الآية ٢ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٢ من سورة الرعد

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه : أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد ، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدا لا تنال ولا يدرك مداها ، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها ، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء ، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام ، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام .

ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت ، وبينها وبينها من البعد مسيرة خمسمائة عام ، وسمكها خمسمائة عام ، ثم السماء الثالثة محيطة بالثانية ، بما فيها ، وبينها وبينها خمسمائة عام ، وسمكها خمسمائة عام ، وكذا الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة ، كما قال [ الله ] تعالى : ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) [ الطلاق : 12 ] وفي الحديث : " ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة وفي رواية : " والعرش لا يقدر قدره إلا الله ، عز وجل ، وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة ، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة ، وهو من ياقوتة حمراء .

وقوله : ( بغير عمد ترونها ) روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة : أنهم : قالوا : لها عمد ولكن لا ترى .

وقال إياس بن معاوية : السماء على الأرض مثل القبة ، يعني بلا عمد .

وكذا روي عن قتادة ، وهذا هو اللائق بالسياق .

والظاهر من قوله تعالى : ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) [ الحج : 65 ] فعلى هذا يكون قوله : ( ترونها ) تأكيدا لنفي ذلك ، أي : هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها .

هذا هو الأكمل في القدرة .

وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره وكفر قلبه ، كما ورد في الحديث ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل ، رحمه الله ورضي عنه : وأنت الذي من فضل من ورحمة بعثت إلى موسى رسولا مناديا فقلت له : فاذهب وهارون فادعوا إلى الله فرعون الذي كان طاغيا وقولا له : هل أنت سويت هذه بلا [ وتد حتى اطمأنت كما هيا وقولا له : أأنت رفعت هذه بلا ] عمد أرفق إذا بك بانيا ؟

وقولا له : هل أنت سويت وسطها منيرا إذا ما جنك الليل هاديا وقولا له : من يرسل الشمس غدوة فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا ؟

وقولا له : من ينبت الحب في الثرى فيصبح منه العشب يهتز رابيا ؟

ويخرج منه حبه في رءوسه ففي ذاك آيات لمن كان واعيا وقوله : ( ثم استوى على العرش ) تقدم تفسير ذلك في سورة " الأعراف " وأنه يمرر كما جاء من غير تكييف ، ولا تشبيه ، ولا تعطيل ، ولا تمثيل ، تعالى الله علوا كبيرا .

وقوله : ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ) قيل : المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة ، كما في قوله تعالى : ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) [ يس : 38 ] .

وقيل : المراد إلى مستقرهما ، وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر ، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك ، يكونون أبعد ما يكون عن العرش; لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة ، قبة مما يلي العالم من هذا الوجه ، وليس بمحيط كسائر الأفلاك; لأنه له قوائم وحملة يحملونه .

ولا يتصور هذا في الفلك المستدير ، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة ، ولله الحمد والمنة .

وذكر الشمس والقمر; لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة ، التي هي أشرف وأعظم .

من الثوابت ، فإذا كان قد سخر هذه ، فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى ، كما نبه بقوله تعالى : ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) [ فصلت : 37 ] مع أنه قد صرح بذلك بقوله ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] .

وقوله : ( يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) أي : يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو ، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله، يا محمد، هو الذي رفع السموات السبع بغير عَمَد ترونها, فجعلها للأرض سقْفًا مسموكًا .

* * * و " العَمَد " جمع " عمود ", وهي السَّواري, وما يعمد به البناء, كما قال النابغة: وَخَـيِّسِ الجِـنَّ إنِّـي قَـدْ أذِنْـتُ لَهُمْ يَبْنُــون تَدْمُــرَ بِالصُّفَّـاحِ وَالعَمَـدِ (8) وجمع " العمود: "" عَمَد," كما جمع الأديم: " أدَم ", ولو جمع بالضم فقيل: " عُمُد " جاز, كما يجمع " الرسول "" رسل ", و " الشَّكور "" شكر " .

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (رفع السماوات بغير عمد ترونها) .

فقال بعضهم: تأويل ذلك: الله الذي رفع السموات بعَمَدٍ لا ترونها .

*ذكر من قال ذلك: 20051- حدثنا أحمد بن هشام قال: حدثنا معاذ بن معاذ قال: حدثنا عمران بن حدير, عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: إن فلانًا يقول: إنها على عمد يعنى السماء؟

قال: فقال: اقرأها(بغير عمَدٍ ترونها): أي لا ترونها .

20052- حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا معاذ بن معاذ, عن عمران بن حدير, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله .

20053- حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا عفان قال: حدثنا حماد قال: حدثنا حميد, عن الحسن بن مسلم, عن مجاهد في قوله: (بغير عمد ترونها) ، قال: بعمد لا ترونها .

20054- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد, عن حميد, عن الحسن بن مسلم, عن مجاهد, في قول الله: (بغير عمد ترونها) قال: هي لا ترونها (9) .

20055- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد (بغير عمد) يقول: عمد [لا ترونها] .

(10) 20056- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20057- ......

قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن الحسن وقتادة قوله: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) قال قتادة: قال ابن عباس: بعَمَدٍ ولكن لا ترونها .

20058- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس, قوله: (رفع السماوات بغير عمد ترونها) قال: ما يدريك؟

لعلها بعمد لا ترونها.

* * * ومن تأوَّل ذلك كذلك, قصد مذهب تقديم العرب الجحدَ من آخر الكلام إلى أوله, كقول الشاعر (11) وَلا أرَاهَـــا تَـــزَالُ ظَالِمَـــةً تُحْــدِثُ لِــي نَكْبَــةً وتَنْكَؤُهَــا (12) يريد: أراها لا تزال ظالمة, فقدم الجحد عن موضعه من " تزال ", وكما قال الآخر: (13) إذَا أَعْجَـبَتْكَ الدَّهْـرَ حَـالٌ مِنَ امْرِئٍ فَدَعْــهُ وَوَاكِــلْ حَالَــهُ وَاللَّيَاليَـا (14) يَجِـئْنَ عَـلَى مَـا كَـانَ مِنْ صَالحٍ بِهِ وَإنْ كَـانَ فِيمـا لا يَـرَى النَّـاسُ آلِيَا يعني: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو .

* * * وقال آخرون، بل هي مرفوعة بغير عمد .

*ذكر من قال ذلك: 20059- حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال: أخبرنا آدم قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن إياس بن معاوية, في قوله: (رفع السماوات بغير عمد ترونها) قال: السماء مقبّبة على الأرض مثل القبة .

(15) 20060- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (بغير عمد ترونها) قال: رفعها بغير عمد .

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) فهي مرفوعة بغير عمد نَراها, كما قال ربنا جل ثناؤه .

ولا خبر بغير ذلك, ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه .

(16) * * * وأما قوله: (ثم استوى على العرش) فإنه يعني: علا عليه .

* * * وقد بينا معنى الاستواء واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيما قالوا فيه، بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(17) * * * وقوله: (وسخر الشمس والقمر) يقول: وأجرى الشمس والقمر في السماء, فسخرهما فيها لمصالح خلقه, وذلَّلَهما لمنافعهم, ليعلموا بجريهما فيها عدد السنين والحساب, ويفصلوا به بين الليل والنهار .

* * * وقوله: (كل يجري لأجل مسمَّى) يقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء(لأجل مسمى): أي: لوقت معلوم, (18) وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكوَّر الشمس, ويُخْسف القمر، وتنكدر النجوم.

وحذف ذلك من الكلام، لفهم السامعين من أهل لسان من نـزل بلسانه القرآن معناه, وأن (كلّ) لا بدَّ لها من إضافة إلى ما تحيط به .

(19) * * * وبنحو الذي قلنا في قوله: (لأجل مسمى) قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20061- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمّى) قال: الدنيا .

(20) * * * وقوله: (يدبِّر الأمر) يقول تعالى ذكره: يقضي الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها أمورَ الدنيا والآخرة كلها, ويدبِّر ذلك كله وحده, بغير شريك ولا ظهير ولا معين سُبْحانه .

(21) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20062- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد (يدبر الأمر) يقضيه وحده .

20063- .........

قال حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .

20064- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه .

* * * وقوله: (يفصل الآيات) يقول: يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه, فيبينها لكم (22) احتجاجًا بها عليكم، أيها الناس (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) يقول: لتوقنوا بلقاء الله, والمعاد إليه, فتصدقوا بوعده ووعيده، (23) وتنـزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان, وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك .

(24) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20065- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) ، وإن الله تبارك وتعالى إنما أنـزل كتابه وأرسل رسله، لنؤمن بوعده, ونستيقن بلقائه .

----------------------- الهوامش : (8) ديوانه : 29 ، ومجاز القرآن 1 : 320 ، وشمس العلوم لنشوان الحميري : 37 ، وغيرها كثير ، من قصيدته المشهورة التي اعتذر فيها للنعمان ، لما قذفوه بأمر المتجردة ، يقول قبله : ولاَ أَرَى فَـاعلاً فِـي النَّـاسِ يُشْـبِهُهُ ولاَ أُحَاشِـي مِـنَ الأقْـوامِ مِـنْ أَحَدِ إلاَّ سُــلَيْمَانَ إذْ قَــالَ الإلــهُ لَـهُ قُـمْ فِـي البَرِيَّـةِ فَاحْدُدْهَـا عن الفَنَدِ وقوله :" وخيس الجن" ، أي : ذللها ورضها .

و" الصفاح" ، حجارة رقاق عراض صلاب .

و" تدمر" مدينة بالشام .

قال نشوان الحميري في شمس العلوم :" مدينة الشأم مبنية بعظام الصخر ، فيها بناء عجيب ، سميت بتدمر الملكة العمليقية بنت حسان بن أذينة ، لأنها أول من بناها .

ثم سكنها سليمان بن داود عليه السلام بعد ذلك .

فبنت له فيها الجن بناء عظيمًا ، فنسبت اليهود والعرب بناءها إلى الجن ، لما استعظموه" .

وهذا نص جيد من أخبارهم وقصصهم في الجاهلية .

(9) الأثران : 20053 ، 20054 -" الحسن بن مسلم بن يناق المكي" ، ثقة ، وله أحاديث مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 304 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 36 .

(10) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، وليست في المخطوطة .

(11) هو ابن هرمة .

(12) شرح شواهد المغني 277 ، 279 من تسعة أبيات ، ومعاني القرآن للفراء في تفسير الآية ، والأضداد لابن الأنباري : 234 .

وقد زعموا أنه قيل لابن هرمة : إن قريشًا لا تهمز ، فقال : لأقولن قصيدة أهمزها كلها بلسان قريش ، وأولها : إنَّ سُـــلَيْمي واللـــه يكْلَؤهَـــا ضَنَّـتْ بِشَـيء مَـا كَـان يَرْزَؤُهـا وعَـــوَّدَتْنِي فِيمـــا تُعَـــوِّدُني أَظْمَــاءُ وِرْدٍ مــا كُـنْتُ أجزَؤُهَـا ولا أرَاهَـــا تَـــزَال ظَالِمـــةً .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

(13) لم أعرف قائله .

(14) معاني القرآن للفراء في تفسير الآية ، والأضداد لابن الأنباري : 234 ، وقوله :" واكل حاله" ، أي : دع أمره لليالي .

من" وكل إليه الأمر" ، أي : صرف أمره إليه .

وقوله :" يجئن على ما كان من صالح به" ، أي يقضين على صالح أمره ويذهبنه .

و" الآلي" ، المقصر .

(15) الأثر : 20059 -" إياس بن معاوية بن قرة المزني" ،" أبو واثلة" قاضي البصرة ، ثقة ، وكان فقيهًا عفيفًا ، وكان عاقلا فطنًا من الرجال ، يضرب به المثل في الحلم والدهاء .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 442 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 282 ، وابن سعد 7 / 2 / 4 ، 5 .

(16) أي احتياط وفقه وعقل وورع ، كان أبو جعفر يستعمل في تفسيره !

.

(17) انظر تفسير" الاستواء" فيما سلف 1 : 428 - 431 / 12 : 482 ، 483 / 15 : 18 .

وتفسير" العرش" فيما سلف 15 : 245 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(18) انظر تفسير" الأجل المسمى" فيما سلف 6 : 43 / 11 : 256 - 259 ، 407 .

(19) انظر تفسير" كل" وأحكامها فيما سلف 15 : 540 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

وانظر ما قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 321 .

(20) قوله" الدنيا" ، كأنه يعني : فناء الدنيا ، فاقتصر على ذكر" الدنيا" ، لأنه معلوم بضرورة الدين أنها فانية ، وإنما الخلود في الآخرة .

(21) انظر تفسير" التدبير" فيما سلف 15 : 18 ، 19 ، 84 .

(22) انظر تفسير" تفصيل الآيات" فيما سلف 15 : 227 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(23) انظر تفسير" الإيقان" فيما سلف 10 : 394 / 11 : 475 .

(24) في المطبوعة :" تيقنتم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو لب الصواب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنونقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها الآية .

لما بين تعالى أن القرآن حق ، بين أن من أنزله قادر على الكمال ; فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته ; وقد تقدم هذا المعنى .

وفي قوله : بغير عمد ترونها قولان : أحدهما : أنها مرفوعة بغير عمد ترونها ; قاله قتادة وإياس بن معاوية وغيرهما .

الثاني : لها عمد ، ولكنا لا نراه ; قال ابن عباس : لها عمد على جبل قاف ; ويمكن أن يقال على هذا القول : العمد قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض ، وهي غير مرئية لنا ; ذكره الزجاج .

وقال ابن عباس أيضا : هي توحيد المؤمن .

أعمدت السماء حين كادت تنفطر من كفر الكافر ; ذكره الغزنوي .

والعمد جمع عمود ; قال النابغة :وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمدثم استوى على العرش تقدم الكلام فيه وسخر الشمس والقمر أي ذللهما لمنافع خلقه ومصالح عباده ; وكل مخلوق مذلل للخالق .كل يجري لأجل مسمى أي إلى وقت معلوم ; وهو فناء الدنيا ، وقيام الساعة التي عندها تكور الشمس ، ويخسف القمر ، وتنكدر النجوم ، وتنتثر الكواكب .

وقال ابن عباس : أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها .

وقيل : معنى الأجل المسمى أن القمر يقطع فلكه في شهر ، والشمس في سنة .يدبر الأمر أي يصرفه على ما يريد .يفصل الآيات أي يبينها أي من قدر على هذه الأشياء يقدر على الإعادة ; ولهذا قال : لعلكم بلقاء ربكم توقنون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير، والعظمة والسلطان الدال على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له فقال: { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ } على عظمها واتساعها بقدرته العظيمة، { بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي: ليس لها عمد من تحتها، فإنه لو كان لها عمد، لرأيتموها { ثُمَّ } بعد ما خلق السماوات والأرض { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } العظيم الذي هو أعلى المخلوقات، استواء يليق بجلاله ويناسب كماله.

{ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } لمصالح العباد ومصالح مواشيهم وثمارهم، { كُلِّ } من الشمس والقمر { يَجْرِي } بتدبير العزيز العليم، { لأَجَلٍ مُسَمًّى } بسير منتظم، لا يفتران ولا ينيان، حتى يجيء الأجل المسمى وهو طي الله هذا العالم، ونقلهم إلى الدار الآخرة التي هي دار القرار، فعند ذلك يطوي الله السماوات ويبدلها، ويغير الأرض ويبدلها.

فتكور الشمس والقمر، ويجمع بينهما فيلقيان في النار، ليرى من عبدهما أنهما غير أهل للعبادة؛ فيتحسر بذلك أشد الحسرة وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.

وقوله { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ } هذا جمع بين الخلق والأمر، أي: قد استوى الله العظيم على سرير الملك، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره.

وينزل الكتب الإلهية على رسله ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وإيضاحها وتمييزها، { لَعَلَّكُمْ } بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية والآيات القرآنية، { بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج من القبور.

وأيضا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، ولا يتركهم عبثا، فكما أنه أرسل رسله وأنزل كتبه لأمر العباد ونهيهم، فلا بد أن ينقلهم إلى دار يحل فيها جزاؤه، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء، ويجازي المسيئين بإساءتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ) يعني : السواري ، واحدها عمود ، مثل : أديم وأدم ، وعمد أيضا جمعه ، مثل : رسول ورسل .

ومعناه نفي العمد أصلا وهو الأصح ، يعني : ليس من دونها دعامة تدعمها ولا فوقها علاقة تمسكها .

قال إياس بن معاوية : السماء مقببة على الأرض مثل القبة وقيل : " ترونها " راجعة إلى العمد ، [ معناه ] لها عمد ولكن لا ترونها وزعم : أن عمدها جبل قاف ، وهو محيط بالدنيا ، والسماء عليه مثل القبة .

( ثم استوى على العرش ) علا [ عليه ] ( وسخر الشمس والقمر ) ذللهما لمنافع خلقه فهما مقهوران ( كل يجري ) أي : يجريان على ما يريد الله عز وجل ( لأجل مسمى ) أي : إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا .

[ وقال ابن عباس ] : أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يجاوزانها ( يدبر الأمر ) يقضيه وحده ( يفصل الآيات ) يبين الدلالات ( لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) لكي توقنوا بوعده وتصدقوه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها» أي العمد جمع عماد وهو الأسطوانة وهو صادق بأن لا عمد أصلا «ثم استوى على العرش» استواء يليق به «وسخر» ذلل «الشمس والقمر كلٌ» منهما «يجري» في فلكه «لأجل مسمى» يوم القيامة «يدبر الأمر» يقضي أمر ملكه «يفصِّل» يبين «الآيات» دلالات قدرته «لعلكم» يا أهل مكة «بلقاء ربكم» بالبعث «توقنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله تعالى هو الذي رفع السموات السبع بقدرته من غير عمد كما ترونها، ثم استوى -أي علا وارتفع- على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، وذلَّل الشمس والقمر لمنافع العباد، كلٌّ منهما يدور في فلكه إلى يوم القيامة.

يدبِّر سبحانه أمور الدنيا والآخرة، يوضح لكم الآيات الدالة على قدرته وأنه لا إله إلا هو؛ لتوقنوا بالله والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده وتُخْلصوا العبادة له وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أقام - سبحانه - الأدلة المتنوعة ، عن طريق المشاهدة - على كمال قدرته ، وعلى وجوب إخلاص العبادة له فقال - تعالى - ( الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) .والعمد : جمع عماد ، وهو ما تقام عليه القبة أو البيت .وجملة ( ترونها ) فى محل نصب حال من السموات .أى : الله - سبحانه - هو الذى رفع هذه السموات الهائلة فى صنعها وفى ضخامتها ، بغير مستند يسندها ، وبغير أعمدة تعتمد عليها ، وأنتم ترون ذلك بأعينكم بجلاء ووضوح .والمراد بقوله ( رفع ) أى خلقها مرتفعة منذ البداية ، وليس المراد أنه - سبحانه - رفعها بعد أن كانت منخفضة .ولا شك أن خلق السموات على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقاً قادراً حكيماً ، هو المستحق للعبادة والطاعة .وقوله - سبحانه - ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) معطوف على ما قبله ، وهو دليل آخر على قدرة الله - تعالى - عن طريق الغائب الهائل الذى تتقاصر دونه المدارك بعد أن أقام الأدلة على ذلك عن طريق الحاضر المشاهد .وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم - كما يقول الراغب - .وقد ذكر لفظ العرش فى إحدى وعشرين آية ، كما ذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات من القرآن الكريم .والمعنى : ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين .قال الإِمام مالك - رحمه الله - : " الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإِيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " .ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده فقال : ( وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ) .

والتسخير : التذليل والخضوع .أى : أن من مظاهر فضله أنه - سبحانه - سخر ذلك وأخضع لقدتره الشمس والقمر ، بأن جعلهما طائعين لما أراده منهما من السير فى منازل معينة ، ولأجل معين محدد لا يتجاوزانه ولا يتعديانه .

بل يقفان عند نهاية المدة التى حددها - سبحانه - لوقوفهما وأفولهما .قال - تعالى - ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) وتدبير الأمرك تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها وأكملها .والآيات : جمع آية .

والمراد بها هنا : ما يشمل الآيات القرآنية ، والبراهين الكونية الداغلة على وحدانيته وقدرته - سبحانه - .أى : أنه - سبحانه - يقضى ويقدر ويتصرف فى أمر خلقه على أكمل الوجوه وأنه - سبحانه - ينزل آياته القرآنية واضحة مفصلة ، ويسوق الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته بطرق متعددة ، وبوجوه متنوعة .وقد فعل - سبحانه - ما فعل - من رفعه السماء بلا عمد ، ومن تسخيره للشمس والقمر ، ومن تدبيره لأمور خلقه ، ومن تفصيله للآيات لعكلم عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق ، توقنون بلقائه ، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة ، لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم ، لكى يحاسبكم على أعمالكم .وقال - سبحانه - ( يدبر ) و ( يفصل ) بصيغة المضارع .

وقال قبل ذلك ( رَفَعَ السماوات ) و ( وَسَخَّرَ الشمس والقمر ) بصيغة الماضى .

لأن التدبير للأمور ، والتفصيل للآيات ، يتجددان بتجدد تعلق قدرته - سبحانه - بالمقدورات .وأما رفع السماوات ، وتسخير الشمس والقمر ، فهى أمور قد تمت واستقرت دفعة واحدة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وهو هذه الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الله مبتدأ والذي رفع السموات خبره بدليل قوله: ﴿ وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض  ﴾ ويجوز أن يكون الذي رفع السموات صفة وقوله: ﴿ يُدَبّرُ الامر يُفَصّلُ الآيات ﴾ خبراً بعد خبر، وقال الواحدي: العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد وعمد مثل إهاب وأهب، وقال الفراء: العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم، وقضيم وقضم وقضم، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء، ومنه يقال: فلان عمد قومه إذا كانوا يعتمدونه فيما بينهم.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السموات وبأحوال الشمس والقمر وبأحوال الأرض وبأحوال النبات، أما الاستدلال بأحوال السموات بغير عمد ترونها فالمعنى: أن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذواتها لوجهين: الأول: أن الأجسام متساوية في تمام الماهية، ولو وجب حصول جسم في حيز معين، لوجب حصول كل جسم في ذلك الحين.

والثاني: أن الخلاء لا نهاية له والأحياز المعترضة في ذلك الخلاء الصرف غير متناهية وهي بأسرها متساوية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصوله في جميع الأحياز ضرورة أن الأحياز بأسرها متشابهة فثبت أن حصول الأجرام الفلكية في أحيازها وجهاتها ليس أمراً واجباً لذاته بل لابد من مخصص ومرجح، ولا يجوز أن يقال إنها بقيت بسلسلة فوقها ولا عمد تحتها، وإلا لعاد الكلام في ذلك الحافظ ولزم المرور إلى ما لا نهاية له وهو محال فثبت أن يقال الأجرام الفلكية في أحيازها العالية لأجل أن مدبر العالم تعالى وتقدس أوقفها هناك.

فهذا برهان قاهر على وجود الإله القاهر القادر.

ويدل أيضاً على أن الإله ليس بجسم ولا مختص بحيز، لأنه لو كان حاصلاً في حيز معين لامتنع أن يكون حصوله في ذلك الحيز لذاته ولعينه لما بينا أن الأحياز بأسرها متساوية فيمتنع أن يكون حصوله في حيز معين لذاته فلابد وأن يكون بتخصيص مخصص وكل ما حصل بالفاعل المختار فهو محدث فاختصاصه بالحيز المعين محدث وذاته لا تنفك عن ذلك الاختصاص وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، فثبت أنه لو كان حاصلاً في الحيز المعين لكان حادثاً وذلك محال، فثبت أنه تعالى متعال عن الحيز والجهة، وأيضاً كل ما سماك فهو سماء، فلو كان تعالى موجوداً في جهة فوق جهة لكان من جملة السموات فدخل تحت قوله: ﴿ الله الذي رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ فكل ما كان مختصاً بجهة فوق جهة فهو محتاج إلى حفظ الإله بحكم هذه الآية فوجب أن يكون الإله منزهاً عن جهة فوق.

أما قوله: ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ ففيه أقوال: الأول: أنه كلام مستأنف والمعنى: رفع السموات بغير عمد.

ثم قال: ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ أي وأنتم ترونها أي مرفوعة بلا عماد.

الثاني: قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره: رفع السموات ترونها بغير عمد.

واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم والتأخير غير جائز.

والثالث: أن قوله: ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ صفة للعمد، والمعنى: بغير عمد مرئية، أي للسموات عمد.

ولكنا لا نراها قالوا: ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لا ترونها.

وهذا التأويل في غاية السقوط، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة لأنه يقال إن السموات لما كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الإله، وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون كيفية ذلك الإمساك.

وأما قوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ فاعلم أنه ليس المراد منه كونه مستقراً على العرش، لأن المقصود من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود الصانع ويجب أن يكون ذلك الشيء مشاهداً معلوماً وأن أحداً ما رأى أنه تعالى استقر على العرش فكيف يمكن الاستدلال به عليه وأيضاً بتقدير أن يشاهد كونه مستقراً على العرش إلا أن ذلك لا يشعر بكمال حاله وغاية جلاله، بل يدل على احتياجه إلى المكان والحيز.

وأيضاً فهذا يدل على أنه ما كان بهذه الحالة ثم صار بهذه الحالة، وذلك يوجب التغير وأيضاً الاستواء ضد الاعوجاج فظاهر الآية يدل على أنه كان معوجاً مضطرباً ثم صار مستوياً وكل ذلك على الله محال، فثبت أن المراد استواؤه على عالم الأجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وفي تدبيره وفي الاحتياج إليه.

وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر: فهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة: النوع الأول: قوله: ﴿ وَسَخَّرَ الشمس والقمر ﴾ وحاصله يرجع إلى الاستدلال على وجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام، وذلك لأن الأجسام متماثلة فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لابد له من مخصص.

وأيضاً أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلابد أيضاً من مخصص لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز وتسكن في البعض فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين والسكون في الحيز الآخر لابد فيه أيضاً من مرجح.

الوجه الثالث: وهو أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلابد من مقدر.

والوجه الرابع: أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب وهذا أيضاً لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة.

النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ وفيه قولان: الأول: قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلاً كل يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد منها في ستة أشهر أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلاً، فالمراد بقوله: ﴿ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ هذا.

وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيراً خاصاً إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك.

والقول الثاني: أن المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة، وعند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك السيرات كما وصف الله تعالى ذلك في قوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ  ﴾ ﴿ إِذَا السماء انشقت  ﴾ و ﴿ إِذَا السماء انفطرت  ﴾ ﴿ وجَمَعَ الشمس والقمر  ﴾ وهو كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ  ﴾ ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال: ﴿ يُدَبّرُ الأمر ﴾ وكل واحد من المفسرين حمل هذا على تدبير نوع آخر من أحوال العالم والأولى حمله على الكل فهو يدبرهم بالإيجاد والإعدام وبالإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل وتكليف العباد، وفيه دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك لأن هذا العالم المعلوم من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله تعالى، والدليل المذكور دل على أن اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته، ليس إلا من الله تعالى ومن المعلوم أن كل من اشتغل بتدبير شيء فإنه لا يمكنه شيء آخر إلا الباري سبحانه وتعالى فإنه لا يشغله شأن عن شأن أما العاقل فإنه إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم الأجسام وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير فلا يشغله شأن عن شأن ولا يمنعه تدبير عن تدبير وذلك يدل على أنه تعالى في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته غير مشابه للمحدثات والممكنات.

ثم قال: ﴿ يُفَصّلُ الآيات ﴾ وفيه قولان: الأول: أنه تعالى بين الآيات الدالة على إلهيته وعلمه وحكمته.

والثاني: أن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان: أحدهما: الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك والشمس والقمر والكواكب، وهذا النوع من الدلائل هو الذي تقدم ذكره.

والثاني: الموجودات الحادثة المتغيرة، وهي الموت بعد الحياة، والفقر بعد الغنى، والهرم بعد الصحة، وكون الأحمق في أهنأ العيش، والعاقل الذكي في أشد الأحوال، فهذا النوع من الموجودات والأحوال دلالتها على وجود الصانع الحكيم ظاهرة باهرة.

وقوله: ﴿ يُفَصّلُ الآيات ﴾ إشارة إلى أنه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل التمييز والتفصيل.

ثم قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ واعلم أن الدلائل المذكورة كما تدل على وجود الصانع الحكيم فهي أيضاً تدل على صحة القول بالحشر والنشر لأن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها فلأن يقدر على الحشر والنشر كان أولى يروى أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة واحدة فقال كما يرزقهم الآن دفعة واحدة وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة.

وحاصل الكلام أنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي وإن كان الخلق عاجزين عنه، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن، ومن الأصحاب من تمسك بلفظ اللقاء على رؤية الله تعالى، وقد مر تقريره في هذا الكتاب مراراً وأطواراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذى ﴾ خبره، بدليل قوله: ﴿ وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض ﴾ ويجوز أن يكون صفة.

وقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر يُفَصّلُ الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

وينصره ما تقدّمه من ذكر الآيات ﴿ رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ كلام مستأنف استشهاد برؤيتهم لها كذلك.

وقيل: هي صفة لعمد.

ويعضده قراءة أبي ﴿ ترونه ﴾ .

وقرئ: ﴿ عُمُد ﴾ ، بضمتين ﴿ يُدَبِّرُ الأمر ﴾ يدبر أمر ملكوته وربوبيته ﴿ يُفَصّلُ ﴾ آياته في كتبه المنزلة ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لابد لكم من الرجوع إليه.

وقرأ الحسن: ﴿ ندبر ﴾ ، بالنون ﴿ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت.

وقيل: أراد بالزوجين: الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً.

وقرئ: ﴿ يغشّى ﴾ بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً والخَبَرُ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ .

﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ أساطِينَ جَمْعُ عِمادٍ كَإهابٍ وأهَبٍ، أوْ عَمُودٍ كَأدِيمٍ وأُدُمٍ وقُرِئَ « عُمُدٍ» كَرُسُلٍ.

﴿ تَرَوْنَها ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿ عَمَدٍ ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِرُؤْيَتِهِمُ السَّمَواتِ كَذَلِكَ، وهو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ فَإنَّ ارْتِفاعَها عَلى سائِرِ الأجْسامِ السَّماوِيَّةِ لَها في حَقِيقَةِ الجِرْمِيَّةِ، واخْتِصاصِها بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصَّصٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ يُرَجِّحُ بَعْضَ المُمَكِّناتِ عَلى بَعْضٍ بِإرادَتِهِ وعَلى هَذا المِنهاجِ سائِرُ ما ذَكَرَ مِنَ الآياتِ.

﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ بِالحِفْظِ والتَّدْبِيرِ.

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ ذَلَّلَهُما لِما أرادَ مِنهُما كالحَرَكَةِ المُسْتَمِرَّةِ عَلى حَدٍّ مِنَ السُّرْعَةِ يَنْفَعُ في حُدُوثِ الكائِناتِ وبَقائِها.

﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَتِمُّ فِيها أدْوارُهُ، أوْ لِغايَةٍ مَضْرُوبَةٍ يَنْقَطِعُ دُونَها سَيْرُهُ وهي ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ .

﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أمْرَ مَلَكُوتِهِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والإحْياءِ والإماتَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ يُنَزِّلُها ويُبَيِّنُها مُفَصَّلَةً أوْ يُحْدِثُ الدَّلائِلَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ.

﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ لِكَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها وتَتَحَقَّقُوا كَمالَ قُدْرَتِهِ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ وتَدْبِيرِها قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم ذكر ما يوجب الإيمان فقال {الله الذي رَفَعَ السماوات} أي خلقها مرفوعة لا أن تكون موضوعة فرفعها والله مبتدأ والخبر الذي رفع السموات {بِغَيْرِ عَمَدٍ} حال وهو جمع عماد أو عمود {ترونها} الضمير يعود الى السموات أي ترونها كذلك فلا حاجة إلى البيان أو إلى عمد فيكون في موضع جر على أنه صفة لعمد أي بغير عمد مرئية {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} استولى بالاقتدار ونفوذ السلطان {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} لمنافع عباده ومصالح بلاده {كُلٌّ يَجْرِي لأَِجَلٍ مُّسَمًّى} وهو انقضاء الدنيا {يُدَبِّرُ الأمر} أمر ملكوته وربوبيته {يُفَصّلُ الآيات} يبين آياته في كتبه المنزلة {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع اليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ مُرْتَفَعاتٍ عَلى طَرِيقَةِ سُبْحانَ مَن كَبَّرَ الفِيلَ وصَغَّرَ البَعُوضَ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ رَفَعَها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ أيْ دَعائِمَ وهو اسْمُ جَمْعٍ عِنْدَ الأكْثَرِ والمُفْرَدُ عِمادٌ كِإهابٍ وأُهُبٍ يُقالُ: عَمَدْتُ الحائِطَ أعْمُدُهُ عَمْدًا إذا دَعَّمْتُهُ فاعْتَمَدَ واسْتَنَدَ وقِيلَ: المُفْرَدُ عَمُودٌ وقَدْ جاءَ أدِيمٌ وأُدُمٌ وقَصِيمٌ وقُصُمٌ وفَعِيلٌ وفَعُولٌ يَشْتَرِكانِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ( عُمُدٍ ) بِضَمَّتَيْنِ وهو جَمْعُ عِمادٍ كَشِهابٍ وشُهُبٍ أوْ عَمُودٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ ويُجْمَعانِ في القِلَّةِ عَلى أعْمِدَةٍ والجَمْعُ لِجَمْعِ السَّماواتِ لا لِأنَّ المَنفِيَّ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها العُمُدُ لا العِمادُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ رَفْعُها خالِيَةً عَنْ عَمَدٍ ﴿ تَرَوْنَها ﴾ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مَنِ الإعْرابِ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى كَوْنِ السَّماواتِ مَرْفُوعَةً كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ: رُؤْيَتُكم لَها بِغَيْرِ عَمَدٍ فَهو كَقَوْلِكَ: أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنافُ نَحْوِيًّا بِدُونِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ وجَوابُ والأوَّلِ أوْلى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّماواتِ أيْ رَفَعَها مَرْئِيَّةً لَكم بِغَيْرِ عَمَدٍ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ رَفْعِها لَمْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلسَّماواتِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْعَمَدِ فالضَّمِيرُ لَها واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ ( تَرَوْنَهُ ) لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ عَلَيْها لِلْعَمَدِ وتَذْكِيرُهُ حِينَئِذٍ لائِحُ الوَجْهِ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ فَلُوحِظَ أصْلُهُ في الإفْرادِ ورُجُوعُهُ إلى الرَّفْعِ خِلافُ الظّاهِرِ وعَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ يُحْتَمَلُ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ عَلى مِنوالِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَتَجَحَّرُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لَها عَمَدٌ كانَتْ مَرْئِيَّةً وهَذا في المَعْنى كالِاسْتِئْنافِ ويُحْتَمَلُ تَوَجُّهُهُ إلى الصِّفَةِ فَيُفِيدُ أنَّ لَها عَمَدًا لَكِنَّها غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ والمُرادُ بِها قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي يُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ فَيَكُونُ العَمَدُ عَلى هَذا اسْتِعارَةً وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: السَّماءُ عَلى أرْبَعَةِ أمْلاكٍ كُلُّ زاوِيَةٍ مُوَكَّلٌ بِها مَلَكٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ جَبَلُ قافٍ فَإنَّهُ مُحِيطٌ بِالأرْضِ والسَّماءُ عَلَيْهِ كالقُبَّةِ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ في غايَةِ السُّقُوطِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ في وجْهِ ذَلِكَ وأنا لا أرى ما قَبْلَهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالحَقُّ أنَّ العَمَدَ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى وهَذا دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ تَعالى شَأْنُهُ وذَلِكَ لِأنَّ ارْتِفاعَ السَّماواتِ عَلى سائِرِ الأجْسامِ المُساوِيَةِ لَها في الجِرْمِيَّةِ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ واخْتِصاصَها بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِمُخَصَّصٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ يُرَجِّحُ بَعْضَ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ بِإرادَتِهِ.

ورُجِّحَ في الكَشْفِ اسْتِئْنافُ الجُمْلَةِ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِرَفْعِ هَذِهِ الأجْرامِ دُونَ عَمَدٍ كافٍ والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا تَأْكِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ﴿ تَرَوْنَها ﴾ إذا كانَ راجِعًا إلى السَّماواتِ المَرْفُوعَةِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المَرْئِيَّ هو السَّماءُ وقَدْ صَرَّحَ الفَلاسِفَةُ بِأنَّ المَرْئِيَّ هو كُرَةُ البُخارِ وثَخَنُها كَما قالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ أحَدٌ وخَمْسُونَ مِيلًا وتِسْعٌ وخَمْسُونَ دَقِيقَةً والمَجْمُوعُ سَبْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وثُلُثُ فَرْسَخٍ تَقْرِيبًا وذَكَرُوا أنَّ سَبَبَ رُؤْيَتِها زَرْقاءَ أنَّها مُسْتَضِيئَةٌ دائِمًا بِأشِعَّةِ الكَواكِبِ وما وراءَها لِعَدَمِ قَبُولِهِ الضَّوْءَ كالمُظْلِمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها فَإذا نَفَذَ نُورُ البَصَرِ مِنَ الأجْزاءِ المُسْتَنِيرَةِ بِالأشِعَّةِ إلى الأجْزاءِ الَّتِي هي كالمُظْلِمِ رَأى النّاظِرُ ما فَوْقَهُ مِنَ المُظْلِمِ بِما يُمازِجُهُ مِنَ الضِّياءِ الأرْضِيِّ والضِّياءِ الكَوْكَبِيِّ لَوْنًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الظَّلامِ والضِّياءِ وهو اللَّوْنُ اللّازَوَرْدِيُّ وذَلِكَ كَما إذا نَظَرْنا مِن جِسْمٍ أحْمَرَ مُشِفٍّ إلى جِسْمٍ أخْضَرَ فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَنا لَوْنٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الحُمْرَةِ والخُضْرَةِ وأجْمَعُوا أنَّ السَّماواتِ الَّتِي هي الأفْلاكُ لا تُرى لِأنَّها شَفّافَةٌ لا لَوْنَ لَها لِأنَّها لا تَحْجُبُ الأبْصارَ عَنْ رُؤْيَةِ ما وراءَها مِنَ الكَواكِبِ وكُلُّ مُلَوَّنٍ فَإنَّهُ يُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ مُلَوَّنٍ حاجِبٌ فَإنَّ الماءَ والزُّجاجَ مُلَوَّنانِ لِأنَّهُما مَرْئِيّانِ ومَعَ ذَلِكَ لا يَحْجُبانِ فَإنَّ قِيلَ: فِيهِما حَجْبٌ عَنِ الإبْصارِ الكامِلِ قُلْنا: وكَيْفَ عَرَفْتُمْ أنَّكم أدْرَكْتُمْ هَذِهِ الكَواكِبَ إدْراكًا تامًّا.

انْتَهى.

عَلى أنَّ ما ذَكَرُوُهَ لا يَتَمَشّى في المُحَدَّدِ إذْ لَيْسَ وراءَهُ شَيْءٌ حَتّى يُرى ولا في الفَلَكِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِفَلَكِ الثَّوابِتِ أيْضًا إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ كَوْكَبٌ مَرْئِيٌّ ولَيْسَ لَهم أنْ يَقُولُوا لَوْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُلَوَّنًا لَوَجَبَ رُؤْيَتُهُ لِأنّا نَقُولُ جازَ أنْ يَكُونَ لَوْنُهُ ضَعِيفًا كَلَوْنِ الزُّجاجِ فَلا يُرى مِن بَعِيدٍ ولَئِنْ سَلَّمْنا وُجُوبَ رُؤْيَةِ لَوْنِهِ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الزُّرْقَةُ الصّافِيَةُ المَرْئِيَّةُ لَوْنَهُ وما ذُكِرَ أوَّلًا فِيها دُونَ إثْباتِهِ كُرَةُ النّارِ وما يُقالُ: إنَّها أمْرٌ يَحْسُنُ في الشَّفّافِ إذا بَعْدَ عُمْقِهِ كَما في ماءِ البَحْرِ فَإنَّهُ يُرى أزْرَقَ مُتَفاوِتَ الزُّرْقَةِ بِتَفاوُتِ قَعْرِهِ قَرْبًا وبَعْدُ فالزُّرْقَةُ المَذْكُورَةُ لَوْنٌ يُتَخَيَّلُ في الجَوِّ الَّذِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لِأنَّهُ شَفّافٌ بُعْدُ عُمْقِهِ لا يُجْدِي نَفْعًا لِأنَّ الزُّرْقَةَ كَما تَكُونُ لَوْنًا مُتَخَيَّلًا قَدْ تَكُونُ أيْضًا لَوْنًا حَقِيقِيًّا قائِمًا بِالأجْسادِ وما الدَّلِيلُ عَلى أنَّها لا تَحْدُثُ إلّا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ التَّخَيُّلِيِّ فَجازَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزُّرْقَةُ المَرْئِيَّةُ لَوْنًا حَقِيقِيًّا لِأحَدِ الفَلَكَيْنِ كَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ مِن كَوْنِ المَرْئِيِّ هو السَّماءُ الدُّنْيا المُسَمّاةُ بِفَلَكِ القَمَرِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بَلْ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ ولا نُسَلِّمُ أنَّ ما يَذْكُرُونَهُ مِن طَبَقاتِ الهَواءِ مانِعًا وهَذِهِ الزُّرْقَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لَوْنًا حَقِيقِيًّا لِتِلْكَ السَّماءِ صَبَغَها اللَّهُ تَعالى بِهِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وعَلَيْهِ الأثَرِيُّونَ كَما قالَ القَسْطَلانِيُّ ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما أظَلَّتِ الخَضْراءُ ولا أقَلَّتِ الغَبْراءُ وفي رِوايَةِ الأرْضِ مِن ذِي لَهْجَةِ أصْدَقِ مِن أبِي ذَرٍّ» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَوْنًا تَخَيُّلِيًّا في طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِ الهَواءِ الشَّفّافِ الَّذِي مَلَأ اللَّهُ بِهِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ويَكُونُ لَها في نَفْسِها لَوْنٌ حَقِيقِيٌّ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكَيْفِيَّتِهِ ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ أبْيَضَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ بَعْضُ الأخْبارِ لَكِنّا نَحْنُ نَراها مِن وراءِ ذَلِكَ الهَواءِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كَما نَرى الشَّيْءَ الأبْيَضَ مِن وراءِ جامٍ أخْضَرَ أخْضَرَ ومِن وراءِ جامٍ أزْرَقَ أزْرَقَ وهَكَذا وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ انْعِكاسِ لَوْنِ جَبَلِ قافٍ عَلَيْها.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَبَلَ قافٍ لا وُجُودَ لَهُ وبُرْهِنَ عَلَيْهِ بِما يَرُدُّهُ كَما قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن طُرُقٍ أخْرَجَها الحُفّاظُ وجَماعَةٌ مِنهم مِمَّنِ التَزَمُوا تَخْرِيجَ الصَّحِيحِ وقَوْلُ الصَّحابِيِّ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِمّا لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ  مِنها أنَّ وراءَ أرْضِنا بَحْرًا مُحِيطًا ثُمَّ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ ثُمَّ أرْضًا ثُمَّ بَحْرًا ثُمَّ جَبَلًا وهَكَذا حَتّى عَدَّ سَبْعًا مِن كَلٍّ وخَرَّجَ بَعْضُ أُولَئِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أنَّهُ جَبَلٌ مِن زُمُرُّدٍ مُحِيطٌ بِالدُّنْيا عَلَيْهِ كَنَفا السَّماءِ وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ ونَقَلَ صاحِبُ حَلِّ الرُّمُوزِ أنَّ لَهُ سَبْعَ شُعَبٍ وأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ مِنها شُعْبَةً وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ ذَلِكَ ما فِيهِ بَلْ أنا أجْزِمُ بِأنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ مَحْمُولَةً إلّا عَلى كاهِلِ القُدْرَةِ والظّاهِرُ أنَّها مُحِيطَةٌ بِالأرْضِ مِن سائِرِ جِهاتِها كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وفي الزُّرْقَةِ الِاحْتِمالانِ بَقِيَ الكَلامُ في رُؤْيَةِ باقِي السَّماواتِ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِيهِ وأظُنُّكَ لا تَرى ذَلِكَ وظاهِرُ بَعْضِ الآياتِ يُساعِدُكَ فَتَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ الباقِيَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا حَقِيقَةً لَكِنَّهُ في حُكْمِ المَرْئِيِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لِهَذا عِمادٌ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ لِما وراءَهُ عِمادٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ويُؤَوَّلُ هَذا إلى كَوْنِ المُرادِ تَرَوْنَها حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا بِغَيْرِ عَمَدٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَرَوْنَ رَفْعَها أيِ السَّماواتِ جَمِيعًا بِغَيْرِ ذَلِكَ وفي الكَشْفِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ وإذا جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلْعَمَدِ فالأمْرُ ظاهِرٌ فَتَدَبَّرْ ومِنَ البَعِيدِ الَّذِي لا نَراهُ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ﴿ تَرَوْنَها ﴾ خَبَرٌ في اللَّفْظِ ومَعْناهُ الأمْرُ رَوْها وانْظُرُوا هَلْ لَها مَن عَمَدٍ ﴿ ثُمَّ اسْتَوى ﴾ سُبْحانَهُ اسْتِواءً يَلِيقُ بِذاتِهِ ﴿ عَلى العَرْشِ ﴾ وهو المُحَدَّدُ بِلِسانِ الفَلاسِفَةِ وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ مِن عِظَمِهِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الخَلَفِ الكَلامَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلْحِفْظِ والتَّدْبِيرِ وبَعْضُهم فَسَّرَ اسْتَوى بِاسْتَوْلى ومَذْهَبُ السَّلَفِ في ذَلِكَ شَهِيرٌ ومَعَ هَذا قَدَّمْنا الكَلامَ فِيهِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ القَصْدَ إلى إيجادِ العَرْشِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ لِأنَّ إيجادَهُ قَبْلَ إيجادِ السَّماواتِ ولا حاجَةَ إلى إرادَةِ ذَلِكَ مَعَ القَوْلِ بِسَبْقِ الإيجادِ وحَمْلُ ﴿ ثُمَّ ﴾ عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ نَعَمْ قالَ بَعْضُهم: إنَّها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ بِمَعْنى القَصْدِ المَذْكُورِ وهو مُتَقَدِّمٌ بَلْ لِأنَّهُ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ لائِقَةٌ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى رَفْعِ السَّماواتِ أيْضًا وبَيْنَهُما تَراخٍ في الرُّتْبَةِ ﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما طائِعَيْنِ لِما أُرِيدَ مِنهُما ﴿ كُلٌّ ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿ يَجْرِي ﴾ يَسِيرُ في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ ﴿ لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أيْ وقْتٍ مُعَيَّنٍ فَإنَّ الشَّمْسَ تَقْطَعُ الفَلَكَ في سَنَةٍ والقَمَرَ في شَهْرٍ لا يَخْتَلِفُ جَرْيُ كُلٍّ مِنهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ .

﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ﴾ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: أيْ كُلٌّ يَجْرِي لِغايَةٍ مَضْرُوبَةٍ دُونَها سَيْرُهُ وهي ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ ﴿ وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ وهَذا مُرادُ مُجاهِدٍ مِن تَفْسِيرِ الأجَلِ المُسَمّى بِالدُّنْيا قِيلَ: والتَّفْسِيرُ الحَقُّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ وأمّا الثّانِي فَلا يُناسِبُ الفَصْلَ بِهِ بَيْنَ التَّسْخِيرِ والتَّدْبِيرِ ثُمَّ إنَّ غايَتَهُما مُتَّحِدَةٌ والتَّعْبِيرُ بِكُلٍّ يَجْرِي صَرِيحٌ في التَّعَدُّدِ وما لِلْغايَةِ ( إلى ) دُونَ اللّامِ ورُدَّ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ صَرِيحٌ في تَعَدُّدِ ذِي الغايَةِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يُجْدِيهِ نَفْعًا وإنْ أرادَ صَراحَتَهُ في تَعَدُّدِ الغايَةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ واللّامُ تَجِيءُ بِمَعْنى إلى كَما في المَعْنى وغَيْرِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن صِحَّةِ التَّفْسِيرِ الثّانِي فافْهَمْ وما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُرادِ مِن كُلٍّ هو الظّاهِرُ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذِكْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ قَدْ تَضَمَّنَ ذِكْرَ الكَواكِبِ فالمُرادُ مِن كُلٍّ مِنهُما ومِمّا هو في مَعْناهُما مِنَ الكَواكِبِ والحَقُّ ما عَلِمْتَ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أيْ أمْرَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي ويُقَدِّرُ ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وإلّا فالتَّدْبِيرُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ لِاقْتِضائِهِ التَّفَكُّرَ في دُبُرٍ الأُمُورِ مِمّا لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى: ﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ يُنَزِّلُها ويُبَيِّنُها مُفَصَّلَةً والمُرادُ بِها آياتُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ القُرْآنُ عَلى ما هو المُناسِبُ لِما قَبْلُ أوِ المُرادُ بِها الدَّلائِلُ المُشارُ إلَيْها فِيما تَقَدَّمَ وبِتَفْصِيلِها تَبْيِينُها وقِيلَ إحْداثُها عَلى ما هو المُناسِبُ لِما بَعْدُ.

والجُمْلَتانِ جُوِّزَ أنْ يَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ وأنْ يَكُونا حالَيْنِ مِن ضَمِيرِ ( اسْتَوى ) و( سَخَّرَ ) مِن تَتِمَتِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الِاسْتِواءِ وتَبْيِينِهِ أوْ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ حالًا مِن فاعِلِ ( سَخَّرَ ) و ﴿ يُفَصِّلُ ﴾ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ و( اللَّهُ الَّذِي ) ..

إلَخْ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأً والمَوْصُولُ صِفَتَهُ وجُمْلَةُ ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ خَبَرَهُ وجُمْلَةُ ﴿ يُفَصِّلُ ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ورُجِّحَ كَوْنُ ذَلِكَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في الكَشْفِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ بَيْنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ وفي المُقابِلِ تَتَعَيَّنُ الخَبَرِيَّةُ فَكَذَلِكَ في المُقابَلِ لِيَتَوافَقا ولِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِالحُكْمِ لا أنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ وتَعْظِيمِهِ كَما في الوَجْهِ الآخَرِ ثُمَّ قالَ: وهو عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الرَّبِّ إلى الِاسْمِ المُظْهَرِ الجامِعِ لِتَرْشِيحِ التَّقْرِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يَكُونُ مُنَزِّلٌ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ الحَقُّ الَّذِي لا أحَقَّ مِنهُ وفي الإتْيانِ بِالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرِفَتَيْنِ ما يُفِيدُ تَحْقِيقَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ أفْعالُهُ دُونَ مُشارَكَةٍ لا سِيَّما وقَدْ جُعِلَتْ صِلاتٍ لِلْمَوْصُولِ وهَذا أشَدُّ مُناسَبَةً لِلْمَقامِ مِن جَعْلِهِ وصْفًا مُفِيدًا تَحْقِيقَ كَوْنِهِ تَعالى مُدَبِّرًا مُفَصَّلًا مَعَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِما كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي: أربعون وخمس آيات كلها مكية، غير آيتين: قوله تعالى وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.

ويقال: كلها مكية قوله تعالى: المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى، ويقال: معناه أنا الله أعلم وأرى ما تحت العرش إلى الثرى، وما بينهما.

ويقال: أنا الله أعلم وأرى ما لا يعلم الخلق، وما لا يرى.

ويقال: أنا الله أعلم، وأرى ما يعملون ويقولون.

ويقال: هذا قسم أقسم الله به تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ قال قتادة: يعني: التي قبل القرآن، من التوراة والإنجيل وَالَّذِي يعني: القرآن أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: الكتب التي قبل القرآن، والقرآن الذي أُنزل إليك، كله من الله تعالى وهو الحق، والإيمان به واجب.

وقال ابن عباس: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: تلك «آيات القرآن» .

ومعناه: هذه آيات الكتاب.

وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: القرآن.

ويقال: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: الأحكام والحجج والدلائل وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: جبريل، ليقرأ عليك من ربك الحق.

يعني: اتبعوه واعملوا به.

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني: أهل مكة لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون أنه من الله تعالى.

فلما ذكر أنهم لا يؤمنون، بيّن في الدلائل التي توجب التصديق بالخالق، فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يعني: ليس لها عمد ترونها، يعني: بلا عمد تبصرونها، وهذا قول الحسن وقتادة: وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: معناه، «لها عمد، ولكن لا ترونها.

يعني: أنتم ترونها بغير عمد في المشاهدة، ولكن لها عمد» .

وكلا التفسيرين معناهما واحد، لأن من قال: إن لها عمداً ولكن لا ترونها، يقول: العمد هو قدرة الله تعالى التي تمسك السموات والأرض.

ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال ابن عباس: «كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض» ، وقد ذكرناه من قبل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، ذلك لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يقول: يسير إلى وقت معلوم لا يجاوزه، وللشمس والقمر منازل، كل واحد منهما يغرب في كل ليلة في منزل ويطلع في منزل، حتى ينتهي إلى أقصى منازله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يعني: يقضي القضاء، ويبعث الملائكة بالوحي والتنزيل يُفَصِّلُ الْآياتِ يقول: يبيّن العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ يعني: تصدقون بالبعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الرعد]

قيل: مكّيّة إلّا بعض آيات، وقيل: مدنية، والظاهر أنّ المدنيّ فيها كثير.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ: قال ابن عباس: هذه الحروفُ هي مِنْ قوله: «أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأرى» «١» .

وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ...

الاية: قال جمهور النَّاس: لاَ عَمَدَ للسموات ألبتَّة، وهذا هو الحَق و «العمدُ» : اسم جَمْعٍ.

قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: «ثم» هنا: لعطفِ الجُمَلِ، لا للترتيبِ لأن الاستواء على العَرْش قبل رَفْعِ السموات، ففي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ» «٢» وقد تقدَّم القول في هذا، وفي معنى الاستواء.

ت: والمعتَقَدُ في هذا: أنه سبحانَهُ مستو على العرشِ على الوَجْهِ الذي قاله، وبالمعنَى الذي أراده استواء منزَّهاً عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّن والحلولِ والانتقال، لا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الرَّعْدِ * فَصْلٌ في نُزُولِها اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ.

.

﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ [الرَّعْدُ:٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ جابِرُ ابْنُ زَيْدٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِمَكَّةَ، وهُما قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ.

.

﴾ إلى آخِرِها [الرَّعْدِ:٣١] .

وقالَ بَعْضُهم: المَدَنِيُّ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: " آلمر " قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) جُمْلَةً مِنَ الكَلامِ في مَعانِي هَذِهِ الحُرُوفِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنْهُ.

والثّانِي: أنا اللَّهُ أرى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ.

والثّالِثُ: أنا اللَّهُ المَلِكُ الرَّحْمَنُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ في " تِلْكَ " قَوْلانِ، وفي " الكِتابِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في أوَّلِ (يُونُسَ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ وغَيْرَهُ مِنَ الوَحْيِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَرَّفَ الدَّلِيلَ الَّذِي يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِالخالِقِ فَقالَ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمَدُ: مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ بِالفَتْحَةِ، وبَعْضُهم يُحَرِّكُها بِالضَّمَّةِ، لِأنَّها جَمْعُ عَمُودٍ، وهو القِياسُ، لِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ هِجاؤُها أرْبَعَةُ أحْرُفٍ الثّالِثُ مِنها ألِفٌ أوْ ياءٌ أوْ واوٌ، فَجَمِيعُهُ مَضْمُومُ الحُرُوفِ، نَحْوُ رَسُولٍ، والجَمْعُ: رُسُلٌ، وحِمارٌ، والجَمْعُ: حُمُرٌ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ جاءَتْ أسامٍ اسْتَعْمَلُوا جَمِيعَها بِالحَرَكَةِ والفَتْحَةِ، نَحْوُ عَمُودٍ، وأدِيمٍ، وإهابٍ، قالُوا: أدَمٌ، وَأهَبٌ.

ومَعْنى " عَمَدٍ ": سَوارٍ، ودَعائِمُ، وما يَعْمِدُ البِناءَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: " بِغَيْرِ عُمُدٍ " بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ تَرَوْنَها ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هاءَ الكِنايَةِ تَرْجِعُ إلى السَّمَواتِ، فالمَعْنى: تَرَوْنَها بِغَيْرِ عَمَدٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَرَوْنَها " خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى: رَفَعَ السَّمَواتِ بِلا دِعامَةٍ تُمْسِكُها، ثُمَّ قالَ: " تَرَوْنَها " أيْ: ما تُشاهِدُونَ مِن هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، يُغْنِيكم عَنْ إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَمَدِ، فالمَعْنى: إنَّها بِعَمْدٍ لا تَرَوْنَها، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ: لَها عَمَدٌ عَلى قافٍ، ولَكِنَّكم لا تَرَوْنَ العَمَدَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما لِما يُرادُ مِنهُما ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أيْ: إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، وهو فَناءُ الدُّنْيا.

﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أيْ: يُصَرِّفُهُ بِحِكْمَتِهِ.

﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ لِكَيْ تُوقِنُوا بِذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ: " نُدَبِّرُ الأمْرَ نُفَصِّلُ الآياتِ " بِالنُّونِ فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا  ﴾ الآيَةَ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ  ﴾ ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ المَدَنِيَّ فِيها كَثِيرٌ، وكُلُّ ما نَزَلَ في شَأْنِ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، وذَكَرَهُ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في فَواتِحِ السُوَرِ وذِكْرِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَخُصُّ هَذا المَوْضِعَ مِن ذَلِكَ هو ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هي مِن قَوْلِهِ: أنا اللهُ أعْلَمُ وأرى"، ومَن قالَ: "إنَّ حُرُوفَ أوائِلَ السُوَرِ هي مِثالٌ لِحُرُوفِ المُعْجَمِ" قالَ: الإشارَةُ هُنا بِـ "تِلْكَ" هي إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "الكِتابِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ.

و"المر"-عَلى هَذا- ابْتِداءٌ، وَ"تِلْكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"آياتُ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ.

وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في "المر" تَكُونُ "تِلْكَ" ابْتِداءً، و"آياتُ" بَدَلٌ مِنهُ، ويَصِحُّ في "الكِتابِ" التَأْوِيلانِ اللَذانِ تَقَدَّما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ .

"الَّذِي" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"الحَقُّ" خَبَرُهُ، وعَلى هَذا تَأْوِيلُ مَن يَرى ﴿ المر تِلْكَ ﴾ حُرُوفَ المُعْجَمِ، و"تِلْكَ" و"آياتُ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ يَكُونُ "الَّذِي" عَطْفًا عَلى "تِلْكَ"، و"الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ"، وإذا أُرِيدَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ فالمُرادُ بِـ " الَّذِي أُنْزِلَ " جَمِيعُ الشَرِيعَةِ، ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنها وما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ.

ويَصِحُّ في "الَّذِي" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الكِتابِ"، فَإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" القُرْآنَ كانَتِ الواوُ عَطْفَ صِفَةٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الظَرِيفُ والعاقِلُ وأنْتَ تُرِيدُ شَخْصًا واحِدًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" التَوْراةَ والإنْجِيلَ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ، فَإنْ تَأوَّلْتَ -مَعَ ذَلِكَ- "المر" حُرُوفَ المُعْجَمِ رَفَعْتَ قَوْلَهُ: "الحَقُّ" عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: هو الحَقُّ، وإنْ تَأوَّلْتَها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَـ "الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ".

ومَن رَفَعَ "الحَقُّ" بِإضْمارِ ابْتِداءٍ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ إنْ شاءَ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ ﴾ الآيَةَ.

لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ تَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِهِ، وبِذِكْرِ الأدِلَّةِ الداعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "تَرَوْنَها" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "السَماواتِ" فَـ "تَرَوْنَها" -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لا عَمَدَ لِلسَّماواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "العَمَدِ"، فَـ "تَرَوْنَها" عَلى هَذا- صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: لِلسَّماواتِ عَمَدَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما يُدْرِيكَ أنَّها بِعَمَدٍ لا تُرى، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ جَبَلُ قافٍ المُحِيطُ بِالأرْضِ، والسَماءُ عَلَيْهِ كالقُبَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والحَقُّ أنْ لا عَمَدَ جُمْلَةً، إذِ العَمَدُ يَحْتاجُ إلى عَمَدٍ، ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ فَلا بُدَّ مِن وُقُوفِهِ عَلى القُدْرَةِ، وهَذا هو الظاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ  ﴾ ، ونَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.

وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ: السَماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلى الأرْضِ مِثْلَ القُبَّةِ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "تَرَوْنَهُ" بِتَذْكِيرِ الضَمِيرِ.

و"العَمَدُ" اسْمُ جَمْعِ عَمُودٍ، والبابُ في جَمْعِهِ "عُمُدٌ" بِضَمِّ الحُرُوفِ الثَلاثَةِ، كَرَسُولِ ورُسُلٍ وشِهابِ وشُهُبٍ، وغَيْرِهِ.

ومِن هَذِهِ الكَلِمَةِ قَوْلُ النابِغَةِ: وخَبَّرَ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُفّاحِ والعُمُدِ وقالَ الطَبَرِيُّ: "العَمَدُ (بِفَتْحِ العَيْنِ) جَمْعُ عَمُودٍ، كَما جُمِعَ الأدِيمُ أدَمًا"، ولَيْسَ كَما قالَ.

وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأدَمَ اسْمُ جَمْعٍ، وكَذَلِكَ نَصَّ اللُغَوِيُّونَ عَلى العَمَدِ، ولَكِنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَكَرَ الأمْرَ غَيْرَ مُتَيَقِّنٍ فاتَّبَعَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "بِغَيْرِ عُمُدٍ" بِضَمِّ العَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "ثُمَّ" هي هُنا لِعَطْفِ الجُمَلِ لا لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ قَبْلَ رَفْعِ السَماواتِ، فَفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "كانَ اللهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ".» وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في كَلامِ الناسِ في الِاسْتِواءِ، واخْتِصارُهُ أنَّ أبا المَعالِي رَجَّحَ أنَّهُ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، وقالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ وغَيْرُهُ: "اسْتَوى" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: اسْتَوْلى، والِاسْتِيلاءُ قَدْ يَكُونُ دُونَ قَهْرٍ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وقالَ سُفْيانُ: فَعَلَ فِعْلًا سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الفَرّاءُ: رَسُولُ اللهِ "اسْتَوى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فَعَلَ زَيْدٌ كَذا ثُمَّ اسْتَوى إلَيَّ يُكَلِّمُنِي"، بِمَعْنى أقْبَلَ وقَصَدَ، وحُكِيَ لِي عن أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: "العَرْشِ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَصْدَرُ "عَرَشَ"، فَكَأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ العَرْشَ: المُلْكُ، وهَذا يُؤَيِّدُ مَنزَعَ أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ إذْ قالَ: "العَرْشُ مَصْدَرٌ"، وهَذا خِلافَ ما مَشى عَلَيْهِ الناسُ مِن أنَّ "العَرْشَ" هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وهو الشَخْصُ الَّذِي كانَ عَلى الماءِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُرْسِيُّ، وأيْضًا فَيَنْبَغِي النَظَرُ عَلى أبِي الفَضْلِ في مَعْنى الِاسْتِواءِ قَرِيبًا مِمّا هو عَلى قَوْلِ الجَمِيعِ.

وفي البُخارِيِّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "المَعْنى: عَلا عَلى العَرْشِ"، وكَذَلِكَ هي عِبارَةُ الطَبَرِيِّ، والنَظَرُ الصَحِيحُ يَدْفَعُ هَذِهِ العِبارَةَ.

وقَوْلُهُ: "وَسَخَّرَ" تَنْبِيهٌ عَلى القُدْرَةِ، و ﴿ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴾ في ضِمْنِ ذِكْرِهِما ذِكْرُ الكَواكِبِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ كُلٌّ يَجْرِي ﴾ ، أيْ كُلُّ ما هو في مَعْنى الشَمْسِ والقَمَرِ مِنَ التَسْخِيرِ، و"كُلٌّ" لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ ظاهِرَةً أو مُقَدَّرَةً.

والأجَلُ المُسَمّى هو انْقِضاءُ الدُنْيا وفَسادُ هَذِهِ البِنْيَةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " لِأجَلٍ مُسَمى" الحُدُودَ الَّتِي لا تَتَعَدّاها هَذِهِ المَخْلُوقاتُ، أيْ: تَجْرِي عَلى رُسُومٍ مَعْلُومَةٍ.

وَقَوْلُهُ: " يُدَبِّرُ" بِمَعْنى: يُبْرِمُ ويُنَفِّذُ، وعَبَّرَ بِالتَدْبِيرِ تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، إذِ التَدْبِيرُ إنَّما هو النَظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، وذَلِكَ مِن صِفَةِ البَشَرِ، و"الأمْرَ" عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ وما يَنْقَضِي في كُلِّ أوانٍ في السَماواتِ والأرْضِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: " يُدَبِّرُ الأمْرَ " مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُفَصِّلُ" وقَرَأ الحَسَنُ بِنُونِ العَظَمَةِ، ورَواها الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عن أبِي عَمْرٍو، وهُبَيْرَةَ عن حَفْصٍ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ولَمْ يَخْتَلِفا في "يُدَبِّرُ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: إنَّ الحَسَنَ قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما، والنَظَرُ يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: " يُفَصِّلُ الآيّات " لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: "يُدَبِّرُ" مِن تَعْدِيدِ الآياتِ، بَلْ لَمّا تَعَدَّدَتِ الآياتُ وفي جُمْلَتِها يُدَبِّرُ الأمْرَ أخْبَرَ أنَّهُ يُفَصِّلُها لَعَلَّ الكَفَرَةَ يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، و"الآياتِ" هُنا إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ في الآيَةِ وبَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الله الذى رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ استوى عَلَى العرش وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبَّرُ الامر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} استئناف ابتدائي هو ابتداء المقصود من السورة وما قبله بمنزلة الديباجة من الخطبة، ولذا تجد الكلام في هذا الغرض قد طال واطّرد.

ومناسبَة هذا الاستئناف لقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ لأن أصل كفرهم بالقرآن ناشئ عن تمسكهم بالكفر وعن تطبعهم بالاستكبار والإعراض عن دعوة الحق.

والافتتاح باسم الجلالة دون الضمير الذي يعود إلى ﴿ ربك ﴾ [الرعد: 1] لأنه معيّن به لا يشتبه غيره من آلهتهم ليكون الخبر المقصود جارياً على معيّن لا يحتمل غيره إبلاغاً في قطع شائبة الإشراك.

و ﴿ الذي رفع ﴾ هو الخبر.

وجُعل اسم موصول لكون الصلة معلومة الدلالة على أن من تثبت له هو المتوحد بالربوبية إذ لا يستطيع مثل تلك الصلة غير المتوحد ولأنه مسلم له ذلك والسماوات تقدمت مراراً، وهي الكواكب السيارة وطبقات الجو التي تسبح فيها.

ورفعها: خلقها مرتفعة، كما يقال: وَسّعْ طوقَ الجُبة وضيّقْ كمها، لا تريد وسعه بعد أن كان ضيقاً ولا ضيقه بعد أن كان واسعاً وإنما يراد اجْعَلْه واسعاً واجعله ضيقاً، فليس المراد أنه رفعها بعد أن كانت منخفضة.

والعَمَد: جمع عماد مثل إهاب وأهَب، والعماد: ما تقام عليه القبة والبيت.

وجملة ترونها } في موضع الحال من ﴿ السماوات ﴾ ، أي لا شبهة في كونها بغير عمد.

والقول في معنى ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ تقدم في سورة الأعراف وفي سورة يونس.

وكذلك الكلام على ﴿ سخر الشمس والقمر ﴾ في قوله تعالى: والجري: السير السريع.

وسير الشمس والقمر والنجوم في مسافات شاسعة، فهو أسرع التنقلات في بابها وذلك سيرها في مداراتها.

واللام للعلة.

والأجل: هو المدة التي قدرها الله لدوام سيرها، وهي مدة بقاء النظام الشمسي الذي إذا اختل انتثرت العوالم وقامت القيامة.

والمسمّى: أصله المعروف باسمه، وهو هنا كناية عن المعيّن المحدّد إذ التسمية تستلزم التعيين والتمييز عن الاختلاط.

يُدَبَّرُ الامر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} جملة ﴿ يدبر الأمر ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة.

وجملة ﴿ يفصل الآيات ﴾ حال ثانية تُرك عطفها على التي قبلها لتكون على أسلوب التعداد والتوقيف وذلك اهتمام باستقلالها.

وتقدم القول على ﴿ يدبر الأمر ﴾ عند قوله: ﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ في سورة يونس (3).

وتفصيل الآيات تقدم عند قوله: ﴿ أحكمت آياته ثم فصلت ﴾ في طالعة سورة هود (1).

ووجه الجمع بينهما هنا أن تدبير الأمر يشمل تقدير الخلق الأول والثاني فهو إشارة إلى التصرف بالتكوين للعقول والعوالم، وتفصيل الآيات مشير إلى التصرف بإقامة الأدلة والبراهين، وشأن مجموع الأمرين أن يفيد اهتداء الناس إلى اليقين بأن بعد هذه الحياة حياة أخرى، لأن النظر بالعقل في المصنوعات وتدبيرها يهدي إلى ذلك، وتفصيلَ الآيات والأدلة ينبه العقول ويعينها على ذلك الاهتداءِ ويقرّبه.

وهذا قريب من قوله في سورة يونس: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذّكرون إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً إنه يبدأُ الخلق ثم يعيده ﴾ [يونس: 3].

وهذا من إدماج غرض في أثناء غرض آخر لأن الكلام جار على إثبات الوحدانية.

وفي أدلة الوحدانية دلالة على البعث أيضاً.

وصيغ يدبر } و ﴿ يفصل ﴾ بالمضارع عكس قوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات ﴾ لأن التدبير والتفصيل متجدّد متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات.

وأما رفع السماوات وتسخير الشمس والقمر فقد تم واستقرّ دفعة واحدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِعَمَدٍ لا تَرَوْنَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها مَرْفُوعَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ، قالَهُ قَتادَةُ وإياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ.

وَفي رَفْعِ السَّماءِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَفْعُ قَدْرِها وإجْلالُ خَطَرِها؛ لِأنَّ السَّماءَ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ.

الثّانِي: سَمْكُها حَتّى عَلَتْ عَلى الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس- رضي الله عنهما- إن فلان يقول: إنها على عمد، يعني السماء.

فقال: اقرأها ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ أي لا ترونها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها ﴾ قال: وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ يقول: لها عمد، ولكن لا ترونها.

يعني الأعماد.

وأخرج ابن جرير، عن إياس بن معاوية رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ قال: السماء مقبية على الأرض مثل القبة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: السماء على أربعة أملاك، كل زاوية موكل بها ملك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ قال: هي بعمد لا ترونها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن وقتادة- رضي الله عنهما- أنهما كانا يقولان: خلقها بغير عمد.

قال لها قومي فقامت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن معاذ قال: في مصحف أبي ﴿ بغير عمد ترونه ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ قال: أجل معلوم، وحد لا يقصر دونه ولا يتعدى.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: يقضيه وحده.

وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ قال: إن الله إنما أنزل كتابه وبعث رسله، ليؤمن بوعده ويستيقن بلقائه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن عبد الله، مولى غفرة.

أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: إن الله جعل مسيرة ما بين المشرق والمغرب، خمسمائة سنة.

فمائة سنة في المشرق، لا يسكنها شيء من الحيوان، لا جن ولا إنس ولا دابة ولا شجرة.

ومائة سنة في المغرب بتلك المنزلة، وثلثمائة فيما بين المشرق والمغرب يسكنها الحيوان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر: والدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة عام خراب ومائة عمار، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: ما العمارة في الدنيا في الخراب إلا كفسطاط في البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فالسودان اثنا عشر ألفاً، والروم ثمانية، ولفارس ثلاثة، وللعرب ألف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن خالد بن مضرب رضي الله عنه قال: الأرض مسيرة خمسمائة سنة، ثلثمائة عمار، ومائتان خراب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن حسان بن عطية رضي الله عنه قال: سعة الأرض مسيرة خمسمائة سنة، البحار ثلثمائة، ومائة خراب، ومائة عمران.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الأرض سبعة أجزاء: ستة أجزاء فيها يأجوج ومأجوج، وجزء فيه سائر الخلق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لي أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا عشر ألفاً منه أرض الهند، وثمانية الصين، وثلاثة آلاف المغرب، وألف العرب.

وأخرج ابن المنذر عن مغيث بن سمي رضي الله عنه قال: الأرض ثلاثة أثلاث، ثلث فيه الناس والشجر، وثلث فيه البحار، وثلث هواء.

أما قوله تعالى: ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ .

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن الله تبارك وتعالى حين أراد أن يخلق الخلق، خلق الريح فنشجت الريح، فأبدت عن حشفة، فهي تحت الأرض.

ومنها دُحيت الأرض حيث ما شاء في العرض والطول، فكانت تميد فجعل الجبال الرواسي.

وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما خلق الله الأرض، قمصت وقالت: أي رب، تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث؟

فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم ترجرج.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن عطاء رضي الله عنه- قال: أول جبل وضع في الأرض، أبو قبيس.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ قال: ذكراً وانثى من كل صنف.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ أي يلبس الليل النهار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ ﴾ قال أبو إسحاق (١) ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ الآية، العمد (٢) (٣) يَبْنُون تَدْمُر بالصُّفّاح (٤) وهو جمع عماد، يقال: عماد، وعُمَد، وعُمُد، مثل إهابٌ، وأهَبٌ وأُهُبٌ، قال ذلك أبو إسحاق (٥) ﴿ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ  ﴾ ، وقال الفراء (٦) وقوله تعالى: ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه كلام مستأنف، والمعنى رفع السموات بغير عمد، ثم قال ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ أي: وأنتم ترونها كذلك مرفوعة بلا عمد (٧) قال ابن الأنباري (٨) (٩) (١٠) وهو قول ابن عباس (١١) (١٢) (١٣) (١٤) والقول الثالث في (ترونها) أنه من نعت العمد، المعنى بغير عمد مرئية، وعلى هذا الجحد الداخل على العمد واقع في المعنى على الرُؤية، والتقدير: رفع السموات بعمد لا ترونها، والعرب قد تقدم الجحد من آخر الكلمةإلى أولها، ويكون ذلك جائزًا كما تقول: لا تكلمن بغير كلام يمله السامع.

معناه: بكلام لا يمله السامع، ومنه [قول] ابن هرمة (١٥) ولا أَرَاهَا (١٦) أراد: وأراها لا تزال ظالمة، وهذا التقدير على قول من قال: إن للسموات عمدًا ولكنا لا نراها، وهو قول ابن عباس (١٧) (١٨) وأنكر قوم هذا التأويل، وقالوا: لو كان لها عمد لكانت ترى، والله -عز وجل- إنما دل هذا على قدرته من حيث لا يمكن لأحد أن يقيم جسمًا بغير عمد إلا هو، وما ذكرنا من الأقوال في (ترونها)، والتقديرات فيه، من كلام الفراء (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ أي بالاستيلاء والاقتدار، ونفوذ السلطان، وأصله استواء التدبير، كما أن أجل القيام الانتصاب، ثم قال قائم بالتدبير، والمعنى: ثم استوى على العرش بالتدبير، للأجسام الذي قد كوّنها، فقوله ﴿ ثُمَّ ﴾ يدل على حدوث التدبير، والكلام في معنى الاستواء ماض بالاستقصاء في سورة البقرة (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ معنى التسخير التذليل، قال أبو إسحاق (٢٣) (٢٤) (٢٥) سَوَاخِرٌ في سَواءِ اليَمِّ تَحْتَفزُ وتسخرت دابة فلان، ركبتها بغير أجر، ومعنى تسخير الشمس والقمر، تذليلها لما يراد منها، وهو قوله: ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا.

وهذا معنى قول ابن عباس (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْر ﴾ معنى التدبير: تصريف الأمر على ما يقتضيه مستدبر حاله في عاقبته، والله تعالى يدبر الأمر بحكمته.

﴿ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ أي: يبين الآيات التي تدل على قدرته على البعث، وذلك أنهم كانوا يجحدون البعث، فأُعلموا أن الذي خلق السموات وأنشأ هذه الأشياء ولم تكن، قادرٌ على إعادتهم، وهو معنى قوله: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} قال ابن عباس (٣٠) (٣١) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 136.

(٢) "تهذيب اللغة" (عمد) 3/ 2561.

(٣) عجز بيت للنابغة وصدره: وخيس الجن إني قد أذنت لهم انظر: "ديوانه" ص 13، و"المحرر الوجيز" 8/ 111، و"البحر المحيط" 5/ 357، و"الدر المصون" 7/ 10، و"تهذيب اللغة" (عمد) 3/ 2561، و"مختار الشعر الجاهلي" 152، و"اللسان" (عمد) 5/ 3097، وخيس: ذلل، تَدْمر: بلدة بالشام، الصفاح: حجارة عراض رقاق.

(٤) في (أ)، (ب): (بالصفائح).

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 362.

(٦) "معاني القرآن" 3/ 291، وفيه: جمعان للعمود.

(٧) ساقطة من (أ)، (ج).

(٨) "الأضداد" ص 268، و"الوقف والابتداء" 2/ 730، 731، و"زاد المسير" 4/ 301.

(٩) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب (رأيتموها).

(١٠) (تعالى): ساقطة من (ج).

(١١) الثعلبي 7/ 199 ب.

(١٢) الطبري 13/ 94، وعبد الرزاق 2/ 331، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 601.

(١٣) الطبري 13/ 94، و"الدر المنثور" 4/ 81، والثعلبي 7/ 119 ب.

وهو: إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو واثلة، قاضي البصرة، تابعي ثقة فقيه يضرب به المثل في الذكاء والدهاء والعقل والفطنة والفصاحة.

توفي سنة 122 هـ.

انظر: "حلية الأولياء" 3/ 123، و"تهذيب التهذيب" 1/ 197.

(١٤) "تفسير مقاتل" 158ب، ولم أجده فيه.

(١٥) سبق تخريجه.

(١٦) في (ج): (ولال راها).

(١٧) الطبري 13/ 94، قال: بعمد لا ترونها، الرازي 18/ 232.

(١٨) الطبري 13/ 93، وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 600، و"زاد المسير" 4/ 81.

(١٩) "معاني القرآن" 2/ 57.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 136.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 195.

(٢٢) عند قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ  ﴾ ، وخلاصة ما ذكره أن للاستواء معاني، منها: 1 - أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته.

2 - أن يستوي من اعوجاج.

3 - بمعى أقبل.

4 - بمعنى عمد وقصد.

5 - صعد.

6 - استولى.

7 - علا.

وقد رجح تأويل الاستواء على كل حال وقصد نفي الصفة كما هو مذهب الأشاعرة.

وقد تقدم التعليق على ذلك مرارًا.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 136.

(٢٤) نقله في "التهذيب" (سخر) 2/ 1650 عن الليث.

(٢٥) لم أهتد إلى قائله وهو بلا نسبة في كتاب "العين" المنسوب إلى الخليل 4/ 156، و"التهذيب" (سخر) 2/ 1650، و"اللسان" (سخر) 4/ 1963.

(٢٦) "تنوير المقباس" ص 155، و"زاد المسير" 4/ 301، والقرطبي 9/ 279.

(٢٧) ليس في (ب).

(٢٨) الثعلبي 7/ 120 أ، القرطبى 9/ 279، الرازي 18/ 233.

(٢٩) "زاد المسير" 7/ 19.

(٣٠) "تنوير المقباس" ص 155، وانظر: الطبري 13/ 95.

(٣١) كذا في النسخ، ولعله خطأ من الناسخ وصحة الكلمة (توقنوا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تِلْكَ آيات الكتاب ﴾ أي آيات هذه السورة ويحتمل أن يريد آيات الكتب على الإطلاق، ويحتمل أن يريد القرآن على الإطلاق، وهذا بعيد لتكرار القرآن بعد ذلك ﴿ والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن وإعرابه مبتدأ وخبره الحق ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ أي بغير شيء تقف إلا قدرة الله ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ قيل: الضمير للسموات، وترونها على هذا في موضع الحال أو استئنافاً، وقيل: الضمير للعَمَد أي ليس لها عمد مرئية فيقتضي المفهوم من أن لها عَمداً لا تُرى، وقال الجمهور: لا عمد لها البتة، فالمراد نفي العمد ونفي رؤيتها ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب وقوع الأمر، فإن العرش كان قبل خلق السموات، وتقدّم الكلام على الاستواء في [الأعراف: 53] ﴿ يُدَبِّرُ الأمر ﴾ يعني أمر الملكوت ﴿ يُفَصِّلُ الآيات ﴾ يعني آيات كتبه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ .

قوله: ﴿ رَفَعَ ﴾ أي: أنشأها مرفوعة؛ لا أنها كانت موضوعة فرفعها؛ ولكن جعلها في الابتداء مرفوعة، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ  ﴾ ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ  ﴾ ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا  ﴾ ونحو ذلك؛ أي: أنشأها مرفوعة ممدودة؛ لا أنها كانت مرفوعها فوضعها، أو كانت منقبضة فبسطها؛ ولكن أنشأها كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .

قال بعضهم: هي بعمد لكن لا ترونها؛ أي: ترونها بغير عمد وهي بعمد.

وقال بعضهم: هي بغير عمد على ما أخبر؛ ولكن اللطف والأعجوبة بما يمسكها بعمد لا ترى؛ كاللطف والأعجوبة فيما يمسكها بغير عمد؛ لأن في الشاهد لم يعرف؛ ولا قدر على رفع سقف فيه سعة وبعد بغير عمد لا ترى، لكن ما يرفع إنما [يرفع بعمد] ترى؛ فاللطف في هذا كاللطف في الآخر.

وفيه دلالة قدرته على البعث؛ لأنه ذكر هذا ثم قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ أي: من: قدر على رفع السماء - مع سعتها وبُعدها - بلا عمد؛ لقادر على إعادة الخلق؛ وبعثهم؛ وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها وبعدها، بلا عمد، أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه؛ إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد فنائها؛ ولا يقدر على رفع سقف؛ ذي سعة وبعد؛ بغير عمد.

من ذا الوجه أمكن أن يحتج.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

لما لم يفهم من قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ مدبر المكان؛ وإن كان في الشاهد يفهم منه المكان؛ إذا أضيف إلى المخلوق - لم يجز أن يفهم من استوائه [ما يفهم من استواء] الخلق.

وبعد فإن في الشاهد؛ إذا قيل: فلان استولى أمر بلدة كذا؛ أو استوى أمره؛ لم يفهم منه [المكان، بل فهم منه] نفاذ الأمر والسلطان والمشيئة؛ فعلى ذلك لم يجز أن يفهم من الله إذا أضيف إليه المكان.

وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم أنه أخبر أنه ليس كمثله شيء؛ فهو في كل شيء؛ وكل وجه؛ لا يشبه الخلق؛ إذ الخلق - في الشاهد - لا يشبه بعضه بعضاً من جميع الجهات؛ إنما يشبه بعضهم بعضاً بجهة، ثم صاروا جميعاً أشكالا وأشباهاً؛ بتلك الجهة التي وقعت بينهم تشابه؛ فإذاً الله  وتعالى لما أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ دل أنه إنما نفى عنه الجهات التي [يقع بها] التشابه والمثل؛ فهو يخالف الخلق من جميع الوجوه.

وهذه مسألة مذكورة فيما تقدم: اختُلف في العرش: قال بعضهم: العرش: هو الممتحنون بهم، استوى تدبير إنشاء غيرهم من العالم؛ لأنهم هم المقصودون في إنشاء ذلك كله.

وقال بعضهم: العرش: البعث به؛ استوى وتم تدبير إنشاء الخلائق؛ ما لولا البعث يكون إنشاؤهم عبثاً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل عدم الرجوع إليه إنشاء الخلق عبثاً.

وقال بعضهم: العرش: هو الملك؛ وبه تم ما ذكر، وقيل: هو سرير الملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ على ما في العقل أنه عن تدبير مدبر خرج؛ وعن علم وحكمة وضع؛ ليس على الجزاف بلا تدبير ولا علم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ يحتمل: يبين الحجج والبراهين.

ويحتمل: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: آيات القرآن أنزلها بالتفاريق؛ لا مجموعة.

﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير؛ ورفع السماء بلا عمد؛ دلالة البعث والإحياء بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ ﴾ هو كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً  ﴾ ومصيرهم وبروزهم؛ وأمثاله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ  ﴾ وكله واحد، وقال: ﴿ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً  ﴾ و ﴿ مِهَٰداً  ﴾ .

يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم.

﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: بسطها وجعل فيها رواسي؛ ذكر أنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها وتضطرب؛ كما تكفو السفينة؛ فأرساها بالجبال الثِّقال؛ فاستقرت وثبتت.

وذُكر أنها مدت وبسطت على الهواء؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال، ولكن لو [كان أنها] ما ذكر؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ لأن الأرض والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء؛ وكلما زيد من ذلك النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد، فلا يكون بها الثبات والاستقرار؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع؛ فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار؛ إلا أن يقال: إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها؛ على ما ذكره - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ فإن كان على هذا؛ فيكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ ومنعها عن الاضطراب والميلان.

أو ذكر هذا ليعلم لطفه وقدرته؛ حيث أمسكها بشيء من طبعه التسفل والانحدار، وهي في نفسها كذلك؛ ليعلم قدرة الله ولطفه في كل شيء.

والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ .

أي: أنشأها ممدودة؛ لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها؛ على ما ذكر من رفع السماء ونحوه.

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً ﴾ .

جعل الله - عز وجل - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليماً منه الخلق؛ ليكون ذلك عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب [وبغير أسباب سواء]؛ إذ هو قادر بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض بحيث لا يدخل فيها شيء؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ليعرفوا قدرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَاراً ﴾ أي: وجعل فيها أنهاراً؛ أخبر أنه مد الأرض وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها أنهاراً؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل الثمرات زوجين.

قال بعض أهل التأويل: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: لونين.

وقال بعضهم: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضاً وحلواً ومرّاً ومزّاً، إلا أن يقال: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ذا ألوان وذا طعوم.

وقال بعضهم الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر.

وأما على غير هذا فإنه لا يصح.

وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن الله، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ .

أي: يذهب ظلمة الليل بضوء النهار؛ وضوء النهار بظلمة الليل، أو يلبس أحدهما الآخر، أو يغطي الليل ما هو بالنهار بادٍ ظاهر للخلق، وبالنهار ما هو مستور خفي على الخلق والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

فيما ذُكِر؛ دلالة البعث والإحياء، ودلالة التدبير والعلم والحكمة، ودلالة الوحدانية.

﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياته وحججه لا لقوم يعاندون آياته ويكابرونها.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر أن الآيات تكون آيات لهم؛ بالتفكر والنظر فيها؛ والله أعلم؛ لا أن تصير آيات مجاناً بالبديهة.

أو يقول: إن منفعة الآيات تكون لمن تفكر فيها؛ لا لمن ترك التفكر والنظر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

دل قوله: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ﴾ أن التجاور إنما يذكر ويثبت إذا كانت الأرض [قطعاً، وأما إذا كانت الأرض] أرضاً واحدة؛ فإنه لا يقال فيها التجاور؛ فهذا يبطل قول من يقول: إن التجاور إنما يذكر فيما فيه الشركة؛ فتجب الشفعة فيما فيه الشركة؛ وأما في غيره فلا تجب وأمَّا عندنا: هو ما ذكر - عز وجل -: أنه إنما أثبت التجاور في الأرض التي صارت قطعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

القطع المتجاورات: هي الأرضون الضواحي التي تصلح للزرع.

﴿ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ أي: جنات متجاورات أيضاً، والجنات هي البساتين المحفوفة بالأشجار؛ فيها ألوان الثمار.

﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ .

قيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ هو النخلتان في أصل واحد، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ : النخل المتفرق وقيل: الصنوان: ما كان أصله واحداً؛ وهو متفرق، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ التي تنبت وحدها: وقيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ : هي النخلة تخرج؛ فإذا خرجت انشعبت بعد خروج الأصل؛ فهو الصنوان، ولهذا قيل: "عَمُّ الرجل صنو أبيه" ﴿ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ ﴾ .

أي: يسقي ما ذكر؛ من الزروع والنخيل والثمار والجنان بماء واحد.

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - أن جوهر الأرض كلها واحد؛ وهي قطع متجاورة؛ بعضها ببعض، ثم هي مختلفة في حق الثمار والفواكه، وكذلك الأشجار والنخيل؛ كلها من جوهر واحد من جنس واحد، والأرض في جوهرها واحد وتسقى كلها بماء واحد؛ ثم يخرج مختلفاً في ألوانها وطعومها وطيبها وخبيثها ومناظرها؛ ليعلم أنها لم تكن بنفسها؛ ولا بالأسباب التي جعل لها؛ ولكن بلطف واحدٍ مدبِّرٍ عليم حكيم؛ لأنها لو كانت بأنفسها وطباعها أو بالأسباب، لكانت كلها واحدة متفقة في طيبها وخبيثها وألوانها وطعومها؛ فلما لم يكن ما ذكرنا على لون واحد ولا طعم واحد ولا منظر واحد؛ دل أنه كان بتدبير مدبر واحد؛ عليم لطيف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

قيل: في الحمل؛ بعضها أكثر حملا من بعض، وبعضها يحمل؛ وبعضها لا، ولكن ما ذكرنا في الطيب والخبيث والطعم واللون والمنظر - مفضل بعضه على بعض.

وأصله: أن الأرض واحدة متجاورة؛ متصلة بعضها ببعض، والماء واحد أيضاً؛ ثم خرجت الثمار والفواكه والزروع والأعناب مختلفة متفرقة؛ ليعلم أن ذلك ليس هو عمل الأرض؛ ولا عمل الماء، ولا عمل الأسباب والطباع؛ ولكن باللطف من الله، لأنه لو كان بالماء أو الأرض؛ أو بالأسباب أو الطباع؛ لكانت متفقة مستوية.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ ﴾ لما ذكرنا من وحدانيته؛ وتدبيره؛ وعلمه؛ وحكمته.

﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لقوم همتهم العقل والفهم؛ والنظر والتفكر في الآيات، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعلمهم.

وقال الحسن: هذا مثل [ضربه الله] لقلوب بني آدم كانت الأرض في الأصل طينة واحدة؛ فسطحها الرحمن ثم بطحها؛ فصارت الأرض قطعاً متجاورات؛ فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها؛ وتخرج نباتها ويحيا مواتها، وتخرج هذه سبختها وملحها؛ وخبثها؛ وكلتاهما تسقى بماء واحد؛ فلو كان الماء مالحاً؛ قيل: استسبخت هذه من قبل الماء كذلك الناس: خلقوا من آدم -  - فينزل عليهم من السماء تذكرة واحدة؛ فترقّ قلوب؛ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب؛ فتسهو وتلهو وتجفو؛ أو كلام نحوه.

ثم قال الحسن: والله؛ ما جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان؛ ثم تلا قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ .

قال الحسن: إن تعجب - يا محمد - من تكذيبهم إياك في الرسالة؛ فعجب قولهم؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

وقال بعضهم: وإن تعجب - يا محمد - مما أوحينا إليك من القرآن؛ كقوله - في الصافات - ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ  ﴾ .

﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أي: أعجب أيضاً قولُهم، يقول: لكن قولهم أعجب عندك؛ حين قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ تكذيباً للبعث.

وأصله - والله أعلم -: يقول: إنك إن عجبت، من قولهم في تكذيبهم إياك في الرسالة؛ ولم [تكن] رسولا من قبل؛ فقولهم وإنكارهم قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت أعجب؛ إذ قد رأوا وشاهدوا من قدرة الله وآياته؛ ما لو تفكروا وتأملوا ولم يعاندوا، عرفوا أنه قادر على ذلك كله؛ فوصفهم الله  بالعجز؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم إياك في الرسالة، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك، وقد سبق من الله إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك؛ وعلى أكثر منه.

وأصله - والله أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك؛ ولم يكن منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج، وإنما كان منك البيان والدعاء؛ فأعجب: قولهم في إنكارهم قدرة الله على البعث؛ وقولهم في الله  ما قالوا فيه؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله؛ بالله إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث؛ كان كفرهم بالبعث كفراً بالله؛ لأنهم عرفوه عاجزاً، حيث قالوا: لا يقدر على بعث الخلق، ومن عرف ربه عاجزاً - فهو لم يعرف الرب الحقيقة؛ والإله الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: صار الكفر في أعناقهم أغلالا؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر، ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم؛ يعكفون عليها ويخضعون؛ فذلك هو الأغلال في أعناقهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

في الآخرة كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ...

﴾ الآية [الحاقة: 30] ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله هو الذي خلق السماوات مرفوعات دون دعائم تشاهدونها، , علا وارتفع على العرش علوًا يليق به سبحانه من غير تكييف ولا تمثيل، وذَلَّل الشمس والقمر لمنافع خلقه، كل من الشمس والقمر يجري لأمد محدد في علم الله، يصرف سبحانه الأمر في السماوات والأرض بما يشاء، يبين الآيات الدالة على قدرته رجاء أن توقنوا بلقاء ربكم يوم القيامة، فتستعدوا له بالعمل الصالح.

<div class="verse-tafsir" id="91.oLXDR"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر