الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٧٨ من سورة يوسف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٨ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
لما تعين أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم ، شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم ، ف ( قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ) يعنون : وهو يحبه حبا شديدا ويتسلى به عن ولده الذي فقده ، ( فخذ أحدنا مكانه ) أي : بدله ، يكون عندك عوضا عنه ، ( إنا نراك من المحسنين ) أي : من العادلين المنصفين القابلين للخير .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت إخوه يوسف ليوسف: (يأيها العزيز) ، يا أيها الملك (54) (إن له أبًا شيخًا كبيرًا) كلفًا بحبه , يعنون يعقوب ، (فخذ أحدنا مكانه) ، يعنون فخذ أحدًا منّا بدلا من بنيامين , وخلِّ عنه ، (إنا نراك من المحسنين) ، يقول: إنا نراك من المحسنين في أفعالك .
* * * وقال محمد بن إسحاق في ذلك ما:- 19614- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (إنا نراك من المحسنين) ، إنا نرى ذلك منك إحسانا إن فعلتَ.
---------------------- الهوامش: (54) انظر تفسير" العزيز" فيما سلف ص : 62 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول أو موته .
وقولهم : إن له أبا شيخا كبيرا أي كبير القدر ، ولم يريدوا كبر السن ; لأن ذلك معروف من حال الشيخ .
فخذ أحدنا مكانه أي عبدا بدله ; وقد قيل : إن هذا مجاز ; لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقه ; وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله : اقتلني ولا تفعل كذا وكذا ، وأنت لا تريد أن يقتلك ، ولكنك مبالغ في استنزاله .
ويحتمل أن يكون قولهم : فخذ أحدنا مكانه حقيقة ; وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يروا استرقاق حر ، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة ; أي خذ أحدنا مكانه .
حتى ينصرف إليك صاحبك ; ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه ; ويعرف يعقوب جلية الأمر ; فمنع يوسف - عليه السلام - من ذلك ، إذ الحمالة في [ ص: 210 ] الحدود ونحوها - بمعنى إحضار المضمون فقط - جائزة مع التراضي ، غير لازمة إذا أبى الطالب ; وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة ، فلا يجوز إجماعا .
وفي " الواضحة " : إن الحمالة في الوجه فقط في جميع الحدود جائزة ، إلا في النفس .
وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس .
واختلف فيها عن الشافعي ; فمرة ضعفها ، ومرة أجازها .قوله تعالى : إنا نراك من المحسنين يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم ، ويحتمل أن يريدوا : إنا نرى لك إحسانا علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا ; وهذا تأويل ابن إسحاق .
فـ { قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } أي: وإنه لا يصبر عنه، وسيشق عليه فراقه، { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } فأحسن إلينا وإلى أبينا بذلك.
( قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ) وفي القصة أنهم غضبوا غضبا شديدا لهذه الحالة ، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا ، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ، وإذا صاح ألقت كل امرأة حامل سمعت صوته ولدها ، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب سكن غضبه .
وقيل : كان هذا صفة شمعون من ولد يعقوب .
وروي أنه قال لإخوته : كم عدد الأسواق بمصر ؟
فقالوا عشرة ، فقال : اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك ، أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق ، فدخلوا على يوسف فقال روبيل : لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر امرأة حاملا إلا ألقت ولدها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابن له صغير : قم إلى جنب روبيل فمسه .
وروي : خذ بيده فأتني به ، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه .
فقال روبيل : إن ها هنا لبزرا من بزر يعقوب فقال يوسف : من يعقوب ؟
.
وروي أنه غضب ثانيا فقام إليه يوسف فركضه برجله وأخذ بتلابيبه ، فوقع على الأرض وقال : أنتم معشر العبرانيين تظنون أن لا أحد أشد منكم ؟
فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا ، وقالوا : يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا يحبه ( فخذ أحدنا مكانه ) بدلا منه ( إنا نراك من المحسنين ) في أفعالك .
وقيل : من المحسنين إلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة .
وقيل : يعنون إن فعلت ذلك كنت من المحسنين .
«قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا» يحبه أكثر منا ويتسلى به عن ولده الهالك ويحزنه ففراقه «فخذ أحدنا» استبعده «مكانه» بدلا منه «إنا نراك من المحسنين» في أفعالك.
قالوا مستعطفين ليوفوا بعهد أبيهم: يا أيها العزيز إن له والدًا كبيرًا في السن يحبه ولا يطيق بُعده، فخُذْ أحدنا بدلا من "بنيامين"، إنا نراك من المحسنين في معاملتك لنا ولغيرنا.
ثم حكى - سبحانه - ما قالوا ليوسف على سبيل الرجاء والاستعطاف لكى يطلق لهم أخاهم حتى يعود معهم إلى أبيهم فقالك ( قَالُواْ ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ) .أى : قال إخوة يوسف له على سبيل الاستعطاف : ( ياأيها العزيز ) الذى أكرمنا وأحسن إلينا ( إن ) أخانا الذى أخذته على سبيل الاسترقاق لمدة سنة ، قد ترك من خلفه فى بلادنا ( أَباً شَيْخاً كَبِيراً ) متقدماً فى السن ، وهذا الأب يحب هذا الابن حباً جماً فإذا كان ولا بد من أن تأخذ واحدا على سبيل الاسترقاق بسبب هذه السرقة ( فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ) حتى لا نفجع أبانا فيه .وإننا ما طلبنا منك هذا الطلب ، إلا لأننا ( نَرَاكَ مِنَ المحسنين ) إلينا ، المكرمين لنا ، فسر على طريق هذا الإِحسان والإكرام ، وأطلق سراح أخينا " بنيامين " ليسافر معنا .
اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا: هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين، ثم قالوا: يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم، فقال بنيامين ماأكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له: فكيف خرج الصواع من رحلك، فقال: وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم.
واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك: إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان أيضاً سارقاً، وكان غرضهم من هذا الكلام أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم أخرى، واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال: الأول: قال سعيد بن جبير: كان جده أبو أمه كافراً يعبد الأوثان فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك، فهذا هو السرقة، والثاني: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه إلى الفقراء، وقيل سرق عناقاً من أبيه ودفعه إلى المسكين وقيل دجاجة.
والثالث: أن عمته كانت تحبه حباً شديداً فأرادت أن تمسكه عند نفسها، وكان قد بقي عندها منطقة لاسحق عليه السلام وكانوا يتبركون بها فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بأنه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق يسترق، فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.
والرابع: أنهم كذبوا عليه وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع، وبعد انقضاء تلك المدة الطويلة، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل ألبتة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ ﴾ إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج: فأسرها إضمار على شريطة التفسير، تفسيره أنتم شر مكاناً وإنما أنث لأن قوله: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه قال: فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ وفي قراءة ابن مسعود ﴿ فَأَسْرِ ﴾ بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو علي الفارسي في هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين: الوجه الأول: قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين: أحدهما: أن يفسر بمفرد كقولنا: نعم رجلاً زيد ففي نعم ضمير فاعلها، ورجلاً تفسير لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله: ﴿ فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ ﴾ ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد.
ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضاً نحو إن كقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الإضمار، ولا يكون خارجاً عن تلك الجملة ولا مبايناً لها.
وهاهنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا يحسن.
والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام، ولو قلنا: إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه قال ذلك كذباً.
واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه: أما الأول: فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث.
وأما الثاني: فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال.
والوجه الثاني: وهو أن الضمير في قوله: ﴿ فَأَسَرَّهَا ﴾ عائد إلى الإجابة كأنهم قالوا: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ فأسر يوسف إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضاً أن يكون إضماراً للمقالة.
والمعنى: أسر يوسف مقالتهم، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها، عوقب بالحبس وبقوله: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ عوقب بالحبس الطويل وبقوله: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ عوقب بقولهم: ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهماً، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة.
ثم قال تعالى: ﴿ والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم إليه، والمعنى: والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة إليه أم لا.
<div class="verse-tafsir"
استعطفوه بإذكارهم إياه حق أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السنّ أو كبير القدر، وأنّ بنيامين أحب إليه منهم، وكانوا قد أخبروه بأن ولداً له قد هلك وهو عليه ثكلان، وأنه مستأنس بأخيه ﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ فخذه بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ﴾ إلينا فأتمم إحسانك.
أو من عادتك الإحسان فاجْرِ على عادتك ولا تغيرها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ ﴾ بِنْيامِينُ.
﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.
قِيلَ ورِثَتْ عَمَّتُهُ مِن أبِيها مِنطَقَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ، فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ انْتِزاعَهُ مِنها فَشَدَّتِ المِنطَقَةَ عَلى وسَطِهِ، ثُمَّ أظْهَرَتْ ضَياعَها فَتَفَحَّصَ عَنْها فَوُجِدَتْ مَحْزُومَةً عَلَيْهِ فَصارَتْ أحَقَّ بِهِ في حُكْمِهِمْ.
وقِيلَ كانَ لِأبِي أُمِّهِ صَنَمٌ فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ وألْقاهُ في الجِيَفِ.
وقِيلَ كانَ في البَيْتِ عَناقٌ أوْ دَجاجَةٌ فَأعْطاها السّائِلَ.
وقِيلَ دَخَلَ كَنِيسَةً وأخَذَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِنَ الذَّهَبِ.
﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ ﴾ أكَنَّها ولَمْ يُظْهِرْها لَهم، والضَّمِيرُ لِلْإجابَةِ أوِ المَقالَةِ أوْ نِسْبَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِ وقِيلَ إنَّها كِنايَةٌ بِشَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يُفَسِّرُها قَوْلُهُ: ﴿ قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن أسَرَّها.
والمَعْنى قالَ في نَفْسِهِ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا أيْ مَنزِلَةً في السَّرِقَةِ لِسَرِقَتِكم أخاكم، أوْ في سُوءِ الصَّنِيعِ مِمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، وتَأْنِيثُها بِاعْتِبارِ الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذِ المُفَسَّرُ بِالجُمْلَةِ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ.
﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ وهو يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)
{قَالُواْ يا أَيُّهَا العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} في السن وفي القدر {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} أبدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد فإن أباه يتسلى به عن أخيه المفقود {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} إِلينا فأتمم إحسانك أو من عادتك الإحسان فاجر على عادتك ولا تغيرها
﴿ قالُوا ﴾ عِنْدَما شاهَدُوا مَخايِلَ أخْذِ بِنْيامِينَ مُسْتَعْطِفِينَ ﴿ يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا ﴾ طاعِنًا في السِّنِّ لا يَكادُ يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ وهو عُلالَةٌ بِهِ يَتَعَلَّلُ عَنْ شَقِيقِهِ الهالِكِ وقِيلَ: أرادُوا مُسِنًّا كَبِيرًا في القَدْرِ والوَصْفُ عَلى القَوْلَيْنِ مَحَطُّ الفائِدَةِ وإلّا فالإخْبارُ بِأنَّ لَهُ أبًا مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ ﴿ فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ ﴾ بَدَلَهُ فَلَسْنا عِنْدَهُ بِمَنزِلَتِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ ﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ .
(78) .
إلَيْنا فَأتِمَّ إحْسانَكَ فَما الإنْعامُ إلّا بِالإتْمامِ أوْ مِن عادَتِكَ الإحْسانُ مُطْلَقًا فاجْرِ عَلى عادَتِكَ ولا تَغَيِّرْها مَعَنا فَنَحْنُ أحَقُّ النّاسِ بِذَلِكَ فالإحْسانُ عَلى الأوَّلِ خاصٌّ وعَلى الثّانِي عامٌّ والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ وذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إلى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما قَبْلُ إذْ أخْذُ البَدَلِ الإحْسانُ إلَيْهِمْ وإذا أُرِيدَ أنَّ عُمُومَ ذَلِكَ مِن دَأْبِكَ وعادَتِكَ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً لِما قَبْلُ وذِكْرُ أمْرٍ عامٍّ عَلى سَبِيلِ التَّذْيِيلِ أنْسَبُ بِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
ثمّ قال: فَبَدَأَ يعني: المنادي، ويقال: يوسف بِأَوْعِيَتِهِمْ يعني: أوعية إخوته، وطلب في أوعيتهم قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ فلم يجد فيها شيئا.
وروى معمر عن قتادة أنه قال: كلما فتح متاع رجل، استغفر الله تائباً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئاً، قالوا: بلى، فاستبرأه، فطلب، فوجد فيه، فاستخرجها من وعاء أخيه، فلما استخرجت من رحله انقطعت ظهور القوم وتحيروا وقالوا: يا بنيامين لا يزال لنا منكم بلاءً ما لقينا من ابني راحيل.
فقال بنيامين: بل لقي ابنا راحيل منكم.
فأما يوسف فقد فعلتم به ما فعلتم، وأما أنا فسرقتموني.
قالوا: فمن جعل الإناء في متاعك؟
قال: الذي جعل الدراهم في متاعكم.
فسكتوا، فذلك قوله ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يعني: كذلك صنعنا ليوسف، والكيد: الحيلة.
يعني: كذلك احتلنا له وألهمناه الحيلة.
ثم قال: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ يعني: في قضاء ملك مصر، لأنه لم يكن في قضائه أن يستعبد الرجل في سرقته.
ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: وقد شاء الله أن يأخذه بقضاء أبيه.
ويقال: ما كان يقدر أن يأخذ في ولاية الملك بغير حكم، إلا بمشيئة الله تعالى.
ويقال: إلا أن يشاء الله ذلك ليوسف.
ثم قال: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: من نشاء بالفضائل.
وقرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ بتنوين التاء.
وقرأ الباقون: درجات مَّن نَّشَاء بغير تنوين، على معنى الإضافة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ يعني: ليس من عالم إلا وفوقه أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى.
وروى وكيع، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، أن رجلاً سأل علياً عن مسألة.
فقال فيها قولاً، فقال الرجل: ليس هو كذا، ولكنه كذا.
فقال: عليّ «أصبتَ وأخطأت» وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وروي عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدث بحديث، فقال رجل عنده: الحمد لله وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى هو العالم، وهو فوق كل عالم» .
ثم قال تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ يعني: قال إخوة يوسف: إن يسرق بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون: يوسف فَأَسَرَّها يُوسُفُ يعني: فأضمر الكلمة يوسف فِي نَفْسِهِ أي في قلبه وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ يعني: لم يعلن لهم جواباً قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً من يوسف، لأن يوسف سرق الوثن، وأنتم تسرقون الصواع.
وذلك أن يوسف كان سرق صنماً من ذهب، من خاله لاوي، وقال قتادة: ذكر لنا أنه سرق صنماً، كان لجده أبي أمه، فعيّروه بذلك.
قالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً لأن سرقتكم قد ظهرت، وسرقة أخيه لم تظهر إلا بقولكم، ولا ندري أنتم صادقون في مقالتكم أم لا؟
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ يعني: بما تقولون.
وروى عكرمة عن ابن عباس.
قال: «عوقب يوسف ثلاث مرات: حين همّ بها فسجن.
وحين قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وحين قال: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فردوا عليه وقالوا: فقد سرق أخ له من قبل» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ: روي أن إِخوة يوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضَاعة المَوْجُودة في الرِّحَال، وتحرَّجوا مِنْ أخْذ الطعام بلا ثَمَنٍ فلذلك قالوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أي: لقد علمْتُمْ منا التحرِّي، وروي أنهم كانوا قَدِ اشتهروا بِمِصْرَ بصَلاَحٍ وتعفُّفٍ، وكانوا يجعلُونَ الأَكِمَّةَ في أفواه إِبلهم، لَئَلاَّ تنَالَ زروعَ الناسِ فلذلك قالوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ، والتاء في «تَاللَّهِ» بدلٌ من الواو، ولا تدخُلُ التَّاء في القَسَمِ إِلاَّ في هذا الاسم.
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : قال الطبري «٢» : قوله تعالى: قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ على حذف مضافٍ، تقديره: جزاؤه استعباد أو استرقاق مَنْ وَجَدَ في رَحْله.
انتهى.
وقولهم: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ: أي: هذه سُنَّتنا ودِينُنا في أهْل السَّرقة أنْ يتملَّك السارق كما تَمَلَّكَ هو الشيءَ المَسْرُوق.
وقوله سبحانه: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ...
الآية: بدؤه أيضاً من أوعيتهم تمكينٌ للحِيلَةِ، وإِبعادٌ لظُهُور أنها حيلةٌ، وأضافَ اللَّه سبحانَهُ الكَيْدَ إِلى ضميره لَمَّا خَرَجَ القَدْرُ الذي أباح به ليُوسُفَ أَخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعتقاد النَّاس كَيْدٌ، وقال السّدّيّ والضّحّاك:
كِدْنا: معناه: صنعنا «٣» ، ودِينِ الْمَلِكِ: فسَّرَه ابن عباس بسُلْطَانِهِ «٤» ، وفسَّره قتادة بالقضاءِ والحُكُم «٥» ، وهذا متقاربٌ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٦» : قوله تعالى:
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ، إذ كان المَلِكُ لا يَرَى استرقاق السَّارق، وإِنما كان دِينُهُ أنْ يأخذ المجنيُّ/ عليه من السارق مِثْلَي السَّرقَةِ.
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: التزام الإِخوة لدين يعقوبَ بالاسترقاق، فَقَضَى عليهم به، انتهى.
قال ع «١» : والاستثناء في هذه الآيةِ حكايةُ حال التقديرِ، إِلا أنْ يشاء اللَّه مَا وَقَعَ من هذه الحيلةِ، وروَى أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ بسنده، عن مالك، عن زيد بن أسلم أنه قال في قَوْلِهِ عَزَّ وجلَّ: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ: قال: بالعلْمِ، انتهى من «كتاب العلم» .
وقوله سبحانه: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، المعنى: أنَّ البَشَرَ في العلْمِ درجاتٌ، فكلُّ عالمٍ فلا بُدَّ مِنْ أعْلَمَ منه، فَإِما من البَشَرِ، وإِما اللَّه عزَّ وجلَّ، فهذَا تأويلُ الحَسَن وقتادة وابن عباس «٢» وروي أيضاً عن ابن عبَّاس: إِنما العليمُ اللَّهُ، وهو فوقَ كل «٣» ذي علم.
قال ابن عطاء في «التنوير» : اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز، أو في السُّنَّة، فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشية، وتكتنفه المَخَافة.
انتهى.
قال الشيخ العارفُ أبو القاسم عبْدُ الرحمن بْنُ يوسُفَ اللَّجَائيُّ رحمه اللَّه: إِذا كَمُلَتْ للعبدِ ثلاَثُ خِصَالٍ، وصَدَقَ فيها، تفجَّرَ العْلْمُ مِنْ قَلْبِهِ على لسانه، وهي الزُّهْد، والإِخلاص، والتقوى، قال: ولا مَطْمَعَ في هذَا العلْمِ المذكور إِلا بَعْدَ معالجة القَلْبِ مِنْ علله التي تشينه، كالكِبْر، والحَسَد، والغَضَبِ، والرياء، والسُّمْعة، والمَحْمَدَة والجاه، والشَّرَف، وعُلُوِّ المنزلة، والطمَعِ، والحِرْصِ، والقَسْوة، والمُدَاهَنة، والحِقْد، والعَدَاوة، وكلِّ ما عَدَدْنَاهُ من العلل، وما لم نَعُدَّهُ راجعٌ إِلى أصل واحدٍ، وهو حبُّ الدنيا، لأنَّ حبها عنه يتفرَّعُ كلُّ شر، وعنه يتشعَّب كلُّ قبيح، فإِذا زالَتْ هذه العِلَلُ ظهر الصِّدْق، والإِخلاص، والتواضُعُ، والحِلْم، والوَرَعِ، والقَنَاعة، والزُّهْد، والصَّبْر، والرِّضا، والأُنْسُ، والمَحَبَّة، والشَّوْق، والتوكُّل، والخَشْية، والحُزْن، وقِصَر الأَمَلِ، وَمِزَاجُ النية بالعمل، فينبُعُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: انْصَرَفَ بِهِمُ المُؤَذِّنُ إلى يُوسُفَ، وقالَ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ أمْتِعَتِكم، ﴿ فَبَدَأ ﴾ يُوسُفُ ﴿ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ﴾ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ، فَلَمّا وصَلَ إلى وِعاءِ أخِيهِ، قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَبْرَحُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ، فَهو أطْيَبُ لِنَفْسِكَ.
فَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُ وجَدُوا الصُّواعَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها ﴾ .
وَفِي هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى السَّرِقَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: إلى السِّقايَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: إلى الصُّواعِ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأقْبَلُوا عَلى بِنْيامِينَ، وقالُوا: أيَّ شَيْءٍ صَنَعْتَ ؟!
فَضَحْتَنا وأزْرَيْتَ بِأبِيكَ الصِّدِّيقِ، فَقالَ: وضَعَ هَذا في رَحْلِي الَّذِي وضَعَ الدَّراهِمَ في رِحالِكم، وقَدْ كانَ يُوسُفُ أخْبَرَ أخاهُ بِما يُرِيدُ أنْ يَصْنَعَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كَذَلِكَ صَنَعْنا لَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: احْتَلْنا لَهُ، والكَيْدُ: الحِيلَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أرَدْنا لِيُوسُفَ، ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ.
والرّابِعُ: دَبَّرْنا لَهُ بِأنْ ألْهَمْناهُ ما فَعَلَ بِأخِيهِ لِيَتَوَصَّلَ إلى حَبْسِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا دَبَّرَ اللَّهُ لِيُوسُفَ ما دَبَّرَ مِنِ ارْتِفاعِ المَنزِلَةِ وكَمالِ النِّعْمَةِ عَلى غَيْرِ ما ظَنَّ إخْوَتُهُ، شُبِّهَ بِالكَيْدِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، لِأنَّهم يَسْتُرُونَ ما يَكِيدُونَ بِهِ عَمَّنْ يَكِيدُونَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ في المُرادِ بِالدِّينِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السُّلْطانُ، فالمَعْنى: في سُلْطانِ المَلِكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ القَضاءُ، فالمَعْنى: في قَضاءِ المَلِكِ، لِأنَّ قَضاءَ المَلِكِ أنَّ مَن سَرَقَ إنَّما يُضْرَبُ ويُغَرَّمُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وبَيانُهُ أنَّهُ لَوْ أجْرى أخاهُ عَلى حُكْمِ المَلِكِ ما أمْكَنَهُ حَبْسُهُ، لَأنَّ حُكْمَ المَلِكِ الغُرْمُ والضَّرْبُ فَحَسْبُ، فَأجْرى اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ إخْوَتِهِ أنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ ذَلِكَ مِمّا كادَ اللَّهُ لِيُوسُفَ لُطْفًا حَتّى أظْفَرَهُ بِمُرادِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ وقِيلَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إظْهارَ عِلَّةٍ يَسْتَحِقُّ بِها أخاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " يَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن يَشاءُ " بِالياءِ فِيهِما.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " دَرَجاتٍ " بِالتَّنْوِينِ، والمَعْنى: نَرْفَعُ الدَّرَجاتِ بِصُنُوفِ العَطاءِ، وأنْواعِ الكَراماتِ، وأبْوابِ العُلُومِ، وقَهْرِ الهَوى، والتَّوْفِيقِ لِلْهُدى، كَما رَفَعْنا يُوسُفَ.
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أيْ: فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ حَتّى يَنْتَهِيَ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى، والكَمالُ في العِلْمِ مَعْدُومٌ مِن غَيْرِهِ.
وَفِي مَقْصُودِ هَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: يُوسُفُ أعْلَمُ مِن إخْوَتِهِ، وفَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ عَلى تَعْظِيمِ العِلْمِ، وبَيَّنَ أنَّهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْعالِمِ التَّواضُعَ لِئَلّا يُعْجَبَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِإخْوَةِ يُوسُفَ، والأخِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو يُوسُفُ، ونَكَّرُوهُ تَحْقِيرًا لِلْأمْرِ؛ إذْ كانَ مِمّا لا عِلْمَ لِلْحاضِرِينَ بِهِ، ثُمَّ ألْصَقُوهُ بِبِنْيامِينَ إذْ كانَ شَقِيقَهُ.
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَقَّقُوا السَرِقَةَ في جانِبِ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ بِحَسَبَ ظاهِرِ الحُكْمِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ قَدْ سَرَقَ فَغَيْرُ بِدَعٍ مِنَ ابْنِي راحِيلَ؛ لِأنَّ أخاهُ يُوسُفَ كانَ قَدْ سَرَقَ، فَهَذا مِنَ الإخْوَةِ إنْحاءٌ عَلى ابْنِي راحِيلَ: يُوسُفَ وبِنْيامِينَ.
والوَجْهُ الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهم يَتَضَمَّنُ أنَّ السَرِقَةَ في جانِبِ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ مَظْنُونَةٌ، كَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا الَّذِي رُمِيَ بِهِ بِنْيامِينُ حَقًّا في نَفْسِهِ فالَّذِي رُمِيَ بِهِ يُوسُفُ قَبْلَ حَقٌّ إذا، وكَأنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ والظَنَّ بِهِ قَوِيٌّ عِنْدَهم أقْوى مِمّا ظَهَرَ في جِهَةِ بِنْيامِينَ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "التَقْدِيرُ: فَقَدْ قِيلَ عن يُوسُفَ إنَّهُ سَرَقَ"، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي لا يَنْطَبِقُ مَعْناهُ عَلى لَفْظِ الآيَةِ.
وَهَذِهِ الأقْوالُ مِنهم عَلَيْهِمُ السَلامُ إنَّما كانَتْ بِحَسْبَ الظاهِرِ ومُوجِبِ الحُكْمِ في النازِلِينَ، فَلَمْ يَعْنُوا في غَيْبَةٍ لِيُوسُفَ، وإنَّما قَصَدُوا الإخْبارَ بِأمْرٍ جَرى لِتَزُولَ بَعْضُ المَعَرَّةِ عنهم ويَخْتَصُّ بِها هَذانِ الشَقِيقانِ.
وأمّا ما رُوِيَ في سَرِقَةِ يُوسُفَ فَثَلاثَةُ وُجُوهٍ: الجُمْهُورُ مِنها عَلى أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ رَبَّتْهُ، فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ أخْذَهُ مِنها، فَوُلِعَتْ بِهِ وأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ، فَأخَذَتْ مِنطَقَةَ إسْحاقَ -وَكانَتْ مُتَوارَثَةً عِنْدَهُمْ- فَنَطَّقَتْهُ بِها مِن تَحْتِ ثِيابِهِ، ثُمَّ صاحَتْ وقالَتْ: إنِّي قَدْ فَقَدْتُ المِنطَقَةَ ويُوسُفُ قَدْ خَرَجَ بِها، فَفُتَّشَ فَوُجِدَتْ عِنْدَهُ، فاسْتَرَقَّتْهُ -حَسْبَما كانَ في شَرْعِهِمْ- وبَقِيَ عِنْدَها حَتّى ماتَتْ فَصارَ عِنْدَ أبِيهِ، وقالَ ابْنُ إدْرِيسَ عن أبِيهِ: إنَّما أكَلَ بَنُو يَعْقُوبَ طَعامًا فَأخَذَ يُوسُفُ عَرْقًا فَخَبَّأهُ فَرَمَوْهُ لِذَلِكَ بِالسَرِقَةِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: إنَّما أمَرَتْهُ أُمُّهُ أنْ يَسْرِقَ صَنَمًا لِأبِيها، فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ، وكانَ ذَلِكَ -مِنها ومِنهُ- تَغْيِيرًا لِلْمُنْكِرِ، وفي كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمٌ ذَهَبٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأسَرَّها ﴾ عائِدٌ يُرادُ بِهِ الحَزّازَةُ الَّتِي حَدَثَتْ في نَفْسِ يُوسُفَ مِن قَوْلِهِمْ، والكَلامُ يَتَضَمَّنُها، وهَذا كَما تَضَمَّنَ الكَلامُ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِ حاتِمٍ: لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَدْرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فَهو مُرادٌ بِها الحالَةُ المُتَحَصِّلَةُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: أسَرَّ المُجازاةَ، وقالَ قَوْمٌ: أسَرَّ الحُجَّةَ.
وما قَدَّمْناهُ ألْيَقُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَأسَرَّهُ يُوسُفُ " بِضَمِيرِ تَذْكِيرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ الآيَةُ.
الظاهِرُ مِنهُ أنَّهُ قالَها إفْصاحًا، فَكَأنَّهُ أسَرَّ لَهم كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ أيْ لِسُوءِ أفْعالِكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ إنْ كانَ ما وصَفْتُمُوهُ حَقًّا، وفي اللَفْظِ إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمْ، ومِمّا يُقَوِّي هَذا عِنْدِي أنَّهم تَرَكُوا الشَفاعَةَ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَلُوا إلى الشَفاعَةِ بِالشَيْخِ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ هَذا الكَلامَ إلّا في نَفْسِهِ، وإنَّما هو تَفْسِيرٌ لِلَّذِي أسَرَّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَذِهِ المَقالَةُ هي الَّتِي أسَرَّ، فَكَأنَّ المُرادَ: قالَ في نَفْسِهِ: "أنْتُمْ".
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ هُنا قَصَصًا اخْتِصارُهُ أنَّهُ لَمّا اسْتُخْرِجَتِ السِقايَةُ مِن رَحْلِ بِنْيامِينَ قالَ إخْوَتُهُ: يا بَنِي راحِيلَ، ألا يَزالُ البَلاءُ يَنالَنا مِن جِهَتِكُمْ؟!
فَقالَ بِنْيامِينُ: بَلْ بَنُو راحِيلَ يَنالَهُمُ البَلاءُ مِنكُمْ: ذَهَبْتُمْ بِأخِي فَأهْلَكْتُمُوهُ، ووَضَعَ هَذا الصُواعَ في رَحْلِي الَّذِي وضَعَ الدَراهِمَ في رِحالِكُمْ، فَقالُوا: لا تَذْكُرَ الدَراهِمَ وإلّا أُخِذْنا بِها، ثُمَّ دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَأخَذَ الصُواعَ فَنَقَرَهُ فَطَنَّ، فَقالَ: إنَّهُ يُخْبِرُ أنَّكم ذَهَبْتُمْ بِأخٍ لَكم فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ بِنْيامِينُ وقالَ: أيُّها العَزِيزُ، سَلْ صُواعَكَ هَذا يُخْبِرُكَ بِالحَقِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُ هَذا مِنَ القَصَصِ الَّذِي آثَرْنا اخْتِصارَهُ، ورُوِيَ أنْ رُوبِيلَ غَضِبَ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ، فَأمَرَ يُوسُفُ بُنَيًّا لَهُ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَقالَ رُوبِيلُ: لَقَدْ مَسَّنِي أحَدٌ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ إنَّهم تَشاوَرُوا في مُحارَبَةِ يُوسُفَ -وَكانُوا أهْلَ قُوَّةٍ لا يُدانُونَ في ذَلِكَ- فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفُ بِذَلِكَ قامَ إلى رُوبِيلَ فَلَبَّبَهُ وصَرَعَهُ، فَرَأوا مِن قُوَّتِهِ ما اسْتَعْظَمُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: أيُّها العَزِيزُ.
<div class="verse-tafsir"
لما بُهتوا بوجود الصُّوَاع في رحل أخيهم اعتراهم ما يعتري المبهوت فاعتذروا عن دعواهم تنزههم عن السرقة، إذ قالوا: ﴿ وما كنا سارقين ﴾ [سورة يوسف: 73]، عذراً بأن أخاهم قد تسرّبت إليه خصلة السرقة من غير جانب أبيهم فزعموا أن أخاه الذي أشيع فقده كان سرق من قبلُ، وقد علم فتيان يوسف عليه السلام أن المتهم أخ من أمّ أخرى، فهذا اعتذار بتعريض بجانب أمّ أخويهم وهي زوجة أبيهم وهي (راحيل) ابنة (لابان) خاللِ يعقوب عليه السلام.
وكان ليعقوب عليه السلام أربع زوجات: (راحيل) هذه أم يوسف عليه السلام وبنيامين؛ و(لِيئة) بنت لابان أخت راحيل وهي أم رُوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وبساكر، وزبولون؛ و(بُلْهَة) جارية راحيل وهي أم دانا، ونفتالي؛ و(زُلفة) جارية راحيل أيضاً وهي أم جاد، وأشير.
وإنما قالوا: قد سرق أخ له من قبل} بهتاناً ونفياً للمعرة عن أنفسهم.
وليس ليوسف عليه السلام سرقة من قبل، ولم يكن إخوة يوسف عليه السلام يومئذٍ أنبياء.
وشتان بين السرقة وبين الكذب إذا لم تترتب عليه مضرة.
وكان هذا الكلام بمسمع من يوسف عليه السلام في مجلس حكمه.
وقوله: ﴿ فأسرها يوسف ﴾ يجوز أن يعود الضمير البارز إلى جملة ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ على تأويل ذلك القول بمعنى المقالة على نحو قوله تعالى: ﴿ رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ [سورة المؤمنون: 99].
ويكون معنى أسرها في نفسه أنه تحملها ولم يظهر غضباً منها، وأعرض عن زجرهم وعقابهم مع أنها طعن فيه وكذب عليه.
وإلى هذا التفسير ينحو أبو علي الفارسي وأبو حيان.
ويكون قوله: قال أنتم شر مكانا } كلاماً مستأنفاً حكايةً لما أجابهم به يوسف عليه السلام صراحة على طريقة حكاية المحاورة، وهو كلام موجه لا يقتضي تقرير ما نسبوه إلى أخي أخيهم، أي أنتم أشدّ شرّاً في حالتكم هذه لأنّ سرقتكم مشاهدة وأما سرقة أخي أخيكم فمجرد دعوى، وفعل ﴿ قال ﴾ يرجح هذا الوجه.
ويجوز أن يكون ضمير الغيبة في ﴿ فأسرها ﴾ عائد إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ قال أنتم شر مكانا ﴾ .
وبهذا فسر الزجاج والزمخشري، أي قال في نفسه، وهو يشبه ضمير الشأن وَالقصة، لكن تأنيثه بتأويل المقولة أو الكلمة، وتكون جملة ﴿ قال أنتم شر مكانا ﴾ تفسيراً للضمير في ﴿ أسرها ﴾ .
والإسرار، على هذا الوجه، مستعمل في حقيقته، وهو إخفاء الكلام عن أن يسمعه سامع.
وجملة ﴿ ولم يبدها لهم ﴾ قيل هي توكيد لجملة ﴿ فأسرها يوسف ﴾ .
وشأن التوكيد أن لا يعطف.
ووجه عطفها ما فيها من المغايرة للتي قبلها بزيادة قيد لهم المشعر بأنه أبدى لأخيه أنهم كاذبون.
ويجوز أن يكون المراد لهم يُبدِ لهم غَضَباً ولا عقاباً كما تقدم مبالغة في كظم غيظه، فيكون في الكلام تقدير مضاف مناسب، أي لم يُبْد أثرها.
و ﴿ شرّ ﴾ اسم تفضيل، وأصله أشرّ، و ﴿ مكانا ﴾ تمييز لنسبة الأشَرّ.
وأطلق المكان على الحالة على وجه الاستعارة، والحالة هي السرقة، وإطلاق المكان والمكانة على الحالة شائع.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ في آخر سورة الأنعام (135)، وهو تشبيه الاتّصاف بوصف مّا بالحلول في مكان.
والمعنى أنهم لما علّلوا سرقة أخيهم بأن أخاه من قبل قد سرق فإذا كانت سرقة سابقة من أخ أعدّت أخاه الآخر للسرقة، فهم وقد سبقهم أخَوَانَ بالسرقة أجدر بأن يكونوا سَارقين من الذي سبَقه أخ واحد.
والكلام قابل للحمل على معنى أنتم شر حالة من أخيكم هذا والذي قبله لأنهما بريئان مما رميتموهما به وأنتم مجرمون عليهما إذ قذفتم أولهما في الجب، وأيدتم تهمة ثانيهما بالسرقة.
ثم ذيله بجملة والله أعلم بما تصفون}، وهو كلام جامع أي الله أعلم بصدقكم فيما وصفتم أو بكذبكم.
والمراد: أنه يعلم كذبهم، فالمراد: أعلم لحال ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وَفي هَذا القَوْلِ مِنهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عُقُوبَةٌ لِيُوسُفَ أجْراها اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَتِهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: لِيَتَبَرَّءُوا بِذَلِكَ مِن فِعْلِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أُمِّهِمْ وأنَّهُ إنْ سَرَقَ فَقَدْ جَذَبَهُ عِرْقُ أخِيهِ السّارِقِ؛ لِأنَّ في الِاشْتِراكِ في الأنْسابِ تَشاكُلًا في الأخْلاقِ.
وَفي السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوا يُوسُفَ إلَيْها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سَرَقَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ إلى أُمِّهِ مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ، وكَسَرَهُ وألْقاهُ في الطَّرِيقِ فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: كانَ مَعَ إخْوَتِهِ عَلى طَعامٍ فَنَظَرَ إلى عِرْقٍ فَخَبَّأهُ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ مِن طَعامِ المائِدَةِ لِلْمَساكِينِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّ عَمَّتَهُ وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ وإلَيْها صارَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِأنَّها كانَتْ في الكَبِيرِ مِن ولَدِهِ، وكانَتْ تَكْفُلُ يُوسُفَ، فَلَمّا أرادَ يَعْقُوبُ أخْذَهُ مِنها جَعَلَتِ المِنطَقَةَ، واتَّهَمَتْهُ فَأخَذَتْها مِنهُ، فَصارَتْ في حُكْمِهِمْ أحَقَّ بِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مِنها لِشِدَّةِ مَيْلِها وحُبِّها لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: أسَرَّ في نَفْسِهِ ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ الآيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْتُمْ شَرٌّ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى هَذِهِ السَّرِقَةِ.
الثّانِي: أنْتُمْ شَرٌّ صُنْعًا لِما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن ظُلْمِ أخِيكم وعُقُوقِ أبِيكم.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِما تَقُولُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِما تَكْذِبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ دَعا بِالصُّواعِ فَنَقَرَهُ ثُمَّ أدْناهُ مِن أُذُنِهِ ثُمَّ قالَ: إنَّ صُواعِي هَذا لَيُخْبِرُنِي أنَّكم كُنْتُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِأخٍ لَكم فَبِعْتُمُوهُ، فَلَمّا سَمِعَها بِنْيامِينُ قامَ وسَجَدَ لِيُوسُفَ وقالَ أيُّها المَلِكُ سَلْ صُواعَكَ هَذا عَنْ أخِي أحَيٌّ هو أمْ هالِكٌ؟
فَنَقَرَهُ، ثُمَّ قالَ: هو حَيٌّ وسَوْفَ تَراهُ.
قالَ: فاصْنَعْ بِي ما شِئْتَ، فَإنَّهُ إنْ عَلِمَ بِي سَيُنْقِذُنِي.
قالَ: فَدَخَلَ يُوسُفُ فَبَكى ثُمَّ تَوَضَّأ وخَرَجَ، فَقالَ بِنْيامِينُ: انْقُرْ صُواعَكَ لِيُخْبِرَكَ بِالَّذِي سَرَقَهُ فَجَعَلَهُ في رَحْلِي، فَنَقَرَهُ، فَقالَ: صُواعِي هَذا غَضْبانُ وهو يَقُولُ: كَيْفَ تَسْألُنِي عَنْ صاحِبِي وقَدْ رَأيْتَ مَعَ مَن كُنْتُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ آوى إليه أخاه ﴾ قال: ضمه إليه وأنزله معه.
وفي قوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ قال: لا تحزن ولا تيأس.
وفي قوله: ﴿ فلما جهزهم بجهازهم ﴾ قال: لما قضى حاجتهم وكال لهم طعامهم.
وفي قوله: ﴿ جعل السقاية ﴾ قال: هو إناء الملك الذي يشرب منه ﴿ في رحل أخيه ﴾ قال: في متاع أخيه.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ جعل السقاية ﴾ قال: هو الصواع، وكل شيء يشرب منه فهو صواع.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن مجاهد رضي الله عنه قال: السقاية والصواع شيء واحد، يشرب منه يوسف.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: السقاية، هو الصواع.
وكان كأساً من ذهب على ما يذكرون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أيتها العير ﴾ قال: كانت العير حميراً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن منده في غرائب شعبة، وابن مردويه والضياء، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: شيء يشبه المكوك من فضة، كانوا يشربون فيه.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق قال لهك أخبرني عن قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: الصواع، الكأس الذي يشرب فيه.
قال وهل تعرف العرب ذلك؟
قال نعم.
أما سمعت الأعشى وهو يقول: له درمك في رأسه ومشارب ** وقدر وطباخ وصاع وديسق وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: هو المكوك الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: كان من فضة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: كان من نحاس.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ نفقد صواع الملك ﴾ بضم الصاد مع الألف.
وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري، عن أبي هريرة.
رضي الله عنه- أنه كان يقرأ ﴿ صاع الملك ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها ﴿ صوغ الملك ﴾ بالغين المعجمة.
قال: كان صيغ من ذهب أو فضة، سقايته التي كان يشرب فيها.
وأخرج ابن الأنباري، عن أبي رجاء رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ نفقد صواع الملك ﴾ بعين غير معجمة، وصاد مفتوحة.
وأخرج عن عبد الله بن عون رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ صوع الملك ﴾ بصاد مضمومة.
وأخرج عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ صياع الملك ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن جاء به حمل بعير ﴾ قال: حمل حمار طعام، وهي لغة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حمل بعير ﴾ وقر بعير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وأنا به زعيم ﴾ قال كفيل.
وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنا به زعيم ﴾ قال: الزعيم، هو المؤذن الذي قال: ﴿ أيتها العير ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وأنا به زعيم ﴾ ما الزعيم؟....
قال: الكفيل.
قال فيه فروة بن مسيك: اكون زعيمكم في كل عام ** بجيش جحفل لجب لهام وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما جئنا لنفسد في الأرض ﴾ يقول: ما جئنا لنعصي في الأرض.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا فما جزاؤه ﴾ قال: عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا ﴿ جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ﴾ وكان الحكم عند الأنبياء!
يعقوب وبنيه عليهم السلام، أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يسترق.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي رضي الله عنه قال: أخبروه بما يحكم في بلادهم، أنه من سرق أخذ عبداً.
فقالوا ﴿ جزاؤه من وجد في رحله ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبدأ بأوعيتهم ﴾ الآية.
قال: ذكر لنا أنه كان كلما فتح متاع رجل، استغفر تأثماً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، قال: ما أظن أن هذا أخذ شيئاً.
قالوا: بلى، فاستبره.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ قال: كذلك صنعنا ليوسف ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ يقول: في سلطان الملك.
قال: كان في دين ملكهم أنه من سرق أخذت منه السرقة ومثلها معها من ماله، فيعطيه المسروق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ يقول: في سلطان الملك.
وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآية.
قال: دين الملك لا يؤخذ به من سرق أصلاً، ولكن الله تعالى كاد لأخيه، حتى تكلموا بما تكلموا به فآخذهم بقولهم، وليس في قضاء الملك.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ قال: لم يكن ذلك في دين الملك أن يأخذ من سرق عبداً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي رضي الله عنه قال: كان حكم الملك، أن من سرق ضاعف عليه الغرم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ قال: إلا بعلة، كادها الله ليوسف عليه السلام، فاعتل بها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق مالك بن أنس رضي الله عنه قال: سمعت زيد بن أسلم رضي الله عنه يقول في هذه الآية ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ قال: بالعلم.
يرفع الله به من يشاء في الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ قال: يوسف واخوته، اوتوا علماً.
فرفعنا يوسف فوقهم في العلم درجة.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كنا عند ابن عباس- رضي الله عنهما- فحدث بحديث، فقال رجل عنده ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ فقال ابن عباس- رضي الله عنهما- بئس ما قلت؛ الله العليم الخبير هو فوق كل عالم.
وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: سأل رجل علياً رضي الله عنه عن مسألة، فقال فيها.
فقال الرجل: ليس هكذا، ولكن كذا وكذا، قال علي- رضي الله عنه-: أحسنت وأخطأت ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قال: علم الله فوق كل عالم.
وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قال الله أعلم من كل أحد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الحسن في الآية قال: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله.
منه بدأ وإليه يعود.
وفي قراءة عبد الله ﴿ وفوق كل عالم عليم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد وأبو الشيخ، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قالا: هو ذلك أيضاً، يوسف واخوته هو فوقهم في العلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا ﴾ أي في السنن ويجوز أن يكون بمعنى: كبير القدر، ﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ قال ابن عباس (٢) ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال ابن عباس (٣) (٤) ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ إلينا إن رددت أخانا علينا، وقبلت منا واحداً مكانه، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.]]: طالبوه بأن يحسن؛ لأنه كان أعطاهم الطعام ورد إليهم بضاعتهم، قال أبو بكر: والتأويل على هذا القول ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ إلينا في توفيرك علينا الطعام ومسامحتك إيانا في الأثمان.
(١) "تنوير المقباس" 152.
(٢) الطبري 13/ 31، الثعلبي 7/ 101 أ.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ الضمير في قالوا لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم إن يسرق بنيامين، فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل لأمِنّا، وقصدوا بذلك رفع المعرّة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول: أن عمته ربته، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منطقة لها، ثم قالت إنه أخذها فاستعبدته بذلك وبقي عندها ألى أن ماتت، والثاني: أنه أخذ صمناً لجدّه والد أمه فكسره، والثالث: أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ﴾ قال الزمخشري: الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله: أنتم شرّ مكاناً، والمعنى قال في قوله: أنتم شر مكاناً وقال ابن عطية: الضمير للحرارة التي وجد في نفسه من قولهم فقد سرق أخ له من قبل وأسر كراهية مقالتهم ثم جاهرهم بقوله أنتم شر مكاناً أي لسوء أفعالكم ﴿ والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ إشارة إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ حيث نشاء ﴾ بالنون: ابن كثير.
الآخرون بياء الغيبة ﴿ أني أوف ﴾ بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: ﴿ لفتيانه ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد.
الباقون ﴿ لفتيته ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ ﴿ يكتل ﴾ بيان الغيبة: حمزة علي وخلف.
الباقون بالنون.
﴿ تؤتوني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.
الوقوف: ﴿ لنفسي ﴾ ج ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ حيث نشاء ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ من أبيكم ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ ولا تقربون ﴾ ه ﴿ لفاعلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ حافظاً ﴾ ص ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط لتمام جواب "لما" ﴿ ما نبغي ﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿ كيل بعير ﴾ ه ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ قال الله ﴾ قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله ، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ متفرقة ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ توكلت ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ أبوهم ﴾ ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿ قضاها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله ﴿ أستخلصه لنفسي ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز.
وفي قول يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ دلالة أيضاً على ما قلنا.
والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية.
روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب.
فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه.
﴿ فلما كلمه ﴾ احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك.
وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم.
يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك.
قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن.
ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم.
أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة.
قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟
قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟
فقال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر.
والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ ﴿ إني حفيظ ﴾ للأمانات وأموال الخزائن ﴿ عليم ﴾ بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة.
وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة.
قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة.
عن ابن عباس أن النبي قال: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله عنه سنة" وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم.
وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع.
ووصف نفسه بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور.
﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ﴿ مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين.
﴿ يتبؤّأ منها حيث يشاء ﴾ هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد.
﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ فيه أن الكل من الله وبتيسيره.
وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله ، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح.
والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد.
﴿ ولا نضيع أجر المحسنين ﴾ لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى.
﴿ ولأجر الآخرة خير ﴾ من أجر الدنيا أو خير في نفسه.
وفي قوله المحسنين وقوله: ﴿ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء.
قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
يروى.
أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي.
فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك.
فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا.
وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟
قال: الرأي رأيك.
قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم.
وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس.
وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله : ﴿ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ﴾ لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج.
وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي.
وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له.
﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت.
قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر.
قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر.
وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة ﴿ قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟
وما شأنكم فإني أنكركم.
قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار.
فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟
قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.
قال: كم أنتم؟
قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد.
فقال: فكم أنتم ههنا؟
قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟
قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.
قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟
قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.
قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم.
فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.
وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين.
فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره.
وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟
فقالوا: بل بقي عنده واحد.
فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟
قالوا: لا بل لزيادة محبته.
فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم.
ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده.
والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان.
ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ﴿ قالوا سنراود عنه أباه ﴾ سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده ﴿ وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك.
﴿ وقال لفتيانه ﴾ أو ﴿ لفتيته ﴾ قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث.
والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم.
وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها.
أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة.
وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.
وقيل: ﴿ يرجعون ﴾ متعدٍ أي لعلهم يردونها.
﴿ قالوا: يا أبانا منع منا الكيل ﴾ أرادوا قول يوسف ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ﴾ لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ ﴿ نكتل ﴾ بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي ﴿ يكتل ﴾ أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا.
﴿ قال هل آمنكم عليه ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن.
والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ و ﴿ حافظاً ﴾ نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين.
وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ﴿ ولما فتحوا متاعهم ﴾ هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية.
أما قوله ﴿ ما نبغي ﴾ فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية.
المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا.
﴿ ونمير أهلنا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ فما يصيبه شيء مما يخافه ﴿ ونزداد ﴾ باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!.
ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة.
قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على معنى قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ وإنما يكون قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ بياناً لصدقهم، وقوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على ﴿ ما نبغي ﴾ أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا.
ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره.
يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا.
وقال مقاتل.
ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه.
واختاره الزجاج.
وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.
﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً ﴾ تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف ﴿ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: ﴿ على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿ وكيل ﴾ مطلع رقيب.
قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين.
وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة." أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة.
وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى.
فقال: إن جبرائيل أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك.قال: فأفقت.
"وروي أنه دخل رسول الله بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين.
قال: أفلا تسترقون له من العين؟
وعنه : العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين.
المقام الثاني في الكشف عن حقيقته.
قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم.
واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن.
وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه.
وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به.
وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين.
أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم.
وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي.
واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.
وقد صدقه الله في ذلك بقوله: ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله .
وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.
وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب ﴿ إلا حاجة ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿ في نفس يعقوب قضاها ﴾ وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك.
ثم مدحه الله بقوله: ﴿ وإنه لذو علم ﴾ يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر ﴿ لما علمناه ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه.
وقيل: العلم الحفظ والمراقبة.
وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم.
وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.
التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية.
كما قال النبي : "إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب" .
وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال : "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ اجعلني على خزائن ﴾ أرض الجسد فإن لله في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿ إني حفيظ ﴾ للخزائن ﴿ عليم ﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿ نصيب برحمتنا ﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله .
﴿ وجاء إخوة يوسف ﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿ فعرفهم ﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿ وهم له منكرون ﴾ لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور.
﴿ ولما جهزهم ﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها.
وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ﴾ وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال : "نية المؤمن خير من عمله" .
وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص.
ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ردّت إلينا ﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ ونمير أهلنا ﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ونزداد ﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿ كيل بعير ﴾ من الفوائد الربانية ﴿ وذلك كيل يسير ﴾ لمن يسره الله ﴿ لتأتنني به ﴾ مع الفوائد الربانية ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ ﴾ .
فيما يستقبل ويستأنف لقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ .
﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ ﴾ بالنون؛ وبالياء: (يكتل)، وبالنون أقرب؛ لأنهم قالوا: منع الكيل منا فأرسل معنا أخانا نكتل؛ نحن، يشبه: ويكتل هو إن أرسلته.
﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
لا يحتمل أن يقولوا له هذا من غير سبب كان هنالك: من خوف خاف عليه أبوهم من ناحيتهم، وقد اتهمهم؛ لأنه كان أخوهم من أبيهم، خاف عليه أن يضيعوه أو إن استقبله أمر لا يعينونه أو أمر كان لم يذكر، ولسنا ندري ما ذلك المعنى والله أعلم بذلك.
﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود : (هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل).
في هذا دلالة أن من ظهرت منه تهمة أو خيانة في أمر، يجوز أن يتهم فيما لم يظهر منه شيء؛ حيث اتهمهم يعقوب في بنيامين بخيانة كانت منهم في يوسف؛ وإن لم يظهر له منهم في أخيه شيء، وهو حجة لأصحابنا: أن من ظهر فسقه في شيء أو كذبه في أمر، صار مجروح الشهادة في غيره.
وقوله: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .
أي: إن أرسلته فإنما أعتمد على حفظ الله، وإليه أكل في حفظه؛ لست أعتمد على حفظكم.
﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .
أي: هو بكل مكروب وملهوف أرحم من كل راحم؛ لأن كل من يرحم إنما يرحمه برحمة نالها منه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ﴾ .
هذا قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ هذا يحتمل: ما نبغي سوى الثمن؛ فقد رد إلينا دراهمنا أو يكون قوله: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ وراء هذا كبير شيء؛ إنما نبغي ثمن بعير واحد وثمن بعير واحد يسير؛ لأنه قدر ردت بضاعتنا؛ وهو ثمن عشرة أبعرة.
﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ .
لأنه ذكر أن يوسف كان لا يعطي كل رجل إلا حِمْل بعير واحد، ولا يعطي أكثر من ذلك؛ فقالوا: ونزداد كيل بعير به؛ ومن أجله.
﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: سريع لا حبس فيه: وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: ييسر علينا الكيل، ولا يحبس عنا الطعام، ولا يثقل عليه ذلك؛ بقوله: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ فإن لم نأته به فلا كيل لنا؛ وقد حبسنا عنه.
والله أعلم.
ويشبه أن يكون فيه وجه آخر أقرب مما قالوا وهو: أن قوله: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: طلب ثمن كيل بعير يسير؛ لأنه قد ردت إليهم بضاعتهم؛ وهو ثمن كيل عشرة أبعرة؛ فإنما احتاجوا إلى ثمن كيل بعير واحد؛ فقالوا: طلب ثمن كيل بعير واحد يسير، وتكلفة سهلة؛ وهو ثمن كيل بعير بنيامين.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: حتى تأتوني بمواثيق من الله؛ وبعهود منه.
﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ .
فيه دلالة أنه وإن قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ واعتمد في الحفظ على الله، ورأى الحفظ منه، لم يرسله معهم إلا بالمواثيق والعهود من الله، وهذا أمر ظاهر بين الناس؛ أنهم وإن كان اعتمادهم على الله وإليه يكلون في جميع أمورهم في الأموال والأنفس، ومنه يرون الحفظ فإنه يأخذ بعضهم من بعض المواثيق والعهود؛ فعلى ذلك يعقوب أنه وإن أخبر أن اعتماده واتكاله في حفظ ولده على الله لم يرسله معهم إلا بعدما أخذ منهم العهود والمواثيق.
﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ .
أي: إلا أن يجمعكم أمر ويعمكم، ويحيط بكم الهلاك جميعاً؛ فعند ذلك تكونون معذورين؛ فإما أن يخص به أمر فلا.
والثاني: إلا أن يجيء أمر عظيم يمنعكم عن رده؛ كأنه خاف عليه من الملك؛ حيث طلب منهم أن يأتوه به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ﴾ يعقوب: ﴿ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ أي: الله على المواثيق والعهود التي أخذتها منكم شهيد، أو يقول: الله له حفيظ؛ كما قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً ﴾ .
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .
قال بعضهم من أهل التأويل: إن يعقوب خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا ذوي صور وجمال وبهاء؛ فخشي عليهم العين؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا متفرقين.
وقال بعضهم: خشي عليهم البيات والهلاك؛ لأنهم كانوا أهل قوة ومنعة؛ فيخافهم أهل البلد ويفرقون منهم السرقة؛ فأمرهم بالتفرق، وهو قول ابن عباس؛ فإذا كانوا متفرقين فلا يهلكون الكل؛ وإنما يهلك بعضهم وينجو بعض أو لا يدرى ما أراد بهذا.
وقال بعضهم: علم يعقوب أنهم لا يهلكون؛ لما رأى يوسف من الرؤيا أن يسجد له إخوته، ولكن خاف عليهم أن تصيبهم النكبة؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، أو من سكك متفرقة، أو من طرق متفرقة، أو ما قالوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
أي لا أدفع عنكم من الله من شيء؛ إن أصابكم نكبة أو عين، فإن قيل: لو كان أمره إياهم بالتفرق؛ لخوف العين؛ أو لخوف أهل البلد منهم السرقة والإغارة، كيف لم يأمرهم [بذلك] في المرة الأولى؛ وخوف العين؟
لم يخش ذلك لما قد يقع الاجتماع ما ذكر ابن عباس : أنه يخافهم أهل البلد إذا رأوهم مجتمعين أنهم لصوص وأنهم كذا، ولكن جائز أن يكون في المرة الأولى لم يخش ذلك؛ لما قد يقع الاجتماع في أمثال أولئك من الرفقاء والصحابة، فلا يكون في ذلك الخوف الذي ذكروا.
وإذا عادوا في المرة الثانية؛ قد يحتمل ذلك الخوف من العين؛ وغيره، إذا علم أهل البلد أن ذلك العدد تحت أب واحد، أو أمرهم بالتفرق على الأبواب؛ بمحنة امتحن بذلك، وأمر به، أو لمعنى غاب عنا لا نحتاج إليه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم [من الله من شيء إن أصابكم نكبة أو عين وإن تفرقتم إن الحكم إلا لله، هذا تفسير قوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم] بما أحتال ما قدر الله وقضاه؛ أن يصيبكم؛ [فيصيبكم] لا محالة [وينزل بكم ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ أي: ما الحكم في ذلك إلا لله ما في حكمه وقضائه أن يصيبكم فيصيبكم لا محالة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ .
هذا أصل كل أمر يخاف المرء، وأن يأخذ بالحذر، ويتوكل - مع ذلك - على الله؛ على ما أمر يعقوب - - بنيه بالحذر في ذلك، ثم توكل على الله في ذلك.
والحذر هو العادة في الخلق، والتوكل: تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ من أبواب متفرقة.
﴿ مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
أي: ما كان يدفع ذلك عنهم ما حكم الله عليهم أن يصيبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ .
الحاجة في النفس: أحد شيئين: إما الرغبة، وإما الرهبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً ﴾ فعلى ذلك حاجة يعقوب، لا تخلو: إما أن كانت رغبة منه؛ في تفرقهم، أو رهبة في اجتماعهم؛ قضى تلك الحاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة ما قال يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ أي: وإنه لذو علم لما أمرهم بالدخول على التفرق؛ والنهي عن الاجتماع.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
ما أراد بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .
وعن ابن عباس ما: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ : من السكك المتفرقة، ما كان يغني عنهم من قضاء الله شيئاً إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، يقول: بدأها فتكلم بها.
﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ يقول: حافظاً لما علمناه، وقيل: حافظاً له؛ عالماً به، وقيل: ﴿ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: عمل بجميع ما علم وانتفع به، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ ﴾ لم ينتفعوا بما علموا.
ويحتمل: وإنه لذو علم بقصة يوسف من أولها إلى آخرها؛ كما أخبرناه ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: ما أصابه من الحزن؛ بذهاب يوسف وأخيه، وما أصابه من الشدة والنكبة لم يؤثر ذلك في علمه الذي علمناه، وإن أثر ذلك في نفسه وبدنه، أي علمه بما علمناه بعدما أصابه ما أصابه؛ كهو ما كان قبل ذلك، لم يعمل فيه ولم يؤثر.
وعن الحسن - فيما أظن - في قول يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ قال: أما والله ما كانت به طيرة تطير بها؛ ولكن قد علم أو ظن أن يوسف سيلقى أخاه؛ فيقول: إني أنا أخوك.
وأكثر أهل التأويل قالوا: قوله: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ أي: خيفة العين على بنيه؛ لجمالهم، وبهائهم، وحسن صورهم، أو لما يكون لواحد كذا كذا عدداً من البنين فيقصدون قصدهم بالنكاية عليهم لما ذكرنا أو ما أراد بذلك.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال إخوة يوسف ليوسف: أيها العزيز، إن له والدًا شيخًا طاعنًا في السن يحبه كثيرًا، فأمسك أحدنا بدلًا منه، إنا نراك من المحسنين في معاملتنا ومعاملة غيرنا، فأحسن إلينا بذلك.
من فوائد الآيات جواز الحيلة التي يُتَوصَّل بها لإحقاق الحق، بشرط عدم الإضرار بالغير.
يجوز لصاحب الضالة أو الحاجة الضائعة رصد جُعْل "مكافأة" مع تعيين قدره وصفته لمن عاونه على ردها.
التغافل عن الأذى والإسرار به في النفس من محاسن الأخلاق.
<div class="verse-tafsir" id="91.wKgdL"