الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٧٧ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 101 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٧ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) يتنصلون إلى العزيز من التشبه به ، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل ، يعنون به يوسف ، عليه السلام .
قال سعيد بن جبير ، عن قتادة كان يوسف قد سرق صنما لجده ، أبي أمه ، فكسره .
وقال محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : كان أول ما دخل على يوسف من البلاء ، فيما بلغني ، أن عمته ابنة إسحاق ، وكانت أكبر ولد إسحاق ، وكانت إليها منطقة إسحاق ، وكانوا يتوارثونها بالكبر ، فكان من اختباها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه ، يصنع فيه ما يشاء وكانيعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته ، فكان منها وإليها ، فلم يحب أحد شيئا من الأشياء حبها إياه ، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات وقعت نفس يعقوب عليه فأتاها ، فقال : يا أخية سلمى إلي يوسف ، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة .
قالت : فوالله ما أنا بتاركته .
ثم قالت : فدعه عندي أياما أنظر إليه وأسكن عنه ، لعل ذلك يسليني عنه ، أو كما قالت .
فلما خرج من عندها يعقوب ، عمدت إلى منطقة إسحاق ، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ، ثم قالت : فقدت منطقة إسحاق ، عليه السلام ، فانظروا من أخذها ومن أصابها ؟
فالتمست ثم قالت : اكشفوا أهل البيت .
فكشفوهم فوجدوها مع يوسف .
فقالت : والله إنه لي لسلم ، أصنع فيه ما شئت .
فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر .
فقال لها : أنت وذاك ، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك .
فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت .
قال : فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) .
وقوله : ( فأسرها يوسف في نفسه ) يعني : الكلمة التي بعدها ، وهي قوله : ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) أي : تذكرون .
قال هذا في نفسه ، ولم يبده لهم ، وهذا من باب الإضمار قبل الذكر ، وهو كثير ، كقول الشاعر : جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة ، في منثورها وأخبارها وأشعارها .
قال العوفي ، عن ابن عباس : ( فأسرها يوسف في نفسه ) قال : أسر في نفسه : ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون )
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ، يعنون أخاه لأبيه وأمه، وهو يوسف، كما:- 19596- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ، ليوسف.
19597- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
19598- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ، قال: يعني يوسف.
19599- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: (فقد سرق أخ له من قبل) ، قال: يوسف.
* * * وقد اختلف أهل التأويل في" السَّرَق " الذي وصفُوا به يوسف.
فقال بعضهم: كان صنمًا لجده أبي أمه، كسره وألقاء على الطريق .
*ذكر من قال ذلك: 19600- حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال، حدثنا الفيض بن الفضل قال، حدثنا مسعر , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ، قال: سرق يوسف صَنَمًا لجده أبي أمه، كسره وألقاه في الطريق، فكان إخوته يعيبونه بذلك.
(30) 19601- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (فقد سرق أخ له من قبل) ذكر أنه سرق صنمًا لجده أبي أمه , فعيَّروه بذلك.
19602- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) : أرادوا بذلك عيبَ نبيّ الله يوسف.
وسرقته التي عابوه بها، صنم كان لجده أبي أمه , فأخذه , إنما أراد نبيُّ الله بذلك الخير , فعابوه.
19603- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج في قوله: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ، قال: كانت أمّ يوسف أمرت يوسف يسرق صنمًا لخاله يعبده , وكانت مسلمةً.
* * * وقال آخرون في ذلك ما:- 19604- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي قال: كان بنو يعقوب على طعام , إذْ نظرَ يوسف إلى عَرْق فخبأه , (31) فعيّروه بذلك (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل).
(32) * * * وقال آخرون في ذلك بما:- 19605- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق , عن عبد الله بن أبي نجيح , عن مجاهد أبي الحجاج قال: كان أوّل ما دخل على يوسف من البلاء، فيما بلغني أن عَمَّته ابنة إسحاق , وكانت أكبر ولد إسحاق , وكانت إليها [صارت] منطقة إسحاق (33) وكانوا يتوارثونها بالكبر , فكان من اختانها ممن وليها (34) كان له سَلَمًا لا ينازع فيه , (35) يصنع فيه ما شاء .
وكان يعقوب حين وُلِد له يوسف , كان قد حضَنه عَمَّتَهُ (36) فكان معها وإليها , فلم يحبَّ أحدٌ شيئًا من الأشياء حُبَّهَا إياه .
حتى إذا ترعرع وبلغ سنواتٍ , ووقعت نفس يعقوب عليه , (37) أتاها فقال، يا أخيَّة سلّمي إليّ يوسف , فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة !
قالت: فوالله ما أنا بتاركته , (38) والله ما أقدر أن يغيب عني ساعة !
(39) قال: فوالله ما أنا بتاركه !
قالت: فدعه عندي أيامًا أنظرْ إليه وأسكن عنه , لعل ذلك يسلّيني عنه ، أو كما قالت .
فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى مِنْطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه , ثم قالت: لقد فقدت مِنْطقة إسحاق , فانظروا من أخذها ومن أصابها؟
فالتُمِسَتْ , ثم قالت: كشِّفوا أهل البيت !
(40) فكشفوهم , فوجدوها مع يوسف , فقالت: والله إنه لي لسَلَمٌ، أصنع فيه ما شئت .
قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر , فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك، فهو سَلَمٌ لك , ما أستطيع غير ذلك .
فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت .
قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) .
(41) ، قال ابن حميد.
قال ابن إسحاق: لما رأى بنو يعقوب ما صنع إخْوة يوسف , ولم يشكُّوا أنه سرق، قالوا ، أسفًا عليه، لما دخل عليهم في أنفسهم (42) تأنيبًا له: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) .
فلما سمعها يوسف قال: (أنتم شر مكانًا) ، سِرًّا في نفسه (ولم يبدها لهم) ، (والله أعلم بما تصفون).
* * * وقوله: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون) ، يعني بقوله: (فأسرها)، فأضمرها.
(43) * * * وقال: (فأسرها) فأنث , لأنه عنى بها " الكلمة " , وهي: (أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون) .
ولو كانت جاءت بالتذكير كان جائزًا , كما قيل: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [سورة هود:49] ، و ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى ، [سورة هود:100] * * * وكنى عن " الكلمة " .
ولم يجر لها ذكر متقدِّم.
والعرب تفعل ذلك كثيرًا , إذا كان مفهومًا المعنى المرادُ عند سامعي الكلام .
وذلك نظير قول حاتم الطائي: أَمَـاوِيَّ مَـا يُغْنِـي الـثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْـرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بهَا الصَّدْرُ (44) يريد: وضاق بالنفس الصدر ، فكنى عنها ولم يجر لها ذكر , إذ كان في قوله: " إذا حشرَجَت يومًا ", دلالة لسامع كلامه على مراده بقوله: " وضاق بها ".
ومنه قول الله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النحل:110] ، فقال: " من بعدها "، ولم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19606- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) ، أما الذي أسرَّ في نفسه فقوله: (أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون).
19607- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون) ، قال هذا القول.
19608- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) ، يقول: أسرَّ في نفسه قوله: (أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون).
* * * وقوله: (والله أعلم بما تصفون) ، يقول: والله أعلم بما تكذبون فيما تصفون به أخاه بنيامين .
(45) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19609- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: (أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون) ، يقولون: يوسف يقوله.
19610- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
19611- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
19612- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة: (والله أعلم بما تصفون) ، أي: بما تكذبون.
* * * قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال: أنتم شرّ عند الله منـزلا ممن وصفتموه بأنه سرق , وأخبث مكانًا بما سلف من أفعالكم , والله عالم بكذبكم , وإن جهله كثيرٌ ممن حضرَ من الناس .
* * * وذكر أن الصّواع لما وُجد في رحل أخي يوسف تلاوَمَ القوم بينهم , كما:- 19613- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي قال: لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم , وقالوا: يا بني راحيل , ما يزال لنا منكم بلاء!
متى أخذت هذا الصوع؟
(46) فقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء , ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية!
وضَع هذا الصواع في رحلي، الذي وضع الدراهم في رحالكم!
فقالوا: لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها!
فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع فنقرَ فيه , ثم أدناه من أذنه , ثم قال، إن صواعى هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه .
فلما سمعها بنيامين , قام فسجد ليوسف , ثم قال، أيها الملك , سل صواعك هذا عن أخي، أحيٌّ هو؟
(47) فنقره , ثم قال، هو حيٌّ , وسوف تراه .
قال، فاصنع بي ما شئت , فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني .
قال، فدخل يوسف فبكى , ثم توضَّأ , ثم خرج فقال بنيامين: أيها الملك إني أريد أن تضرب صُواعك هذا فيخبرك بالحقّ , فسله من سرقه فجعله في رحلي؟
فنقره فقال: إن صواعي هذا غضبان , وهو يقول: كيف تسألني مَنْ صاحبي , (48) وقد رأيتَ مع من كنت؟
(49) قال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقُوا , فغضب روبيل , وقال: أيها الملك , والله لتتركنا أو لأصيحنَّ صيحة لا يبقى بمصر امرأةٌ حامل إلا ألقت ما في بطنها !
وقامت كل شعرة في جسد رُوبيل , فخرجت من ثيابه , فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسَّه.
وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسَّه الآخر ذهب غضبه , فمر الغلام إلى جنبه فمسَّه , فذهب غضبه , فقال روبيل: مَنْ هذا؟
إن في هذا البلد لبَزْرًا من بَزْر يعقوب!
(50) فقال يوسف: من يعقوب؟
فغضب روبيل فقال: يا أيها الملك لا تذكر يعقوب , فإنه سَرِيُّ الله , (51) ابن ذبيح الله , ابن خليل الله .
قال يوسف: (52) أنت إذًا كنت صادقًا.
(53) ---------------------- الهوامش: (30) الأثر : 19600" أحمد بن عمرو البصري" ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 9875 ، 13928 ، والكلام عنه في الرقم الأول .
و" الفيض بن الفضل البجلي الكوفي" ، مترجم في الكبير 4 / 1 / 140 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 88 ، ولم يذكرا فيه جرحًا .
وكان في المطبوعة :" العيص" وأخطأ لأن المخطوطة واضحة هناك كما أثبتها .
وهذا الخبر ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 182 .
(31) في المطبوعة والمخطوطة :" اضطر يوسف إلى عرق" ، وهو خطأ محض ، وإنما وصل الكاتب" إذ" بقوله بعده" نظر" .
و" العرق" ( بفتح فسكون ) : العظم عليه اللحم .
فإن لم يكن عليه لحم ، فهو" عراق" ( بضم العين ) .
(32) الأثر : 19604 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 182 ، مطولا .
(33) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري .
(34) في المطبوعة :" فكان من اختص بها" ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد الكلام وأسقطه .
والصواب منها ومن التاريخ ." اختانها" ، سرقها .
(35) " السلم" ( بفتحتين ) انقياد المذعن المستخذى ، كالأسير الذي لا يمتنع ممن أسره ، يقال :" أخذه سلمًا" ، إذا أسره من غير حرب ، فجاء به منقادًا لا يمتنع .
(36) في المطبوعة :" قد كان حضنته عمته" ، وأثبت ما في التاريخ .
وأما المخطوطة ، فهي غير منقوطة .
وقوله :" حضنه عمته" فهو هنا فعل متعد إلى مفعولين ، وليس هذا المتعدي مما ذكرته كتب اللغة .
وإنما ذكر" حضنت المرأة الصبي" ، إذا وكلت به تحفظه وتربيه ، وهي" الحاضنة" ، تضم إليها الطفل فتكفله .
وهذا المتعدي إلى مفعولين ، صحيح عريق في قياس العربية ، بمعنى : أعطاها إياه لتحضنه .
وهذا مما يزاد عليها إن شاء الله .
(37) في والمطبوعة المخطوطة :" وقعت" بغير واو ، والصواب إثباتها ، كما في تاريخ الطبري وقوله :" وقعت نفسه عليه" ، أي اشتاق إليه شديدا .
وهذا مجاز لم تذكره معاجم اللغة ، وهو في غاية الحسن والدقة وبلاغة الأداء عن النفس وانظر بعد قوله :" ما أقدر على أن يغيب عني ساعة" ، فهو دليل على المعنى الذي استظهرته .
(38) في المطبوعة :" فقالت : والله ..." غير ما في المخطوطة ، وهو الموافق لما في تاريخ الطبري أيضًا .
(39) قولها :" والله ما أقدر ..." ، ليست في تاريخ الطبري ، فهي زيادة في المخطوطة .
(40) في المطبوعة :" اكشفوا" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(41) الأثر : 19605 - إلى هذا الموضع ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 170 .
(42) في المطبوعة والمخطوطة :" أسفًا عليهم" ، وهو لا يكاد يستقيم ، وكان في المخطوطة أيضًا :" في أنفسنا" ، فصححها في المطبوعة ، وأصاب .
(43) انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف ص : 7 ، تعليق ، والمراجع هناك .
(44) ديوانه : 39 ، وغيره ، من قصيدته المشهورة ، يقول بعده ، وهو من رائع الشعر : إذَا أنَــا دَلاَّنــي الَّــذِينَ أُحِــبُّهُمْ بِمَلْحُــودةٍ زَلْــخٍ , جَوَانِبُهَـا غُـبْرُ وَرَاحُــوا عِجَـالاً ينفُضُــونَ أكُـفَّهُمْ يَقُولُـونَ : قَـدْ دَمَّـى أَنَامِلَنَـا الحفْرُ !
.
" ملحودة" ، يعني قبرًا قد لحد له .
و" زلخ" ، ملساء ، يزل نازلها فيتردى فيها .
(45) انظر تفسير" الوصف" فيما سلف : 15 : 586 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(46) في المطبوعة :" حتى أخذت" ، والصواب من المخطوطة والتاريخ .
(47) في التاريخ :" أين هو" ، ولكنه في المخطوطة :" أحي هو" .
(48) في المطبوعة :" عن صاحبي" ، والصواب من المخطوطة والتاريخ .
(49) في المطبوعة وحدها :" وقد رؤيت" .
(50) " البزر" ( بفتح فسكون ) ، الولد .
يقال :" ما أكثر بزره" ، أي : ولده .
(51) في التاريخ :" إسرائيل الله" ، وكأن الذي في التفسير هو الصواب ، لأن" إيل" بمعنى" الله" ، و" إسرا" ، يضاف إليه ، وكأن" إسرا" ، بمعنى" سرى" ، وهو بمعنى المختار ، كأنه :" صفي الله" الذي اصطفاه .
وفي تفسير ذلك اختلاف كثير .
(52) في المطبوعة ، حذف" إن" من قوله :" إن كنت صادقًا" .
(53) الأثر : 19613 - رواه أبو جعفر في تاريخه مطولا 1 : 182 ، 183 .
قوله تعالى : قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل المعنى : أي اقتدى بأخيه ، ولو اقتدى بنا ما سرق ; وإنما قالوا ذلك ليبرءوا من فعله ، لأنه ليس من أمهم ; وأنه إن سرق فقد جذبه عرق أخيه السارق ; لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق .
وقد اختلفوا في السرقة التي نسبوا إلى يوسف ; فروي عن مجاهد وغيره أن عمة يوسف بنت إسحاق كانت أكبر من يعقوب ، وكانت صارت إليها منطقة إسحاق لسنها ; لأنهم كانوا يتوارثون بالسن ، وهذا مما نسخ حكمه بشرعنا ، وكان من سرق استعبد .
وكانت عمة يوسف حضنته وأحبته حبا شديدا ; فلما ترعرع وشب قال لها يعقوب : سلمي يوسف إلي ، فلست أقدر أن يغيب عني ساعة ; فولعت به ، وأشفقت من فراقه ; فقالت له : دعه عندي أياما أنظر إليه فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق ، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ، ثم قالت : لقد فقدت منطقة إسحاق ، فانظروا من أخذها ومن أصابها ; فالتمست ثم قالت : اكشفوا أهل البيت فكشفوا ; فوجدت مع يوسف .
فقالت : إنه والله لي سلم أصنع فيه ما شئت ; ثم أتاها يعقوب [ ص: 209 ] فأخبرته الخبر ، فقال لها : أنت وذلك ، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ; فأمسكته حتى ماتت ; فبذلك عيره إخوته في قولهم : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ومن هاهنا تعلم يوسف وضع السقاية في رحل أخيه كما عملت به عمته .
وقال سعيد بن جبير : إنما أمرته أن يسرق صنما كان لجده أبي أمه ، فسرقه وكسره وألقاه على الطريق ، وكان ذلك منهما تغييرا للمنكر ; فرموه بالسرقة وعيروه بها ، وقال قتادة وفي كتاب الزجاج : أنه كان صنم ذهب .
وقال عطية العوفي : إنه كان مع إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه فعيروه بذلك .
وقيل : إنه كان يسرق من طعام المائدة للمساكين ; حكاه ابن عيسى وقيل : إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه ; قاله الحسنقوله تعالى : فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم أي أسر في نفسه قولهم إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل قاله ابن شجرة وابن عيسى .
وقيل : إنه أسر في نفسه قوله : أنتم شر مكانا ثم جهر فقال : والله أعلم بما تصفون .
قاله ابن عباس ،قال أنتم شر مكانا أي أنتم شر مكانا ممن نسبتموه إلى هذه السرقة .ومعنى قوله : والله أعلم بما تصفون أي الله أعلم أن ما قلتم كذب ، وإن كانت لله رضا .
وقد قيل : إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء .
فلما رأى إخوة يوسف ما رأوا { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ } هذا الأخ، فليس هذا غريبا منه.
{ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } يعنون: يوسف عليه السلام، ومقصودهم تبرئة أنفسهم وأن هذا وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا.
وفي هذا من الغض عليهما ما فيه، ولهذا: أسرها يوسف في نفسه { وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسرَّ الأمر في نفسه.
و { قَالَ } في نفسه { أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا } حيث ذممتمونا بما أنتم على أشر منه، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } منا، من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها، ثم سلكوا معه مسلك التملق، لعله يسمح لهم بأخيهم.
( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) يريدون أخا له من أمه ، يعني : يوسف .
واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف عليه السلام ، فقال سعيد بن جبير وقتادة : كان لجده أبي أمه صنم يعبده ، فأخذه سرا ، أو كسره وألقاه في الطريق لئلا يعبد .
وقال مجاهد : إن يوسف جاءه سائل يوما ، فأخذ بيضة من البيت فناولها للسائل .
وقال سفيان بن عيينة : أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلا .
وقال وهب : كان يخبئ الطعام من المائدة للفقراء .
وذكر محمد بن إسحاق : أن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق بعد موت أمه راحيل فحضنته عمته ، وأحبته حبا شديدا ، فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب عليه ، فأتاها وقال : يا أختاه ، سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة .
قالت : لا والله ، فقال : والله ما أنا بتاركه ، فقالت : دعه عندي أياما أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه ، ففعل ذلك ، فعمدت إلى منطقة لإسحاق كانوا يتوارثونها بالكبر ، فكانت عندها لأنها كانت أكبر ولد إسحاق فحزمت المنطقة على يوسف تحت ثيابه وهو صغير ، ثم قالت : لقد فقدت منطقة إسحاق اكشفوا أهل البيت فكشفوا فوجدوها مع يوسف فقالت : والله إنه لسلم لي ، فقال يعقوب : إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ، فأمسكته حتى ماتت ، فذلك الذي قال إخوة يوسف : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) .
( فأسرها ) أضمرها ( يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) وإنما أتت الكناية لأنه عني بها الكلمة ، وهي قوله : ( قال أنتم شر مكانا ) [ ذكرها سرا في نفسه ولم يصرح بها ، يريد أنتم شر مكانا ] أي : منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقية ، وخيانتكم حقيقة ( والله أعلم بما تصفون ) تقولون .
«قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل» أي يوسف وكان سرق لأبي أمه صنما من ذهب فكسره لئلا يعبده «فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها» يظهرها «لهم» والضمير للكلمة التي في قوله «قال» في نفسه «أنتم شر مكانا» من يوسف وأخيه لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له «والله أعلم» عالم «بما تصفون» تذكرون من أمره.
قال إخوة يوسف: إنْ سرق هذا فقد سرق أخ شقيق له من قبل (يقصدون يوسف عليه السلام) فأخفى يوسف في نفسه ما سمعه، وحدَّث نفسه قائلا أنتم أسوأ منزلة ممن ذكرتم، حيث دبَّرتم لي ما كان منكم، والله أعلم بما تصفون من الكذب والافتراء.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله إخوة يوسف فى أعقاب ثبوت تهمة السرقة على أخيه " بنيامين " فقال - تعالى - ( قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ .
.
.
)أى : قال إخوة يوسف - عليه السلام - بعد هذا الموقف المحرج لهم .
إن يسرق بنيامين هذا الصواع الخاص بالملك فقد سرق أخ له من قبل - وهو يوسف - ما يشبه ذلك .وقولهم هذا يدل على أن صنيعهم بيوسف وأخيه ما زال متمكناً من نفوسهم .وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة فى مرادهم بقولهم هذا ، ومن بين هذه الروايات ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فى الآية : " سرق يوسف - عليه السلام - صنماً لجده وكان هذا الصنم من ذهب وفضه ، فكسره وألقاه فى الطريق ، فعير إخوته بذلك " .وقوله ( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ) بيان لموقفه من مقالتهم ، والضمير فى ( فأسرها ) يعود إلى تلك المقالة التى قالوها .أى : سمع يوسف - عليه السلام - ما قاله إخوته فى حقه وفى حق شقيقه فساءه ذلك ، ولكنه كظم غيظه ، ولم يظهر لهم تأثره مما قالوه وإنما رد عليهم بقوله : ( قَالَ أَنْتُمْ ) أيها الإخوة ( شَرٌّ مَّكَاناً ) أى : موضعاً ومنزلاً ممن نسبتموه إلى السرقة وهو برئ ، لأنكم أنتم الذين كذبتم على أبيكم وخدعتموه ، وقلتم له بعد أن ألقيتم أخاكم فى الجب ، لقد أكله الذئب .( والله ) - تعالى - ( أَعْلَمْ ) مننى ومنكم ( بِمَا تَصِفُونَ ) به غيركم من الأوصاف التى يخالفها الحق ، ولا يؤيدها الواقع .
اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا: هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين، ثم قالوا: يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم، فقال بنيامين ماأكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له: فكيف خرج الصواع من رحلك، فقال: وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم.
واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك: إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان أيضاً سارقاً، وكان غرضهم من هذا الكلام أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم أخرى، واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال: الأول: قال سعيد بن جبير: كان جده أبو أمه كافراً يعبد الأوثان فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك، فهذا هو السرقة، والثاني: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه إلى الفقراء، وقيل سرق عناقاً من أبيه ودفعه إلى المسكين وقيل دجاجة.
والثالث: أن عمته كانت تحبه حباً شديداً فأرادت أن تمسكه عند نفسها، وكان قد بقي عندها منطقة لاسحق عليه السلام وكانوا يتبركون بها فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بأنه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق يسترق، فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.
والرابع: أنهم كذبوا عليه وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع، وبعد انقضاء تلك المدة الطويلة، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل ألبتة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ ﴾ إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج: فأسرها إضمار على شريطة التفسير، تفسيره أنتم شر مكاناً وإنما أنث لأن قوله: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه قال: فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ وفي قراءة ابن مسعود ﴿ فَأَسْرِ ﴾ بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو علي الفارسي في هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين: الوجه الأول: قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين: أحدهما: أن يفسر بمفرد كقولنا: نعم رجلاً زيد ففي نعم ضمير فاعلها، ورجلاً تفسير لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله: ﴿ فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ ﴾ ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد.
ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضاً نحو إن كقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الإضمار، ولا يكون خارجاً عن تلك الجملة ولا مبايناً لها.
وهاهنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا يحسن.
والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام، ولو قلنا: إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه قال ذلك كذباً.
واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه: أما الأول: فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث.
وأما الثاني: فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال.
والوجه الثاني: وهو أن الضمير في قوله: ﴿ فَأَسَرَّهَا ﴾ عائد إلى الإجابة كأنهم قالوا: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ فأسر يوسف إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضاً أن يكون إضماراً للمقالة.
والمعنى: أسر يوسف مقالتهم، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها، عوقب بالحبس وبقوله: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ عوقب بالحبس الطويل وبقوله: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ عوقب بقولهم: ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهماً، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة.
ثم قال تعالى: ﴿ والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم إليه، والمعنى: والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة إليه أم لا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَخٌ لَّهُ ﴾ أرادوا يوسف.
روي أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء، وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت؟
فضحتنا وسوّدت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت هذا الصاع؟
فقال: بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم.
واختلف فيما أضافوا إلى يوسف من السرقة، فقيل: كان أخذ في صباه صنماً لجدّه أبي أمّه فكسره وألقاه بين الجيف في الطريق.
وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه.
وقيل: كان في المنزل عناق أو دجاجة فأعطاها السائل.
وقيل كانت لإبراهيم عليه السلام منطقة يتوارثها أكابر ولده، فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده، فحضنت يوسف- وهي عمته- بعد وفاة أمّه وكانت لا تصبر عنه، فلما شبّ أراد يعقوب أن ينتزعه منها، فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت: فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من أخذها، فوجدوها محزومة على يوسف، فقالت: إنه لي سلم أفعل به ما شئت، فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت ﴿ فَأَسَرَّهَا ﴾ إضمار على شريطة التفسير، تفسيره ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ وإنما أنث لأنّ قوله: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ جملة أو كلمة، على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، كأنه قيل: فأسرّ الجملة أو الكلمة التي هي قوله: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ والمعنى: قال في نفسه: أنتم شر مكاناً؛ لأنّ قوله: ﴿ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ بدل من أسرَّها.
وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ فأسرَّه ﴾ ، على التذكير، يريد القول أو الكلام.
ومعنى ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أنتم شر منزلة في السرق؛ لأنكم سارقون بالصحة، لسرقتكم أخاكم من أبيكم ﴿ والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ يعلم أنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة، وليس الأمر كما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ ﴾ بِنْيامِينُ.
﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.
قِيلَ ورِثَتْ عَمَّتُهُ مِن أبِيها مِنطَقَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ، فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ انْتِزاعَهُ مِنها فَشَدَّتِ المِنطَقَةَ عَلى وسَطِهِ، ثُمَّ أظْهَرَتْ ضَياعَها فَتَفَحَّصَ عَنْها فَوُجِدَتْ مَحْزُومَةً عَلَيْهِ فَصارَتْ أحَقَّ بِهِ في حُكْمِهِمْ.
وقِيلَ كانَ لِأبِي أُمِّهِ صَنَمٌ فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ وألْقاهُ في الجِيَفِ.
وقِيلَ كانَ في البَيْتِ عَناقٌ أوْ دَجاجَةٌ فَأعْطاها السّائِلَ.
وقِيلَ دَخَلَ كَنِيسَةً وأخَذَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِنَ الذَّهَبِ.
﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ ﴾ أكَنَّها ولَمْ يُظْهِرْها لَهم، والضَّمِيرُ لِلْإجابَةِ أوِ المَقالَةِ أوْ نِسْبَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِ وقِيلَ إنَّها كِنايَةٌ بِشَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يُفَسِّرُها قَوْلُهُ: ﴿ قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن أسَرَّها.
والمَعْنى قالَ في نَفْسِهِ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا أيْ مَنزِلَةً في السَّرِقَةِ لِسَرِقَتِكم أخاكم، أوْ في سُوءِ الصَّنِيعِ مِمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، وتَأْنِيثُها بِاعْتِبارِ الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذِ المُفَسَّرُ بِالجُمْلَةِ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ.
﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ وهو يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَه مِن قَبْلُ} أرادوا يوسف قيل دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه وقيل كان في المنزل دجاجة فأعطاها السائل وقيل كانت منطقة لإبراهيم عليه السلام يتوارثها أكابر ولده فورثها اسحق ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده فحضنت يوسف وهي عمته بعد وفاة أمه وكانت لا تصبر عنه فلما شب أراد يعقوب أن ينزعه منها فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقال فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها فوجدوها محزومة على يوسف فقالت إنه لي سَلَم أفعل به ما شئت فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت وروي أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس اخوته رءوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له فضحتنا وسودت وجوهنا يا بنى راحيل ما يزال
يوسف (٧٨ _ ٨٠)
لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع فقال بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم {فَأَسَرَّهَا} أي مقالتهم إنه سرق كأنه لم يسمعها {يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} تمييز أي أنتم شر منزلة في السرق لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من أبيه {والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} تقولون أو تكذبون
﴿ قالُوا ﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿ إنْ يَسْرِقْ ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما جَرى عَلَيْهِ مِن جِهَةِ عَمَّتِهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أوَّلُ ما دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلاءِ فِيما بَلَغَنِي أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ تَحْضُنُهُ وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ إلَيْها مِنطَقَةُ أبِيها وكانُوا يَتَوارَثُونَها بِالكِبَرِ فَكانَتْ لا تُحِبُّ أحَدًا كَحُبِّها إيّاهُ حَتّى إذا تَرَعْرَعَ وقَعَتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ إلَيْهِ فَأتاها فَقالَ: يا أُخْتاهُ سَلِّمِي إلَيَّ يُوسُفَ فَواللَّهِ ما أقْدِرُ عَلى أنْ يَغِيبَ عَنِّي ساعَةً فَقالَتْ واللَّهِ ما أنا بِتارِكَتِهِ فَدَعْهُ عِنْدِي أيّامًا أنْظُرْ إلَيْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي فَلَمّا خَرَجَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِنْدِها عَمَدَتْ إلى تِلْكَ المِنطَقَةِ فَحَزَمَتْها عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطَقَةَ أبِي إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن أخَذَها فالتَمَسَتْ ثُمَّ قالَتِ: اكْشِفُوا أهْلَ البَيْتِ فَكَشَفُوهم فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لَسَلْمٌ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ فَأتاها يَعْقُوبُ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ لَها: أنْتَ وذاكَ إنْ كانَ فَعَلَ فَأمْسَكَتْهُ فَما قَدَرَ عَلَيْهِ حَتّى ماتَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَرَقَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ» وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ غُلامًا صَغِيرًا مَعَ أُمِّهِ عِنْدَ خالٍ لَهُ وهو يَلْعَبُ مَعَ النُّعْمانِ فَدَخَلَ كَنِيسَةً لَهم فَوَجَدَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِن ذَهَبٍ فَأخَذَهُ وذَلِكَ الَّذِي عَنَوْهُ بِسَرِقَتِهِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ سائِلًا جاءَهُ يَوْمًا فَأخَذَ بَيْضَةً فَناوَلَها إيّاهُ: وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أخَذَ دَجاجَةً فَأعْطاها السّائِلَ وقالَ وهْبٌ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخَبِّئُ الطَّعامَ مِنَ المائِدَةِ لِلْفُقَراءِ وقِيلَ وقِيلَ وعَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّ ذَلِكَ تَصَلُّفٌ لا يَسُوغُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ بَلْ ولا إلى أحَدٍ مِنَ الأشْرافِ فالواجِبُ تَرْكُهُ وإلَيْهِ ذَهَبَمَكِّيٌّ وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ مِثْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ وذَكَرَ لَهُ نَظائِرَ في الحَدِيثِ قِيلَ: وهو كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في عَدِّ كُلِّ ما قِيلَ في بَيانِ المُرادِ مِن سَرِقَةِ الأخِ تَصَلُّفًا فَإنَّ فِيهِ ما لا بَأْسَ في نِسْبَتِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ وإنِ ادَّعى أنَّ دَعْوى نِسْبَتِهِمُ السَّرِقَةَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَلِيقُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ إذْ لا سَرِقَةَ في الحَقِيقَةِ وهم أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ لا يَكْذِبُونَ جاءَ حَدِيثُ أكْلِهِ الذِّئْبُ وهم غَيْرُ مَعْصُومِينَ أوَّلًا وآخِرًا وما قالَهُ البَعْضُ وقِيلَ: إنَّهُ كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ مِمّا يَأْباهُ ما بَعْدُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ ذَوْقًا وأتَوْا بِكَلِمَةِ ﴿ إنْ ﴾ لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِسَرِقَتِهِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ فَقَدْ وجَدُوا مِن قِبَلِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا سارِقِينَ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم لَمّا رَأوْا إخْراجَ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ خَجِلُوا فَقالُوا: يا ابْنَ راحِيلَ كَيْفَ سَرَقْتَ هَذِهِ السِّقايَةَ فَرَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ فَقالُوا: فَمَن وضَعَها في رَحْلِكَ قالَ: الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم فَإنْ كانَ قَوْلُهم: ﴿ إنْ يَسْرِقْ ﴾ ..
إلَخْ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَمَةِ فالظّاهِرُ أنَّها هي الَّتِي دَعَتْهم ( لِأنَّ ) وأمّا قَوْلُهم: ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ فَبِناءً عَلى الظّاهِرِ ومُدَّعى القَوْمِ وكَذا عِلْمُهم مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّهم جَزَمُوا بِذَلِكَ و ﴿ إنْ ﴾ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ ولَعَلَّهُ الأوْلى لِظاهِرِ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ و ﴿ يَسْرِقْ ﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والمَعْنى إنْ كانَ سَرَقَ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ لِسَبْقِ مِثْلِهِ مِن أخِيهِ وكَأنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ دَفْعَ المَعَرَّةِ عَنْهم واخْتِصاصَها بِالشَّقِيقَيْنِ وتَنْكِيرُ ﴿ أخٌ ﴾ لِأنَّ الحاضِرِينَ لا عِلْمَ لَهم بِهِ وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ والوَلِيدِ بْنِ حَسّانَ وغَيْرِهِمْ ( فَقَدْ سُرِّقَ ) بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ ﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ والمَقامِ أيْ أضْمَرَ الحَزازَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا قالُوا وقِيلَ: أضْمَرَ مَقالَتَهم أوْ نِسْبَةَ السَّرِقَةِ إلَيْهِ فَلَمْ يُجِبْهم عَنْها ﴿ فِي نَفْسِهِ ﴾ لا أنَّهُ أسَرَّها لِبَعْضِ أصْحابِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ ﴿ ولَمْ يُبْدِها ﴾ أيْ يُظْهِرْها لَهم لا قَوْلًا ولا فِعْلًا صَفْحًا لَهم وحِلْمًا وهو تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ ﴿ قالَ ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِالإسْرارِ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ في نَفْسِهِ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿ قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ أيْ مَنزِلَةً في السَّرْقِ وحاصِلُهُ أنَّكم أثْبَتُ في الِاتِّصافِ بِهَذا الوَصْفِ وأقْوى فِيهِ حَيْثُ سَرَّقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكم ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلى البَرِيءِ وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الإضْمارَ هُنا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ﴿ قالَ أنْتُمْ ﴾ ..
إلَخْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ والمَعْنى فَأسَرَّ يُوسُفُ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جُمْلَةٌ أوْ كَلِمَةٌ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الإضْمارَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ عَلى ضَرْبَيْنِ أحَدُهُما أنْ يُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ نَحْوَ نِعْمَ رَجُلًا ورَبَّهُ رَجُلًا وثانِيهِما أنْ يُفَسَّرَ بِجُمْلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ وأصْلُ هَذا أنْ يَقَعَ في الِابْتِداءِ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّواسِخُ نَحْوَ ﴿ إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ .
﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ ولَيْسَ مِنها شِفاءُ النَّفْسِ مَبْذُولٌ وغَيْرُ ذَلِكَ وتَفْسِيرُ المُضْمَرِ في كِلا المَوْضِعَيْنِ مُتَّصِلٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها المُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ المُضْمَرِ ومُتَعَلِّقٌ بِها ولا يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْها والَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مُنْقَطِعٌ فَلا يَكُونُ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وفي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أنَّ المُفَسَّرَ بِالجُمْلَةِ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالمَنعِ وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالجُمَلِ في شَيْءٍ حَتّى يُعْتَرَضَ بِأنَّهُ مِن خَواصِّ ضَمِيرِ الشَّأْنِ الواجِبِ التَّصْدِيرِ وإنَّما هو نَظِيرُ ﴿ ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ ﴾ ..
إلَخْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ في تِلْكَ الآيَةِ تَفْسِيرُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ وهَذِهِ فِيها تَفْسِيرُ ضَمِيرٍ بِجُمْلَةٍ وفي الكَشّافِ جَعَلَ ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ هو المُفَسَّرُ وفِيهِ خَفاءٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْلِ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى إثْباتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِجَعْلِ ﴿ قالَ ﴾ ..
إلَخْ بَدَلًا مِن أسَرَّ ولَعَلَّ الأمْرَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ المُرادَ قالَ في نَفْسِهِ نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهم وواجَهَهم بِهِ بَعْدَ أنْ أسَرَّ كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ في نَفْسِهِ وغَرَضُهُ تَوْبِيخُهم وتَكْذِيبُهم ويُقَوِّيهِ أنَّهم تَرَكُوا أنْ يَشْفَعُوا بِأنْفُسِهِمْ وعَدَلُوا إلى الشَّفاعَةِ لَهُ بِأبِيهِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( فَأسَرَّهُ ) بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ .
(77) .
أيْ عالِمٌ عِلْمًا بالِغًا إلى أقْصى المَراتِبِ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ مِن صُدُورِ السَّرِقَةِ مِنّا فَصِيغَةُ أفْعَلَ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ لا لِتَفْضِيلِ عِلْمِهِ تَعالى عَلى عِلْمِهِمْ كَيْفَ لا ولَيْسَ لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ المَعْنى أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ بِهِ مِنكم لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأُمُورِ وكَيْفَ كانَتْ سَرِقَةُ أخِيهِ الَّذِي أحَلْتُمْ سَرِقَتَهُ عَلَيْهِ فَأفْعَلُ حِينَئِذٍ عَلى ظاهِرِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِلْمٌ والتَّفْضِيلُ يَقْتَضِي الشَّرِكَةَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ تَكْفِي الشَّرِكَةُ بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ لِأنْفُسِهِمْ ألا تَرى قَوْلَهم: ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ جَزْمًا.
<div class="verse-tafsir"
ثمّ قال: فَبَدَأَ يعني: المنادي، ويقال: يوسف بِأَوْعِيَتِهِمْ يعني: أوعية إخوته، وطلب في أوعيتهم قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ فلم يجد فيها شيئا.
وروى معمر عن قتادة أنه قال: كلما فتح متاع رجل، استغفر الله تائباً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئاً، قالوا: بلى، فاستبرأه، فطلب، فوجد فيه، فاستخرجها من وعاء أخيه، فلما استخرجت من رحله انقطعت ظهور القوم وتحيروا وقالوا: يا بنيامين لا يزال لنا منكم بلاءً ما لقينا من ابني راحيل.
فقال بنيامين: بل لقي ابنا راحيل منكم.
فأما يوسف فقد فعلتم به ما فعلتم، وأما أنا فسرقتموني.
قالوا: فمن جعل الإناء في متاعك؟
قال: الذي جعل الدراهم في متاعكم.
فسكتوا، فذلك قوله ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يعني: كذلك صنعنا ليوسف، والكيد: الحيلة.
يعني: كذلك احتلنا له وألهمناه الحيلة.
ثم قال: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ يعني: في قضاء ملك مصر، لأنه لم يكن في قضائه أن يستعبد الرجل في سرقته.
ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: وقد شاء الله أن يأخذه بقضاء أبيه.
ويقال: ما كان يقدر أن يأخذ في ولاية الملك بغير حكم، إلا بمشيئة الله تعالى.
ويقال: إلا أن يشاء الله ذلك ليوسف.
ثم قال: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: من نشاء بالفضائل.
وقرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ بتنوين التاء.
وقرأ الباقون: درجات مَّن نَّشَاء بغير تنوين، على معنى الإضافة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ يعني: ليس من عالم إلا وفوقه أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى.
وروى وكيع، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، أن رجلاً سأل علياً عن مسألة.
فقال فيها قولاً، فقال الرجل: ليس هو كذا، ولكنه كذا.
فقال: عليّ «أصبتَ وأخطأت» وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وروي عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدث بحديث، فقال رجل عنده: الحمد لله وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى هو العالم، وهو فوق كل عالم» .
ثم قال تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ يعني: قال إخوة يوسف: إن يسرق بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون: يوسف فَأَسَرَّها يُوسُفُ يعني: فأضمر الكلمة يوسف فِي نَفْسِهِ أي في قلبه وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ يعني: لم يعلن لهم جواباً قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً من يوسف، لأن يوسف سرق الوثن، وأنتم تسرقون الصواع.
وذلك أن يوسف كان سرق صنماً من ذهب، من خاله لاوي، وقال قتادة: ذكر لنا أنه سرق صنماً، كان لجده أبي أمه، فعيّروه بذلك.
قالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً لأن سرقتكم قد ظهرت، وسرقة أخيه لم تظهر إلا بقولكم، ولا ندري أنتم صادقون في مقالتكم أم لا؟
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ يعني: بما تقولون.
وروى عكرمة عن ابن عباس.
قال: «عوقب يوسف ثلاث مرات: حين همّ بها فسجن.
وحين قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وحين قال: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فردوا عليه وقالوا: فقد سرق أخ له من قبل» .
<div class="verse-tafsir"
العلم، وينتفي الجهل، ويضيء القلب بنور إلا هيّ، ويتلألأ الإِيمان، وتوضح المعرفةُ، ويتَّسِعُ اليقينُ، ويتقوَّى الإِلهام، وتبدو الفراسَاتُ، ويصفى السرُّ، وتتجلَّى الأسرار، وتوجد الفوائدُ.
قال رحمه اللَّه: وليس بَيْنَ العبدِ والترقِّي مِنْ سُفْلٍ إِلى عُلْوٍ إِلاَّ حُبُّ الدنيا فإِن الترقِّي يتعذَّر مِنْ أجْل حبِّها لأنها جاذبة إِلى العالَمِ الظلمانيِّ، وطباعُ النفوس لذلك مائلةٌ، فإِنْ أردتَّ أنْ تقتفي أثَرَ الذاهِبينَ إِلى اللَّه تعالى، فاستخف بدنياك، وانظرها بعَيْن الزَّوال، وأَنْزِلْ نَفْسَكَ عندَ أخْذِ القُوتِ منها منزلَةَ المُضْطَرِّ إِلى الميتة، والسَّلام.
انتهى.
وروي أن المفتِّش كان إِذا فَرَغَ من رَحْلِ رَجُلٍ، فلم يجدْ فيه شيئاً، استغفر اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره أنَّ المستغفِرَ هو يُوسُفُ حتى انْتَهَى إِلى رَحْلِ بِنْيَامِينَ، فقال: ما أظَنُّ هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئاً، فقال له إِخوته: واللَّهِ، لاَ تَبْرَحْ حَتَّى تُفَتِّشَهُ، فهو أطْيَبُ/ لنفسك ونفوسِنَا، فَفَتَّشَ حينئِذٍ، فأخْرَجَ السِّقاية، وروي أنَّ أُخوة يوسُفَ لما رأَوْا ذلك، عَنَّفُوا بِنْيَامِينَ، وقالوا له: كَيْفَ سَرَقْتَ هذه السِّقَايَةَ؟
فقال لهم: واللَّهِ، ما فَعَلْتُ، فَقَالُوا له: فَمَنْ وَضَعَهَا في رَحْلِكَ؟
قالَ: الذي وَضَعَ البِضَاعَةَ في رِحَالِكُمْ، والضمير في قوله: اسْتَخْرَجَها: عائدٌ على السّقاية، ويحتمل على السّرقة.
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩)
وقوله سبحانه: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ أي: قالوا إِخوةُ يوسُفَ: إِن كان هذا قَدْ سَرَقَ، فغير بِدْعٍ من ابني رَاحِيلَ لأَن أخاه يوسُفَ قد كان سَرَقَ، فهذا من الإِخوة إِنحاءٌ على ابني رَاحِيلَ يُوسُفَ وَيَامِينَ، وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إِنما كَانَتْ بحسب الظاهِرِ، ومُوجِبِ الحُكْم في النازلتين، فلم يَعْنُوا في غِيبَةٍ ليُوسُفَ، وإِنما قصدوا الإِخبار بأمر جَرَى ليزولَ بعضُ المَعرَّة عنهم، ويختصَّ بها هذان الشقيقَان، وأما ما رُوِيَ في سَرِقَةِ يوسُفَ، فالجمهورُ عَلَى أنَّ عمَّته كانَتْ رَبَّتْهُ، فلما شَبَّ، أَراد يعقوبُ أخْذَهُ منها، فَوَلِعَتْ به، وأشفقَتْ من فِرَاقِهِ، فأخَذَتْ مِنْطَقَةَ إِسحاق، وكانت متوارثةً عندهم، فنطَّقته بها مِنْ تَحْتِ ثيابه، ثم صاحَتْ، وقالتْ: إِني قَد فَقَدتُّ المِنْطَقَةَ، ويوسُفُ قد خَرَجَ بها، ففتَّشَتْ، فَوُجِدَتْ عنده، فاسترقته، حَسَبَ ما كان في شَرْعِهم، وبقي عنْدَها حَتَّى ماتَتْ، فصار عِنْدَ أبيه.
وقوله: فَأَسَرَّها يُوسُفُ: يعني: أسرَّ الحزَّة التي حَدَثَتْ في نفسه من قول الإِخوة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا ﴾ يَعْنِي: إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿ إنْ يَسْرِقْ ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ " فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ " يَعْنُونَ يُوسُفَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ لِلسّاقِي: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وقالَ لِلْعَزِيزِ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيل: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟
فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ وقالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿ إنَّكم لَسارِقُونَ ﴾ ، فَقالُوا: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ .
وَفِي ما عَنَوْا بِهَذِهِ السَّرِقَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ الطَّعامَ مِن مائِدَةِ أبِيهِ في سِنِي المَجاعَةِ، فَيُطْعِمُهُ لِلْمَساكِينِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ سَرَقَ مِكْحَلَةً لِخالَتِهِ، رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ، فَكَسَرَهُ وألْقاهُ في الطَّرِيقِ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ عَمَّةَ يُوسُفَ - وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ - كانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ، طَلَبَهُ يَعْقُوبُ، فَقالَتْ: ما أقْدِرُ أنْ يَغِيبَ عَنِّي، فَقالَ: واللَّهِ ما أنا بِتارِكِهِ، فَعَمَدَتْ إلى مِنطَقَةِ إسْحاقَ، فَرَبَطَتْها عَلى يُوسُفَ تَحْتَ ثِيابِهِ، ثُمَّ قالَتْ: لَقَدْ فَقَدْتُ مِنطَقَةَ إسْحاقَ، فانْظُرُوا مَن أخَذَها، فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ، فَأخْبَرَتْ يَعْقُوبَ ذَلِكَ، وقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ، فَقالَ: أنْتِ وذاكَ، فَما قَدَرَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ حَتّى ماتَتْ، فَذاكَ الَّذِي عَيَّرَهُ بِهِ إخْوَتُهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ جاءَهُ سائِلٌ يَوْمًا، فَسَرَقَ شَيْئًا، فَأعْطاهُ السّائِلَ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ.
وفي ذَلِكَ الشَّيْءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْضَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ شاةٌ، قالَهُ كَعْبٌ.
والثّالِثُ: دَجاجَةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ بَنِي يَعْقُوبَ كانُوا عَلى طَعامٍ، فَنَظَر يُوسُفُ إلى عِرْقٍ، فَخَبَّأهُ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ عَطِيَّة العَوْفِيُّ، وإدْرِيسُ الأوْدِيُّ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولَيْسَ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها ما يُوجِبُ السَّرِقَةَ، لَكِنَّها تُشْبِهُ السَّرِقَةَ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ.
والسّابِعُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿ فَقَدْ سَرَقَ ﴾ بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ بَعْدَ هَذا، وهي قَوْلُهُ: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ ، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي قالُوها في حَقِّهِ، وهي قَوْلُهم: ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أسَرَّ جَوابَ الكَلِمَةِ فَلَمْ يُجِبْهم عَلَيْها.
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الحُجَّةِ، المَعْنى: فَأسَرَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ في ادِّعائِهِمْ عَلَيْهِ السَّرِقَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شَرٌّ صَنِيعًا مِن يُوسُفَ لِما قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ مِن ظُلْمِ أخِيكم وعُقُوقِ أبِيكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: شَرٌّ مُنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَقُولُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِما تَكْذِبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ أسَرَقَ أخٌ لَهُ، أمْ لا؟
.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا اسْتَخْرَجَ الصُّواعَ مِن رَحْلِ أخِيهِ، نَقَرَ الصُّواعَ، ثُمَّ أدْناهُ مِن أُذُنِهِ، فَقالَ: إنَّ صُواعِي هَذا يُخْبِرُنِي أنَّكم كُنْتُمُ اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِأخٍ لَكم فَبِعْتُمُوهُ، فَقالَ بِنْيامِينُ: أيُّها المَلِكُ، سَلْ صُواعَك عَنْ أخِي، أحَيٌّ هو ؟
فَنَقَرَهُ، ثُمَّ قالَ: هُوَ حَيٌّ، وسَوْفَ تَراهُ، فَقالَ: سَلْ صُواعَكَ، مَن جَعَلَهُ في رَحْلِي ؟
فَنَقَرَهُ، وقالَ: إنَّ صُواعِي هَذا غَضْبانُ، وهو يَقُولُ: كَيْفَ تَسْألُنِي عَنْ صاحِبِي وقَدْ رَأيْتَ مَعَ مَن كُنْتُ ؟
فَغَضِبَ رُوبِيلُ، وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ إذا غَضِبُوا لَمْ يُطاقُوا، فَإذا مَسَّ أحَدُهُمُ الآخَرَ ذَهَبَ غَضَبُهُ، فَقالَ: واللَّهِ أيُّها المَلِكُ لَتَتْرُكَنّا، أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً لا يَبْقى بِمِصْرَ امْرَأةٌ حامِلٌ إلّا ألْقَتْ ما في بَطْنِها، فَقالَ يُوسُفُ لِابْنِهِ: قُمْ إلى جَنْبٍ رُوبِيلَ فامْسَسْهُ، فَفَعَلَ الغُلامُ، فَذَهَبَ غَضَبُهُ، فَقالَ رُوبِيلُ: ما هَذا ؟!
إنَّ في هَذا البَلَدِ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ ؟
قالَ يُوسُفُ: ومَن يَعْقُوبُ ؟
فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، لا تَذْكُرْ يَعْقُوبَ، فَإنَّهُ إسْرائِيلُ اللَّهِ بْنُ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ.
فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا إلى خَلاصِ أخِيهِمْ سَبِيلًا، سَألُوهُ أنْ يَأْخُذَ مِنهم بَدِيلًا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: في سِنِّهِ، وقِيلَ: في قَدْرِهِ، ﴿ فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ ﴾ أيْ: تَسْتَعْبِدُهُ بَدَلًا عَنْهُ.
﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فِيما مَضى.
والثّانِي: إنْ فَعَلْتَ.
﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [يُوسُفَ:٣٣] والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ نَأْخُذَ بَرِيئًا بِسَقِيمٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِإخْوَةِ يُوسُفَ، والأخِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو يُوسُفُ، ونَكَّرُوهُ تَحْقِيرًا لِلْأمْرِ؛ إذْ كانَ مِمّا لا عِلْمَ لِلْحاضِرِينَ بِهِ، ثُمَّ ألْصَقُوهُ بِبِنْيامِينَ إذْ كانَ شَقِيقَهُ.
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَقَّقُوا السَرِقَةَ في جانِبِ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ بِحَسَبَ ظاهِرِ الحُكْمِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ قَدْ سَرَقَ فَغَيْرُ بِدَعٍ مِنَ ابْنِي راحِيلَ؛ لِأنَّ أخاهُ يُوسُفَ كانَ قَدْ سَرَقَ، فَهَذا مِنَ الإخْوَةِ إنْحاءٌ عَلى ابْنِي راحِيلَ: يُوسُفَ وبِنْيامِينَ.
والوَجْهُ الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهم يَتَضَمَّنُ أنَّ السَرِقَةَ في جانِبِ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ مَظْنُونَةٌ، كَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا الَّذِي رُمِيَ بِهِ بِنْيامِينُ حَقًّا في نَفْسِهِ فالَّذِي رُمِيَ بِهِ يُوسُفُ قَبْلَ حَقٌّ إذا، وكَأنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ والظَنَّ بِهِ قَوِيٌّ عِنْدَهم أقْوى مِمّا ظَهَرَ في جِهَةِ بِنْيامِينَ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "التَقْدِيرُ: فَقَدْ قِيلَ عن يُوسُفَ إنَّهُ سَرَقَ"، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي لا يَنْطَبِقُ مَعْناهُ عَلى لَفْظِ الآيَةِ.
وَهَذِهِ الأقْوالُ مِنهم عَلَيْهِمُ السَلامُ إنَّما كانَتْ بِحَسْبَ الظاهِرِ ومُوجِبِ الحُكْمِ في النازِلِينَ، فَلَمْ يَعْنُوا في غَيْبَةٍ لِيُوسُفَ، وإنَّما قَصَدُوا الإخْبارَ بِأمْرٍ جَرى لِتَزُولَ بَعْضُ المَعَرَّةِ عنهم ويَخْتَصُّ بِها هَذانِ الشَقِيقانِ.
وأمّا ما رُوِيَ في سَرِقَةِ يُوسُفَ فَثَلاثَةُ وُجُوهٍ: الجُمْهُورُ مِنها عَلى أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ رَبَّتْهُ، فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ أخْذَهُ مِنها، فَوُلِعَتْ بِهِ وأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ، فَأخَذَتْ مِنطَقَةَ إسْحاقَ -وَكانَتْ مُتَوارَثَةً عِنْدَهُمْ- فَنَطَّقَتْهُ بِها مِن تَحْتِ ثِيابِهِ، ثُمَّ صاحَتْ وقالَتْ: إنِّي قَدْ فَقَدْتُ المِنطَقَةَ ويُوسُفُ قَدْ خَرَجَ بِها، فَفُتَّشَ فَوُجِدَتْ عِنْدَهُ، فاسْتَرَقَّتْهُ -حَسْبَما كانَ في شَرْعِهِمْ- وبَقِيَ عِنْدَها حَتّى ماتَتْ فَصارَ عِنْدَ أبِيهِ، وقالَ ابْنُ إدْرِيسَ عن أبِيهِ: إنَّما أكَلَ بَنُو يَعْقُوبَ طَعامًا فَأخَذَ يُوسُفُ عَرْقًا فَخَبَّأهُ فَرَمَوْهُ لِذَلِكَ بِالسَرِقَةِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: إنَّما أمَرَتْهُ أُمُّهُ أنْ يَسْرِقَ صَنَمًا لِأبِيها، فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ، وكانَ ذَلِكَ -مِنها ومِنهُ- تَغْيِيرًا لِلْمُنْكِرِ، وفي كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمٌ ذَهَبٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأسَرَّها ﴾ عائِدٌ يُرادُ بِهِ الحَزّازَةُ الَّتِي حَدَثَتْ في نَفْسِ يُوسُفَ مِن قَوْلِهِمْ، والكَلامُ يَتَضَمَّنُها، وهَذا كَما تَضَمَّنَ الكَلامُ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِ حاتِمٍ: لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَدْرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فَهو مُرادٌ بِها الحالَةُ المُتَحَصِّلَةُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: أسَرَّ المُجازاةَ، وقالَ قَوْمٌ: أسَرَّ الحُجَّةَ.
وما قَدَّمْناهُ ألْيَقُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَأسَرَّهُ يُوسُفُ " بِضَمِيرِ تَذْكِيرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ الآيَةُ.
الظاهِرُ مِنهُ أنَّهُ قالَها إفْصاحًا، فَكَأنَّهُ أسَرَّ لَهم كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ أيْ لِسُوءِ أفْعالِكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ إنْ كانَ ما وصَفْتُمُوهُ حَقًّا، وفي اللَفْظِ إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمْ، ومِمّا يُقَوِّي هَذا عِنْدِي أنَّهم تَرَكُوا الشَفاعَةَ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَلُوا إلى الشَفاعَةِ بِالشَيْخِ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ هَذا الكَلامَ إلّا في نَفْسِهِ، وإنَّما هو تَفْسِيرٌ لِلَّذِي أسَرَّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَذِهِ المَقالَةُ هي الَّتِي أسَرَّ، فَكَأنَّ المُرادَ: قالَ في نَفْسِهِ: "أنْتُمْ".
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ هُنا قَصَصًا اخْتِصارُهُ أنَّهُ لَمّا اسْتُخْرِجَتِ السِقايَةُ مِن رَحْلِ بِنْيامِينَ قالَ إخْوَتُهُ: يا بَنِي راحِيلَ، ألا يَزالُ البَلاءُ يَنالَنا مِن جِهَتِكُمْ؟!
فَقالَ بِنْيامِينُ: بَلْ بَنُو راحِيلَ يَنالَهُمُ البَلاءُ مِنكُمْ: ذَهَبْتُمْ بِأخِي فَأهْلَكْتُمُوهُ، ووَضَعَ هَذا الصُواعَ في رَحْلِي الَّذِي وضَعَ الدَراهِمَ في رِحالِكُمْ، فَقالُوا: لا تَذْكُرَ الدَراهِمَ وإلّا أُخِذْنا بِها، ثُمَّ دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَأخَذَ الصُواعَ فَنَقَرَهُ فَطَنَّ، فَقالَ: إنَّهُ يُخْبِرُ أنَّكم ذَهَبْتُمْ بِأخٍ لَكم فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ بِنْيامِينُ وقالَ: أيُّها العَزِيزُ، سَلْ صُواعَكَ هَذا يُخْبِرُكَ بِالحَقِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُ هَذا مِنَ القَصَصِ الَّذِي آثَرْنا اخْتِصارَهُ، ورُوِيَ أنْ رُوبِيلَ غَضِبَ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ، فَأمَرَ يُوسُفُ بُنَيًّا لَهُ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَقالَ رُوبِيلُ: لَقَدْ مَسَّنِي أحَدٌ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ إنَّهم تَشاوَرُوا في مُحارَبَةِ يُوسُفَ -وَكانُوا أهْلَ قُوَّةٍ لا يُدانُونَ في ذَلِكَ- فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفُ بِذَلِكَ قامَ إلى رُوبِيلَ فَلَبَّبَهُ وصَرَعَهُ، فَرَأوا مِن قُوَّتِهِ ما اسْتَعْظَمُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: أيُّها العَزِيزُ.
<div class="verse-tafsir"
لما بُهتوا بوجود الصُّوَاع في رحل أخيهم اعتراهم ما يعتري المبهوت فاعتذروا عن دعواهم تنزههم عن السرقة، إذ قالوا: ﴿ وما كنا سارقين ﴾ [سورة يوسف: 73]، عذراً بأن أخاهم قد تسرّبت إليه خصلة السرقة من غير جانب أبيهم فزعموا أن أخاه الذي أشيع فقده كان سرق من قبلُ، وقد علم فتيان يوسف عليه السلام أن المتهم أخ من أمّ أخرى، فهذا اعتذار بتعريض بجانب أمّ أخويهم وهي زوجة أبيهم وهي (راحيل) ابنة (لابان) خاللِ يعقوب عليه السلام.
وكان ليعقوب عليه السلام أربع زوجات: (راحيل) هذه أم يوسف عليه السلام وبنيامين؛ و(لِيئة) بنت لابان أخت راحيل وهي أم رُوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وبساكر، وزبولون؛ و(بُلْهَة) جارية راحيل وهي أم دانا، ونفتالي؛ و(زُلفة) جارية راحيل أيضاً وهي أم جاد، وأشير.
وإنما قالوا: قد سرق أخ له من قبل} بهتاناً ونفياً للمعرة عن أنفسهم.
وليس ليوسف عليه السلام سرقة من قبل، ولم يكن إخوة يوسف عليه السلام يومئذٍ أنبياء.
وشتان بين السرقة وبين الكذب إذا لم تترتب عليه مضرة.
وكان هذا الكلام بمسمع من يوسف عليه السلام في مجلس حكمه.
وقوله: ﴿ فأسرها يوسف ﴾ يجوز أن يعود الضمير البارز إلى جملة ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ على تأويل ذلك القول بمعنى المقالة على نحو قوله تعالى: ﴿ رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ [سورة المؤمنون: 99].
ويكون معنى أسرها في نفسه أنه تحملها ولم يظهر غضباً منها، وأعرض عن زجرهم وعقابهم مع أنها طعن فيه وكذب عليه.
وإلى هذا التفسير ينحو أبو علي الفارسي وأبو حيان.
ويكون قوله: قال أنتم شر مكانا } كلاماً مستأنفاً حكايةً لما أجابهم به يوسف عليه السلام صراحة على طريقة حكاية المحاورة، وهو كلام موجه لا يقتضي تقرير ما نسبوه إلى أخي أخيهم، أي أنتم أشدّ شرّاً في حالتكم هذه لأنّ سرقتكم مشاهدة وأما سرقة أخي أخيكم فمجرد دعوى، وفعل ﴿ قال ﴾ يرجح هذا الوجه.
ويجوز أن يكون ضمير الغيبة في ﴿ فأسرها ﴾ عائد إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ قال أنتم شر مكانا ﴾ .
وبهذا فسر الزجاج والزمخشري، أي قال في نفسه، وهو يشبه ضمير الشأن وَالقصة، لكن تأنيثه بتأويل المقولة أو الكلمة، وتكون جملة ﴿ قال أنتم شر مكانا ﴾ تفسيراً للضمير في ﴿ أسرها ﴾ .
والإسرار، على هذا الوجه، مستعمل في حقيقته، وهو إخفاء الكلام عن أن يسمعه سامع.
وجملة ﴿ ولم يبدها لهم ﴾ قيل هي توكيد لجملة ﴿ فأسرها يوسف ﴾ .
وشأن التوكيد أن لا يعطف.
ووجه عطفها ما فيها من المغايرة للتي قبلها بزيادة قيد لهم المشعر بأنه أبدى لأخيه أنهم كاذبون.
ويجوز أن يكون المراد لهم يُبدِ لهم غَضَباً ولا عقاباً كما تقدم مبالغة في كظم غيظه، فيكون في الكلام تقدير مضاف مناسب، أي لم يُبْد أثرها.
و ﴿ شرّ ﴾ اسم تفضيل، وأصله أشرّ، و ﴿ مكانا ﴾ تمييز لنسبة الأشَرّ.
وأطلق المكان على الحالة على وجه الاستعارة، والحالة هي السرقة، وإطلاق المكان والمكانة على الحالة شائع.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ في آخر سورة الأنعام (135)، وهو تشبيه الاتّصاف بوصف مّا بالحلول في مكان.
والمعنى أنهم لما علّلوا سرقة أخيهم بأن أخاه من قبل قد سرق فإذا كانت سرقة سابقة من أخ أعدّت أخاه الآخر للسرقة، فهم وقد سبقهم أخَوَانَ بالسرقة أجدر بأن يكونوا سَارقين من الذي سبَقه أخ واحد.
والكلام قابل للحمل على معنى أنتم شر حالة من أخيكم هذا والذي قبله لأنهما بريئان مما رميتموهما به وأنتم مجرمون عليهما إذ قذفتم أولهما في الجب، وأيدتم تهمة ثانيهما بالسرقة.
ثم ذيله بجملة والله أعلم بما تصفون}، وهو كلام جامع أي الله أعلم بصدقكم فيما وصفتم أو بكذبكم.
والمراد: أنه يعلم كذبهم، فالمراد: أعلم لحال ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وَفي هَذا القَوْلِ مِنهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عُقُوبَةٌ لِيُوسُفَ أجْراها اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَتِهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: لِيَتَبَرَّءُوا بِذَلِكَ مِن فِعْلِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أُمِّهِمْ وأنَّهُ إنْ سَرَقَ فَقَدْ جَذَبَهُ عِرْقُ أخِيهِ السّارِقِ؛ لِأنَّ في الِاشْتِراكِ في الأنْسابِ تَشاكُلًا في الأخْلاقِ.
وَفي السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوا يُوسُفَ إلَيْها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سَرَقَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ إلى أُمِّهِ مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ، وكَسَرَهُ وألْقاهُ في الطَّرِيقِ فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: كانَ مَعَ إخْوَتِهِ عَلى طَعامٍ فَنَظَرَ إلى عِرْقٍ فَخَبَّأهُ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ مِن طَعامِ المائِدَةِ لِلْمَساكِينِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّ عَمَّتَهُ وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ وإلَيْها صارَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِأنَّها كانَتْ في الكَبِيرِ مِن ولَدِهِ، وكانَتْ تَكْفُلُ يُوسُفَ، فَلَمّا أرادَ يَعْقُوبُ أخْذَهُ مِنها جَعَلَتِ المِنطَقَةَ، واتَّهَمَتْهُ فَأخَذَتْها مِنهُ، فَصارَتْ في حُكْمِهِمْ أحَقَّ بِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مِنها لِشِدَّةِ مَيْلِها وحُبِّها لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: أسَرَّ في نَفْسِهِ ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ الآيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ إسْحاقَ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْتُمْ شَرٌّ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى هَذِهِ السَّرِقَةِ.
الثّانِي: أنْتُمْ شَرٌّ صُنْعًا لِما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن ظُلْمِ أخِيكم وعُقُوقِ أبِيكم.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِما تَقُولُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِما تَكْذِبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ دَعا بِالصُّواعِ فَنَقَرَهُ ثُمَّ أدْناهُ مِن أُذُنِهِ ثُمَّ قالَ: إنَّ صُواعِي هَذا لَيُخْبِرُنِي أنَّكم كُنْتُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِأخٍ لَكم فَبِعْتُمُوهُ، فَلَمّا سَمِعَها بِنْيامِينُ قامَ وسَجَدَ لِيُوسُفَ وقالَ أيُّها المَلِكُ سَلْ صُواعَكَ هَذا عَنْ أخِي أحَيٌّ هو أمْ هالِكٌ؟
فَنَقَرَهُ، ثُمَّ قالَ: هو حَيٌّ وسَوْفَ تَراهُ.
قالَ: فاصْنَعْ بِي ما شِئْتَ، فَإنَّهُ إنْ عَلِمَ بِي سَيُنْقِذُنِي.
قالَ: فَدَخَلَ يُوسُفُ فَبَكى ثُمَّ تَوَضَّأ وخَرَجَ، فَقالَ بِنْيامِينُ: انْقُرْ صُواعَكَ لِيُخْبِرَكَ بِالَّذِي سَرَقَهُ فَجَعَلَهُ في رَحْلِي، فَنَقَرَهُ، فَقالَ: صُواعِي هَذا غَضْبانُ وهو يَقُولُ: كَيْفَ تَسْألُنِي عَنْ صاحِبِي وقَدْ رَأيْتَ مَعَ مَن كُنْتُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ قال: يعنون يوسف.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان أول ما دخل على يوسف عليه السلام من البلاء فيما بلغني، أن عمته، وكانت أكبر ولد إسحاق عليه السلام، وكانت إليها منطقة إسحق.
فكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان يعقوب حين ولد له يوسف عليه السلام، قد حضنته عمته، فكان معها وإليها.
فلم يحب أحد شيئاً من الأشياء كحبها إياه، حتى إذا ترعرع وقعت نفس يعقوب عليه السلام عليه، فأتاها فقال: يا أخية، سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة.
قالت: فوالله ما أنا بتاركته، فدعه عندي أياماً أنظر إليه، لعل ذلك يسليني عنه.
فلما خرج يعقوب من عندها، عمدت إلى منطقة إسحاق عليه السلام فحزمتها على يوسف عليه السلام من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحق، فانظروا من أخذها ومن أصابها.
فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت.
فكشفوهم فوجدوها مع يوسف عليه السلام، فقالت: والله إنه لسلم لي أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب عليه السلام فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك، فهو سلم لك؛ ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت عليها السلام.
فهو الذي يقول إخوة يوسف عليهم السلام، حين صنع بأخيه ما صنع: ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ .
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: سرق مكحلة لخالته.
وأخرج ابو الشيخ، عن عطية رضي الله عنه قال: سرق في صباه ميلين من ذهب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ قال: «سرق يوسف عليه السلام صنماً لجده أبي أمه من ذهب وفضة، فكسره وألقاه في الطريق، فعيره بذلك إخوته» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في الآية، قال: كانت أم يوسف عليه السلام أمرت يوسف عليه السلام أن يسرق صنماً لخاله كان يعبده، وكانت مسلمة.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال: سرقته التي عابوه بها: أخذ صنماً كان لأبي أمه، وإنما أراد بذلك الخير.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: كان يوسف عليه السلام غلاماً صغيراً مع أمه عند خال له، وهو يلعب مع الغلمان، فدخل كنيسة لهم فوجد تمثالاً لهم صغيراً من ذهب، فأخذه.
قال: وهو الذي عيره إخوته به ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عطية رضي الله عنه في الآية قال: كان يوسف عليه السلام معهم على الخوان، فأخذ شيئاً من الطعام فتصدق به.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه أنه سئل: كيف أخاف يوسف أخاه بأخذ الصواع وقد كان أخبره أنه أخوه، وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكراً لهم؟!...
مكايدهم حتى رجعوا فقال: إنه لم يعترف له بالنسب، ولكنه قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ﴾ قال: أسر في نفسه.
قوله: ﴿ أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ شر مكاناً ﴾ قال يوسف: يقول ﴿ والله أعلم بما تصفون ﴾ قال: تقولون.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن شيبة رضي الله عنه قال: لما لقي يوسف أخاه قال: هل تزوجت بعدي؟
قال: نعم.
وما شغلك الحزن علي؟
قال: إن أباك يعقوب عليه السلام قال لي: تزوج لعل الله أن يذرأ منك ذرية يثقلون، أو قال يسكنون الأرض بتسبيحة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ ﴾ الآية، قال الكلبي وغيره من المفسرين (١) ﴿ قَالُوا ﴾ أي: الإخوة ليوسف إن يسرق أي الصواع فقد سرق أخ له من قبل.
قال عطاء عن ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) قال ابن الأنباري (٨) (٩) (١٠) قال: "كذب إبراهيم ثلاث كذبات" (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ﴾ قال الفراء (١٢) قال ابن الأنباري (١٣) وقال أبو إسحاق (١٤) (١٥) (١٦) قال أبو علي (١٧) أحدهما: أن يفسر بمفرد كقولنا: نعم رجلاً زيد، ففي نعم ضمير فاعلها ورجلًا المنصوب تفسير لذلك الفاعل المضمر، وأضمر الفاعل لتفسير هذا المذكور له ودلالته عليه، ومثل هذا قولهم: ربه رجلاً، فرجل تفسير المضمر في رب كما كان تفسير المضمر في نعم، فهذان مفردان مضمران على شريطة التفسير، مفسران بمظهرين منكورين ولم يعلم غيرهما، هذا كلامه هاهنا، وقد قال في "الإيضاح": وقالوا: ربه رجلاً، فأضمروا معه قبل الذكر على شريطة التفسير، كما فعلوا ذلك في: نعم رجلاً، وإنما أدخلت رُبَّ على هذا الضمير، وهي إنما تدخل على النكرات من أجل أن هذا الضمير ليس بمقصود قصده، فلما كان غير معين أشبه النكرة، وهذه الهاء على لفظ واحد، وان وليها المذكر أو الاثنان أو الجماعة فهي موحدة، على كل حال رجعنا في كلامه إلى هذه المسألة.
قال: والآخر أن يفسر بجملة، وأصل هذا يقع بالابتداء كقوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ \[لإخلاص: 1\] المعنى القصة (١٨) ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ ، ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ﴾ وتفسير المضمر على شريطة التفسير في كلا الموضعين [متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره متعلق بها، وليس يكون في أحد الموضعين] (١٩) (٢٠) وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالذي ذكره أبو إسحاق (٢١) (٢٢) ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ وإما مفرد يفسر مفردًا من جملة [نحو: نعم رجلاً، وأما جملة تفسر مفردًا من جملة] (٢٣) ﴿ إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ أسر يوسف إجابتهم في نفسه في الوقت ﴿ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ﴾ في الحال إلى وقت ثان، وجاز إضمار ذلك؛ لأنه قد دل على إضمارها ما تقدم من مقالتهم، ويجوز أيضًا أن يكون إضمارًا للمقالة كأنه أسر يوسف مقالتهم، والمقالة والقول واحد في المعنى.
فإن قلت: كيف يسر هو مقالتهم؟
قيل: ليس معنى المقالة اللفظ، ولكن المعنى المقول، فيكون المصدر عبارة عن المقول، كما يقول (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ﴾ هذا يدل على صحة ما ذكره أبو علي؛ لأنه كيف يصح أن يقول أسَرّ يوسف هذه الكلمة، وقد أخبر الله تعالى أنه قد قال ذلك، إلا أن يحمل على أنه قال ذلك في نفسه من غير إظهار، وفي ذلك عدول عن الظاهر.
قال عطاء عن ابن عباس (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال أهل المعاني (٣٠) قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (١) الثعلبي 7/ 99 أ، الرازي 18/ 183.
(٢) "زاد المسير" 4/ 263.
(٣) الثعلبي 7/ 99 ب، البغوي 4/ 263.
(٤) "تفسير مقاتل" 156 ب.
(٥) و (¬6) الطبري 13/ 29، الثعلبي 7/ 99 أ، البغوي 4/ 263، ابن عطية 8/ 37، "زاد المسير" 4/ 263، القرطبي 9/ 239.
(٦) أخرجه ابن إسحاق عن مجاهد كما في "الدر" 4/ 53، وانظر: البغوي 4/ 263.
(٧) الطبري 13/ 29، وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 53، الثعلبي 7/ 99 ب، و"زاد المسير" 4/ 263، القرطبي 9/ 239.
(٨) "زاد المسير" 4/ 263.
(٩) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(١١) أخرجه البخاري (3257)، (3358) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ ، أخرجه مسلم (3269) في: كتاب الفضائل، باب: فضائل إبراهيم الخليل .
(١٢) "معاني القرآن" 2/ 52.
(١٣) "زاد المسير" 4/ 264.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.
(١٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (خ) وهو في (ب).
(١٧) "الإغفال" 2/ 897.
(١٨) كذا في جميع النسخ وفي "الإغفال": "القصة أبصار الذين كفروا" 2/ 897.
(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب)، (ج) وهو في (ي).
(٢٠) في "الإغفال": "التي تتضمن المضمر" 2/ 899.
(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.
(٢٢) ما بين المعقوفين من (ي).
(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وهو في (ب).
(٢٤) في "الإغفال" 2/ 904، "يكون الخلق عبارة عن المخلوق".
(٢٥) إلى هنا انتهى النقل عن "الإغفال" 2/ 904 بتصرف واختصار.
(٢٦) "زاد المسير" 4/ 264، القرطبي 9/ 240.
(٢٧) (الجب): زيادة من (ي).
(٢٨) في (ج): (وزعمكم).
(٢٩) "زاد المسير" 4/ 260.
(٣٠) ذكر هذا القول الثعلبي 7/ 100 أ، والطبري 16/ 200.
(٣١) القرطبي 9/ 240، وانظر: الرازى 18/ 185.
(٣٢) القرطبي 9/ 240، وانظر: الرازى 4/ 264.
(٣٣) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 280.
(٣٤) الطبري 16/ 200 الثعلبي 7/ 100، "زاد المسير" 4/ 264.
(٣٥) "معانىِ القرآن وإعرابه " 3/ 123.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ الضمير في قالوا لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم إن يسرق بنيامين، فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل لأمِنّا، وقصدوا بذلك رفع المعرّة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول: أن عمته ربته، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منطقة لها، ثم قالت إنه أخذها فاستعبدته بذلك وبقي عندها ألى أن ماتت، والثاني: أنه أخذ صمناً لجدّه والد أمه فكسره، والثالث: أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ﴾ قال الزمخشري: الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله: أنتم شرّ مكاناً، والمعنى قال في قوله: أنتم شر مكاناً وقال ابن عطية: الضمير للحرارة التي وجد في نفسه من قولهم فقد سرق أخ له من قبل وأسر كراهية مقالتهم ثم جاهرهم بقوله أنتم شر مكاناً أي لسوء أفعالكم ﴿ والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ إشارة إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أني أنا أخوك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بالإضافة وبياء الغيبة في الفعلين: سهل ويعقوب.
بالنون وبالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون وعلى الإضافة.
﴿ فلما استيأسوا ﴾ وبابه بالألف ثم الياء: أبو ربيعة عن البزي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة الباقون: بياء ثم همزة على الأصل ﴿ لي أبي ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وافق ابن كثير في أبي.
الوقوف: ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لسارقون ﴾ ه ﴿ تفقدون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه ﴿ سارقين ﴾ ه ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فهو جزاؤه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من وعاء أخيه ﴾ ط ﴿ ليوسف ﴾ ط ﴿ يشاء الله ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مكاناً ﴾ ج ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ مكانه ﴾ ج الثلاثة لانقطاع النظم مع اتصال المعنى المحسنين} ه عنده لا لتعلق "إذا" بما قبلها ﴿ لظالمون ﴾ ه ﴿ نجيا ﴾ ط ﴿ يوسف ﴾ ط للابتداء بالنفي مع فاء التعقيب ﴿ يحكم الله لي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء أو الحال ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ سرق ﴾ ج لانقطاع النظممع اتحاد القائل ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ أقبلنا فيها ﴾ ط لاختلاف الجملتين والابتداء بأنّ: ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: روي أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه.
فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته.
ثم أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معى فآواه إليه أي أنزله في المنزل الذي كان يأوي إليه: فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح.
ولما رأى تأسفه لأخ هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟
قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل: فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و ﴿ قال إني أنا أخوك ﴾ قال وهب: أراد إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس وعدم التوحش.
وقال ابن عباس وسائر المفسرين: أراد تعريف النسب لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة ﴿ فلا تبتئس ﴾ افتعال من البؤس الشدّة والضر أراد نهيه عن اجتلاب الحزن ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ من دواعي الحسد والأعمال المنكرة التي أقدموا عليها.
يروى أن بنيامين قال ليوسف: أنا لا أفارقك.
فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن أنسبك إلى ما ليس يحسن.
قال: أنا راض بما رضيت.
قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك أنك قد سرقته فذلك قوله ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ والسقاية مشربة يسقى بها وهي الصواع كان يسقى بها الملك أو الدواب ثم جعلت صاعاً يكال به.
وكان مستطيلاً من ذهب أو فضة مموهة بالذهب أو مرصعاً بالجواهر أقوال ﴿ ثم أذن مؤذن ﴾ نادى منادٍ ومعناه راجع إلى الإيذان والإعلام إلا أن التشديد يفيد التكثير أو التصويب بالنداء ﴿ أيتها العير ﴾ أراد أصحاب العير كقوله : "يا خيل الله اركبي" والعير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء.
وقيل: هي قافلة الحمير كأنها جمع عير وأصلها "فعل" بالضم كسقف فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء كما في "بيض" ثم كثر في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز لنبي الله أن يرضى بنسبة قومه إلى السرقة وهم برآء؟
وأجاب العلماء بأنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا السقاية غلب على ظنونهم أنهم أخذوها، أو المؤذن ذكر ما ذكر على سبيل الاستفهام، أو المراد أنهم سرقوا يوسف من أبيهم، أو المراد أن فيكم سارقاً وهو الأخ الذي رضي بذلك البهتان فلا ذنب لأن الخصم رضي بأن يقال في حقه ذلك.
ثم إن إخوة يوسف ﴿ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ﴾ قيل: صواع اسم للصاع والسقاية وصف ﴿ ولمن جاء به ﴾ أي بالصواع ﴿ حمل بعير ﴾ من طعام جعلاً لمن حصله ﴿ وأنا به زعيم ﴾ كفيل هو من قول المؤذن وفيه أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم أيضاً إذا كان معلوماً فكأن حمل بعير كان عندهم شيئاً معلوماً كوسق مثلاً إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهو كفالة ما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم ﴿ قالوا تالله ﴾ التاء مبدلة من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل.
حلفوا على أمرين معجبين: أحدهما أنهم علموا أن إخوة يوسف ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض بالنهب والغصب ونحو ذلك حتى روي أنهم دخلوا وأفواه دوابهم مشدودة خوفاً من أن تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد في الطرق والأسواق، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ورد المظالم حتى حكي أنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.
وثانيهما أنهم ما وصفوا قط بالسرقة.
﴿ قالوا ﴾ أي أصحاب يوسف: ﴿ فما جزاؤه ﴾ قال في الكشاف: الضمير للصواع والمضاف محذوف أي فما جزاء سرقته إن كنتم من الكاذبين في جحودكم وادعائكم البراءة؟
قلت: ويحتمل أن يعود إلى السارق، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في الجزاء حتى ﴿ قالوا جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي جزاؤه الرق.
قال الزجاج: وقوله ﴿ فهو جزاؤه ﴾ زيادة في البيان أي فأخد السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كما يقال حق السارق القطع جزاؤه لتقرر ما ذكر من استحقاقه، ويجوز أن يكون مبتدأ وباقي الكلام جملة شرطية مرفوعة المحل بالخبرية على أن الأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ليكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ والأول إلى "من" ولكنه وضع المظهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة.
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ جزاؤه ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه.
أما قوله: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء ﴿ نجزي الظالمين ﴾ فيحتمل أن يكون من بقية كلام إخوة يوسف وأن يكون من كلام أصحاب يوسف والله أعلم.
ثم قال لهم المؤذن ومن معه: لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ﴾ لنفي التهمة والوعاء كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به.
قال قتاة: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثماً مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا أخوه قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً.
فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فنظر.
﴿ ثم استخرجها ﴾ أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث.
﴿ من وعاء أخيه ﴾ فأخذوا برقبته وحكموا برقيته.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الكيد العظيم ﴿ كدنا ليوسف ﴾ يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه.
والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر مكروه ولا سبيل إلى دفعه، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه محمولة على النهايات لا على البدايات.
وما هذا الكيد؟
قيل: هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره والله نصره وقواه.
وقيل: الكيد يستعمل في الخير أيضاً والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء فعلنا به انتهاء وقيل: تفسير هذا الكيد هو قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ لأن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه بناء على دين الملك وحكمه.
ومعنى ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ هو أن الله كاد له فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ أخيه، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض الدينية والدنيوية.
ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم الشمس فقال: ﴿ نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ فوقه أرفع درجة منه في علمه.
ثم إن أطلق على الله أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصاً لأنه لا عليم فوقه، وإن قيل: إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص باقياً على عمومه، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع العلماء عليم هم دونه في العلم وهو الله والميل إلى هذا التفسير لأن قوله: ﴿ ذو علم ﴾ مشعر بكون علمه زائداً على حقيقته ووصفه عين ذاته، وفي هذا البحث طول وفي الرمز كفاية.
يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟
فقال: بنو راحيل هم الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم فعند ذلك ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ عنوا به يوسف.
واختلف في تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها.
وقيل: سرق عناقاً من أبيه أو دجاجة ودفعها إلى مسكين.
وقيل: كانت لإبراهيم منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته عمة يوسف فحضنت يوسف إلى أن شب فأراد يعقوب أن ينتزعه منها وكانت تحبه حباً شديداً فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه ثم زعمت أنه قد سرقها، وكان في شرعهم استرقاق السارق فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.
وقيل إنهم كذبوا عليه وبهتوه حسداً وغيظاً.
﴿ فأسرّها يوسف ﴾ قال الزجاج وغيره: الضمير يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل: فأسر الجملة في نفسه ولم يبدها لهم، ثم فسرها بقوله: ﴿ قال أنتم شر مكاناً ﴾ والمعنى أنه قال هذه الجملة على سبيل الخفية.
وطعن الفارسي في هذا الوجه فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل، والحق أن القرآن حجة على غيره.
وقيل: الضمير: عائد على الإجابة أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر.
وقيل: يعود إلى المقالة أو السرقة أي لم يبين يوسف أن تلك السرقة كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والعار.
وعن ابن عباس أنه قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: عوقب بالحبس لأجل همه بها، وبالحبس الطويل لقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وبقولهم: ﴿ فقد سرق أخ له من قبل ﴾ لقوله: ﴿ إنكم لسارقون ﴾ ومعنى ﴿ شر مكاناً ﴾ شر منزلة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم على التحقيق وقلتم أكله الذئب ﴿ والله أعلم بما تصفون ﴾ المراد أنه يعلم أني لست بسارق في التحقيق ولا أخي، أو الله أعلم بأن الذي وصفتموه هل يوجب ذماً أم لا.
قال ابن عباس: لما قال يوسف هذا القول غضب يهوذا وكان إذا غضب وصاح لم تسمع صوته حامل إلا وضعت وقام شعره على جلده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه.
فقال لبعض إخوته: اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف لابن صغير له: مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف رجله على الأرض ليريه أن شديد وجذبه فسقط فعند ذلك ﴿ قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً ﴾ في السن أو في القدر وهو أحب إليه منا ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ استعباداً أو رهناً حتى نبعث الفداء إليك فلعل العفو أو الفداء كان جائزاً أيضاً عندهم ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ لو فعلت ذلك أو من المحسنين إلينا بأنواع الكرامة ورد البضاعة إلى رحالنا أو أرادوا الإحسان إلى أهل مصر حيث أعتقهم بعدما اشترى رقابهم بالطعام ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ معاذ الله ﴾ من ﴿ أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً ﴾ أي إذا أخذنا غيره ﴿ لظالمون ﴾ في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد الصواع في رحله ظلم عندكم، أو أراد إن الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملاً بخلاف الوحي ﴿ فلما استيأسوا منه ﴾ حيث لم يقبل الشفاعة أي يئسوا والزيادة للبالغة.
﴿ خلصوا ﴾ اعتزلوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم ﴿ نجياً ﴾ مصدر والمضاف محذوف أي ذوي نجوى، أو المراد أنهم التناجي في أنفسهم لاستجماعهم بذلك واندفاعهم فيه بجد واهتمام كما يقال: رجل جور ورجال عدل، أو صفة لموصوف محذوف أي فوجاً نجياً بمعنى مناجياً بعضهم لبعض كالعشير بمعنى المعاشر.
وفيم كان تناجيهم؟
الجواب في تدبير أمرهم على أيّ وجه يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم فعند ذلك ﴿ قال كبيرهم ﴾ في السن وهو روبيل، أو في القدر وهو شمعون لأنه كان رئيسهم، أو في العقل والرأي وهو يهوذا.
وقوله: ﴿ ما فرطتم ﴾ إما أن تكون "ما" صلة أي ومن قبل هذا قصرتم ﴿ في ﴾ شأن ﴿ يوسف ﴾ ولم توفوا بعهدكم أباكم، وإما أن تكون مصدرية محله الرفع على الابتداء وخبره بالظرف تقديره ومن قبل تفريطكم أي وقع من قبل تقصيركم في حقه، أو النصب عطفاً على مفعول ألم تعلموا كأنه ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل، وإما أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في شأن يوسف من الجناية والخيانة ومحل الموصول الرفع أو النصب على الوجهين.
﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ فلن أفارق أرض مصر ﴿ حتى يأذن لي أبي ﴾ في الانصراف ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ بالخروج منها أو بالانتصاف من أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب.
ثم إنه بقي ذلك الكبير في مصر وقال لغيره من الإخوة.
﴿ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق ﴾ قاله بناء على ما شاهد من استخراج الصواع من وعائه، أو أراد أنه سرق في قول الملك وأصحابه كقول قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ أي في زعمك واعتقادك، أو المراد إن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة.
وإطلاق اسم أحد الشبيهين على الآخر جائز أو القوم ما كانوا حينئذ أنبياء فلا يبعد منهم الذنب.
وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ سرق ﴾ مشدداً مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة.
وعلى هذا فلا إشكال، ومما يدل على أنهم بنوا الأمر على الظاهر قوله ﴿ وما شهدنا إلا بما علمنا ﴾ أي إلا بقدر ما تيقناه من رؤية الصواع في وعائه ﴿ وما كنا للغيب ﴾ للأمر الخفي ﴿ حافظين ﴾ فإن الغيب لا يعلمه إلا الله.
وعن عكرمة أن الغيب الليل معناه لعل الصواع دس في رحله بالليل من حيث لا يشعر، أو ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق قاله مجاهد والحسن وقتادة، أو ما علمنا أنا إذا قلنا إن شرع بني إسرائيل هو استرقاق السارق أخذ أخونا بتلك الحيلة.
ثم بالغوا في إزالة التهمة فقالوا: ﴿ واسأل القرية التي كنا فيها ﴾ الأكثرون على أنها مصر.
وقيل: قرية على باب مصر وقع فيها التفتيش أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة ﴿ و ﴾ اسأل أصحاب ﴿ العير التي أقبلنا فيها ﴾ وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب.
وقيل: قوماً من أهل صنعاء.
وقال ابن الأنباري: إن يعقوب كان من أكابر الأنبياء فلا يبعد أن يحمل سؤال القرية على الحقيقة بأن ينطق الله الجمادات لأجله معجزة، فالمراد اسأل القرية والعير والجدران والحيطان فإنها تجبيك بصحة ما ذكرنا.
وقيل: إن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً فقد يقال سل عنه السماء والأرض وجميع الأشياء ويراد إنه ليس للشك فيه مجال.
ثم زادوا في تأكيد نفي التهمة قائلين ﴿ وإنا لصادقون ﴾ وليس غرضهم إثبات صدقهم فإن ذلك يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ولكن الإنسان إذا ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده أنا صادق فتأمل فيما ذكرته ليزول عنك الشك.
وههنا إضمار التقدير فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم فعند ذلك: ﴿ قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ وقد مر تفسيره في أول السورة.
ولكن المفسرين زادوا شيئاً آخر فقيل: المراد أنه خيل إليكم أنه سرق وما سرق.
وقيل: أراد سوّلت لكم أنفسكم إخراج بنيامين والمسير به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم عليّ في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله ربما جاء على خلاف تقديركم.
وقيل: أراد فتواهم وتعليمهم وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته.
واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز على يعقوب السعي في إخفاء حكم الله ؟
وأجيب بأن ذلك الحكم لعله كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق له مسلماً وكان الملك في ظن يعقوب كافراً، ولما طال بلاؤه ومحنته علم بحسن الظن والرجاء أنه سيجعل له فرجاً ومخرجاً عما قريب، أو لعله علم بالوحي أن يوسف حي وكان بنيامين والكبير الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ قد بقيا في مصر فلذلك قال: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم ﴾ أي بالثلاثة الغائبين ﴿ جميعاً إنه هو العليم ﴾ بحالي ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما يفعله من الابتلاء والإبلاء.
التأويل: لما دخل الأوصاف البشرية ومعهم السر ﴿ على يوسف ﴾ القلب ﴿ آوى ﴾ القلب السر ﴿ إليه ﴾ لأنه أخوه الحقيقي بالمناسبة الروحانية ﴿ فلا تبتئس ﴾ إذا وصلت بي ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ معك في مفارقتي لأن السر مهما كان مفارقاً من قلب مقارناً للأوصاف كان محروماً عن كمالات هو مستعد لها ﴿ فلما جهزهم ﴾ جهز القلب الأوصاف بما يلائم أحوالها ﴿ جعل السقاية ﴾ وهي مشربة كان منها شربه ﴿ في رحل أخيه ﴾ لأنهما رضيعا لبان واحد ﴿ إنكم لسارقون ﴾ سرقتم في الأول يوسف القلب وشريتموه بثمن بخس من متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في الآخر مشربة ليست من مشاربكم، وفيه أن من ادعى الشرب من مشارب الرجال وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واستردت منه ﴿ ولمن جاء به حمل بعير ﴾ من علف الدواب ومراتع الحيوانات لأنه ليس مستحقاً للشرب من مشارب الملوك ﴿ لقد علمتم ﴾ أن المقبولين المقبلين على يوسف القلب لا نريد الإفساد في أرض الدنيا كما قالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما كنا سارقين ﴾ إذ أخذنا يوسف القلب وألقيناه في غيابة الجب البشرية بل سعينا في أن ينال مملكة مصر العبودية ليكون عزيزاً فيها ونحن أذلاء له ﴿ جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي لكل شارب مشرب ولكل شرب فدية.
ففدية الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته وكسبه، وفدية الشارب من مشرب الآخرة الدنيا وشهواتها، وفدية الشارب من شرب المحبة بذل الوجود ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعاً في أن يكونوا حريف الملك وشريبه ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ أي كما كاد الأوصاف البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذ ألقوه في جب البشرية كدنا بهم عند قسمة الأقوات من خزانة الملك فجعلنا قسمتهم من مراتع الحيوانات يأكلون كما تأكل الأنعام، وقسمة بنيامين السر من مشربة الملك.
﴿ وفوق كل ذي علم ﴾ آتيناه علم الصعود ﴿ عليم ﴾ بجذبه من المصعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا يصعد إليه إلا بالعلم القديم وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا صواع لا تسعه أوعية الإنسانية ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ فيه إشارة إلى السر والقلب مع أنهما مخصوصان بالحظوظ الأخروية والروحانية فإنهم قابلان للاسترقاق من الشهوات الدنياوية والنفسانية ولما رأت الأوصاف البشرية عزة القلب وعرفت اختصاص البشرية أرادت أن تفدي نفسها وسيلة إلى يعقوب الروح فقالت: ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ ﴿ قال معاذ الله ﴾ أن نقبل بالصحبة والمخالطة ﴿ إلا من وجدنا متاعنا ﴾ من الصدق والمحبة والإخلاص عنده أي لا تكون صحبتنا بالكراهية والنفاق وإنما تكون بعلة الجنسية ﴿ فلما استيأسوا ﴾ من صحبة القلب ﴿ خلصوا ﴾ عن الأوصاف الذميمة للتناجي ﴿ قال كبيرهم ﴾ هو العقل ألم تعلموا أن أباكم وهو الروح ﴿ قد أخذ عليكم موثقاً من الله ﴾ يوم الميثاق أن لا تعبدوا إلا الله ﴿ فلن أبرح ﴾ أرض فناء القلب وهي الصدر.
والحاصل أن صفة العقل لما تخلصت عن الأوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها وصارت محكومة لأوامر الروح مستسلمة لأحكام الحق.
﴿ ارجعوا إلى أبيكم ﴾ الروح على أقدام العبودية وتبديل الأخلاق ﴿ إن ابنك سرق ﴾ لأنه وجد في رحله مشربة المحبة التي بها يكال الحب على وفده.
﴿ وما كنا للغيب ﴾ عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة ﴿ حافظين ﴾ لأنه جعل السقاية في رحله في غيبتنا.
﴿ واسأل ﴾ أهل مصر الملكوت وأرواح الأنبياء والأولياء ﴿ قال بل سولت ﴾ فيه أن للنفس تزيينات وللأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح لكن عليه أن يصبر على إمضاء أحكام الله وتنفيذ قضائه ﴿ عسى الله أن يأتيني ﴾ فيه أن متولدات الروح من القلب والأوصاف وغيرها وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد للاستكمال فإن الله بجذبات العناية يجمعهم في مقعد صدق عنده مليك مقتدر ﴿ إنه هو العليم ﴾ بافتراقهم ﴿ الحكيم ﴾ بما في التفريق والجمع من الفوائد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: يحتمل أنهم لما دخلوا البلد الذي فيه دعا يوسف أخاه وحن إليه ويحتمل أنهم دخلوا جميعاً على يوسف؛ فضم أخاه إلى نفسه؛ فقال: إني أنا أخوك.
قال بعضهم أهل التأويل لم يقل [له]: أنا أخوك: بالنسبة؛ ولكنه قال: أنا أخوك: مكان أخيك الهالك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ .
يقول: لا تحزن.
﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: يحتمل: لا تبتئس بما كان عمل إخوتك؛ كأنه لما دعاه فضمه إلى نفسه - شكا إليه من إخوته؛ فقال عند ذلك: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
ويحتمل: [فلا] تبتئس بما يعمل بك هؤلاء؛ أي: خدمه وعماله، كأنه أخبره بما كان يريد أن يكيد بهم؛ من جعل الصاع في رحله؛ فقال: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ بك؛ لأنه لا يجوز أن يجعل أخاه متهماً، يقرف به من غير أن ظهر منه شيء؛ وقد أخبره أنه أخوه.
والله أعلم.
دلَّ أنه أراد أن يعْلمه ما يريد أن يكيد بهم؛ ليكون هو على علم من ذلك.
[وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ ﴾ هو ما يهيأ للخروج؛ ولذلك يقال لمتاع المرأة: جهاز] وقوله: - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﴾ .
السقاية: قيل: هي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، وقيل: هو الصاع الذي كان يكال به الطعام؛ ولكن لا نعلم ما كان ذلك سوى أنا نعلم أنها كانت ذات قيمة وثمن؛ ألا ترى أن ذلك الرسول قال: ﴿ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴾ فلولا أنها كانت ذات قيمة وثمن وإلا لم يعط لمن جاء به حمل بعير الطعام، وكان قيمة الطعام عندهم في ذلك الوقت ما كان.
﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ .
أي: نادى مناد: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ .
لا يحتمل أن يكون يوسف يأمر رسوله أن يقول لهم: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ ؛ وقد علم أنهم ليسوا بسارقين، ولكن قال لهم ذلك المنادي الذي ناداه - والله أعلم -: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ من نفسه، وهو من بعض من يتولى كيل الطعام على الناس، وأمثاله لا يبالون الكذب [أو قال] لهم ذلك قوم كانوا بحضرتهم: ﴿ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ .
أو أن يكون على الاستفهام والتقرير.
فإن كان [هذا] - فهو يحتمل من يوسف؛ وأما غيره فلا؛ لأنه كذب.
وضم يوسف أخاه يحتمل وجهين: يحتمل لمكان سؤاله إياهم أن يأتوا به، أو لمكان فضله ومنزلته ليعلموا أن ما كان ليوسف وأخيه عند أبيهم من فضل المحبة والمنزلة من الله؛ إذ جعل ذلك لهما عند الملك وغيره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ ﴾ .
أي: إناء الملك؛ سمّاه مرةً صاعاً؛ ومرةً سقاية، فيجوز أن يستعمل في الأمرين جميعاً؛ في الاستسقاء والكيل جميعاً.
﴿ قَالُواْ ﴾ - لمناديه - ﴿ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴾ .
قال أبو عوسجة: أي أضللتم؛ يقال: افتقدتك وتفقدتك أي: تعهدتك.
وقال القتبي: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ : هو من البؤس، والسقاية: المكيال؛ وقيل: مشربة الملك، وصواع الملك؛ وصاعه - واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴾ .
قيل: ضمينٌ لذلك الطعام؛ وكفيل به.
والزعيم: كأنه أيضاً اسم لرئيس من القوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل أنهم قالوا ذلك؛ لأنكم رددتم إلينا الدراهم وجعلتم في أوعيتنا، ثم رددنا عليكم؛ مخافة أن نعرف بالسرقة والفساد في الأرض؛ فكيف تقرفونا بهذا؟!
والثاني: أنكم تعلمون أنا أبناء النبي والرسول، والأنبياء لا يكون منهم السرقة و [لا] الفساد في الأرض، ومثل هذا لم يظهر في أهل بيتنا قط ولا قرفنا به؛ فيكف قرفتمونا بهذا؟!
والثالث: أنكم تروننا صَوّامين قوامين؛ ومن هذا فعله ورأيه فإنه لا يتهم بالسرقة.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لما رأوهم دخلوا من أبواب متفرقة، ولو كانوا سراقاً لدخلوا مجموعين؛ لأن عادة السُّراق الاجتماع لا التفرق.
ثم قالوا: ﴿ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ ﴾ .
أي: إن كان فيكم من يكذب ويظهر ذلك منه؛ فما جزاؤه؟.
﴿ قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ أي يصير رقيقاً مملوكاً بها له، أو يصير محبوساً بها عنده.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ .
ظاهر هذا الكلام: أن يكون يوسف هو الذي فتش أوعيتهم، وطلب ذلك فيها؛ حيث نسب ذلك إليه بقوله: ﴿ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ .
لكنه نسب إليه؛ لمّا بأمْرِهِ فُتِّشَ؛ إِذ الملوك لا يتولون ذلك بأنفسهم وفيه أنه قد فصل بينهم وبين بنيامين؛ حيث سمَّى هذا أخاه، ولم يسم أولئك؛ بقوله: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ ، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه قد ذكر لهذا أنه أخوه؛ حيث قال له: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ ﴾ ؛ ولم يذكر لأولئك فسمى هذا أخاً له، ونسب إليه بالأخوة؛ لما كان ذكر له، ولم يسم أولئك؛ لما لم يذكر لهم أنه أخوهم.
والثاني: أنه لم يكن لهذا - أعني بنيامين لمكان يوسف - سوء صنيع، ولا شر، بل هو على الأخوة والصداقة التي كانت بينه وبينه.
وأمَّا أولئك - أعني غيره من الإخوة - فقد كان منهم إليه ما كان من سوء صنيعهم، وقبح فعالهم؛ فيخرج ذلك مخرج التبري من الإخوة بسوء ما كان منهم إليه؛ وهو [كقوله لنوح] - - حين قال: ﴿ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ﴿ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ نفى أن يكون من أهله؛ بسوء عمله وفعله؛ غير صالح.
فعلى ذلك الأول يشبه أن يكون على هذا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ .
دل هذا أنه قد كان منه أيضاً التفتيش والطلب في وعاء أخيه؛ على ما كان في أوعيتهم [لا يستخرجها] على غير تفتيش.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: يحتمل ﴿ كَذٰلِكَ كِدْنَا ﴾ أي علمنا يوسف - من أول الأمر إلى آخره - ما يكيد ويحتال في إمساك أخيه عنده ومنعه عنهم؛ لأن يخلو لهم وجه أبيهم جزاء ما طلبوا هم: أن يخلو لهم وجه أبيهم؛ بتغييب يوسف عن أبيه؛ لأن أباهم قال: ﴿ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ فلما بلغه ذلك الخبر - تولى عنهم؛ وهو قوله: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ...
﴾ الآية [يوسف: 84]؛ هذا - والله أعلم - جزاء كيدهم الذي كادوا بيوسف ليخلو لهم وجه أبيهم؛ ليتولى عنهم أبوهم، هذا يشبه أن يكون.
والثاني: ﴿ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ أي: علمناه أن كيف يفتش أوعيتهم لئلا يشعروهم أنه عن علم استخرجها من وعاء أخيه؛ لا عن جهل وظن، فعلمه البداية في التفتيش بأوعيتهم؛ لئلا يقع عندهم أنه عن علم ويقين يأخذه.
يشبه - والله أعلم - أن يخرج قوله: ﴿ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ على هذين الوجهين.
أو ﴿ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ أي: أمرنا يوسف بالكيد بهم؛ جزاء ما عملوا بمكانه لما اهتموا بإمساك أخيهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ ﴾ .
أي في حكم الملك، ذكر أن حكم إخوة يوسف وقضاءهم فيهم: أن من سرق يكون عبداً بسرقته للمسروق منه، ويستعبد بسرقته، ومن حكم الملك: أن يغرم السارق ضعفي ما سرق؛ ويضرب ويؤدب؛ ثم يخلى عنه، ولا نعلم ما حكم الملك في السرقة، سوى أنه أخبر أن ليس له أخذ أخيه في دين الملك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، أو يجعل له حق الأخذ وحبسه؛ وإن لم يكن ذلك في حكمه.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ على ما كان من إبراهيم: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ الآية [الأنعام: 80] وكان الأنبياء - عليهم السلام - يذكرون الثنيا على حقيقة المشيئة، أو يقول: إلا أن يكون في علم الله مني زلة؛ فأستوجب عند ذلك الكون في دين ذلك الملك؛ فيشاء ما علم مني، وكذلك قول إبراهيم حيث قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ أي: لا أخاف ما تشركون به؛ إلا أن يكون مني ما أستوجب ذلك بزلة؛ فيشاء الله ذلك مني.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ .
الدرجات: هن الفضائل؛ يرفع بعضهم فوق بعض بالنبوة والعلم، وفي كل شيء.
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ .
ما من عالم وإن لطف علمه وكثر إلا قد يكون فوقه من هو ألطف علماً منه وأكثر وأعلم في شيء أو يكون قوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ وهو الله ؛ فوق كل ذي علم؛ يعلمهم العلم، والله أعلم.
من يقول: إنه عالم إلا بعلم يحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث قال: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أثبت لغيره العلم ولم يذكر لنفسه؛ بل قال: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ؛ لكنه إذا قال: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أثبت العلم ولأنه إذا قال: وفوق كل العلماء عليم يكون كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: كانت سرقته: أنه كان صنم من ذهب لجده أبي أمّه يعبده؛ فسرق ذلك منه لئلا يُعْبَدَ دون الله، ولكنا لا نعلم ذلك؛ ونعلم أنهم كذبوا في قولهم ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ وأرادوا أن يتبرءوا منه، وينفوا ذلك عن أنفسهم، ليعلم أنه ليس منهم.
فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ﴿ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ عند الله.
قيل: إن يوسف أسر هذه الكلمة في نفسه؛ لم يظهرها لهم أو أسر ما اتهموه بالسرقة.
وجائز أن يكون قولهم: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ خاطبوا به أخاه بنيامين دون يوسف: [إن سرقت] فقد سرق أخ له من قبل؛ يقولون فيما بينهم.
وقد ذكر في بعض الحروف: (إِن يسرق فقد سُرِّقَ أخ لهم من قَبل) بالتشديد فإن ثبت؛ فالتأويل هو لقولهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي: أنتم شر صنعاً بيوسف.
﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ من الكذب أنه سرق أخ له من قبل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ .
أرادوا والله أعلم أن يرقّوا قلبه بهذا، ﴿ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ﴾ لما يكون قلب الشيخ بولده الصغير أميل؛ وهو عنده آثر وأكثر منزلة منا.
﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
لما أحسن إليهم في الكيل؛ والإنزال في المنزل والضيافة والقرى؛ قد رأوه وعلموه محسناً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ﴾ .
قيل: هذا قول يوسف.
﴿ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ أي أعوذ بالله ﴿ أَن نَّأْخُذَ ﴾ ونحبس بالسرقة ﴿ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ﴾ فإن قيل: كيف تعوذ على ترك أخذه؛ وأخذ غيره مكانه، ولم يكن وجب له حق الأخذ؛ إذ لم يكن سرقه وإنما يتعوذ على ترك ما لا يسع تركه؟
قيل: إنه لم يتعوذ على ترك أخذ أخيه، إنما تعوذ على أخذ غير من وجد المتاع عنده.
﴿ إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ ﴾ عندكم لو أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده؛ إذ في حكمهم أخذ من سرق بالسرقة والحبس بها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال إخوة يوسف: إن يسرق فلا عجب، فقد سرف أخ له شقيق من قبل سرقته هو، يعنون يوسف - -، فأخفى يوسف تأذّيه بقَوْلَتِهم هذه، ولم يظهرها لهم، قال لهم في نفسه: ما أنتم عليه من حسدٍ وصنيع سوءٍ سبق منكم، هو الشر بعينه في هذا المقام، والله تعالى أعلم بهذا الافتراء الذي يصدر منكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.zyl7o"