الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣ من سورة الرعد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
لما ذكر تعالى العالم العلوي ، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي ، فقال : ( وهو الذي مد الأرض ) أي : جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض ، وأرساها بجبال راسيات شامخات ، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون لسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح ، من كل زوجين اثنين ، أي : من كل شكل صنفان .
( يغشي الليل النهار ) أي : جعل كلا منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا ، فإذا ذهب هذا غشيه هذا ، وإذا انقضى هذا جاء الآخر ، فيتصرف أيضا في الزمان كما تصرف في المكان والسكان .
( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) أي : في آلاء الله وحكمته ودلائله .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي مَدَّ الأرض, فبسطها طولا وعرضًا .
* * * وقوله: (وجعل فيها رواسي) يقول جل ثناؤه: وجعل في الأرض جبالا ثابتة.
* * * و " الرواسي: " جمع " راسية "، وهي الثابتة, يقال منه: " أرسيت الوتد في الأرض ": إذا أثبته, (25) كما قال الشاعر: (26) بــهِ خَــالِدَاتٌ مَـا يَـرِمْنَ وهَـامِدٌ وَأشْــعَثُ أرْسَــتْهُ الوَلِيـدَةُ بِـالفِهْرِ (27) يعني: أثبتته .
* * * وقوله: (وأنهارًا) يقول: وجعل في الأرض أنهارًا من ماء .
* * * وقوله: (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) فـ(من) في قوله (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) من صلة (جعل) الثاني لا الأول .
* * * ومعنى الكلام: وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات .
وعنى بـ(زوجين اثنين): من كل ذكر اثنان, ومن كل أنثى اثنان, فذلك أربعة، من الذكور اثنان، ومن الإناث اثنتان في قول بعضهم .
* * * وقد بينا فيما مضى أن العرب تسمي الاثنين: (زوجين), والواحد من الذكور " زوجًا " لأنثاه, وكذلك الأنثى الواحدة " زوجًا " و " زوجة " لذكرها, بما أغمى عن إعادته في هذا الموضع .
(28) ويزيد ذلك إيضاحًا قول الله عز وجل: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [سورة النجم: 45] فسمى الاثنين الذكر والأنثى (زوجين) .
وإنما عنى بقوله: (زوجين اثنين)، (29) نوعين وضربين .
* * * وقوله: (يغشي الليل النهار) ، يقول: يجلِّل الليلُ النهارَ فيلبسه ظلمته, والنهارُ الليلَ بضيائه، (30) كما:- 20066- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (يغشي الليل النهار) أي: يلبس الليل النهار .
* * * وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ، يقول تعالى ذكره: إن فيما وصفت وذكرت من عجائب خلق الله وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء, لَدلالات وحججًا وعظات, لقوم يتفكرون فيها، فيستدلون ويعتبرون بها, فيعلمون أن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا لمن خلقها ودبَّرها دون غيره من الآلهة والأصنام التي لا تقدر على ضر ولا نفع ولا لشيء غيرها, إلا لمن أنشأ ذلك فأحدثه من غير شيء تبارك وتعالى وأن القدرة التي أبدع بها ذلك، هي القدرة التي لا يتعذَّر عليه إحياء من هلك من خلقه، وإعادة ما فني منه وابتداع ما شاء ابتداعَه بها .
(31) --------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير" الإرساء" فيما سلف 13 : 293 .
(26) هو الأحوص .
(27) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 321 ، واللسان ( رسا ) ، وروايته" سوى خالدات" و" ترسيه الوليدة" .
و" الخالدات" ، و" الخوالد" صخور الأثافي ، سميت بذلك لطول بقائها بعد دروس أطلال الديار .
: ما يرمن" ، ما يبرحن مكانهن ، من" رام المكان يريمه" ، إذا فارقه .
و" الهامد" الرماد المتلبد بعضه على بعض .
و" الأشعث" ، الوتد ، لأنه يدق رأسه فيتشعث ويتفرق ، و" الوليدة" : الجارية ، و" الفهر" حجر ملء الكف ، يدق به .
(28) انظر تفسير" الزوج" فيما سلف 1 : 397 ، 514 / 7 : 515 / 12 : 184 / 15 : 322 - 324 .
(29) في المخطوطة والمطبوعة :" من كل زوجين اثنين" ، وهم الناسخ، فزاد في الكلام ما ليس منه هنا ، وإنما ذلك من قوله تعالى في آية أخرى .
فحذفت" من كل" ، ليبقى نص الآية التي يفسرها هنا .
(30) انظر تفسير" الإغشاء" فيما سلف 12 : 483 / 15 : 75 .
(31) السياق :" وهي القدرة التي لا يتعذر عليه ...
بها" .
قوله تعالى : وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون[ ص: 245 ] قوله تعالى : وهو الذي مد الأرض لما بين آيات السماوات بين آيات الأرض ; أي بسط الأرض طولا وعرضا .وجعل فيها رواسي أي جبالا ثوابت ; واحدها راسية ; لأن الأرض ترسو بها ، أي تثبت ; والإرساء الثبوت ; قال عنترة :فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلعوقال جميل :أحبها والذي أرسى قواعده حبا إذا ظهرت آياته بطناوقال ابن عباس وعطاء : أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس .مسألة : في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة ، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبوابها عليها ; وزعم ابن الراوندي أن تحت الأرض جسما صعادا كالريح الصعادة ; وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصعادي في الجرم والقوة فتوافقا .
وزعم آخرون أن الأرض مركب من جسمين ، أحدهما منحدر ، والآخر مصعد ، فاعتدلا ، فلذلك وقفت .
والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها ، وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها .وقوله تعالى : وأنهارا أي مياها جارية في الأرض ، فيها منافع الخلق .ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين بمعنى صنفين .
قال أبو عبيدة : الزوج واحد ، ويكون اثنين .
الفراء : يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى ; وهذا خلاف النص .
وقيل : معنى زوجين نوعان ، كالحلو والحامض ، والرطب واليابس ، والأبيض والأسود ، والصغير والكبير .إن في ذلك لآيات أي دلالات وعلامات لقوم يتفكرون
{ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ } أي: خلقها للعباد، ووسعها وبارك فيها ومهدها للعباد، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع، { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } أي: جبالا عظاما، لئلا تميد بالخلق، فإنه لولا الجبال لمادت بأهلها، لأنها على تيار ماء، لا ثبوت لها ولا استقرار إلا بالجبال الرواسي، التي جعلها الله أوتادا لها.
{ و } جعل فيها { أَنْهَارًا } تسقي الآدميين وبهائمهم وحروثهم، فأخرج بها من الأشجار والزروع والثمار خيرا كثيرا ولهذا قال: { وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: صنفين مما يحتاج إليه العباد.
{ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } فتظلم الآفاق فيسكن كل حيوان إلى مأواه ويستريحون من التعب والنصب في النهار، ثم إذا قضوا مأربهم من النوم غشي النهار الليل فإذا هم مصبحون منتشرون في مصالحهم وأعمالهم في النهار.
{ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ } على المطالب الإلهية { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيها، وينظرون فيها نظر اعتبار دالة على أن الذي خلقها ودبرها وصرفها، هو الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، وأنه عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، وأنه القادر على كل شيء، الحكيم في كل شيء المحمود على ما خلقه وأمر به تبارك وتعالى.
( وهو الذي مد الأرض ) بسطها ( وجعل فيها رواسي ) جبالا ثابتة ، واحدتها راسية ، قال ابن عباس : كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض ( وأنهارا ) وجعل فيها أنهارا .
( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) أي : [ صنفين اثنين ] أحمر وأصفر ، وحلوا وحامضا ( يغشي الليل النهار ) أي : يلبس النهار بظلمة الليل ، ويلبس الليل بضوء النهار ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) فيستدلون .
والتفكر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء .
«وهو الذي مد» بسط «الأرض وجعل» خلق «فيها رواسي» جبالا ثوابت «وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين» من كل نوع «يغشي» يغطي «الليل» بظلمته «النهار إن في ذلك» المذكور «لآيات» دلالات على وحدانيته تعالى «لقوم يتفكرون» في صنع الله.
وهو سبحانه الذي جعل الأرض متسعة ممتدة، وهيأها لمعاشكم، وجعل فيها جبالا تُثبِّتُها وأنهارًا لشربكم ومنافعكم، وجعل فيها من كل الثمرات صنفين اثنين، فكان منها الأبيض والأسود والحلو والحامض، وجعل الليل يغطي النهار بظلمته، إن في ذلك كله لَعظات لقوم يتفكرون فيها، فيتعظون.
وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فى عالم السماوات ، أتبعه بذكر بعض هذه المظاهر فى عالم الأرض فقال - تعالى - ( وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ) والمد : البسط والسعة .
ومنه ظل مديد أى متسع .والرواسى : الجبال مأخوذ من الرسو ، وهو ثبات الأجسام الثقيلة ، يقال : رسا الشئ يرسو رسْوا ورسُوًّا ، إذا ثبت واستقر ، وأرسيت الوتد فى الأرض إذا أثبته فيها .ولفظ رواسى : صفة لموصوف محذوف .
وهو من الصفات التى تغنى عن ذكر موصوفها .والأنهار : جمع نهر ، وهو مجرى الماء الفائض ، ويطلق على الماء السائل على الأرض .والمراد بالثمرات : ما يشملها هى وأشجارها ، وإنما ذكرت الثمرات وحدها ، لأنها هى موضع المنة والعبرة .والمراد بالزوجين : الذكر والأنثى ، وقيل المراد بهما الصنفان فى اللون أو فى الطعم أو فى القدر وما أشبه ذلك .والمعنى : - وهو - سبحانه - الذى بسط الأرض طولاً وعرضاً إلى المدجى الذى لا يدركه البصر ، ليتيسر الاستقرار عليها .ولا تنافى بين مدها وبسطها ، وبين كونها كروية ، لأن مدها وبسطها على حسب رؤية العين ، وكرويتها حسب الحقيقة .وجعل فى هذه الأرض جبالاً ثوابت راسخات ، لتمسكها من الاضطراب ، وجعل فيها - أيضاً - أنهاراً ، لينفع الناس والحيوان وغيرها بمياه هذه الأنهار .وجعل فيها كذلك من كل نوع من أنواع الثمرات ذكرا وأنثى .قال صاحب الكشاف : " أى خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها ، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت .وقيل : أراد بالزوجين ، الأسود والأبيض ، والحلو والحامض ، والصغير والكبير ، وما أشبه ذلك من الأوصاف المختلفة .وقال صاحب الظلال : " وهذه الجملة تتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريباً ، وهى أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى ، حتى النباتات التى كان مظنوناً أنه ليس لها من جنسها ذكور ، تبين أنها تحمل فى ذاتها الزوج الآخر ، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة فى زهرة ، أو متفرقة فى العود ..
.
"وقوله ( يُغْشِي الليل النهار ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده .ولفظ ( يغشى ) من التغشية بمعنى التغطية والستر .والمعنى : أن من مظاهر قدرته - سبحانه - أنه يجعل الليل غاشيا للنهار مغطياً له فيذهب بنوره وضيائه ، فيصير الكون مظلماً بعد أن كل مضيئاً .
ويجعل النهار غاشياً لليل ، فيصير الكون مضيئاً بعد أن كان مظلماً ، وفى مكان من منافع الناس ما فيه ، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل والراحة ، وبين السعى والسكون .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .أى : إن فى ذلك الذى فعله الله - تعالى - من بسط الأرض طولاً وعرضاً ومن تثبيتها بالرواسى ، ومن شقها بالأنهار .
.
.
لآيات باهرة ، ودلائل ظاهرة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده ، لقوم يحسنون التفكر ، ويطيلون التأمل فى ملكوت السموات والأرض .
اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض ﴾ .
واعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض وأحوالها من وجوه: الأول: أن الشيء إذا تزايد حجمه ومقداره صار كأن ذلك الحجم وذلك المقدار يمتد فقوله: ﴿ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض ﴾ إشارة إلى أن الله سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك المقدار المعين الحاصل له لا أزيد ولا أنقص والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً مما هو الآن وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار المعين لابد أن يكون بتخصيص وتقدير.
الثاني: قال أبو بكر الأصم المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله: ﴿ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض ﴾ يشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجماً عظيماً لا يقع البصر على منتهاه، لأن الأرض لو كانت أصغر حجماً مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به.
والثالث: قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها ودحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا.
وقال آخرون: كانت مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها: اذهبي كذا وكذا.
اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة وأصحاب هذا القول احتجوا عليه بقوله: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ وهذا القول مشكل من وجهين: الأول: أنه ثبت بالدلائل أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه؟
فإن قالوا: وقوله: ﴿ مَدَّ الأرض ﴾ ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها؟
قلنا: لا نسلم أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، والتفاوت الحاصل بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله ألا ترى أنه قال: ﴿ والجبال أَوْتَاداً ﴾ فجعلها أوتاداً مع أن العالم من الناس يستقرون عليها فكذلك هاهنا.
والثاني: أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع، والشرط فيه أن يكون ذلك أمراً مشاهداً معلوماً حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع وكونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه.
والنوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ من فوقها ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها يقال: رسا هذا الوتد وأرسيته والمراد ما ذكرنا.
واعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه، الأول: أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لابد وأن يكون بتخليق القادر الحكيم.
قالت الفلاسفة: هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكانت تتولد في البحر طيناً لزجاً.
ثم يقوي تأثير الشمس فيها فينقلب حجراً كما يشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور ويقل فيتحجر البقية، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا: وإنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس وحضيضها متحركان، ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى، وشدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال، والآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في جانب الشمال، هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب وهو ضعيف من وجوه: الأول: أن حصول الطين في البحر أمر عام ووقوع الشمس عليها أمر عام فلم وصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض.
والثاني: وهو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا فسافاً فكأن البناء لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض ويبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه.
والثالث: أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريب من تسعة آلاف سنة، وبهذا التقدير أن الجبال في هذه المدة الطويلة كانت في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شيء، لكن ليس الأمر كذلك، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف.
والوجه الثاني: من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة ومواضع الجواهر النفيسة وقد يحصل فيها معادن الزاجات والأملاح وقد يحصل فيها معادن النفط والقير والكبريت، فكون الأرض واحدة في الطبيعة، وكون الجبل واحداً في الطبع، وكون تأثير الشمس واحداً في الكل يدل دليلاً ظاهراً على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات والممكنات.
والوجه الثالث: من الاستدلال بأحوال الجبال أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض، وذلك أن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة، ثم إنها لكثرتها وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه، ولهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر الله الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية، ومثل قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات وأسقيناكم مَّاء فُرَاتاً ﴾ .
والنوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب خلقة النبات، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَمِن كُلّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الحبة إذا وضعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض ربت وكبرت وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة في الهواء، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض وهذا من العجائب، لأن طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم، والمقدر القديم لا بسبب الطبع والخاصية، ثم إن الشجرة الثابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشباً وبعضها يكون نوراً وبعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة أيضاً يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع، فالجوز له أربعة أنواع من القشور، فالقشر الأعلى وتحته القشرة الخشبة وتحته القشرة المحيطة باللبنة، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز رطباً وأيضاً فقد يحصل في الثمرة الواحدة الطباع المختلفة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه حار رطب وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس ونوره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه للطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لابد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القادر القديم.
المسألة الثانية: المراد بزوجين اثنين، صنفين اثنين والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو والحامض أو الطبيعة كالحار والبارد أو اللون كالأبيض والأسود.
فإن قيل: الزوجان لابد وأن يكون اثنين، فما الفائدة في قوله: ﴿ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ .
قلنا: قيل إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط، فلو قال: خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص.
أما لما قال اثنين علمنا أن الله تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد.
والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا أنهم لما ابتدؤا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم وحواء، فكذلك القول في جميع الأشجار والزرع، والله أعلم.
النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بأحوال الليل والنهار وإليه الإشارة بقوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ والمقصود أن الإنعام لا يكمل إلا بالليل والنهار وتعاقبهما كما قال: ﴿ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهار مُبْصِرَةً ﴾ ومنه قوله: ﴿ يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ﴾ وقد سبق الاستقصاء في تقريره فيما سلف من هذا الكتاب، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿ يُغْشِى ﴾ بالتشديد وفتح الغين والباقون بالتخفيف، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
واعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي يذكر عقبها: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أو ما يقرب منه بحسب المعنى، والسبب فيه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود، فلهذا المعنى قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا المقام من التفكر والتأمل ليتم الاستدلال.
واعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين: الأول: أن نقول هب أنكم أسندتم حوادث العالم السفلي إلى الأحوال الفلكية والاتصالات الكوكبية إلا أنا أقمنا الدليل القاطع على أن اختصاص كل واحد من الأجرام الفلكية وطبعه ووضعه وخاصيته لابد أن يكون بتخصيص المقدر القديم والمدبر الحكيم، فقد سقط هذا السؤال وهذا الجواب قد قرره الله تعالى في هذا المقام، لأنه تعالى ابتدأ بذكر الدلائل السماوية وقد بينا أنها كيف تدل على وجود الصانع.
ثم إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية.
فإن قال قائل: لم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال الفلكية، كان جوابنا أن نقول فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم على افتقار الأجرام الفلكية إلى الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال قادحاً في غرضنا.
والوجه الثاني: من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية، وذلك هو المذكور في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها علم أن هذا الكتاب اشتمل على علوم الأولين والآخرين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الله ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذى ﴾ خبره، بدليل قوله: ﴿ وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض ﴾ ويجوز أن يكون صفة.
وقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر يُفَصّلُ الآيات ﴾ خبر بعد خبر.
وينصره ما تقدّمه من ذكر الآيات ﴿ رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ كلام مستأنف استشهاد برؤيتهم لها كذلك.
وقيل: هي صفة لعمد.
ويعضده قراءة أبي ﴿ ترونه ﴾ .
وقرئ: ﴿ عُمُد ﴾ ، بضمتين ﴿ يُدَبِّرُ الأمر ﴾ يدبر أمر ملكوته وربوبيته ﴿ يُفَصّلُ ﴾ آياته في كتبه المنزلة ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لابد لكم من الرجوع إليه.
وقرأ الحسن: ﴿ ندبر ﴾ ، بالنون ﴿ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت.
وقيل: أراد بالزوجين: الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً.
وقرئ: ﴿ يغشّى ﴾ بالتشديد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً والخَبَرُ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ .
﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ أساطِينَ جَمْعُ عِمادٍ كَإهابٍ وأهَبٍ، أوْ عَمُودٍ كَأدِيمٍ وأُدُمٍ وقُرِئَ « عُمُدٍ» كَرُسُلٍ.
﴿ تَرَوْنَها ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿ عَمَدٍ ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِرُؤْيَتِهِمُ السَّمَواتِ كَذَلِكَ، وهو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ فَإنَّ ارْتِفاعَها عَلى سائِرِ الأجْسامِ السَّماوِيَّةِ لَها في حَقِيقَةِ الجِرْمِيَّةِ، واخْتِصاصِها بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصَّصٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ يُرَجِّحُ بَعْضَ المُمَكِّناتِ عَلى بَعْضٍ بِإرادَتِهِ وعَلى هَذا المِنهاجِ سائِرُ ما ذَكَرَ مِنَ الآياتِ.
﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ بِالحِفْظِ والتَّدْبِيرِ.
﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ ذَلَّلَهُما لِما أرادَ مِنهُما كالحَرَكَةِ المُسْتَمِرَّةِ عَلى حَدٍّ مِنَ السُّرْعَةِ يَنْفَعُ في حُدُوثِ الكائِناتِ وبَقائِها.
﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَتِمُّ فِيها أدْوارُهُ، أوْ لِغايَةٍ مَضْرُوبَةٍ يَنْقَطِعُ دُونَها سَيْرُهُ وهي ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ .
﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أمْرَ مَلَكُوتِهِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والإحْياءِ والإماتَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ يُنَزِّلُها ويُبَيِّنُها مُفَصَّلَةً أوْ يُحْدِثُ الدَّلائِلَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ.
﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ لِكَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها وتَتَحَقَّقُوا كَمالَ قُدْرَتِهِ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ وتَدْبِيرِها قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)
{وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض} بسطها {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالاً ثوابت {وأنهارا} جارية {وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين} أي الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك {يغشي الليل النَّهارَ} يلبسه مكانه فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً يغشِّي حمزة وعلي وأبو بكر {إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيعلمون أن لها صانعا عليما
الرعد (٤ _ ٦)
حكيما قادرا
وتَقَدُّمُ ذِكْرُ الآياتِ ناصِرٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ الآياتِ في المَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَةُ الدَّلالَةِ ولِأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ تَأخُّرُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ ﴾ ..
إلَخْ عَلى أنَّ سَوْقَ تِلْكَ الصِّفاتِ أعْنِي رَفْعَ السَّماواتِ وما تَلاهُ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ وسَوْقَ مُقابَلاتِها لِغَرَضٍ آخَرَ مُنافِرٍ وفي الأوَّلِ رُوعِيَ لَطِيفَةٌ في تَعْقِيبِ الأوائِلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( يُدَبِّرُ، يُفَصِّلُ ) لِلْإيقانِ والثَّوانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أيْ مِن فَضْلِ السَّوابِقِ لِإفادَتِها اليَقِينَ واللَّواحِقُ ذَرائِعُ إلى حُصُولِهِ لِأنَّ الفِكْرَ آلَتُهُ والإشارَةُ إلى تَقْدِيمِ الثَّوانِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا مَعَ التَّأخُّرِ رُتْبَةً وذَلِكَ فائِتٌ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ.
اهَـ.
وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ فِيما أرى ولا تَنافِيَ كَما قالَ الشِّهابُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ الوَصْفِيَّةَ تَقْتَضِي المَعْلُومِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ تَقْتَضِي خِلافَها لِأنَّ المَعْلُومِيَّةَ عَلَيْهِما والمَقْصُودُ بِالإفادَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ .
(2) .
أيْ لَكم تَتَفَكَّرُوا وتُحَقِّقُوا كَمالَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ وحاصِلُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ لِذَلِكَ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَعَلَ الأخِيرَيْنِ لِذَلِكَ مَعَ أنَّ الكُلَّ لَهُ ثُمَّ قالَ: وهَذا مِمّا يُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْضًا كَما يُرَجِّحُهُ أنَّهُ ذَكَرَ تَبْيِينَ الآياتِ وهي الرَّفْعُ وما تَلاهُ فَإنَّهُ ذَكَرَها لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وعِلْمِهِ ولا يُسْتَدَلُّ بِها إلّا إذا كانَتْ مَعْلُومَةً فَيَقْتَضِي كَوْنُها صِفَةً.
فَإنْ قِيلَ: لا بُدَّ في الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً سَواءً كانَتْ صِفَةً أوْ خَبَرًا يُقالُ: إذا كانَ ذَلِكَ صِلَةً دَلَّ عَلى انْتِسابِ الآياتِ إلى اللَّهِ تَعالى وإذا كانَ خَبَرًا دَلَّ عَلى انْتِسابِها إلى مَوْجُودٍ مُبْهَمٍ وهو غَيْرُ كافٍ في الِاسْتِدْلالِ فَتَأمَّلْ وقَرَأ النَّخَعِيُّ وأبُو رُزَيْنٍ وأبانُ بْنُ تَغَلِبَ عَنْ قَتادَةَ ( نُدَبِّرُ، نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ فِيهِما وكَذا رَوى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ الحَسَنِ ووافَقَ في ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ وقالَ المَهْدَوِيُّ: لَمْ يُخْتَلَفْ في ( يُدَبِّرُ ) ولَيْسَ كَما قالَ لِما سَمِعْتَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِنَ الشَّواهِدِ العُلْوِيَّةِ ما ذَكَرَ أرْدَفَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ السُّفْلِيَّةِ فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا قالَ الأصَمُّ: البَسْطُ المَدُّ إلى ما لا يُرى مُنْتَهاهُ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى بُعْدِ مَداها وسِعَةِ أقْطارِها وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً فَدَحاها مِن مَكَّةَ مِن تَحْتِ البَيْتِ وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَدَحاها وقالَ سُبْحانَهُ لَها: اذْهَبِي كَذا وكَذا وهو المُرادُ بِالمَدِّ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّها مُسَطَّحَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةِ والفَلاسِفَةُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنهم إلى أنَّها لَيْسَتْ كُرَيَّةً وهَؤُلاءِ طائِفَتانِ فَواحِدَةٌ تَقُولُ: إنَّها مُحَدَّبَةٌ مِن فَوْقَ مُسَطَّحَةٌ مِن أسْفَلَ فَهي كَقَدَحٍ كُبَّ عَلى وجْهِ الماءِ وأُخْرى تَقُولُ بِعَكْسِ ذَلِكَ وذَهَبَ الأكْثَرُونَ مِنهم إلى أنَّها كُرَيَّةٌ أمّا في الطُّولِ فَلِأنَّ البِلادَ المُتَوافِقَةَ في العَرْضِ أوِ الَّتِي لا عَرْضَ لَها كُلَّما كانَتْ أقْرَبَ إلى الغَرْبِ كانَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلَيْها مُتَأخِّرًا بِنِسْبَةٍ واحِدَةٍ ولا يُعْقَلُ ذَلِكَ إلّا في الكُرَةِ وأمّا في العَرْضِ فَلِأنَّ السّالِكَ في الشَّمالِ كُلَّما أوْغَلَ فِيهِ ازْدادَ القُطْبُ ارْتِفاعًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ إيغالِهِ فِيهِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ بِحَيْثُ يَراهُ قَرِيبًا مِن سَمْتِ رَأْسِهِ وكَذَلِكَ تَظْهَرُ لَهُ الكَواكِبُ الشَّمالِيَّةُ وتَخْفى عَنْهُ الكَواكِبُ الجَنُوبِيَّةُ والسّالِكُ الواغِلُ في الجَنُوبِ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ وأمّا فِيما بَيْنَهُما فَلِتَرَكُّبِ الأمْرَيْنِ وأُورِدَ عَلَيْهِمُ الِاخْتِلافُ المَشاهَدُ في سَطْحِها فَأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في أصْلِ الكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ المَعْلُومَةِ بِما ذُكِرَ فَإنَّ نِسْبَةَ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ عَلى ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراؤُهم وانْتَهَتْ إلَيْهِ آراؤُهم وهو جَبَلُ دَماوَنْدَ فِيما بَيْنُ الرَّيِّ وطَبَرِسْتانَ أوْ جَبَلٌ في سَرَنْدِيبَ إلى قُطْرِ الأرْضِ كَنِسْبَةِ سُبْعِ عَرْضِ شَعِيرَةٍ إلى ذِراعٍ.
واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ هَبْ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ كَذَلِكَ فَما قَوْلُكم فِيما هو مَغْمُورٌ في الماءِ فَإنْ قالُوا: إذا كانَ الظّاهِرُ كُرَيًّا فالباقِي كَذَلِكَ لِأنَّها طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ قُلْنا: فالمَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلى البَساطَةِ واقْتِضاؤُها الكُرَيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ ولا شَكَّ أنَّهُ يَمْنَعُها التَّضارِيسُ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ لِلْحِسِّ لِكَوْنِها في غايَةِ الصِّغَرِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أرْبابَ التَّعْلِيمِ يَكْتَفُونَ بِالكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ في السَّطْحِ الظّاهِرِ فَلا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمُ السُّؤالُ عَنِ المَغْمُورِ ولا يَلِيقُ بِهِمُ الجَوابُ بِالرُّجُوعِ إلى البَساطَةِ والحَقُّ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا جاهِلٌ أوْ مُتَجاهِلٌ أنَّ ما ظَهَرَ مِنها كُرًى حِسًّا ولِذَلِكَ كُرَيَّةُ الفَلَكِ تَخْتَلِفُ أوْقاتُ الصَّلاةِ في البِلادِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّوالُ بِبَلَدٍ ولا يَكُونُ بِبَلَدٍ آخَرَ وهَكَذا الطُّلُوعُ والغُرُوبُ وغَيْرُ ذَلِكَ وكُرَيَّةُ ما عَدا ما ذَكَرَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى نَعَمْ إنَّها لِعِظَمِ جِرْمِها الظّاهِرِ يُشاهَدُ كُلُّ قِطْعَةٍ وقُطْرٍ مِنها كَأنَّهُ مُسَطَّحٌ وهَكَذا كُلُّ دائِرَةٍ عَظِيمَةٍ وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ المَدِّ وكَوْنِها كُرَوِيَّةً وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ظاهِرَ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي أنَّها مُسَطَّحَةٌ وكَأنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وهي عِنْدُهم ثَلاثُ طَبَقاتٍ الطَّبَقَةُ الصِّرْفَةُ المُحِيطَةُ بِالمَرْكَزِ ثُمَّ الطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ ثُمَّ الطَّبَقَةُ المُخالِطَةُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ وكَثِيرٌ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ والصِّرْفَةُ مِنها غَيْرُ مُلَوَّنَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ومالَ ابْنُ سِينا إلى أنَّها مُلَوَّنَةٌ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الأرْضَ المَوْجُودَةَ عِنْدَنا وإنْ كانَتْ مَخْلُوطَةً بِغَيْرِها ولَكِنّا قَدْ نَجِدُ فِيها ما يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الأرْضِيَّةَ فَلَوْ كانَتِ الأرْضُ البَسِيطَةُ شَفّافَةً لَكانَ يَجِبُ أنْ نَرى في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِمّا لَيْسَ مُتَكَوِّنًا تَكَوُّنًا مَعْدِنِيًّا شَيْئًا فِيهِ إشْفافٌ ولَكانَ حُكْمُ الأرْضِ في ذَلِكَ حُكْمَ الماءِ والهَواءِ فَإنَّهُما وإنِ امْتَزَجا إلّا أنَّهُما ما عَدِما الإشْفافَ بِالكُلِّيَّةِ واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّلَوُّنِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ لَوْنَها هو الغَبَرَةُ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ السَّوادُ وزَعَمَ أنَّ الغُبْرَةَ إنَّما تَكُونُ إذا خالَطَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ أجْزاءً هَوائِيَّةً فَبِسَبَبِها يَتَكَسَّرُ ويَحْصُلُ الغُبْرَةُ وأمّا إذا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها كَثِيرُ هَوائِيَّةٍ اشْتَدَّ السَّوادُ وذَلِكَ مِثْلُ الفَحْمِ قَبْلَ أنْ يَتَرَمَّدَ فَإنَّ النّارَ لا عَمَلَ لَها إلّا في تَفْرِيقِ المُخْتَلِفاتِ فَهي لَمّا حَلَّلَتْ ما في الخَشَبِ مِنَ الهَوائِيَّةِ واجْتَمَعَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّلَها شَيْءٌ غَرِيبٌ ظَهَرَ لَوْنُ أجْزائِها وهو السَّوادُ ثُمَّ إذا رَمَدَتْهُ اخْتَلَطَتْ بِتِلْكَ الأجْزاءِ أجْزاءٌ هَوائِيَّةٌ فَلا جَرَمَ ابْيَضَّتْ مَرَّةً أُخْرى ولِذَلِكَ صَحَّ في الخَبَرِ وقَدْ سَبَقَ إطْلاقُ الغَبْراءِ عَلى الأرْضِ وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ تَكُونَ سائِرُ طَبَقاتِها كَذَلِكَ ولِأنْ يَكُونَ وجْهُها الأعْلى كَذَلِكَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في أسْفَلِ الأرْضِ تُرابًا أبْيَضَ وما ذُكِرَ مِنَ الطَّبَقاتِ مِمّا لا يُصادِمُ خَبَرًا صَحِيحًا في ذَلِكَ وكَوْنُها سَبْعَ طَبَقاتٍ بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وفي كُلٍّ خَلْقٌ غَيْرِ مُسْلِمٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ لا يُثْبِتُهُ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والخَبَرُ في ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمِ الصِّحَّةِ أيْضًا ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما أرى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَسِيرَةَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ فَمِائَةُ سَنَةٍ في المَشْرِقِ لا يَسْكُنُها شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ لا جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا دابَّةٌ ولَيْسَ في ذَلِكَ شَجَرَةٌ ومِائَةُ سَنَةٍ في المَغْرِبِ كَذَلِكَ وثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَسْكُنُها الحَيَوانُ وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِن أنَّ الدُّنْيا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ أرْبَعُمِائَةِ عامِ خَرابٌ ومِائَةٌ عُمْرانٌ والمُقَرَّرُ عِنْدَ أهْلِ الهَنْدَسَةِ والهَيْئَةِ غَيْرُ هَذا فَقَدَ ذَكَرَ القُدَماءُ مِنهم أنَّ مُحِيطَ دائِرَةِ الأرْضِ المُوازِيَةِ لِدائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ ثَمانِيَةُ آلافِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ واحِدَةٍ وهي عِنْدَهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ فَرْسَخًا وتِسْعُ فَراسِخَ في ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ مُحِيطِ الدّائِرَةِ العُظْمى عَلى الأرْضِ والمُتَأخِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ سِتَّةُ آلافٍ وثَمانِمِائَةِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ وهي عِنْدَهم تِسْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا إلّا تِسْعَ فَراسِخَ في المُحِيطِ المَذْكُورِ وعَلى القَوْلَيْنِ التَّفاوُتُ بَيْنَ ما يَقُولُهُ المُهَنْدِسُونَ ومَن مَعَهم وما نُسِبَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أمْرٌ عَظِيمٌ والحَقُّ في ذَلِكَ مَعَ المُهَنْدِسِينَ.
وزَعَمُوا أنَّ المَوْضِعَ الطَّبِيعِيَّ هو الوَسَطُ مِنَ الفَلَكِ وأنَّها بِطَبْعِها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِالماءِ ساكِنَةً في حاقِ الوَسَطِ مِنهُ لَكِنْ لَمّا حَصَلَ في جانِبٍ مِنها تِلالٌ وجِبالٌ ومَواضِعُ عالِيَةٌ وفي جانِبٍ آخَرَ ضِدَّ ذَلِكَ لِأسْبابٍ سَتَسْمَعُها بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وكانَ مِن طَبْعِ الماءِ أنْ يَسِيلَ مِنَ المَواضِعِ العالِيَةِ إلى المَواضِعِ العَمِيقَةِ لا جَرَمَ انْكَشَفَ الجانِبُ المُشْرِفُ مِنَ الأرْضِ وسالَ الماءُ إلى الجَوانِبِ العَمِيقَةِ مِنها ولِلْكَواكِبِ في زَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ بِحَسَبِ المُسامَتاتِ الَّتِي تَتَبَدَّلُ عِنْدَ حَرَكاتِها خُصُوصًا الثَّوابِتَ والأوْجاتِ والحَضِيضاتِ المُتَغَيِّرَةَ في أمْكِنَتِها وحَكَمَ أصْحابُ الأرْصادِ أنَّ طُولَ البَرِّ المُنْكَشِفِ نِصْفُ دَوْرِ الأرْضِ وعَرْضَهُ أحَدُ أرْباعِها إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ وفي تَعْيِينٍ أيِ الرُّبْعَيْنِ الشَّمالِيَّيْنِ مُنْكَشِفٌ تَعَذَّرَ أوْ تَعَسَّرَ كَما قالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فَقالَ الإمامُ: لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ مَغْمُورًا في الماءِ ولَكِنَّ الأشْبَهَ ذَلِكَ إذِ الماءُ أكْثَرُ مِنَ الأرْضِ أضْعافًا لِأنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَحالَ بِكُلِّيَّتِهِ إلى عُنْصُرٍ آخَرَ مِثْلِهِ والماءُ يَصْغُرُ حَجْمُهُ عِنْدَ الِاسْتِحالَةِ أرْضًا ومَعَ ذَلِكَ لَوْ كانَ في بَعْضِ المَواضِعِ مِنَ الأرْباعِ الثَّلاثَةِ عِمارَةٌ قَلِيلَةٌ لا يُعْتَدُّ بِها وأمّا تَحْتَ القُطْبَيْنِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِمارَةً لِاشْتِدادِ البَرْدِ: وإنَّما حَكَمُوا بِأنَّ المَعْمُورَ الرُّبْعُ لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا في أرْصادِ الحَوادِثِ الفَلَكِيَّةِ كالخَسُوفاتِ وقِراناتِ الكَواكِبِ الَّتِي لا اخْتِلافَ مَنظَرٍ لَها تَقَدُّمًا في ساعاتِ الواغِلِينَ في المَشْرِقِ لِتِلْكَ الحَوادِثِ عَلى ساعاتِ الواغِلِينَ في المَغْرِبِ زائِدًا عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُسْتَوِيَةً وهي نِصْفُ الدَّوْرِ لِأنَّ كُلَّ ساعَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْأً مِن أجْزاءِ مُعَدَّلِ النَّهارِ تَقْرِيبًا وضَرْبُ خَمْسَةَ عَشَرَ في اثْنَيْ عَشَرَ مِائَةٌ وثَمانُونَ ونَحْنُ نَقُولُ بِوُجُودِ الخَرابِ وأنَّهُ أكْثَرُ مِنَ المَعْمُورِ بِكَثِيرٍ وأكْثَرُ المَعْمُورِ شَمالِيٌّ ولا يُوجَدُ في الجَنُوبِ مِنهُ إلّا مِقْدارٌ يَسِيرٌ لَكِنّا نَقُولُ: ما زَعَمُوهُ سَبَبًا لِلِانْكِشافِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ونُسْنِدُ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ وُجِدَتْ صالِحَةً لِسُكْنى الحَيَواناتِ وخُرُوجِ النَّباتِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى واخْتِيارِهِ سُبْحانَهُ وإلّا فَمِن أنْصَفِ عِلْمٍ أنْ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى مَعْرِفَةِ سَبَبِ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ في الأرْضِ لِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ المُوافَقَةِ لِلْحِكْمَةِ.
﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ في أحْيازِها مِنَ الرُّسُوِّ وهو ثَباتُ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ ولَمْ يُذْكَرِ المَوْصُوفُ لِإغْناءِ غَلَبَةِ الوَصْفِ بِها عَنْ ذَلِكَ وفَواعِلُ يَكُونُ جَمْعَ فاعِلٍ إذا كانَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ كَحائِضٍ أوْ صِفَةَ ما لا يَعْقِلُ مُذَكَّرٍ كَجُعْلٍ بازِلٍ وبَوازِلَ أوِ اسْمًا جامِدًا أوْ ما جَرى مَجْراهُ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وانْحِصارُ مَجِيئِهِ جَمْعًا لِذَلِكَ في فَوارِسَ وهَوالِكَ ونَواكِسَ إنَّما هو في صِفاتِ العُقَلاءِ لا مُطْلَقًا والجَمْعُ هُنا في صِفَةِ ما لا يَعْقِلُ قِيلَ: فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ المُفْرَدِ هُنا راسِيَةً صِفَةً لِجَمْعِ القِلَّةِ أعْنِي أجْبُلًا ويُعْتَبَرُ في جَمْعِ الكَثْرَةِ أعْنِي جِبالًا انْتِظامُهُ لِطائِفَةٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ ويُنَزَّلُ كُلٌّ مِنها مَنزِلَةَ مُفْرَدِهِ كَما قِيلَ عَلى أنَّهُ لا مَجالَ لِذَلِكَ لِأنَّ جَمْعِيَّةَ كُلٍّ مِن صِيغَتَيِ الجَمْعَيْنِ إنَّما هي لِشُمُولِ الإفْرادِ لا بِاعْتِبارِ شُمُولِ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإفْرادِ وجَمْعُ الكَثْرَةِ لِجُمُوعِ القِلَّةِ فَكُلٌّ مِنهُما جَمْعُ جَبَلٍ لا أنَّ جِبالًا جَمْعُ أجْبُلٍ.
اهَـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الرَّواسِيَ هُنا جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ أجْبُلٍ لا يَلْتَزِمُ ما ذَكَرُوا أنَّهُ إذا صَحَّ إطْلاقُ أجْبُلٍ راسِيَةٍ عَلى جِبالِ قُطْرٍ مَثَلًا صَحَّ إطْلاقُ الجِبالِ عَلى جِبالِ جَمِيعِ الأقْطارِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ جَعْلِ الجِبالِ جَمْعًا لِجُمُوعِ القِلَّةِ نَعَمْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جِبالٌ جَمْعَ أجْبُلٍ لِأنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ جَمْعَ الجَمْعِ وهو خِلافُ ما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ وجَعْلُ راسِيَةٍ صِفَةَ جَبَلٍ لا أجْبُلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّأْنِيثِ كَما في عَلامَةٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ تاءَ المُبالَغَةِ في فاعِلَةٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصْفُها بِالرَّواسِي ولِذا اسْتَغْنَوْا بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ وجَمْعُ جَمْعِ الِاسْمِ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وهو مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ لِما سَمِعْتَ وأُورِدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الغَلَبَةَ تَكُونُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ والكَلامُ في صِحَّتِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ فَفِيما ذَكَرَهُ دَوْرٌ وأُجِيبَ بِأنَّ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِ الرَّواسِي غَيْرُ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ يَكْفِي لِمُدَّعاهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ وكَذا لا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ جَبَلٍ مُؤَنَّثٍ بِاعْتِبارِ البُقْعَةِ وكُلُّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ هَذا والتَّعْبِيرُ عَنِ الجِبالِ بِهَذا العُنْوانِ لِبَيانِ تَفَرُّعِ قَرارِ الأرْضِ عَلى ثَباتِها وفي الخَبَرِ «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ عَلَيْها فاسْتَقَرَّتْ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ قالَ: نَعَمِ الحَدِيدَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الحَدِيدِ قالَ: نَعَمِ النّارَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ النّارِ قالَ: نَعَمِ الماءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الماءِ قالَ: نَعَمِ الهَواءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الهَواءِ قالَ نَعَمِ ابْنَ آدَمَ يَتَصَدَّقُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِهِ فَيُخْفِيها عَنْ شِمالِهِ» وأوَّلُ جَبَلٍ وُضِعَ عَلى الأرْضِ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أبُو قُبَيْسٍ ومَجْمُوعُ ما يُرى عَلَيْها مِنَ الجِبالِ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ وثَمانُونَ جَبَلًا وأبى الفَلاسِفَةُ كَوْنَ اسْتِقْرارِ الأرْضِ بِالجِبالِ واخْتَلَفُوا في سَبَبِ ذَلِكَ فالقائِلُونَ بِالكُرَيَّةِ مِنهم مَن جَعَلَهُ جَذْبَ الفَلَكِ لَها مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَيَلْزَمُ أنْ تَقِفَ في الوَسَطِ كَما يُحْكى عَنْ ضَمٍّ حَدِيدِيٍّ في بَيْتِ مِغْناطِيسِ الجَوانِبِ كُلِّها فَإنَّهُ وقَفَ في الوَسَطِ لِتَساوِي الجَذْبِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الأصْغَرَ أسْرَعُ انْجِذابًا إلى الجاذِبِ مِنَ الأكْبَرِ فَما بالُ المَدَرَةِ لا تَنْجَذِبُ إلى الفَلَكِ بَلْ تَهَرُبُ عَنْهُ إلى المَرْكَزِ وأيْضًا إنَّ الأقْرَبَ أوْلى بِالِانْجِذابِ مِنَ الأبْعَدِ فالمَدَرَةُ المَقْذُوفَةُ إلى فَوْقٍ أوْلى بِالِانْجِذابِ عَلى أصْلِهِمْ فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَعُودَ ومِنهم مَن جَعَلَهُ دَفْعَ الفَلَكِ بِحَرَكَتِهِ لَها مِن كُلِّ الجَوانِبِ كَما إذا جُعِلَ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ في قارُورَةٍ كُرَيَّةٍ ثُمَّ أُدِيرَتْ عَلى قُطْبَيْها إدارَةً سَرِيعَةً فَإنَّهُ يَعْرُضُ وُقُوفُ التُّرابِ في وسَطِها لِتَساوِي الدَّفْعِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الدَّفْعَ إذا كانَتْ قُوَّتُهُ هَذِهِ القُوَّةَ فَما بالُهُ لا يُحَسَّ بِهِ وأيْضًا ما بالُ هَذا الدَّفْعِ لا يَجْعَلُ حَرَكَةَ الرِّياحِ والسُّحُبِ إلى جِهَةٍ بِعَيْنِها وأيْضًا ما بالُهُ لَمْ يَجْعَلِ انْتِقالَنا إلى المَغْرِبِ أسْهَلَ مِنَ انْتِقالِنا إلى المَشْرِقِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ أيْضًا لِأنَّ انْدِفاعَ الأعْظَمِ مِنَ الدّافِعِ أبْطَأُ مِنَ انْدِفاعِ الأصْغَرِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ النّازِلِ ابْتِداءً أسْرَعَ مِن حَرَكَتِهِ انْتِهاءً لِأنَّهُ عِنْدَ الِابْتِداءِ أقْرَبُ إلى الفَلَكِ وغَيْرُ القائِلِينَ بِها مِنهم مَن جَعَلَها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ مِن جانِبِ السُّفْلِ وسَبَبُ سُكُونِها عِنْدَهُمُ أنَّها لَمْ يَكُنْ لَها مَهْبِطٌ تَنْزِلُ فِيهِ ويَرُدُّ دَلِيلُ تَناهِي الأجْسامِ ومِنهم مَن قالَ بِتَناهِيها وجَعَلَ السَّبَبَ طَفْوَها عَلى الماءِ مَعَ كَوْنِ مُحَدَّبِها فَوْقَ مُسَطَّحِها أسْفَلَ وإمّا مَعَ العَكْسِ ورُدَّ بِأنَّ مُجَرَّدَ الطَّفْوِ لا يَقْتَضِي السُّكُونَ عَلى أنَّ فِيهِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بُعْدُ ما فِيهِ وذَهَبَ مُحَقِّقُوهم إلى أنَّ سُكُونَها لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ قالَ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ: والوَجْهُ المُشْتَرَكُ في إبْطالِ ما قالُوا في سَبَبِ السُّكُونِ أنْ يُقالَ: جَمِيعُ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الجَذْبِ والدَّفْعِ وغَيْرِهِما أُمُورٌ عارِضَةٌ وغَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ ولا لازِمَةَ لِلْماهِيَّةِ فَيَصِحُّ فَرْضُ ماهِيَّةِ الأرْضِ عارِيَةً عَنْها فَإذا قَدَّرْنا وُقُوعَ هَذا المُمْكِنِ فَإمّا أنْ تَحْصُلَ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ أوْ لا تَحْصُلُ فِيهِ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ تَحْصُلَ في كُلِّ الأحْيازِ أوْ لا تَحْصُلُ في شَيْءٍ مِنها والأخِيرانِ ظاهِرا الفَسادِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وهو أنْ تَخْتَصَّ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ ويَكُونُ ذَلِكَ لِطَبْعِها المَخْصُوصِ ويَكُونُ حِينَئِذٍ سُكُونُها في الحَيِّزِ لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ وإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَلْيُعْقَلْ في اخْتِصاصِها بِالمَرْكَزِ أيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ في تَكَوُّنِ الجِبالِ مَباحِثَ الأوَّلَ الحَجَرَ الكَبِيرَ إنَّما يَتَكَوَّنُ لِأنَّ حَرًّا عَظِيمًا يُصادِفُ طِينًا لَزِجًا إمّا دُفْعَةً أوْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ.
وأمّا الِارْتِفاعُ فَلَهُ سَبَبٌ بِالذّاتِ وسَبَبٌ بِالعَرَضِ أمّا الأوَّلُ فَكَما إذا نَقَلَتِ الرِّيحُ الفاعِلَةُ لِلزَّلْزَلَةِ طائِفَةً مِنَ الأرْضِ وجَعَلَتْها تَلًّا مِنَ التِّلالِ وأمّا الثّانِي فَأنْ يَكُونَ الطِّينُ بَعْدَ تَحَجُّرِهِ مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ في الرَّخاوَةِ والصَّلابَةِ وتَتَّفِقُ مِياهٌ قَوِيَّةُ الجَرْيِ أوْ رِياحٌ عَظِيمَةُ الهُبُوبِ فَتَحْفِرُ الأجْزاءَ الرَّخْوَةَ وتَبْقى الصُّلْبَةُ ثُمَّ لا تَزالُ السُّيُولُ والرِّياحُ تُؤَثِّرُ في تِلْكَ الحُفَرِ إلى أنْ تَغُورَ غَوْرًا شَدِيدًا ويَبْقى ما تَنْحَرِفُ عَنْهُ شاهِقًا والأشْبَهُ أنَّ هَذِهِ المَعْمُورَةَ وقَدْ كانَتْ في سالِفِ الدَّهْرِ مَغْمُورَةً في البِحارِ فَحَصَلَ هُناكَ الطِّينُ اللَّزِجُ الكَثِيرُ ثُمَّ حَصَلَ بَعْدَ الِانْكِشافِ وتَكَوَّنَتِ الجِبالُ ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الظَّنَّ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْجارِ إذا كَسَرْناها أجْزاءَ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ الجِبالُ وانْتَقَلَتِ البِحارُ حَصَلَ الشُّهُوقُ إمّا لِأنَّ السُّيُولَ حَفَرَتْ ما بَيْنَ الجِبالِ وإمّا لِأنَّ ما كانَ مِن هَذِهِ المُنْكَشِفاتِ أقْوى تَحَجُّرًا وأصْلَبَ طِينَةً إذا انْهَدَّ ما دُونَهُ بَقِيَ أرْفَعَ وأعْلى إلّا أنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لا تَتِمُّ في مُدَّةٍ تَفِي التَّوارِيخُ بِضَبْطِها والثّانِي سَبَبُ عُرُوقِ الطِّينِ في الجِبالِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ ما تَفَتَّتَ مِنها وتَتَرَّبَ وسالَتْ عَلَيْهِ المِياهُ ورَطَّبَتْهُ أوْ خَلَطَتْ بِهِ طِينَها الجَيِّدَ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ أنَّ القَدِيمَ مِن طِينِ البَحْرِ غَيْرُ مُتَّفِقِ الجَوْهَرِ مِنهُ ما يَقْوى تَحَجُّرُهُ ومِنهُ ما يَضْعُفُ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ أنَّهُ يَعْرِضُ لِلْبَحْرِ أنْ يَفِيضَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى سَهْلٍ وجَبَلٍ فَيَعْرِضُ لِلسَّهْلِ أنْ يَصِيرَ طِينًا لَزِجًا مُسْتَعِدًّا لِلتَّحَجُّرِ القَوِيِّ ولِلْجَبَلِ أنْ يَتَفَتَّتَ كَما إذا نَقَعْتَ آجِرَةً وتُرابًا في الماءِ ثُمَّ عَرَّضْتَ الآجِرَةَ والطِّينَ عَلى النّارِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَتَفَتَّتُ الآجِرَةُ ويَبْقى الطِّينُ مُتَحَجِّرًا والثّالِثُ قَدْ نَرى بَعْضَ الجِبالِ مَنضُودًا ساقًا فَساقًا فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ طِينَتَهُ قَدْ تَرَتَّبَتْ هَكَذا بِأنْ كانَ ساقٌ قَدِ ارْتَكَمَ أوَّلًا ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُ في مُدَّةٍ أُخْرى ساقٌ آخَرُ فارْتَكَمَ وكانَ قَدْ سالَ عَلى كُلِّ ساقٍ مِن خِلافِ جَوْهَرِهِ فَصارَ حائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاقِ الآخَرِ فَلَمّا تَحَجَّرَتِ المادَّةُ عَرَضَ لِلْحائِلِ أنِ انْتَثَرَ عَمّا بَيْنَ السّاقَيْنِ.
هَذا وتُعُقِّبَ ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِ التَّكَوُّنِ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ بَعْضٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ بِالصَّلابَةِ وبَعْضٍ آخَرَ مِنها بِالرَّخاوَةِ مَعَ اسْتِواءِ نِسْبَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ كُلِّها إلى الفَلَكِيّاتِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها المُعُدّاتُ لَها قَطْعًا لِلْمُجاوَرَةِ والمُلاصَقَةِ الحاصِلَةِ بَيْنَ الأجْزاءِ الرَّخْوَةِ والصُّلْبَةِ يَسْتَدْعِي سَبَبًا مُخَصَّصًا وعِنْدَ هَذا الِاسْتِدْعاءِ يَقِفُ العَقْلُ ويُحِيلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ عَلى سَبَبٍ مِن خارِجٍ هو الفاعِلُ المُخْتارُ جَلَّ شَأْنُهُ فَلَيْتَ شِعْرِي لِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أوَّلًا حَذْفًا لِلْمُؤْنَةِ نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ تَكَوُّنِها بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ مَن يَقُولُ مِنَ المِلِّيِينَ وغَيْرِهِمْ بِالوَسائِطِ لا عِنْدَ الأشاعِرَةِ إذِ الكُلُّ عِنْدَهم مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ابْتِداءً فَلا يُتَصَوَّرُ واسِطَةٌ حَقِيقَةً عَلى رَأْيِهِمْ وما ذُكِرَ مِنَ الأسْبابِ أُمُورٌ لا تُفِيدُ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا وحَدِيثُ رُؤْيَةِ أجْزاءِ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ كَذَلِكَ أيْضًا فَإنّا كَثِيرًا ما نَرى في ذَلِكَ مَواضِعَ المَطَرِ وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ أنَّهُ شاهَدَ ضَفادِعَ وقَعَتْ في المَطَرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَكْشُوفُ مِنَ الأرْضِ قَدِ انْكَشَفَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَغْمُورًا بِالماءِ ثُمَّ انْكَشَفَتْ وهو مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مُحَقِّقِي الفَلاسِفَةِ أيْضًا واعْتَرَضُوا عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الِانْكِشافَ قَدْ حَصَلَ بَعْدُ بِأنَّ أقْوى أدِلَّتِهِ أنَّ حَضِيصَ الشَّمْسِ في جانِبِ الجَنُوبِ فَقُرْبُ الشَّمْسِ إلى الأرْضِ هُناكَ أكْثَرُ مِن جانِبِ الشَّمالِ بِقَدْرِ ثِخَنِ المُتَمِّمِ مِن مُمَثِّلِها فَتَشْتَدُّ بِذَلِكَ الحَرارَةُ هُناكَ فانْجَذَبَ الماءُ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ لِأنَّ الحَرارَةَ جَذّابَةٌ لِلرُّطُوبَةِ فَلِذا انْكَشَفَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ فَإذا انْتَقَلَ الحَضِيضُ إلى جانِبِ الشَّمالِ انْعَكَسَ الأمْرُ ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ الآخَرُ أيْضًا مَكْشُوفًا إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّبْعَيْنِ في ذَلِكَ وفي التِزامِ ذَلِكَ بُعْدٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ أحَدٌ.
ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الجِبالِ في المَغْمُورِ وجُودَها في المَعْمُورِ يَسْتَدْعِي أنَّهُ كانَ مَعْمُورًا وأنَّ الحَضِيضَ كانَ في غَيْرِ جِهَتِهِ اليَوْمَ وهو قَوْلٌ بِأنَّ البَرَّ لا يَزالُ يَكُونُ بَحْرًا والبَحْرَ لا يَزالُ يَكُونُ بَرًّا بِتَبَدُّلِ جِهَتَيِ الأوْجِ والحَضِيضِ فَيَكُونُ المُنْكَشِفُ تارَةً جانِبَ الشَّمالِ وأُخْرى جانِبَ الجَنُوبِ وحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ يَقْتَضِي أنْ نُشاهِدَ اليَوْمَ شَيْئًا مِن جانِبِ الجَنُوبِ مُنْكَشِفًا ومِن جانِبِ الشَّمالِ مَغْمُورًا ولا تَظُنُّ وُجُودَ ذَلِكَ ولَوْ كانَ لاشْتَهَرَ فَإنَّ أوْجَ الشَّمْسِ اليَوْمَ في عاشِرَةِ السَّرَطانِ وحَرَكَتَهُ في كُلِّ سَنَةٍ دَقِيقَةٌ تَقْرِيبًا فَيَكُونُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي انْتَقَلَ فِيهِ مِنَ الجانِبِ الشَّمالِيِّ إلى اليَوْمِ آلافٌ عَدِيدَةٌ مِنَ السِّنِينَ يُغْمَرُ فِيها كَثِيرٌ ويُعَمَّرُ كَثِيرٌ نَعَمْ يُحْكى أنَّ جَزِيرَةَ قُبْرُسَ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبَرِّ ثُمَّ حالَ البَحْرُ بَيْنَهُما لَكِنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَيْسَ مِمّا نَحْنُ فِيهِ ولا نُسَلِّمُ أنْ يَكِيَ دُنْيا مِمّا حَدَثَ انْكِشافُها لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مُنْكَشِفَةً مِن قَبْلُ فالحَقُّ أنَّ هَذا البَرَّ بَعْدَ أنْ وُجِدَ لَمْ يَصِرْ بَحْرًا وهَذا البَحْرَ المُحِيطَ بَعْدَ أنْ أحاطَ لَمْ يَصِرْ بَرًّا وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأخْبارُ الإلَهِيَّةُ والآثارُ النَّبَوِيَّةُ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما ظاهِرُهُ أنَّ الأرْضَ المَسْكُونَةَ كانَتْ مَكْشُوفَةً في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ كَأثَرِ الياقُوتَةِ وفي بَعْضٍ آخَرَ مِنها ما ظاهِرُهُ أنَّها كانَتْ مَغْمُورَةً كَخَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ أمَرَ الرِّيحَ فَأبْدَتْ عَنْ حَشَفَةٍ ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى في الطُّولِ والعَرْضِ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ الرَّواسِيَ وفي التَّوْراةِ ما هو نَصٌّ في ذَلِكَ فَفي أوَّلِ سِفْرِ الخَلِيقَةِ مِنها أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ والأرْضَ وكانَتْ غامِرَةً مُسْتَبْحِرَةً وكانَ هُناكَ ظَلامٌ وكانَتْ رِياحُ الإلَهِ تَهُبُّ عَلى وجْهِ الماءِ فَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونَ نُورٌ فَكانَ ثُمَّ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا مَضى يَوْمٌ ثانٍ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْتَمِعَ الماءُ مِن تَحْتِ السَّماءِ إلى مَوْضِعٍ واحِدٍ ويَظْهَرَ اليُبْسُ فَكانَ كَذَلِكَ وسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ اليُبْسَ أرْضًا ومُجْتَمَعَ الماءِ بِحارًا وفِيهِ أيْضًا إنَّ خَلْقَ النَّيِّرَيْنِ كانَ في اليَوْمِ الثّالِثِ وهو آبٍ عَنْ جَعْلِ سَبَبِ الِانْكِشافِ ما سَمِعْتَ عَنْ قُرْبٍ مِن قُرْبِ الشَّمْسِ وما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ونَطَقَ بِهِ غَيْرُها مِنَ الآياتِ مِن كَوْنَ الجِبالَ سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ وأنَّها لَوْلاها لَمادَتْ أمْرٌ لا يَقُومُ عَلى أُصُولِنا دَلِيلٌ يَأْباهُ فَنُؤْمِنُ بِهِ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما وجْهُ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الكُراتِ وجَعَلَ لَها مِقْدارًا مِنَ الثِّقَلِ مُعَيَّنًا ووَضَعَها في المَكانِ الَّذِي وضَعَها فِيهِ مِنَ الماءِ وأظْهَرَ مِنها ما أظْهَرَ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى التّابِعَةِ لِحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ لا لِأمْرٍ اقْتَضاهُ ذاتُها فَجَعَلَتْ تَمِيدُ لِاضْطِرابِ أمْواجِ البَحْرِ المُحِيطِ بِها فَوَضَعَ عَلَيْها مِنَ الجِبالِ ما ثَقُلَتْ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْأمْواجِ سُلْطانٌ عَلَيْها وهَذا كَما يُشاهَدُ في السُّفُنِ حَيْثُ يَضَعُونَ فِيها ما يُثَقِّلُها مِن أحْجارٍ وغَيْرِها لِنَحْوِ ذَلِكَ وكَوْنُ نِسْبَةِ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ إلَيْها النِّسْبَةَ السّابِقَةَ لا يَضُرُّنا في هَذا المَقامِ لِأنَّ الحَجْمَ أمْرٌ والنَّقْلَ أمْرٌ آخَرُ فَقَدْ يَكُونُ ذُو الحَجْمِ الصَّغِيرِ أثْقَلَ مِن ذِي الحَجْمِ الكَبِيرِ بِكَثِيرٍ ولا يُقالُ: إنَّ خَلْقَها ابْتِداءً بِحَيْثُ لا تُزَحْزِحُها الأمْواجُ كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَلْ خَلَقَها بِحَيْثُ تُحَرِّكُها الأمْواجُ ثُمَّ وضَعَ عَلَيْها الجِبالَ لِدَفْعِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ إنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ هَكَذا لِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي هو جَلَّ شَأْنُهُ بِها أعْلَمُ وهَذا السُّؤالُ نَظِيرُ أنْ يُقالَ: إنَّ خَلْقَ الإنْسانِ ابْتِداءً بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ الجُوعُ والعَطَشُ مَثَلًا شَيْئًا كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ تَعالى بَلْ خَلَقَهُ بِحَيْثُ يُؤَثِّرانِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ بِهِ ولَهُ نَظائِرُ بَعْدُ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ناشِئًا عَنِ الغَفْلَةِ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ تَعالى مِنَ الحِكَمِ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ فِيما نَحْنُ فِيهِ إظْهارُ مَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوقِظُ جَفْنَ الِاسْتِعْظامِ ألا تَراهم كَيْفَ قالُوا حِينَ رَأوْا ما رَأوْا رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ ..
إلَخْ.
ويُقالُ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا بَيِّنْ أنْتَ لَنا حِكْمَةً تُقَدِّمُ بَعْضَ الأشْياءِ عَلى بَعْضٍ في الخَلْقِ كَيْفَما كانَ التَّقَدُّمُ وكَذا حِكْمَةُ خَلْقِ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مُحْتاجًا وخَلْقُ ما يُزِيلُ احْتِياجَهُ دُونَ خَلْقِهِ ابْتِداءً عَلى وجْهٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى شَيْءٍ فَإنْ بَيَّنَ شَيْئًا قُلْنا بِمِثْلِهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ ثُمَّ إنّا نَقُولُ: لَيْسَ حِكْمَةُ خَلْقِ الجِبالِ مُنْحَصِرَةً في كَوْنِها أوْتادًا لِلْأرْضِ وسَبَبًا لِاسْتِقْرارِها بَلْ هُناكَ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى.
وقَدْ ذَكَرَ الفَلاسِفَةُ لِلْجِبالِ مَنافِعَ كَثِيرَةً قالُوا: إنَّ مادَّةَ السُّحُبِ والعُيُونِ والمَعْدِنِيّاتِ هي البُخارُ فَلا تَتَكَوَّنُ إلّا في الجِبالِ أوْ فِيما يَقْرُبُ مِنها أمّا العُيُونُ فَلِأنَّ الأرْضَ إذا كانَتْ رَخْوَةً نَشَفَتِ الأبْخِرَةُ عَنْها فَلا يَجْتَمِعُ مِنها قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَإذَنْ لا تَجْتَمِعُ إلّا في الأرْضِ الصُّلْبَةِ والجِبالُ أصْلَبُ الأرَضِينَ فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْواها عَلى حَبْسِ البُخارِ حَتّى يَجْتَمِعَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً لِلْعُيُونِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرُّ الجَبَلِ مَمْلُوءًا ماءً ويَكُونُ الجَبَلُ في حَقْنِهِ الأبْخِرَةَ مِثْلَ الأنْبِيقِ الصُّلْبِ المُعَدِّ لِلتَّقْطِيرِ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ البُخارِ يَتَحَلَّلُ وقَعْرُ الأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ كالقُرُعِ والعُيُونُ كالأذْنابِ الَّتِي في الأنابِيقِ والأوْدِيَةُ والبُخارُ كالقَوابِلِ ولِذَلِكَ أكْثَرُ العُيُونِ إنَّما تَنْفَجِرُ مِنَ الجِبالِ وأقَلُّها في البَرارِي وهو مَعَ هَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَتِ الأرْضُ صُلْبَةً وأمّا إنَّ أكْثَرَ السُّحُبِ تَكُونُ في الجِبالِ فَوُجُوهُ أحَدِها أنَّ في باطِنِ الجِبالِ مِنَ النَّداواتِ ما لا يَكُونُ في باطِنِ الأرَضِينَ الرَّخْوَةِ وثانِيهِما: إنَّ الجِبالَ بِسَبَبِ ارْتِفاعِها أبْرَدُ فَلا جَرَمَ يَبْقى عَلى ظاهِرِها مِنَ الأنْداءِ والثُّلُوجِ ما لا يَبْقى عَلى ظاهِرِ الأرَضِينَ وثالِثُهُما: إنَّ الأبْخِرَةَ الصّاعِدَةَ تَكُونُ في الجِبالِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ أسْبابَ تَراكُمِ السُّحُبِ في الجِبالِ أكْثَرُ لِأنَّ المادَّةَ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا أكْثَرُ والِاحْتِقانُ أشَدُّ والسَّبَبُ المُحَلِّلُ وهو الحَرُّ أقَلُّ وأمّا المَعْدِنِيّاتُ المُحْتاجَةُ إلى أبْخِرَةٍ فَيَكُونُ اخْتِلاطُها بِالأرْضِيَّةِ أكْثَرُ إقامَتِها في مَواضِعَ لا تَنَفَرَّقُ فِيها أطْوَلَ ولا شَيْءَ في هَذا المَعْنى كالجِبالِ ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ لِلْجِبالِ مَنافِعَ غَيْرَ ذَلِكَ لا تُحْصى فَلا يَضُرُّ أنَّ بَعْضًا مِنَ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ لِبَعْضِ ما ذُكِرَ وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ العَصْرِيِّينَ أنَّ مِن جُمْلَةِ مَنافِعِها كَوْنَها سَبَبًا لِانْكِشافِ هَذا المِقْدارِ المُشاهَدِ مِنَ الأرْضِ وذَلِكَ لِاحْتِباسِ الأبْخِرَةِ الطّالِبَةِ لِجِهَةِ العُلُوِّ فِيها وهو يَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ قَبْلَها كانَتْ مَغْمُورَةً وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَوَضَعَ عَلَيْها الجِبالَ فاسْتَقَرَّتْ عَلى أنَّهُ يَتَراءى المُنافاةُ بَيْنَ جَعْلِها أوْتادًا المُصَرَّحِ بِهِ في الآياتِ وكَوْنِها جاذِبَةً لِلْأرْضِ إلى جِهَةِ العُلُوِّ ولا يَرِدُ عَلى ما ذُكِرَ في تَوْجِيهِ كَوْنِها سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ أنَّ كَوْنَها فِيها كَشُرُعٍ في سَفِينَةٍ يُنافِيهِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ تَتَحَرَّكَ الأرْضُ إلى خِلافِ جِهَةِ مَهَبِّ الهَواءِ لِأنّا مِن وراءِ مَنعِ حُدُوثِ الهَواءِ عَلى وجْهٍ يُحَرِّكُها بِسَبَبِهِ كَذَلِكَ.
وهَذا كُلُّهُ إذا حَكَّمْنا العَقْلَ في البَيِّنِ وتَقَيَّدْنا بِالعادِيّاتِ وأمّا إذا أسْنَدْنا كُلَّ ذَلِكَ إلى قُدْرَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ جَلَّ شَأْنُهُ وقُلْنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْضَ مائِدَةً وجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ وحَفِظَها عَنِ المَيْدِ لِحِكَمٍ عَلِمَها تَحارُ فِيها الأفْكارُ ولا يُحِيطُ بِها إلّا مِن أُوتِيَ عِلْمًا لَدُنِيًّا مِن ذَوِي الأبْصارِ ارْتَفَعَتْ عَنّا جَمِيعُ المُؤَنِ وزالَتْ سائِرُ المِحَنِ ولا يَلْزَمُنا عَلى هَذا أيْضًا القَوْلُ بِأنَّ الأرْضَ وسَطُ العالَمِ كَما هو رَأْيُ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ.
ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الأوَّلِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ زَعَمُوا أنَّ كُرَةَ النّارِ في الوَسَطِ لِأنَّها أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِها مُضِيئَةً لَطِيفَةً حَسَنَةَ اللَّوْنِ وكَوْنُ الأرْضِ كَثِيفَةً مُظْلِمَةً قَبِيحَةَ اللَّوْنِ وحَيِّزُ الأشْرَفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ الأحْيازِ وهو الوَسَطُ فَإذَنْ هي في الوَسَطِ وهَذا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنّا لا نُسَلِّمُ شَرافَةَ النّارِ عَلى الأرْضِ مُطْلَقًا فَإنَّها إنْ تَرَجَّحَتْ عَلَيْها بِاللَّطافَةِ وما مَعَها فالأرْضُ راجِحَةٌ بِأُمُورٍ أحَدُها أنَّ النّارَ مُفْرِطَةَ الكَيْفِيَّةِ مَفْسَدَةٌ والأرْضَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وثانِيها أنَّها لا تَبْقى في المَكانِ الغَرِيبِ مِثْلُ ما تَبْقى الأرْضُ وثالِثُها أنَّ الأرْضَ حَيِّزُ الحَياةِ والنُّشُوءِ والنّارَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحْسانِ الحِسِّ البَصَرِيِّ لِلنّارِ يُعارِضُهُ اسْتِحْسانُ الحِسِّ اللَّمْسِيِّ لِلْأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا الأشْرَفِيَّةَ فَهي لا تَقْتَضِي إلّا الوَسَطَ الشَّرَفِيَّ لا المِقْدارِيَّ إذْ لا شَرَفَ لَهُ وذَلِكَ لَيْسَ هو إلّا حَيِّزُها الَّذِي يَزْعُمُهُ جُمْهُورُ المُتَقَدِّمِينَ لَها لِأنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ والأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الآخِرِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ هم هَرْشَلُ وأصْحابُهُ زَعَمُوا أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ في وسَطِ العالِمِ وكُلَّ ما عَداها يَتَحَرَّكُ عَلَيْها لِأنَّها جِرْمٌ عَظِيمٌ جِدًّا وكُلَّ الأجْرامِ دُونَها لا سِيَّما الأرْضَ فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَلا شَيْءَ والحِكْمَةُ سُكُونُ الأكْبَرِ وتَحَرُّكُ الأصْغَرِ وهَذا أيْضًا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ سُكُونَ الأصْغَرِ لا سِيَّما بَيْنَ أمْواجٍ ورِياحٍ وحَرَكَةَ الأكْبَرِ لا سِيَّما مِثْلَ الحَرَكَةِ الَّتِي يُثْبِتُها الجُمْهُورُ لِلشَّمْسِ أبْلَغُ في القُدْرَةِ وتَعْلِيلُهم ذَلِكَ أيْضًا بِأنّا لا نَرى لِلشَّمْسِ مَيْلًا عَمّا يُقالُ لَهُ مِنطَقَةُ البُرُوجِ فَيَقْتَضِي أنْ تَكُونَ ساكِنَةً بِخِلافِ غَيْرِها لا يَخْفى ما فِيهِ والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ تَحْتَ الأرْضِ ماءً وأنَّها فِيهِ كَبِطِّيخَةٍ خَضْراءَ في حَوْضٍ وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ حُوتٍ والحُوتَ في الماءِ ولا يَعْلَمُ ما تَحْتَ الماءِ إلّا الَّذِي خَلَقَهُ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ زِيادَةَ كَبِدِ ذَلِكَ الحُوتِ هو الَّذِي يَكُونُ أوَّلَ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ فَحَمَلُوا الحُوتَ فِيما صَحَّ مِن قَوْلِهِ : «أوَّلُ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» عَلى ذَلِكَ الحُوتِ وبَيَّنُوا حِكْمَةَ ذَلِكَ الأكْلِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى خَرابِ الدُّنْيا وبِشارَةٌ بِفَسادِ أساسِها وأمْنِ العُودِ إلَيْها حَيْثُ أنَّ الأرْضَ الَّتِي كانُوا يَسْكُنُونَها كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْهِ وخُصَّ الأكْلُ بِالزّائِدَةِ لِما بَيَّنَهُ الأطِبّاءُ مِن أنَّ العِلَّةَ إذا وقَعَتْ في الكَبِدِ دُونَ الزّائِدَةِ رُجِيَ بُرْؤُهُ فَإنْ وقَعَتْ في الزّائِدَةِ هَلَكَ العَلِيلُ فَأكْلُهم مِن ذَلِكَ أدْخَلُ في البُشْرى ومَنَعَ بَعْضُهم صِحَّةَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلى الماءِ بِلا واسِطَةٍ لا سِيَّما الخَبَرَ الطَّوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في سُورَةِ «ن» ولَمْ يُنْكِرْ صِحَّةَ الخَبَرِ في «أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» إلّا أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالحُوتِ فِيهِ حُوتٌ ما بِدَلِيلِ ما رَواهُ سُلْطانُ المُحَدِّثِينَ البُخارِيُّ أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ يَأْكُلُ مِنهُ سَبْعُونَ ألْفًا بِتَنْكِيرِ لَفْظِ حُوتٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَكْفَأُها الجَبّارُ بِيَدِهِ كَما يَكْفَأُ أحَدُكم خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وإنَّ إدامَهم ثَوْرٌ ونُونٌ يَأْكُلُ مِن زائِدَةِ كَبِدِهِما سَبْعُونَ ألْفًا وذِكْرُ حالِ الأرْضِ فِيهِ لا يُعَيِّنُ مُرادَ الخَصْمِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى خَرابِ الدُّنْيا وانْقِطاعِ أمْرِ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعاشِ وانْصِرامِ الحَياةِ العُنْصُرِيَّةِ المائِيَّةِ أمّا الإشارَةُ إلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا إلى الثّانِي فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الثَّوْرِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ فَإنَّهُ عُمْدَةُ عِدَّةِ الحارِثِ المُهْتَمِّ لِأمْرِ مَعاشِهِ وفي الخَبَرِ كُلُّكم حارِثٌ وكُلُّكم هُمامٌ وأمّا الإشارَةُ إلى الثّالِثِ فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الحُوتِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ أيْضًا فَإنَّهُ حَيَوانٌ عُنْصُرِيٌّ مائِيٌّ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْيا سُوَيْعَةً إذا فارَقَ الماءَ وبِهَذا يَظْهَرُ المُناسَبَةُ التّامَّةُ بَيْنَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الخَبَرُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِصُورَةِ الحُوتِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها مِن أسْبابِ الحَراثَةِ الضَّرُورِيَّةِ في أمْرِ المَعاشِ بِصُورَةِ الثَّوْرِ وكُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ظُهُورِ المَوْتِ في صُورَةِ الكَبْشِ الأمْلَحِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ في سِرِّ تَخْصِيصِ الكَبِدِ: إنَّهُ بَيْتُ الدَّمِ وهو بَيْتُ الحَياةِ ومِنهُ تَقَعُ قِسْمَتُها في البَدَنِ إلى القَلْبِ وغَيْرِهِ وبُخارُ ذَلِكَ الدَّمِ هو النَّفْسُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ فَفي كَوْنِهِ طَعامًا لِأهْلِ الجَنَّةِ بِشارَةٌ بِأنَّهم أحْياءٌ لا يَمُوتُونَ وذُكِرَ أنَّهُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الثَّوْرِ الطِّحالُ وهو في الحَيَوانِ بِمَنزِلَةِ الأوْساخِ في البَدَنِ فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ أوْساخُ البَدَنِ مِمّا يُعْطِيهِ البَدَنُ مِنَ الدَّمِ الفاسِدِ فَيُعْطى لِأهْلِ النّارِ يَأْكُلُونَهُ وكانَ ذَلِكَ مِنَ الثَّوْرِ لِأنَّهُ بارِدٌ يابِسٌ كَطَبْعِ المَوْتِ وجَهَنَّمُ عَلى صُورَةِ جامُوسٍ والغِذاءُ لِأهْلِ النّارِ مِن طِحالِهِ أشَدُّ مُناسَبَةً مِنهُ فَلِما فِيهِ مِنَ الدَّمِيَّةِ لا يَمُوتُ أهْلُ النّارِ ولِما أنَّهُ مِن أوْساخِ البَدَنِ ومِنَ الدَّمِ الفاسِدِ المُؤْلِمِ لا يَحْيَوْنَ ولا يَنْعَمُونَ فَما يَزِيدُهم أكْلُهُ إلّا مَرَضًا وسَقَمًا.
ونُقِلَ عَنِ الغَزالِيِّ والعُهْدَةُ عَلى النّاقِلِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ تارَةً ما تَحْتَ الأرْضِ فَقالَ: الحُوتُ وسُئِلَ أُخْرى فَقالَ: الثَّوْرُ وعَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ البُرْجَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ المَعْلُومَةِ وقَدْ كانَ كُلٌّ مِنهُما وتَدَ الأرْضِ وقْتَ السُّؤالِ ولَوْ كانَ الوَتَدُ إذْ ذاكَ العَقْرَبَ مَثَلًا لَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العَقْرَبُ تَحْتَ الأرْضِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقاصِدِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَتِمُّ عَلى ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ الثَّوْرِ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ الحُوتِ والحُوتَ عَلى الماءِ والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الأرْضَ فَوْقَ الثَّوْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وتَدُها حِينَ الإخْبارِ والثَّوْرَ فَوْقَ الحُوتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ والحُوتَ مِنَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والبُرُوجَ الشَّمالِيَّةَ في غالِبِ المَعْمُورَةِ تُعَدُّ فَوْقَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والحُوتَ فَوْقَ الماءِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ يُرى لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا ثَوْرٌ أوْ حِمارٌ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ خَبَرَ التَّرْتِيبِ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ مَوْقُوفَةٌ عَلى الحِراثَةِ وهي مَوْقُوفَةٌ عَلى السَّعْيِ والِاضْطِرابِ وذَلِكَ الثَّوْرُ مِن مَبادِي الحِراثَةِ والحُوتُ لا يَكادُ يَسْكُنُ عَنِ الحَرَكَةِ في الماءِ وهو كَما تَرى والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِما جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا صَحَّ فَلَيْسَ وراءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكِيمٌ والتَّرْتِيبُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الفَلاسِفَةُ لَمْ يَأْتُوا لَهُ بِبُرْهانٍ مُبِينٍ ولَيْسَ عِنْدَهم فِيهِ سِوى ما يُفِيدُ الظَّنَّ وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ القَوْلُ بِتَرْتِيبٍ آخَرَ نَعَمْ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِتَرْتِيبٍ يُكَذِّبُهُ الحِسُّ ويَأْباهُ العَقْلُ الصَّرِيحُ وإنْ جاءَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الشّارِعِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ كَما لا يَخْفى وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في تَرْتِيبِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وشَرْحِ أحْوالِها كَما فَعَلَ الفَلاسِفَةُ عَنِ الشّارِعِ لِما أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَسائِلِ المُهِمَّةِ في نَظَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَ المُهِمُّ إلّا التَّفَكُّرَ فِيها والِاسْتِدْلالَ بِها عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ وكَمالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وهو حاصِلٌ بِما يُحَسُّ مِنها فَسُبْحانَ مَن رَفَعَ السَّماءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ ومَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴿ وأنْهارًا ﴾ جَمْعُ نَهْرٍ وهو مَجْرى الماءِ الفائِضِ وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى نُهُرٍ ونُهُورٍ وأنْهُرٍ وتُطْلَقُ عَلى المِياهِ السّائِلَةِ عَلى الأرْضِ وضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ أنَّ الجِبالَ سَبَبٌ لِتَكَوُّنِها عَلى ما قِيلَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ مِن أنَّ الجِبالَ لِتَرَكُّبِها مِن أحْجارٍ صُلْبَةٍ إذا تَصاعَدَتْ إلَيْها الأبْخِرَةُ احْتَبَسَتْ فِيها وتَكامَلَتْ فَتَنْقَلِبُ مِياهًا ورُبَّما خَرَقَتْها فَخَرَجَتْ وذُكِرَ أنَّ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ أنَّها تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ لَكِنْ لَمّا كانَ نُزُولُها عَلَيْها أكْثَرَ كانَتْ كَثِيرًا ما تَخْرُجُ الأنْهارُ مِنها ويَكْفِي هَذا لِتَشْرِيكِهِما في عامِلٍ واحِدٍ وجَعْلِهِما جُمْلَةً واحِدَةً وكَأنَّهم عَنَوْا بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ عَلى الجِبالِ نُزُولَ ماءِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي أحَدُ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ عَلَيْها والأكْثَرُونَ أنَّ النُّزُولَ مِنَ السَّحابِ والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ وهو الَّذِي تَحْكُمُ بِهِ المُشاهَدَةُ وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ فَتَذَكَّرْ.
والأنْهارُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ كَثِيرَةٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها مِائَةٌ وسِتَّةٌ وتِسْعُونَ نَهْرًا وقِيلَ: هي أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وجاءَ في أرْبَعَةٍ مِنها أنَّها مِنَ الجَنَّةِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «سَيْحانُ وجَيْحانُ والفُراتُ والنِّيلُ كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ» والأوَّلانِ بِالألِفِ بَعْدِ الحاءِ وهُما نَهْرانِ في أرْضِ الأُرْدُنِّ فَجَيْحانُ نَهْرُ المُصِيصَةِ وسَيْحانُ نَهْرُ أدَنَةَ وقَوْلُ الجَوْهَرِيِّ في صِحاحِهِ جَيْحانُ نَهْرٌ بِالشّامِ غَلَطٌ أوْ أنَّهُ أرادَ المَجازَ مِن حَيْثُ أنَّهُ بِبِلادِ الأرْمَنِ وهي مُجاوِرَةٌ لِلشّامِ وهُما غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحُونَ بِالواوِ فَإنَّ سَيْحُونَ نَهْرُ الهِنْدِ وهو يَجْرِي مِن جِبالٍ بِأقاصِيها مِمّا يَلِي العَيْنَ إلى أنْ يَنْصَبَّ في البَحْرِ الحَبَشِيِّ مِمّا يَلِي ساحِلَ الهِنْدِ ومِقْدارُ جَرْيِهِ أرْبَعُمِائَةِ فَرْسَخٍ وجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخٍ يَجْرِي مِن أعْيُنَ إلى أنْ يَأْتِيَ خَوارِزْمَ فَيَتَفَرَّقُ بَعْضُهُ في أماكِنَ ويَمْضِي باقِيهِ إلى البُحَيْرَةِ الَّتِي عَلَيْها القَرْيَةُ المَعْرُوفَةُ بِالجُرْجانِيَّةِ أسْفَلَ خَوارِزْمَ يَجْرِي مِنهُ إلَيْها السُّفُنُ طُولُها مَسِيرَةَ شَهْرٍ وعَرَضُها نَحْوَ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ هَذِهِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ أكْبَرُ أنْهارِ بِلادِ الإسْلامِ فالنِّيلُ بِمِصْرَ والفُراتُ بِالعِراقِ وسَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ بِبِلادِ خُراسانَ فَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ فِيهِ إنْكارًا مِن أوْجُهٍ أحَدُها قَوْلُهُ: الفُراتُ بِالعِراقِ ولَيْسَتْ بِالعِراقِ وإنَّما هي فاصِلَةٌ بَيْنَ الشّامِ والجَزِيرَةِ الثّانِي قَوْلُهُ: سَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ فَجَعَلَ الأسْماءَ مُتَرادِفَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحانُ غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحانُ غَيْرُ جَيْحُونَ بِاتِّفاقِ النّاسِ والثّالِثُ قَوْلُهُ: بِبِلادِ خُراسانَ إنَّما سَيْحانُ وجَيْحانُ بِبِلادِ الأرْمَنِ بِقُرْبِ الشّامِ.
انْتَهى.
وقَدْ يُجابُ عَنِ الأوَّلِ بِنَحْوِ ما أُجِيبَ بِهِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ ولا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ زَعْمِ التَّرادُفِ يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ خُراسانَ كَما يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ الأرْمَنِ وفي كَوْنِ هَذِهِ الأنْهارِ مِنَ الجَنَّةِ تَأْوِيلانِ الأوَّلُ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مِياهِها بِمِياهِ الجَنَّةِ والإخْبارُ بِامْتِيازِها عَلى ما عَداها ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ والثّانِي ما ذَكَرَهُ القاضِي عِياضٌ أنَّ الإيمانَ عَمَّ بِلادَها وأنَّ الأجْسامَ المُتَغَذِّيَةَ مِنها صائِرَةٌ إلى الجَنَّةِ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ رُدَّ إلى اعْتِبارِ التَّشْبِيهِ أيْ أنَّها مِثْلُ أنْهارِ الجَنَّةِ في أنَّ المُتَغَذِّينَ مِن مائِها المُؤْمِنُونَ لَكانَ أوْجَهَ وقالَ النَّوَوِيُّ: الأصَحُّ أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّ لَها مادَّةً مِنَ الجَنَّةِ وهي مَوْجُودَةٌ اليَوْمَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ.
ويَأْبى التَّأْوِيلَ الأوَّلَ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ الإسْراءِ وحَدَّثُ نَبِيُّ اللَّهِ «أنَّهُ رَأى أرْبَعَةَ أنْهارٍ يَخْرُجُ مِن أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرانِ ونَهْرانِ باطِنانِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ الأنْهارُ فَقالَ: أمّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ وأمّا الظّاهِرانِ فالفُراتُ والنِّيلُ» وضَمِيرُ أصْلِها السِّدْرَةُ المُنْتَهى كَما جاءَ مُبَيَّنًا في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ.
والقاضِي عِياضٌ قالَ هُنا: إنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الأرْضِ لِخُرُوجِ النِّيلِ والفُراتِ مِن أصْلِها وتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ بَلْ مَعْناهُ أنَّ الأنْهارُ تَخْرُجُ مَن أصْلِها ثُمَّ تَسِيرُ حَيْثُ أرادَ اللَّهُ تَعالى حَتّى تَخْرَجَ مِنَ الأرْضِ وتَسِيرُ فِيها وهَذا لا يَمْنَعُهُ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ قِيلَ: ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُوصِلُ مِياهَ هاتِيكِ الأنْهارِ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ إلى مَحالِّها الَّتِي يُشاهَدُ خُرُوجُها مِنها مِن حَيْثُ لا يَراها أحَدٌ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أصْلُ مِياهِها الخارِجَةِ مِن مَحالِّها لا هي وما يُنْظَمُ إلَيْها مِنَ السُّيُولِ وغَيْرِها وكَأنِّي أرى بَعْضَ النّاسِ لِيُسْنى يَلْتَزِمُ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما لا يَجْرِي في هاتِيكِ الأنْهارِ وبَعْضُهم أيْضًا يَجْعَلُ الأخْبارَ في هَذا الشَّأْنِ إشاراتٍ إلى أُمُورٍ أنَفُسِيَّةٍ فَقَطْ ولَيْسَ مِمّا تَرْتَضِيهِ الأنْفُسُ المَرْضِيَّةُ نَعَمْ أنا لا أمْنَعُ التَّأْوِيلَ مَعَ بَقاءِ الأمْرِ أفاقِيًّا ولَيْسَ عَدَمُ اعْتِقادِ الظّاهِرِ مِمّا يُخِلُّ بِالدِّينِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لا تَعَصُّبَ عِنْدَهُ.
ولِلْإخْبارِيِّينَ في هَذِهِ الأنْهارِ كَلامٌ طَوِيلٌ تَمُجُّهُ أسْماعُ ذَوِي الألْبابِ ولا يَجْرِي في أنْهارِ قُلُوبِهِمْ ولا أراهُ يَصْلُحُ إلّا لِلْإلْقاءِ في البَحْرِ.
وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ مَرْفُوعًا «نَهْرانِ مُؤْمِنانِ ونَهْرانِ كافِرانِ أمّا المُؤْمِنانِ فالنِّيلُ والفُراتُ وأمّا الكافِرانِ فَدِجْلَةُ وجَيْحُونُ» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَبَّهَ النَّهْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِنَفْعِهِما بِسُهُولَةٍ بِالمُؤْمِنِ والنَّهْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِالكافِرِ لِعَدَمِ نَفْعِهِما كَذَلِكَ أنَّهُما إنَّما يَخْرُجُ في الأكْثَرِ ماؤُهُما بِآلَةٍ ومَشَقَّةٍ وإلّا فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالإيمانِ والكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ ثُمَّ إنَّ أفْضَلَ الأنْهارِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ النِّيلُ وباقِيها عَلى السَّواءِ وزادَ بَعْضُهم في عِدادِ ما هو مِنَ الجَنَّةِ دِجْلَةَ ورَوى في ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ مُقاتِلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولَيْسَ مِمّا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيِ اثْنِينِيَّةً حَقِيقِيَّةً وهُما الفَرْدانِ اللَّذانِ كَلٌّ مِنهُما زَوْجُ الآخَرِ وأكَّدَ بِهِ الزَّوْجَيْنِ لِئَلّا يُفْهَمَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الشَّفْعانِ إذْ يُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى المَجْمُوعِ لَكِنَّ اثْنِينِيَّةَ ذَلِكَ اعْتِبارِيَّةٌ أيْ جَعَلَ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ المَوْجُودَةِ في الدُّنْيا ضَرْبَيْنِ وصِنْفَيْنِ إمّا في اللَّوْنِ كالأبْيَضِ والأسْوَدِ أوْ في الطَّعْمِ كالحُلْوِ والحامِضِ أوْ في القَدْرِ كالصَّغِيرِ والكَبِيرِ أوْ في الكَيْفِيَّةِ كالحارِّ والبارِدِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ حِينَ مَدَّها ثُمَّ تَكاثَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وتَنَوَّعَتْ وتُعُقِّبَ أنَّهُ دَعْوى بِلا دَلِيلٍ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ خِلافُهُ فَإنَّ النَّوْعَ النّاطِقَ المُحْتاجَ إلى زَوْجَيْنِ خُلِقَ ذَكَرُهُ أوَّلًا فَكَيْفَ في الثَّمَراتِ وتَكُونُ واحِدٌ مِن كُلٍّ أوَّلًا كافٍ في التَّكَوُّنِ والوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِجَعَلَ الأوَّلِ ويَكُونُ الثّانِي اسْتِئْنافًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الجَعْلِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالزَّوْجَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِجَعَلَ السّابِقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ وقِيلَ: اللَّيْلَ والنَّهارَ وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ أيْ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا فَفِيهِ إسْنادُ ما لِمَكانِ الشَّيْءِ إلَيْهِ وفي جَعْلِ الجَوِّ مَكانًا لِلنَّهارِ تَجُوزُ لِأنَّ الزَّمانَ لا مَكانَ لَهُ والمَكانَ إنَّما هو لِلضَّوْءِ الَّذِي هو لازِمُهُ وجُوِّزَ في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ﴾ يَجْعَلُهُ مَغْشِيًّا لِلنَّهارِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ كاللِّباسِ عَلى المَلْبُوسِ قِيلَ: والأوَّلُ أوْجَهُ وأبْلَغُ واكْتَفى بِذِكْرِ تَغْشِيَةِ اللَّيْلِ النَّهارَ مَعَ تَحَقُّقِ عَكْسِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنهُ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُها إلّا أنَّ التَّغْشِيَةَ بِمَعْنى السَّتْرِ وهي أنْسَبُ بِاللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ وعُدَّ هَذا في تَضاعِيفِ الآياتِ السُّفْلِيَّةِ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِالآياتِ العُلْوِيَّةِ ظاهِرًا بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ في الأرْضِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ( يُغَشِّي ) بِالتَّشْدِيدِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن مَدِّ الأرْضِ وجَعْلِ الرَّواسِي عَلَيْها وإجْراءِ الأنْهارِ فِيها وخَلْقِ الثَّمَراتِ وإغْشاءِ اللَّيْلِ النَّهارَ وفي الإشارَةِ بِذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ المُشارِ إلَيْهِ في بابِهِ ﴿ لآياتٍ ﴾ باهِرَةً قِيلَ: هي آثارُ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ جَلَّتْ حِكْمَةُ صانِعِها فَفي عَلى مَعْناها فَإنَّ تِلْكَ الآثارَ مُسْتَقِرَّةٌ في تِلْكَ الأفاعِيلِ مَنُوطَةٌ بِها وجُوِّزَ أنْ يُشارَ بِذَلِكَ إلى تِلْكَ الآثارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِتِلْكَ الأفاعِيلِ ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
(3) .
فَإنَّ التَّفَكُّرَ فِيها يُؤَدِّي إلى الحُكْمِ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ عَلى هَذا النَّمَطِ الرّائِقِ والأُسْلُوبِ اللّائِقِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوَّنٍ قادِرٍ حَكِيمٍ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ والفِكْرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ قُوَّةٌ مُطْرِقَةٌ لِلْعِلْمِ إلى المَعْلُومِ والتَّفَكُّرُ جَوَلانُ تِلْكِ القُوَّةِ بِحَسَبِ نَظَرِ العَقْلِ وذَلِكَ لَلْأنِسانِ دُونَ الحَيَوانِ ولا يُقالُ: إلّا فِيما لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ صُورَةٌ في القَلْبِ ولِهَذا رُوِيَ تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى إذْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا أنْ يُوصَفَ بِصُورَةٍ.
وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: الفِكْرُ مَقْلُوبٌ عَنِ الفَرْكِ لَكِنْ يَسْتَعْمِلُ الفِكْرُ في المَعانِي وهو فَرْكُ الأُمُورِ وبَحْثُها طَلَبًا لِلْوُصُولِ إلى حَقِيقَتِها والمَشْهُورُ أنَّهُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِلتَّأدِّي إلى مَجْهُولٍ وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ جَعْلِ هَذا مَقْطَعًا في الآيَةِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الأكْثَرَ في الآياتِ إذا ذُكِرَ فِيها الدَّلائِلُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ السُّفْلِيِّ أنْ يُجْعَلَ مَقْطَعُها ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما يَقْرُبُ مِنهُ وسَبَبُهُ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الإشْكالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لِأنَّ مَن تَفَكَّرَ فِيها عَلِمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ تِلْكَ الحَوادِثِ مِنَ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ فَتَفَكَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
وهي: أربعون وخمس آيات كلها مكية، غير آيتين: قوله تعالى وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.
ويقال: كلها مكية قوله تعالى: المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى، ويقال: معناه أنا الله أعلم وأرى ما تحت العرش إلى الثرى، وما بينهما.
ويقال: أنا الله أعلم وأرى ما لا يعلم الخلق، وما لا يرى.
ويقال: أنا الله أعلم، وأرى ما يعملون ويقولون.
ويقال: هذا قسم أقسم الله به تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ قال قتادة: يعني: التي قبل القرآن، من التوراة والإنجيل وَالَّذِي يعني: القرآن أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: الكتب التي قبل القرآن، والقرآن الذي أُنزل إليك، كله من الله تعالى وهو الحق، والإيمان به واجب.
وقال ابن عباس: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: تلك «آيات القرآن» .
ومعناه: هذه آيات الكتاب.
وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: القرآن.
ويقال: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: الأحكام والحجج والدلائل وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: جبريل، ليقرأ عليك من ربك الحق.
يعني: اتبعوه واعملوا به.
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني: أهل مكة لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون أنه من الله تعالى.
فلما ذكر أنهم لا يؤمنون، بيّن في الدلائل التي توجب التصديق بالخالق، فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يعني: ليس لها عمد ترونها، يعني: بلا عمد تبصرونها، وهذا قول الحسن وقتادة: وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: معناه، «لها عمد، ولكن لا ترونها.
يعني: أنتم ترونها بغير عمد في المشاهدة، ولكن لها عمد» .
وكلا التفسيرين معناهما واحد، لأن من قال: إن لها عمداً ولكن لا ترونها، يقول: العمد هو قدرة الله تعالى التي تمسك السموات والأرض.
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال ابن عباس: «كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض» ، وقد ذكرناه من قبل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، ذلك لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يقول: يسير إلى وقت معلوم لا يجاوزه، وللشمس والقمر منازل، كل واحد منهما يغرب في كل ليلة في منزل ويطلع في منزل، حتى ينتهي إلى أقصى منازله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يعني: يقضي القضاء، ويبعث الملائكة بالوحي والتنزيل يُفَصِّلُ الْآياتِ يقول: يبيّن العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ يعني: تصدقون بالبعث.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة الرعد]
قيل: مكّيّة إلّا بعض آيات، وقيل: مدنية، والظاهر أنّ المدنيّ فيها كثير.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عز وجل: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ: قال ابن عباس: هذه الحروفُ هي مِنْ قوله: «أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأرى» «١» .
وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ...
الاية: قال جمهور النَّاس: لاَ عَمَدَ للسموات ألبتَّة، وهذا هو الحَق و «العمدُ» : اسم جَمْعٍ.
قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: «ثم» هنا: لعطفِ الجُمَلِ، لا للترتيبِ لأن الاستواء على العَرْش قبل رَفْعِ السموات، ففي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ» «٢» وقد تقدَّم القول في هذا، وفي معنى الاستواء.
ت: والمعتَقَدُ في هذا: أنه سبحانَهُ مستو على العرشِ على الوَجْهِ الذي قاله، وبالمعنَى الذي أراده استواء منزَّهاً عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّن والحلولِ والانتقال، لا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَسَطَها عَلى الماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ جِبالًا ثَوابِتَ، يُقالُ: رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو رُسُوًّا، فَهو راسٍ: إذا ثَبَتَ.
و ﴿ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيْ: نَوْعَيْنِ.
والزَّوْجُ: الواحِدُ الَّذِي لَهُ قَرِيبٌ مِن جِنْسِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ويَعْنِي بِالزَّوْجَيْنِ: الحُلْوَ والحامِضَ، والعَذْبَ والمِلْحَ، والأبْيَضَ والأسْوَدَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٥٤) .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةَ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ المَدَنِيَّ فِيها كَثِيرٌ، وكُلُّ ما نَزَلَ في شَأْنِ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، وذَكَرَهُ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في فَواتِحِ السُوَرِ وذِكْرِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَخُصُّ هَذا المَوْضِعَ مِن ذَلِكَ هو ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هي مِن قَوْلِهِ: أنا اللهُ أعْلَمُ وأرى"، ومَن قالَ: "إنَّ حُرُوفَ أوائِلَ السُوَرِ هي مِثالٌ لِحُرُوفِ المُعْجَمِ" قالَ: الإشارَةُ هُنا بِـ "تِلْكَ" هي إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "الكِتابِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ.
و"المر"-عَلى هَذا- ابْتِداءٌ، وَ"تِلْكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"آياتُ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ.
وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في "المر" تَكُونُ "تِلْكَ" ابْتِداءً، و"آياتُ" بَدَلٌ مِنهُ، ويَصِحُّ في "الكِتابِ" التَأْوِيلانِ اللَذانِ تَقَدَّما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ .
"الَّذِي" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"الحَقُّ" خَبَرُهُ، وعَلى هَذا تَأْوِيلُ مَن يَرى ﴿ المر تِلْكَ ﴾ حُرُوفَ المُعْجَمِ، و"تِلْكَ" و"آياتُ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ يَكُونُ "الَّذِي" عَطْفًا عَلى "تِلْكَ"، و"الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ"، وإذا أُرِيدَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ فالمُرادُ بِـ " الَّذِي أُنْزِلَ " جَمِيعُ الشَرِيعَةِ، ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنها وما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ.
ويَصِحُّ في "الَّذِي" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الكِتابِ"، فَإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" القُرْآنَ كانَتِ الواوُ عَطْفَ صِفَةٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الظَرِيفُ والعاقِلُ وأنْتَ تُرِيدُ شَخْصًا واحِدًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" التَوْراةَ والإنْجِيلَ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ، فَإنْ تَأوَّلْتَ -مَعَ ذَلِكَ- "المر" حُرُوفَ المُعْجَمِ رَفَعْتَ قَوْلَهُ: "الحَقُّ" عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: هو الحَقُّ، وإنْ تَأوَّلْتَها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَـ "الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ".
ومَن رَفَعَ "الحَقُّ" بِإضْمارِ ابْتِداءٍ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ إنْ شاءَ اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ ﴾ الآيَةَ.
لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ تَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِهِ، وبِذِكْرِ الأدِلَّةِ الداعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "تَرَوْنَها" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "السَماواتِ" فَـ "تَرَوْنَها" -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لا عَمَدَ لِلسَّماواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "العَمَدِ"، فَـ "تَرَوْنَها" عَلى هَذا- صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: لِلسَّماواتِ عَمَدَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما يُدْرِيكَ أنَّها بِعَمَدٍ لا تُرى، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ جَبَلُ قافٍ المُحِيطُ بِالأرْضِ، والسَماءُ عَلَيْهِ كالقُبَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والحَقُّ أنْ لا عَمَدَ جُمْلَةً، إذِ العَمَدُ يَحْتاجُ إلى عَمَدٍ، ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ فَلا بُدَّ مِن وُقُوفِهِ عَلى القُدْرَةِ، وهَذا هو الظاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ ﴾ ، ونَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.
وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ: السَماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلى الأرْضِ مِثْلَ القُبَّةِ.
وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "تَرَوْنَهُ" بِتَذْكِيرِ الضَمِيرِ.
و"العَمَدُ" اسْمُ جَمْعِ عَمُودٍ، والبابُ في جَمْعِهِ "عُمُدٌ" بِضَمِّ الحُرُوفِ الثَلاثَةِ، كَرَسُولِ ورُسُلٍ وشِهابِ وشُهُبٍ، وغَيْرِهِ.
ومِن هَذِهِ الكَلِمَةِ قَوْلُ النابِغَةِ: وخَبَّرَ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُفّاحِ والعُمُدِ وقالَ الطَبَرِيُّ: "العَمَدُ (بِفَتْحِ العَيْنِ) جَمْعُ عَمُودٍ، كَما جُمِعَ الأدِيمُ أدَمًا"، ولَيْسَ كَما قالَ.
وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأدَمَ اسْمُ جَمْعٍ، وكَذَلِكَ نَصَّ اللُغَوِيُّونَ عَلى العَمَدِ، ولَكِنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَكَرَ الأمْرَ غَيْرَ مُتَيَقِّنٍ فاتَّبَعَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "بِغَيْرِ عُمُدٍ" بِضَمِّ العَيْنِ.
وقَوْلُهُ: "ثُمَّ" هي هُنا لِعَطْفِ الجُمَلِ لا لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ قَبْلَ رَفْعِ السَماواتِ، فَفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "كانَ اللهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ".» وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في كَلامِ الناسِ في الِاسْتِواءِ، واخْتِصارُهُ أنَّ أبا المَعالِي رَجَّحَ أنَّهُ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، وقالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ وغَيْرُهُ: "اسْتَوى" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: اسْتَوْلى، والِاسْتِيلاءُ قَدْ يَكُونُ دُونَ قَهْرٍ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وقالَ سُفْيانُ: فَعَلَ فِعْلًا سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الفَرّاءُ: رَسُولُ اللهِ "اسْتَوى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فَعَلَ زَيْدٌ كَذا ثُمَّ اسْتَوى إلَيَّ يُكَلِّمُنِي"، بِمَعْنى أقْبَلَ وقَصَدَ، وحُكِيَ لِي عن أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: "العَرْشِ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَصْدَرُ "عَرَشَ"، فَكَأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ العَرْشَ: المُلْكُ، وهَذا يُؤَيِّدُ مَنزَعَ أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ إذْ قالَ: "العَرْشُ مَصْدَرٌ"، وهَذا خِلافَ ما مَشى عَلَيْهِ الناسُ مِن أنَّ "العَرْشَ" هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وهو الشَخْصُ الَّذِي كانَ عَلى الماءِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُرْسِيُّ، وأيْضًا فَيَنْبَغِي النَظَرُ عَلى أبِي الفَضْلِ في مَعْنى الِاسْتِواءِ قَرِيبًا مِمّا هو عَلى قَوْلِ الجَمِيعِ.
وفي البُخارِيِّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "المَعْنى: عَلا عَلى العَرْشِ"، وكَذَلِكَ هي عِبارَةُ الطَبَرِيِّ، والنَظَرُ الصَحِيحُ يَدْفَعُ هَذِهِ العِبارَةَ.
وقَوْلُهُ: "وَسَخَّرَ" تَنْبِيهٌ عَلى القُدْرَةِ، و ﴿ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴾ في ضِمْنِ ذِكْرِهِما ذِكْرُ الكَواكِبِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ كُلٌّ يَجْرِي ﴾ ، أيْ كُلُّ ما هو في مَعْنى الشَمْسِ والقَمَرِ مِنَ التَسْخِيرِ، و"كُلٌّ" لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ ظاهِرَةً أو مُقَدَّرَةً.
والأجَلُ المُسَمّى هو انْقِضاءُ الدُنْيا وفَسادُ هَذِهِ البِنْيَةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " لِأجَلٍ مُسَمى" الحُدُودَ الَّتِي لا تَتَعَدّاها هَذِهِ المَخْلُوقاتُ، أيْ: تَجْرِي عَلى رُسُومٍ مَعْلُومَةٍ.
وَقَوْلُهُ: " يُدَبِّرُ" بِمَعْنى: يُبْرِمُ ويُنَفِّذُ، وعَبَّرَ بِالتَدْبِيرِ تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، إذِ التَدْبِيرُ إنَّما هو النَظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، وذَلِكَ مِن صِفَةِ البَشَرِ، و"الأمْرَ" عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ وما يَنْقَضِي في كُلِّ أوانٍ في السَماواتِ والأرْضِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: " يُدَبِّرُ الأمْرَ " مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُفَصِّلُ" وقَرَأ الحَسَنُ بِنُونِ العَظَمَةِ، ورَواها الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عن أبِي عَمْرٍو، وهُبَيْرَةَ عن حَفْصٍ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ولَمْ يَخْتَلِفا في "يُدَبِّرُ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: إنَّ الحَسَنَ قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما، والنَظَرُ يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: " يُفَصِّلُ الآيّات " لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: "يُدَبِّرُ" مِن تَعْدِيدِ الآياتِ، بَلْ لَمّا تَعَدَّدَتِ الآياتُ وفي جُمْلَتِها يُدَبِّرُ الأمْرَ أخْبَرَ أنَّهُ يُفَصِّلُها لَعَلَّ الكَفَرَةَ يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، و"الآياتِ" هُنا إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ في الآيَةِ وبَعْدَها.
<div class="verse-tafsir"
وَهُوَ الذى مَدَّ الارض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وأنهارا وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين يُغْشِى اليل النهار إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِى} عطف على جملة ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ فبين الجملتين شبه التضاد.
اشتملت الأولى على ذكر العوالم العلوية وأحوالها، واشتملت الثانية على ذكر العوالم السفلية.
والمعنى: أنه خالق جميع العوالم وأعراضها.
والمد: البسط والسعة، ومنه: ظل مديد، ومنه مد البحر وجزره، ومد يده إذا بسطها.
والمعنى: خلق الأرض ممدودة متسعة للسير والزرع لأنه لو خلقها أسنمة من حجر أو جبالاً شاهقة متلاصقة لما تيسّر للأحياء التي عليها الانتفاع بها والسير من مكان إلى آخر في طلب الرزق وغيره.
وليس المراد أنها كانت غير ممدودة فمدّها بل هو كقوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ ، فهذه خلقة دالة على القدرة وعلى اللطف بعباده فهي آية ومنة.
والرواسي: جمع رَاسسٍ، وهو الثابت المستقر.
أي جبالاً رواسي.
وقد حذف موصوفه لظهوره فهو كقوله: ﴿ وله الجواري ﴾ ، أي السفن الجارية.
وسيأتي في قوله: ﴿ وألقى في الأرض رواسي ﴾ في سورة النحل (15) بأبسط مما هنا.
وجيء في جمع راسسٍ بوزن فواعل لأن الموصوف به غير عاقل، ووزن فواعل يطرد فيما مفرده صفة لغير عاقل مثل: صاهل وبازل.
والاستدلال بخلق الجبال على عظيم القدرة لما في خلقها من العظمة المشاهدة بخلاف خلقة المعادن والتراب فهي خفية، كما قال تعالى: ﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ [الغاشية: 19].
والأنهار: جمع نهر، وهو الوادي العظيم.
وتقدم في سورة البقرة: ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ (249).
وقوله: ومن كل الثمرات } عطف على ﴿ أنهاراً ﴾ فهو معمول ل ﴿ جَعل فيها رواسِيَ ﴾ .
ودخول ﴿ مِن ﴾ على ﴿ كلّ ﴾ جرى على الاستعمال العربي في ذكر أجناس غير العاقل كقوله: ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ .
و ﴿ مِن ﴾ هذه تُحمل على التبعيض لأن حقائق الأجناس لا تنحصر والموجود منها ما هو إلا بعض جزئيات الماهية لأن منها جزئيات انقضت ومنها جزئيات ستوجد.
والمراد ب ﴿ الثمرات ﴾ هيَ وأشجارُها.
وإنما ذكرت ﴿ الثمرات ﴾ لأنها موقع منة مع العبرة كقوله: ﴿ فأخرجنا به من كل الثمرات ﴾ [سورة الأعراف: 57].
فينبغي الوقف على ومن كل الثمرات } ، وبذلك انتهى تعداد المخلوقات المتصلة بالأرض.
وهذا أحسن تفسيراً.
ويعضده نظيره في قوله تعالى: ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ في سورة النحل (11).
وقيل إن قوله: ومن كل الثمرات} ابتداء كلام.
وتتعلق ﴿ من كل الثمرات ﴾ ب ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ، وبهذا فسر أكثر المفسرين.
ويبعده أنه لا نكتة في تقديم الجار والمجرور على عامله على ذلك التقدير، لأن جميع المذكور محل اهتمام فلا خصوصية للثمرات هنا، ولأن الثمرات لا يتحقق فيها وجود أزواج ولا كون الزوجين اثنين.
وأيضاً فيه فوات المنة بخلق الحيوان وتناسله مع أن منه معظم نفعهم ومعاشهم.
ومما يقرب ذلك قوله تعالى في نحو هذا المعنى ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً ﴾ [النبأ: 6 8].
والمعروف أن الزوجين هما الذكر والأنثى قال تعالى: ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ [سورة القيامة: 39].
والظاهر أن جملة جعل فيها زوجين } مستأنفة للاهتمام بهذا الجنس من المخلوقات وهو جنس الحيوان المخلوق صنفين ذكراً وأنثى أحدهما زوج مع الآخر.
وشاع إطلاق الزوج على الذكر والأنثى من الحيوان كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ في سورة البقرة (35)، وقوله: ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ في أول سورة النساء (1)، وقوله: قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } .
وأما قوله تعالى: ﴿ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ﴾ [ق: 7] فذلك إطلاق الزوج على الصنف بناءً على شيوع إطلاقه على صنف الذكر وصنف الأنثى فأطلق مجازاً على مطلق صنف من غير ما يتصف بالذكورة والأنوثة بعلاقة الإطلاق، والقرينة قوله: أنبتنا } مع عدم التثنية، كذلك قوله تعالى: ﴿ فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى ﴾ في سورة طه (53).
وتنكير زوجين } للتنويع، أي جعل زوجين من كل نوع.
ومعنى التثنية في زوجين أن كل فرد من الزوج يطلق عليه زوج كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج من الضّأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ الآية في سورة الأنعام (143).
والوصف بقوله: اثنين} للتأكيد تحقيقاً للامتنان.
﴿ يُغْشِى اليل النهار إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ جملة ﴿ يغشي ﴾ حال من ضمير ﴿ جعل ﴾ .
وجيء فيه بالمضارع لما يدل عليه من التجدد لأن جعل الأشياء المتقدم ذكرها جعل ثابت مستمر، وأما إغشاء الليل والنهار فهو أمرٌ متجدّد كل يوم وليلة.
وهذا استدلال بأعراض أحوال الأرض.
وذكرُه مع آيات العالم السفلي في غاية الدقة العلمية لأن الليل والنهار من أعراض الكرة الأرضية بحسب اتجاهها إلى الشمس وليسَا من أحوال السماوات إذ الشمس والكواكب لا يتغير حالها بضياء وظلمة.
وتقدم الكلام على نظير قوله: ﴿ يغشي الليل والنهار ﴾ في أوائل سورة الأعراف (54).
وقرأه الجمهور بسكون الغين وتخفيف الشين مضارع أغشى.
وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوبُ، وخلف بتشديد الشين مضارع غَشّى.
وقوله: إن في ذلك لآيات } الإشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ [الرعد: 2] إلى هنا بتأويل المذكور.
وجَعل الأشياء المذكورات ظروفاً لآيات } لأن كل واحدة من الأمور المذكورة تتضمن آيات عظيمة يجلوها النظر الصحيح والتفكير المجرد عن الأوهام.
ولذلك أجرى صفة التفكير على لفظ قَوم إشارة إلى أن التفكير المتكرر المتجدد هو صفة راسخة فيهم بحيث جعلت من مقومات قوميتهم، أي جبلتهم كما بيناه في دلالة لفظ ﴿ قوم ﴾ على ذلك عند قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).
وفي هذا إيماء إلى أن الذين نسبوا أنفسهم إلى التفكير من الطبائعيين فعللوا صدور الموجودات عن المادة ونفوا الفاعل المختار ما فكروا إلا تفكيراً قاصراً مخلوطاً بالأوهام ليس ما تقتضيه جبلة العقل إذْ اشتبهت عليهم العلل والمواليد، بأصل الخلق والإيجاد.
وجيء في التفكير بالصيغة الدالة على التكلف وبصيغة المضارع للإشارة إلى تفكير شديد ومُكرر.
والتفكير تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ في سورة الأنعام (50).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِعَمَدٍ لا تَرَوْنَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها مَرْفُوعَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ، قالَهُ قَتادَةُ وإياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ.
وَفي رَفْعِ السَّماءِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَفْعُ قَدْرِها وإجْلالُ خَطَرِها؛ لِأنَّ السَّماءَ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ.
الثّانِي: سَمْكُها حَتّى عَلَتْ عَلى الأرْضِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس- رضي الله عنهما- إن فلان يقول: إنها على عمد، يعني السماء.
فقال: اقرأها ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ أي لا ترونها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها ﴾ قال: وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ يقول: لها عمد، ولكن لا ترونها.
يعني الأعماد.
وأخرج ابن جرير، عن إياس بن معاوية رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ قال: السماء مقبية على الأرض مثل القبة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: السماء على أربعة أملاك، كل زاوية موكل بها ملك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ قال: هي بعمد لا ترونها.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن وقتادة- رضي الله عنهما- أنهما كانا يقولان: خلقها بغير عمد.
قال لها قومي فقامت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن معاذ قال: في مصحف أبي ﴿ بغير عمد ترونه ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ قال: أجل معلوم، وحد لا يقصر دونه ولا يتعدى.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: يقضيه وحده.
وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ قال: إن الله إنما أنزل كتابه وبعث رسله، ليؤمن بوعده ويستيقن بلقائه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن عبد الله، مولى غفرة.
أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: إن الله جعل مسيرة ما بين المشرق والمغرب، خمسمائة سنة.
فمائة سنة في المشرق، لا يسكنها شيء من الحيوان، لا جن ولا إنس ولا دابة ولا شجرة.
ومائة سنة في المغرب بتلك المنزلة، وثلثمائة فيما بين المشرق والمغرب يسكنها الحيوان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر: والدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة عام خراب ومائة عمار، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: ما العمارة في الدنيا في الخراب إلا كفسطاط في البحر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فالسودان اثنا عشر ألفاً، والروم ثمانية، ولفارس ثلاثة، وللعرب ألف.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن خالد بن مضرب رضي الله عنه قال: الأرض مسيرة خمسمائة سنة، ثلثمائة عمار، ومائتان خراب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن حسان بن عطية رضي الله عنه قال: سعة الأرض مسيرة خمسمائة سنة، البحار ثلثمائة، ومائة خراب، ومائة عمران.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الأرض سبعة أجزاء: ستة أجزاء فيها يأجوج ومأجوج، وجزء فيه سائر الخلق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لي أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا عشر ألفاً منه أرض الهند، وثمانية الصين، وثلاثة آلاف المغرب، وألف العرب.
وأخرج ابن المنذر عن مغيث بن سمي رضي الله عنه قال: الأرض ثلاثة أثلاث، ثلث فيه الناس والشجر، وثلث فيه البحار، وثلث هواء.
أما قوله تعالى: ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ .
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن الله تبارك وتعالى حين أراد أن يخلق الخلق، خلق الريح فنشجت الريح، فأبدت عن حشفة، فهي تحت الأرض.
ومنها دُحيت الأرض حيث ما شاء في العرض والطول، فكانت تميد فجعل الجبال الرواسي.
وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما خلق الله الأرض، قمصت وقالت: أي رب، تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث؟
فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم ترجرج.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن عطاء رضي الله عنه- قال: أول جبل وضع في الأرض، أبو قبيس.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ قال: ذكراً وانثى من كل صنف.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ أي يلبس الليل النهار.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ .
قال أبو إسحاق (١) (٢) قال أهل اللغة (٣) (٤) ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ أي جبالًا ثوابت (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى ﴿ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ معنى الزوج في اللغة (٨) (٩) (١٠) (١١) قال الزجاج (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾ ذكرناه في سورة الأعراف (١٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أعلم أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن يفكر في عظمة الله وقدرته، ثم زادهم من البرهان.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 137.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٣) "تهذيب اللغة" (مدد) 4/ 3361، و"اللسان" (مدد) 7/ 4157.
(٤) "معاني القرآن" 2/ 58.
(٥) هذا قول الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 137.
(٦) "تنوير المقباس" ص 155.
(٧) عند قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ انظر: "اللسان" 3/ 1647 (سها).
(٨) "تهذيب اللغة" (زوج) 2/ 1574.
(٩) "مجاز القرآن" 1/ 321.
(١٠) "معاني القرآن" 2/ 58.
(١١) عند قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ ﴾ .
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 137.
(١٣) القرطبي 9/ 280، الثعلبي 7/ 120 أ.
(١٤) " مشكل القرآن وغريبه" ص 230، الثعلبي 7/ 120 أ.
(١٥) في (أ)، (ج): (حلوٌ).
(١٦) عند قوله تعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ .
وقال هنالك: "والتغشية إلباس الشيء ..
قال أبو إسحاق: والمعنى أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل يغشى النهار؛ لأن في الكلام دليلًا عليه".
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَدَّ الأرض ﴾ يقتضي أنها بسيطة لا مكورة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يترتب لفظ البسط والمدّ من التكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض ﴿ رواسى ﴾ يعني الجبال الثابتة ﴿ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ يعني صنفين من الثمر: كالأسود والأبيض، والحلو والحامض، فإن قيل: تقتضي الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافَ كثيرةً، والجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة، فذكر الاثنين، لأن دلالة غيرهما من باب أولى، وقيل: إن الكلام تم في قوله: ﴿ وَمِن كُلِّ الثمرات ﴾ ثم ابتدأ بقوله: ﴿ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ﴾ يعني الذكر والأنثى والأول أحسن ﴿ يُغْشِى اليل النهار ﴾ أي يلبسه إياه فيصير له كالغشاء، وذلك تشبيه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
يحتمل أن يكون قوله: ﴿ الۤمۤر ﴾ كناية عن الأحرف المقطعة المعجمة؛ فيكون قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ تفسير ﴿ الۤمۤر ﴾ .
هذا هو الظاهر: أن يقال في كل الحروف المعجمة والمقطعة: أن يكون ما ذكر من بعدها على أثرها كان تفسيراً لها.
والثاني: يشبه أن يكون قوله: ﴿ الۤمۤر ﴾ كناية عن الحجج والبراهين وسائر الكتب؛ كأنه قال: تلك الحجج والبراهين وسائر الكتب - جعلناها آيات القرآن وحججه، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ \[هو القرآن الذي أنزل\].
قال بعضهم: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ هو الحق: القرآن الذي أنزل على محمد .
وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هو القرآن [والذي أنزل إليك من ربك - أيضاً - هو القرآن،] لكنه أخبر أنه منزل من ربك الحق.
وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ ﴾ يحتمل: هو الحق؛ أي: منزل من الله؛ ليس كما قال أولئك إنه ليس من الله؛ إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه.
ويحتمل: ﴿ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أنه من الله، أو أكثر الناس لا يؤمنون أنه آيات الله وحججه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وهو سبحانه الذي بسط الأرض، وخلق فيها جبالًا ثوابت حتى لا تضطرب بالناس، ومن كل أنواع الثمرات جعل فيها صنفين كالذكر والأنثى في الحيوان، يلبس الليل النهار، فيصير مظلمًا بعدما كان منيرًا، إن في ذلك المذكور لأدلة وبراهين لقوم يتفكرون في صنع الله، ويتأملون فيه، فهم الذين ينتفعون بتلك الأدلة والبراهين.
<div class="verse-tafsir" id="91.Xja0N"