الآية ٣ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣ من سورة الرعد

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 145 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى العالم العلوي ، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي ، فقال : ( وهو الذي مد الأرض ) أي : جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض ، وأرساها بجبال راسيات شامخات ، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون لسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح ، من كل زوجين اثنين ، أي : من كل شكل صنفان .

( يغشي الليل النهار ) أي : جعل كلا منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا ، فإذا ذهب هذا غشيه هذا ، وإذا انقضى هذا جاء الآخر ، فيتصرف أيضا في الزمان كما تصرف في المكان والسكان .

( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) أي : في آلاء الله وحكمته ودلائله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي مَدَّ الأرض, فبسطها طولا وعرضًا .

* * * وقوله: (وجعل فيها رواسي) يقول جل ثناؤه: وجعل في الأرض جبالا ثابتة.

* * * و " الرواسي: " جمع " راسية "، وهي الثابتة, يقال منه: " أرسيت الوتد في الأرض ": إذا أثبته, (25) كما قال الشاعر: (26) بــهِ خَــالِدَاتٌ مَـا يَـرِمْنَ وهَـامِدٌ وَأشْــعَثُ أرْسَــتْهُ الوَلِيـدَةُ بِـالفِهْرِ (27) يعني: أثبتته .

* * * وقوله: (وأنهارًا) يقول: وجعل في الأرض أنهارًا من ماء .

* * * وقوله: (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) فـ(من) في قوله (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) من صلة (جعل) الثاني لا الأول .

* * * ومعنى الكلام: وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات .

وعنى بـ(زوجين اثنين): من كل ذكر اثنان, ومن كل أنثى اثنان, فذلك أربعة، من الذكور اثنان، ومن الإناث اثنتان في قول بعضهم .

* * * وقد بينا فيما مضى أن العرب تسمي الاثنين: (زوجين), والواحد من الذكور " زوجًا " لأنثاه, وكذلك الأنثى الواحدة " زوجًا " و " زوجة " لذكرها, بما أغمى عن إعادته في هذا الموضع .

(28) ويزيد ذلك إيضاحًا قول الله عز وجل: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [سورة النجم: 45] فسمى الاثنين الذكر والأنثى (زوجين) .

وإنما عنى بقوله: (زوجين اثنين)، (29) نوعين وضربين .

* * * وقوله: (يغشي الليل النهار) ، يقول: يجلِّل الليلُ النهارَ فيلبسه ظلمته, والنهارُ الليلَ بضيائه، (30) كما:- 20066- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (يغشي الليل النهار) أي: يلبس الليل النهار .

* * * وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ، يقول تعالى ذكره: إن فيما وصفت وذكرت من عجائب خلق الله وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء, لَدلالات وحججًا وعظات, لقوم يتفكرون فيها، فيستدلون ويعتبرون بها, فيعلمون أن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا لمن خلقها ودبَّرها دون غيره من الآلهة والأصنام التي لا تقدر على ضر ولا نفع ولا لشيء غيرها, إلا لمن أنشأ ذلك فأحدثه من غير شيء تبارك وتعالى وأن القدرة التي أبدع بها ذلك، هي القدرة التي لا يتعذَّر عليه إحياء من هلك من خلقه، وإعادة ما فني منه وابتداع ما شاء ابتداعَه بها .

(31) --------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير" الإرساء" فيما سلف 13 : 293 .

(26) هو الأحوص .

(27) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 321 ، واللسان ( رسا ) ، وروايته" سوى خالدات" و" ترسيه الوليدة" .

و" الخالدات" ، و" الخوالد" صخور الأثافي ، سميت بذلك لطول بقائها بعد دروس أطلال الديار .

: ما يرمن" ، ما يبرحن مكانهن ، من" رام المكان يريمه" ، إذا فارقه .

و" الهامد" الرماد المتلبد بعضه على بعض .

و" الأشعث" ، الوتد ، لأنه يدق رأسه فيتشعث ويتفرق ، و" الوليدة" : الجارية ، و" الفهر" حجر ملء الكف ، يدق به .

(28) انظر تفسير" الزوج" فيما سلف 1 : 397 ، 514 / 7 : 515 / 12 : 184 / 15 : 322 - 324 .

(29) في المخطوطة والمطبوعة :" من كل زوجين اثنين" ، وهم الناسخ، فزاد في الكلام ما ليس منه هنا ، وإنما ذلك من قوله تعالى في آية أخرى .

فحذفت" من كل" ، ليبقى نص الآية التي يفسرها هنا .

(30) انظر تفسير" الإغشاء" فيما سلف 12 : 483 / 15 : 75 .

(31) السياق :" وهي القدرة التي لا يتعذر عليه ...

بها" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون[ ص: 245 ] قوله تعالى : وهو الذي مد الأرض لما بين آيات السماوات بين آيات الأرض ; أي بسط الأرض طولا وعرضا .وجعل فيها رواسي أي جبالا ثوابت ; واحدها راسية ; لأن الأرض ترسو بها ، أي تثبت ; والإرساء الثبوت ; قال عنترة :فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلعوقال جميل :أحبها والذي أرسى قواعده حبا إذا ظهرت آياته بطناوقال ابن عباس وعطاء : أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس .مسألة : في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة ، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبوابها عليها ; وزعم ابن الراوندي أن تحت الأرض جسما صعادا كالريح الصعادة ; وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصعادي في الجرم والقوة فتوافقا .

وزعم آخرون أن الأرض مركب من جسمين ، أحدهما منحدر ، والآخر مصعد ، فاعتدلا ، فلذلك وقفت .

والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها ، وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها .وقوله تعالى : وأنهارا أي مياها جارية في الأرض ، فيها منافع الخلق .ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين بمعنى صنفين .

قال أبو عبيدة : الزوج واحد ، ويكون اثنين .

الفراء : يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى ; وهذا خلاف النص .

وقيل : معنى زوجين نوعان ، كالحلو والحامض ، والرطب واليابس ، والأبيض والأسود ، والصغير والكبير .إن في ذلك لآيات أي دلالات وعلامات لقوم يتفكرون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ } أي: خلقها للعباد، ووسعها وبارك فيها ومهدها للعباد، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع، { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } أي: جبالا عظاما، لئلا تميد بالخلق، فإنه لولا الجبال لمادت بأهلها، لأنها على تيار ماء، لا ثبوت لها ولا استقرار إلا بالجبال الرواسي، التي جعلها الله أوتادا لها.

{ و } جعل فيها { أَنْهَارًا } تسقي الآدميين وبهائمهم وحروثهم، فأخرج بها من الأشجار والزروع والثمار خيرا كثيرا ولهذا قال: { وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: صنفين مما يحتاج إليه العباد.

{ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } فتظلم الآفاق فيسكن كل حيوان إلى مأواه ويستريحون من التعب والنصب في النهار، ثم إذا قضوا مأربهم من النوم غشي النهار الليل فإذا هم مصبحون منتشرون في مصالحهم وأعمالهم في النهار.

{ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ } على المطالب الإلهية { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيها، وينظرون فيها نظر اعتبار دالة على أن الذي خلقها ودبرها وصرفها، هو الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، وأنه عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، وأنه القادر على كل شيء، الحكيم في كل شيء المحمود على ما خلقه وأمر به تبارك وتعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وهو الذي مد الأرض ) بسطها ( وجعل فيها رواسي ) جبالا ثابتة ، واحدتها راسية ، قال ابن عباس : كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض ( وأنهارا ) وجعل فيها أنهارا .

( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) أي : [ صنفين اثنين ] أحمر وأصفر ، وحلوا وحامضا ( يغشي الليل النهار ) أي : يلبس النهار بظلمة الليل ، ويلبس الليل بضوء النهار ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) فيستدلون .

والتفكر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو الذي مد» بسط «الأرض وجعل» خلق «فيها رواسي» جبالا ثوابت «وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين» من كل نوع «يغشي» يغطي «الليل» بظلمته «النهار إن في ذلك» المذكور «لآيات» دلالات على وحدانيته تعالى «لقوم يتفكرون» في صنع الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهو سبحانه الذي جعل الأرض متسعة ممتدة، وهيأها لمعاشكم، وجعل فيها جبالا تُثبِّتُها وأنهارًا لشربكم ومنافعكم، وجعل فيها من كل الثمرات صنفين اثنين، فكان منها الأبيض والأسود والحلو والحامض، وجعل الليل يغطي النهار بظلمته، إن في ذلك كله لَعظات لقوم يتفكرون فيها، فيتعظون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فى عالم السماوات ، أتبعه بذكر بعض هذه المظاهر فى عالم الأرض فقال - تعالى - ( وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ) والمد : البسط والسعة .

ومنه ظل مديد أى متسع .والرواسى : الجبال مأخوذ من الرسو ، وهو ثبات الأجسام الثقيلة ، يقال : رسا الشئ يرسو رسْوا ورسُوًّا ، إذا ثبت واستقر ، وأرسيت الوتد فى الأرض إذا أثبته فيها .ولفظ رواسى : صفة لموصوف محذوف .

وهو من الصفات التى تغنى عن ذكر موصوفها .والأنهار : جمع نهر ، وهو مجرى الماء الفائض ، ويطلق على الماء السائل على الأرض .والمراد بالثمرات : ما يشملها هى وأشجارها ، وإنما ذكرت الثمرات وحدها ، لأنها هى موضع المنة والعبرة .والمراد بالزوجين : الذكر والأنثى ، وقيل المراد بهما الصنفان فى اللون أو فى الطعم أو فى القدر وما أشبه ذلك .والمعنى : - وهو - سبحانه - الذى بسط الأرض طولاً وعرضاً إلى المدجى الذى لا يدركه البصر ، ليتيسر الاستقرار عليها .ولا تنافى بين مدها وبسطها ، وبين كونها كروية ، لأن مدها وبسطها على حسب رؤية العين ، وكرويتها حسب الحقيقة .وجعل فى هذه الأرض جبالاً ثوابت راسخات ، لتمسكها من الاضطراب ، وجعل فيها - أيضاً - أنهاراً ، لينفع الناس والحيوان وغيرها بمياه هذه الأنهار .وجعل فيها كذلك من كل نوع من أنواع الثمرات ذكرا وأنثى .قال صاحب الكشاف : " أى خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها ، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت .وقيل : أراد بالزوجين ، الأسود والأبيض ، والحلو والحامض ، والصغير والكبير ، وما أشبه ذلك من الأوصاف المختلفة .وقال صاحب الظلال : " وهذه الجملة تتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريباً ، وهى أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى ، حتى النباتات التى كان مظنوناً أنه ليس لها من جنسها ذكور ، تبين أنها تحمل فى ذاتها الزوج الآخر ، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة فى زهرة ، أو متفرقة فى العود ..

.

"وقوله ( يُغْشِي الليل النهار ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده .ولفظ ( يغشى ) من التغشية بمعنى التغطية والستر .والمعنى : أن من مظاهر قدرته - سبحانه - أنه يجعل الليل غاشيا للنهار مغطياً له فيذهب بنوره وضيائه ، فيصير الكون مظلماً بعد أن كل مضيئاً .

ويجعل النهار غاشياً لليل ، فيصير الكون مضيئاً بعد أن كان مظلماً ، وفى مكان من منافع الناس ما فيه ، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل والراحة ، وبين السعى والسكون .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .أى : إن فى ذلك الذى فعله الله - تعالى - من بسط الأرض طولاً وعرضاً ومن تثبيتها بالرواسى ، ومن شقها بالأنهار .

.

.

لآيات باهرة ، ودلائل ظاهرة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده ، لقوم يحسنون التفكر ، ويطيلون التأمل فى ملكوت السموات والأرض .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض ﴾ .

واعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض وأحوالها من وجوه: الأول: أن الشيء إذا تزايد حجمه ومقداره صار كأن ذلك الحجم وذلك المقدار يمتد فقوله: ﴿ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض ﴾ إشارة إلى أن الله سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك المقدار المعين الحاصل له لا أزيد ولا أنقص والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً مما هو الآن وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار المعين لابد أن يكون بتخصيص وتقدير.

الثاني: قال أبو بكر الأصم المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله: ﴿ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض ﴾ يشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجماً عظيماً لا يقع البصر على منتهاه، لأن الأرض لو كانت أصغر حجماً مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به.

والثالث: قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها ودحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا.

وقال آخرون: كانت مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها: اذهبي كذا وكذا.

اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة وأصحاب هذا القول احتجوا عليه بقوله: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها  ﴾ وهذا القول مشكل من وجهين: الأول: أنه ثبت بالدلائل أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه؟

فإن قالوا: وقوله: ﴿ مَدَّ الأرض ﴾ ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها؟

قلنا: لا نسلم أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، والتفاوت الحاصل بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله ألا ترى أنه قال: ﴿ والجبال أَوْتَاداً  ﴾ فجعلها أوتاداً مع أن العالم من الناس يستقرون عليها فكذلك هاهنا.

والثاني: أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع، والشرط فيه أن يكون ذلك أمراً مشاهداً معلوماً حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع وكونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه.

والنوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ من فوقها ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها يقال: رسا هذا الوتد وأرسيته والمراد ما ذكرنا.

واعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه، الأول: أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لابد وأن يكون بتخليق القادر الحكيم.

قالت الفلاسفة: هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكانت تتولد في البحر طيناً لزجاً.

ثم يقوي تأثير الشمس فيها فينقلب حجراً كما يشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور ويقل فيتحجر البقية، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا: وإنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس وحضيضها متحركان، ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى، وشدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال، والآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في جانب الشمال، هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب وهو ضعيف من وجوه: الأول: أن حصول الطين في البحر أمر عام ووقوع الشمس عليها أمر عام فلم وصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض.

والثاني: وهو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا فسافاً فكأن البناء لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض ويبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه.

والثالث: أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريب من تسعة آلاف سنة، وبهذا التقدير أن الجبال في هذه المدة الطويلة كانت في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شيء، لكن ليس الأمر كذلك، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف.

والوجه الثاني: من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة ومواضع الجواهر النفيسة وقد يحصل فيها معادن الزاجات والأملاح وقد يحصل فيها معادن النفط والقير والكبريت، فكون الأرض واحدة في الطبيعة، وكون الجبل واحداً في الطبع، وكون تأثير الشمس واحداً في الكل يدل دليلاً ظاهراً على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات والممكنات.

والوجه الثالث: من الاستدلال بأحوال الجبال أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض، وذلك أن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة، ثم إنها لكثرتها وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه، ولهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر الله الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية، ومثل قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات وأسقيناكم مَّاء فُرَاتاً  ﴾ .

والنوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب خلقة النبات، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَمِن كُلّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الحبة إذا وضعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض ربت وكبرت وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة في الهواء، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض وهذا من العجائب، لأن طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم، والمقدر القديم لا بسبب الطبع والخاصية، ثم إن الشجرة الثابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشباً وبعضها يكون نوراً وبعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة أيضاً يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع، فالجوز له أربعة أنواع من القشور، فالقشر الأعلى وتحته القشرة الخشبة وتحته القشرة المحيطة باللبنة، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز رطباً وأيضاً فقد يحصل في الثمرة الواحدة الطباع المختلفة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه حار رطب وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس ونوره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه للطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لابد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القادر القديم.

المسألة الثانية: المراد بزوجين اثنين، صنفين اثنين والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو والحامض أو الطبيعة كالحار والبارد أو اللون كالأبيض والأسود.

فإن قيل: الزوجان لابد وأن يكون اثنين، فما الفائدة في قوله: ﴿ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ .

قلنا: قيل إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط، فلو قال: خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص.

أما لما قال اثنين علمنا أن الله تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد.

والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا أنهم لما ابتدؤا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم وحواء، فكذلك القول في جميع الأشجار والزرع، والله أعلم.

النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بأحوال الليل والنهار وإليه الإشارة بقوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ والمقصود أن الإنعام لا يكمل إلا بالليل والنهار وتعاقبهما كما قال: ﴿ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهار مُبْصِرَةً  ﴾ ومنه قوله: ﴿ يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً  ﴾ وقد سبق الاستقصاء في تقريره فيما سلف من هذا الكتاب، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿ يُغْشِى ﴾ بالتشديد وفتح الغين والباقون بالتخفيف، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

واعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي يذكر عقبها: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أو ما يقرب منه بحسب المعنى، والسبب فيه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود، فلهذا المعنى قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا المقام من التفكر والتأمل ليتم الاستدلال.

واعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين: الأول: أن نقول هب أنكم أسندتم حوادث العالم السفلي إلى الأحوال الفلكية والاتصالات الكوكبية إلا أنا أقمنا الدليل القاطع على أن اختصاص كل واحد من الأجرام الفلكية وطبعه ووضعه وخاصيته لابد أن يكون بتخصيص المقدر القديم والمدبر الحكيم، فقد سقط هذا السؤال وهذا الجواب قد قرره الله تعالى في هذا المقام، لأنه تعالى ابتدأ بذكر الدلائل السماوية وقد بينا أنها كيف تدل على وجود الصانع.

ثم إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية.

فإن قال قائل: لم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال الفلكية، كان جوابنا أن نقول فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم على افتقار الأجرام الفلكية إلى الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال قادحاً في غرضنا.

والوجه الثاني: من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية، وذلك هو المذكور في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها علم أن هذا الكتاب اشتمل على علوم الأولين والآخرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذى ﴾ خبره، بدليل قوله: ﴿ وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض ﴾ ويجوز أن يكون صفة.

وقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر يُفَصّلُ الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

وينصره ما تقدّمه من ذكر الآيات ﴿ رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ كلام مستأنف استشهاد برؤيتهم لها كذلك.

وقيل: هي صفة لعمد.

ويعضده قراءة أبي ﴿ ترونه ﴾ .

وقرئ: ﴿ عُمُد ﴾ ، بضمتين ﴿ يُدَبِّرُ الأمر ﴾ يدبر أمر ملكوته وربوبيته ﴿ يُفَصّلُ ﴾ آياته في كتبه المنزلة ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لابد لكم من الرجوع إليه.

وقرأ الحسن: ﴿ ندبر ﴾ ، بالنون ﴿ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت.

وقيل: أراد بالزوجين: الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً.

وقرئ: ﴿ يغشّى ﴾ بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا لِتَثْبُتَ عَلَيْها الأقْدامُ ويَنْقَلِبَ عَلَيْها الحَيَوانُ.

﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ، جَمْعُ راسِيَةٍ والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ عَلى أنَّها صِفَةُ أجْبَلَ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَأنْهارًا ﴾ ضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ إنَّ الجِبالَ أسْبابٌ لِتُوَلُّدِها.

﴿ وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ كالحُلْوِ والحامِضِ، والأسْوَدِ والأبْيَضِ والصَّغِيرِ والكَبِيرِ.

﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ﴿ يُغْشِي ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فِيها فَإنَّ تَكَوُّنَها وتَخَصُّصَها بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ صانِعٍ حَكِيمٍ دَبَّرَ أمَرَها وهَيَّأ أسْبابَها.

﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ بَعْضُها طَيِّبَةٌ وبَعْضُها سَبِخَةٌ، وبَعْضُها رَخْوَةٌ وبَعْضُها صُلْبَةٌ، وبَعْضُها تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ وبَعْضُها بِالعَكْسِ.

ولَوْلا تَخْصِيصُ قادِرٍ مُوقِعٍ لِأفْعالِهِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لِاشْتِراكِ تِلْكَ القِطَعِ في الطَّبِيعَةِ الأرْضِيَّةِ وما يَلْزَمُها ويَعْرِضُ لَها بِتَوَسُّطِ ما يَعْرِضُ مِنَ الأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، مِن حَيْثُ إنَّها مُتَضامَّةٌ مُتَشارِكَةٌ في النِّسَبِ والأوْضاعِ.

﴿ وَجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ ﴾ وبَساتِينُ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ والزُّرُوعِ، وتَوْحِيدُ الزَّرْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿ وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿ وَجَنّاتٌ ﴾ .

﴿ صِنْوانٌ ﴾ نَخْلاتٌ أصْلُها واحِدٌ.

﴿ وَغَيْرُ صِنْوانٍ ﴾ مُتَفَرِّقاتٌ مُخْتَلِفاتُ الأُصُولِ.

وقَرَأ حَفْصٌ بِالضَّمِّ وهو لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ كَـ ﴿ قِنْوانٌ ﴾ في جَمْعِ قِنْوٍ.

(تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ) في الثَّمَرِ شَكْلًا وقَدْرًا ورائِحَةً وطَعْمًا، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَإنَّ اخْتِلافَها مَعَ اتِّحادِ الأُصُولِ والأسْبابِ لا يَكُونُ إلّا بِتَخْصِيصِ قادِرٍ مُخْتارٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُسْقى بِالتَّذْكِيرِ عَلى تَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَضِّلُ بِالياءِ لِيُطابِقَ قَوْلُهُ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالتَّفَكُّرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)

{وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض} بسطها {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالاً ثوابت {وأنهارا} جارية {وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين} أي الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك {يغشي الليل النَّهارَ} يلبسه مكانه فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً يغشِّي حمزة وعلي وأبو بكر {إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيعلمون أن لها صانعا عليما

الرعد (٤ _ ٦)

حكيما قادرا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وتَقَدُّمُ ذِكْرُ الآياتِ ناصِرٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ الآياتِ في المَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَةُ الدَّلالَةِ ولِأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ تَأخُّرُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ ﴾ ..

إلَخْ عَلى أنَّ سَوْقَ تِلْكَ الصِّفاتِ أعْنِي رَفْعَ السَّماواتِ وما تَلاهُ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ وسَوْقَ مُقابَلاتِها لِغَرَضٍ آخَرَ مُنافِرٍ وفي الأوَّلِ رُوعِيَ لَطِيفَةٌ في تَعْقِيبِ الأوائِلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( يُدَبِّرُ، يُفَصِّلُ ) لِلْإيقانِ والثَّوانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أيْ مِن فَضْلِ السَّوابِقِ لِإفادَتِها اليَقِينَ واللَّواحِقُ ذَرائِعُ إلى حُصُولِهِ لِأنَّ الفِكْرَ آلَتُهُ والإشارَةُ إلى تَقْدِيمِ الثَّوانِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا مَعَ التَّأخُّرِ رُتْبَةً وذَلِكَ فائِتٌ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ.

اهَـ.

وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ فِيما أرى ولا تَنافِيَ كَما قالَ الشِّهابُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ الوَصْفِيَّةَ تَقْتَضِي المَعْلُومِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ تَقْتَضِي خِلافَها لِأنَّ المَعْلُومِيَّةَ عَلَيْهِما والمَقْصُودُ بِالإفادَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ .

(2) .

أيْ لَكم تَتَفَكَّرُوا وتُحَقِّقُوا كَمالَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ وحاصِلُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ لِذَلِكَ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَعَلَ الأخِيرَيْنِ لِذَلِكَ مَعَ أنَّ الكُلَّ لَهُ ثُمَّ قالَ: وهَذا مِمّا يُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْضًا كَما يُرَجِّحُهُ أنَّهُ ذَكَرَ تَبْيِينَ الآياتِ وهي الرَّفْعُ وما تَلاهُ فَإنَّهُ ذَكَرَها لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وعِلْمِهِ ولا يُسْتَدَلُّ بِها إلّا إذا كانَتْ مَعْلُومَةً فَيَقْتَضِي كَوْنُها صِفَةً.

فَإنْ قِيلَ: لا بُدَّ في الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً سَواءً كانَتْ صِفَةً أوْ خَبَرًا يُقالُ: إذا كانَ ذَلِكَ صِلَةً دَلَّ عَلى انْتِسابِ الآياتِ إلى اللَّهِ تَعالى وإذا كانَ خَبَرًا دَلَّ عَلى انْتِسابِها إلى مَوْجُودٍ مُبْهَمٍ وهو غَيْرُ كافٍ في الِاسْتِدْلالِ فَتَأمَّلْ وقَرَأ النَّخَعِيُّ وأبُو رُزَيْنٍ وأبانُ بْنُ تَغَلِبَ عَنْ قَتادَةَ ( نُدَبِّرُ، نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ فِيهِما وكَذا رَوى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ الحَسَنِ ووافَقَ في ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ وقالَ المَهْدَوِيُّ: لَمْ يُخْتَلَفْ في ( يُدَبِّرُ ) ولَيْسَ كَما قالَ لِما سَمِعْتَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِنَ الشَّواهِدِ العُلْوِيَّةِ ما ذَكَرَ أرْدَفَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ السُّفْلِيَّةِ فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا قالَ الأصَمُّ: البَسْطُ المَدُّ إلى ما لا يُرى مُنْتَهاهُ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى بُعْدِ مَداها وسِعَةِ أقْطارِها وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً فَدَحاها مِن مَكَّةَ مِن تَحْتِ البَيْتِ وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَدَحاها وقالَ سُبْحانَهُ لَها: اذْهَبِي كَذا وكَذا وهو المُرادُ بِالمَدِّ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّها مُسَطَّحَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةِ والفَلاسِفَةُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنهم إلى أنَّها لَيْسَتْ كُرَيَّةً وهَؤُلاءِ طائِفَتانِ فَواحِدَةٌ تَقُولُ: إنَّها مُحَدَّبَةٌ مِن فَوْقَ مُسَطَّحَةٌ مِن أسْفَلَ فَهي كَقَدَحٍ كُبَّ عَلى وجْهِ الماءِ وأُخْرى تَقُولُ بِعَكْسِ ذَلِكَ وذَهَبَ الأكْثَرُونَ مِنهم إلى أنَّها كُرَيَّةٌ أمّا في الطُّولِ فَلِأنَّ البِلادَ المُتَوافِقَةَ في العَرْضِ أوِ الَّتِي لا عَرْضَ لَها كُلَّما كانَتْ أقْرَبَ إلى الغَرْبِ كانَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلَيْها مُتَأخِّرًا بِنِسْبَةٍ واحِدَةٍ ولا يُعْقَلُ ذَلِكَ إلّا في الكُرَةِ وأمّا في العَرْضِ فَلِأنَّ السّالِكَ في الشَّمالِ كُلَّما أوْغَلَ فِيهِ ازْدادَ القُطْبُ ارْتِفاعًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ إيغالِهِ فِيهِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ بِحَيْثُ يَراهُ قَرِيبًا مِن سَمْتِ رَأْسِهِ وكَذَلِكَ تَظْهَرُ لَهُ الكَواكِبُ الشَّمالِيَّةُ وتَخْفى عَنْهُ الكَواكِبُ الجَنُوبِيَّةُ والسّالِكُ الواغِلُ في الجَنُوبِ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ وأمّا فِيما بَيْنَهُما فَلِتَرَكُّبِ الأمْرَيْنِ وأُورِدَ عَلَيْهِمُ الِاخْتِلافُ المَشاهَدُ في سَطْحِها فَأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في أصْلِ الكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ المَعْلُومَةِ بِما ذُكِرَ فَإنَّ نِسْبَةَ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ عَلى ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراؤُهم وانْتَهَتْ إلَيْهِ آراؤُهم وهو جَبَلُ دَماوَنْدَ فِيما بَيْنُ الرَّيِّ وطَبَرِسْتانَ أوْ جَبَلٌ في سَرَنْدِيبَ إلى قُطْرِ الأرْضِ كَنِسْبَةِ سُبْعِ عَرْضِ شَعِيرَةٍ إلى ذِراعٍ.

واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ هَبْ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ كَذَلِكَ فَما قَوْلُكم فِيما هو مَغْمُورٌ في الماءِ فَإنْ قالُوا: إذا كانَ الظّاهِرُ كُرَيًّا فالباقِي كَذَلِكَ لِأنَّها طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ قُلْنا: فالمَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلى البَساطَةِ واقْتِضاؤُها الكُرَيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ ولا شَكَّ أنَّهُ يَمْنَعُها التَّضارِيسُ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ لِلْحِسِّ لِكَوْنِها في غايَةِ الصِّغَرِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أرْبابَ التَّعْلِيمِ يَكْتَفُونَ بِالكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ في السَّطْحِ الظّاهِرِ فَلا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمُ السُّؤالُ عَنِ المَغْمُورِ ولا يَلِيقُ بِهِمُ الجَوابُ بِالرُّجُوعِ إلى البَساطَةِ والحَقُّ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا جاهِلٌ أوْ مُتَجاهِلٌ أنَّ ما ظَهَرَ مِنها كُرًى حِسًّا ولِذَلِكَ كُرَيَّةُ الفَلَكِ تَخْتَلِفُ أوْقاتُ الصَّلاةِ في البِلادِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّوالُ بِبَلَدٍ ولا يَكُونُ بِبَلَدٍ آخَرَ وهَكَذا الطُّلُوعُ والغُرُوبُ وغَيْرُ ذَلِكَ وكُرَيَّةُ ما عَدا ما ذَكَرَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى نَعَمْ إنَّها لِعِظَمِ جِرْمِها الظّاهِرِ يُشاهَدُ كُلُّ قِطْعَةٍ وقُطْرٍ مِنها كَأنَّهُ مُسَطَّحٌ وهَكَذا كُلُّ دائِرَةٍ عَظِيمَةٍ وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ المَدِّ وكَوْنِها كُرَوِيَّةً وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ظاهِرَ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي أنَّها مُسَطَّحَةٌ وكَأنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وهي عِنْدُهم ثَلاثُ طَبَقاتٍ الطَّبَقَةُ الصِّرْفَةُ المُحِيطَةُ بِالمَرْكَزِ ثُمَّ الطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ ثُمَّ الطَّبَقَةُ المُخالِطَةُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ وكَثِيرٌ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ والصِّرْفَةُ مِنها غَيْرُ مُلَوَّنَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ومالَ ابْنُ سِينا إلى أنَّها مُلَوَّنَةٌ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الأرْضَ المَوْجُودَةَ عِنْدَنا وإنْ كانَتْ مَخْلُوطَةً بِغَيْرِها ولَكِنّا قَدْ نَجِدُ فِيها ما يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الأرْضِيَّةَ فَلَوْ كانَتِ الأرْضُ البَسِيطَةُ شَفّافَةً لَكانَ يَجِبُ أنْ نَرى في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِمّا لَيْسَ مُتَكَوِّنًا تَكَوُّنًا مَعْدِنِيًّا شَيْئًا فِيهِ إشْفافٌ ولَكانَ حُكْمُ الأرْضِ في ذَلِكَ حُكْمَ الماءِ والهَواءِ فَإنَّهُما وإنِ امْتَزَجا إلّا أنَّهُما ما عَدِما الإشْفافَ بِالكُلِّيَّةِ واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّلَوُّنِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ لَوْنَها هو الغَبَرَةُ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ السَّوادُ وزَعَمَ أنَّ الغُبْرَةَ إنَّما تَكُونُ إذا خالَطَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ أجْزاءً هَوائِيَّةً فَبِسَبَبِها يَتَكَسَّرُ ويَحْصُلُ الغُبْرَةُ وأمّا إذا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها كَثِيرُ هَوائِيَّةٍ اشْتَدَّ السَّوادُ وذَلِكَ مِثْلُ الفَحْمِ قَبْلَ أنْ يَتَرَمَّدَ فَإنَّ النّارَ لا عَمَلَ لَها إلّا في تَفْرِيقِ المُخْتَلِفاتِ فَهي لَمّا حَلَّلَتْ ما في الخَشَبِ مِنَ الهَوائِيَّةِ واجْتَمَعَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّلَها شَيْءٌ غَرِيبٌ ظَهَرَ لَوْنُ أجْزائِها وهو السَّوادُ ثُمَّ إذا رَمَدَتْهُ اخْتَلَطَتْ بِتِلْكَ الأجْزاءِ أجْزاءٌ هَوائِيَّةٌ فَلا جَرَمَ ابْيَضَّتْ مَرَّةً أُخْرى ولِذَلِكَ صَحَّ في الخَبَرِ وقَدْ سَبَقَ إطْلاقُ الغَبْراءِ عَلى الأرْضِ وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ تَكُونَ سائِرُ طَبَقاتِها كَذَلِكَ ولِأنْ يَكُونَ وجْهُها الأعْلى كَذَلِكَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في أسْفَلِ الأرْضِ تُرابًا أبْيَضَ وما ذُكِرَ مِنَ الطَّبَقاتِ مِمّا لا يُصادِمُ خَبَرًا صَحِيحًا في ذَلِكَ وكَوْنُها سَبْعَ طَبَقاتٍ بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وفي كُلٍّ خَلْقٌ غَيْرِ مُسْلِمٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ لا يُثْبِتُهُ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والخَبَرُ في ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمِ الصِّحَّةِ أيْضًا ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما أرى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَسِيرَةَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ فَمِائَةُ سَنَةٍ في المَشْرِقِ لا يَسْكُنُها شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ لا جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا دابَّةٌ ولَيْسَ في ذَلِكَ شَجَرَةٌ ومِائَةُ سَنَةٍ في المَغْرِبِ كَذَلِكَ وثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَسْكُنُها الحَيَوانُ وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِن أنَّ الدُّنْيا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ أرْبَعُمِائَةِ عامِ خَرابٌ ومِائَةٌ عُمْرانٌ والمُقَرَّرُ عِنْدَ أهْلِ الهَنْدَسَةِ والهَيْئَةِ غَيْرُ هَذا فَقَدَ ذَكَرَ القُدَماءُ مِنهم أنَّ مُحِيطَ دائِرَةِ الأرْضِ المُوازِيَةِ لِدائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ ثَمانِيَةُ آلافِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ واحِدَةٍ وهي عِنْدَهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ فَرْسَخًا وتِسْعُ فَراسِخَ في ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ مُحِيطِ الدّائِرَةِ العُظْمى عَلى الأرْضِ والمُتَأخِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ سِتَّةُ آلافٍ وثَمانِمِائَةِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ وهي عِنْدَهم تِسْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا إلّا تِسْعَ فَراسِخَ في المُحِيطِ المَذْكُورِ وعَلى القَوْلَيْنِ التَّفاوُتُ بَيْنَ ما يَقُولُهُ المُهَنْدِسُونَ ومَن مَعَهم وما نُسِبَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أمْرٌ عَظِيمٌ والحَقُّ في ذَلِكَ مَعَ المُهَنْدِسِينَ.

وزَعَمُوا أنَّ المَوْضِعَ الطَّبِيعِيَّ هو الوَسَطُ مِنَ الفَلَكِ وأنَّها بِطَبْعِها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِالماءِ ساكِنَةً في حاقِ الوَسَطِ مِنهُ لَكِنْ لَمّا حَصَلَ في جانِبٍ مِنها تِلالٌ وجِبالٌ ومَواضِعُ عالِيَةٌ وفي جانِبٍ آخَرَ ضِدَّ ذَلِكَ لِأسْبابٍ سَتَسْمَعُها بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وكانَ مِن طَبْعِ الماءِ أنْ يَسِيلَ مِنَ المَواضِعِ العالِيَةِ إلى المَواضِعِ العَمِيقَةِ لا جَرَمَ انْكَشَفَ الجانِبُ المُشْرِفُ مِنَ الأرْضِ وسالَ الماءُ إلى الجَوانِبِ العَمِيقَةِ مِنها ولِلْكَواكِبِ في زَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ بِحَسَبِ المُسامَتاتِ الَّتِي تَتَبَدَّلُ عِنْدَ حَرَكاتِها خُصُوصًا الثَّوابِتَ والأوْجاتِ والحَضِيضاتِ المُتَغَيِّرَةَ في أمْكِنَتِها وحَكَمَ أصْحابُ الأرْصادِ أنَّ طُولَ البَرِّ المُنْكَشِفِ نِصْفُ دَوْرِ الأرْضِ وعَرْضَهُ أحَدُ أرْباعِها إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ وفي تَعْيِينٍ أيِ الرُّبْعَيْنِ الشَّمالِيَّيْنِ مُنْكَشِفٌ تَعَذَّرَ أوْ تَعَسَّرَ كَما قالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فَقالَ الإمامُ: لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ مَغْمُورًا في الماءِ ولَكِنَّ الأشْبَهَ ذَلِكَ إذِ الماءُ أكْثَرُ مِنَ الأرْضِ أضْعافًا لِأنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَحالَ بِكُلِّيَّتِهِ إلى عُنْصُرٍ آخَرَ مِثْلِهِ والماءُ يَصْغُرُ حَجْمُهُ عِنْدَ الِاسْتِحالَةِ أرْضًا ومَعَ ذَلِكَ لَوْ كانَ في بَعْضِ المَواضِعِ مِنَ الأرْباعِ الثَّلاثَةِ عِمارَةٌ قَلِيلَةٌ لا يُعْتَدُّ بِها وأمّا تَحْتَ القُطْبَيْنِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِمارَةً لِاشْتِدادِ البَرْدِ: وإنَّما حَكَمُوا بِأنَّ المَعْمُورَ الرُّبْعُ لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا في أرْصادِ الحَوادِثِ الفَلَكِيَّةِ كالخَسُوفاتِ وقِراناتِ الكَواكِبِ الَّتِي لا اخْتِلافَ مَنظَرٍ لَها تَقَدُّمًا في ساعاتِ الواغِلِينَ في المَشْرِقِ لِتِلْكَ الحَوادِثِ عَلى ساعاتِ الواغِلِينَ في المَغْرِبِ زائِدًا عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُسْتَوِيَةً وهي نِصْفُ الدَّوْرِ لِأنَّ كُلَّ ساعَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْأً مِن أجْزاءِ مُعَدَّلِ النَّهارِ تَقْرِيبًا وضَرْبُ خَمْسَةَ عَشَرَ في اثْنَيْ عَشَرَ مِائَةٌ وثَمانُونَ ونَحْنُ نَقُولُ بِوُجُودِ الخَرابِ وأنَّهُ أكْثَرُ مِنَ المَعْمُورِ بِكَثِيرٍ وأكْثَرُ المَعْمُورِ شَمالِيٌّ ولا يُوجَدُ في الجَنُوبِ مِنهُ إلّا مِقْدارٌ يَسِيرٌ لَكِنّا نَقُولُ: ما زَعَمُوهُ سَبَبًا لِلِانْكِشافِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ونُسْنِدُ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ وُجِدَتْ صالِحَةً لِسُكْنى الحَيَواناتِ وخُرُوجِ النَّباتِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى واخْتِيارِهِ سُبْحانَهُ وإلّا فَمِن أنْصَفِ عِلْمٍ أنْ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى مَعْرِفَةِ سَبَبِ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ في الأرْضِ لِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ المُوافَقَةِ لِلْحِكْمَةِ.

﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ في أحْيازِها مِنَ الرُّسُوِّ وهو ثَباتُ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ ولَمْ يُذْكَرِ المَوْصُوفُ لِإغْناءِ غَلَبَةِ الوَصْفِ بِها عَنْ ذَلِكَ وفَواعِلُ يَكُونُ جَمْعَ فاعِلٍ إذا كانَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ كَحائِضٍ أوْ صِفَةَ ما لا يَعْقِلُ مُذَكَّرٍ كَجُعْلٍ بازِلٍ وبَوازِلَ أوِ اسْمًا جامِدًا أوْ ما جَرى مَجْراهُ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وانْحِصارُ مَجِيئِهِ جَمْعًا لِذَلِكَ في فَوارِسَ وهَوالِكَ ونَواكِسَ إنَّما هو في صِفاتِ العُقَلاءِ لا مُطْلَقًا والجَمْعُ هُنا في صِفَةِ ما لا يَعْقِلُ قِيلَ: فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ المُفْرَدِ هُنا راسِيَةً صِفَةً لِجَمْعِ القِلَّةِ أعْنِي أجْبُلًا ويُعْتَبَرُ في جَمْعِ الكَثْرَةِ أعْنِي جِبالًا انْتِظامُهُ لِطائِفَةٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ ويُنَزَّلُ كُلٌّ مِنها مَنزِلَةَ مُفْرَدِهِ كَما قِيلَ عَلى أنَّهُ لا مَجالَ لِذَلِكَ لِأنَّ جَمْعِيَّةَ كُلٍّ مِن صِيغَتَيِ الجَمْعَيْنِ إنَّما هي لِشُمُولِ الإفْرادِ لا بِاعْتِبارِ شُمُولِ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإفْرادِ وجَمْعُ الكَثْرَةِ لِجُمُوعِ القِلَّةِ فَكُلٌّ مِنهُما جَمْعُ جَبَلٍ لا أنَّ جِبالًا جَمْعُ أجْبُلٍ.

اهَـ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الرَّواسِيَ هُنا جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ أجْبُلٍ لا يَلْتَزِمُ ما ذَكَرُوا أنَّهُ إذا صَحَّ إطْلاقُ أجْبُلٍ راسِيَةٍ عَلى جِبالِ قُطْرٍ مَثَلًا صَحَّ إطْلاقُ الجِبالِ عَلى جِبالِ جَمِيعِ الأقْطارِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ جَعْلِ الجِبالِ جَمْعًا لِجُمُوعِ القِلَّةِ نَعَمْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جِبالٌ جَمْعَ أجْبُلٍ لِأنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ جَمْعَ الجَمْعِ وهو خِلافُ ما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ وجَعْلُ راسِيَةٍ صِفَةَ جَبَلٍ لا أجْبُلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّأْنِيثِ كَما في عَلامَةٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ تاءَ المُبالَغَةِ في فاعِلَةٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصْفُها بِالرَّواسِي ولِذا اسْتَغْنَوْا بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ وجَمْعُ جَمْعِ الِاسْمِ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وهو مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ لِما سَمِعْتَ وأُورِدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الغَلَبَةَ تَكُونُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ والكَلامُ في صِحَّتِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ فَفِيما ذَكَرَهُ دَوْرٌ وأُجِيبَ بِأنَّ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِ الرَّواسِي غَيْرُ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ يَكْفِي لِمُدَّعاهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ وكَذا لا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ جَبَلٍ مُؤَنَّثٍ بِاعْتِبارِ البُقْعَةِ وكُلُّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ هَذا والتَّعْبِيرُ عَنِ الجِبالِ بِهَذا العُنْوانِ لِبَيانِ تَفَرُّعِ قَرارِ الأرْضِ عَلى ثَباتِها وفي الخَبَرِ «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ عَلَيْها فاسْتَقَرَّتْ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ قالَ: نَعَمِ الحَدِيدَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الحَدِيدِ قالَ: نَعَمِ النّارَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ النّارِ قالَ: نَعَمِ الماءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الماءِ قالَ: نَعَمِ الهَواءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الهَواءِ قالَ نَعَمِ ابْنَ آدَمَ يَتَصَدَّقُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِهِ فَيُخْفِيها عَنْ شِمالِهِ» وأوَّلُ جَبَلٍ وُضِعَ عَلى الأرْضِ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أبُو قُبَيْسٍ ومَجْمُوعُ ما يُرى عَلَيْها مِنَ الجِبالِ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ وثَمانُونَ جَبَلًا وأبى الفَلاسِفَةُ كَوْنَ اسْتِقْرارِ الأرْضِ بِالجِبالِ واخْتَلَفُوا في سَبَبِ ذَلِكَ فالقائِلُونَ بِالكُرَيَّةِ مِنهم مَن جَعَلَهُ جَذْبَ الفَلَكِ لَها مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَيَلْزَمُ أنْ تَقِفَ في الوَسَطِ كَما يُحْكى عَنْ ضَمٍّ حَدِيدِيٍّ في بَيْتِ مِغْناطِيسِ الجَوانِبِ كُلِّها فَإنَّهُ وقَفَ في الوَسَطِ لِتَساوِي الجَذْبِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الأصْغَرَ أسْرَعُ انْجِذابًا إلى الجاذِبِ مِنَ الأكْبَرِ فَما بالُ المَدَرَةِ لا تَنْجَذِبُ إلى الفَلَكِ بَلْ تَهَرُبُ عَنْهُ إلى المَرْكَزِ وأيْضًا إنَّ الأقْرَبَ أوْلى بِالِانْجِذابِ مِنَ الأبْعَدِ فالمَدَرَةُ المَقْذُوفَةُ إلى فَوْقٍ أوْلى بِالِانْجِذابِ عَلى أصْلِهِمْ فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَعُودَ ومِنهم مَن جَعَلَهُ دَفْعَ الفَلَكِ بِحَرَكَتِهِ لَها مِن كُلِّ الجَوانِبِ كَما إذا جُعِلَ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ في قارُورَةٍ كُرَيَّةٍ ثُمَّ أُدِيرَتْ عَلى قُطْبَيْها إدارَةً سَرِيعَةً فَإنَّهُ يَعْرُضُ وُقُوفُ التُّرابِ في وسَطِها لِتَساوِي الدَّفْعِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الدَّفْعَ إذا كانَتْ قُوَّتُهُ هَذِهِ القُوَّةَ فَما بالُهُ لا يُحَسَّ بِهِ وأيْضًا ما بالُ هَذا الدَّفْعِ لا يَجْعَلُ حَرَكَةَ الرِّياحِ والسُّحُبِ إلى جِهَةٍ بِعَيْنِها وأيْضًا ما بالُهُ لَمْ يَجْعَلِ انْتِقالَنا إلى المَغْرِبِ أسْهَلَ مِنَ انْتِقالِنا إلى المَشْرِقِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ أيْضًا لِأنَّ انْدِفاعَ الأعْظَمِ مِنَ الدّافِعِ أبْطَأُ مِنَ انْدِفاعِ الأصْغَرِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ النّازِلِ ابْتِداءً أسْرَعَ مِن حَرَكَتِهِ انْتِهاءً لِأنَّهُ عِنْدَ الِابْتِداءِ أقْرَبُ إلى الفَلَكِ وغَيْرُ القائِلِينَ بِها مِنهم مَن جَعَلَها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ مِن جانِبِ السُّفْلِ وسَبَبُ سُكُونِها عِنْدَهُمُ أنَّها لَمْ يَكُنْ لَها مَهْبِطٌ تَنْزِلُ فِيهِ ويَرُدُّ دَلِيلُ تَناهِي الأجْسامِ ومِنهم مَن قالَ بِتَناهِيها وجَعَلَ السَّبَبَ طَفْوَها عَلى الماءِ مَعَ كَوْنِ مُحَدَّبِها فَوْقَ مُسَطَّحِها أسْفَلَ وإمّا مَعَ العَكْسِ ورُدَّ بِأنَّ مُجَرَّدَ الطَّفْوِ لا يَقْتَضِي السُّكُونَ عَلى أنَّ فِيهِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بُعْدُ ما فِيهِ وذَهَبَ مُحَقِّقُوهم إلى أنَّ سُكُونَها لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ قالَ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ: والوَجْهُ المُشْتَرَكُ في إبْطالِ ما قالُوا في سَبَبِ السُّكُونِ أنْ يُقالَ: جَمِيعُ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الجَذْبِ والدَّفْعِ وغَيْرِهِما أُمُورٌ عارِضَةٌ وغَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ ولا لازِمَةَ لِلْماهِيَّةِ فَيَصِحُّ فَرْضُ ماهِيَّةِ الأرْضِ عارِيَةً عَنْها فَإذا قَدَّرْنا وُقُوعَ هَذا المُمْكِنِ فَإمّا أنْ تَحْصُلَ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ أوْ لا تَحْصُلُ فِيهِ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ تَحْصُلَ في كُلِّ الأحْيازِ أوْ لا تَحْصُلُ في شَيْءٍ مِنها والأخِيرانِ ظاهِرا الفَسادِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وهو أنْ تَخْتَصَّ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ ويَكُونُ ذَلِكَ لِطَبْعِها المَخْصُوصِ ويَكُونُ حِينَئِذٍ سُكُونُها في الحَيِّزِ لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ وإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَلْيُعْقَلْ في اخْتِصاصِها بِالمَرْكَزِ أيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ في تَكَوُّنِ الجِبالِ مَباحِثَ الأوَّلَ الحَجَرَ الكَبِيرَ إنَّما يَتَكَوَّنُ لِأنَّ حَرًّا عَظِيمًا يُصادِفُ طِينًا لَزِجًا إمّا دُفْعَةً أوْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ.

وأمّا الِارْتِفاعُ فَلَهُ سَبَبٌ بِالذّاتِ وسَبَبٌ بِالعَرَضِ أمّا الأوَّلُ فَكَما إذا نَقَلَتِ الرِّيحُ الفاعِلَةُ لِلزَّلْزَلَةِ طائِفَةً مِنَ الأرْضِ وجَعَلَتْها تَلًّا مِنَ التِّلالِ وأمّا الثّانِي فَأنْ يَكُونَ الطِّينُ بَعْدَ تَحَجُّرِهِ مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ في الرَّخاوَةِ والصَّلابَةِ وتَتَّفِقُ مِياهٌ قَوِيَّةُ الجَرْيِ أوْ رِياحٌ عَظِيمَةُ الهُبُوبِ فَتَحْفِرُ الأجْزاءَ الرَّخْوَةَ وتَبْقى الصُّلْبَةُ ثُمَّ لا تَزالُ السُّيُولُ والرِّياحُ تُؤَثِّرُ في تِلْكَ الحُفَرِ إلى أنْ تَغُورَ غَوْرًا شَدِيدًا ويَبْقى ما تَنْحَرِفُ عَنْهُ شاهِقًا والأشْبَهُ أنَّ هَذِهِ المَعْمُورَةَ وقَدْ كانَتْ في سالِفِ الدَّهْرِ مَغْمُورَةً في البِحارِ فَحَصَلَ هُناكَ الطِّينُ اللَّزِجُ الكَثِيرُ ثُمَّ حَصَلَ بَعْدَ الِانْكِشافِ وتَكَوَّنَتِ الجِبالُ ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الظَّنَّ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْجارِ إذا كَسَرْناها أجْزاءَ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ الجِبالُ وانْتَقَلَتِ البِحارُ حَصَلَ الشُّهُوقُ إمّا لِأنَّ السُّيُولَ حَفَرَتْ ما بَيْنَ الجِبالِ وإمّا لِأنَّ ما كانَ مِن هَذِهِ المُنْكَشِفاتِ أقْوى تَحَجُّرًا وأصْلَبَ طِينَةً إذا انْهَدَّ ما دُونَهُ بَقِيَ أرْفَعَ وأعْلى إلّا أنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لا تَتِمُّ في مُدَّةٍ تَفِي التَّوارِيخُ بِضَبْطِها والثّانِي سَبَبُ عُرُوقِ الطِّينِ في الجِبالِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ ما تَفَتَّتَ مِنها وتَتَرَّبَ وسالَتْ عَلَيْهِ المِياهُ ورَطَّبَتْهُ أوْ خَلَطَتْ بِهِ طِينَها الجَيِّدَ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ أنَّ القَدِيمَ مِن طِينِ البَحْرِ غَيْرُ مُتَّفِقِ الجَوْهَرِ مِنهُ ما يَقْوى تَحَجُّرُهُ ومِنهُ ما يَضْعُفُ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ أنَّهُ يَعْرِضُ لِلْبَحْرِ أنْ يَفِيضَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى سَهْلٍ وجَبَلٍ فَيَعْرِضُ لِلسَّهْلِ أنْ يَصِيرَ طِينًا لَزِجًا مُسْتَعِدًّا لِلتَّحَجُّرِ القَوِيِّ ولِلْجَبَلِ أنْ يَتَفَتَّتَ كَما إذا نَقَعْتَ آجِرَةً وتُرابًا في الماءِ ثُمَّ عَرَّضْتَ الآجِرَةَ والطِّينَ عَلى النّارِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَتَفَتَّتُ الآجِرَةُ ويَبْقى الطِّينُ مُتَحَجِّرًا والثّالِثُ قَدْ نَرى بَعْضَ الجِبالِ مَنضُودًا ساقًا فَساقًا فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ طِينَتَهُ قَدْ تَرَتَّبَتْ هَكَذا بِأنْ كانَ ساقٌ قَدِ ارْتَكَمَ أوَّلًا ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُ في مُدَّةٍ أُخْرى ساقٌ آخَرُ فارْتَكَمَ وكانَ قَدْ سالَ عَلى كُلِّ ساقٍ مِن خِلافِ جَوْهَرِهِ فَصارَ حائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاقِ الآخَرِ فَلَمّا تَحَجَّرَتِ المادَّةُ عَرَضَ لِلْحائِلِ أنِ انْتَثَرَ عَمّا بَيْنَ السّاقَيْنِ.

هَذا وتُعُقِّبَ ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِ التَّكَوُّنِ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ بَعْضٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ بِالصَّلابَةِ وبَعْضٍ آخَرَ مِنها بِالرَّخاوَةِ مَعَ اسْتِواءِ نِسْبَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ كُلِّها إلى الفَلَكِيّاتِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها المُعُدّاتُ لَها قَطْعًا لِلْمُجاوَرَةِ والمُلاصَقَةِ الحاصِلَةِ بَيْنَ الأجْزاءِ الرَّخْوَةِ والصُّلْبَةِ يَسْتَدْعِي سَبَبًا مُخَصَّصًا وعِنْدَ هَذا الِاسْتِدْعاءِ يَقِفُ العَقْلُ ويُحِيلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ عَلى سَبَبٍ مِن خارِجٍ هو الفاعِلُ المُخْتارُ جَلَّ شَأْنُهُ فَلَيْتَ شِعْرِي لِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أوَّلًا حَذْفًا لِلْمُؤْنَةِ نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ تَكَوُّنِها بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ مَن يَقُولُ مِنَ المِلِّيِينَ وغَيْرِهِمْ بِالوَسائِطِ لا عِنْدَ الأشاعِرَةِ إذِ الكُلُّ عِنْدَهم مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ابْتِداءً فَلا يُتَصَوَّرُ واسِطَةٌ حَقِيقَةً عَلى رَأْيِهِمْ وما ذُكِرَ مِنَ الأسْبابِ أُمُورٌ لا تُفِيدُ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا وحَدِيثُ رُؤْيَةِ أجْزاءِ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ كَذَلِكَ أيْضًا فَإنّا كَثِيرًا ما نَرى في ذَلِكَ مَواضِعَ المَطَرِ وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ أنَّهُ شاهَدَ ضَفادِعَ وقَعَتْ في المَطَرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَكْشُوفُ مِنَ الأرْضِ قَدِ انْكَشَفَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَغْمُورًا بِالماءِ ثُمَّ انْكَشَفَتْ وهو مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مُحَقِّقِي الفَلاسِفَةِ أيْضًا واعْتَرَضُوا عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الِانْكِشافَ قَدْ حَصَلَ بَعْدُ بِأنَّ أقْوى أدِلَّتِهِ أنَّ حَضِيصَ الشَّمْسِ في جانِبِ الجَنُوبِ فَقُرْبُ الشَّمْسِ إلى الأرْضِ هُناكَ أكْثَرُ مِن جانِبِ الشَّمالِ بِقَدْرِ ثِخَنِ المُتَمِّمِ مِن مُمَثِّلِها فَتَشْتَدُّ بِذَلِكَ الحَرارَةُ هُناكَ فانْجَذَبَ الماءُ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ لِأنَّ الحَرارَةَ جَذّابَةٌ لِلرُّطُوبَةِ فَلِذا انْكَشَفَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ فَإذا انْتَقَلَ الحَضِيضُ إلى جانِبِ الشَّمالِ انْعَكَسَ الأمْرُ ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ الآخَرُ أيْضًا مَكْشُوفًا إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّبْعَيْنِ في ذَلِكَ وفي التِزامِ ذَلِكَ بُعْدٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ أحَدٌ.

ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الجِبالِ في المَغْمُورِ وجُودَها في المَعْمُورِ يَسْتَدْعِي أنَّهُ كانَ مَعْمُورًا وأنَّ الحَضِيضَ كانَ في غَيْرِ جِهَتِهِ اليَوْمَ وهو قَوْلٌ بِأنَّ البَرَّ لا يَزالُ يَكُونُ بَحْرًا والبَحْرَ لا يَزالُ يَكُونُ بَرًّا بِتَبَدُّلِ جِهَتَيِ الأوْجِ والحَضِيضِ فَيَكُونُ المُنْكَشِفُ تارَةً جانِبَ الشَّمالِ وأُخْرى جانِبَ الجَنُوبِ وحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ يَقْتَضِي أنْ نُشاهِدَ اليَوْمَ شَيْئًا مِن جانِبِ الجَنُوبِ مُنْكَشِفًا ومِن جانِبِ الشَّمالِ مَغْمُورًا ولا تَظُنُّ وُجُودَ ذَلِكَ ولَوْ كانَ لاشْتَهَرَ فَإنَّ أوْجَ الشَّمْسِ اليَوْمَ في عاشِرَةِ السَّرَطانِ وحَرَكَتَهُ في كُلِّ سَنَةٍ دَقِيقَةٌ تَقْرِيبًا فَيَكُونُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي انْتَقَلَ فِيهِ مِنَ الجانِبِ الشَّمالِيِّ إلى اليَوْمِ آلافٌ عَدِيدَةٌ مِنَ السِّنِينَ يُغْمَرُ فِيها كَثِيرٌ ويُعَمَّرُ كَثِيرٌ نَعَمْ يُحْكى أنَّ جَزِيرَةَ قُبْرُسَ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبَرِّ ثُمَّ حالَ البَحْرُ بَيْنَهُما لَكِنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَيْسَ مِمّا نَحْنُ فِيهِ ولا نُسَلِّمُ أنْ يَكِيَ دُنْيا مِمّا حَدَثَ انْكِشافُها لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مُنْكَشِفَةً مِن قَبْلُ فالحَقُّ أنَّ هَذا البَرَّ بَعْدَ أنْ وُجِدَ لَمْ يَصِرْ بَحْرًا وهَذا البَحْرَ المُحِيطَ بَعْدَ أنْ أحاطَ لَمْ يَصِرْ بَرًّا وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأخْبارُ الإلَهِيَّةُ والآثارُ النَّبَوِيَّةُ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما ظاهِرُهُ أنَّ الأرْضَ المَسْكُونَةَ كانَتْ مَكْشُوفَةً في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ كَأثَرِ الياقُوتَةِ وفي بَعْضٍ آخَرَ مِنها ما ظاهِرُهُ أنَّها كانَتْ مَغْمُورَةً كَخَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ أمَرَ الرِّيحَ فَأبْدَتْ عَنْ حَشَفَةٍ ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى في الطُّولِ والعَرْضِ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ الرَّواسِيَ وفي التَّوْراةِ ما هو نَصٌّ في ذَلِكَ فَفي أوَّلِ سِفْرِ الخَلِيقَةِ مِنها أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ والأرْضَ وكانَتْ غامِرَةً مُسْتَبْحِرَةً وكانَ هُناكَ ظَلامٌ وكانَتْ رِياحُ الإلَهِ تَهُبُّ عَلى وجْهِ الماءِ فَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونَ نُورٌ فَكانَ ثُمَّ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا مَضى يَوْمٌ ثانٍ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْتَمِعَ الماءُ مِن تَحْتِ السَّماءِ إلى مَوْضِعٍ واحِدٍ ويَظْهَرَ اليُبْسُ فَكانَ كَذَلِكَ وسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ اليُبْسَ أرْضًا ومُجْتَمَعَ الماءِ بِحارًا وفِيهِ أيْضًا إنَّ خَلْقَ النَّيِّرَيْنِ كانَ في اليَوْمِ الثّالِثِ وهو آبٍ عَنْ جَعْلِ سَبَبِ الِانْكِشافِ ما سَمِعْتَ عَنْ قُرْبٍ مِن قُرْبِ الشَّمْسِ وما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ونَطَقَ بِهِ غَيْرُها مِنَ الآياتِ مِن كَوْنَ الجِبالَ سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ وأنَّها لَوْلاها لَمادَتْ أمْرٌ لا يَقُومُ عَلى أُصُولِنا دَلِيلٌ يَأْباهُ فَنُؤْمِنُ بِهِ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما وجْهُ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الكُراتِ وجَعَلَ لَها مِقْدارًا مِنَ الثِّقَلِ مُعَيَّنًا ووَضَعَها في المَكانِ الَّذِي وضَعَها فِيهِ مِنَ الماءِ وأظْهَرَ مِنها ما أظْهَرَ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى التّابِعَةِ لِحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ لا لِأمْرٍ اقْتَضاهُ ذاتُها فَجَعَلَتْ تَمِيدُ لِاضْطِرابِ أمْواجِ البَحْرِ المُحِيطِ بِها فَوَضَعَ عَلَيْها مِنَ الجِبالِ ما ثَقُلَتْ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْأمْواجِ سُلْطانٌ عَلَيْها وهَذا كَما يُشاهَدُ في السُّفُنِ حَيْثُ يَضَعُونَ فِيها ما يُثَقِّلُها مِن أحْجارٍ وغَيْرِها لِنَحْوِ ذَلِكَ وكَوْنُ نِسْبَةِ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ إلَيْها النِّسْبَةَ السّابِقَةَ لا يَضُرُّنا في هَذا المَقامِ لِأنَّ الحَجْمَ أمْرٌ والنَّقْلَ أمْرٌ آخَرُ فَقَدْ يَكُونُ ذُو الحَجْمِ الصَّغِيرِ أثْقَلَ مِن ذِي الحَجْمِ الكَبِيرِ بِكَثِيرٍ ولا يُقالُ: إنَّ خَلْقَها ابْتِداءً بِحَيْثُ لا تُزَحْزِحُها الأمْواجُ كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَلْ خَلَقَها بِحَيْثُ تُحَرِّكُها الأمْواجُ ثُمَّ وضَعَ عَلَيْها الجِبالَ لِدَفْعِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ إنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ هَكَذا لِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي هو جَلَّ شَأْنُهُ بِها أعْلَمُ وهَذا السُّؤالُ نَظِيرُ أنْ يُقالَ: إنَّ خَلْقَ الإنْسانِ ابْتِداءً بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ الجُوعُ والعَطَشُ مَثَلًا شَيْئًا كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ تَعالى بَلْ خَلَقَهُ بِحَيْثُ يُؤَثِّرانِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ بِهِ ولَهُ نَظائِرُ بَعْدُ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ناشِئًا عَنِ الغَفْلَةِ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ تَعالى مِنَ الحِكَمِ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ فِيما نَحْنُ فِيهِ إظْهارُ مَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوقِظُ جَفْنَ الِاسْتِعْظامِ ألا تَراهم كَيْفَ قالُوا حِينَ رَأوْا ما رَأوْا رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ ..

إلَخْ.

ويُقالُ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا بَيِّنْ أنْتَ لَنا حِكْمَةً تُقَدِّمُ بَعْضَ الأشْياءِ عَلى بَعْضٍ في الخَلْقِ كَيْفَما كانَ التَّقَدُّمُ وكَذا حِكْمَةُ خَلْقِ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مُحْتاجًا وخَلْقُ ما يُزِيلُ احْتِياجَهُ دُونَ خَلْقِهِ ابْتِداءً عَلى وجْهٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى شَيْءٍ فَإنْ بَيَّنَ شَيْئًا قُلْنا بِمِثْلِهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ ثُمَّ إنّا نَقُولُ: لَيْسَ حِكْمَةُ خَلْقِ الجِبالِ مُنْحَصِرَةً في كَوْنِها أوْتادًا لِلْأرْضِ وسَبَبًا لِاسْتِقْرارِها بَلْ هُناكَ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى.

وقَدْ ذَكَرَ الفَلاسِفَةُ لِلْجِبالِ مَنافِعَ كَثِيرَةً قالُوا: إنَّ مادَّةَ السُّحُبِ والعُيُونِ والمَعْدِنِيّاتِ هي البُخارُ فَلا تَتَكَوَّنُ إلّا في الجِبالِ أوْ فِيما يَقْرُبُ مِنها أمّا العُيُونُ فَلِأنَّ الأرْضَ إذا كانَتْ رَخْوَةً نَشَفَتِ الأبْخِرَةُ عَنْها فَلا يَجْتَمِعُ مِنها قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَإذَنْ لا تَجْتَمِعُ إلّا في الأرْضِ الصُّلْبَةِ والجِبالُ أصْلَبُ الأرَضِينَ فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْواها عَلى حَبْسِ البُخارِ حَتّى يَجْتَمِعَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً لِلْعُيُونِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرُّ الجَبَلِ مَمْلُوءًا ماءً ويَكُونُ الجَبَلُ في حَقْنِهِ الأبْخِرَةَ مِثْلَ الأنْبِيقِ الصُّلْبِ المُعَدِّ لِلتَّقْطِيرِ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ البُخارِ يَتَحَلَّلُ وقَعْرُ الأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ كالقُرُعِ والعُيُونُ كالأذْنابِ الَّتِي في الأنابِيقِ والأوْدِيَةُ والبُخارُ كالقَوابِلِ ولِذَلِكَ أكْثَرُ العُيُونِ إنَّما تَنْفَجِرُ مِنَ الجِبالِ وأقَلُّها في البَرارِي وهو مَعَ هَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَتِ الأرْضُ صُلْبَةً وأمّا إنَّ أكْثَرَ السُّحُبِ تَكُونُ في الجِبالِ فَوُجُوهُ أحَدِها أنَّ في باطِنِ الجِبالِ مِنَ النَّداواتِ ما لا يَكُونُ في باطِنِ الأرَضِينَ الرَّخْوَةِ وثانِيهِما: إنَّ الجِبالَ بِسَبَبِ ارْتِفاعِها أبْرَدُ فَلا جَرَمَ يَبْقى عَلى ظاهِرِها مِنَ الأنْداءِ والثُّلُوجِ ما لا يَبْقى عَلى ظاهِرِ الأرَضِينَ وثالِثُهُما: إنَّ الأبْخِرَةَ الصّاعِدَةَ تَكُونُ في الجِبالِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ أسْبابَ تَراكُمِ السُّحُبِ في الجِبالِ أكْثَرُ لِأنَّ المادَّةَ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا أكْثَرُ والِاحْتِقانُ أشَدُّ والسَّبَبُ المُحَلِّلُ وهو الحَرُّ أقَلُّ وأمّا المَعْدِنِيّاتُ المُحْتاجَةُ إلى أبْخِرَةٍ فَيَكُونُ اخْتِلاطُها بِالأرْضِيَّةِ أكْثَرُ إقامَتِها في مَواضِعَ لا تَنَفَرَّقُ فِيها أطْوَلَ ولا شَيْءَ في هَذا المَعْنى كالجِبالِ ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ لِلْجِبالِ مَنافِعَ غَيْرَ ذَلِكَ لا تُحْصى فَلا يَضُرُّ أنَّ بَعْضًا مِنَ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ لِبَعْضِ ما ذُكِرَ وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ العَصْرِيِّينَ أنَّ مِن جُمْلَةِ مَنافِعِها كَوْنَها سَبَبًا لِانْكِشافِ هَذا المِقْدارِ المُشاهَدِ مِنَ الأرْضِ وذَلِكَ لِاحْتِباسِ الأبْخِرَةِ الطّالِبَةِ لِجِهَةِ العُلُوِّ فِيها وهو يَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ قَبْلَها كانَتْ مَغْمُورَةً وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَوَضَعَ عَلَيْها الجِبالَ فاسْتَقَرَّتْ عَلى أنَّهُ يَتَراءى المُنافاةُ بَيْنَ جَعْلِها أوْتادًا المُصَرَّحِ بِهِ في الآياتِ وكَوْنِها جاذِبَةً لِلْأرْضِ إلى جِهَةِ العُلُوِّ ولا يَرِدُ عَلى ما ذُكِرَ في تَوْجِيهِ كَوْنِها سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ أنَّ كَوْنَها فِيها كَشُرُعٍ في سَفِينَةٍ يُنافِيهِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ تَتَحَرَّكَ الأرْضُ إلى خِلافِ جِهَةِ مَهَبِّ الهَواءِ لِأنّا مِن وراءِ مَنعِ حُدُوثِ الهَواءِ عَلى وجْهٍ يُحَرِّكُها بِسَبَبِهِ كَذَلِكَ.

وهَذا كُلُّهُ إذا حَكَّمْنا العَقْلَ في البَيِّنِ وتَقَيَّدْنا بِالعادِيّاتِ وأمّا إذا أسْنَدْنا كُلَّ ذَلِكَ إلى قُدْرَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ جَلَّ شَأْنُهُ وقُلْنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْضَ مائِدَةً وجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ وحَفِظَها عَنِ المَيْدِ لِحِكَمٍ عَلِمَها تَحارُ فِيها الأفْكارُ ولا يُحِيطُ بِها إلّا مِن أُوتِيَ عِلْمًا لَدُنِيًّا مِن ذَوِي الأبْصارِ ارْتَفَعَتْ عَنّا جَمِيعُ المُؤَنِ وزالَتْ سائِرُ المِحَنِ ولا يَلْزَمُنا عَلى هَذا أيْضًا القَوْلُ بِأنَّ الأرْضَ وسَطُ العالَمِ كَما هو رَأْيُ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ.

ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الأوَّلِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ زَعَمُوا أنَّ كُرَةَ النّارِ في الوَسَطِ لِأنَّها أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِها مُضِيئَةً لَطِيفَةً حَسَنَةَ اللَّوْنِ وكَوْنُ الأرْضِ كَثِيفَةً مُظْلِمَةً قَبِيحَةَ اللَّوْنِ وحَيِّزُ الأشْرَفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ الأحْيازِ وهو الوَسَطُ فَإذَنْ هي في الوَسَطِ وهَذا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنّا لا نُسَلِّمُ شَرافَةَ النّارِ عَلى الأرْضِ مُطْلَقًا فَإنَّها إنْ تَرَجَّحَتْ عَلَيْها بِاللَّطافَةِ وما مَعَها فالأرْضُ راجِحَةٌ بِأُمُورٍ أحَدُها أنَّ النّارَ مُفْرِطَةَ الكَيْفِيَّةِ مَفْسَدَةٌ والأرْضَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وثانِيها أنَّها لا تَبْقى في المَكانِ الغَرِيبِ مِثْلُ ما تَبْقى الأرْضُ وثالِثُها أنَّ الأرْضَ حَيِّزُ الحَياةِ والنُّشُوءِ والنّارَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحْسانِ الحِسِّ البَصَرِيِّ لِلنّارِ يُعارِضُهُ اسْتِحْسانُ الحِسِّ اللَّمْسِيِّ لِلْأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا الأشْرَفِيَّةَ فَهي لا تَقْتَضِي إلّا الوَسَطَ الشَّرَفِيَّ لا المِقْدارِيَّ إذْ لا شَرَفَ لَهُ وذَلِكَ لَيْسَ هو إلّا حَيِّزُها الَّذِي يَزْعُمُهُ جُمْهُورُ المُتَقَدِّمِينَ لَها لِأنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ والأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الآخِرِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ هم هَرْشَلُ وأصْحابُهُ زَعَمُوا أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ في وسَطِ العالِمِ وكُلَّ ما عَداها يَتَحَرَّكُ عَلَيْها لِأنَّها جِرْمٌ عَظِيمٌ جِدًّا وكُلَّ الأجْرامِ دُونَها لا سِيَّما الأرْضَ فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَلا شَيْءَ والحِكْمَةُ سُكُونُ الأكْبَرِ وتَحَرُّكُ الأصْغَرِ وهَذا أيْضًا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ سُكُونَ الأصْغَرِ لا سِيَّما بَيْنَ أمْواجٍ ورِياحٍ وحَرَكَةَ الأكْبَرِ لا سِيَّما مِثْلَ الحَرَكَةِ الَّتِي يُثْبِتُها الجُمْهُورُ لِلشَّمْسِ أبْلَغُ في القُدْرَةِ وتَعْلِيلُهم ذَلِكَ أيْضًا بِأنّا لا نَرى لِلشَّمْسِ مَيْلًا عَمّا يُقالُ لَهُ مِنطَقَةُ البُرُوجِ فَيَقْتَضِي أنْ تَكُونَ ساكِنَةً بِخِلافِ غَيْرِها لا يَخْفى ما فِيهِ والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ تَحْتَ الأرْضِ ماءً وأنَّها فِيهِ كَبِطِّيخَةٍ خَضْراءَ في حَوْضٍ وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ حُوتٍ والحُوتَ في الماءِ ولا يَعْلَمُ ما تَحْتَ الماءِ إلّا الَّذِي خَلَقَهُ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ زِيادَةَ كَبِدِ ذَلِكَ الحُوتِ هو الَّذِي يَكُونُ أوَّلَ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ فَحَمَلُوا الحُوتَ فِيما صَحَّ مِن قَوْلِهِ  : «أوَّلُ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» عَلى ذَلِكَ الحُوتِ وبَيَّنُوا حِكْمَةَ ذَلِكَ الأكْلِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى خَرابِ الدُّنْيا وبِشارَةٌ بِفَسادِ أساسِها وأمْنِ العُودِ إلَيْها حَيْثُ أنَّ الأرْضَ الَّتِي كانُوا يَسْكُنُونَها كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْهِ وخُصَّ الأكْلُ بِالزّائِدَةِ لِما بَيَّنَهُ الأطِبّاءُ مِن أنَّ العِلَّةَ إذا وقَعَتْ في الكَبِدِ دُونَ الزّائِدَةِ رُجِيَ بُرْؤُهُ فَإنْ وقَعَتْ في الزّائِدَةِ هَلَكَ العَلِيلُ فَأكْلُهم مِن ذَلِكَ أدْخَلُ في البُشْرى ومَنَعَ بَعْضُهم صِحَّةَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلى الماءِ بِلا واسِطَةٍ لا سِيَّما الخَبَرَ الطَّوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في سُورَةِ «ن» ولَمْ يُنْكِرْ صِحَّةَ الخَبَرِ في «أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» إلّا أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالحُوتِ فِيهِ حُوتٌ ما بِدَلِيلِ ما رَواهُ سُلْطانُ المُحَدِّثِينَ البُخارِيُّ أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ يَأْكُلُ مِنهُ سَبْعُونَ ألْفًا بِتَنْكِيرِ لَفْظِ حُوتٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَكْفَأُها الجَبّارُ بِيَدِهِ كَما يَكْفَأُ أحَدُكم خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وإنَّ إدامَهم ثَوْرٌ ونُونٌ يَأْكُلُ مِن زائِدَةِ كَبِدِهِما سَبْعُونَ ألْفًا وذِكْرُ حالِ الأرْضِ فِيهِ لا يُعَيِّنُ مُرادَ الخَصْمِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى خَرابِ الدُّنْيا وانْقِطاعِ أمْرِ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعاشِ وانْصِرامِ الحَياةِ العُنْصُرِيَّةِ المائِيَّةِ أمّا الإشارَةُ إلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا إلى الثّانِي فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الثَّوْرِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ فَإنَّهُ عُمْدَةُ عِدَّةِ الحارِثِ المُهْتَمِّ لِأمْرِ مَعاشِهِ وفي الخَبَرِ كُلُّكم حارِثٌ وكُلُّكم هُمامٌ وأمّا الإشارَةُ إلى الثّالِثِ فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الحُوتِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ أيْضًا فَإنَّهُ حَيَوانٌ عُنْصُرِيٌّ مائِيٌّ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْيا سُوَيْعَةً إذا فارَقَ الماءَ وبِهَذا يَظْهَرُ المُناسَبَةُ التّامَّةُ بَيْنَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الخَبَرُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِصُورَةِ الحُوتِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها مِن أسْبابِ الحَراثَةِ الضَّرُورِيَّةِ في أمْرِ المَعاشِ بِصُورَةِ الثَّوْرِ وكُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ظُهُورِ المَوْتِ في صُورَةِ الكَبْشِ الأمْلَحِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ في سِرِّ تَخْصِيصِ الكَبِدِ: إنَّهُ بَيْتُ الدَّمِ وهو بَيْتُ الحَياةِ ومِنهُ تَقَعُ قِسْمَتُها في البَدَنِ إلى القَلْبِ وغَيْرِهِ وبُخارُ ذَلِكَ الدَّمِ هو النَّفْسُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ فَفي كَوْنِهِ طَعامًا لِأهْلِ الجَنَّةِ بِشارَةٌ بِأنَّهم أحْياءٌ لا يَمُوتُونَ وذُكِرَ أنَّهُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الثَّوْرِ الطِّحالُ وهو في الحَيَوانِ بِمَنزِلَةِ الأوْساخِ في البَدَنِ فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ أوْساخُ البَدَنِ مِمّا يُعْطِيهِ البَدَنُ مِنَ الدَّمِ الفاسِدِ فَيُعْطى لِأهْلِ النّارِ يَأْكُلُونَهُ وكانَ ذَلِكَ مِنَ الثَّوْرِ لِأنَّهُ بارِدٌ يابِسٌ كَطَبْعِ المَوْتِ وجَهَنَّمُ عَلى صُورَةِ جامُوسٍ والغِذاءُ لِأهْلِ النّارِ مِن طِحالِهِ أشَدُّ مُناسَبَةً مِنهُ فَلِما فِيهِ مِنَ الدَّمِيَّةِ لا يَمُوتُ أهْلُ النّارِ ولِما أنَّهُ مِن أوْساخِ البَدَنِ ومِنَ الدَّمِ الفاسِدِ المُؤْلِمِ لا يَحْيَوْنَ ولا يَنْعَمُونَ فَما يَزِيدُهم أكْلُهُ إلّا مَرَضًا وسَقَمًا.

ونُقِلَ عَنِ الغَزالِيِّ والعُهْدَةُ عَلى النّاقِلِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ تارَةً ما تَحْتَ الأرْضِ فَقالَ: الحُوتُ وسُئِلَ أُخْرى فَقالَ: الثَّوْرُ وعَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ البُرْجَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ المَعْلُومَةِ وقَدْ كانَ كُلٌّ مِنهُما وتَدَ الأرْضِ وقْتَ السُّؤالِ ولَوْ كانَ الوَتَدُ إذْ ذاكَ العَقْرَبَ مَثَلًا لَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العَقْرَبُ تَحْتَ الأرْضِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقاصِدِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَتِمُّ عَلى ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ الثَّوْرِ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ الحُوتِ والحُوتَ عَلى الماءِ والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الأرْضَ فَوْقَ الثَّوْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وتَدُها حِينَ الإخْبارِ والثَّوْرَ فَوْقَ الحُوتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ والحُوتَ مِنَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والبُرُوجَ الشَّمالِيَّةَ في غالِبِ المَعْمُورَةِ تُعَدُّ فَوْقَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والحُوتَ فَوْقَ الماءِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ يُرى لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا ثَوْرٌ أوْ حِمارٌ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ خَبَرَ التَّرْتِيبِ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ مَوْقُوفَةٌ عَلى الحِراثَةِ وهي مَوْقُوفَةٌ عَلى السَّعْيِ والِاضْطِرابِ وذَلِكَ الثَّوْرُ مِن مَبادِي الحِراثَةِ والحُوتُ لا يَكادُ يَسْكُنُ عَنِ الحَرَكَةِ في الماءِ وهو كَما تَرى والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِما جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  إذا صَحَّ فَلَيْسَ وراءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكِيمٌ والتَّرْتِيبُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الفَلاسِفَةُ لَمْ يَأْتُوا لَهُ بِبُرْهانٍ مُبِينٍ ولَيْسَ عِنْدَهم فِيهِ سِوى ما يُفِيدُ الظَّنَّ وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ القَوْلُ بِتَرْتِيبٍ آخَرَ نَعَمْ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِتَرْتِيبٍ يُكَذِّبُهُ الحِسُّ ويَأْباهُ العَقْلُ الصَّرِيحُ وإنْ جاءَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الشّارِعِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ كَما لا يَخْفى وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في تَرْتِيبِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وشَرْحِ أحْوالِها كَما فَعَلَ الفَلاسِفَةُ عَنِ الشّارِعِ  لِما أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَسائِلِ المُهِمَّةِ في نَظَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَ المُهِمُّ إلّا التَّفَكُّرَ فِيها والِاسْتِدْلالَ بِها عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ وكَمالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وهو حاصِلٌ بِما يُحَسُّ مِنها فَسُبْحانَ مَن رَفَعَ السَّماءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ ومَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴿ وأنْهارًا ﴾ جَمْعُ نَهْرٍ وهو مَجْرى الماءِ الفائِضِ وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى نُهُرٍ ونُهُورٍ وأنْهُرٍ وتُطْلَقُ عَلى المِياهِ السّائِلَةِ عَلى الأرْضِ وضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ أنَّ الجِبالَ سَبَبٌ لِتَكَوُّنِها عَلى ما قِيلَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ مِن أنَّ الجِبالَ لِتَرَكُّبِها مِن أحْجارٍ صُلْبَةٍ إذا تَصاعَدَتْ إلَيْها الأبْخِرَةُ احْتَبَسَتْ فِيها وتَكامَلَتْ فَتَنْقَلِبُ مِياهًا ورُبَّما خَرَقَتْها فَخَرَجَتْ وذُكِرَ أنَّ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ أنَّها تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ لَكِنْ لَمّا كانَ نُزُولُها عَلَيْها أكْثَرَ كانَتْ كَثِيرًا ما تَخْرُجُ الأنْهارُ مِنها ويَكْفِي هَذا لِتَشْرِيكِهِما في عامِلٍ واحِدٍ وجَعْلِهِما جُمْلَةً واحِدَةً وكَأنَّهم عَنَوْا بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ عَلى الجِبالِ نُزُولَ ماءِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي أحَدُ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ عَلَيْها والأكْثَرُونَ أنَّ النُّزُولَ مِنَ السَّحابِ والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ وهو الَّذِي تَحْكُمُ بِهِ المُشاهَدَةُ وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ فَتَذَكَّرْ.

والأنْهارُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ كَثِيرَةٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها مِائَةٌ وسِتَّةٌ وتِسْعُونَ نَهْرًا وقِيلَ: هي أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وجاءَ في أرْبَعَةٍ مِنها أنَّها مِنَ الجَنَّةِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «سَيْحانُ وجَيْحانُ والفُراتُ والنِّيلُ كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ» والأوَّلانِ بِالألِفِ بَعْدِ الحاءِ وهُما نَهْرانِ في أرْضِ الأُرْدُنِّ فَجَيْحانُ نَهْرُ المُصِيصَةِ وسَيْحانُ نَهْرُ أدَنَةَ وقَوْلُ الجَوْهَرِيِّ في صِحاحِهِ جَيْحانُ نَهْرٌ بِالشّامِ غَلَطٌ أوْ أنَّهُ أرادَ المَجازَ مِن حَيْثُ أنَّهُ بِبِلادِ الأرْمَنِ وهي مُجاوِرَةٌ لِلشّامِ وهُما غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحُونَ بِالواوِ فَإنَّ سَيْحُونَ نَهْرُ الهِنْدِ وهو يَجْرِي مِن جِبالٍ بِأقاصِيها مِمّا يَلِي العَيْنَ إلى أنْ يَنْصَبَّ في البَحْرِ الحَبَشِيِّ مِمّا يَلِي ساحِلَ الهِنْدِ ومِقْدارُ جَرْيِهِ أرْبَعُمِائَةِ فَرْسَخٍ وجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخٍ يَجْرِي مِن أعْيُنَ إلى أنْ يَأْتِيَ خَوارِزْمَ فَيَتَفَرَّقُ بَعْضُهُ في أماكِنَ ويَمْضِي باقِيهِ إلى البُحَيْرَةِ الَّتِي عَلَيْها القَرْيَةُ المَعْرُوفَةُ بِالجُرْجانِيَّةِ أسْفَلَ خَوارِزْمَ يَجْرِي مِنهُ إلَيْها السُّفُنُ طُولُها مَسِيرَةَ شَهْرٍ وعَرَضُها نَحْوَ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ هَذِهِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ أكْبَرُ أنْهارِ بِلادِ الإسْلامِ فالنِّيلُ بِمِصْرَ والفُراتُ بِالعِراقِ وسَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ بِبِلادِ خُراسانَ فَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ فِيهِ إنْكارًا مِن أوْجُهٍ أحَدُها قَوْلُهُ: الفُراتُ بِالعِراقِ ولَيْسَتْ بِالعِراقِ وإنَّما هي فاصِلَةٌ بَيْنَ الشّامِ والجَزِيرَةِ الثّانِي قَوْلُهُ: سَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ فَجَعَلَ الأسْماءَ مُتَرادِفَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحانُ غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحانُ غَيْرُ جَيْحُونَ بِاتِّفاقِ النّاسِ والثّالِثُ قَوْلُهُ: بِبِلادِ خُراسانَ إنَّما سَيْحانُ وجَيْحانُ بِبِلادِ الأرْمَنِ بِقُرْبِ الشّامِ.

انْتَهى.

وقَدْ يُجابُ عَنِ الأوَّلِ بِنَحْوِ ما أُجِيبَ بِهِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ ولا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ زَعْمِ التَّرادُفِ يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ خُراسانَ كَما يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ الأرْمَنِ وفي كَوْنِ هَذِهِ الأنْهارِ مِنَ الجَنَّةِ تَأْوِيلانِ الأوَّلُ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مِياهِها بِمِياهِ الجَنَّةِ والإخْبارُ بِامْتِيازِها عَلى ما عَداها ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ والثّانِي ما ذَكَرَهُ القاضِي عِياضٌ أنَّ الإيمانَ عَمَّ بِلادَها وأنَّ الأجْسامَ المُتَغَذِّيَةَ مِنها صائِرَةٌ إلى الجَنَّةِ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ رُدَّ إلى اعْتِبارِ التَّشْبِيهِ أيْ أنَّها مِثْلُ أنْهارِ الجَنَّةِ في أنَّ المُتَغَذِّينَ مِن مائِها المُؤْمِنُونَ لَكانَ أوْجَهَ وقالَ النَّوَوِيُّ: الأصَحُّ أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّ لَها مادَّةً مِنَ الجَنَّةِ وهي مَوْجُودَةٌ اليَوْمَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ.

ويَأْبى التَّأْوِيلَ الأوَّلَ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ الإسْراءِ وحَدَّثُ نَبِيُّ اللَّهِ  «أنَّهُ رَأى أرْبَعَةَ أنْهارٍ يَخْرُجُ مِن أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرانِ ونَهْرانِ باطِنانِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ الأنْهارُ فَقالَ: أمّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ وأمّا الظّاهِرانِ فالفُراتُ والنِّيلُ» وضَمِيرُ أصْلِها السِّدْرَةُ المُنْتَهى كَما جاءَ مُبَيَّنًا في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ.

والقاضِي عِياضٌ قالَ هُنا: إنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الأرْضِ لِخُرُوجِ النِّيلِ والفُراتِ مِن أصْلِها وتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ بَلْ مَعْناهُ أنَّ الأنْهارُ تَخْرُجُ مَن أصْلِها ثُمَّ تَسِيرُ حَيْثُ أرادَ اللَّهُ تَعالى حَتّى تَخْرَجَ مِنَ الأرْضِ وتَسِيرُ فِيها وهَذا لا يَمْنَعُهُ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ قِيلَ: ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُوصِلُ مِياهَ هاتِيكِ الأنْهارِ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ إلى مَحالِّها الَّتِي يُشاهَدُ خُرُوجُها مِنها مِن حَيْثُ لا يَراها أحَدٌ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أصْلُ مِياهِها الخارِجَةِ مِن مَحالِّها لا هي وما يُنْظَمُ إلَيْها مِنَ السُّيُولِ وغَيْرِها وكَأنِّي أرى بَعْضَ النّاسِ لِيُسْنى يَلْتَزِمُ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما لا يَجْرِي في هاتِيكِ الأنْهارِ وبَعْضُهم أيْضًا يَجْعَلُ الأخْبارَ في هَذا الشَّأْنِ إشاراتٍ إلى أُمُورٍ أنَفُسِيَّةٍ فَقَطْ ولَيْسَ مِمّا تَرْتَضِيهِ الأنْفُسُ المَرْضِيَّةُ نَعَمْ أنا لا أمْنَعُ التَّأْوِيلَ مَعَ بَقاءِ الأمْرِ أفاقِيًّا ولَيْسَ عَدَمُ اعْتِقادِ الظّاهِرِ مِمّا يُخِلُّ بِالدِّينِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لا تَعَصُّبَ عِنْدَهُ.

ولِلْإخْبارِيِّينَ في هَذِهِ الأنْهارِ كَلامٌ طَوِيلٌ تَمُجُّهُ أسْماعُ ذَوِي الألْبابِ ولا يَجْرِي في أنْهارِ قُلُوبِهِمْ ولا أراهُ يَصْلُحُ إلّا لِلْإلْقاءِ في البَحْرِ.

وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ مَرْفُوعًا «نَهْرانِ مُؤْمِنانِ ونَهْرانِ كافِرانِ أمّا المُؤْمِنانِ فالنِّيلُ والفُراتُ وأمّا الكافِرانِ فَدِجْلَةُ وجَيْحُونُ» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَبَّهَ النَّهْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِنَفْعِهِما بِسُهُولَةٍ بِالمُؤْمِنِ والنَّهْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِالكافِرِ لِعَدَمِ نَفْعِهِما كَذَلِكَ أنَّهُما إنَّما يَخْرُجُ في الأكْثَرِ ماؤُهُما بِآلَةٍ ومَشَقَّةٍ وإلّا فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالإيمانِ والكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ ثُمَّ إنَّ أفْضَلَ الأنْهارِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ النِّيلُ وباقِيها عَلى السَّواءِ وزادَ بَعْضُهم في عِدادِ ما هو مِنَ الجَنَّةِ دِجْلَةَ ورَوى في ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ مُقاتِلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولَيْسَ مِمّا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيِ اثْنِينِيَّةً حَقِيقِيَّةً وهُما الفَرْدانِ اللَّذانِ كَلٌّ مِنهُما زَوْجُ الآخَرِ وأكَّدَ بِهِ الزَّوْجَيْنِ لِئَلّا يُفْهَمَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الشَّفْعانِ إذْ يُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى المَجْمُوعِ لَكِنَّ اثْنِينِيَّةَ ذَلِكَ اعْتِبارِيَّةٌ أيْ جَعَلَ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ المَوْجُودَةِ في الدُّنْيا ضَرْبَيْنِ وصِنْفَيْنِ إمّا في اللَّوْنِ كالأبْيَضِ والأسْوَدِ أوْ في الطَّعْمِ كالحُلْوِ والحامِضِ أوْ في القَدْرِ كالصَّغِيرِ والكَبِيرِ أوْ في الكَيْفِيَّةِ كالحارِّ والبارِدِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ حِينَ مَدَّها ثُمَّ تَكاثَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وتَنَوَّعَتْ وتُعُقِّبَ أنَّهُ دَعْوى بِلا دَلِيلٍ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ خِلافُهُ فَإنَّ النَّوْعَ النّاطِقَ المُحْتاجَ إلى زَوْجَيْنِ خُلِقَ ذَكَرُهُ أوَّلًا فَكَيْفَ في الثَّمَراتِ وتَكُونُ واحِدٌ مِن كُلٍّ أوَّلًا كافٍ في التَّكَوُّنِ والوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِجَعَلَ الأوَّلِ ويَكُونُ الثّانِي اسْتِئْنافًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الجَعْلِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالزَّوْجَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِجَعَلَ السّابِقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ وقِيلَ: اللَّيْلَ والنَّهارَ وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ أيْ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا فَفِيهِ إسْنادُ ما لِمَكانِ الشَّيْءِ إلَيْهِ وفي جَعْلِ الجَوِّ مَكانًا لِلنَّهارِ تَجُوزُ لِأنَّ الزَّمانَ لا مَكانَ لَهُ والمَكانَ إنَّما هو لِلضَّوْءِ الَّذِي هو لازِمُهُ وجُوِّزَ في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ﴾ يَجْعَلُهُ مَغْشِيًّا لِلنَّهارِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ كاللِّباسِ عَلى المَلْبُوسِ قِيلَ: والأوَّلُ أوْجَهُ وأبْلَغُ واكْتَفى بِذِكْرِ تَغْشِيَةِ اللَّيْلِ النَّهارَ مَعَ تَحَقُّقِ عَكْسِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنهُ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُها إلّا أنَّ التَّغْشِيَةَ بِمَعْنى السَّتْرِ وهي أنْسَبُ بِاللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ وعُدَّ هَذا في تَضاعِيفِ الآياتِ السُّفْلِيَّةِ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِالآياتِ العُلْوِيَّةِ ظاهِرًا بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ في الأرْضِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ( يُغَشِّي ) بِالتَّشْدِيدِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن مَدِّ الأرْضِ وجَعْلِ الرَّواسِي عَلَيْها وإجْراءِ الأنْهارِ فِيها وخَلْقِ الثَّمَراتِ وإغْشاءِ اللَّيْلِ النَّهارَ وفي الإشارَةِ بِذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ المُشارِ إلَيْهِ في بابِهِ ﴿ لآياتٍ ﴾ باهِرَةً قِيلَ: هي آثارُ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ جَلَّتْ حِكْمَةُ صانِعِها فَفي عَلى مَعْناها فَإنَّ تِلْكَ الآثارَ مُسْتَقِرَّةٌ في تِلْكَ الأفاعِيلِ مَنُوطَةٌ بِها وجُوِّزَ أنْ يُشارَ بِذَلِكَ إلى تِلْكَ الآثارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِتِلْكَ الأفاعِيلِ ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

(3) .

فَإنَّ التَّفَكُّرَ فِيها يُؤَدِّي إلى الحُكْمِ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ عَلى هَذا النَّمَطِ الرّائِقِ والأُسْلُوبِ اللّائِقِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوَّنٍ قادِرٍ حَكِيمٍ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ والفِكْرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ قُوَّةٌ مُطْرِقَةٌ لِلْعِلْمِ إلى المَعْلُومِ والتَّفَكُّرُ جَوَلانُ تِلْكِ القُوَّةِ بِحَسَبِ نَظَرِ العَقْلِ وذَلِكَ لَلْأنِسانِ دُونَ الحَيَوانِ ولا يُقالُ: إلّا فِيما لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ صُورَةٌ في القَلْبِ ولِهَذا رُوِيَ تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى إذْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا أنْ يُوصَفَ بِصُورَةٍ.

وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: الفِكْرُ مَقْلُوبٌ عَنِ الفَرْكِ لَكِنْ يَسْتَعْمِلُ الفِكْرُ في المَعانِي وهو فَرْكُ الأُمُورِ وبَحْثُها طَلَبًا لِلْوُصُولِ إلى حَقِيقَتِها والمَشْهُورُ أنَّهُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِلتَّأدِّي إلى مَجْهُولٍ وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ جَعْلِ هَذا مَقْطَعًا في الآيَةِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الأكْثَرَ في الآياتِ إذا ذُكِرَ فِيها الدَّلائِلُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ السُّفْلِيِّ أنْ يُجْعَلَ مَقْطَعُها ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما يَقْرُبُ مِنهُ وسَبَبُهُ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الإشْكالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لِأنَّ مَن تَفَكَّرَ فِيها عَلِمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ تِلْكَ الحَوادِثِ مِنَ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ فَتَفَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ يعني: بسط الأرض من تحت الكعبة على الماء، وكانت تكفي بأهلها كما تكفي السفينة، فأرساها الله بالجبال الثقال، وهو قوله تعالى وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت من فوقها وَأَنْهاراً يعني: خلق في الأرض أنهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: خلق فيها من ألوان كلّ الثمرات جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني: خلق من كل شيء لونين من الثمار، حلواً وحامضاً.

ومن الحيوان ذكراً وأنثى.

يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يعني: يعلو الليل على النهار، ويعلو النهار على الليل، واقتصر بذكر أحدهما إذا كان في الكلام دليل عليه.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: يُغْشِي بنصب الغين، وتشديد الشين.

وقرأ الباقون: بالجزم والتخفيف.

ثم بيّن أن ما ذكر من هذه الأشياء، فيه برهان وعلامات لمن تفكر فيها، فقال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر من صنعه لَآياتٍ يعني: لعبرات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اختلاف الليل والنهار، فيوحّدونه.

ثم بيّن أن في الأرض علامات كثيرة، ودلائل كثيرة لوحدانيته، لمن له عقل سليم فقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ يعني: بالقطع الأرض السبخة، والأرض العذبة.

مُتَجاوِراتٌ يعني: ملتصقات متدليات قريبة بعضها من بعض، فتكون أرضا سبخة، وتكون إلى جنبها أرض طيبة جيدة.

وقال قتادة: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أي: قرى متجاورات، ويقال: العمران، والخراب، والقرى والمفاوز.

وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ يعني: الكروم وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ قرأ بعضهم: بضم الصاد.

وقراءة العامة: بالكسر.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

قال مجاهد وقتادة: الصنوان النخلة التي في أصلها نخلتان، وثلاث أصلهن واحد.

وقال الضحاك: يعني: النخل المتفرق والمجتمع ويقال: صِنْوانٌ النخلة التي بجنبها نخلات وَغَيْرُ صِنْوانٍ يعني: المنفردة.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «لاَ تُؤْذُونِي فِي العَبَّاسِ، فإِنَّهُ بَقِيةُ آبَائي، وإنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» .

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ كلها بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون: بالكسر على معنى النعت للجنات، ويقال: على وجه المجاورة، لأن الزرع لا يكون في الجنات.

ثم قال: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ يعني: أن الماء والتراب واحد، وتكون الثمار مختلفة في ألوانها وطعومها، فدلّ على نفسه وبراهينه على من ضلّ عنه، لأنه لو كان ظهور الثمار بالماء والتراب، لوجب في القياس أن لا تختلف الألوان والطعوم، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا ثبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنه صنع اللطيف الخبير.

وقال مجاهد: هذا مثل لبني آدم، أصلهم من أب واحد، ومنهم صالح ومنهم خبيث.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أنه من الله تعالى.

قرأ حمزة والكسائي: يُسْقى بالياء ويفضّل بالياء، وقرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين: يُسْقى بالياء بلفظ التذكير، وَنُفَضِّلُ بالنون.

وقرأ الباقون: تُسْقَى بالتاء وَنُفَضِّلُ بالنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يحملُهُ العَرْش، بل العرشُ وَحَمَلَتُهُ محمُولُون بلُطْفِ قُدْرته، ومَقْهُورون في قَبْضته، كان اللَّه ولا شيءَ معه، كان سبَحَانه قَبْلَ أَنْ يخلق المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.

وقوله سبحانه: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: تنبيهٌ على القُدْرة، وفي ضِمْن الشمسِ والقَمَر الكواكِبُ، ولذلك قال: كُلٌّ يَجْرِي أي: كلُّ ما هو في معنى الشَّمْسِ والقَمَرِ، و «الأجلُ المسمَّى» : هو انقضاء الدنيا، وفسادُ هذه البنْيَةِ.

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه: يُبْرمه وينفذه، وعبَّر بالتدبير، تقريباً للأفهام، وقال مجاهد:

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه يقضيه وحده.

ولَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ: أي: توقنون بالبعث.

وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ: لما فرغَتْ آيات السماء، ذُكِرَتْ آيات الأرض، وال رَواسِيَ: الجبالُ الثابتة.

وقوله سبحانه: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: «الزَوْجِ» في هذه الآية: الصِّنْف والنَّوْع، وليس بالزوْجِ المعروفِ في المتلازمين الفَرْدَيْن من الحيوان وغيره ومنه قوله سبحانه: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ...

الآية [يس: ٣٦] ، ومنه: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧] ، وهذه الآية تقتضِي أنَّ كلَّ ثمرةٍ، فموجودٌ منها نوعانِ، فإِن اتفق أنْ يوجد من ثمرةٍ أكْثَرُ من نوعَيْنِ، فغير ضارّ في معنى الآية، وقِطَعٌ: جَمْعُ قِطْعَة، وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جَاوَرَ وقَرُبَ بعضه من بعض لأن اختلاف ذلك في الأكْلِ أَغربُ، وقرأ الجمهور «١» : «وَجَنَّاتٌ» - بالرفع- عطفاً على «قِطَعٌ» ، وقرأ نافع «٢» وغيره: «وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٌ وَغَيْرِ صنوان»

بالخفض في الكل- عطفاً على «أعناب» ، وقرأ ابن كثير وغيره: / «وزرعٌ» - بالرفع في الكل- عطفا على «قطع» ، وصِنْوانٌ: جمع صنْو، وهو الفرع يكونُ مع الآخَرِ في أصْلٍ واحدٍ، قال البراءُ بْنُ عازبٍ: «الصِّنْوَان» : المجتمع، وغَيْرُ الصِّنوان: المفترق فرداً فرداً «١» وفي «الصحيحِ» : «العَمُّ صِنْوُ الأَبِ» ، وإِنما نص على الصِّنْوان في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع تظهر فيها غرابةُ اختلاف الأَكْلِ، والْأُكُلِ- بضم الهمزة-: اسم ما يؤكل، والأكل المَصْدَر، وحكى الطبري «٢» عن ابن عبَّاس وغيره: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ:

أي: واحدة سبخة، وأخرى عَذْبَة، ونحو هذا من القولِ «٣» ، وقال قتادة: المعنى: قُرًى مُتَجَاوِرَاتٌ «٤» .

قال ع «٥» : وهذا وجْهٌ من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قِطَعٌ مختلفاتٌ بتخصيصِ اللَّه لها بمعانٍ فهي تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، ولكن تختلف فيما تُخْرِجُه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاوز أنها من تُرْبةٍ واحدةٍ، ونوعٍ واحدٍ، وموضِعُ العِبْرة في هذا أَبْيَنُ، وعلى المَعْنَى الأول قال الحَسَنُ: هذا مَثَلٌ ضربه اللَّه لقلوبِ بَني آدم: الأرضُ واحدةٌ، وينزل عليها ماءٌ واحدٌ من السَّماء، فتخرجُ هذه زهرةً وثمرةً، وتخرجُ هذه سبخةً وملحاً وخبثاً، وكذلك النَّاس خُلِقُوا من آدم، فنزلَتْ عليهم من السماء تذكرةٌ، فَرَقَّتْ قلوبٌ وَخَشَعَتْ، وقَسَتْ قلوبٌ ولَهَتْ.

قال الحسن: فو الله، ما جالَسَ أحدٌ القُرْآن إِلاَّ قَامَ عَنْه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللَّه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً «٦» [الإسراء: ٨٢] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَسَطَها عَلى الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ جِبالًا ثَوابِتَ، يُقالُ: رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو رُسُوًّا، فَهو راسٍ: إذا ثَبَتَ.

و ﴿ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيْ: نَوْعَيْنِ.

والزَّوْجُ: الواحِدُ الَّذِي لَهُ قَرِيبٌ مِن جِنْسِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ويَعْنِي بِالزَّوْجَيْنِ: الحُلْوَ والحامِضَ، والعَذْبَ والمِلْحَ، والأبْيَضَ والأسْوَدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٥٤) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ لَمّا فَرَغَتْ آياتُ السَماءِ ذَكَرَ آياتِ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مَدَّ الأرْضَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها بَسِيطَةٌ لا كُرَوِيَّةٌ، وهَذا هو ظاهِرُ الشَرِيعَةِ.

والرَواسِي: الجِبالُ الثابِتَةُ، يُقالُ: "رَسا يَرْسُو" إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِهِ خالِداتٌ ما يُرَمْنَ وهامِدٌ ∗∗∗ وأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدَةُ بِالفِهْرِ والزَوْجُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الصِنْفُ والنَوْعُ، ولَيْسَ بِالزَوْجِ المَعْرُوفِ بِالمُتَلازِمِينَ الفَرْدَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها  ﴾ الآيَةَ، وَمِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ: " والأرْضَ مَدَدْناها " الآيَةَ في (ق)، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ فَمَوْجُودٌ مِنها نَوْعانِ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يُوجَدَ في ثَمَرَةٍ أكْثَرُ مِن نَوْعَيْنِ فَغَيْرُ ضارٍّ في مَعْنى الآيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يُغْشِي" بِسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِينِ، وكَفى ذِكْرُ الواحِدِ ذِكْرَ الآخَرِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ويُشْبِهُ أنَّ الأزْواجَ الَّتِي يُرادُ بِها الأنْواعُ والأصْنافُ والأجْناسُ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ هي اثْنانِ اثْنانِ في كُلِّ ثَمَرَةٍ ذَكَرٌ أو أُنْثى، وأشارَ إلى ذَلِكَ الفَرّاءُ عِنْدَ المَهْدَوِيِّ، وحَكى عنهُ غَيْرُهُ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: "الثَمَراتِ"، ثُمَّ ابْتَدَأ أنَّهُ جَعَلَ في الأرْضِ مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى زَوْجَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ ﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ، وهي الأجْزاءُ، وقَيَّدَ مِنها في هَذا المِثالِ ما تَجاوَرَ وقَرُبَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ لِأنَّ اخْتِلافَ ذَلِكَ في القُرْبِ أغْرَبُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجَنّاتٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَنّاتٍ" بِالنَصْبِ بِإضْمارٍ فِعْلٍ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "رَواسِيَ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ" بِالرَفْعِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الباقُونَ بِالخَفْضِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "أعْنابٍ"، وجَعَلَ الجَنَّةَ مِنَ الأعْنابِ، ومَن رَفَعَ "الزَرْعَ" فالجَنَّةُ حَقِيقَةً هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ النَواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا أيْ نَخِيلَ جَنَّةٍ، إذْ لا يُوصَفُ بِالسَحَقِ إلّا النَخْلُ.

ومَن خَفَضَ الزَرْعَ فالجَنّاتُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ لا مِنَ الزَرْعِ وحْدَهُ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ جَنَّةً إلّا إذا خالَطَتْها شَجَراتٌ.

و"صِنْوانٌ" جَمْعُ صِنْوٍ وهو الفَرْعُ يَكُونُ مَعَ الآخَرِ في أصْلٍ واحِدٍ، ورُبَّما كانَ أكْثَرَ مِن فَرْعَيْنِ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: الصِنْوانُ: المُجْتَمِعُ، وغَيْرُ الصِنْوانِ: المُتَفَرِّقُ فَرْدًا فَرْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أسْرَعَ إلَيْهِ العَبّاسُ في مُلاحاةٍ، فَجاءَ إلى النَبِيِّ  فَقالَ: أرَدْتُ يا رَسُولَ اللهِ أنْ أقُولَ لِلْعَبّاسِ فَذَكَرْتُ مَكانَكَ مِنهُ فَسَكَتُّ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "يَرْحَمُكَ اللهُ يا عُمَرُ، العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» وجَمْعُ الصِنْوِ صِنْوانٌ، وهو جَمْعٌ مُكَسَّرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَسْرَةُ الصادِ في الواحِدِ لَيْسَتِ الَّتِي في الجَمْعِ، وهو جارٍ مَجْرى فُلْكٍ، وتَقُولُ: صِنْوٌ وصِنْوانٌ في الجَمْعِ بِتَنْوِينِ النُونِ وإعْرابِهِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ القَوّاسِ -عن حَفْصٍ: "صُنْوانٌ" بِضَمِّ الصادِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِثْلُ ذِئْبٍ وذُؤْبانٌ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَسْرُ الصادِ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "صَنْوانٌ" بِفَتْحِ الصادِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَبْوُ وقَبْوانٌ، وإنَّما نُصَّ عَلى "الصِنْوانِ" في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها بِمَثابَةِ التَجاوُرِ في القِطَعِ تَظْهَرُ فِيهِ غَرابَةُ اخْتِلافِ الأكْلِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "تُسْقى" بِالتاءِ، وأمالَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ القافَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُسْقى" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يُسْقى ما ذُكِرَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَضِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُفَضِّلُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُسْقى" و"يُفَضِّلُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَيُفَضَّلُ" بِالياءِ وفَتْحِ الضادِ "بَعْضُها" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وجَدْتُهُ كَذَلِكَ في لَفْظِ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ في مُصْحَفِهِ، وهو أوَّلُ مَن نَقَطَ المَصاحِفَ.

و"الأُكُلُ" اسْمُ ما يُؤْكَلُ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأكْلُ المَصْدَرُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فِي الأُكُلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن غَيْرِ واحِدٍ - ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ-: ﴿ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ أيْ: واحِدَةٌ سَبْخَةٌ والأُخْرى عَذْبَةٌ ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: قُرًى مُتَجاوِراتٌ.

وهَذا وجْهٌ مِنَ العِبْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُخْتَلِفاتٌ بِتَخْصِيصِ اللهِ لَها بِمَعانٍ، فَهي تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ولَكِنْ تَخْتَلِفُ فِيما تُخْرِجُهُ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن وصْفِهِ لَها بِالتَجاوُرِ إنَّما هو مِن تُرْبَةٍ واحِدَةٍ ونَوْعٍ واحِدٍ، والعِبْرَةُ في هَذا أُبْيَنُ، لِأنَّها مَعَ اتِّفاقِها في التُرْبَةِ والماءِ تُفَضِّلُ القُدْرَةُ والإرادَةُ بَعْضَ أُكُلِها عَلى بَعْضٍ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: « (الدَقَلُ والفارِسِيُّ والحُلْوُ والحامِضُ)،» وعَلى المَعْنى الأوَّلِ قالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، كانَتِ الأرْضُ في يَدِ الرَحْمَنِ طِينَةً واحِدَةً، فَسَطَّحَها فَصارَتْ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً فَيَنْزِلُ عَلَيْها ماءٌ واحِدٌ مِنَ السَماءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَةً وثَمَرَةً، وتُخْرِجُ هَذِهِ سَبْخَةً ومِلْحًا وخَبَثًا، فَكَذَلِكَ الناسُ خُلِقُوا مِن آدَمَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ تَذْكِرَةٌ فَرَقَّتْ قُلُوبٌ وخَشَعَتْ، وقَسَتْ قُلُوبٌ، ولَهَتْ قُلُوبٌ، ووَجَفَتْ قُلُوبٌ، قالَ الحَسَنُ: فَوَ اللهِ ما جالَسَ أحَدٌ القُرْآنَ إلّا قامَ عنهُ بِزِيادَةٍ أو نُقْصانٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا  ﴾ ، والتَفْضِيلُ في الأُكُلِ [يَشْمَلُ] الأذْواقَ والألْوانَ والمَلْمَسَ وغَيْرَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وَهُوَ الذى مَدَّ الارض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وأنهارا وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين يُغْشِى اليل النهار إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِى} عطف على جملة ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ فبين الجملتين شبه التضاد.

اشتملت الأولى على ذكر العوالم العلوية وأحوالها، واشتملت الثانية على ذكر العوالم السفلية.

والمعنى: أنه خالق جميع العوالم وأعراضها.

والمد: البسط والسعة، ومنه: ظل مديد، ومنه مد البحر وجزره، ومد يده إذا بسطها.

والمعنى: خلق الأرض ممدودة متسعة للسير والزرع لأنه لو خلقها أسنمة من حجر أو جبالاً شاهقة متلاصقة لما تيسّر للأحياء التي عليها الانتفاع بها والسير من مكان إلى آخر في طلب الرزق وغيره.

وليس المراد أنها كانت غير ممدودة فمدّها بل هو كقوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ ، فهذه خلقة دالة على القدرة وعلى اللطف بعباده فهي آية ومنة.

والرواسي: جمع رَاسسٍ، وهو الثابت المستقر.

أي جبالاً رواسي.

وقد حذف موصوفه لظهوره فهو كقوله: ﴿ وله الجواري ﴾ ، أي السفن الجارية.

وسيأتي في قوله: ﴿ وألقى في الأرض رواسي ﴾ في سورة النحل (15) بأبسط مما هنا.

وجيء في جمع راسسٍ بوزن فواعل لأن الموصوف به غير عاقل، ووزن فواعل يطرد فيما مفرده صفة لغير عاقل مثل: صاهل وبازل.

والاستدلال بخلق الجبال على عظيم القدرة لما في خلقها من العظمة المشاهدة بخلاف خلقة المعادن والتراب فهي خفية، كما قال تعالى: ﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ [الغاشية: 19].

والأنهار: جمع نهر، وهو الوادي العظيم.

وتقدم في سورة البقرة: ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ (249).

وقوله: ومن كل الثمرات } عطف على ﴿ أنهاراً ﴾ فهو معمول ل ﴿ جَعل فيها رواسِيَ ﴾ .

ودخول ﴿ مِن ﴾ على ﴿ كلّ ﴾ جرى على الاستعمال العربي في ذكر أجناس غير العاقل كقوله: ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ .

و ﴿ مِن ﴾ هذه تُحمل على التبعيض لأن حقائق الأجناس لا تنحصر والموجود منها ما هو إلا بعض جزئيات الماهية لأن منها جزئيات انقضت ومنها جزئيات ستوجد.

والمراد ب ﴿ الثمرات ﴾ هيَ وأشجارُها.

وإنما ذكرت ﴿ الثمرات ﴾ لأنها موقع منة مع العبرة كقوله: ﴿ فأخرجنا به من كل الثمرات ﴾ [سورة الأعراف: 57].

فينبغي الوقف على ومن كل الثمرات } ، وبذلك انتهى تعداد المخلوقات المتصلة بالأرض.

وهذا أحسن تفسيراً.

ويعضده نظيره في قوله تعالى: ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ في سورة النحل (11).

وقيل إن قوله: ومن كل الثمرات} ابتداء كلام.

وتتعلق ﴿ من كل الثمرات ﴾ ب ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ، وبهذا فسر أكثر المفسرين.

ويبعده أنه لا نكتة في تقديم الجار والمجرور على عامله على ذلك التقدير، لأن جميع المذكور محل اهتمام فلا خصوصية للثمرات هنا، ولأن الثمرات لا يتحقق فيها وجود أزواج ولا كون الزوجين اثنين.

وأيضاً فيه فوات المنة بخلق الحيوان وتناسله مع أن منه معظم نفعهم ومعاشهم.

ومما يقرب ذلك قوله تعالى في نحو هذا المعنى ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً ﴾ [النبأ: 6 8].

والمعروف أن الزوجين هما الذكر والأنثى قال تعالى: ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ [سورة القيامة: 39].

والظاهر أن جملة جعل فيها زوجين } مستأنفة للاهتمام بهذا الجنس من المخلوقات وهو جنس الحيوان المخلوق صنفين ذكراً وأنثى أحدهما زوج مع الآخر.

وشاع إطلاق الزوج على الذكر والأنثى من الحيوان كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ في سورة البقرة (35)، وقوله: ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ في أول سورة النساء (1)، وقوله: قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } .

وأما قوله تعالى: ﴿ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ﴾ [ق: 7] فذلك إطلاق الزوج على الصنف بناءً على شيوع إطلاقه على صنف الذكر وصنف الأنثى فأطلق مجازاً على مطلق صنف من غير ما يتصف بالذكورة والأنوثة بعلاقة الإطلاق، والقرينة قوله: أنبتنا } مع عدم التثنية، كذلك قوله تعالى: ﴿ فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى ﴾ في سورة طه (53).

وتنكير زوجين } للتنويع، أي جعل زوجين من كل نوع.

ومعنى التثنية في زوجين أن كل فرد من الزوج يطلق عليه زوج كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج من الضّأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ الآية في سورة الأنعام (143).

والوصف بقوله: اثنين} للتأكيد تحقيقاً للامتنان.

﴿ يُغْشِى اليل النهار إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ جملة ﴿ يغشي ﴾ حال من ضمير ﴿ جعل ﴾ .

وجيء فيه بالمضارع لما يدل عليه من التجدد لأن جعل الأشياء المتقدم ذكرها جعل ثابت مستمر، وأما إغشاء الليل والنهار فهو أمرٌ متجدّد كل يوم وليلة.

وهذا استدلال بأعراض أحوال الأرض.

وذكرُه مع آيات العالم السفلي في غاية الدقة العلمية لأن الليل والنهار من أعراض الكرة الأرضية بحسب اتجاهها إلى الشمس وليسَا من أحوال السماوات إذ الشمس والكواكب لا يتغير حالها بضياء وظلمة.

وتقدم الكلام على نظير قوله: ﴿ يغشي الليل والنهار ﴾ في أوائل سورة الأعراف (54).

وقرأه الجمهور بسكون الغين وتخفيف الشين مضارع أغشى.

وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوبُ، وخلف بتشديد الشين مضارع غَشّى.

وقوله: إن في ذلك لآيات } الإشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ [الرعد: 2] إلى هنا بتأويل المذكور.

وجَعل الأشياء المذكورات ظروفاً لآيات } لأن كل واحدة من الأمور المذكورة تتضمن آيات عظيمة يجلوها النظر الصحيح والتفكير المجرد عن الأوهام.

ولذلك أجرى صفة التفكير على لفظ قَوم إشارة إلى أن التفكير المتكرر المتجدد هو صفة راسخة فيهم بحيث جعلت من مقومات قوميتهم، أي جبلتهم كما بيناه في دلالة لفظ ﴿ قوم ﴾ على ذلك عند قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).

وفي هذا إيماء إلى أن الذين نسبوا أنفسهم إلى التفكير من الطبائعيين فعللوا صدور الموجودات عن المادة ونفوا الفاعل المختار ما فكروا إلا تفكيراً قاصراً مخلوطاً بالأوهام ليس ما تقتضيه جبلة العقل إذْ اشتبهت عليهم العلل والمواليد، بأصل الخلق والإيجاد.

وجيء في التفكير بالصيغة الدالة على التكلف وبصيغة المضارع للإشارة إلى تفكير شديد ومُكرر.

والتفكير تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ في سورة الأنعام (50).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ بَسَطَها لِلِاسْتِقْرارِ عَلَيْها، رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّها مُسْتَدِيرَةٌ كالكُرَةِ.

﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا، واحِدُها راسِيَةٌ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَرْسُو بِها، أيْ تَثْبُتُ.

قالَ جَمِيلٌ: أُحِبُّهُ والَّذِي أرْسى قَواعِدَهُ حُبًّا إذا ظَهَرَتْ آياتُهُ بَطَنا قالَ عَطاءٌ: أوَّلُ جَبَلٍ وُضِعَ عَلى الأرْضِ أبُو قُبَيْسٍ.

﴿ وَأنْهارًا ﴾ وفِيها مِن مَنافِعِ الخَلْقِ شُرْبُ الحَيَوانِ ونَباتُ الأرْضِ ومَغِيضُ الأمْطارِ ومَسالِكُ الفُلْكِ.

﴿ وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ ذَكَرٌ وأُنْثى كَفُحُولِ النَّخْلِ وإناثِها، كَذَلِكَ كُلُّ النَّباتِ وإنْ خَفِيَ.

والزَّوْجُ الآخَرُ حُلْوٌ وحامِضٌ، أوْ عَذْبٌ ومالِحٌ، أوْ أبْيَضُ وأسْوَدُ، أوْ أحْمَرُ وأصْفَرُ، فَإنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الثِّمارِ ذُو نَوْعَيْنِ، فَصارَ كُلُّ ثَمَرٍ ذِي نَوْعَيْنِ زَوْجَيْنِ، وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ.

﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ مَعْناهُ يُغْشِي ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ضَوْءَ النَّهارِ، ويُغْشِي ضَوْءَ النَّهارِ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُتَجاوِراتِ المُدُنُ وما كانَ عامِرًا، وغَيْرَ المُتَجاوِراتِ الصَّحارِي وما كانَ غَيْرَ عامِرٍ.

الثّانِي: أيْ مُتَجاوِراتٌ في المَدى، مُخْتَلِفاتٌ في التَّفاضُلِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَّصِلَ ما يَكُونُ نَباتُهُ مُرًّا.

الثّانِي: أنْ تَتَّصِلَ المُعَذَّبَةُ الَّتِي تُنْبِتُ بِالسَّبْخَةِ الَّتِي لا تُنْبِتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الصِّنْوانَ المُجْتَمِعُ، وغَيْرَ الصِّنْوانِ المُفْتَرِقُ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قالَ الشّاعِرُ: العِلْمُ والحِلْمُ خُلَّتا كَرَمٍ ∗∗∗ لِلْمَرْءِ زَيْنٌ إذا هُما اجْتَمَعا ∗∗∗ صِنْوانُ لا يَسْتَتِمُّ حُسْنُهُما ∗∗∗ إلّا بِجَمْعِ ذا وذاكَ مَعا الثّانِي: أنَّ الصِّنْوانَ النَّخَلاتُ يَكُونُ أصْلُها واحِدًا، وغَيْرُ صِنْوانٍ أنْ تَكُونَ أُصُولُها شَتّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الصِّنْوانَ الأشْكالُ، وغَيْرَ الصِّنْوانِ المُخْتَلِفُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّ الصِّنْوانَ الفَسِيلُ يُقْطَعُ مِن أُمَّهاتِهِ، وهو مَعْرُوفٌ، وغَيْرَ الصِّنْوانِ ما يَنْبُتُ مِنَ النَّوى، وهو غَيْرُ مَعْرُوفٍ حَتّى يُعْرَفَ، وأصْلُ النَّخْلِ الغَرِيبُ مِن هَذا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ فَبَعْضُهُ حُلْوٌ، وبَعْضُهُ حامِضٌ، وبَعْضُهُ أصْفَرُ، وبَعْضُهُ أحْمَرُ، وبَعْضُهُ قَلِيلٌ، وبَعْضُهُ كَثِيرٌ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ في اخْتِلافِ ذَلِكَ اعْتِبارًا يَدُلُّ ذَوِي العُقُولِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَنِي آدَمَ، أصْلُهم واحِدٌ وهم مُخْتَلِفُونَ في الخَيْرِ والشَّرِّ والإيمانِ والكُفْرِ كاخْتِلافِ الثِّمارِ الَّتِي تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس- رضي الله عنهما- إن فلان يقول: إنها على عمد، يعني السماء.

فقال: اقرأها ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ أي لا ترونها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها ﴾ قال: وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ يقول: لها عمد، ولكن لا ترونها.

يعني الأعماد.

وأخرج ابن جرير، عن إياس بن معاوية رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ قال: السماء مقبية على الأرض مثل القبة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: السماء على أربعة أملاك، كل زاوية موكل بها ملك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ قال: هي بعمد لا ترونها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن وقتادة- رضي الله عنهما- أنهما كانا يقولان: خلقها بغير عمد.

قال لها قومي فقامت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن معاذ قال: في مصحف أبي ﴿ بغير عمد ترونه ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ قال: أجل معلوم، وحد لا يقصر دونه ولا يتعدى.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: يقضيه وحده.

وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ قال: إن الله إنما أنزل كتابه وبعث رسله، ليؤمن بوعده ويستيقن بلقائه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن عبد الله، مولى غفرة.

أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: إن الله جعل مسيرة ما بين المشرق والمغرب، خمسمائة سنة.

فمائة سنة في المشرق، لا يسكنها شيء من الحيوان، لا جن ولا إنس ولا دابة ولا شجرة.

ومائة سنة في المغرب بتلك المنزلة، وثلثمائة فيما بين المشرق والمغرب يسكنها الحيوان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر: والدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة عام خراب ومائة عمار، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: ما العمارة في الدنيا في الخراب إلا كفسطاط في البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فالسودان اثنا عشر ألفاً، والروم ثمانية، ولفارس ثلاثة، وللعرب ألف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن خالد بن مضرب رضي الله عنه قال: الأرض مسيرة خمسمائة سنة، ثلثمائة عمار، ومائتان خراب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن حسان بن عطية رضي الله عنه قال: سعة الأرض مسيرة خمسمائة سنة، البحار ثلثمائة، ومائة خراب، ومائة عمران.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الأرض سبعة أجزاء: ستة أجزاء فيها يأجوج ومأجوج، وجزء فيه سائر الخلق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لي أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا عشر ألفاً منه أرض الهند، وثمانية الصين، وثلاثة آلاف المغرب، وألف العرب.

وأخرج ابن المنذر عن مغيث بن سمي رضي الله عنه قال: الأرض ثلاثة أثلاث، ثلث فيه الناس والشجر، وثلث فيه البحار، وثلث هواء.

أما قوله تعالى: ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ .

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن الله تبارك وتعالى حين أراد أن يخلق الخلق، خلق الريح فنشجت الريح، فأبدت عن حشفة، فهي تحت الأرض.

ومنها دُحيت الأرض حيث ما شاء في العرض والطول، فكانت تميد فجعل الجبال الرواسي.

وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما خلق الله الأرض، قمصت وقالت: أي رب، تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث؟

فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم ترجرج.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن عطاء رضي الله عنه- قال: أول جبل وضع في الأرض، أبو قبيس.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ قال: ذكراً وانثى من كل صنف.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ أي يلبس الليل النهار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ .

قال أبو إسحاق (١) (٢) قال أهل اللغة (٣) (٤) ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ أي جبالًا ثوابت (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى ﴿ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ معنى الزوج في اللغة (٨) (٩) (١٠) (١١) قال الزجاج (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾ ذكرناه في سورة الأعراف (١٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أعلم أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن يفكر في عظمة الله وقدرته، ثم زادهم من البرهان.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 137.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٣) "تهذيب اللغة" (مدد) 4/ 3361، و"اللسان" (مدد) 7/ 4157.

(٤) "معاني القرآن" 2/ 58.

(٥) هذا قول الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 137.

(٦) "تنوير المقباس" ص 155.

(٧) عند قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ انظر: "اللسان" 3/ 1647 (سها).

(٨) "تهذيب اللغة" (زوج) 2/ 1574.

(٩) "مجاز القرآن" 1/ 321.

(١٠) "معاني القرآن" 2/ 58.

(١١) عند قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ  ﴾ .

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 137.

(١٣) القرطبي 9/ 280، الثعلبي 7/ 120 أ.

(١٤) " مشكل القرآن وغريبه" ص 230، الثعلبي 7/ 120 أ.

(١٥) في (أ)، (ج): (حلوٌ).

(١٦) عند قوله تعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا  ﴾ .

وقال هنالك: "والتغشية إلباس الشيء ..

قال أبو إسحاق: والمعنى أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل يغشى النهار؛ لأن في الكلام دليلًا عليه".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَدَّ الأرض ﴾ يقتضي أنها بسيطة لا مكورة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يترتب لفظ البسط والمدّ من التكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض ﴿ رواسى ﴾ يعني الجبال الثابتة ﴿ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ يعني صنفين من الثمر: كالأسود والأبيض، والحلو والحامض، فإن قيل: تقتضي الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافَ كثيرةً، والجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة، فذكر الاثنين، لأن دلالة غيرهما من باب أولى، وقيل: إن الكلام تم في قوله: ﴿ وَمِن كُلِّ الثمرات ﴾ ثم ابتدأ بقوله: ﴿ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ﴾ يعني الذكر والأنثى والأول أحسن ﴿ يُغْشِى اليل النهار ﴾ أي يلبسه إياه فيصير له كالغشاء، وذلك تشبيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ .

قوله: ﴿ رَفَعَ ﴾ أي: أنشأها مرفوعة؛ لا أنها كانت موضوعة فرفعها؛ ولكن جعلها في الابتداء مرفوعة، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ  ﴾ ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ  ﴾ ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا  ﴾ ونحو ذلك؛ أي: أنشأها مرفوعة ممدودة؛ لا أنها كانت مرفوعها فوضعها، أو كانت منقبضة فبسطها؛ ولكن أنشأها كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .

قال بعضهم: هي بعمد لكن لا ترونها؛ أي: ترونها بغير عمد وهي بعمد.

وقال بعضهم: هي بغير عمد على ما أخبر؛ ولكن اللطف والأعجوبة بما يمسكها بعمد لا ترى؛ كاللطف والأعجوبة فيما يمسكها بغير عمد؛ لأن في الشاهد لم يعرف؛ ولا قدر على رفع سقف فيه سعة وبعد بغير عمد لا ترى، لكن ما يرفع إنما [يرفع بعمد] ترى؛ فاللطف في هذا كاللطف في الآخر.

وفيه دلالة قدرته على البعث؛ لأنه ذكر هذا ثم قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ أي: من: قدر على رفع السماء - مع سعتها وبُعدها - بلا عمد؛ لقادر على إعادة الخلق؛ وبعثهم؛ وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها وبعدها، بلا عمد، أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه؛ إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد فنائها؛ ولا يقدر على رفع سقف؛ ذي سعة وبعد؛ بغير عمد.

من ذا الوجه أمكن أن يحتج.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

لما لم يفهم من قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ مدبر المكان؛ وإن كان في الشاهد يفهم منه المكان؛ إذا أضيف إلى المخلوق - لم يجز أن يفهم من استوائه [ما يفهم من استواء] الخلق.

وبعد فإن في الشاهد؛ إذا قيل: فلان استولى أمر بلدة كذا؛ أو استوى أمره؛ لم يفهم منه [المكان، بل فهم منه] نفاذ الأمر والسلطان والمشيئة؛ فعلى ذلك لم يجز أن يفهم من الله إذا أضيف إليه المكان.

وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم أنه أخبر أنه ليس كمثله شيء؛ فهو في كل شيء؛ وكل وجه؛ لا يشبه الخلق؛ إذ الخلق - في الشاهد - لا يشبه بعضه بعضاً من جميع الجهات؛ إنما يشبه بعضهم بعضاً بجهة، ثم صاروا جميعاً أشكالا وأشباهاً؛ بتلك الجهة التي وقعت بينهم تشابه؛ فإذاً الله  وتعالى لما أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ دل أنه إنما نفى عنه الجهات التي [يقع بها] التشابه والمثل؛ فهو يخالف الخلق من جميع الوجوه.

وهذه مسألة مذكورة فيما تقدم: اختُلف في العرش: قال بعضهم: العرش: هو الممتحنون بهم، استوى تدبير إنشاء غيرهم من العالم؛ لأنهم هم المقصودون في إنشاء ذلك كله.

وقال بعضهم: العرش: البعث به؛ استوى وتم تدبير إنشاء الخلائق؛ ما لولا البعث يكون إنشاؤهم عبثاً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل عدم الرجوع إليه إنشاء الخلق عبثاً.

وقال بعضهم: العرش: هو الملك؛ وبه تم ما ذكر، وقيل: هو سرير الملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ على ما في العقل أنه عن تدبير مدبر خرج؛ وعن علم وحكمة وضع؛ ليس على الجزاف بلا تدبير ولا علم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ يحتمل: يبين الحجج والبراهين.

ويحتمل: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: آيات القرآن أنزلها بالتفاريق؛ لا مجموعة.

﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير؛ ورفع السماء بلا عمد؛ دلالة البعث والإحياء بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ ﴾ هو كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً  ﴾ ومصيرهم وبروزهم؛ وأمثاله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ  ﴾ وكله واحد، وقال: ﴿ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً  ﴾ و ﴿ مِهَٰداً  ﴾ .

يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم.

﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: بسطها وجعل فيها رواسي؛ ذكر أنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها وتضطرب؛ كما تكفو السفينة؛ فأرساها بالجبال الثِّقال؛ فاستقرت وثبتت.

وذُكر أنها مدت وبسطت على الهواء؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال، ولكن لو [كان أنها] ما ذكر؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ لأن الأرض والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء؛ وكلما زيد من ذلك النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد، فلا يكون بها الثبات والاستقرار؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع؛ فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار؛ إلا أن يقال: إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها؛ على ما ذكره - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ فإن كان على هذا؛ فيكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ ومنعها عن الاضطراب والميلان.

أو ذكر هذا ليعلم لطفه وقدرته؛ حيث أمسكها بشيء من طبعه التسفل والانحدار، وهي في نفسها كذلك؛ ليعلم قدرة الله ولطفه في كل شيء.

والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ .

أي: أنشأها ممدودة؛ لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها؛ على ما ذكر من رفع السماء ونحوه.

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً ﴾ .

جعل الله - عز وجل - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليماً منه الخلق؛ ليكون ذلك عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب [وبغير أسباب سواء]؛ إذ هو قادر بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض بحيث لا يدخل فيها شيء؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ليعرفوا قدرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَاراً ﴾ أي: وجعل فيها أنهاراً؛ أخبر أنه مد الأرض وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها أنهاراً؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل الثمرات زوجين.

قال بعض أهل التأويل: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: لونين.

وقال بعضهم: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضاً وحلواً ومرّاً ومزّاً، إلا أن يقال: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ذا ألوان وذا طعوم.

وقال بعضهم الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر.

وأما على غير هذا فإنه لا يصح.

وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن الله، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ .

أي: يذهب ظلمة الليل بضوء النهار؛ وضوء النهار بظلمة الليل، أو يلبس أحدهما الآخر، أو يغطي الليل ما هو بالنهار بادٍ ظاهر للخلق، وبالنهار ما هو مستور خفي على الخلق والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

فيما ذُكِر؛ دلالة البعث والإحياء، ودلالة التدبير والعلم والحكمة، ودلالة الوحدانية.

﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياته وحججه لا لقوم يعاندون آياته ويكابرونها.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر أن الآيات تكون آيات لهم؛ بالتفكر والنظر فيها؛ والله أعلم؛ لا أن تصير آيات مجاناً بالبديهة.

أو يقول: إن منفعة الآيات تكون لمن تفكر فيها؛ لا لمن ترك التفكر والنظر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

دل قوله: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ﴾ أن التجاور إنما يذكر ويثبت إذا كانت الأرض [قطعاً، وأما إذا كانت الأرض] أرضاً واحدة؛ فإنه لا يقال فيها التجاور؛ فهذا يبطل قول من يقول: إن التجاور إنما يذكر فيما فيه الشركة؛ فتجب الشفعة فيما فيه الشركة؛ وأما في غيره فلا تجب وأمَّا عندنا: هو ما ذكر - عز وجل -: أنه إنما أثبت التجاور في الأرض التي صارت قطعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

القطع المتجاورات: هي الأرضون الضواحي التي تصلح للزرع.

﴿ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ أي: جنات متجاورات أيضاً، والجنات هي البساتين المحفوفة بالأشجار؛ فيها ألوان الثمار.

﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ .

قيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ هو النخلتان في أصل واحد، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ : النخل المتفرق وقيل: الصنوان: ما كان أصله واحداً؛ وهو متفرق، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ التي تنبت وحدها: وقيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ : هي النخلة تخرج؛ فإذا خرجت انشعبت بعد خروج الأصل؛ فهو الصنوان، ولهذا قيل: "عَمُّ الرجل صنو أبيه" ﴿ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ ﴾ .

أي: يسقي ما ذكر؛ من الزروع والنخيل والثمار والجنان بماء واحد.

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - أن جوهر الأرض كلها واحد؛ وهي قطع متجاورة؛ بعضها ببعض، ثم هي مختلفة في حق الثمار والفواكه، وكذلك الأشجار والنخيل؛ كلها من جوهر واحد من جنس واحد، والأرض في جوهرها واحد وتسقى كلها بماء واحد؛ ثم يخرج مختلفاً في ألوانها وطعومها وطيبها وخبيثها ومناظرها؛ ليعلم أنها لم تكن بنفسها؛ ولا بالأسباب التي جعل لها؛ ولكن بلطف واحدٍ مدبِّرٍ عليم حكيم؛ لأنها لو كانت بأنفسها وطباعها أو بالأسباب، لكانت كلها واحدة متفقة في طيبها وخبيثها وألوانها وطعومها؛ فلما لم يكن ما ذكرنا على لون واحد ولا طعم واحد ولا منظر واحد؛ دل أنه كان بتدبير مدبر واحد؛ عليم لطيف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

قيل: في الحمل؛ بعضها أكثر حملا من بعض، وبعضها يحمل؛ وبعضها لا، ولكن ما ذكرنا في الطيب والخبيث والطعم واللون والمنظر - مفضل بعضه على بعض.

وأصله: أن الأرض واحدة متجاورة؛ متصلة بعضها ببعض، والماء واحد أيضاً؛ ثم خرجت الثمار والفواكه والزروع والأعناب مختلفة متفرقة؛ ليعلم أن ذلك ليس هو عمل الأرض؛ ولا عمل الماء، ولا عمل الأسباب والطباع؛ ولكن باللطف من الله، لأنه لو كان بالماء أو الأرض؛ أو بالأسباب أو الطباع؛ لكانت متفقة مستوية.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ ﴾ لما ذكرنا من وحدانيته؛ وتدبيره؛ وعلمه؛ وحكمته.

﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لقوم همتهم العقل والفهم؛ والنظر والتفكر في الآيات، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعلمهم.

وقال الحسن: هذا مثل [ضربه الله] لقلوب بني آدم كانت الأرض في الأصل طينة واحدة؛ فسطحها الرحمن ثم بطحها؛ فصارت الأرض قطعاً متجاورات؛ فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها؛ وتخرج نباتها ويحيا مواتها، وتخرج هذه سبختها وملحها؛ وخبثها؛ وكلتاهما تسقى بماء واحد؛ فلو كان الماء مالحاً؛ قيل: استسبخت هذه من قبل الماء كذلك الناس: خلقوا من آدم -  - فينزل عليهم من السماء تذكرة واحدة؛ فترقّ قلوب؛ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب؛ فتسهو وتلهو وتجفو؛ أو كلام نحوه.

ثم قال الحسن: والله؛ ما جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان؛ ثم تلا قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ .

قال الحسن: إن تعجب - يا محمد - من تكذيبهم إياك في الرسالة؛ فعجب قولهم؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

وقال بعضهم: وإن تعجب - يا محمد - مما أوحينا إليك من القرآن؛ كقوله - في الصافات - ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ  ﴾ .

﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أي: أعجب أيضاً قولُهم، يقول: لكن قولهم أعجب عندك؛ حين قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ تكذيباً للبعث.

وأصله - والله أعلم -: يقول: إنك إن عجبت، من قولهم في تكذيبهم إياك في الرسالة؛ ولم [تكن] رسولا من قبل؛ فقولهم وإنكارهم قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت أعجب؛ إذ قد رأوا وشاهدوا من قدرة الله وآياته؛ ما لو تفكروا وتأملوا ولم يعاندوا، عرفوا أنه قادر على ذلك كله؛ فوصفهم الله  بالعجز؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم إياك في الرسالة، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك، وقد سبق من الله إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك؛ وعلى أكثر منه.

وأصله - والله أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك؛ ولم يكن منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج، وإنما كان منك البيان والدعاء؛ فأعجب: قولهم في إنكارهم قدرة الله على البعث؛ وقولهم في الله  ما قالوا فيه؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله؛ بالله إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث؛ كان كفرهم بالبعث كفراً بالله؛ لأنهم عرفوه عاجزاً، حيث قالوا: لا يقدر على بعث الخلق، ومن عرف ربه عاجزاً - فهو لم يعرف الرب الحقيقة؛ والإله الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: صار الكفر في أعناقهم أغلالا؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر، ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم؛ يعكفون عليها ويخضعون؛ فذلك هو الأغلال في أعناقهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

في الآخرة كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ...

﴾ الآية [الحاقة: 30] ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهو سبحانه الذي بسط الأرض، وخلق فيها جبالًا ثوابت حتى لا تضطرب بالناس، ومن كل أنواع الثمرات جعل فيها صنفين كالذكر والأنثى في الحيوان، يلبس الليل النهار، فيصير مظلمًا بعدما كان منيرًا، إن في ذلك المذكور لأدلة وبراهين لقوم يتفكرون في صنع الله، ويتأملون فيه، فهم الذين ينتفعون بتلك الأدلة والبراهين.

<div class="verse-tafsir" id="91.Xja0N"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل