الآية ٧٦ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٧٦ من سورة يوسف

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 121 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ، أي فتشها قبله ، تورية ، ( ثم استخرجها من وعاء أخيه ) فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم وإلزاما لهم بما يعتقدونه; ولهذا قال تعالى : ( كذلك كدنا ليوسف ) وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه ، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة .

وقوله : ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) أي : لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر ، قاله الضحاك وغيره .

وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه ، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم; ولهذا مدحه تعالى فقال : ( نرفع درجات من نشاء ) كما قال تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ) [ المجادلة : 11 ] .

( وفوق كل ذي علم عليم ) قال الحسن البصري : ليس عالم إلا فوقه عالم ، حتى ينتهي إلى الله عز وجل .

وكذا روى عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، عن عبد الأعلى الثعلبي ، عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس فتحدث بحديث عجيب ، فتعجب رجل فقال : الحمد لله فوق كل ذي علم عليم [ فقال ابن عباس : بئس ما قلت ، الله العليم ، وهو فوق كل عالم ] وكذا روى سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( وفوق كل ذي علم عليم ) قال : يكون هذا أعلم من هذا ، وهذا أعلم من هذا ، والله فوق كل عالم .

وهكذا قال عكرمة .

وقال قتادة : ( وفوق كل ذي علم عليم ) حتى ينتهي العلم إلى الله ، منه بدئ وتعلمت العلماء ، وإليه يعود ، وفي قراءة عبد الله " وفوق كل عالم عليم " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ففتش يوسف أوعيتهم ورحالهم، طالبًا بذلك صواعَ الملك , فبدأ في تفتيشه بأوعية إخوته من أبيه , فجعل يفتشها وعاء وِعاءً قبل وعاء أخيه من أبيه وأمه , فإنه أخّر تفتيشه , ثم فتش آخرها وعاء أخيه , فاستخرج الصُّواع من وعاء أخيه .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19559- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة قوله: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه) ، ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثمًا مما قذفهم به , حتى بقي أخوه , وكان أصغر القوم، قال: ما أرى هذا أخذ شيئًا!

قالوا: بلى فاستبْرِهِ!

(18) ألا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم (ثم استخرجها من وعاء أخيه).

19560- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة قال: (فاستخرجها من وعاء أخيه)، قال: كان كلما فتح متاعًا استغفر تائبًا مما صنع , حتى بلغ متاعَ الغلام , فقال: ما أظن هذا أخذ شيئًا!

قالوا: بلى , فاستَبْره!

19561- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي قال، (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه) ، فلما بقي رحل الغلام قال: ما كان هذا الغلام ليأخذه‍!

قالوا: والله لا يترك حتى تنظر في رحله , لنذهب وقد طابت نفسك.

فأدخلَ يده فاستخرجه من رحله.

(19) 19562- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: لما قال الرسول لهم: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ، قالوا: ما نعلمه فينَا ولا معنَا .

قال: لستم ببارحين حتى أفتّش أمتعتكم، وأعْذِر في طلبها منكم!

فبدأ بأوعيتهم وعاء وعاءً يفتشها وينظر ما فيها , حتى مرّ على وعاء أخيه ففتشه , فاستخرجها منه , فأخذ برقبته , فانصرف به إلى يوسف .

يقول الله: (كذلك كدنا ليوسف).

19563- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج قال: ذُكر لنا أنه كان كلما بَحَث متاع رجل منهم استغفر ربه تأثمًا , قد علم أين موضع الذي يَطْلُب!

حتى إذا بقي أخوه، وعلم أن بغيته فيه، قال: لا أرى هذا الغلام أخذه , ولا أبالي أن لا أبحث متاعه !

قال إخوته: إنه أطيبُ لنفسك وأنفسنا أن تستبرئ متاعه أيضًا .

فلما فتح متاعه استخرج بغيته منه، قال الله: (كذلك كدنا ليوسف).

* * * واختلف أهل العربية في الهاء والألف اللتين في قوله: (ثم استخرجها من وعاء أخيه) .

فقال بعض نحويي البصرة: هي من ذكر " الصواع ", قال: وأنّث وقد قال: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ، لأنه عنى " الصواع " .

قال، و " الصواع "، مذكر , ومنهم من يؤنث " الصواع "، وعني ههنا " السقاية " , وهي مؤنثة .

قال: وهما اسمان لواحد، مثل " الثوب " و " الملحفة "، مذكر ومؤنث لشيءٍ واحدٍ .

* * * وقال بعض نحويي الكوفة في قوله: (ثم استخرجها من وعاء أخيه) ، ذهب إلى تأنيث " السرقة ".

قال: وإن يكن " الصواع " في معنى " الصاع " (20) فلعل هذا التأنيث من ذلك .

قال، وإن شئت جعلته لتأنيث السقاية .

قال: و " الصواع " ذكر , و " الصاع " يؤنث ويذكر , فمن أنثه قال، ثلاث أصوُع , مثل ثلاث أدور , ومن ذكره قال " أصواع " , مثل أبواب .

* * * وقال آخر منهم: إنما أنّث " الصواع " حين أنث لأنه أريدت به " السقاية "، وذكّر حين ذكّر , لأنه أريد به " الصواع " .

قال: وذلك مثل " الخوان " و " المائدة " , و " سنان الرمح " و " عاليته " , وما أشبه ذلك من الشيء الذي يجتمع فيه اسمان: أحدهما مذكر , والآخر مؤنث .

* * * وقوله: (كذلك كدنا ليوسف) ، يقول: هكذا صنعنا ليوسف، (21) حتى يخلص أخاه لأبيه وأمه من إخوته لأبيه , بإقرارٍ منهم أن له أن يأخذه منهم ويحتبسه في يديه، ويحول بينه وبينهم.

وذلك أنهم قالوا، إذ قيل لهم: (ما جزاؤه إن كنتم كاذبين) : جزاءُ من سرق الصُّواع أن من وجد ذلك في رحله فهو مستَرَقٌّ به , وذلك كان حكمهم في دينهم .

فكاد الله ليوسف كما وصف لنا حتى أخذ أخاه منهم , فصار عنده بحكمهم وصُنْعِ الله له .

* * * وقوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله) ، يقول: ما كان يوسف ليأخذ أخاه في حكم ملك مصر وقضائه وطاعته منهم , لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يسترقّ أحد بالسَّرَق , فلم يكن ليوسف أخذ أخيه في حكم ملك أرضه، إلا أن يشاء الله بكيده الذي كاده له , حتى أسلم من وجد في وعائه الصواع إخوتُه ورفقاؤه بحكمهم عليه، وطابت أنفسهم بالتسليم .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19564- حدثنا الحسن قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، إلا فعلة كادها الله له , فاعتلّ بها يوسف.

19565- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19566- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (كذلك كدنا ليوسف) كادها الله له , فكانت علَّةً ليوسف.

19567- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: (ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله) ، قال: إلا فعلة كادها الله، فاعتلّ بها يوسف ، قال حدثني حجاج , عن ابن جريج قوله: (كذلك كدنا ليوسف) ، قال، صنعنا.

19568- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: (كذلك كدنا ليوسف) ، يقول: صنعنا ليوسف.

19569- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (كذلك كدنا ليوسف) ، يقول: صنعنا ليوسف * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) .

فقال بعضهم: ما كان ليأخذ أخاه في سلطان الملك .

*ذكر من قال ذلك: 19570- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، يقول: في سلطان الملك.

19571- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ , يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، يقول: في سلطان الملك.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: في حكمه وقضائه .

*ذكر من قال ذلك: 19572- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله) ، يقول: ما كان ذلك في قضاء الملك أن يستعبد رجلا بسرقة.

19573- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (في دين الملك) ، قال: لم يكن ذلك في دين الملك ، قال: حكمه.

19574- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح محمد بن ليث المروزي , عن رجل قد سماه , عن عبد الله بن المبارك , عن أبي مودود المديني قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ، (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، قال: دين الملك لا يؤخذ به من سرق أصلا ولكن الله كاد لأخيه , حتى تكلموا ما تكلموا به , فأخذهم بقولهم , وليس في قضاء الملك.

(22) 19575- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق , عن معمر قال: بلغه في قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، قال: كان حكم الملك أن من سَرَق ضوعف عليه الغُرْم.

19576- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدى: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، يقول: في حكم الملك.

19577- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) : ، أي: بظلم , ولكن الله كاد ليوسف ليضمّ إليه أخاه .

19578- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد , في قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) ، قال: ليس في دين الملك أن يؤخذ السارق بسرقته .

قال: وكان الحكم عند الأنبياء، يعقوب وبنيه، أن يؤخذ السارق بسرقته عبدًا يسترقّ.

* * * قال أبو جعفر: وهذه الأقوال وإن اختلفت ألفاظ قائليها في معنى " دين الملك " , فمتقاربة المعاني , لأن من أخذه في سلطان الملك عامله بعمله , فبرضاه أخذه إذًا لا بغيره , (23) وذلك منه حكم عليه , وحكمه عليه قضاؤه .

* * * وأصل " الدين "، الطاعة.

وقد بينت ذلك في غير هذا الموضع بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(24) * * * وقوله: (إلا أن يشاء الله) كما:- 19579- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: (إلا أن يشاء الله) ، ولكن صنعنا له، بأنهم قالوا: فَهُوَ جَزَاؤُهُ .

19580- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (إلا أن يشاء الله) إلا بعلة كادَها الله , فاعتلَّ بها يوسف.

* * * وقوله: (نرفع درجات من نشاء) ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: " نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ" بإضافة " الدرجات " إلى " من " بمعنى: نرفع منازل من نشاء رفع منازله ومراتبه في الدنيا بالعلم على غيره , كما رفعنا مرتبة يوسف في ذلك ومنـزلته في الدنيا على منازل إخوته ومراتبهم .

(25) * * * وقرأ ذلك آخرون: ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ) بتنوين " الدرجات ", بمعني: نرفع من نشاء مراتب ودرجات في العلم على غيره , كما رفعنا يوسف .

فـ" مَنْ" على هذه القراءة نصبٌ , وعلى القراءة الأولى خفض .

وقد بينا ذلك في" سورة الأنعام " .

(26) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19581- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريح قوله: (نرفع درجات من نشاء) ، يوسف وإخوته، أوتوا علمًا , فرفعنا يوسف فوقهم في العلم.

* * * وقوله: (وفوق كل ذي علم عليم) ، يقول تعالى ذكره: وفوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله .

وإنما عنى بذلك أنّ يوسف أعلم إخوته , وأنّ فوق يوسف من هو أعلم من يوسف , حتى ينتهي ذلك إلى الله .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19582- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عامر العقدي قال، حدثنا سفيان , عن عبد الأعلى الثعلبي , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , أنه حدّث بحديث , فقال رجل عنده: (وفوق كل ذي علم عليم) ، فقال ابن عباس: بئسما قلت !

إن الله هو عليم , وهو فوق كل عالم.

19583- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، عن سفيان , عن عبد الأعلى , عن سعيد بن جبير قال: حدَّث ابن عباس بحديث , فقال رجل عنده: الحمد لله، (وفوق كل ذي علم عليم) !

فقال ابن عباس: العالم الله , وهو فوق كل عالم.

19584- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري , عن عبد الأعلى , عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس , فحدث حديثًا , فتعجب رجل فقال، الحمد لله، (فوق كل ذي علم عليم) !

فقال ابن عباس: بئسما قلت: الله العليم , وهو فوق كل عالم.

19585- حدثنا الحسن بن محمد وابن وكيع قالا حدثنا عمرو بن محمد قال، أخبرنا إسرائيل , عن سالم , عن عكرمة , عن ابن عباس: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال: يكون هذا أعلم من هذا , وهذا أعلم من هذا , والله فوق كل عالم.

19586- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، أخبرنا أبو الأحوص , عن عبد الأعلى , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال، الله الخبير العليم، فوق كل عالم.

19587- حدثني المثنى قال، حدثنا عبيد الله قال، أخبرنا إسرائيل , عن عبد الأعلى , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال: الله فوق كل عالم.

19588- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، عن أبي معشر , عن محمد بن كعب قال، سأل رجل عليًّا عن مسألة , فقال فيها , فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا.

قال عليٌّ: أصبتَ وأخطأتُ ، (وفوق كل ذي علم عليم).

19589- حدثني يعقوب، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية , عن خالد , عن عكرمة في قوله: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال: علم الله فوق كل أحد.

19590- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير , عن نضر , عن عكرمة , عن ابن عباس: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال، الله عز وجل.

19591- حدثنا ابن وكيع , حدثنا يعلى بن عبيد , عن سفيان , عن عبد الأعلى , عن سعيد بن جبير: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال: الله أعلم من كل أحد.

19592- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير , عن ابن شبرمة , عن الحسن , في قوله: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال: ليس عالمٌ إلا فوقه عالم، حتى ينتهي العلم إلى الله.

19593- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عاصم قال، حدثنا جويرية , عن بشير الهجيمي قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية يومًا: (وفوق كل ذي علم عليم) , ثم وقف فقال: إنه والله ما أمسى على ظهر الأرض عالم إلا فوقه من هو أعلم منه , حتى يعود العلم إلى الذي علَّمه.

19594- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا علي , عن جرير , عن ابن شبرمة , عن الحسن: (وفوق كل ذي علم عليم) ، قال: فوق كل عالم عالم , حتى ينتهي العلم إلى الله.

19595- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (وفوق كل ذي علم عليم) ، حتى ينتهي العلم إلى الله , منه بدئ , وتعلَّمت العلماء , وإليه يعود .

في قراءة عبد الله: " وَفَوْقَ كُلِّ عَالِمٍ عَلِيمٌ".

* * * قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف جاز ليوسف أن يجعل السقاية في رحل أخيه، ثم يُسَرِّق قومًا أبرياء من السّرَق (27) ويقول: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ؟

قيل: إن قوله: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ، إنما هو خبَرٌ من الله عن مؤذِّن أذَّن به , لا خبر عن يوسف .

وجائز أن يكون المؤذِّن أذَّن بذلك إذ فَقَد الصُّواع (28) ولا يعلم بصنيع يوسف .

وجائز أن يكون كان أذّن المؤذن بذلك عن أمر يوسف , واستجاز الأمر بالنداء بذلك، لعلمه بهم أنهم قد كانوا سرقوا سَرِقةً في بعض الأحوال , فأمر المؤذن أن يناديهم بوصفهم بالسَّرق , ويوسف يعني ذلك السَّرق لا سَرَقهم الصُّواع .

وقد قال بعض أهل التأويل: إن ذلك كان خطأ من فعل يوسف , فعاقبه الله بإجابة القوم إيّاه: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ، وقد ذكرنا الرواية فيما مضى بذلك .

(29) * * * ---------------------- الهوامش: (18) " بلى" ، انظر استعمالها في غير جواب الجحد فيما سلف ، في التعليق على رقم : 16987 ، والمراجع هناك .

وقوله" استبره" من" الاستبراء" سهلت همزتها ، وأصله : واستبرئه ، و" الاستبراء" طلب البراءة من الشيء ، ما كان تهمة أو عيبًا أو قادحًا .

(19) في المطبوعة :" فاستخرجها" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(20) في المطبوعة :" وإن لم يكن الصواع" ، زاد" لم" فأفسد الكلام ، وإنما عنى أن" الصاع" يذكر ويؤنث ، فمن أجل ذلك أنث" الصواع" .

(21) انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ص : 141 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(22) الأثر : 19574 -" محمد بن ليث المروزي" ،" أبو صالح" ، لم أجد له ترجمة في شيء من المراجع التي بين يدي .

و" أبو مودود المديني" هو" عبد العزيز بن أبي سليمان الهذلي" ، كان قاصًا لأهل المدينة ، كان من أهل النسك والفضل ، وكان متكلمًا يعظ ، ورأى أبا سعيد الخدري وغيره من الصحابة .

ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 384 .

(23) في المطبوعة :" فيريناه أخذه إذا لم يغيره" ، وهو كلام مختل لا معنى له ، وهو في المخطوطة غير منقوط بعضه ، وصواب قراءته إن شاء الله ما أثبت ، وأساء الناسخ في كتابته ، لأنه لم يحسن القراءة عن الأم التي نقل منها ، فجعل" فبرضاه"" فيريناه" ، وجعل" لا" ،" لم" ، أما" بغيره" فهي غير منقوطة في المخطوطة .

(24) انظر تفسير" الدين" فيما سلف 3 : 571 / 6 : 273 ، 274 ، وغيرها من المواضع في فهارس اللغة ( دين ) .

(25) انظر تفسير" الدرجة" فيما سلف 14 : 173 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك .

(26) انظر ما سلف 11 : 505 .

(27) " يسرق" ، أي ينسبهم إلى السرقة ،" سرقة يسرقه" ( بتشديد الراء ) ، نسبه إلى ذلك .

(28) في المطبوعة والمخطوطة :" أن فقد الصواع" ، والصواب ما أثبت .

(29) انظر ما سلف رقم : 19559 - 19563 ، وذلك أنه كان يستغفر كلما فتش وعاء من أوعيتهم ، تأثمًا مما فعل .

وعنى أبو جعفر أن يوسف كان يعلم أنه مخطئ في فعله .

أما جواب إخوته له ، فلم يمض له ذكر فيما سلف .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليمقوله تعالى : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه .

والوعاء يقال بضم الواو وكسرها ، لغتان ; وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه .ثم استخرجها من وعاء أخيه يعني بنيامين ; أي استخرج السقاية أو الصواع عند من يؤنث ، وقال : ولمن جاء به فذكر ; فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رءوسهم ، وظنوا الظنون كلها ، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين !

ما رأينا كاليوم قط ، ولدت أمك " راحيل " أخوين لصين !

قال لهم أخوهم : والله ما سرقته ، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي .

ويروى أنهم قالوا له : يا بنيامين !

أسرقت ؟

قال : لا والله ; قالوا : فمن جعل الصواع في رحلك ؟

قال : الذي جعل البضاعة في رحالكم .

ويقال : إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله - عز وجل - تائبا من فعله ذلك ; وظاهر كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف ; لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصواع حتى فرغ منهم ، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال : ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا ، فقال له إخوته : والله لا نبرح حتى تفتشه ; فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ; ففتش فأخرج السقاية ; وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن سرقهم برأيه ; فيقال : إن جميع ذلك كان أمر من الله تعالى ; ويقوي ذلك قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف .قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : " كدنا " معناه صنعنا ; عن ابن عباس .

والقتبي : دبرنا .

ابن الأنباري : أردنا ; قال الشاعر :كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من عهد الصبا ما قد مضىوفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ، ولا هدمت أصلا ، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول ، وخرمت التحليل .الثانية : أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة [ ص: 206 ] إذا لم ينو الفرار من الصدقة ; وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان ، ولا أن يفرق بين مجتمع ، ولا أن يجمع بين متفرق .

وقال مالك : إذا فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول ، أخذا منه بقوله - عليه السلام - : " خشية الصدقة " .

وقال أبو حنيفة : إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضره ; لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه إليه معنى قوله : خشية الصدقة إلا حينئذ .

قال ابن العربي : سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفهري وغيره يقول : كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني صاحب عشرات آلاف دينار من المال ، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم : كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم ، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه ; فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا : يا أبانا !

إنما أملنا حياتك ، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ما دمت حيا ; أنت ومالك لنا ، فخذه إليك ، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه ، فيرده إلى موضعه ; يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع ، والجمع بين المتفرق ; وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاري - رضي الله عنه - في جامعه كتابا مقصودا فقال : " كتاب الحيل " .قلت : وترجم فيه أبوابا منها : " باب الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة " .

وأدخل فيه حديث أنس بن مالك ، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة ; وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس .

الحديث ; وفي آخره : أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق .

وقال بعض الناس : في عشرين ومائة بعير حقتان ; فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شيء عليه ; ثم أردف بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع [ ص: 207 ] له زبيبتان ويقول أنا كنزك الحديث ، قال المهلب : إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى ، وفهم من قوله : أفلح إن صدق أن من رام أن ينقض شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح ، ولا يقوم بذلك عذره عند الله ; وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة ; ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط ، والله حسيبه ; وهو كمن فر من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم ، واستعمل سفرا لا يحتاج إليه رغبة عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين ; فالوعيد متوجه عليه ; ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه متعمدا كيف تطؤه الإبل ، ويمثل له ماله شجاعا أقرع ؟

!

وهذا يدل على أن الفرار من الزكاة لا يحل ، وهو مطالب بذلك في الآخرة .الثالثة : قال ابن العربي : قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه .

دليل على وجه الحيلة إلى المباح ، واستخراج الحقوق ; وهذا وهم عظيم ; وقوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف في الأرض قيل فيه : كما مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن العزيز ، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره .

قال الشفعوي : ومثله قوله - عز وجل - : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وهذا ليس حيلة ، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد .

قال الشفعوي : ومثله حديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر جنيب الحديث ; ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه - عليه السلام - أمره أن يبيع جمعا ويبتاع جنيبا من الذي باع منه الجمع أو من غيره .

وقالت المالكية : معناه من غيره ; لئلا يكون جنيبا بجمع ، والدراهم ربا ; كما قال ابن عباس : جريرة بجريرة والدراهم ربا .قوله تعالى : في دين الملك أي سلطانه ، عن ابن عباس .

ابن عيسى : عاداته ، أي يظلم بلا حجة .

مجاهد : في حكمه ; وهو استرقاق السراق .إلا أن يشاء الله أي إلا بأن [ ص: 208 ] يشاء الله أن يجعل السقاية في رحله تعلة وعذرا له .

وقال قتادة : بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين ، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل ، على ما تقدم .قوله تعالى : نرفع درجات من نشاء أي بالعلم والإيمان .

وقرئ " نرفع درجات من نشاء " بمعنى : نرفع من نشاء درجات ; وقد مضى في " الأنعام "قوله : وفوق كل ذي علم عليم روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : يكون ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا ، والله فوق كل عالم .

وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس - رحمه الله - فتحدث بحديث فتعجب منه رجل فقال : سبحان الله !

وفوق كل ذي علم عليم ; فقال ابن عباس : بئس ما قلت ; الله العليم وهو فوق كل عالم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَبَدَأَ } المفتش { بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ } وذلك لتزول الريبة التي يظن أنها فعلت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئا { اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ } ولم يقل "وجدها، أو سرقها أخوه" مراعاة للحقيقة الواقعة.

فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته، قال تعالى: { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } أي: يسرنا له هذا الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ } لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق، وإنما له عندهم، جزاء آخر، فلو ردت الحكومة إلى دين الملك، لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد.

قال تعالى: { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } بالعلم النافع، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها، كما رفعنا درجات يوسف، { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } فكل عالم، فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فبدأ بأوعيتهم ) لإزالة التهمة ( قبل وعاء أخيه ) فكان يفتش أوعيتهم واحدا واحدا .

قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين قال : ما أظن هذا أخذه ، فقال إخوته : والله لا نترك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا ، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه .

فذلك قوله تعالى : ( ثم استخرجها من وعاء أخيه ) وإنما أنث الكناية في قوله : " ثم استخرجها " والصواع مذكر ، بدليل قوله : " ولمن جاء به حمل بعير " ; لأنه رد الكناية ها هنا إلى السقاية .

وقيل : الصواع يذكر ويؤنث .

فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رءوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين وقالوا : ما الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا ، يا بني راحيل ؟

ما يزال لنا منكم البلاء ، متى أخذت هذا الصواع ؟

فقال بنيامين : بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية ، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم ، فأخذوا بنيامين رقيقا .

وقيل : إن ذلك الرجل أخذ برقبته ورده إلى يوسف كما يرد السراق .

( كذلك كدنا ليوسف ) والكيد ها هنا جزاء الكيد ، يعني : كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم .

وقد قال يعقوب عليه السلام ليوسف : " فيكيدوا لك كيدا " ، فكدنا ليوسف في أمرهم .

والكيد من الخلق : الحيلة ، ومن الله تعالى التدبير بالحق .

وقيل : كدنا : ألهمنا .

وقيل : دبرنا .

وقيل : أردنا .

ومعناه : صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه ، وحال بينه وبين إخوته .

( ما كان ليأخذ أخاه ) فيضمه إلى نفسه ( في دين الملك ) أي : في حكمه .

قاله قتادة .

وقال ابن عباس : في سلطانه .

( إلا أن يشاء الله ) يعني : إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك ، وهو ما أجرى على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق ، فحصل مراد يوسف بمشيئة الله تعالى .

( نرفع درجات من نشاء ) بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته .

وقرأ يعقوب : " يرفع " و " يشاء " بالياء فيهما [ وإضافة درجات إلى ( من ) في هذه السورة .

والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى وقد تقدم ذكره في قوله : ( إلا أن يشاء الله ) أي : يرفع الله درجات من يشاء .

وقرأ الباقون بالنون فيهما إلا أن الكوفيين قرءوا : " درجات " بالتنوين ، ومن سواهم بالإضافة ، أي : نرفع به نحن ، والرافع أيضا هو الله تعالى ] .

( وفوق كل ذي علم عليم ) قال ابن عباس : فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى .

فالله تعالى فوق كل عالم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبدأ بأوعيتهم» ففتشها «قبل وعاء أخيه» لئلا يتهم «ثم استخرجها» أي السقاية «من وعاء أخيه» قال تعالى: «كذلك» الكيد «كدنا ليوسف» علمناه الاحتيال في أخذ أخيه «ما كان» يوسف «ليأخذ أخاه» رقيقا عن السرقة «في دين الملك» حكم ملك مصر لأن جزاءه عنده الضرب وتغريم مثلي المسروق لا الاسترقاق «إلا أن يشاء الله» أخذه بحكم أبيه أي لم يتمكن من أخذه إلا بمشيئة الله بإلهامه سؤال إخوته وجوابهم بسنتهم «نرفع درجاتِ من نشاء» بالإضافة والتنوين في العلم كيوسف «وفوق كل ذي علم» من المخلوقين «عليم» أعلم منه حتى ينتهي إلى الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ورجعوا بإخوة يوسف إليه، فقام بنفسه يفتش أمتعتهم، فبدأ بأمتعتهم قبل متاع شقيقه؛ إحكامًا لما دبَّره لاستبقاء أخيه معه، ثم انتهى بوعاء أخيه، فاستخرج الإناء منه، كذلك يسَّرنا ليوسف هذا التدبير الذي توصَّل به لأخذ أخيه، وما كان له أن يأخذ أخاه في حكم مَلِك "مصر"؛ لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق، إلا أن مشيئة الله اقتضت هذا التدبير والاحتكام إلى شريعة إخوة يوسف القاضية برِقِّ السارق.

نرفع منازل مَن نشاء في الدنيا على غيره كما رفعنا منزلة يوسف.

وفوق كل ذي علمٍ من هو أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى عالم الغيب والشهادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ) معطوف على كلام محذوف يفهم من المقام .والتقدير : وبعد هذه المحاورة التى دارت بين إخوة يوسف وبين الذين اتهموهم بالسرقة أخبر الإخوة بتفتيش أمتعتهم للبحث عن الصواع بداخلها ." فبدأ " المؤذن بتفتيش أوعيتهم ، قبل أن يفتش وعاء " بنيامين " فلم يجد شيئاً بداخل أوعيتهم .فلما وصل إلى وعاء " بنيامين " وقام بتفتيشه وجد السقاية بداخله ، فاستخرجها منه على مشهد منهم جميعاً .ويبدو أن هذا الحوار من أوله كان بمشهد ومرأى من يوسف - عليه السلام - وكان أيضاً بتدبير وتوجيه منه للمؤذن ومن معه ، فهو الذى أمر المؤذن بأن ينادى ( أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) وهو الذى أشار عليه بأن يسألهم عن حكم السارق فى شريعتهم ، وهو الذى أمره بأن يبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل أن يفتش وعاء شقيقه " بنيامين " فدعا للتهمة ، ونفيا للشبهة .

.

.روى أنه لما بلغت النوبة إلى وعاء " بنيامين " لتفتيشه قال يوسف - عليه السلام - : ما أظن هذا أخذ شيئاً؟

فقالوا : " والله لا تتركه حتى تنظر فى رحله ، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا " .ويطوى القرآن ما اعترى إخوة يوسف من دهشه وخزى ، بعد أن وجدت السقاية فى رحل " بنيامين " وبعد أن أقسموا بالله على براءتهم من تهمة السرقة .

.

يطوى القرآن كل ذلك ، ليترك للعقول أن تتصوره .

.

.ثم يعقب على ما حدث ببيان الحكمة التى من أجلها ألهم الله - تعالى - يوسف أن يفعل ما فعل من دس السقاية فى رحل أخيه ، ومن سؤال إخوته عن جزاء السارق فى شريعتهم فيقول ( كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ..

.

)و " كدنا " من الكيد وأصله الاحتيال والمكر ، وهوصرف غيرك عما يريده بحيله ، وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح ، ومحمود إن تحرى به الفاعل الخير والجميل .والمراد به هنا : النوع المحمود ، واللام فى " ليوسف " للتعليل .والمراد بدين الملك : شريعته التى يسير عليها فى الحكم بين الناس .والمعنى : مثل هذا التدبير الحكيم دبرنا من أجل يوسف ما يوصله إلى غرضه ومقصده ، وهو احتجاز أخيه بنيامين معه ، بأن ألهمناه بأن يضع السقاية فى رحل أخيه ، وبأن يسأل إخوته عن حكم السارق فى شريعتهم .

.

وما كان يوسف ليستطيع أن يحتجز أخاه معه ، لو نفذ شريعة ملك مصر ، لأن شريعته لا تجيز استرقاق السارق سنة كما هو الحال فى شريعة يعقوب ، وإنما تعاقب السارق بضربه وتغريمه قيمة ما سرقه .وما كان يوسف ليفعل كل ذلك التدبير الحكيم فى حال من الأحوال ، إلا فى حال مشيئة الله ومعونته وإذنه بذلك ، فهو - سبحانه - الذى ألهمه أن دس السقاية فى رحل أخيه ، وهو - سبحانه - الذى ألهمه أن يسأل إخوته عن عقوبة السارق فى شريعتهم حتى يطبقها على من يوجد صواع الملك فى رحله منهم .والجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله - تعالى - على يوسف حيث ألهمه ما يوصله إلى مقصوده بأحكم أسلوب .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ ) أى : مثل ذلك الكيد العجيب وهو إرشاد الإِخوة إلى الإِفتاء المذكور .

.

.

دبرنا وصنفنا من أجل يوسف ما يحصل به غرضه .

.

.وقوله ( مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك ) أى فى حكمه وقضائه والكلام استئناف وتعليل لذلك الكيد ، كأنه قيل : لماذا فعل؟

فقيل : لأنه لم يكن ليأخذ أخاه جزاء وجود الصواع عنده فى دين الملك فى أمر السارق إلا بذلك الكيد ، لأن جزاء السارق فى دينه أن يضاعف عليه الغرم .

.

.

دون أن يسترق كما هو الحال فى شريعة يعقوب .وقوله ( إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ) أى : لم يكن يوسف ليتمكن من أخذ أخيه فى حال نم الأحوال ، إلا فى حال مشيئته - تعالى - التى هى عبارة عن ذلك الكيد المذكور .

.

.قالوا : وفى الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعاص ثابتاً .وقوله - سبحانه - ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) استئناف لبيان قدرة الله - تعالى - وسعة رحمته وعطائه .أى : نرفع من نشاء رفعه من عبادنا إلى درحات عالية من العلوم والمعارف والعطايا قدرة الله - تعالى - وسعة رحمته وعطائه .أى : نرفع من نشاء رفعه من عبادنا إلى درجات عالية من العلوم والمعارف والعطايا والمواهب ..

كما رفعنا درجات يوسف - عليه السلام - .( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ ) من أولئك المرفوعين ( عليم ) يزيد عنهم فى علمهم وفى مكانتهم عند الله - تعالى - فهو - سبحانه - العليم بأحوال عباده ، وبمنازلهم عنده ، وبأعلاهم درجة ومكانة .وقال - سبحانه - ( نرفع ) بصيغة الاستقبال وللأشعار بأن ذلك سنة من سننه الإِلهية التى لا تتخلف ولا تتبدل ، وأن عطاءه - سبحانه - لايناله إلا الذين تشملهم إرادته ومشيئته كما تقتضيه حكمته .وجاءت كلمة ( درجات ) بالتنكير ، للإِشارة إلى عظمها وكثرتها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن إخوة يوسف لما أقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق قال لهم المؤذن: إنه لابد من تفتيش أمتعتكم، فانصرف بهم إلى يوسف ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ﴾ لإزالة التهمة والأوعية جمع الوعاء وهو كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به استخرجها من وعاء أخيه، وقرأ الحسن ﴿ وِعَاء أَخِيهِ ﴾ بضم الواو وهي لغة، وقرأ سعيد بن جبير ﴿ مِنْ أَخِيهِ ﴾ فقلب الواو همزة.

فإن قيل: لم ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه؟

قلنا: قالوا رجع ضمير المؤنث إلى السقاية وضمير المذكر إلى الصواع أو يقال: الصواع يؤنث ويذكر، فكان كل واحد منهما جائزاً أو يقال: لعل يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعاً فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية وفيما يتصل بهم صواعاً، عن قتادة أنه قال: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تائباً مما قذفهم به، حتى إنه لما لم يبق إلا أخوه قال ما أرى هذا قد أخذ شيئاً، فقالوا: لا نذهب حتى تتفحص عن حاله أيضاً، فلما نظروا في متاعه استخرجوا الصواع من وعائه والقوم كانوا قد حكموا بأن من سرق يسترق، فأخذوا برقبته وجروا به إلى دار يوسف.

ثم قال تعالى: ﴿ كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك ﴾ وفيه بحثان: الأول: المعنى ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف، وذلك إشارة إلى الحكم باسترقاق السارق، أي مثل هذا الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف.

الثاني: لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة، وذلك في حق الله تعالى محال إلا أنا ذكرنا قانوناً معتبراً في هذا الباب، وهو أن أمثال هذه الألفاظ تحمل على نهايات الأغراض لا على بدايات الأغراض، وقررنا هذا الأصل في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ  ﴾ فالكيد السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى.

ثم اختلفوا في المراد بالكيد هاهنا فقال بعضهم: المراد أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمر يوسف، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره.

وقال آخرون: المراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا بأن جزاء السارق هو أن يسترق، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، وصار ذلك سبباً لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك ﴾ والمعنى: أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه، إلا أنه تعالى كاد له ما جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق فقد بينا أن هذا الكلام توسل به إلى أخذ أخيه وحبسه عند نفسه وهو معنى قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ ثم قال: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم والكسائي ﴿ درجات ﴾ بالتنوين غير مضاف، والباقون بالإضافة.

المسألة الثانية: المراد من قوله: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ هو أنه تعالى يريه وجوه الصواب في بلوغ المراد، ويخصه بأنواع العلوم، وأقسام الفضائل، والمراد هاهنا هو أنه تعالى رفع درجات يوسف على إخوته في كل شيء.

واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات، لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك فقال: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ وأيضاً وصف إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء  ﴾ عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف هاهنا يوسف أيضاً بقوله: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ لما هداه إلى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت.

ثم قال تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء، إلا أن يوسف كان زائداً عليهم في العلم.

واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم فقالوا: لو كان عالماً بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك، لحصل فوقه عليم تمسكاً بعموم هذه الآية وهذا باطل.

واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي قوله: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة  ﴾ ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ  ﴾ ﴿ ولاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ  ﴾ ﴿ مَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ  ﴾ وإذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم، إلا أنه لابد من المصير إليه لأن العالم مشتق من العلم، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ﴾ قيل: قال لهم من وكل بهم: لابد من تفتيش أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف، فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفي التهمة حتى بلغ وعاءه فقال: ما أظنّ هذا أخذ شيئاً، فقالوا: والله لا نتركه حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فاستخرجوه منه وقرأ الحسن: ﴿ وُعاء أخيه ﴾ ، بضم الواو، وهي لغة.

وقرأ سعيد ابن جبير: ﴿ إعاء أخيه ﴾ ، بقلب الواو همزة.

فإن قلت: لم ذكر ضمير الصواع مرّات ثم أنثه؟

قلت: قالوا رجع بالتأنيث على السقاية، أو أنث الصواع لأنه يذكر ويؤنث، ولعلّ يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعاً، فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية، وفيما يتصل بهم منه صواعاً ﴿ كذلك كِدْنَا ﴾ مثل ذلك الكيد العظيم كدنا ﴿ لِيُوسُفَ ﴾ يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك ﴾ تفسير للكيد وبيان له، لأنه كان في دين ملك مصر، وما كان يحكم به في السارق أن يغرم مثلي ما أخذ، لا أن يلزم ويستعبد ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ أي ما كان يأخذه إلا بمشيئة الله وإذنه فيه ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه.

وقرئ: ﴿ يرفع ﴾ بالياء.

ودرجات بالتنوين ﴿ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ فوقه أرفع درجة منه في علمه، أو و فوق العلماء كلهم عليم هم دونه في العلم، وهو الله عز وعلا.

فإن قلت: ما أذن الله فيه يجب أن يكون حسناً، فمن أي وجه حسن هذا الكيد؟

وما هو إلا بهتان، وتسريق لمن لم يسرق، وتكذيب لمن لم يكذب، وهو قوله ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ [يوسف: 70] ، ﴿ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كاذبين ﴾ [يوسف: 74] ؟

قلت: هو في صورة البهتان وليس ببهتان في الحقيقة؛ لأنّ قوله: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ [يوسف: 70] تورية عما جرى مجرى السرقة من فعلهم بيوسف.

وقيل: كان ذلك القول من المؤذن لا من يوسف، وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ كاذبين ﴾ [يوسف: 74] فرض لانتفاء براءتهم.

وفرض التكذيب لا يكون تكذيباً، على أنه لو صرَّح لهم بالتكذيب، كما صرّح لهم بالتسريق.

لكان له وجه؛ لأنهم كانوا كاذبين في قولهم: ﴿ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب ﴾ [يوسف: 17] هذا وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية، كقوله تعالى لأيوب عليه السلام: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ﴾ [ص: 44] ليتخلص من جلدها ولا يحنث، وكقول إبراهيم عليه السلام: هي أختي، لتسلم من يد الكافر.

وما الشرائع كلها إلا مصالح وطرق إلى التخلص من الوقوع في المفاسد، وقد علم الله تعالى في هذه الحيلة التي لقنها يوسف مصالح عظيمة فجعلها سلماً وذريعة إليها، فكانت حسنة جميلة وانزاحت عنها وجوه القبح لما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ ﴾ فَبَدَأ المُؤَذِّنُ.

وقِيلَ يُوسُفُ لِأنَّهم رُدُّوا إلى مِصْرَ.

﴿ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ﴾ بِنْيامِينَ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ.

﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها ﴾ أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.

﴿ مِن وِعاءِ أخِيهِ ﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ وبِقَلْبِها هَمْزَةً.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ.

﴿ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ بِأنْ عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا بِهِ إلَيْهِ.

﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ مَلِكِ مِصْرَ لِأنَّ دِينَهُ الضَّرْبُ وتَغْرِيمُ ضَعْفِ ما أخَذَ دُونَ الِاسْتِرْقاقِ وهو بَيانٌ لِلْكَيْدِ.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمَ المَلِكِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ أخْذَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ.

﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ بِالعِلْمِ كَما رَفَعْنا دَرَجَتَهُ.

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ إذْ لَوْ كانَ ذا عِلْمٍ لَكانَ فَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

والجَوابُ أنَّ المُرادَ كُلُّ ذِي عِلْمٍ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ ولِأنَّ العَلِيمَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْناهُ الَّذِي لَهُ العِلْمُ البالِغُ لُغَةً ولِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِنا فَوْقَ كُلِّ العُلَماءِ عَلِيمٌ وهو مَخْصُوصٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ} فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفي التهمة حتى بلغ وعاءه فقال ما أظن هذا أخذ شيئاً فقالوا والله لا نتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا {ثُمَّ استخرجها} أي الصواع {مِن وِعَاء أَخِيهِ} ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه لأن التأنيث يرجع إلى السقاية أو لأن الصواع يذكر ويؤنث الكاف في {كذلك} في محل النصب أي مثل ذلك الكيد العظيم {كِدْنَا لِيُوسُفَ} يعني علمناه إياه {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك} تفسير للكيد وبيان له لأن الحكم في دين الملك أي في سيرته للسارق أن يغرم مثلي ما أخذ لا أن يستبعد {إِلاَّ أَن يَشَاء الله} أي ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه {نَرْفَعُ درجات} بالتنوين كوفي {مَّن نَّشَاء} أي في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} فوقه أرفع درجة منه في علمه أو فوق العلماء كلهم عليم هم دونه في العلم وهو الله عز وجل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبَدَأ ﴾ قِيلَ المُؤَذِّنُ ورُجِّحَ بِقُرْبِ سَبْقِ ذِكْرِهِ وقِيلَ: يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ لَمّا قالُوا ما قالُوا قالَ لَهم أصْحابُهُ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ رِحالكم فَرَدُّوهم بَعْدَ أنْ سارُوا مَنزِلًا أوْ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنَ العِمارَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَأ ﴿ بِأوْعِيَتِهِمْ ﴾ أيْ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ورُجِّحَ ذَلِكَ بِمُقاوَلَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها تَقْتَضِي ظاهِرًا وُقُوعَ ما ذُكِرَ بَعْدَ رَدِّهِمُ إلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ إسْنادَ التَّفْتِيشِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجازِيٌّ والمُفَتِّشُ حَقِيقَةً أصْحابُهُ بِأمْرِهِ بِذَلِكَ ﴿ قَبْلَ ﴾ تَفْتِيشِ ﴿ وِعاءِ أخِيهِ ﴾ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتِ النَّوْبَةُ إلى وِعائِهِ قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا فَقالُوا: واللَّهِ لا تَتْرُكْهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا فَفَعَلَ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ لِأنَّهُ كَما عَلِمْتَ مِمّا يُؤَنَّثُ ويَذَكَّرُ عِنْدَ الحِفاظِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسَّرِقَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ أيْ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ السَّرِقَةَ مِن وِعاءِ أخِيهِ لَمْ يَقُلْ مِنهُ عَلى رَجْعِ الضَّمِيرِ إلى الوِعاءِ أوْ مِن وِعائِهِ عَلى رَجْعِهِ إلى أخِيهِ قَصْدًا إلى زِيادَةِ كَشْفٍ وبَيانٍ والوِعاءُ الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وكَأنَّ المُرادَ بِهِ هُنا ما يَشْمَلُ الرَّحْلَ وغَيْرَهُ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّفْتِيشِ ولِذا لَمْ يُعَبَّرْ بِالرِّحالِ عَلى ما قِيلَ وعَلَيْهِ يَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَتَّشَ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُحْفَظَ الصُّواعُ فِيهِ مِمّا كانَ مَعَهم مِن رَحْلٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهم: مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما قالَ المُدَقِّقَ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ لا يَقْتَضِي أنْ يَلْزَمَ في كُلِّ مُقابَلَةٍ مُقارَنَةُ الواحِدِ لِلْواحِدِ لِأنَّ انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ كَما في رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّفاوُتِ كَما في باعَ القَوْمُ دَوابَّهم فَإنَّهُ يُفْهَمُ مَعَهُ أنَّ كُلًّا مِنهم باعَ ما لَهُ مِن دابَّةٍ وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلى هَذا فِيما سَبَقَ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن وِعاءِ أخِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ.

وقَرَأ الحَسَنُ ( وُعاءِ ) بِضَمِّ الواوِ وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( إعاءِ ) بِإبْدالِ الواوِ المَكْسُورَةِ هَمْزَةً كَما قالُوا في وِشاحٍ إشاحٌ وفي وِسادَةٍ إسادَةٌ وقَلْبُ الواوِ المَكْسُورَةِ في أوَّلِ الكَلِمَةِ هَمْزَةً مُطَّرِدٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ وهو إرْشادُ الإخْوَةِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ بِإجْرائِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ المُسْتَفْتِينَ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴿ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ أيْ صَنَعْنا ودَبَّرْنا لِأجْلِ تَحْصِيلِ غَرَضِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ الَّتِي رَتَّبَها مِن دَسِّ السِّقايَةِ وما يَتْلُوهُ فالكَيْدُ مَجازٌ لُغَوِيٌّ في ذَلِكَ وإلّا فَحَقِيقَتُهُ وهي أنْ تُوهِمَ غَيْرَكَ خِلافَ ما تُخْفِيهِ وتُرِيدُهُ عَلى ما قالُوا مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ وقِيلَ: إنَّ في الكَيْدِ إسْنادَيْنِ بِالفَحْوى إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالتَّصْرِيحِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والأوَّلُ حَقِيقِيٌّ والثّانِي مَجازِيٌّ والمَعْنى فَعَلْنا كَيْدَ يُوسُفَ ولَيْسَ بِذاكَ وفي دُرَرِ المُرْتَضى إنَّ كِدْنا بِمَعْنى أرَدْنا وأنْشَدَ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى واللّامُ لِلنَّفْعِ لا كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ فَإنَّها لِلضَّرَرِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ.

﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ أيْ في سُلْطانِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والكَلامُ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِذَلِكَ الكَيْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا فَعَلَ ذَلِكَ فَقِيلَ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ أخاهُ جَزاءَ وُجُودِ الصُّواعِ عِنْدَهُ في دِينِ المَلِكِ في أمْرِ السّارِقِ إلّا بِذَلِكَ الكَيْدِ لِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ في دِينِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وغَيْرِهِ أنْ يُضاعَفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ وفي رِوايَةٍ ويُضْرَبَ دُونَ أنْ يُؤْخَذَ ويُسْتَرَقَّ كَما هو شَرِيعَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ بِما صَنَعَهُ مِن أخْذِ أخِيهِ بِما نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوال.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ تَعالى الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الكَيْدِ أوْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِلْأخْذِ بِذَلِكَ الوَجْهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الكَيْدِ الإرْشادَ المَذْكُورَ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةُ إلَيْهِ جَمِيعًا مِن إرْشادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ حَسْبَما شُرِحَ مُرَتَّبًا وأمْرُ التَّعْلِيلِ كَما هو بَيْدَ أنَّ المَعْنى عَلى هَذا الِاحْتِمالِ مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ البالِغِ إلى هَذا الحَدِّ كِدْنا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ نَكْتَفِ بِبَعْضٍ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ بِهِ إلّا حالَ مَشِيئَتِنا لَهُ بِإيجادِ ما يَجْرِي فَجَرى الجَزاءُ الصُّورِيُّ مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ وهو إرْشادُ إخْوَتِهِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المَجْرُورِ مَأْخُوذٌ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ وكَذا يُقالُ في تَفْسِيرِ مَن فَسَّرَ ﴿ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ بِقَوْلِهِ عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ المُسْتَتْبَعِ لَمّا شَرَحَ عَلَّمْناهُ دُونَ بَعْضٍ مِن ذَلِكَ فَقَطْ ..

إلَخْ والِاسْتِثْناءُ عَلى كُلِّ حالٍ مِن أعَمِّ الأحْوالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أعَمِّ العِلَلِ والأسْبابِ أيْ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا لِعِلَّةِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَّصِلٌ لِأنَّ أخْذَ السّارِقِ إذا كانَ مِمَّنْ يَرى ذَلِكَ ويَعْتَقِدُهُ دِينًا لا سِيَّما عِنْدَ رِضاهُ وإفْتائِهِ بِهِ لَيْسَ مُخالِفًا لِدِينِ المالِكِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنازِعْهُ المَلِكُ وأصْحابُهُ في مُخالَفَةِ دِينِهِمْ بَلْ لَمْ يَعُدُّوهُ مُخالَفَةً.

وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿ ما كانَ ﴾ ..

إلَخْ في مَوْضِعِ البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِلْكَيْدِ وأنَّ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمَ المَلِكِ وفِيهِ بَحْثٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ أخْذَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وإذْنِهِ في دِينٍ غَيْرِ دِينِ المَلِكِ ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ ﴾ أيْ رُتَبًا كَثِيرَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ وانْتِصابُها عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي البَقاءِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ إلى دَرَجاتٍ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وأيًّا ما كانَ فالمَفْعُولُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن نَشاءُ ﴾ أيْ نَشاءُ رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ كَما رَفَعْنا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ المادَّةِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ ﴾ مِن أُولَئِكَ المَرْفُوعَيْنِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .

(76) .

لا يَنالُونَ شَأْوَهُ.

قالَ المَوْلى المُحَقِّقُ شَيْخُ الإسْلامِ قُدِّسَ سِرُّهُ في بَيانِ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلُ: إنَّهُ إنْ جُعِلَ الكَيْدُ عِبارَةً عَنْ إرْشادِ الإخْوَةِ إلى الإفْتاءِ وحَمْلَهم عَلَيْهِ أوْ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ مَعَ مَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ فالمُرادُ بِرَفْعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما اعْتُبِرَ فِيهِ بِالشَّرْطِيَّةِ أوِ الشَّطْرِيَّةِ مِن إرْشادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ما يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ مِنَ المَبادِي المُفْضِيَةِ إلى اسْتِبْقاءِ أخِيهِ والمَعْنى أرْشَدْنا إخْوَتَهُ إلى الإفْتاءِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن غَرَضِهِ بِدُونِهِ أوْ أرْشَدْنا كُلًّا مِنهم ومِن يُوسُفَ وأصْحابِهِ إلى ما صَدَرَ عَنْهم ولَمْ نَكْتَفِ بِما تَمَّ مِن قِبَلِ يُوسُفَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن غَرَضِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.

وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَرْفَعُ ﴾ إلى ﴿ عَلِيمٌ ﴾ تَوْضِيحًا لِذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ الرَّفْعَ المَذْكُورَ لا يُوجِبُ تَمامَ مَرامِهِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ بَلْ إنَّما نَرْفَعُ كُلَّ مَن نَرْفَعُ حَسَبَ اسْتِعْدادٍ وفَوْقَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ يَرْفَعُ كُلًّا مِنهم إلى ما يَلِيقُ بِهِ مِن مَعارِجِ العِلْمِ وقَدْ رَفَعَ يُوسُفَ إلى ذَلِكَ وعَلِمَ أنَّ: ما حَواهُ دائِرَةُ عِلْمِهِ لا يَفِي بِمَرامِهِ فَأرْشَدَ إخْوَتَهُ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ فَكانَ ما كانَ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِن صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم وإنْ كانَ عَلى طَمَعٍ مِنهُ فَإنَّ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وُجُودًا وعَدَمًا والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِلْمِ لِتَعْيِينِ جِهَةِ الفَوْقِيَّةِ وفي صِيغَةِ المُبالَغَةِ مَعَ التَّنْكِيرِ والِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِهِ عَنْ شَأْنِهِ وجَلالَةِ مِقْدارِ عِلْمِهِ المُحِيطِ جَلَّ جَلالُهُ ما لا يَخْفى وإنْ جُعِلَ عِبارَةً عَنِ التَّعْلِيمِ المُسْتَتْبَعِ لِلْإفْتاءِ فالرَّفْعُ عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ والإفْتاءِ وإنْ كانَ لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ كانَ داخِلًا تَحْتَ عِلْمِهِ بِواسِطَةِ الوَحْيِ والتَّعْلِيمِ والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ البالِغِ إلى هَذا الحَدِّ عَلَّمْناهُ ولَمْ نَقْتَصِرْ عَلى تَعْلِيمِ ما عَدا الإفْتاءِ الَّذِي سَيَصْدُرُ عَنْ إخْوَتِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن غَرَضِهِ في أخِيهِ إلّا بِذَلِكَ وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ تَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كِدْنا ﴾ وبَيانًا لِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الرَّفْعِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ العِلْمِ ومَدْحًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِهِ إلَيْها ﴿ وفَوْقَ ﴾ ..

إلَخْ تَذْلِيلًا لَهُ أيْ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ عالِيَةً مَن نَشاءُ رَفْعَهُ وفَوْقَ كُلٍّ مِنهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ هو أعْلى دَرَجَةً قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ عالِمٌ إلى أنْ يَنْتَهِيَ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى والمَعْنى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كانُوا عُلَماءَ إلّا أنَّ يُوسُفَ أفْضَلُ مِنهُمُ.

اهَـ.

والَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى ما قِيلَ حَدِيثُ التَّذْيِيلِ إلّا أنَّهُ أوْجَزَ في كَلامِهِ حَتّى خَفِيَ مَغْزاهُ وعَدَّ ذَلِكَ مِنَ المَداحِضِ حَيْثُ قالَ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فَوْقَهُ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ في عِلْمِهِ أوْ فَوْقَ العُلَماءِ كُلِّهِمْ عَلِيمٌ هم دُونَهُ في العِلْمِ وهو اللَّهُ عَزَّ وعَلا وبَيانُ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ غَرَضَهُ أنْ يُبَيِّنَ وجْهَ التَّذْيِيلِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ فَأفادَ أنَّهُ إمّا عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِرَفْعِ دَرَجَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إخْوَتِهِ في العِلْمِ أيْ فاقَهم عِلْمًا لِأنَّ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ وفِيهِ مَدْحٌ لَهُ بِأنَّ الَّذِينَ فاقَهم عُلَماءُ أيْضًا وإمّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ دَرَجاتٍ وهو إلَيْهِ لا مُنازِعَ لَهُ فِيهِ فَقالَ: وفَوْقَ العُلَماءِ كُلِّهِمْ عَلِيمٌ هم دُونَهُ يَرْفَعُ مَن يَشاءُ يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ بِالعِلْمِ كَما رَفَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَكَرَ أنْ ما يُقالُ: مِن أنَّ الكُلَّ عَلى الثّانِي مَجْمُوعِيٌّ وعَلى الأوَّلِ بِمَعْنى كُلِّ واحِدٍ كَلامٌ غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِأنَّ الدّاخِلَ عَلى النَّكِرَةِ لا يَكُونُ مَجْمُوعِيًّا وأصْلُ النُّكْتَةِ في التَّرْدِيدِ أنَّهُ لَوْ نُظِرَ إلى العِلْمِ ولا تَناهِيهِ كانَ الأوَّلَ فَيَرْتَقِي إلى ما لا نِهايَةَ لِعِلْمِهِ بَلْ جَلَّ عَنِ النِّهايَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ ولا بُدَّ مِن تَخْصِيصٍ في لَفْظِ ( كُلِّ ) والمَعْنى وفَوْقَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ عالِمٌ وهَكَذا إلى أنْ يَنْتَهِيَ ولَوْ نُظِرَ إلى العالِمِ وإفادَتِهِ إيّاهُ كانَ الثّانِي والمَعْنى وفَوْقَ كُلِّ واحِدٍ عالِمٌ واحِدٌ فَأوْلى أنْ يَكُونَ فَوْقَ كُلِّهِمْ لِأنَّ الثّانِيَ مَعْلُولُ الأوَّلِ ولِظُهُورِ المَعْنى عَلَيْهِ قَدِّرْ وفَوْقَ العُلَماءِ كُلِّهِمْ وكِلا الوَجْهَيْنِ يُناسِبُ المَقامَ.

اهَـ.

ولَعَلَّ اعْتِبارَ كَوْنِ الجُمْلَةِ الأُولى مَدْحًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِ الكَيْدِ وكَوْنِ الثّانِيَةِ تَذْلِيلًا هو الأظْهَرُ فَتَأمَّلْ وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ عالِمٌ بِذاتِهِ لا بِصِفَةِ عِلْمٍ زائِدَةٍ عَلى ذَلِكَ وحاصِلُ اسْتِدْلالِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ صِفَةُ عِلْمٍ زائِدَةٌ عَلى ذاتِهِ كانَ ذا عِلْمٍ لِاتِّصافِهِ بِهِ وكُلُّ ذِي عِلْمٍ فَوْقَهُ عَلِيمٌ لِلْآيَةِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ فَوْقَهُ وأعْلَمَ مِنهُ جَلَّ وعَلا عَلِيمٌ آخَرُ وهو مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِكُلِّ ذِي عِلْمٍ المَخْلُوقاتُ ذَوُو العِلْمِ لِأنَّ الكَلامَ في الخَلْقِ ولِأنَّ العَلِيمَ صِيغَةٌ مُبالَغَةٌ مَعْناهُ أعْلَمُ مِن كُلِّ ذِي عِلْمٍ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ اللَّهَ تَعالى فَما يُقابِلُهُ يَلْزَمُ كَوْنُهُ مِنَ الخَلائِقِ لِئَلّا يَدْخُلَ فِيما يُقابِلُهُ وكَوْنُ المُرادِ مِنَ العَلِيمِ ذَلِكَ هو إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ الحَبْرِ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَما قَلْتَ اللَّهُ العَلِيمُ وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الضَّحّاكُ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ تَلا الآيَةَ يَعْنِي اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ نَفْسَهُ عَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى عالِمًا بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ اتِّفاقُهُ مَعَنا في صِحَّةِ قَوْلِنا فَوْقَ كُلِّ العُلَماءِ عَلِيمٌ وذَلِكَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى تَسْلِيمِ دَلِيلِهِ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا أنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ فَإنْ أجابَ بِالتَّخْصِيصِ في المِثالِ فالآيَةُ مِثْلُهُ.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ ( دَرَجاتِ مَن نَشاءُ ) بِالإضافَةِ قِيلَ: والقِراءَةُ الأُولى أنْسَبُ بِالتَّذْيِيلِ حَيْثُ نُسِبَ فِيها الرَّفْعُ إلى مَن نُسِبَ إلَيْهِ الفَوْقِيَّةُ لا إلى دَرَجَتِهِ والأمْرُ في ذَلِكَ هَيِّنٌ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ في ( يَرْفَعُ ) و( يَشاءُ ) وقَرَأ عِيسى البَصْرَةُ ( نَرْفَعُ ) بِالنُّونِ و( دَرَجاتٍ ) مُنَوَّنًا و( مَن يَشاءُ ) بِالياءِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهَذِهِ قِراءَةٌ مَرْغُوبٌ عَنْها ولا يُمْكِنُ إنْكارُها وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ الحَبْرُ ( وفَوْقَ كُلِّ ذِي عالِمٍ عَلِيمٌ ) فَخَرَجَتْ كَما في البَحْرِ عَلى زِيادَةِ ذِي أوْ عَلى أنَّ ( عالِمٍ ) مَصْدَرٌ بِمَعْنى عِلْمٍ كالباطِلِ أوْ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ عالِمٍ والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قَرَأ ( وفَوْقَ كُلِّ عالِمٍ عَلِيمٌ ) بِدُونِ ( ذِي ) ولَعَلَّهُ الأثْبَتُ واللَّهُ تَعالى العَلِيمُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال: فَبَدَأَ يعني: المنادي، ويقال: يوسف بِأَوْعِيَتِهِمْ يعني: أوعية إخوته، وطلب في أوعيتهم قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ فلم يجد فيها شيئا.

وروى معمر عن قتادة أنه قال: كلما فتح متاع رجل، استغفر الله تائباً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئاً، قالوا: بلى، فاستبرأه، فطلب، فوجد فيه، فاستخرجها من وعاء أخيه، فلما استخرجت من رحله انقطعت ظهور القوم وتحيروا وقالوا: يا بنيامين لا يزال لنا منكم بلاءً ما لقينا من ابني راحيل.

فقال بنيامين: بل لقي ابنا راحيل منكم.

فأما يوسف فقد فعلتم به ما فعلتم، وأما أنا فسرقتموني.

قالوا: فمن جعل الإناء في متاعك؟

قال: الذي جعل الدراهم في متاعكم.

فسكتوا، فذلك قوله ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يعني: كذلك صنعنا ليوسف، والكيد: الحيلة.

يعني: كذلك احتلنا له وألهمناه الحيلة.

ثم قال: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ يعني: في قضاء ملك مصر، لأنه لم يكن في قضائه أن يستعبد الرجل في سرقته.

ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: وقد شاء الله أن يأخذه بقضاء أبيه.

ويقال: ما كان يقدر أن يأخذ في ولاية الملك بغير حكم، إلا بمشيئة الله تعالى.

ويقال: إلا أن يشاء الله ذلك ليوسف.

ثم قال: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: من نشاء بالفضائل.

وقرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ بتنوين التاء.

وقرأ الباقون: درجات مَّن نَّشَاء بغير تنوين، على معنى الإضافة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ يعني: ليس من عالم إلا وفوقه أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى.

وروى وكيع، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، أن رجلاً سأل علياً عن مسألة.

فقال فيها قولاً، فقال الرجل: ليس هو كذا، ولكنه كذا.

فقال: عليّ «أصبتَ وأخطأت» وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.

وروي عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدث بحديث، فقال رجل عنده: الحمد لله وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى هو العالم، وهو فوق كل عالم» .

ثم قال تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ يعني: قال إخوة يوسف: إن يسرق بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون: يوسف فَأَسَرَّها يُوسُفُ يعني: فأضمر الكلمة يوسف فِي نَفْسِهِ أي في قلبه وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ يعني: لم يعلن لهم جواباً قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً من يوسف، لأن يوسف سرق الوثن، وأنتم تسرقون الصواع.

وذلك أن يوسف كان سرق صنماً من ذهب، من خاله لاوي، وقال قتادة: ذكر لنا أنه سرق صنماً، كان لجده أبي أمه، فعيّروه بذلك.

قالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً لأن سرقتكم قد ظهرت، وسرقة أخيه لم تظهر إلا بقولكم، ولا ندري أنتم صادقون في مقالتكم أم لا؟

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ يعني: بما تقولون.

وروى عكرمة عن ابن عباس.

قال: «عوقب يوسف ثلاث مرات: حين همّ بها فسجن.

وحين قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وحين قال: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فردوا عليه وقالوا: فقد سرق أخ له من قبل» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ: روي أن إِخوة يوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضَاعة المَوْجُودة في الرِّحَال، وتحرَّجوا مِنْ أخْذ الطعام بلا ثَمَنٍ فلذلك قالوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أي: لقد علمْتُمْ منا التحرِّي، وروي أنهم كانوا قَدِ اشتهروا بِمِصْرَ بصَلاَحٍ وتعفُّفٍ، وكانوا يجعلُونَ الأَكِمَّةَ في أفواه إِبلهم، لَئَلاَّ تنَالَ زروعَ الناسِ فلذلك قالوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ، والتاء في «تَاللَّهِ» بدلٌ من الواو، ولا تدخُلُ التَّاء في القَسَمِ إِلاَّ في هذا الاسم.

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : قال الطبري «٢» : قوله تعالى: قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ على حذف مضافٍ، تقديره: جزاؤه استعباد أو استرقاق مَنْ وَجَدَ في رَحْله.

انتهى.

وقولهم: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ: أي: هذه سُنَّتنا ودِينُنا في أهْل السَّرقة أنْ يتملَّك السارق كما تَمَلَّكَ هو الشيءَ المَسْرُوق.

وقوله سبحانه: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ...

الآية: بدؤه أيضاً من أوعيتهم تمكينٌ للحِيلَةِ، وإِبعادٌ لظُهُور أنها حيلةٌ، وأضافَ اللَّه سبحانَهُ الكَيْدَ إِلى ضميره لَمَّا خَرَجَ القَدْرُ الذي أباح به ليُوسُفَ أَخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعتقاد النَّاس كَيْدٌ، وقال السّدّيّ والضّحّاك:

كِدْنا: معناه: صنعنا «٣» ، ودِينِ الْمَلِكِ: فسَّرَه ابن عباس بسُلْطَانِهِ «٤» ، وفسَّره قتادة بالقضاءِ والحُكُم «٥» ، وهذا متقاربٌ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٦» : قوله تعالى:

كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ، إذ كان المَلِكُ لا يَرَى استرقاق السَّارق، وإِنما كان دِينُهُ أنْ يأخذ المجنيُّ/ عليه من السارق مِثْلَي السَّرقَةِ.

إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: التزام الإِخوة لدين يعقوبَ بالاسترقاق، فَقَضَى عليهم به، انتهى.

قال ع «١» : والاستثناء في هذه الآيةِ حكايةُ حال التقديرِ، إِلا أنْ يشاء اللَّه مَا وَقَعَ من هذه الحيلةِ، وروَى أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ بسنده، عن مالك، عن زيد بن أسلم أنه قال في قَوْلِهِ عَزَّ وجلَّ: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ: قال: بالعلْمِ، انتهى من «كتاب العلم» .

وقوله سبحانه: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، المعنى: أنَّ البَشَرَ في العلْمِ درجاتٌ، فكلُّ عالمٍ فلا بُدَّ مِنْ أعْلَمَ منه، فَإِما من البَشَرِ، وإِما اللَّه عزَّ وجلَّ، فهذَا تأويلُ الحَسَن وقتادة وابن عباس «٢» وروي أيضاً عن ابن عبَّاس: إِنما العليمُ اللَّهُ، وهو فوقَ كل «٣» ذي علم.

قال ابن عطاء في «التنوير» : اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز، أو في السُّنَّة، فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشية، وتكتنفه المَخَافة.

انتهى.

قال الشيخ العارفُ أبو القاسم عبْدُ الرحمن بْنُ يوسُفَ اللَّجَائيُّ رحمه اللَّه: إِذا كَمُلَتْ للعبدِ ثلاَثُ خِصَالٍ، وصَدَقَ فيها، تفجَّرَ العْلْمُ مِنْ قَلْبِهِ على لسانه، وهي الزُّهْد، والإِخلاص، والتقوى، قال: ولا مَطْمَعَ في هذَا العلْمِ المذكور إِلا بَعْدَ معالجة القَلْبِ مِنْ علله التي تشينه، كالكِبْر، والحَسَد، والغَضَبِ، والرياء، والسُّمْعة، والمَحْمَدَة والجاه، والشَّرَف، وعُلُوِّ المنزلة، والطمَعِ، والحِرْصِ، والقَسْوة، والمُدَاهَنة، والحِقْد، والعَدَاوة، وكلِّ ما عَدَدْنَاهُ من العلل، وما لم نَعُدَّهُ راجعٌ إِلى أصل واحدٍ، وهو حبُّ الدنيا، لأنَّ حبها عنه يتفرَّعُ كلُّ شر، وعنه يتشعَّب كلُّ قبيح، فإِذا زالَتْ هذه العِلَلُ ظهر الصِّدْق، والإِخلاص، والتواضُعُ، والحِلْم، والوَرَعِ، والقَنَاعة، والزُّهْد، والصَّبْر، والرِّضا، والأُنْسُ، والمَحَبَّة، والشَّوْق، والتوكُّل، والخَشْية، والحُزْن، وقِصَر الأَمَلِ، وَمِزَاجُ النية بالعمل، فينبُعُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: انْصَرَفَ بِهِمُ المُؤَذِّنُ إلى يُوسُفَ، وقالَ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ أمْتِعَتِكم، ﴿ فَبَدَأ ﴾ يُوسُفُ ﴿ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ﴾ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ، فَلَمّا وصَلَ إلى وِعاءِ أخِيهِ، قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَبْرَحُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ، فَهو أطْيَبُ لِنَفْسِكَ.

فَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُ وجَدُوا الصُّواعَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها ﴾ .

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى السَّرِقَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: إلى السِّقايَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: إلى الصُّواعِ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأقْبَلُوا عَلى بِنْيامِينَ، وقالُوا: أيَّ شَيْءٍ صَنَعْتَ ؟!

فَضَحْتَنا وأزْرَيْتَ بِأبِيكَ الصِّدِّيقِ، فَقالَ: وضَعَ هَذا في رَحْلِي الَّذِي وضَعَ الدَّراهِمَ في رِحالِكم، وقَدْ كانَ يُوسُفُ أخْبَرَ أخاهُ بِما يُرِيدُ أنْ يَصْنَعَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كَذَلِكَ صَنَعْنا لَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: احْتَلْنا لَهُ، والكَيْدُ: الحِيلَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أرَدْنا لِيُوسُفَ، ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ.

والرّابِعُ: دَبَّرْنا لَهُ بِأنْ ألْهَمْناهُ ما فَعَلَ بِأخِيهِ لِيَتَوَصَّلَ إلى حَبْسِهِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا دَبَّرَ اللَّهُ لِيُوسُفَ ما دَبَّرَ مِنِ ارْتِفاعِ المَنزِلَةِ وكَمالِ النِّعْمَةِ عَلى غَيْرِ ما ظَنَّ إخْوَتُهُ، شُبِّهَ بِالكَيْدِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، لِأنَّهم يَسْتُرُونَ ما يَكِيدُونَ بِهِ عَمَّنْ يَكِيدُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ في المُرادِ بِالدِّينِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السُّلْطانُ، فالمَعْنى: في سُلْطانِ المَلِكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القَضاءُ، فالمَعْنى: في قَضاءِ المَلِكِ، لِأنَّ قَضاءَ المَلِكِ أنَّ مَن سَرَقَ إنَّما يُضْرَبُ ويُغَرَّمُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبَيانُهُ أنَّهُ لَوْ أجْرى أخاهُ عَلى حُكْمِ المَلِكِ ما أمْكَنَهُ حَبْسُهُ، لَأنَّ حُكْمَ المَلِكِ الغُرْمُ والضَّرْبُ فَحَسْبُ، فَأجْرى اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ إخْوَتِهِ أنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ ذَلِكَ مِمّا كادَ اللَّهُ لِيُوسُفَ لُطْفًا حَتّى أظْفَرَهُ بِمُرادِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ وقِيلَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إظْهارَ عِلَّةٍ يَسْتَحِقُّ بِها أخاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " يَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن يَشاءُ " بِالياءِ فِيهِما.

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " دَرَجاتٍ " بِالتَّنْوِينِ، والمَعْنى: نَرْفَعُ الدَّرَجاتِ بِصُنُوفِ العَطاءِ، وأنْواعِ الكَراماتِ، وأبْوابِ العُلُومِ، وقَهْرِ الهَوى، والتَّوْفِيقِ لِلْهُدى، كَما رَفَعْنا يُوسُفَ.

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أيْ: فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ حَتّى يَنْتَهِيَ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى، والكَمالُ في العِلْمِ مَعْدُومٌ مِن غَيْرِهِ.

وَفِي مَقْصُودِ هَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: يُوسُفُ أعْلَمُ مِن إخْوَتِهِ، وفَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ عَلى تَعْظِيمِ العِلْمِ، وبَيَّنَ أنَّهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْعالِمِ التَّواضُعَ لِئَلّا يُعْجَبَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَبَدَأ بِأوعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مِن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ بَدْؤُهُ أيْضًا بِأوعِيَتِهِمْ تَمْكِينٌ لِلْحِيلَةِ، وإبْعادٌ لِظُهُورِ أنَّها حِيلَةٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وِعاءِ" بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وُعاءِ" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: "إعاءِ" بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الواوِ، وهَذا شائِعٌ في الواوِ المَكْسُورَةِ، وهو أكْثَرُ في المَضْمُومَةِ، وقَدْ جاءَ مِنَ المَفْتُوحَةِ أحَدٌ في وحَدٍ.

وأضافَ اللهُ تَعالى الكَيْدِ إلى ضَمِيرِهِ لَمّا أخْرَجَ القَدَرَ الَّذِي أباحَ بِهِ لِيُوسُفَ أخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعْتِيادِ الناسِ كَيْدٌ.

وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: "كِدْنا" مَعْناهُ: صَنَعْنا.

و ﴿ دِينِ المَلِكِ ﴾ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسُلْطانِهِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالقَضاءِ والحُكْمِ.

وهَذا مُتَقارِبٌ، والِاسْتِثْناءُ في هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ حالٍ، التَقْدِيرُ: "إلّا أنْ شاءَ اللهُ ما وقَعَ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ أنَّهُ تَسَنُّنٌ لَمّا قَرَّرَ النَفْيَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَرْفَعُ" عَلى ضَمِيرِ المُعَظَّمِ، و"نَشاءُ" كَذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، ويَعْقُوبُ بِالياءِ، أيِ: اللهُ تَعالى، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "دَرَجاتِ مَن" بِإضافَةِ "الدَرَجاتِ" إلى "مَن"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "دَرَجاتٍ مَّنْ" بِتَنْوِينِ الدَرَجاتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عالِمٍ"، والمَعْنى أنَّ البَشَرَ في العِلْمِ دَرَجاتٌ، فَكُلُّ عالَمٍ فَلا بُدَّ مِن أعْلَمَ مِنهُ، فَإمّا مِنَ البَشَرِ، وإمّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقِيلَ: "ذِي" زائِدَةٌ، وقِيلَ: "عالِمٍ" مَصْدَرٌ كالباطِلِ.

ورُوِيَ أنَّ المُفَتِّشَ كانَ إذا فَرَغَ مَن رَحْلِ رَجُلٍ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا اسْتَغْفَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ تائِبًا مِن فِعْلِهِ ذَلِكَ.

وظاهِرُ كَلامِ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّ المُسْتَغْفِرَ كانَ يُوسُفُ ؛ لِأنَّهُ كانَ يُفَتِّشُهم ويَعْلَمُ أيْنَ الصُواعُ، حَتّى فَرَغَ مِنهم وانْتَهى إلى رَحْلِ بِنْيامِينَ فَقالَ: ما أظُنُّ هَذا الفَتى رَضِيَ بِهَذا، ولا أخَذَ شَيْئًا، فَقالَ لَهُ إخْوَتُهُ: واللهِ لا نَبْرَحُ حَتّى تُفَتِّشَهُ فَهو أطْيَبُ لِنَفْسِكَ ونُفُوسِنا، فَفَتَّشَ حِينَئِذٍ فَأخْرَجَ السِقايَةَ، وهَذا التَفْتِيشُ مِن يُوسُفَ يَقْتَضِي أنَّ المُؤَذِّنَ إنَّما سَرَّقَهم بِرَأْيِهِ، وإمّا أنْ يُقالَ: جَمِيعُ ذَلِكَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: "كِدْنا"، وكَيْفَ لا يَكُونُ بِرَأْيِ يُوسُفَ وهو مُضْطَرٌّ في مُحاوَلَتِهِ إلى أنْ يُلْزِمَهم حُكْمَ السَرِقَةِ لِيَتِمَّ لَهُ أخْذُ أخِيهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "اسْتَخْرَجَها" عائِدٌ عَلى السِقايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلى السَرِقَةِ.

ورُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا رَأوا ذَلِكَ قالُوا: يا بِنْيامِينُ بْنَ راحِيلَ، قَبَّحَكَ اللهُ، ولَدَتْ أُمُّكَ أخَوَيْنِ لِصَّيْنِ، كَيْفَ سَرَقْتَ هَذِهِ السِقايَةَ؟

فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلى السَماءِ وقالَ: واللهِ ما فَعَلْتُ، فَقالُوا لَهُ: فَمَن وضَعَها في رَحْلِكَ؟

قالَ: الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم.

وما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ هو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ أيْضًا عنهُ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ عَجِيبٍ، فَتَعَجَّبَ مِنهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ وقالَ: "الحَمْدُ لِلَّهِ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "بِئْسَ ما قُلْتَ، إنَّما العَلِيمُ لِلَّهِ، وهو فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِ الحَسَنِ فَرْقٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ بدأ ﴾ أي أمر يوسف عليه السلام بالبداءة بأوعية بقية إخوته قبلَ وعاء أخيه الشقيق.

وأوعية: جمع وعاء، وهو الظرف،.

مشتق من الوعي وهو الحفظ.

والابتداء بأوعية غير أخيه لإبعاد أن يكون الذي يُوجد في وعائه هو المقصود من أول الأمر.

وتأنيث ضمير ﴿ استخرجها ﴾ للسقاية.

وهذا التأنيث في تمام الرشاقة إذ كانت الحقيقة أنها سقاية جعلت صواعاً.

فهو كردّ العجز على الصدر.

والقول في ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ كالقول في ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ [سورة يوسف: 75].

والكَيْد: فعل يتوصل بظاهره إلى مقصد خفي.

والكيد: هنا هو إلهام يوسف عليه السلام لهذه الحيلة المحكمة في وضع الصواع وتفتيشه وإلهام إخوته إلى ذلك الحكم المُصْمَت.

وأسند الكيد إلى الله لأنه ملهمه فهو مسبّبه.

وجعل الكيد لأجل يوسف عليه السلام لأنه لفائدته.

وجملة ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله } بيان للكيد باعتبار جميع ما فيه من وضع السقاية ومن حكم إخوته على أنفسهم بما يلائم مَرغوب يوسف عليه السلام من إبقاء أخيه عنده، ولولا ذلك لمَا كانت شريعة القبط تخوله ذلك، فقد قيل: إن شرعهم في جزاء السارق أن يؤخذ منه الشيء ويضرب ويغرم ضعفي المسروق أو ضعفي قيمته.

وعن مجاهد ﴿ في دين الملك ﴾ أي حكمه وهو استرقاق السراق.

وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية لقوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ أي لولا حيلة وضع الصُّواع في متاع أخيه.

ولعل ذلك كان حكماً شائعاً في كثير من الأمم، ألا ترى إلى قولهم: ﴿ من وجد في رحله فهو جزاؤه ﴾ [سورة يوسف: 75] كما تقدم، أي أن ملك مصر كان عادلاً فلا يؤخذ أحد في بلاده بغير حق.

ومثله ما كان في شرع الرومان من استرقاق المدين، فتعين أن المراد بالدّين الشريعة لا مطلق السلطان.

ومعنى لام الجحود هنا نفي أن يكون في نفس الأمر سبب يخول يوسف عليه السلام أخذ أخيه عنده.

والاستثناء من عموم أسباب أخذ أخيه المنفية.

وفي الكلام حرف جر محذوف قبل أن} المصدرية، وهو باء السببية التي يدل عليها نفي الأخذ، أي أسبابه.

فالتقدير: إلا بأن يشاء الله، أي يُلهم تصوير حالته ويأذن ليوسف عليه السلام في عَمله باعتبار ما فيه من المصالح الجمة ليوسف وإخوته في الحال والاستقبال لهم ولذريتهم.

وجملة ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ تذييل لقصة أخذ يوسف عليه السلام أخاه لأن فيها رفع درجة يوسف عليه السلام في الحال بالتدبير الحكيم من وقت مناجاته أخاه إلى وقت استخراج السقاية من رحله.

ورفع درجة أخيه في الحال بإلحاقه ليوسف عليه السلام في العيش الرفيه والكمال بتلقي الحكمة من فيه.

ورفع درجات إخوته وأبيه في الاستقبال بسبب رفع درجة يوسف عليه السلام وحنوه عليهم.

فالدرجات مستعارة لقوة الشرف من استعارة المحسوس للمعقول.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ في سورة البقرة (228)، وقوله: ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ في سورة الأنفال (4).

وجملة وفوق كل ذي علم عليم } تذييل ثان لجملة ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ الآية.

وفيها شاهد لتفاوت الناس في العلم المؤذن بأن علم الذي خلق لهم العلم لا ينحصر مداه، وأنه فوق كل نهاية من علم الناس.

والفوقية مجاز في شرف الحال، لأن الشرف يشبّه بالارتفاع.

وعبر عن جنس المتفوق في العلم بوصف ﴿ عليم ﴾ باعتبار نسبته إلى من هو فوقه إلى أن يبلغ إلى العليم المطلق سبحانه.

وظاهر تنكير ﴿ عليم ﴾ أن يراد به الجنس فيعم كلّ موصوف بقوة العلم إلى أن ينتهي إلى علم الله تعالى.

فعموم هذا الحكم بالنسبة إلى المخلوقات لا إشكال فيه.

ويتعين تخصيص هذا العموم بالنسبة إلى الله تعالى بدليل العقل إذ ليس فوق الله عليم.

وقد يحمل التنكير على الوحدة ويكون المراد عليم واحد فيكون التنكير للوحدة والتعظيم، وهو الله تعالى فلا يحتاج إلى التخصيص.

وقرأ الجمهور ﴿ درجات من نشاء ﴾ بإضافة ﴿ درجات ﴾ إلى ﴿ من نشاء ﴾ .

وقرأه حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف بتنوين ﴿ درجاتٍ ﴾ على أنه تمييز لتعلق فعل ﴿ نرفع ﴾ بمفعوله وهو ﴿ من نشاء ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ ﴾ أيْ لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ.

وَإنَّما قالُوا ذَلِكَ لَهم لِأنَّهم قَدْ كانُوا عَرَفُوهم بِالصَّلاحِ والعَفافِ.

وَقِيلَ لِأنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ، ومَن يُؤَدِّ الأمانَةَ في غائِبٍ لا يُقْدِمُ عَلى سَرِقَةِ مالٍ حاضِرٍ.

﴿ وَما كُنّا سارِقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما كُنّا سارِقِينَ مِن غَيْرِكم فَنَسْرِقَ مِنكم.

والثّانِي: ما كُنّا سارِقِينَ لِأمانَتِكم فَنَسْرِقَ غَيْرَ أمانَتِكم.

وَهَذا أشْبَهُ لِأنَّهم أضافُوا بِذَلِكَ إلى عَمَلِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ﴾ أيْ ما عُقُوبَةُ مَن سَرَقَ مِنكم إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في أنَّكم لَمْ تَسْرِقُوا مِنّا.

﴿ قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ ﴾ أيْ جَزاءُ مَن سَرَقَ أنْ يُسْتَرَقَّ.

﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ أيْ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظّالِمِينَ إذا سَرَقُوا وكانَ هَذا مِن دِينِ يَعْقُوبَ.

﴿ فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ﴾ لِتَزُولَ الرِّيبَةُ مِن قُلُوبِهِمْ لَوْ بُدِئَ بِوِعاءِ أخِيهِ.

﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ ﴾ قِيلَ عَنى السِّقايَةَ فَلِذَلِكَ أُنِّثَ، وقِيلَ عَنى الصّاعَ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ في قَوْلِ الزَّجّاجِ.

﴿ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَنَعْنا لِيُوسُفَ قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: دَبَّرْنا لِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في قَضاءِ المَلِكِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: في عادَةِ المَلِكِ، قالَ ابْنُ عِيسى: ولَمْ يَكُنْ في دِينِ المَلِكِ اسْتِرْقاقُ مَن سَرَقَ.

قالَ الضَّحّاكُ: وإنَّما كانَ يُضاعَفُ عَلَيْهِ الغُرْمُ.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يُسْتَرَقَّ مَن سَرَقَ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِيُوسُفَ عُذْرًا فِيما فَعَلَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ آوى إليه أخاه ﴾ قال: ضمه إليه وأنزله معه.

وفي قوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ قال: لا تحزن ولا تيأس.

وفي قوله: ﴿ فلما جهزهم بجهازهم ﴾ قال: لما قضى حاجتهم وكال لهم طعامهم.

وفي قوله: ﴿ جعل السقاية ﴾ قال: هو إناء الملك الذي يشرب منه ﴿ في رحل أخيه ﴾ قال: في متاع أخيه.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ جعل السقاية ﴾ قال: هو الصواع، وكل شيء يشرب منه فهو صواع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن مجاهد رضي الله عنه قال: السقاية والصواع شيء واحد، يشرب منه يوسف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: السقاية، هو الصواع.

وكان كأساً من ذهب على ما يذكرون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أيتها العير ﴾ قال: كانت العير حميراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن منده في غرائب شعبة، وابن مردويه والضياء، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: شيء يشبه المكوك من فضة، كانوا يشربون فيه.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق قال لهك أخبرني عن قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: الصواع، الكأس الذي يشرب فيه.

قال وهل تعرف العرب ذلك؟

قال نعم.

أما سمعت الأعشى وهو يقول: له درمك في رأسه ومشارب ** وقدر وطباخ وصاع وديسق وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: هو المكوك الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: كان من فضة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: كان من نحاس.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ نفقد صواع الملك ﴾ بضم الصاد مع الألف.

وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري، عن أبي هريرة.

رضي الله عنه- أنه كان يقرأ ﴿ صاع الملك ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها ﴿ صوغ الملك ﴾ بالغين المعجمة.

قال: كان صيغ من ذهب أو فضة، سقايته التي كان يشرب فيها.

وأخرج ابن الأنباري، عن أبي رجاء رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ نفقد صواع الملك ﴾ بعين غير معجمة، وصاد مفتوحة.

وأخرج عن عبد الله بن عون رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ صوع الملك ﴾ بصاد مضمومة.

وأخرج عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ صياع الملك ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن جاء به حمل بعير ﴾ قال: حمل حمار طعام، وهي لغة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حمل بعير ﴾ وقر بعير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وأنا به زعيم ﴾ قال كفيل.

وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنا به زعيم ﴾ قال: الزعيم، هو المؤذن الذي قال: ﴿ أيتها العير ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وأنا به زعيم ﴾ ما الزعيم؟....

قال: الكفيل.

قال فيه فروة بن مسيك: اكون زعيمكم في كل عام ** بجيش جحفل لجب لهام وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما جئنا لنفسد في الأرض ﴾ يقول: ما جئنا لنعصي في الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا فما جزاؤه ﴾ قال: عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا ﴿ جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ﴾ وكان الحكم عند الأنبياء!

يعقوب وبنيه عليهم السلام، أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يسترق.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي رضي الله عنه قال: أخبروه بما يحكم في بلادهم، أنه من سرق أخذ عبداً.

فقالوا ﴿ جزاؤه من وجد في رحله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبدأ بأوعيتهم ﴾ الآية.

قال: ذكر لنا أنه كان كلما فتح متاع رجل، استغفر تأثماً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، قال: ما أظن أن هذا أخذ شيئاً.

قالوا: بلى، فاستبره.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ قال: كذلك صنعنا ليوسف ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ يقول: في سلطان الملك.

قال: كان في دين ملكهم أنه من سرق أخذت منه السرقة ومثلها معها من ماله، فيعطيه المسروق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ يقول: في سلطان الملك.

وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآية.

قال: دين الملك لا يؤخذ به من سرق أصلاً، ولكن الله تعالى كاد لأخيه، حتى تكلموا بما تكلموا به فآخذهم بقولهم، وليس في قضاء الملك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ قال: لم يكن ذلك في دين الملك أن يأخذ من سرق عبداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي رضي الله عنه قال: كان حكم الملك، أن من سرق ضاعف عليه الغرم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ قال: إلا بعلة، كادها الله ليوسف عليه السلام، فاعتل بها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق مالك بن أنس رضي الله عنه قال: سمعت زيد بن أسلم رضي الله عنه يقول في هذه الآية ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ قال: بالعلم.

يرفع الله به من يشاء في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ قال: يوسف واخوته، اوتوا علماً.

فرفعنا يوسف فوقهم في العلم درجة.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كنا عند ابن عباس- رضي الله عنهما- فحدث بحديث، فقال رجل عنده ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ فقال ابن عباس- رضي الله عنهما- بئس ما قلت؛ الله العليم الخبير هو فوق كل عالم.

وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: سأل رجل علياً رضي الله عنه عن مسألة، فقال فيها.

فقال الرجل: ليس هكذا، ولكن كذا وكذا، قال علي- رضي الله عنه-: أحسنت وأخطأت ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قال: علم الله فوق كل عالم.

وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قال الله أعلم من كل أحد.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الحسن في الآية قال: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله.

منه بدأ وإليه يعود.

وفي قراءة عبد الله ﴿ وفوق كل عالم عليم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد وأبو الشيخ، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ قالا: هو ذلك أيضاً، يوسف واخوته هو فوقهم في العلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ﴾ قال المفسرون: لما قال إخوة يوسف: ﴿ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية.

وأقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق، قال لهم المؤذن: إنه لابد من (تفتيش أمتعتكم (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ﴾ إن شئت رددت الكناية إلى السقاية، وإن شئت إلى الصواع، على لغة من يؤنث.

وإن شئت على السرقة؛ لأن فيما تقدم دليلاً عليها، قاله الفراء (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ قال الزجاج (٧) قال عطاء عن ابن عباس (٨) (٩) وقال قتادة (١٠) وقال ابن إسحاق (١١) وقال مجاهد (١٢) (١٣) هذا قول المفسرين في معنى قوله ﴿ كِدْنَا ﴾ ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي (١٤) وقال أبو بكر (١٥) ﴿ كِدْنَا ﴾ وقع خبرًا عن الله تعالى، على خلاف معناه في أوصاف المخلوقين، فإنه إذا أخبر به عن مخلوق كان تحته احتيال.

وهو في وصف فعل الله يُعرّى من المعاني المذمومة، ويخلص أنه وقع بمن يكيده ما يريد من حيث لا يشعر به، ولا يقدر على دفعه، فهو من الله مشبه بالذي يكون من المخلوقين، من أجل أن المخلوق إذا كاد المخلوق ستر عنه ما ينويه ويضمر له، والذي يقع به الكيد من الله تعالى يتستر عنه ما كتم الله عاقبته، والذي وقع بإخوة يوسف من كيد الله تعالى ما انتهى إليه شأن يوسف من ارتفاع المنزلة، وتمام النعمة، فحيث جرى الأمر على غير ما قدروا من إهلاكه، وخلوص أبيهم لهم بعده، بتدبير الله وخفي لطفه، جعل ذلك كيدًا لمَّا أشبه كيد المخلوقين (١٦) وقولى تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ﴾ قال ابن عباس (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) قال أبو بكر: والدين معناه في اللغة: السلطان.

وأنشد قول زهير (٢١) في دِينِ عَمْرو وحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ وقال الزجاج (٢٢) (٢٣) وأنشد (٢٤) قال أهل التفسير (٢٥) ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ فكان ذلك بمشيئة الله.

قال أبو إسحاق (٢٦) وقال أبو بكر: تأويله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ويستوجب ضمّه إلا بمشيئة الله ذلك، وتقريبه منه ما لا يوصل إليه إلا بتسهيله وتيسيره.

وروي عن الحسن (٢٧) ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ أي أنه الآمر له بذلك، والمفسرون على أن ذلك كان إلهامًا.

وقوله تعالى: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾ قال أهل المعاني أي (٢٨) وقال أبو بكر (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين أحدهما: أن المراد بقوله (عليم) الله تعالى، والمعنى: وفوق كل ذي علم معلّم عليم، وهو الله تعالى الغني بعلمه عن التعليم، وهذا قول ابن عباس (٣٠) (٣١) (٣٢) وروي عن سعيد أنه قال: "ذكر ابن عباس آية فقال رجل من القوم: الحمد لله وفوق كل ذي علم عليم، قال ابن عباس: بئسما قلت: الله هو العلم وهو فوق كل شيء (٣٣) قال أبو بكر: وتأويل الآية على هذا: وفوق كل ذي علم اختص به وانكشف له رب العالمين الذي المِنّة له وكل العلوم منه بدأت وإليه تعود.

والقول الثاني: والذي عليه أكثر المفسرين: وفوق كل ذي علم ممن رفعه الله عليم قد رفعه الله بالعلم فهو أعلم منه، وهذا قول ابن عباس (٣٤) قال أبو بكر: قال جماعة من أهل التفسير: إن العالم واجب عليه أن يتهم نفسه ويستشعر التواضع لربه، ولا يطمع نفسه بالغلبة على العلوم؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم يفوقه.

(١) في (ج): (أوعيتكم).

(٢) ما بين القوسين بياض في (ب).

(٣) "اللسان" (وعى) 8/ 4876.

(٤) "معاني القرآن" 2/ 52.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 122.

(٦) "زاد المسير" 4/ 261.

(٧) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 151، ولم أجده في "معاني الزجاج" 3/ 122.

(٨) الثعلبي 7/ 98 ب، و"زاد المسير" 4/ 261، القرطبي 9/ 236.

(٩) الثعلبي 7/ 98 ب.

(١٠) هذا القول أخرجه الطبري 13/ 25، عن ابن جريح والسدي والضحاك، وابن أبي حاتم 4/ 230 ب عن الضحاك.

(١١) الطبري 13/ 25.

(١٢) الطبري 13/ 24.

(١٣) (كاد) ساقط من (ج).

(١٤) "تهذيب اللغة" (كاد) 4/ 3076.

(١٥) "زاد المسير" 4/ 261 مختصرًا.

(١٦) يراجع مبحث منهجه في تفسير آيات العقيدة، في المقدمة.

(١٧) "تنوير المقباس" ص 152، و"زاد المسير" 4/ 261.

(١٨) الطبري 13/ 25، وعبد الرزاق 2/ 326، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2176، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 52، والثعلبي 7/ 98 ب، وابن عطية 8/ 32، والبغوي 4/ 262.

(١٩) الطبري 13/ 25، وابن أبي حاتم 7/ 2176، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 51، والثعلبي 7/ 98 ب، والبغوي 4/ 262، وابن عطية 8/ 32، والقرطبي 9/ 238.

(٢٠) "مشكل القرآن وغريبه" ص 227.

(٢١) عجز بيت لزهير، وصدره: لئن حللت بجوفي بني أسد من قصيدة له يخاطب بها الحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد، وكان قد أغار على بني عبد الله بن غطفان فغنم واستاق إبل زهير وراعيه يسارًا، وجو: موضع في ديار بني أسد، وعمرو: هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، وفدك: قرية بالحجاز وقد روي: (وحالت دوننا).

انظر: "ديوانه" ص 83، الكامل 3/ 328، الأمالي 2/ 295، "تأويل مشكل القرآن" ص 453، اللسان (فدك) 6/ 3364، و"جمهرة الأمثال" 1/ 116، و"تاج العروس" (فدك)، وبلا نسبة في "جمهرة اللغة" ص 688.

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 122.

(٢٣) ذكره القرطبي 9/ 238 ونسبه إلى ابن عيسى، وانظر "تهذيب اللغة" (دين) 2/ 1136، اللسان (دين).

(٢٤) عجز بيت للمُثَقِّب العبدي، وصدره: تقول إذ درأت لها وضيني من قصيدة له في "المفضليات" ص 292، "ديوانه" ص 195، والبيت كما يلي: تقول إذا درأت لها وضيني ...

أهذا دأبه أبدًا وديني الكامل 1/ 329، الصناعتين ص 86 "اللسان" (درأ) 1349، الطبري 1/ 511، "تأويل مختلف الحديث" 82، "تهذيب اللغة" 2/ 1166، "تاج العروس" (درأ) 1/ 150.

(٢٥) انظر: الطبري 13/ 22، ابن أبي حاتم 7/ 2174، الثعلبي 7/ 98 ب، القرطبي 9/ 238، "زاد المسير" 4/ 261.

(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 122، وفيه: (لما سقطت) بدل: (سقط).

(٢٧) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 280.

(٢٨) (أي) ساقط من (ج).

(٢٩) "زاد المسير" 4/ 262.

(٣٠) الطبري 13/ 27.

(٣١) الطبري 13/ 27، العلبي 7/ 99 أ، ابن عطية 8/ 35.

(٣٢) الطبري 13/ 27.

(٣٣) الطبري 13/ 26، وعبد الرزاق 2/ 326 وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي هاشم 7/ 2177، وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات كما في "الدر" 4/ 52، وابن عطية 8/ 35، والقرطبي 9/ 238.

(٣٤) الطبري 13/ 27، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2177، وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات كما في "الدر" 4/ 52، الثعلبي 7/ 99 أ، البغوي 4/ 263، القرطبي 9/ 238.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالُواْ تالله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض ﴾ أي استشهدوا بعلمهم لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم؛ حتى كانوا يجعلون الأكِمّة في أفواه إبلهم لئلا تنال زروع الناس ﴿ قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كاذبين ﴾ أي قال فتيان يوسف: ما جزاء آخذ الصواع إن كنتم كاذبين في قولكم: وما كنا سارقين، فالضمير في قوله جزاؤه يعود على الأخذ المفهوم من الكلام ﴿ قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ المعنى أن إخوة يوسف أفتو فيما سئلوا عنه فقالوا: جزاء السارق أن يستعبد، ويؤخذ في السرقة، وأما الإعراب فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون جزاؤه الأول مبتدأ ومن مبتدأ ثان وهي شرطية أو موصولة، وخبرها فهو جزاؤه، والجملة خبر جزاؤه الأول، والوجه الثاني: أن يكون من خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره جزاؤه أخذ من وجد في رحله وتم الكلام.

ثم قال فهو جزاؤه أي هذا الحكم جزاؤه ﴿ وكذلك نَجْزِي الظالمين ﴾ [الأعراف: 41] من كلام إخوة يوسف أي هذا حكمنا في السارق، وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ بقطع الأيدي ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ﴾ هذا تمكين للحيلة ورفع للتهمة ﴿ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ ليصح له بذلك إمساكه معه، وإنما أنث الصواع في هذا الموضع لأنه سقاية، أو لأن الصواع يذكر ويؤنث.

﴿ كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ أي صنعنا له هذا الصنع ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك ﴾ أي في شرعة أو عادته، لأنه إنما كان جزاء السارق عنده أن يضرب ويضاعف عليه الغرم، ولكن حكم في هذه القضية آل يعقوب ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ يعني الرفعة بالعلم بدليل ما بعده ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أي فوق كل عالم من هو أعلم منه من البشر، أو الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أني أنا أخوك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بالإضافة وبياء الغيبة في الفعلين: سهل ويعقوب.

بالنون وبالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون وعلى الإضافة.

﴿ فلما استيأسوا ﴾ وبابه بالألف ثم الياء: أبو ربيعة عن البزي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة الباقون: بياء ثم همزة على الأصل ﴿ لي أبي ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وافق ابن كثير في أبي.

الوقوف: ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لسارقون ﴾ ه ﴿ تفقدون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه ﴿ سارقين ﴾ ه ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فهو جزاؤه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من وعاء أخيه ﴾ ط ﴿ ليوسف ﴾ ط ﴿ يشاء الله ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مكاناً ﴾ ج ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ مكانه ﴾ ج الثلاثة لانقطاع النظم مع اتصال المعنى المحسنين} ه عنده لا لتعلق "إذا" بما قبلها ﴿ لظالمون ﴾ ه ﴿ نجيا ﴾ ط ﴿ يوسف ﴾ ط للابتداء بالنفي مع فاء التعقيب ﴿ يحكم الله لي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء أو الحال ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ سرق ﴾ ج لانقطاع النظممع اتحاد القائل ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ أقبلنا فيها ﴾ ط لاختلاف الجملتين والابتداء بأنّ: ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: روي أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه.

فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته.

ثم أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معى فآواه إليه أي أنزله في المنزل الذي كان يأوي إليه: فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح.

ولما رأى تأسفه لأخ هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟

قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل: فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و ﴿ قال إني أنا أخوك ﴾ قال وهب: أراد إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس وعدم التوحش.

وقال ابن عباس وسائر المفسرين: أراد تعريف النسب لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة ﴿ فلا تبتئس ﴾ افتعال من البؤس الشدّة والضر أراد نهيه عن اجتلاب الحزن ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ من دواعي الحسد والأعمال المنكرة التي أقدموا عليها.

يروى أن بنيامين قال ليوسف: أنا لا أفارقك.

فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن أنسبك إلى ما ليس يحسن.

قال: أنا راض بما رضيت.

قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك أنك قد سرقته فذلك قوله  ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ والسقاية مشربة يسقى بها وهي الصواع كان يسقى بها الملك أو الدواب ثم جعلت صاعاً يكال به.

وكان مستطيلاً من ذهب أو فضة مموهة بالذهب أو مرصعاً بالجواهر أقوال ﴿ ثم أذن مؤذن ﴾ نادى منادٍ ومعناه راجع إلى الإيذان والإعلام إلا أن التشديد يفيد التكثير أو التصويب بالنداء ﴿ أيتها العير ﴾ أراد أصحاب العير كقوله  : "يا خيل الله اركبي" والعير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء.

وقيل: هي قافلة الحمير كأنها جمع عير وأصلها "فعل" بالضم كسقف فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء كما في "بيض" ثم كثر في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز لنبي الله أن يرضى بنسبة قومه إلى السرقة وهم برآء؟

وأجاب العلماء بأنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا السقاية غلب على ظنونهم أنهم أخذوها، أو المؤذن ذكر ما ذكر على سبيل الاستفهام، أو المراد أنهم سرقوا يوسف  من أبيهم، أو المراد أن فيكم سارقاً وهو الأخ الذي رضي بذلك البهتان فلا ذنب لأن الخصم رضي بأن يقال في حقه ذلك.

ثم إن إخوة يوسف ﴿ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ﴾ قيل: صواع اسم للصاع والسقاية وصف ﴿ ولمن جاء به ﴾ أي بالصواع ﴿ حمل بعير ﴾ من طعام جعلاً لمن حصله ﴿ وأنا به زعيم ﴾ كفيل هو من قول المؤذن وفيه أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم أيضاً إذا كان معلوماً فكأن حمل بعير كان عندهم شيئاً معلوماً كوسق مثلاً إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهو كفالة ما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم ﴿ قالوا تالله ﴾ التاء مبدلة من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل.

حلفوا على أمرين معجبين: أحدهما أنهم علموا أن إخوة يوسف ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض بالنهب والغصب ونحو ذلك حتى روي أنهم دخلوا وأفواه دوابهم مشدودة خوفاً من أن تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد في الطرق والأسواق، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ورد المظالم حتى حكي أنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.

وثانيهما أنهم ما وصفوا قط بالسرقة.

﴿ قالوا ﴾ أي أصحاب يوسف: ﴿ فما جزاؤه ﴾ قال في الكشاف: الضمير للصواع والمضاف محذوف أي فما جزاء سرقته إن كنتم من الكاذبين في جحودكم وادعائكم البراءة؟

قلت: ويحتمل أن يعود إلى السارق، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في الجزاء حتى ﴿ قالوا جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي جزاؤه الرق.

قال الزجاج: وقوله ﴿ فهو جزاؤه ﴾ زيادة في البيان أي فأخد السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كما يقال حق السارق القطع جزاؤه لتقرر ما ذكر من استحقاقه، ويجوز أن يكون مبتدأ وباقي الكلام جملة شرطية مرفوعة المحل بالخبرية على أن الأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ليكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ والأول إلى "من" ولكنه وضع المظهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة.

وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ جزاؤه ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه.

أما قوله: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء ﴿ نجزي الظالمين ﴾ فيحتمل أن يكون من بقية كلام إخوة يوسف وأن يكون من كلام أصحاب يوسف والله أعلم.

ثم قال لهم المؤذن ومن معه: لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ﴾ لنفي التهمة والوعاء كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به.

قال قتاة: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثماً مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا أخوه قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً.

فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فنظر.

﴿ ثم استخرجها ﴾ أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث.

﴿ من وعاء أخيه ﴾ فأخذوا برقبته وحكموا برقيته.

ثم قال  ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الكيد العظيم ﴿ كدنا ليوسف ﴾ يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه.

والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر مكروه ولا سبيل إلى دفعه، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات لا على البدايات.

وما هذا الكيد؟

قيل: هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره والله  نصره وقواه.

وقيل: الكيد يستعمل في الخير أيضاً والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء فعلنا به انتهاء وقيل: تفسير هذا الكيد هو قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ لأن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه بناء على دين الملك وحكمه.

ومعنى ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ هو أن الله كاد له فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ أخيه، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض الدينية والدنيوية.

ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم الشمس فقال: ﴿ نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ فوقه أرفع درجة منه في علمه.

ثم إن أطلق على الله  أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصاً لأنه لا عليم فوقه، وإن قيل: إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص باقياً على عمومه، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع العلماء عليم هم دونه في العلم وهو الله  والميل إلى هذا التفسير لأن قوله: ﴿ ذو علم ﴾ مشعر بكون علمه زائداً على حقيقته ووصفه  عين ذاته، وفي هذا البحث طول وفي الرمز كفاية.

يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟

فقال: بنو راحيل هم الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم فعند ذلك ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ عنوا به يوسف.

واختلف في تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها.

وقيل: سرق عناقاً من أبيه أو دجاجة ودفعها إلى مسكين.

وقيل: كانت لإبراهيم  منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته عمة يوسف فحضنت يوسف إلى أن شب فأراد يعقوب أن ينتزعه منها وكانت تحبه حباً شديداً فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه ثم زعمت أنه قد سرقها، وكان في شرعهم استرقاق السارق فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.

وقيل إنهم كذبوا عليه وبهتوه حسداً وغيظاً.

﴿ فأسرّها يوسف ﴾ قال الزجاج وغيره: الضمير يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل: فأسر الجملة في نفسه ولم يبدها لهم، ثم فسرها بقوله: ﴿ قال أنتم شر مكاناً ﴾ والمعنى أنه قال هذه الجملة على سبيل الخفية.

وطعن الفارسي في هذا الوجه فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل، والحق أن القرآن حجة على غيره.

وقيل: الضمير: عائد على الإجابة أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر.

وقيل: يعود إلى المقالة أو السرقة أي لم يبين يوسف أن تلك السرقة كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والعار.

وعن ابن عباس أنه قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: عوقب بالحبس لأجل همه بها، وبالحبس الطويل لقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وبقولهم: ﴿ فقد سرق أخ له من قبل ﴾ لقوله: ﴿ إنكم لسارقون ﴾ ومعنى ﴿ شر مكاناً ﴾ شر منزلة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم على التحقيق وقلتم أكله الذئب ﴿ والله أعلم بما تصفون ﴾ المراد أنه يعلم أني لست بسارق في التحقيق ولا أخي، أو الله أعلم بأن الذي وصفتموه هل يوجب ذماً أم لا.

قال ابن عباس: لما قال يوسف هذا القول غضب يهوذا وكان إذا غضب وصاح لم تسمع صوته حامل إلا وضعت وقام شعره على جلده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه.

فقال لبعض إخوته: اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف لابن صغير له: مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف رجله على الأرض ليريه أن شديد وجذبه فسقط فعند ذلك ﴿ قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً ﴾ في السن أو في القدر وهو أحب إليه منا ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ استعباداً أو رهناً حتى نبعث الفداء إليك فلعل العفو أو الفداء كان جائزاً أيضاً عندهم ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ لو فعلت ذلك أو من المحسنين إلينا بأنواع الكرامة ورد البضاعة إلى رحالنا أو أرادوا الإحسان إلى أهل مصر حيث أعتقهم بعدما اشترى رقابهم بالطعام ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ معاذ الله ﴾ من ﴿ أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً ﴾ أي إذا أخذنا غيره ﴿ لظالمون ﴾ في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد الصواع في رحله ظلم عندكم، أو أراد إن الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملاً بخلاف الوحي ﴿ فلما استيأسوا منه ﴾ حيث لم يقبل الشفاعة أي يئسوا والزيادة للبالغة.

﴿ خلصوا ﴾ اعتزلوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم ﴿ نجياً ﴾ مصدر والمضاف محذوف أي ذوي نجوى، أو المراد أنهم التناجي في أنفسهم لاستجماعهم بذلك واندفاعهم فيه بجد واهتمام كما يقال: رجل جور ورجال عدل، أو صفة لموصوف محذوف أي فوجاً نجياً بمعنى مناجياً بعضهم لبعض كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيم كان تناجيهم؟

الجواب في تدبير أمرهم على أيّ وجه يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم فعند ذلك ﴿ قال كبيرهم ﴾ في السن وهو روبيل، أو في القدر وهو شمعون لأنه كان رئيسهم، أو في العقل والرأي وهو يهوذا.

وقوله: ﴿ ما فرطتم ﴾ إما أن تكون "ما" صلة أي ومن قبل هذا قصرتم ﴿ في ﴾ شأن ﴿ يوسف ﴾ ولم توفوا بعهدكم أباكم، وإما أن تكون مصدرية محله الرفع على الابتداء وخبره بالظرف تقديره ومن قبل تفريطكم أي وقع من قبل تقصيركم في حقه، أو النصب عطفاً على مفعول ألم تعلموا كأنه ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل، وإما أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في شأن يوسف من الجناية والخيانة ومحل الموصول الرفع أو النصب على الوجهين.

﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ فلن أفارق أرض مصر ﴿ حتى يأذن لي أبي ﴾ في الانصراف ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ بالخروج منها أو بالانتصاف من أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب.

ثم إنه بقي ذلك الكبير في مصر وقال لغيره من الإخوة.

﴿ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق ﴾ قاله بناء على ما شاهد من استخراج الصواع من وعائه، أو أراد أنه سرق في قول الملك وأصحابه كقول قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ أي في زعمك واعتقادك، أو المراد إن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة.

وإطلاق اسم أحد الشبيهين على الآخر جائز أو القوم ما كانوا حينئذ أنبياء فلا يبعد منهم الذنب.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ سرق ﴾ مشدداً مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة.

وعلى هذا فلا إشكال، ومما يدل على أنهم بنوا الأمر على الظاهر قوله ﴿ وما شهدنا إلا بما علمنا ﴾ أي إلا بقدر ما تيقناه من رؤية الصواع في وعائه ﴿ وما كنا للغيب ﴾ للأمر الخفي ﴿ حافظين ﴾ فإن الغيب لا يعلمه إلا الله.

وعن عكرمة أن الغيب الليل معناه لعل الصواع دس في رحله بالليل من حيث لا يشعر، أو ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق قاله مجاهد والحسن وقتادة، أو ما علمنا أنا إذا قلنا إن شرع بني إسرائيل هو استرقاق السارق أخذ أخونا بتلك الحيلة.

ثم بالغوا في إزالة التهمة فقالوا: ﴿ واسأل القرية التي كنا فيها ﴾ الأكثرون على أنها مصر.

وقيل: قرية على باب مصر وقع فيها التفتيش أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة ﴿ و ﴾ اسأل أصحاب ﴿ العير التي أقبلنا فيها ﴾ وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب.

وقيل: قوماً من أهل صنعاء.

وقال ابن الأنباري: إن يعقوب كان من أكابر الأنبياء فلا يبعد أن يحمل سؤال القرية على الحقيقة بأن ينطق الله الجمادات لأجله معجزة، فالمراد اسأل القرية والعير والجدران والحيطان فإنها تجبيك بصحة ما ذكرنا.

وقيل: إن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً فقد يقال سل عنه السماء والأرض وجميع الأشياء ويراد إنه ليس للشك فيه مجال.

ثم زادوا في تأكيد نفي التهمة قائلين ﴿ وإنا لصادقون ﴾ وليس غرضهم إثبات صدقهم فإن ذلك يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ولكن الإنسان إذا ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده أنا صادق فتأمل فيما ذكرته ليزول عنك الشك.

وههنا إضمار التقدير فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم فعند ذلك: ﴿ قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ وقد مر تفسيره في أول السورة.

ولكن المفسرين زادوا شيئاً آخر فقيل: المراد أنه خيل إليكم أنه سرق وما سرق.

وقيل: أراد سوّلت لكم أنفسكم إخراج بنيامين والمسير به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم عليّ في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله ربما جاء على خلاف تقديركم.

وقيل: أراد فتواهم وتعليمهم وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز على يعقوب السعي في إخفاء حكم الله  ؟

وأجيب بأن ذلك الحكم لعله كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق له مسلماً وكان الملك في ظن يعقوب كافراً، ولما طال بلاؤه ومحنته علم بحسن الظن والرجاء أنه  سيجعل له فرجاً ومخرجاً عما قريب، أو لعله علم بالوحي أن يوسف حي وكان بنيامين والكبير الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ قد بقيا في مصر فلذلك قال: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم ﴾ أي بالثلاثة الغائبين ﴿ جميعاً إنه هو العليم ﴾ بحالي ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما يفعله من الابتلاء والإبلاء.

التأويل: لما دخل الأوصاف البشرية ومعهم السر ﴿ على يوسف ﴾ القلب ﴿ آوى ﴾ القلب السر ﴿ إليه ﴾ لأنه أخوه الحقيقي بالمناسبة الروحانية ﴿ فلا تبتئس ﴾ إذا وصلت بي ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ معك في مفارقتي لأن السر مهما كان مفارقاً من قلب مقارناً للأوصاف كان محروماً عن كمالات هو مستعد لها ﴿ فلما جهزهم ﴾ جهز القلب الأوصاف بما يلائم أحوالها ﴿ جعل السقاية ﴾ وهي مشربة كان منها شربه ﴿ في رحل أخيه ﴾ لأنهما رضيعا لبان واحد ﴿ إنكم لسارقون ﴾ سرقتم في الأول يوسف القلب وشريتموه بثمن بخس من متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في الآخر مشربة ليست من مشاربكم، وفيه أن من ادعى الشرب من مشارب الرجال وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واستردت منه ﴿ ولمن جاء به حمل بعير ﴾ من علف الدواب ومراتع الحيوانات لأنه ليس مستحقاً للشرب من مشارب الملوك ﴿ لقد علمتم ﴾ أن المقبولين المقبلين على يوسف القلب لا نريد الإفساد في أرض الدنيا كما قالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ وما كنا سارقين ﴾ إذ أخذنا يوسف القلب وألقيناه في غيابة الجب البشرية بل سعينا في أن ينال مملكة مصر العبودية ليكون عزيزاً فيها ونحن أذلاء له ﴿ جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي لكل شارب مشرب ولكل شرب فدية.

ففدية الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته وكسبه، وفدية الشارب من مشرب الآخرة الدنيا وشهواتها، وفدية الشارب من شرب المحبة بذل الوجود ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعاً في أن يكونوا حريف الملك وشريبه ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ أي كما كاد الأوصاف البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذ ألقوه في جب البشرية كدنا بهم عند قسمة الأقوات من خزانة الملك فجعلنا قسمتهم من مراتع الحيوانات يأكلون كما تأكل الأنعام، وقسمة بنيامين السر من مشربة الملك.

﴿ وفوق كل ذي علم ﴾ آتيناه علم الصعود ﴿ عليم ﴾ بجذبه من المصعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا يصعد إليه إلا بالعلم القديم وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا صواع لا تسعه أوعية الإنسانية ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ فيه إشارة إلى السر والقلب مع أنهما مخصوصان بالحظوظ الأخروية والروحانية فإنهم قابلان للاسترقاق من الشهوات الدنياوية والنفسانية ولما رأت الأوصاف البشرية عزة القلب وعرفت اختصاص البشرية أرادت أن تفدي نفسها وسيلة إلى يعقوب الروح فقالت: ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ ﴿ قال معاذ الله ﴾ أن نقبل بالصحبة والمخالطة ﴿ إلا من وجدنا متاعنا ﴾ من الصدق والمحبة والإخلاص عنده أي لا تكون صحبتنا بالكراهية والنفاق وإنما تكون بعلة الجنسية ﴿ فلما استيأسوا ﴾ من صحبة القلب ﴿ خلصوا ﴾ عن الأوصاف الذميمة للتناجي ﴿ قال كبيرهم ﴾ هو العقل ألم تعلموا أن أباكم وهو الروح ﴿ قد أخذ عليكم موثقاً من الله ﴾ يوم الميثاق أن لا تعبدوا إلا الله ﴿ فلن أبرح ﴾ أرض فناء القلب وهي الصدر.

والحاصل أن صفة العقل لما تخلصت عن الأوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها وصارت محكومة لأوامر الروح مستسلمة لأحكام الحق.

﴿ ارجعوا إلى أبيكم ﴾ الروح على أقدام العبودية وتبديل الأخلاق ﴿ إن ابنك سرق ﴾ لأنه وجد في رحله مشربة المحبة التي بها يكال الحب على وفده.

﴿ وما كنا للغيب ﴾ عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة ﴿ حافظين ﴾ لأنه جعل السقاية في رحله في غيبتنا.

﴿ واسأل ﴾ أهل مصر الملكوت وأرواح الأنبياء والأولياء ﴿ قال بل سولت ﴾ فيه أن للنفس تزيينات وللأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح لكن عليه أن يصبر على إمضاء أحكام الله وتنفيذ قضائه ﴿ عسى الله أن يأتيني ﴾ فيه أن متولدات الروح من القلب والأوصاف وغيرها وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد للاستكمال فإن الله بجذبات العناية يجمعهم في مقعد صدق عنده مليك مقتدر ﴿ إنه هو العليم ﴾ بافتراقهم ﴿ الحكيم ﴾ بما في التفريق والجمع من الفوائد.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: يحتمل أنهم لما دخلوا البلد الذي فيه دعا يوسف أخاه وحن إليه ويحتمل أنهم دخلوا جميعاً على يوسف؛ فضم أخاه إلى نفسه؛ فقال: إني أنا أخوك.

قال بعضهم أهل التأويل لم يقل [له]: أنا أخوك: بالنسبة؛ ولكنه قال: أنا أخوك: مكان أخيك الهالك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ .

يقول: لا تحزن.

﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: يحتمل: لا تبتئس بما كان عمل إخوتك؛ كأنه لما دعاه فضمه إلى نفسه - شكا إليه من إخوته؛ فقال عند ذلك: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

ويحتمل: [فلا] تبتئس بما يعمل بك هؤلاء؛ أي: خدمه وعماله، كأنه أخبره بما كان يريد أن يكيد بهم؛ من جعل الصاع في رحله؛ فقال: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ بك؛ لأنه لا يجوز أن يجعل أخاه متهماً، يقرف به من غير أن ظهر منه شيء؛ وقد أخبره أنه أخوه.

والله أعلم.

دلَّ أنه أراد أن يعْلمه ما يريد أن يكيد بهم؛ ليكون هو على علم من ذلك.

[وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ ﴾ هو ما يهيأ للخروج؛ ولذلك يقال لمتاع المرأة: جهاز] وقوله: - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﴾ .

السقاية: قيل: هي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، وقيل: هو الصاع الذي كان يكال به الطعام؛ ولكن لا نعلم ما كان ذلك سوى أنا نعلم أنها كانت ذات قيمة وثمن؛ ألا ترى أن ذلك الرسول قال: ﴿ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴾ فلولا أنها كانت ذات قيمة وثمن وإلا لم يعط لمن جاء به حمل بعير الطعام، وكان قيمة الطعام عندهم في ذلك الوقت ما كان.

﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ .

أي: نادى مناد: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون يوسف يأمر رسوله أن يقول لهم: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ ؛ وقد علم أنهم ليسوا بسارقين، ولكن قال لهم ذلك المنادي الذي ناداه - والله أعلم -: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ من نفسه، وهو من بعض من يتولى كيل الطعام على الناس، وأمثاله لا يبالون الكذب [أو قال] لهم ذلك قوم كانوا بحضرتهم: ﴿ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ .

أو أن يكون على الاستفهام والتقرير.

فإن كان [هذا] - فهو يحتمل من يوسف؛ وأما غيره فلا؛ لأنه كذب.

وضم يوسف أخاه يحتمل وجهين: يحتمل لمكان سؤاله إياهم أن يأتوا به، أو لمكان فضله ومنزلته ليعلموا أن ما كان ليوسف وأخيه عند أبيهم من فضل المحبة والمنزلة من الله؛ إذ جعل ذلك لهما عند الملك وغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ ﴾ .

أي: إناء الملك؛ سمّاه مرةً صاعاً؛ ومرةً سقاية، فيجوز أن يستعمل في الأمرين جميعاً؛ في الاستسقاء والكيل جميعاً.

﴿ قَالُواْ ﴾ - لمناديه - ﴿ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴾ .

قال أبو عوسجة: أي أضللتم؛ يقال: افتقدتك وتفقدتك أي: تعهدتك.

وقال القتبي: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ : هو من البؤس، والسقاية: المكيال؛ وقيل: مشربة الملك، وصواع الملك؛ وصاعه - واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴾ .

قيل: ضمينٌ لذلك الطعام؛ وكفيل به.

والزعيم: كأنه أيضاً اسم لرئيس من القوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل أنهم قالوا ذلك؛ لأنكم رددتم إلينا الدراهم وجعلتم في أوعيتنا، ثم رددنا عليكم؛ مخافة أن نعرف بالسرقة والفساد في الأرض؛ فكيف تقرفونا بهذا؟!

والثاني: أنكم تعلمون أنا أبناء النبي والرسول، والأنبياء لا يكون منهم السرقة و [لا] الفساد في الأرض، ومثل هذا لم يظهر في أهل بيتنا قط ولا قرفنا به؛ فيكف قرفتمونا بهذا؟!

والثالث: أنكم تروننا صَوّامين قوامين؛ ومن هذا فعله ورأيه فإنه لا يتهم بالسرقة.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لما رأوهم دخلوا من أبواب متفرقة، ولو كانوا سراقاً لدخلوا مجموعين؛ لأن عادة السُّراق الاجتماع لا التفرق.

ثم قالوا: ﴿ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ ﴾ .

أي: إن كان فيكم من يكذب ويظهر ذلك منه؛ فما جزاؤه؟.

﴿ قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ أي يصير رقيقاً مملوكاً بها له، أو يصير محبوساً بها عنده.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ .

ظاهر هذا الكلام: أن يكون يوسف هو الذي فتش أوعيتهم، وطلب ذلك فيها؛ حيث نسب ذلك إليه بقوله: ﴿ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ .

لكنه نسب إليه؛ لمّا بأمْرِهِ فُتِّشَ؛ إِذ الملوك لا يتولون ذلك بأنفسهم وفيه أنه قد فصل بينهم وبين بنيامين؛ حيث سمَّى هذا أخاه، ولم يسم أولئك؛ بقوله: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ ، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه قد ذكر لهذا أنه أخوه؛ حيث قال له: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ  ﴾ ؛ ولم يذكر لأولئك فسمى هذا أخاً له، ونسب إليه بالأخوة؛ لما كان ذكر له، ولم يسم أولئك؛ لما لم يذكر لهم أنه أخوهم.

والثاني: أنه لم يكن لهذا - أعني بنيامين لمكان يوسف - سوء صنيع، ولا شر، بل هو على الأخوة والصداقة التي كانت بينه وبينه.

وأمَّا أولئك - أعني غيره من الإخوة - فقد كان منهم إليه ما كان من سوء صنيعهم، وقبح فعالهم؛ فيخرج ذلك مخرج التبري من الإخوة بسوء ما كان منهم إليه؛ وهو [كقوله لنوح] -  - حين قال: ﴿ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي  ﴾ ﴿ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  ﴾ نفى أن يكون من أهله؛ بسوء عمله وفعله؛ غير صالح.

فعلى ذلك الأول يشبه أن يكون على هذا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ .

دل هذا أنه قد كان منه أيضاً التفتيش والطلب في وعاء أخيه؛ على ما كان في أوعيتهم [لا يستخرجها] على غير تفتيش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: يحتمل ﴿ كَذٰلِكَ كِدْنَا ﴾ أي علمنا يوسف - من أول الأمر إلى آخره - ما يكيد ويحتال في إمساك أخيه عنده ومنعه عنهم؛ لأن يخلو لهم وجه أبيهم جزاء ما طلبوا هم: أن يخلو لهم وجه أبيهم؛ بتغييب يوسف عن أبيه؛ لأن أباهم قال: ﴿ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ فلما بلغه ذلك الخبر - تولى عنهم؛ وهو قوله: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ...

﴾ الآية [يوسف: 84]؛ هذا - والله أعلم - جزاء كيدهم الذي كادوا بيوسف ليخلو لهم وجه أبيهم؛ ليتولى عنهم أبوهم، هذا يشبه أن يكون.

والثاني: ﴿ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ أي: علمناه أن كيف يفتش أوعيتهم لئلا يشعروهم أنه عن علم استخرجها من وعاء أخيه؛ لا عن جهل وظن، فعلمه البداية في التفتيش بأوعيتهم؛ لئلا يقع عندهم أنه عن علم ويقين يأخذه.

يشبه - والله أعلم - أن يخرج قوله: ﴿ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ على هذين الوجهين.

أو ﴿ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ أي: أمرنا يوسف بالكيد بهم؛ جزاء ما عملوا بمكانه لما اهتموا بإمساك أخيهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ ﴾ .

أي في حكم الملك، ذكر أن حكم إخوة يوسف وقضاءهم فيهم: أن من سرق يكون عبداً بسرقته للمسروق منه، ويستعبد بسرقته، ومن حكم الملك: أن يغرم السارق ضعفي ما سرق؛ ويضرب ويؤدب؛ ثم يخلى عنه، ولا نعلم ما حكم الملك في السرقة، سوى أنه أخبر أن ليس له أخذ أخيه في دين الملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، أو يجعل له حق الأخذ وحبسه؛ وإن لم يكن ذلك في حكمه.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ على ما كان من إبراهيم: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ الآية [الأنعام: 80] وكان الأنبياء - عليهم السلام - يذكرون الثنيا على حقيقة المشيئة، أو يقول: إلا أن يكون في علم الله مني زلة؛ فأستوجب عند ذلك الكون في دين ذلك الملك؛ فيشاء ما علم مني، وكذلك قول إبراهيم حيث قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً  ﴾ أي: لا أخاف ما تشركون به؛ إلا أن يكون مني ما أستوجب ذلك بزلة؛ فيشاء الله ذلك مني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ .

الدرجات: هن الفضائل؛ يرفع بعضهم فوق بعض بالنبوة والعلم، وفي كل شيء.

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ .

ما من عالم وإن لطف علمه وكثر إلا قد يكون فوقه من هو ألطف علماً منه وأكثر وأعلم في شيء أو يكون قوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ وهو الله  ؛ فوق كل ذي علم؛ يعلمهم العلم، والله أعلم.

من يقول: إنه عالم إلا بعلم يحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث قال: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أثبت لغيره العلم ولم يذكر لنفسه؛ بل قال: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ؛ لكنه إذا قال: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أثبت العلم ولأنه إذا قال: وفوق كل العلماء عليم يكون كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: كانت سرقته: أنه كان صنم من ذهب لجده أبي أمّه يعبده؛ فسرق ذلك منه لئلا يُعْبَدَ دون الله، ولكنا لا نعلم ذلك؛ ونعلم أنهم كذبوا في قولهم ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ وأرادوا أن يتبرءوا منه، وينفوا ذلك عن أنفسهم، ليعلم أنه ليس منهم.

فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ﴿ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ عند الله.

قيل: إن يوسف أسر هذه الكلمة في نفسه؛ لم يظهرها لهم أو أسر ما اتهموه بالسرقة.

وجائز أن يكون قولهم: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ خاطبوا به أخاه بنيامين دون يوسف: [إن سرقت] فقد سرق أخ له من قبل؛ يقولون فيما بينهم.

وقد ذكر في بعض الحروف: (إِن يسرق فقد سُرِّقَ أخ لهم من قَبل) بالتشديد فإن ثبت؛ فالتأويل هو لقولهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي: أنتم شر صنعاً بيوسف.

﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ من الكذب أنه سرق أخ له من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ .

أرادوا والله أعلم أن يرقّوا قلبه بهذا، ﴿ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ﴾ لما يكون قلب الشيخ بولده الصغير أميل؛ وهو عنده آثر وأكثر منزلة منا.

﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

لما أحسن إليهم في الكيل؛ والإنزال في المنزل والضيافة والقرى؛ قد رأوه وعلموه محسناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ﴾ .

قيل: هذا قول يوسف.

﴿ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ أي أعوذ بالله ﴿ أَن نَّأْخُذَ ﴾ ونحبس بالسرقة ﴿ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ﴾ فإن قيل: كيف تعوذ على ترك أخذه؛ وأخذ غيره مكانه، ولم يكن وجب له حق الأخذ؛ إذ لم يكن سرقه وإنما يتعوذ على ترك ما لا يسع تركه؟

قيل: إنه لم يتعوذ على ترك أخذ أخيه، إنما تعوذ على أخذ غير من وجد المتاع عنده.

﴿ إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ ﴾ عندكم لو أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده؛ إذ في حكمهم أخذ من سرق بالسرقة والحبس بها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأرجعوهم إلى يوسف لتفتيش أوعيتهم، فبدأ بتفتيش أوعية إخوته غير الأشقاء قبل تفتيش وعاء أخيه الشقيق سترًا للحيلة، ثم فتش وعاء شقيقه، وأخرج صاع الملك منه، كما كدنا ليوسف بتدبير وضع الصاع في وعاء أخيه، كدنا له أمرًا آخر أن يأخذ إخوته بعقاب بلدهم باسترقاق السارق، هذا الأمر لا يتحقق لو عمل بعقاب الملك للسارق الذي هو الضرب والتغريم، إلا أن يشاء الله تدبيرًا آخر فهو قادر عليه، نرفع مراتب من نشاء من عبادنا كما رفعنا مرتبة يوسف، وفوق كل صاحب علم من هو أعلم منه، وفوق عِلمِ الجميع عِلمُ الله الذي يعلم كل شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.qxRjA"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر