكُوبَ الفاحِشَةِ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ اللّامِ، والمَعْنى: إنَّهُ مِن عِبادِنا الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ اللّامِ، أرادُوا مِنَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ مِنَ الأسْواءِ والفَواحِشِ.

وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: السُّوءُ: الزِّنى، والفَحْشاءُ: المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عن نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عنهُ السُوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابَ قالَتْ ما جَزاءُ مِن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ المُراوَدَةُ: المُلاطَفَةُ في السُوقِ إلى غَرَضٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما هو في هَذا المَعْنى الَّذِي هو بَيْنَ الرِجالِ والنِساءِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن "رادَ يَرُودُ" إذا تَقَدَّمَ لِاخْتِبارِ الأرْضِ والمَراعِي، فَكَأنَّ المُراوِدَ يَخْتَبِرُ أبَدًا بِأقْوالِهِ وتَلَطُّفِهِ حالَ المُراوَدِ مِنَ الإجابَةِ أوِ الِامْتِناعِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقَرَعَتِ الأبْوابَ"، وكَذَلِكَ رُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، والَّتِي هو في بَيْتِها هي زُلَيْخا امْرَأةُ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: "عن نَفْسِهِ" كِنايَةٌ عن غَرَضِ المُواقَعَةِ، وقَوْلُهُ: "وَغَلَّقَتِ" تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ.

وظاهِرُ هَذِهِ النازِلَةِ أنَّها كانَتْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: "هَيْتُ" بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الأسْوَدِ، وعِيسى بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والبَصْرِيُّونَ: "هَيْتَ" بِفَتْحِ الهاءِ والتاءِ وسُكُونِ الياءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأبِي عَمْرٍو، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَعْرِفُ أهْلُ البَصْرَةِ غَيْرَها، وهم أقَلُّ الناسِ غُلُوًّا في القِراءَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقَدْ رُوِيَتْ عن رَسُولِ اللهِ  ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "هِيتَ" بِكَسْرِ الهاءِ، وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ التاءِ وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهَذِهِ الأرْبَعُ بِمَعْنًى واحِدٍ واخْتَلَفَتْ بِاخْتِلافِ اللُغاتِ فِيها، وَمَعْناهُ: الدُعاءُ، أيْ: تَعالَ وأقْبِلْ عَلى هَذا الأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناها: هَلُمَّ، ويَحْسُنُ أنْ تَتَّصِلَ بِها "لَكَ" إذْ حَلَّتْ مَحَلَّ قَوْلِها: إقْبالًا أو قُرْبًا، فَجَرَتْ مَجْرى "سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ يُخاطِبُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِيـ......

ـنَ أخا العِراقِ إذا أتَيْنا إنَّ العِراقَ وأهْلَهَ ∗∗∗ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتًا ومِن ذَلِكَ عَلى اللُغَةِ الأُخْرى قَوْلُ طُرْفَةَ: لَيْسَ قَوْمِي بِالأبْعَدِينَ إذا ما ∗∗∗ ∗∗∗ قالَ داعٍ مِنَ العَشِيرَةِ هَيْتُ ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْ رابَنِي أنَّ الكِرى أسْكَتا ∗∗∗ ∗∗∗ ولَوْ غَدا يُعْنى بِنا لَهَيَّتا أسْكَتَ: دَخَلَ في السُكُوتِ، و "هَيَّتَ" مَعْناهُ: قالَ: هَيْتَ، كَما قالُوا: أفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ أُفٍّ، ومِنهُ: سَبَّحَ وكَبَّرَ ودَعْدَعَ إذا قالَ: داعَ داعَ.

والتاءُ عَلى هَذِهِ اللُغاتِ كُلِّها مَبْنِيَّةٌ، فَهي في حالِ الرَفْعِ مِثْلَ قَبْلُ وبَعْدُ، وفي الكَسْرِ عَلى البابِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وفي حالِ النَصْبِ كَكَيْفَ ونَحْوِها قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و"هَيْتَ" لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَيْتَ لَكَ، وهَيْتَ لَكُما، وهَيْتَ لَكم.

وقَرَأ هِشامُ ابْنُ عامِرٍ: "هِئِتُ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وضَمِّ التاءِ.

وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي وائِلٍ، وأبِي رَجاءَ، ويَحْيى، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن: "هاءَ الرَجُلُ يَهِيءُ" إذا أحْسَنَ هَيْئَتَهُ عَلى مِثالِ: "جاءَ يَجِيءُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَهَيَّأْتُ، كَما يُقالُ: "فِئْتُ وتَفَيَّأْتُ" بِمَعْنىً واحِدٍ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ  ﴾ ، وقالَ: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا هَكَذا إلّا أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "هُيِّئْتُ لَكَ"، وقَرَأ الحُلْوانِيُّ عن هِشامٍ: "هِئِتَ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وفَتْحِ التاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وهْمٌ، لِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ: "هِئِتَ لِي" وسِياقُ الآياتِ يُخالِفُ هَذا، وحَكى النَحّاسُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "هِيتِ" بِكَسْرِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ.

و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ومَعْنى الكَلامِ: أعُوذُ بِاللهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّهُ رَبِّي ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العَزِيزَ سَيِّدَهُ، أيْ: فَلا يَصْلُحُ لِي أنْ أخُونَهُ وقَدْ أكْرَمَ مَثْوايَ وائْتَمَنَنِي.

قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُ: "رَبِّي" مَعْناهُ: سَيِّدِي، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا حَفِظَ الآدَمِيَّ لِإحْسانِهِ فَهو عَمَلٌ زاكٍ وأحْرى أنْ يَحْفَظَ رَبَّهُ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْأمْرِ والشَأْنِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ .

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ ﴾ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ والشَأْنُ فَقَطْ.

وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿ مَعاذَ اللهِ ﴾ ثُمَّ دافَعَ الأمْرَ بِاحْتِجاجٍ ومُلايَنَةٍ امْتَحَنَهُ اللهُ تَعالى بِالهَمِّ بِما هَمَّ بِهِ، ولَوْ قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ" ودافَعَ بِعُنْفٍ، وبِغَيْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما ابْتُلِيَ بِالمَكْرُوهِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مَثْوَيَّ"، وكَذا قَرَأها أبُو طُفَيْلٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  : ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ الآيَةُ.

لا شَكَّ أنَّ هَمَّ زُلَيْخا كانَ في أنْ يُواقِعَها يُوسُفُ، واخْتُلِفَ في هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ مِثْلَ هَمِّها، واخْتَلَفُوا كَيْفَ يَقَعُ مِن مِثْلِ يُوسُفَ وهو نَبِيُّ؟

فَقِيلَ: ذَلِكَ لِيُرِيَهُ اللهُ تَعالى مَوْقِعَ العَفْوَ والكِفايَةَ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِثالًا لِلْمُذْنِبِينَ لِيَرَوْا أنَّ تَوْبَتَهم تَرْجِعُ بِهِمْ إلى عَفْوِ اللهِ كَما رَجَعَتْ بِمَن هو خَيْرٌ مِنهم ولَمْ يُوبِقْهُ القُرْبُ مِنَ الذَنْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ هَمَّ يُوسُفَ بَلَغَ -فِيما رَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ- إلى أنْ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْ زُلَيْخا وأخَذَ في حَلِّ ثِيابِهِ وتِكَّتِهِ ونَحْوِ هَذا، وهي قَدِ اسْتَلْقَتْ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَمِّهِ: إنَّما كانَ بِخَطِراتِ القَلْبِ الَّتِي لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى التَحَفُّظِ مِنها، ونَزَعَ عِنْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَتَجاوَزْهُ، فَلا يَبْعُدُ هَذا عَلى مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ "حَسَنَةٌ"، فَقَدْ يَدْخُلُ يُوسُفُ في هَذا الصِنْفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَمُّ يُوسُفَ بِضَرْبِها ونَحْوِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ البَتَّةَ.

والَّذِي أقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كَوْنَ يُوسُفَ نَبِيًّا في وقْتِ هَذِهِ النازِلَةِ لَمْ يَصِحْ ولا تَظاهَرَتْ بِهِ رِوايَةٌ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَهو مُؤْمِنٌ قَدْ أُوتِيَ حُكْمًا وعِلْمًا ويَجُوزُ عَلَيْهِ الهَمُّ الَّذِي هو إرادَةُ الشَيْءِ دُونَ مُواقَعَتِهِ، وأنْ يَسْتَصْحِبَ الخاطِرَ الرَدِيءَ عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الخَطِيئَةِ، وإنْ فَرَضْناهُ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ عِنْدِي إلّا الهَمُّ الَّذِي هو الخاطِرُ، ولا يَصِحُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ مِن حَلِّ تِكَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِصْمَةَ مَعَ النُبُوَّةِ، وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لَهُ: "تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ السُفَهاءِ؟!" فَإنَّما مَعْناهُ العِدَةُ بِالنُبُوَّةِ فِيما بَعْدُ، ولِلْهَمِّ بِالشَيْءِ مَرْتَبَتانِ: فالأُولى تَجُوزُ عَلَيْهِ مَعَ النُبُوَّةِ، والثانِيَةُ الكُبْرى لا تَقَعُ إلّا مِن غَيْرِ نَبِيٍّ؛ لِأنَّ اسْتِصْحابَ خاطِرِ المَعْصِيَةِ والتَلَذُّذُ بِهِ مَعْصِيَةٌ في نَفْسِها تُكْتَبُ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ اللهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسُهم ما لَمْ تَنْطِقْ بِهِ أو تَعْمَلْ"» مَعْناهُ: مِنَ الخَواطِرِ، وأمّا اسْتِصْحابُ الخاطِرِ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ مُباحًا، فَإنْ وقَعَ فَهو خَطِيئَةٌ مِنَ الخَطايا، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَمُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ الَّتِي فِيها الخاطِرُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ اسْتِصْحابَ الخاطِرِ مَعْصِيَةٌ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"،» وقَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ  ﴾ ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الشَرْعِ، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ أنَّ الهَمَّ بِالمَعْصِيَةِ واسْتِصْحابَ التَلَذُّذِ بِها غَيْرُ جائِزٍ ولا داخِلٍ في التَجاوُزِ.

واخْتُلِفَ في البُرْهانِ الَّذِي رَأى يُوسُفُ، وقِيلَ: نُودِيَ.

واخْتُلِفَ فِيما نُودِيَ بِهِ فَقِيلَ: ناداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: يا يُوسُفُ، تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ السُفَهاءِ؟!

وقِيلَ: نُودِيَ: يا يُوسُفُ، لا تُواقِعِ المَعْصِيَةَ فَتَكُونَ كالطائِرِ الَّذِي عَصى فَتَساقَطَ رِيشُهُ فَبَقِيَ مُلْقًى، ناداهُ بِذَلِكَ يَعْقُوبُ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا في مَعْناهُ.

وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ كِتابًا رَآهُ مَكْتُوبًا، فَقِيلَ: في جِدارِ المَجْلِسِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: بَيْنَ عَيْنَيْ زُلَيْخا، وقِيلَ: في كَفٍّ مِنَ الأرْضِ خَرَجَتْ دُونَ جَسَدٍ، واخْتُلِفَ في المَكْتُوبِ؛ فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ  ﴾ ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا  ﴾ ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا.

وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ أنْ رَأى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ مُمَثَّلًا مَعَهُ في البَيْتِ عاضًّا عَلى إبْهامِهِ، وقِيلَ: عَلى شَفَتِهِ، وقِيلَ: بَلِ انْفَرَجَ السَقْفُ فَرَآهُ كَذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُ: لَئِنْ واقَعْتَ المَعْصِيَةَ لَأمْحُوَنَّكَ مِن دِيوانِ النُبُوَّةِ.

وقِيلَ: إنْ جِبْرِيلَ رَكَضَهُ بِرِجْلِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ عَلى أنامِلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ فِكْرَتَهُ في عَذابِ اللهِ ووَعِيدِهِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ الَّذِي اتَّعَظَ بِهِ أنَّ زُلَيْخا قالَتْ لَهُ: مَكانَكَ حَتّى أسْتُرَ هَذا الصَنَمَ -لِصَنَمٍ كانَ مَعَها في البَيْتِ- فَإنِّي أسْتَحْيِي مِنهُ أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ الحالِ، وقامَتْ إلَيْهِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فاتَّعَظَ يُوسُفُ وقالَ: مَن يَسْتُرُنِي أنا مِنَ اللهِ القائِمِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟!

وإذا كُنْتِ أنْتِ تَفْعَلِينَ هَذا لِما لا يَعْقِلُ فَإنِّي أولى أنْ أسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ.

والبُرْهانُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُعْطِي القَطْعَ واليَقِينَ لِأنَّهُ مِمّا يُعْلَمُ ضَرُورَةً أو بِخَبَرٍ قَطْعِيٍّ أو بِقِياسٍ نَظَرِيٍّ، فَهَذِهِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيما رَآهُ يُوسُفُ بَراهِينُ.

و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: لَوْلا رُؤْيَتُهُ بُرْهانَ رَبِّهِ، وهَذِهِ "لَوْلا" الَّتِي يُحْذَفُ مَعَها الخَبَرُ، تَقْدِيرُهُ: لَفَعَلَ أو لارْتَكَبَ المَعْصِيَةَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ ، وأنَّ جَوابَ "لَوْلا" في قَوْلِهِ: ﴿ وَهَمَّ بِها ﴾ ، وأنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ رَأى البُرْهانَ لَهَمَّ، أيْ: فَلَمْ يَهُمَّ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ وأقْوالُ السَلَفِ، قالَ الزَجّاجُ: ولَوْ كانَ الكَلامُ: "وَلَهَمَّ بِها لَوْلا" لَكانَ بَعِيدًا، فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللامِ؟

والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ: عِصْمَتُنا لَهُ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِنَصْرِفَ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيَصْرِفَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ في كُلِّ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ "مُخْلِصًا" في سُورَةِ مَرْيَمَ، وقَرَأ نافِعٌ "مُخْلِصًا" كَذَلِكَ بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ سائِرَ القُرْآنِ "المُخَلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وجُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، و”مُخْلَصًا" كَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ الآيَةُ.

"واسْتَبَقا" مَعْناهُ: سابَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ إلى البابِ؛ هي لِتَرُدَّهُ إلى نَفْسِها، وهو لِيَهْرُبَ عنها، فَقَبَضَتْ في أعْلى قَمِيصِهِ مِن خَلْفِهِ، فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ عِنْدَ طَوْقِهِ، ونَزَلَ التَخْرِيقُ إلى أسْفَلِ القَمِيصِ و”القَدُّ": القَطْعُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ طُولًا، والقَطُّ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وكَذَلِكَ هي اللَفْظَةُ في قَوْلِ النابِغَةِ: تَقُدُّ السَلُوقِيَّ ∗∗∗..........

[...................

فَإنَّ قَوْلَهُ: "تُوقِدُ بِالصُفّاحِ" يَقْتَضِي أنَّ القَطْعَ بِالطُولِ.

و”ألْفَيا": وجَدا، والسَيِّدُ: الزَوْجُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ومُجاهِدٌ.

فَيُرْوى أنَّهُما وجَدا العَزِيزَ ورَجُلًا مِن قَرابَةِ زُلَيْخا عِنْدَ البابِ الَّذِي اسْتَبَقا إلَيْهِ، قالَهُ السُدِّيُّ، فَلَمّا رَأتِ الفَضِيحَةَ فَزِعَتْ إلى مُطالَبَةِ يُوسُفَ والبَغْيِ عَلَيْهِ، فَأرَتِ العَزِيزَ أنْ يُوسُفَ أرادَها، وقالَتْ: ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وتَكَلَّمَتْ في الجَزاءِ، أيْ أنَّ الذَنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ.

وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ مَوْقِعِ السِجْنِ مِنَ النُفُوسِ لا سِيَّما بِذَوِي الأقْدارِ؛ إذْ قَدْ قُرِنَ بِألِيمِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة، فلا يلزم أن تكون هذه القصة حاصلة في الوجود بعد التي قبلها.

وقد كان هذا الحادث قبل إيتائه النبوءة لأن إيتاء النبوءة غلب أن يكون في سن الأربعين.

والأظهر أنه أوتي النبوءة والرسالة بعد دخول أهله إلى مصر وبعد وفاة أبيه.

وقد تعرضت الآيات لتقرير ثبات يوسف عليه السّلام على العفاف والوفاء وكرم الخلق.

فالمراودة المقتضية تكرير المحاولة بصيغة المفاعلة، والمفاعلة مستعملة في التكرير.

وقيل: المفاعلة تقديرية بأن اعتبر العمل من جانب والممانعة من الجانب الآخر من العمل بمنزلة مقابلة العمل بمثله.

والمراودة: مشتقة من راد يرود، إذا جاء وذهب.

شبه حال المحاول أحداً على فعل شيء مكرراً ذلك.

بحال من يذهب ويجيء في المعاودة إلى الشيء المذهوب عنه، فأطلق راود بمعنى حاول.

و ﴿ عن ﴾ للمجاوزة، أي راودته مباعدة له عن نفسه، أي بأن يجعل نفسه لها.

والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة، قاله ابن عطية، أي فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه.

وأما تعديته ب (على) فذلك إلى الشيء المطلوب حصوله.

ووقع في قول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يراود عمه أبا طالب على الإسلام: وفي حديث الإسلاء «فقال له موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه».

والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف عليه السّلام لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوّعه لمرادها.

و ﴿ بيتها ﴾ بيت سكناها الذي تبيت فيه.

فمعنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه كان حينئذٍ في البيت الذي هي به، ويجوز أن يكون المراد بالبيت: المنزل كله، وهو قصر العزيز.

ومنه قولهم: ربة البيت، أي زوجة صاحب الدار ويكون معنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه من جملة أتباع ذلك المنزل.

وغلق الأبواب: جَعْل كل باب سادّاً للفرجة التي هو بها.

وتضعيف ﴿ غلّقت ﴾ لإفادة شدة الفعل وقوته، أي أغلقت إغلاقاً محكماً.

والأبواب: جمع باب.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ [سورة المائدة: 23].

وهَيتَ} اسم فعل أمر بمعنى بَادرْ.

قيل أصلها من اللغة الحَوْرانية، وهي نبطية.

وقيل: هي من اللغة العبرانية.

واللام في ﴿ لك ﴾ لزيادة بيان المقصود بالخطاب، كما في قولهم: سقياً لك وشكراً لك.

وأصله: هيتَك.

ويظهر أنها طلبت منه أمراً كان غير بدع في قصورهم بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته، ولذلك لم تتقدم إليه من قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها.

وسيأتي لهذا ما يزيده بياناً عند قوله تعالى: ﴿ قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ .

وفي ﴿ هيت ﴾ لغات.

قَرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية.

وقرأه ابن كثير بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية.

وقرأه الباقون بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية، والفتحة والضمة حركتا بناء.

و ﴿ مَعاذ ﴾ مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله.

وأصله: أعوذ عَوذاً بالله، أي أعتصم به مما تحاولين.

وسيأتي بيانه عند قوله: ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ ﴾ [سورة يوسف: 79] في هذه السورة.

و (إنّ) مفيدة تعليل ما أفاده معاذ الله} من الامتناع والاعتصام منه بالله المقتضي أن الله أمر بذلك الاعتصام.

وضمير ﴿ إنه ﴾ يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى خالقي.

ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها غيره، فهو معلوم بدلالة العرف، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى سيدي ومالكي.

وهذا من الكلام الموجّه توجيهاً بليغاً حكي به كلام يوسف عليه السّلام إمّا لأن يوسف عليه السّلام أتى بمثل هذا التركيب في لغة القِبط، وإما لأنه أتى بتركيبين عُذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه.

وأياً ما كان فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها.

وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة من الكبائر.

وذُكِرَ وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى الله، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز.

وأكدَ ذلك بوصفه بجملة ﴿ أحسن مثواي ﴾ ، أي جعل آخرتي حسنى، إذ أنقذني من الهلاك، أو أكرم كفالتي.

وتقدم آنفاً تفسير المثوى.

وجملة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ تعليل ثان للامتناع.

والضمير المجعول اسماً ل (إن) ضميرُ الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبراً عنه لأنها موعظة جامعة.

وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة، وظلم سيده الذي آمنه على بينه وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجاً وأحصنها.

والهم: العزم على الفعل.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهمّوا بما لم ينالوا ﴾ في سورة براءة (74).

وأكد همّها ب ﴿ قد ﴾ ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزماً محققاً.

وجملة ﴿ ولقد همت به ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

والمقصود: أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة.

والمقصود من ذكر هَمّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم.

وجملة ﴿ وهَمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولقد همت به ﴾ كلها.

وليست معطوفة على جملة ﴿ همت ﴾ التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام، لأنه لما أردفت جملة ﴿ وهمّ بها ﴾ بجملة شرط ﴿ لولا ﴾ المتمحض لكونه من أحوال يوسف عليه السّلام وحْده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها.

فالتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها، فقدم الجواب على شرطه للاهتمام به.

ولم يقرن الجواب باللاّم التي يكثر اقتران جواب ﴿ لولا ﴾ بها لأنه ليس لازماً ولأنه لمّا قُدم على ﴿ لولا ﴾ كُره قرنه باللام قبل ذكر حرف الشرط، فيحسن الوقف على قوله: ﴿ ولقد همت به ﴾ ليظهر معنى الابتداء بجملة ﴿ وهَمّ بها ﴾ واضحاً.

وبذلك يظهر أن يوسف عليه السّلام لم يخالطه همّ بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان.

قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: ﴿ ولقد همّت به وهمّ بها ﴾ الآية قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط، كأنه قال: ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها.

وطعن في هذا التأويل الطبري بأن جواب ﴿ لولا ﴾ لا يتقدم عليها.

ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب ﴿ لولا ﴾ ، على أنه قد يجعل المذكور قبل ﴿ لولا ﴾ دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل ﴿ لولا ﴾ عليه.

ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن ﴿ لولا ﴾ وشرطها تقييد لقوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ على جميع التأويلات، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات.

وقال جماعة: هَمّ يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكفّ على ذلك لما رأى برهان ربه.

قاله ابن عباس، وقتادة، وابن أبي مليكة، وثعْلب.

وبيان هذا أنه انصرف عمّا همّ به بحفظ الله أو بعصمته، والهمّ بالسيئة مع الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف.

وقال جماعة: هَمّ يوسف وأخذ في التهيّؤ لذلك فرأى برهاناً صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك.

وهذا قول السديّ، ورواية عن ابن عباس.

وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي قبله.

وقد خبط صاحب «الكشاف» في إلصاق هذه الروايات بمن يسميهم الحشوية والمجْبرة، وهو يعني الأشاعرة، وغض بصره عن أسماء من عزيت إليهم هذه التّأويلات (رمتني بدائها وانسلت) ولم يتعجب من إجماع الجميع على محاولة إخوة يوسف عليه السّلام قتلَه والقتلُ أشد.

والرؤية: هنا عِلمية لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر.

والبرهان: الحجة.

وهذا البرهان من جملته صرفهُ عن الهمّ بها، ولولا ذلك لكان حال البشرية لا يسلم من الهمّ بمطاوعتها في تلك الحالة لتوفّر دواعي الهمّ من حسنها، ورغبتها فيه، واغتباط أمثاله بطاعتها، والقرب منها، ودواعي الشباب المسولة لذلك، فكان برهان الله هو الحائل بينه وبين الهمّ بها دون شيء آخر.

واختلف المفسرون في ما هو هذا البرهان، فمنهم من يشير إلى أنه حجة نظرية قبّحت له هذا الفعل، وقيل: هو وحي إلهي، وقيل: حفظ إلهي، وقيل: مشاهدات تمثلت له.

والإشارة في قوله: ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ﴾ إلى شيء مفهوم مما قبله بتضمنه قوله: ﴿ رأى برهان ربّه ﴾ ، وهو رأي البرهان، أي أريناه كذلك الرأي لنصرف عنه السوء.

والصرف: نقل الشيء من مكان إلى مكان، وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول الشيء بالمحل الذي من شأنه أن يحل فيه.

عبر به عن العصمة من شيء يوشك أن يلابس شيئاً.

والتعبير عن العصمة بالصرف يشير إلى أن أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن الله صرفهما عنه.

والسوء: القبيح، وهو خيانة من ائتمنه.

والفحشاء: المعصية، وهي الزنى.

وتقدم السوء والفحشاء عند قوله تعالى: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ في سورة البقرة (169).

ومعنى صرفهما عنه صرف ملابسته إياهما.

وجملة ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ تعليل لحكمة صرفه عن السوء والفحشاء الصرف الخارق للعادة لئلا ينتقص اصطفاء الله إياه في هذه الشدة على النفس.

قرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ﴿ المخلَصين ﴾ بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم.

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب بكسر اللام على معنى المخلصين دينهم لله.

ومعنى التعليل على القراءتين واحد.

والاستباق: افتعال من السبْق.

وتقدم آنفاً، وهو هنا إشارة إلى تكلفهما السبق، أي أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب.

وانتصب ﴿ الباب ﴾ على نزع الخافض.

وأصله: واستبقا إلى الباب، مثل ﴿ واختار موسى قومَه سبعين رجلاً ﴾ [سورة الأعراف: 155]، أي من قومه، أو على تضمين استبقا } معنى ابتدرا.

والتعريف في (الباب) تعريف الجنس إذ كانت عدة أبواب مغلقة.

وذلك أن يوسف عليه السّلام فرّ من مراودتها إلى الباب يريد فتحه والخروج وهي تريد أن تسبقه إلى الباب لتمنعه من فتحه.

وجملة ﴿ وقدّت قميصه ﴾ في موضع الحال.

و ﴿ قدت ﴾ أي قطعت، أي قطعت منه قداً، وذلك قبل الاستباق لا محالة.

لأنه لو كان تمزيق القميص في حال الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف عليه السّلام أنها راودته، إذ لا يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف عليه السّلام سبقها مسرعاً إلى الباب، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة.

وكان قطع القميص من دبر لأنه كان مولياً عنها معْرضاً فأمسكته منه لرده عن إعراضه.

وقد أبدع إيجاز الآية في جمع هذه المعاني تحت جملة ﴿ استبقا الباب وقَدت قميصه ﴾ .

وصادف أن ألفيا سيدها، أي زوجها، وهو العزيز، عند الباب الخارجي يريد الدخول إلى البيت من الباب الخارجي.

وإطلاق السيد على الزوج قيل: إن القرآن حكى به عادة القبط حينئذٍ، كانوا يدعون الزوج سيداً.

والظاهر أنه لم يكن ذلك مستعملاً في عادة العرب، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ مثل قوله الآتي ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ [سورة يوسف: 76].

ولعل الزواج في مصر في ذلك العهد كان بطريق الملك غالباً.

وقد علم من الكلام أن يوسف عليه السّلام فتح الأبواب التي غَلّقتها زليخا باباً باباً حتى بلغ الخارجي، كل ذلك في حال استبَاقهما، وهو إيجاز.

والإلفاء: وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه، فالأكثر أن يكون مفاجئاً، أو حاصلاً عن جهل بأول حصول، كقوله تعالى: ﴿ قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ [سورة البقرة: 170].

وجملة قالت ما جزاء} الخ مستأنفة بيانياً، لأن السامع يسأل: ماذا حدث عند مفاجأة سيدها وهما في تلك الحالة.

وابتدرته بالكلام إمعاناً في البهتان بحيث لم تتلعثم، تخيل له أنها على الحق، وأفرغت الكلام في قالب كلي ليأخذ صيغة القانون، وليكون قاعدة لا يعرف المقصود منها فلا يسع المخاطب إلا الإقرار لها.

ولعلها كانت تخشى أن تكون محبة العزيز ليوسف عليه السّلام مانعة له من عقابه، فأفرغت كلامها في قالب كلي.

وكانت تريد بذلك أن لا يشعر زوجها بأنها تهوى غير سيدها، وأن تخيف يوسف عليه السّلام من كيدها لئلا يمتنع منها مرة أخرى.

ورددت يوسف عليه السّلام بين صنفين من العقاب، وهما: السجن، أي الحبس.

وكان الحبس عقاباً قديماً في ذلك العصر، واستمر إلى زمن موسى عليه السّلام، فقد قال فرعون لموسى عليه السّلام: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ﴾ [سورة الشعراء: 29].

وأما العذاب فهو أنواع، وهو عقاب أقدمُ في اصطلاح البشر.

ومنه الضرب والإيلام بالنار وبقطع الأعضاء.

وسيأتي ذكر السجن في هذه السورة مراراً.

وجملة قال هي راودتني عن نفسي } من قول يوسف عليه السّلام، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة مع كلامها.

ومخالفة التعبير بين ﴿ أن يسجن أو عذابٌ ﴾ دون أن يقول: إلا السجنُ أو عذاب، لأن لفظ السجن يطلق على البيت الذي يوضع فيه المسجون ويطلق على مصدر سجن، فقوله: ﴿ أن يسجن ﴾ أوضح في تسلط معنى الفعل عليه.

وتقديم المبتدأ على خبره الذي هو فعل يفيد القصر، وهو قصر قلب للرد عليها.

وكان مع العزيز رجل من أهل امرأته، وهو الذي شهد وكان فطناً عارفاً بوجوه الدلالة.

وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه السّلام على سيدته أو دحضه.

وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قُبُل، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار وإعراض.

ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقاً وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص.

والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها فأراد أن يقيم دليلاً على صدقها فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف عليه السّلام.

وجملة ﴿ إن كان قميصه ﴾ مبينة لفعل ﴿ شهد ﴾ .

وزيادة ﴿ وهو من الكاذبين ﴾ بعد ﴿ فصدقت ﴾ ، وزيادة ﴿ وهو من الصادقين ﴾ بعد ﴿ فكذبت ﴾ تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو شأن الأحكام.

وأدوات الشرط لا تدل على أكثر من الربط والتسبب بين مضمون شرطها ومضمون جوابها من دون تقييد باستقبال ولا مضي.

فمعنى ﴿ إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت ﴾ وما بعدها: أنه إن كان ذلك حصل في الماضي فقد حصل صدقها في الماضي.

والذي رأى قميصه قدّ من دبر وقال: إنه من كيدكن، هو العزيز لا محالة.

وقد استبان لديه براءة يوسف عليه السّلام من الاعتداء على المرأة فاكتفى بلوم زوجه بأن ادّعاءها عليه من كيد النساء؛ فضمير جمع الإناث خطاب لها فدخل فيه من هن من صنفها بتنزيلهن منزلة الحواضر.

والكيد: فعل شيء في صورة غير المقصودة للتوصل إلى مقصود.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن كيدي متينٌ ﴾ في سورة الأعراف (183).

ثم أمر يوسفَ عليه السّلام بالإعراض عما رمتْه به، أي عدم مؤاخذتها بذلك، وبالكف عن إعادة الخوض فيه.

وأمر زوجه بالاستغفار من ذنبها، أي في اتهامها يوسف عليه السّلام بالجرأة والاعتداء عليها.

قال المفسرون: وكان العزيز قليل الغيرة.

وقيل: كان حليماً عاقلاً.

ولعله كان مولعاً بها، أو كانت شبهة المِلك تخفف مؤاخذة المرأة بمراودة مملوكها.

وهو الذي يؤذن به حال مراودتها يوسف عليه السّلام حين بادرته بقولها: ﴿ هِيتَ لك ﴾ كما تقدم آنفاً.

والخاطئ: فاعل الخطيئة، وهي الجريمة.

وجَعَلَها من زمرة الذين خَطِئوا تخفيفاً في مؤاخذتها.

وصيغة جمع المذكر تغليب.

وجملة ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ من قول العزيز إذ هو صاحب الحكم.

وجملة ﴿ واستغفري لذنبك ﴾ عطف على جملة ﴿ يوسف أعرض ﴾ في كلام العزيز عطف أمر على أمر والمأمور مختلف.

وكاف المؤنثة المخاطبة متعين أنه خطاب لامرأة العزيز، فالعزيز بعد أن خاطبها بأن ما دبّرته هو من كيد النساء وجه الخطاب إلى يوسف عليه السّلام بالنداء ثم أعاد الخطاب إلى المرأة.

وهذا الأسلوب من الخطاب يسمى بالإقبال، وقد يسمى بالالتفات بالمعنى اللغوي عند الالتفات البلاغي، وهو عزيز في الكلام البليغ.

ومنه قول الجَرمي من طي من شعراء الحماسة: إخَالكَ مُوعدي ببني جفَيْف *** وهالةَ إنني أنْهَاككِ هَالا قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: والعرب تجمع في الخطاب والإخبار بين عدة ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم أو أحسنهم سماعاً وأخصّهم بالحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ أمّا هَمُّها بِهِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ هَمَّ شَهْوَةٍ.

الثّانِي: أنَّها اسْتَلْقَتْ لَهُ وتَهَيَّأتْ لِمُواقَعَتِهِ.

وَأمّا هَمُّهُ بِها فَفِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ هَمَّ بِها أنْ يَضْرِبَها حِينَ راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ ولَمْ يَهُمَّ بِمُواقَعَتِها قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ كَلامٌ تامٌّ قَدِ انْتَهى، ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرُ عَنْ يُوسُفَ فَقالَ ﴿ وَهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ ومَعْنى الكَلامِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الثّالِثُ: أنَّ هَمَّها كانَ شَهْوَةً، وهَمَّهُ كانَ عِفَّةً.

الرّابِعُ: أنَّ هَمَّهُ بِها لَمْ يَكُنْ عَزْمًا وإرادَةً وإنَّما كانَ تَمْثِيلًا بَيْنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، ولا حَرَجَ في حَدِيثِ النَّفْسِ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَزْمٌ ولا فِعْلٌ، وأصْلُ الهَمِّ حَدِيثُ النَّفْسِ حَتّى يَظْهَرَ فَيَصِيرُ فِعْلًا، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ: هَمَمْتُ بِهَمٍّ مِن بُثَيْنَةَ لَوْ بَدا شَفَيْتُ غَلِيلاتِ الهَوى مِن فُؤادِيا الخامِسُ: أنَّ هَمَّهُ كانَ حَرَكَةَ الطِّباعِ الَّتِي في قُلُوبِ الرِّجالِ مِن شَهْوَةِ النِّساءِ وإنْ كانَ قاهِرًا لَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

السّادِسُ: أنَّهُ هَمَّ بِمُواقَعَتِها وعَزَمَ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وحَلَّ الهِمْيانَ يَعْنِي السَّراوِيلَ وجَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ يُوسُفُ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟

قِيلَ: هي مِنهُ مَعْصِيَةٌ، وفي مَعاصِي الأنْبِياءِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِخَطِيئَةٍ إنَّما ابْتَلاهُ لِيَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجَلٍ إذا ذَكَرَها فَيَجِدُّ في طاعَتِهِ إشْفاقًا مِنها ولا يَتَّكِلُ عَلى سَعَةِ عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهم بِذَلِكَ لِيُعَرِّفَهم مَوْقِعَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِصَفْحِهِ عَنْهم وتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى مَعْصِيَتِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ابْتَلاهم بِذَلِكَ لِيَجْعَلَهم أئِمَّةً لِأهْلِ الذُّنُوبِ في رَجاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإياسِ في عَفْوِهِ عَنْهم إذا تابُوا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بُرْهانَ رَبِّهِ الَّذِي رَآهُ أنْ نُودِيَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُواقَعَةِ الخَطِيئَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُودِيَ أيِ ابْنَ يَعْقُوبَ تَزْنِي فَيَكُونَ مِثْلُكَ مِثْلَ طائِرٍ سَقَطَ رِيشُهُ فَذَهَبَ يَطِيرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ.

الثّانِي: أنَّهُ رَأى صُورَةَ يَعْقُوبَ وهو يَقُولُ: يا يُوسُفُ أتَهُمُّ بِفِعْلِ السُّفَهاءِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ؟

فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ مُجاهِدٌ: فَوُلِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ اثْنا عَشَرَ ذَكَرًا إلّا يُوسُفَ فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا غُلامانِ ونَقَصَ بِتِلْكَ الشَّهْوَةِ ولَدُهُ.

الثّالِثُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ ما أوْعَدَ اللَّهُ تَعالى عَلى الزِّنا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: رَأى كِتابًا عَلى الحائِطِ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا  ﴾ .

الرّابِعُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ المَلِكُ إظْفِيرُ سَيِّدُهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الخامِسُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ هو ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِن آدابِ آبائِهِ في العَفافِ والصِّيانَةِ وتَجَنُّبِ الفَسادِ والخِيانَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

السّادِسُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ لَمّا هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها رَأى سِتْرًا فَقالَ لَها: ما وراءَ هَذِهِ السِّتْرِ؟

فَقالَتْ: صَنَمِيَ الَّذِي أعْبُدُهُ أسْتُرُهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.

فَقالَ: إذا اسْتَحْيَتْ مِمّا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ فَأنا أحَقُّ أنْ أسْتَحِيَ مِن إلَهِي وأتَوَقّاهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ السُّوءَ الشَّهْوَةُ، والفَحْشاءَ المُباشَرَةُ.

الثّانِي: أنَّ السُّوءَ عُقُوبَةُ المَلِكِ العَزِيزِ، والفَحْشاءَ مُواقَعَةُ الزِّنا.

﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ المُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ، وتَأْوِيلُها الَّذِينَ أخْلَصُوا طاعَةَ اللَّهِ تَعالى.

وَقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ، وتَأْوِيلُها الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ، وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُ كانَ مُخْلِصًا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، مُسْتَخْلَصًا لِرِسالَةِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما همت به، تزينت ثم استلقت على فراشها، وهم بها وجلس بين رجليها يحل تبانه، نودي من السماء: يا بن يعقوب، لا تكن كطائر ينتف ريشه، فبقي لا ريش له، فلم يتعظ على النداء شيئاً حتى رأى برهان ربه جبريل عليه السلام في صورة يعقوب عاضاً على اصبعيه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقاً، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سئل عن هم يوسف عليه السلام، ما بلغ؟

قال: حل الهميان- يعني السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به يا يوسف، لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد همت به وهم بها ﴾ قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن هم بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت، فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شيء تصنعي؟!

فقالت: استحي من الهي أن يراني على هذه الصورة.

فقال يوسف عليه السلام: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا استحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟!...

ثم قال: لا تنالينها مني أبداً.

وهو البرهان الذي رأى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم بها ﴾ قال: حل سراويله حتى بلغ ثنته، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب عليه السلام، فضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضاً على ابهامه، فأدبر هارباً وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضاً على أصابعه، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولداً، إلا يوسف عليه السلام فإنه نقص بتلك الشهوة ولداً ولم يولد له غير أحد عشر ولداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: تمثل له يعقوب عليه السلام فضرب في صدر يوسف عليه السلام، فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكراً، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: رأى يعقوب عاضاً على أصابعه يقول: يوسف يوسف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: رأى آية من آيات ربه، حجزه الله بها عن معصيته.

ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضاً على أصبعيه وهو يقول له: يا يوسف، أتهم بعمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء؟

فذلك البرهان، فانتزع الله كل شهوة كانت في مفاصله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: مثل له يعقوب عليه السلام عاضاً على أصبعيه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، اسمك في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟!...

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: رأى صورة يعقوب عليه السلام في الجدار.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: زعموا أن سقف البيت انفرج، فرأى يعقوب عاضاً على أصبعيه.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: إنه لما هم قيل له: يوسف، ارفع رأسك.

فرفع رأسه فإذا هو بصورة في سقف البيت تقول: يا يوسف، أنت مكتوب في الأنبياء، فعصمه الله عز وجل.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت تقول: يوسف، يوسف.

وأخرج ابن جرير من طريق الزهري، أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان الذي رأى يوسف عليه السلام، هو يعقوب.

وأخرج ابن جرير عن القاسم بن أبي بزة قال: نودي: يا ابن يعقوب، لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش.

فلم يعرض للنداء، وقعد فرفع رأسه فرأى وجه يعقوب عاضاً على أصبعه، فقام مرعوباً استحياء من أبيه.

وأخرج ابن جرير عن علي بن بديمة قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر، اثنا عشر، إلا يوسف عليه السلام ولد له أحد عشر، من أجل ما خرج من شهوته.

وأخرج ابن جرير عن شمر بن عطية قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضاً على أصبعه يقول: يا يوسف، فذاك حيث كف وقام.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: يزعمون أنه مثل له يعقوب عليه السلام، فاستحيا منه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: كان ابن عباس.

رضي الله عنهما يقول: في قوله: ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: رأى آية من كتاب الله فنهته، مثلت له في جدار الحائط.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: البرهان الذي رأى يوسف عليه السلام، ثلاث آيات من كتاب الله ﴿ وإن عليكم لحافظين.

كراماً كاتبين.

يعلمون ما تفعلون ﴾ [ الإنفطار، 10-11-12] وقول الله: ﴿ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً.

إذ تفيضون فيه...

﴾ [ يونس: 61-62] وقول الله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت...

﴾ [ الرعد: 33].

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال: رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوباً ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ﴾ [ الإسراء: 32] .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما خلا يوسف وامرأة العزيز، خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليه بالعبرانية ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت....

﴾ [ الرعد: 33] ثم انصرفت الكف وقاما مقامهما، ثم رجعت الكف بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية ﴿ ان عليكم لحافظين.

كراماً كاتبين.

يعلمون ما تفعلون ﴾ [ الإنفطار: 10-11-12] ثم انصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة، مكتوب عليها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ﴾ [ الإسراء: 32] وانصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة، مكتوب عليها بالعبرانية ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ [ البقرة: 281] فولى يوسف عليه السلام هارباً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ قال: آيات ربه، رأى تمثال الملك.

وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: لما دخل يوسف عليه السلام معها البيت، وفي البيت صنم من ذهب قالت: كما أنت، حتى أغطي الصنم، فإني أستحي منه.

فقال يوسف عليه السلام: هذه تستحي من الصنم، أنا أحق أن أستحي من الله.

فكف عنها وتركها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رضي الله عنه في قوله: ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ﴾ قال: الزنا والثناء القبيح.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ قال: الذين لا يعبدون مع الله شيئاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ الآية، الهم مصدر هممت (١) ﴿ هَمَّتْ بِهِ ﴾ أي أرادته وقصدته، وأما معنى هم يوسف بها، فقال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم: هَمّ (٢) (٣) (٤)  قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة.

وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ قال الباقر بإسناده عن علي (١٢)  - قال: قامت المرأة إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته (١٣) وقال ابن عباس (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال ابن عباس (٢٤) أخبرنا أبو الفضل العروضي (٢٥) وشرحه ابن الأنباري (٢٦) (٢٧) وقال آخرون (٢٨) (٢٩) فلا يَدْعُنِي قَوْمي صَرِيحًا لحُرَّةٍ ...

لئن كنتُ مقتولًا ويَسْلَمُ عامرُ فقدم جواب لئن، قال أبو إسحاق (٣٠) وقال أبو بكر (٣١) قال أبو إسحاق (٣٢) ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ الآية، يعني بهذا ما روي أن يوسف لما دخل على الملك، وأقرت المرأة بقولها: ﴿ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ، وقال يوسف: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ ، قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟، فقال يوسف عند ذلك: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ (٣٣) وقال أبو بكر (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) قال أبو عبيد (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ قال أبو إسحاق (٤٠) وقال أبو بكر (٤١) ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ  ﴾ ، جوابه: لم تنافسوا وتفاخروا بالدنيا وهو كثير.

وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ قال أبو إسحاق (٤٢) وقال صاحب النظم: هذا على التقديم والتأخير، التقدير: ولقد همت به وهم بها (كذلك) أي كما همت به، وقوله ﴿ لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ معترض بينهما واتصاله بقوله: ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ﴾ أي أريناه البرهان لنصرف عنه ما هَمَّ به من السوء والفحشاء.

قال ابن زيد (٤٣) (٤٤) (٤٥) عن ابن عباس ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ أي (٤٦) (١) في (أ)، (ج): (همت) بميم مشددة.

(٢) (هم) ساقط من (أ)، (ج).

(٣) (عن آبائه): ساقط من (ج)، والباقر هو: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي، ثقة حافظ، كان يتولى الشيخين، روى له الجماعة، توفي سنة 114هـ.

انظر: "التهذيب" 3/ 650 - 651، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 401.

(٤) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" 3/ 181، انظر: "الدر" 4/ 22.

(٥) الطبري 1/ 183 وأبو الشيخ وأبو نعيم في "الحلية" كما في "الدر" 4/ 22، الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، القرطبي 9/ 166.

(٦) عبد الرزاق 2/ 321، والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير 12/ 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2123 وأبو الشيخ والحاكم وصححه كما في "الدر" 4/ 22، الثعلبي 7/ 72 أ، القرطبي 9/ 166.

(٧) الطبري 12/ 184 وابن أبي حاتم 7/ 2122 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، "زاد المسير" 4/ 203، القرطبي 9/ 166.

(٨) عبد الرزاق 2/ 321، والطبري 12/ 184، وابن المنذر انظر: ابن أبي حاتم 7/ 2123 بمعناه وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 22 - 23، الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 232، القرطبي 9/ 166.

(٩) الطبري 12/ 185، الثعلبي 7/ 72 أ، "زاد المسير" 4/ 203.

(١٠) الثعلبي 7/ 72 أ، والبغوي 4/ 232، و"زاد المسير" 4/ 203، وابن أبي حاتم 7/ 2123.

(١١) الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، وابن أبي حاتم 7/ 2123.

(١٢) أخرجه أبو نعيم في "الحلية"، انظر "الدر" 4/ 24.

(١٣) في (ج): (فسرته).

(١٤) عبد الرزاق 2/ 321، والطبري 12/ 187، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2124، وأبو الشيخ والحاكم في "المستدرك" 2/ 346 وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

وانظر: "الدر" 4/ 24.

(١٥) في (أ)، (ج): (العمل)، (وأنت) ساقط من (أ)، (ب)، (ج).

(١٦) الطبري 16/ 42، وابن أبي حاتم 7/ 1124، وأبو الشيخ كما "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 74 أ.

(١٧) عبد الرزاق 2/ 321، الثعلبي 7/ 74 أ، الطبري 12/ 188.

(١٨) عبد الرزاق 2/ 321، والطبري 12/ 189، وابن أبي حاتم 7/ 21، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 74 أ.

(١٩) الطبري 12/ 187، ابن أبي حاتم 7/ 2125، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، الثعلبي 7/ 74 أ.

(٢٠) عبد الرزاق 2/ 321، الطبري 2/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2125، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، الثعلبي 7/ 74 ب.

(٢١) الطبري 12/ 190، و"الدر" 4/ 524، وا لثعلبى 7/ 74 أ.

(٢٢) الطبري 12/ 189، وابن أبي حاتم 7/ 2124، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 74 أ.

(٢٣) "تفسير مقاتل" 152 ب.

(٢٤) انظر ابن أبي حاتم 7/ 2124 بمعناه.

(٢٥) هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، سبقت ترجمته في شيوخ المؤلف.

انظر: "تهذيب اللغة" (همم) 4/ 3798.

(٢٦) "زاد المسير" 4/ 203.

(٢٧) في (ج): (عن).

(٢٨) الثعلبي 7/ 72 ب، البغوي 4/ 229، "زاد المسير" 4/ 205.

(٢٩) القائل قيس بن زهير، في سيبويه والشنتمري 1/ 427، و"الرد على النحاة" (150)، و"الدر" 2/ 10، وهو الورقاء بن زهير في ابن السيرافي ص 586، وبلا نسبة في "معاني القرآن" 1/ 67، و"الهمع" 2/ 16، و"أمالي المرتضي" 1/ 480.

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.

(٣١) "زاد المسير" 4/ 206.

(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.

(٣٣) أخرجه الفريابي والطبري 4/ 42 - 43، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2158، وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب كما في "الدر" 4/ 42 - 43.

(٣٤) "الأضداد" 411 - 414، و"الوقف والابتداء" 2/ 720 - 721، و"زاد المسير" 4/ 203 - 207، والقرطبي 9/ 166.

(٣٥) أخرجه البخاري (3465)، كتاب: الأنبياء، باب.

حديث الغار، وأخرجه مسلم (2743) في كتاب: الرقاق، باب: قصة أصحاب الغار.

(٣٦) في (ب): (بينو).

(٣٧) (الكلبي): ساقط من (ج).

(٣٨) "زاد المسير" 4/ 207، البغوي 4/ 231، القرطبي 9/ 167.

(٣٩) "زاد المسير" 4/ 207.

(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.

(٤١) "زاد المسير" 4/ 207.

(٤٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 102.

(٤٣) البغوي 4/ 234، القرطبي 9/ 170 من غير نسبة.

(٤٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 102.

(٤٥) انظر: الرازي 18/ 121.

(٤٦) هذا قول الزجاج انظر "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 102.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ أكثرَ الناسُ الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مُفْرِط ومفرّط، وذلك أن منهم من جعل همّ المرأة وهمّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته، وذكروا في ذلك روايات من جلوسه بين رجليها، وحلت التكة وغير ذلك، مما لا ينبغي أن يقال به لضعف نقله، ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم من جعل أنها همت به لتضربه على امتناعه وهمّ بها ليقتلها أو يضربها ليدفعها وهو بعيد، يرده قوله: لولا أن رأى برهان ربه، ومنهم من جعل همها به من حيث مرادها وهمه بها ليدفعها، وهذا أيضاً بعيد، لاختلاف سياق الكلام، والصواب إن شاء الله: إنها همت به من حيث مرادها وهمّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى ما ذكر من حل التكة وغيرها؛ بل كان همه خطرة خطرت على قلبه لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه لما رأى برهان ربه، ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء لأن الهمّ بالذنب ليس بذنب ولا نقص عليه في ذلك، فإنه من همَّ بذنب ثم تركه كتبت له حسنة ﴿ لولا أَن رَّأَى برهان رَبِّهِ ﴾ جوابه محذوف تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وإنما حذف لأن قوله همّ بها يدل عليه، وقد قيل: إن ﴿ هم بها ﴾ هو الجواب، وهذا ضعيف لأن جواب لولا لا يتقدم عليها، واختلف في البرهان الذي رآه، فقيل ناداه جبريل يا يوسف أتكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، وقيل: رأى يعقوب ينهاه، وقيل: تفكر فاستبصر، وقيل: رأى زليخا غطت وجه صنم لها حياء منه، فقال: أنا أولى أن أستحي من الله ﴿ كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ ﴾ الكاف في موضع نصب متعلقة بفعل مضمر، التقدير: ثبتناه مثل ذلك التثبيت، أو في موضع رفع تقديره: الأمر مثل ذلك ﴿ السواء والفحشآء ﴾ خيانة سيده والوقوع في الزنا ﴿ المخلصين ﴾ قرئ بفتح اللام حيث وقع أي الذين أخلصهم الله لطاعته، وبالكسر أي الذي أخلصوا دينهم لله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.

والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.

وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.

الآخرون بالضم للإتباع.

﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.

الباقون.

بالكسر.

الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.

قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .

﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.

روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات  ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

والمعنى ولقد جاء آباءكم.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.

وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.

وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟

واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .

ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.

وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.

والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.

﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

ثم إنه  بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.

وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.

والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.

فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.

قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.

والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.

عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.

والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.

يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.

قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.

وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.

وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.

وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.

وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.

وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف  بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله  يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.

وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله  لأنه مسبب الأسباب.

الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.

وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.

قوله  ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر  بإسناده عن علي بن أبي طالب  : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.

وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.

وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.

وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟

فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.

أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟

فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.

وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟

وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.

وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً  ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله  لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.

وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.

قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.

قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.

وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.

ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن  ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله  بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.

ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم  .

فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف  وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.

وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.

وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.

روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.

وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.

روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.

ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟

فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.

وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.

ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.

وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.

وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين  ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.

قال  ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي  أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .

وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.

وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.

واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.

وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.

والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.

قال في الكشاف: التنكير في "قبل".

و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.

أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه  يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله  إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال  : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله  لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.

يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.

وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.

﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.

قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.

وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.

وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.

والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.

﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.

وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.

وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف  فلهذا سمي مكراً.

وقيل: كن أربعين.

﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف  من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.

وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.

وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.

وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.

وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا  كان أملح.

قيل: كان يشبه آدم  يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.

وعن النبي  : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟

فقال: يوسف.

فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.

يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.

وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.

الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.

وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.

وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.

وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.

﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.

واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.

وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟

وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.

وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.

ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.

﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.

والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف  إلى الله  قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.

﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال  ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله  : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.

وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.

عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.

وعن الحسن: خمس سنين.

وعن غيره سبع سنين.

وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.

التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.

﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.

﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.

﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.

﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.

﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.

﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ الأشد: هو اشتداد كل شيء ونهاية كل نوع في الكمال يحتمل أشده: انتهاء بلوغه أو انتهاء شبابه، أو انتهاء عقله في التمام؛ لا يخلو من هذه الوجوه الثلاثة.

وقوله أهل التأويل: من ثماني عشرة سنة إلى أربعين؛ لأنه به يتم ويكمل كل نوع من ذلك إلى ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ .

يحتمل قوله: حكماً: الحكم بين الناس، والعلم: في الحكم.

ويحتمل قوله: ﴿ حُكْماً ﴾ أي: أعطيناه النبوة، ﴿ وَعِلْماً ﴾ : علم الأحاديث وتأويلها؛ على ما تقدم ذكره.

أو أن يكون إذا أعطاه الحكم أعطاه العلم، وإذا أعطاه العلم أعطاه الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

يحتمل: الإحسان في الأعمال؛ أي: عمل أعمالا حسنة صالحة.

ويحتمل: الإحسان إلى الناس؛ أي: أحسن إليهم، أو أحسن إلى نفسه؛ لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: كذلك نجزي من أحسن صحبة نعم الله وإحسانه، وقام بشكر ذلك كذلك؛ أي: مثل الذي جزى يوسف لا يريد أنه يجزي غيره عين ما جزى يوسف، ولكن يجزيه جزاء الإحسان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فِي بَيْتِهَا ﴾ أن البيت قد يجوز أن يضاف إلى المرأة، وإن كان البيت في الحقيقة لزوجها؛ على ما أضاف بيت زوجها إليها.

وقوله: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ المراودة: قيل: هي الدعوة والطلبة، راودته، أي: دعته إلى نفسها.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ﴾ أي: أرادته.

﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ .

قيل: إن هذه كلمة أخذت من الكتب المتقدمة، ليست بعربية، ونحن لا نعرف ما أرادت بها، لكن أهل التأويل قال بعضهم: هلم لك.

وقال بعضهم: تهيأت لك.

وفي بعض القراءات: (هئت لك) بالهمز، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: تهيأت لك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ : هأنا لك.

﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أعوذ بالله وألجأ إليه.

﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ رَبِّيۤ ﴾ أي: سيدي الذي اشتراه ﴿ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ أي: أكرم مقامي ومكاني؛ دليله: قوله لزوجته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، هذا يدل أن قوله: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ أي: أحسني مثواه، ولكن يشبه أن يكون أراد بقوله: ﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ربّه الذي خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ بظلمهم وقت ظلمهم، والمثوى: الموضع الذي يثوى فيه، والثواء: المقام، والثاوي: المقيم، و ﴿ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ قيل: أعوذ بالله، وألجأ إليه، وأتحصن به.

أو: لا يفلح الظالمون: إذا ختموا بالظلم، وأما إذا انقعلوا عنه فقد أفلحوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ .

أما ما قاله أهل التأويل إنها استقلت له ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ أي: حل سراويله، وأمثال هذا من الخرافات؛ فهذا كله مما لا يحل أن يقال فيه شيء من ذلك، والدلالة على فساد ذلك من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ، ولو كان منه الإرادة والمراودة، لم يكن ليقول ذلك لها ويبرئ نفسه من ذلك.

والثاني: قوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ﴾ ، ولو كان شيء مما ذكروا من حل السراويل والجلوس بين رجليها، لم يكن السوء مصروفاً عنه.

والثالث: قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، ولو كان منه ما ذكروا لقد خانه بالغيب.

والرابع: قولها: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ  ﴾ ، وقولها: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ .

هذا كله يدل أن ما قاله أهل التأويل فاسد، لا يحل أن يتكلم فيه بشيء من ذلك، وليس في ظاهر الآية شيء مما قالوا لا قليل ولا كثير؛ إذ ليس فيه سوى أن همت به وهم بها.

ثم تحتمل الآية وجوهاً عندنا: أحدها: همت به: هم عزم، وهم بها هم خطر، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب، ولا مؤاخذة عليه، وهو قول الحسن.

والثاني: همت به همّ الإرادة والتمكن، وهم بها هم دفع، لكنه يدخل عليه قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ، لو كان همه بها هم دفع لم يكن لقوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ معنى، لكنه يشبه أن يكون هم بها، أي: هم بقتلها، فإذا كان هم بقتلها فرأى برهان ربه فتركها لما لا يحل قتلها.

والثالث: كان يهم بها لولا أن رأى برهان ربه على الشرط؛ كان يهم بها لولا ما رأى من برهان ربه، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ  ﴾ لولا ما كان من تثبيتنا إياك، وكذلك يخرج قول إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ ، أي: لو كان هو الذي ينطق لفعل هو.

ثم اختلف في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: رأى يعقوب عاضّاً على شفتيه.

وقال بعضهم: مثل له يعقوب وصور له، فرآه عاضّاً على أصبعه.

وقال بعضهم: رأى برهان ربه.

[و] قال بعضهم: رأى آية من كتاب الله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [الإسراء: 32].

هذا كله لا يدري.

وأصل البرهان: الحجة؛ أي: لولا ما رأى من حجة الله، وإلا كان يهمّ بها، ولكن لا ندري ما تلك الحجّة، والله أعلم بذلك.

والبرهان: هو الحجة والآية؛ لولا أن رأى حجة ربه، وبرهان ربه وآياته، أو الرسالة، ويشبه الحجّة أي: النبوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ ﴾ .

قال بعضهم: استبقا الباب: استبقت هي لتغلق الأبواب، واستبق هو ليخرج ويفر.

لكن قوله: لتغلق الباب، لا يحتمل؛ لأن الأبواب كانت مغلقة بقوله: ﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ ﴾ ، ولكن استبقت هي لتحبسه وتمنعه، واستبق هو ليخرج ويهرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ .

لما جرته لتحبسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .

أي: وجدا سيدها؛ هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ لم يرد به العزيز الذي اشتراه، ولكن العزيز الذي خلقه؛ لأنه قال: ﴿ سَيِّدَهَا ﴾ ، ولم يقل: سيدهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

هذا يدل أن الإرادة تكون مع الفعل؛ لأنها كانت لا تعلم إرادة ضميره، فإذا أخبرت عما عرفت من الميل وإظهار الفعل، وكذلك قول إخوة يوسف: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ ، وكانوا هم لا يعرفون ما في ضميره من الحبّ سوى ما ظهر لهم منه من الميل إليه وإبداء الشفقة له، فهذا يدل على ما ذكرنا من كون الإرادة مع الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .

أي: دعتني، والمراودة قد ذكرنا أنها هي الدعوة؛ كقوله: ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ أي: سندعوه منه ونطلبه.

فإن قيل: كيف هتك سترها بقوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ؟

قيل: ليس فيه هتك الستر عليها؛ بل فيه نفي العيب والطعن عن نفسه، فالواجب على المرء أن ينفي العيب وما يشينه عن نفسه على ما فعل يوسف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ﴾ من كذا فهو كذا، وإن كان كذا فهو كذا من كذا.

قال بعض أهل التأويل: ذلك الشاهد هو ابن عم لها رجل حليم يقال كذا.

وقال بعضهم: شق القميص من دبر هو الشاهد، وأمثاله؛ لكن هذا لا يعلم من كان ذلك الشاهد.

وقيل: صبي في المهد.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ﴾ .

هذا لأن القميص إذا كان قد من قبل فهو إنما ينقد من دفعها إياه عن نفسها، وإذا كان القميص مقدوداً من دبر فهو إنما ينقد من جرها إياه إلى نفسها، لا من دفعها إياه عن نفسها؛ هذا هو الظاهر في العرف؛ لذلك قال الشاهد: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ﴾ كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ...

﴾ الآية؛ استدل على أنه إنما تمزق من جرها إياه لا من دفعها عن نفسها، ففيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن القميص في الغالب لا يتمزق من دبر إلا عن جر من وراء، ولا من قبل إلا عن دفع من قدام، لذلك دل على ما ذكرنا، والله أعلم.

وإن كان يجوز أن يكون في الحقيقة على غير ذلك، لكن نظر إلى الغالب.

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ ﴾ ، أي: شقت ومزقت، ومقدود: أي: مشقوق، من دبر: أي: من خلف، ومن قبل: أي: من قدام، وهو مأخوذ من القبل، من قبل المرأة.

وقوله: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ ولم يقل: سيدهما؛ فهذا يدل على ما ذكرناه.

﴿ لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .

أي: عند الباب، وهو ظاهر؛ أي: وجدا سيدها عند الباب.

وفي قوله: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ فهو كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ فهو من كذا - دلائل يستدل بها لمسائل لأصحابنا؛ من ذلك قولهم في حانوت فيه لؤلؤ وإهاب تنازع فيه دباغ ولؤلئي، فإنه يقضي باليد لكل واحد منهما في ذلك للؤلئي باللؤلؤ وللدباغ بالإهاب باليد؛ يستدل بغالب الأمر وظاهر اليد؛ على ما قضى عليها بالمراودة بتمزق القميص من دبر، وأمثال هذا مسائل يكثر عددها يقضى [فيها] بالدلالة الغالبة، وإن كان يجوز في الحقيقة على خلاف الظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ .

يشبه أن يكون كيدها أنها لما راودته عن نفسه وأمنته على إظهار ذلك وإفشائه عليه، فأفشت عليه ذلك؛ حيث أبي إجابتها، فقالت: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ ذلك القول منها من كيدهن، وأصل الكيد والمكر هو الأخذ على الأمن، والله أعلم.

وفي الآية دلائل لقول أصحابنا في المتاع يختلف فيه الزوجان: فإن كان من متاع الرجال فهو في يد الرجل، وإن كان من متاع النساء فهو في يد المرأة في قول أبي يوسف ومحمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: عن قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ : عن جميع ما كان بينهما؛ أي: استر عليها، ولا تهتك عليها سترها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .

قال ليوسف ذلك القائل: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، وقال للمرأة: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ ﴾ ، لما ظهر عنده أنها هي التي راودته ودعته إلى نفسها.

ثم اختلف في قائل هذا القول؛ قال بعضهم: هو زوجها؛ قال ليوسف: أعرض عن هذا، ولا تهتك عليها سترها، لكنهم قالوا: إنه كان قليل الغيرة.

وقال بعضهم: ذلك القائل هو رجل آخر هو ابن عم لها؛ وهذا أشبه.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .

قال بعضهم: قال هذا لها؛ لأنهم وإن كانوا يعبدون الأصنام فإنما يعبدونها ليقربوهم إلى الله زلفى؛ حيث قال لها: واستغفري لذنبك.

وقال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ أي: إلى زوجك حيث خنتيه، فإن كان التأويل هذا فذلك يدل أن القائل لذلك رجل آخر، لا زوجها.

فإن كان التأويل هو الأوّل فإنه يحتمل كليهما أنهما كان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد رغبت نفسها في فعل الفاحشة، وخطر على نفسه هو ذلك، لولا أنَّه رأى من آيات الله ما يكفه عن ذلك ويبعده، وقد أريناه ذلك لنكشف عنه السوء، ونبعده عن الزنى والخيانة، إن يوسف من عبادنا المختارين للرسالة والنبوة.

<div class="verse-tafsir" id="91.jwok5"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر