الآية ١ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١ من سورة الرعد

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الرعد [ وهي مكية ] أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السورة قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.

ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.

فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.

وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال ألم اسم من أسماء الله الأعظم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال: قال عبدالله فذكر نحوه.

وحكى مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.

وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى ألم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.

قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.

هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.

هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسئلة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.

ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسئلة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.

وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لايـ ينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.

قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.

قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.

وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.

قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.

وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شئ حكمته.

وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها إسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.

قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حمعسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن اسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟

فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.

فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.

هل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

فهل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.

ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟

فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.

( تلك آيات الكتاب ) أي : هذه آيات الكتاب ، وهو القرآن ، وقيل : التوارة والإنجيل .

قاله مجاهد وقتادة ، وفيه نظر بل هو بعيد .

ثم عطف على ذلك عطف صفات ، قوله : ( والذي أنزل إليك ) أي : يا محمد ، ( من ربك الحق ) خبر تقدم مبتدؤه ، وهو قوله : ( والذي أنزل إليك من ربك ) هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة .

واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة أو عاطفة صفة على صفة كما قدمنا ، واستشهد بقول الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وقوله : ( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) كقوله : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] أي : مع هذا البيان والجلاء والوضوح ، لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: قد بينا القول في تأويل قوله الر و (المر) ، ونظائرهما من حروف المعجم التي افتتح بها أوائل بعض سور القرآن، فيما مضى، بما فيه الكفاية من إعادتها (1) غير أنا نذكر من الرواية ما جاء خاصًّا به كل سورة افتتح أولها بشيء منها.

فما جاء من الرواية في ذلك في هذه السورة عن ابن عباس من نقل أبي الضحى مسلم بن صبيح وسعيد بن جبير عنه، التفريقُ بين معنى ما ابتدئ به أولها، مع زيادة الميم التي فيها على سائر السور ذوات الر (2) ومعنى ما ابتدئ به أخواتها (3) مع نقصان ذلك منها عنها.

ذكر الرواية بذلك عنه: 20044- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن، عن هشيم, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (المر) قال: أنا الله أرى .

20045- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك, عن عطاء بن السائب, عن أبي الضحى, عن ابن عباس: قوله: (المر) قال: أنا الله أرى .

20046- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا سفيان, عن مجاهد: (المر) : فواتح يفتتح بها كلامه .

* * * وقوله: (تلك آيات الكتاب) يقول تعالى ذكره: تلك التي قصصت عليك خبرَها، آيات الكتاب الذي أنـزلته قبل هذا الكتاب الذي أنـزلته إليك إلى من أنـزلته إليه من رسلي قبلك .

* * * وقيل: عنى بذلك: التوراة والإنجيل .

*ذكر من قال ذلك: 20047- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (المر تلك آيات الكتاب) الكتُب التي كانت قبل القرآن .

20048- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان, عن مجاهد: (تلك آيات الكتاب) قال: التوراة والإنجيل .

* * * وقوله: (والذي أنـزل إليك من ربك الحق ) [القرآن]، (4) فاعمل بما فيه واعتصم به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20049- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا سفيان, عن مجاهد: (والذي أنـزل إليك من ربك الحق) قال: القرآن .

20050- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (والذي أنـزل إليك من ربك الحق) : أي: هذا القرآن .

* * * وفي قوله: (والذي أنـزل إليك) وجهان من الإعراب: أحدهما: الرفع، على أنه كلام مبتدأ, فيكون مرفوعا بـ" الحق " و " الحق به " .

وعلى هذا الوجه تأويل مجاهد وقتادة الذي ذكرنا قبل عنهما .

* * * والآخر: الخفض على العطف به على (الكتاب), فيكون معنى الكلام حينئذ: تلك آياتُ التوراة والإنجيل والقرآن.

ثم يبتدئ(الحق) بمعنى: ذلك الحق فيكون رفعه بمضمر من الكلام قد استغنى بدلالة الظاهر عليه منه .

* * * ولو قيل: معنى ذلك: تلك آيات الكتاب الذي أنـزل إليك من ربك الحق وإنما أدخلت الواو في" والذي", وهو نعت للكتاب, كما أدخلها الشاعر في قوله: إلَــى المَلِـكِ القَـرْمِ وَابْـنِ الهُمَـامِ وَلَيْــثَ الكَتِيبَــةِ فِــي المُزْدَحَـمْ (5) فعطف بـ" الواو ", وذلك كله من صفة واحد, كان مذهبًا من التأويل.

(6) ولكن ذلك إذا تُؤُوِّل كذلك فالصواب من القراءة في (الحق) الخفض، على أنه نعت لـ(الذي).

* * * وقوله: (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) ولكن أكثر الناس من مشركي قومك لا يصدقون بالحقّ الذي أنـزل إليك من ربك, (7) ولا يقرّون بهذا القرآن وما فيه من محكم آيه .

---------------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف 1 : 205 - 224 / 6 : 149 / 12 : 293 ، 294 / 15 : 9 ، 225 ، 549 .

(2) في المطبوعة والمخطوطة :" على سائر سور ذوات الراء" ، والصواب ما أثبت .

(3) السياق :" ...

التفريق بين معنى ما ابتدئ به أولها ...

ومعنى ما ابتدئ به أخواتها" .

(4) الزيادة بين القوسين واجبة ، يدل على وجوبها ما بعدها من الآثار .

(5) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 3 : 352 ، 353 ، وقوله :" ليث" ، منصوب على المدح ، كما بينه الطبري هناك .

(6) السياق :" ولو قيل : معنى ذلك ...

كان مذهبًا من التأويل" .

(7) في المطبوعة والمخطوطة ، أسقط لفظ الآية ، فأثبتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الرعدمكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، ومدنية في قول الكلبي ومقاتل .

وقال ابن عباس وقتادة : مدنية إلا آيتين منها نزلتا بمكة ; وهما قوله - عز وجل - : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال إلى آخرهماقوله تعالى : المر تلك آيات الكتاب تقدم القول فيها .

والذي أنزل إليك يعني وهذا القرآن الذي أنزل إليك .من ربك الحق لا كما يقول المشركون : إنك تأتي به من تلقاء نفسك ; فاعتصم به ، واعمل بما فيه .

قال مقاتل : نزلت حين قال المشركون : إن محمدا أتى بالقرآن من تلقاء نفسه .

" والذي " في موضع رفع عطفا على " آيات " أو على الابتداء ، و " الحق " خبره ; ويجوز أن يكون موضعه جرا على تقدير : وآيات الذي أنزل إليك ، وارتفاع الحق على هذا على إضمار مبتدأ ، تقديره : ذلك الحق ; كقوله تعالى : وهم يعلمون الحق ، يعني ذلك الحق .

قال الفراء : وإن شئت جعلت الذي خفضا نعتا للكتاب ، وإن كانت فيه الواو كما يقال : أتانا هذا الكتاب عن أبي حفص والفاروق ; ومنه قول الشاعر : [ ص: 244 ]إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحميريد : إلى الملك القرم بن الهمام ، ليث الكتيبة .

ولكن أكثر الناس لا يؤمنون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن هذا القرآن هو آيات الكتاب الدالة على كل ما يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه، وأن الذي أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق المبين، لأن أخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل، مؤيدة بالأدلة والبراهين القاطعة، فمن أقبل عليه وعلى علمه، كان من أهل العلم بالحق، الذي يوجب لهم علمهم العمل بما أحب الله.

{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } بهذا القرآن، إما جهلا وإعراضا عنه وعدم اهتمام به، وإما عنادا وظلما، فلذلك أكثر الناس غير منتفعين به، لعدم السبب الموجب للانتفاع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية إلا قوله : " ولا يزال الذين كفروا " ، وقوله : " ويقول الذين كفروا لست مرسلا " [ وهي ثلاث وأربعون آية ] .

( المر ) قال ابن عباس : معناه : أنا الله أعلم وأرى ( تلك آيات الكتاب ) يعني : تلك الأخبار التي قصصتها [ عليك ] آيات التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ( والذي أنزل إليك ) يعني : وهذا القرآن الذي أنزل إليك ( من ربك الحق ) أي : هو الحق فاعتصم به .

فيكون محل " الذي " رفعا على الابتداء ، والحق خبره .

وقيل : محله خفض ، يعني : تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك ، ثم ابتدأ : " الحق " ، يعني : ذلك الحق .

وقال ابن عباس : أراد بالكتاب القرآن ، ومعناه : هذه آيات الكتاب ، يعني القرآن ، ثم قال : وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق .

( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) قال مقاتل : نزلت في مشركي مكة حين قالوا : إن محمدا يقوله من تلقاء نفسه فرد قولهم ثم بين دلائل ربوبيته ، فقال عز من قائل : ( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«المر» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن والإضافة بمعنى من «والذي أنزل إليك من ربك» أي القرآن مبتدأ خبره «الحق» لا شك فيه «ولكن أكثر الناس» أي أهل مكة «لا يؤمنون» بأنه من عنده تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(المر) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لقد افتتحت سورة الرعد ببعض الحروف المقطعة ، وقد سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء فى هذه الحروف فى سور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف .وقلنا ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور على سبيل الإِيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفاً من كلام هو من جنس ما تؤلفون من كلامكم ، ومنظوماً من حروف هى من جنس الحروف الجهائية التى تنظمون منها كلماتكم .فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، فإن لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله فهاتوا عشر سور من مثله ، فإن لم تستطيعوا فهاتوا سورة واحدة من مثله .

.ومع كل هذا التساهل معهم فى التحدى ، فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .( تلك ) اسم إِشارة ، والمشار إليه الآيات ، والمراد بها آيات القرآن الكريم ، ويدخل فيها آيات السورة التى معنا .والمراد بالكتاب : القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - لإِخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإِسلام .وقوله ( والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق ) تنويه بشأن القرآن الكريم ، ورد على المشركين الذين زعموا أنه أساطير الأولين .أى : تلك الآيات التى نقرؤها عليك - يا محمد - فى هذه السورة هى آيات الكتاب الكريم ، وما أنزله الله - تعالى - عليك فى هذا الكتاب ، هو الحق الخالص الذى لا يلتبس به باطل ، ولا يحوم حول صحته شك أو التباس .وفى قوله - سبحانه - ( مِن رَّبِّكَ ) مزيد من التلطف فى الخطاب معه - صلى الله عليه وسلم - فكأنه - سبحانه - يقول له : إن ما نزل عليك من قرآن هو من عند ربك الذى تعهدك بالرعاية والتربية حتى بلغت درجة الكمال .واسم الموصول ( الذى ) مبتدأ ، والجملة بعد صلة ، والحق هو الخبر .

.

.وقوله ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ ) استدراك لبيان موقف أكثر الناس من هذا القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .أى : لقد أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن بالحق ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون به لانطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد على نفوسهم .

.

.وفى هذا الاستدراك ، مدح لتلك القلة المؤمنة من الناس ، وهم أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق منذ أن وصل إليهم ، فآمنوا به ، واعتصموا بحبله ، ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم وعلى رأس هذه القلة التى آمنت بالحق منذ أن بلغها : أبو بكر الصديق وغيره من السابقين إلى الإِسلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا قد تكلمنا في هذه الألفاظ قال ابن عباس رضي الله عنهما معناه: أنا الله أعلم، وقال في رواية عطاء أنا الله الملك الرحمن، وقد أمالها أبو عمرو والكسائي وغيرهما وفخمها جماعة منهم عاصم وقوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة المسماة بالمر.

ثم قال: إنها آيات الكتاب.

وهذا الكتاب الذي أعطاه محمداً بأن ينزله عليه ويجعله باقياً على وجه الدهر وقوله: ﴿ والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ الحق ﴾ خبره ومن الناس من تمسك بهذه الآية في نفي القياس فقال: الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من عند الله وإلا لكان من لم يحكم به كافراً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون  ﴾ وبالإجماع لا يكفر فثبت أن الحكم المثبت بالقياس غير نازل من عند الله.

وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون حقاً لأجل أن قوله: ﴿ والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ الحق ﴾ يقتضي أنه لا حق إلا ما أنزله الله فكل ما لم ينزله الله وجب أن لا يكون حقاً، وإذا لم يكن حقاً وجب أن يكون باطلاً لقوله تعالى: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال  ﴾ ومثبتو القياس يجيبون عنه بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضاً من عند الله، لأنه لما أمر بالعمل بالقياس كان الحكم الذي دل عليه القياس نازلاً من عند الله.

ولما ذكر تعالى أن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق بين أن أكثر الناس لا يؤمنون به على سبيل الزجر والتهديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة.

والمراد بالكتاب السورة، أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، ثم قال: ﴿ والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ من القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا مزيد عليه، لا هذه السور وحدها، وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرعة، لا يدرى أين طرفاها؟

تريد الكملة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الرَّعْدِ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .

.

.

الآيَةَ وهي ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ المر ﴾ قِيلَ مَعْناهُ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى.

﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي بِالكِتابِ السُّورَةَ وتِلْكَ إشارَةٌ إلى آياتِها أيْ: تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُّورَةِ الكامِلَةِ أوِ القُرْآنِ.

﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ هو القُرْآنُ كُلُّهُ ومَحَلُّهُ الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى ﴿ الكِتابِ ﴾ عُطِفَ العامُّ عَلى الخاصِّ أوْ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿ الحَقُّ ﴾ والجُمْلَةُ كالحُجَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الأوْلى، وتَعْرِيفُ الخَبَرِ وإنْ دَلَّ عَلى اخْتِصاصِ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَهو أعَمُّ مِنَ المُنَزَّلِ صَرِيحًا أوْ ضِمْنًا، كالمُثْبَتِ بِالقِياسِ وغَيْرِهِ مِمّا نَطَقَ المُنَزَّلُ بِحُسْنِ اتِّباعِهِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم ذكر ما يوجب الإيمان فقال {الله الذي رَفَعَ السماوات} أي خلقها مرفوعة لا أن تكون موضوعة فرفعها والله مبتدأ والخبر الذي رفع السموات {بِغَيْرِ عَمَدٍ} حال وهو جمع عماد أو عمود {ترونها} الضمير يعود الى السموات أي ترونها كذلك فلا حاجة إلى البيان أو إلى عمد فيكون في موضع جر على أنه صفة لعمد أي بغير عمد مرئية {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} استولى بالاقتدار ونفوذ السلطان {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} لمنافع عباده ومصالح بلاده {كُلٌّ يَجْرِي لأَِجَلٍ مُّسَمًّى} وهو انقضاء الدنيا {يُدَبِّرُ الأمر} أمر ملكوته وربوبيته {يُفَصّلُ الآيات} يبين آياته في كتبه المنزلة {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع اليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الرَّعْدِ (13) جاءَ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ هَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ فَقالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وأخْرَجَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ عَنْ عَطاءٍ عَنْهُ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا أنَّ في رِوايَةِ الأخِيرِ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ﴾ الآيَةَ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ ورُوِيَ أنَّ أوَّلَها إلى آخِرِ ﴿ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةَ مَدَنِيٌّ وباقِيها مَكِّيٌّ وفي الإتْقانِ يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ نَزَلَ في قِصَّةِ أرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ وعامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ حِينَ قَدِما المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: والَّذِي يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الِاخْتِلافِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِنها وهي ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ في المَدَنِيِّ وخَمْسٌ في البَصْرِيِّ وسَبْعٌ في الشّامِيِّ ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ ﴾ فَأجْمَلَ سُبْحانَهُ الآياتِ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ ثُمَّ فَصَّلَ جَلَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ هُنا أتَمَّ تَفْصِيلٍ وأيْضًا أنَّهُ تَعالى قَدْ أتى هُنا مِمّا يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ ما يَصْلُحُ شَرْحًا لِما حَكاهُ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ وأيْضًا في كُلٍّ مِنَ السُّورَتَيْنِ ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا مَعَ اشْتِراكِ آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ وأوَّلِ هَذِهِ فِيما فِيهِ وصْفُ القُرْآنِ كَما لا يَخْفى وجاءَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والمَرُوزِيُّ في الجَنائِزِ أنَّهُ كانَ يَسْتَحِبُّ إذا حَضَرَ المَيِّتُ أنْ يَقْرَأ عِنْدَهُ سُورَةَ الرَّعْدِ فَإنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنِ المَيِّتِ وأنَّهُ أهْوَنُ لِقَبْضِهِ وأيْسَرُ لِشَأْنِهِ وجاءَ في ذَلِكَ أخْبارٌ أُخَرُ نَصُّوا عَلى وضْعِها واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المر ) أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى وهو أحَدُ أقْوالِ مَشْهُورَةٍ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ جَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الكِتابَ بِمَعْنى السُّورَةِ وهو بِمَعْنى المَكْتُوبِ صادِقٌ عَلَيْها مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَجُوُّزٍ والإشارَةُ إلى آياتِها بِاعْتِبارِ أنَّها لِتِلاوَةِ بَعْضِها والبَعْضِ الآخَرِ في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ صارَتْ كالحاضِرَةِ أوْ لِثُبُوتِها في اللَّوْحِ أوْ مَعَ المَلِكِ والمَعْنى تِلْكَ الآياتُ السُّورَةُ الكامِلَةُ العَجِيبَةُ في بابِها واسْتُفِيدَ هَذا عَلى ما قِيلَ مِنَ اللّامِ وذَلِكَ أنَّ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ فالمَآلُ ذَلِكَ الكِتابُ والخَبَرُ إذا عُرِّفَ بِلامِ الجِنْسِ أفادَ المُبالَغَةَ وأنَّ هَذا المَحْكُومَ عَلَيْهِ اكْتَسَبَ مِنَ الفَضِيلَةِ ما يُوجِبُ جَعْلَهُ نَفْسَ الجِنْسِ وأنَّهُ لَيْسَ نَوْعًا مِن أنْواعِهِ وحَيْثُ أنَّهُ في الظّاهِرِ كالمُمْتَنِعِ أُرِيدَ ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنَ و ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ والمَعْنى آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ آياتُ القُرْآنِ الَّذِي هو الكِتابُ العَجِيبُ الكامِلُ الغَنِيُّ عَنِ الوَصْفِ بِذَلِكَ المَعْرُوفُ بِهِ مِن بَيْنِ الكُتُبِ الحَقِيقُ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ جَمِيعُهُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُنَزَّلُ حِينَئِذٍ ورُجِّحَ إرادَةُ القُرْآنِ بِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ المُسْتَغْنِي عَنِ النَّعْتِ وبِهِ يَظْهَرُ جَمِيعُ ما أُرِيدَ مِن وصْفِ الآياتِ بِوَصْفِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ بِخِلافِ ما إذا جُعِلَ عِبارَةً عَنِ السُّورَةِ فَإنَّها لَيْسَتْ بِتِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الشُّهْرَةِ في الِاتِّصافِ بِذَلِكَ المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالوَصْفِ وفِيهِ بَحْثٌ وأيًّا ما كانَ فَلا مَحْذُورَ في حَمْلِ آياتِ الكِتابِ عَلى تِلْكَ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى ما قَصَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُشارُ إلَيْها في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالكِتابِ ما يَشْمَلُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى المر مُرادًا بِها حُرُوفُ المُعْجَمِ أيْضًا وجَعْلَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً أوَّلًا و ﴿ تِلْكَ ﴾ مُبْتَدَأً ثانِيًا و ﴿ آياتُ ﴾ خَبَرَهُ والجُمْلَةَ خَبَرَ الأوَّلِ والرّابِطَ الإشارَةَ وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ المَوْصُولَ فِيهِ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةَ ﴿ أُنْزِلَ ﴾ مِنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ صِلَتُهُ و ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ و ﴿ الحَقُّ ﴾ خَبَرٌ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عِنْدَ كَثِيرٍ القُرْآنُ كُلُّهُ والكَلامُ اسْتِدْراكٌ عَلى وصْفِ السُّورَةِ فَقَطْ بِالكَمالِ وفي أُسْلُوبِهِ قَوْلُ فاطِمَةَ الأنْمارِيَّةِ وقَدْ قِيلَ لَها: أيُّ بَنِيكِ أفْضَلُ رَبِيعٌ بَلْ عِمارَةُ بَلْ قَيْسٌ بَلْ أنَسٌ ثَكِلْتُهم إنْ كُنْتُ أعْلَمُ أيُّهم أفْضَلُ واللَّهِ إنَّهم كالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها وذَلِكَ كَما أنَّها نَفَتِ التَّفاضُلَ آخِرًا بِإثْباتِ الكَمالِ لِكُلِّ واحِدٍ دَلالَةً عَلى أنَّ كَمالَ كُلٍّ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ وهو إجْمالٌ بَعْدَ التَّفْصِيلِ لِهَذا الغَرَضِ كَذَلِكَ لَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِهَذِهِ السُّورَةِ خُصُوصًا الكَمالَ اسْتَدْرَكَهُ بِأنَّ كُلَّ المُنَزَّلِ كَذَلِكَ لا يَخْتَصُّ بِهِ سُورَةٌ دُونَ أُخْرى لِلدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ وهو عَلى ما قِيلَ مَعْنًى بَدِيعٌ ووَجْهٌ بَلِيغٌ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقِيلَ: إنَّهُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إذا كانَ كُلُّ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ حَقًّا فَذَلِكَ المُنَزَّلُ أيْضًا حَقٌّ ضَرُورَةَ أنَّهُ مِن كُلِّ المُنَزَّلِ فَهو كامِلٌ لِأنَّهُ لا أكْمَلَ مِنَ الحَقِّ والصِّدْقِ ولِخَفاءِ أمْرِ الِاسْتِدْلالِ قالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ إنَّهُ كالحُجَّةِ عَلى ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى ومَعَ ذا لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ أيْضًا ولَوْ قِيلَ: المُرادُ بِالكَمالِ فِيما تَقَدَّمَ الكَمالُ الرّاجِعُ إلى الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ وصْفًا لِلْمُشارِ إلَيْهِ بِالإعْجازِ مِن جِهَةِ ذَلِكَ ويَكُونُ هَذا وصْفًا لَهُ بِخُصُوصِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ أوْ لِما يَشْمَلُهُ وغَيْرُهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ فِيهِ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مُطابِقًا لِلْواقِعِ إذْ لا تَسْتَدْعِي الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ الحَقِّيَّةُ كَما يَشْهَدُ بِهِ الرُّجُوعُ إلى المَقاماتِ الحَرِيرِيَّةِ لَمْ يَبْعُدْ كُلَّ البُعْدِ فَتَدَبَّرْ وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَ ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ هو الخَبَرُ و ﴿ الحَقُّ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ كِلاهُما خَبَرٌ واحِدٌ كَما قِيلَ في: الرُّمّانُ حُلْوٌ حامِضٌ وهو إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ المَوْصُولِ في مَحَلِّ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى ﴿ الكِتابِ ﴾ و ﴿ الحَقُّ ﴾ حِينَئِذٍ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ لا غَيْرَ.

قِيلَ: والعَطْفُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ أوْ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى كَما قالُوا في قَوْلِهِ: هُوَ المَلِكُ القَرْمُ وابْنُ الهُمامُ ......

البَيْتَ وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ مِن عَطْفِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ أوْ مِن عَطْفِ أحَدِ المُتَرادِفَيْنِ عَلى الآخَرِ ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ وإذا أُرِيدَ بِالكِتابِ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ فَأمْرُ العَطْفِ ظاهِرٌ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ( الَّذِي ) نَعْتًا لِلْكِتابِ بِزِيادَةِ الواوِ في الصِّفَةِ كَما في أتانِي كِتابُ أبِي حَفْصٍ والفارُوقِ والنّازِلِينَ والطَّيِّبِينَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الَّذِي ذُكِرَ في زِيادَةِ الواوِ لِلْإلْصاقِ خَصَّهُ صاحِبُ المُغْنِي بِما إذا كانَ النَّعْتُ جُمْلَةً ولَمْ نَرَ مَن ذَكَرَهُ في المُفْرَدِ.

وأجازَ الحُوفِيُّ أيْضًا كَوْنَ المَوْصُولِ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ آياتُ ﴾ وجَعْلَ ﴿ الحَقُّ ﴾ نَعْتًا لَهُ وهو كَما تَرى ثُمَّ المَقْصُودُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿ الحَقُّ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَذْكُورٍ أوْ مَحْذُوفٍ قَصَرَ الحَقِّيَّةَ عَلى المُنَزَّلِ لِعَراقَتِهِ فِيها ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَداهُ لَيْسَ بِحَقٍّ أصْلًا عَلى أنَّ حَقِّيَّتَهُ مُسْتَتْبَعَةٌ لِحَقِّيَّةِ سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ وساقَ بَعْضُ نُفاةِ القِياسِ هَذِهِ الآيَةَ بِناءً عَلى تَضَمُّنِها الحَصْرَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَقالُوا: الحُكْمُ المُسْتَنْبَطُ بِالقِياسِ غَيْرُ مُنَزَّلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَكانَ مَن يَحْكُمُ بِهِ كافِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ وكُلُّ ما لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِحَقٍّ لِهَذِهِ الآيَةِ لِدَلالَتِها عَلى أنَّ لا حَقَّ إلّا ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى والمُثْبِتُونَ لِذَلِكَ أبْطَلُوا ما ذَكَرُوهُ في المُقَدِّمَةِ الأُولى بِأنَّ المُرادَ بِعَدَمِ الحُكْمِ الإنْكارُ وعَدَمُ التَّصْدِيقِ أوِ المُرادُ مَن لَمْ يَحْكم بِشَيْءٍ أصْلًا مِمّا أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى ولا شَكَّ أنَّهُ مِن شَأْنِ اِلْكَفَرَةِ أوِ المُرادُ بِما أنْزَلَهُ هُناكَ التَّوْراةُ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ ونَحْنُ غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ بِها فَيَخْتَصُّ بِاليَهُودِ ويَكُونُ المُرادُ الحُكْمُ بِكُفْرِهِمْ إذْ لَمْ يَحْكُمُوا بِكِتابِهِمْ ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ كَما بُيِّنَ في شَرْحِ المَواقِفِ وما ذَكَرُوهُ في المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ بِأنَّ المُرادَ بِالمُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَشْمَلُ الصَّرِيحَ وغَيْرَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ القِياسُ لا نُدْرِجُهُ في حُكْمِ المَقِيسِ عَلَيْهِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وقَدْ جاءَ في المُنَزَّلِ صَرِيحًا ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ وهو دالٌّ عَلى ما حُقِّقَ في مَحَلِّهِ عَلى حُسْنِ اتِّباعِ القِياسِ عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ المَقْصُودَ مِنَ الحَصْرِ.

ويُحْتَمَلُ أيْضًا عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الحَقُّ لا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ الغَيْرِ المُنَزَّلَةِ أوِ المُنَزَّلَةِ إلى غَيْرِهِ بِناءً عَلى تَحْرِيفِها ونَسْخِها وقَدْ يُقالُ: إنَّ دَلِيلَهم مَنقُوضٌ بِالسُّنَّةِ والإجْماعِ والجَوابُ الجَوابُ ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِالمَوْصُولِ وإسْنادِ الإنْزالِ إلَيْهِ بِصِيغَةِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والتَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ المُنَزَّلِ وتَشْرِيفِ المُنَزَّلِ والإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ ما لا يَخْفى ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ قِيلَ هم كُفّارُ مَكَّةَ وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والأوْلى أنْ يُرادَ أكْثَرُهم مُطْلَقًا ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

(1) .

بِذَلِكَ الحَقِّ المُبِينِ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ فَعَدَمُ إيمانِهِمْ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُتَعَلِّقٌ بِعُنْوانِ حَقِّيَّتِهِ لِأنَّهُ المَرْجِعُ لِلتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ لا بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا كَما قِيلَ ولِأنَّهُ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الوَصْفِ دُونَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي: أربعون وخمس آيات كلها مكية، غير آيتين: قوله تعالى وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.

ويقال: كلها مكية قوله تعالى: المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى، ويقال: معناه أنا الله أعلم وأرى ما تحت العرش إلى الثرى، وما بينهما.

ويقال: أنا الله أعلم وأرى ما لا يعلم الخلق، وما لا يرى.

ويقال: أنا الله أعلم، وأرى ما يعملون ويقولون.

ويقال: هذا قسم أقسم الله به تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ قال قتادة: يعني: التي قبل القرآن، من التوراة والإنجيل وَالَّذِي يعني: القرآن أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: الكتب التي قبل القرآن، والقرآن الذي أُنزل إليك، كله من الله تعالى وهو الحق، والإيمان به واجب.

وقال ابن عباس: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: تلك «آيات القرآن» .

ومعناه: هذه آيات الكتاب.

وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: القرآن.

ويقال: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: الأحكام والحجج والدلائل وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: جبريل، ليقرأ عليك من ربك الحق.

يعني: اتبعوه واعملوا به.

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني: أهل مكة لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون أنه من الله تعالى.

فلما ذكر أنهم لا يؤمنون، بيّن في الدلائل التي توجب التصديق بالخالق، فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يعني: ليس لها عمد ترونها، يعني: بلا عمد تبصرونها، وهذا قول الحسن وقتادة: وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: معناه، «لها عمد، ولكن لا ترونها.

يعني: أنتم ترونها بغير عمد في المشاهدة، ولكن لها عمد» .

وكلا التفسيرين معناهما واحد، لأن من قال: إن لها عمداً ولكن لا ترونها، يقول: العمد هو قدرة الله تعالى التي تمسك السموات والأرض.

ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال ابن عباس: «كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض» ، وقد ذكرناه من قبل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، ذلك لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يقول: يسير إلى وقت معلوم لا يجاوزه، وللشمس والقمر منازل، كل واحد منهما يغرب في كل ليلة في منزل ويطلع في منزل، حتى ينتهي إلى أقصى منازله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يعني: يقضي القضاء، ويبعث الملائكة بالوحي والتنزيل يُفَصِّلُ الْآياتِ يقول: يبيّن العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ يعني: تصدقون بالبعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الرعد]

قيل: مكّيّة إلّا بعض آيات، وقيل: مدنية، والظاهر أنّ المدنيّ فيها كثير.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ: قال ابن عباس: هذه الحروفُ هي مِنْ قوله: «أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأرى» «١» .

وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ...

الاية: قال جمهور النَّاس: لاَ عَمَدَ للسموات ألبتَّة، وهذا هو الحَق و «العمدُ» : اسم جَمْعٍ.

قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: «ثم» هنا: لعطفِ الجُمَلِ، لا للترتيبِ لأن الاستواء على العَرْش قبل رَفْعِ السموات، ففي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ» «٢» وقد تقدَّم القول في هذا، وفي معنى الاستواء.

ت: والمعتَقَدُ في هذا: أنه سبحانَهُ مستو على العرشِ على الوَجْهِ الذي قاله، وبالمعنَى الذي أراده استواء منزَّهاً عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّن والحلولِ والانتقال، لا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الرَّعْدِ * فَصْلٌ في نُزُولِها اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ.

.

﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ [الرَّعْدُ:٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ جابِرُ ابْنُ زَيْدٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِمَكَّةَ، وهُما قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ.

.

﴾ إلى آخِرِها [الرَّعْدِ:٣١] .

وقالَ بَعْضُهم: المَدَنِيُّ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: " آلمر " قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) جُمْلَةً مِنَ الكَلامِ في مَعانِي هَذِهِ الحُرُوفِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنْهُ.

والثّانِي: أنا اللَّهُ أرى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ.

والثّالِثُ: أنا اللَّهُ المَلِكُ الرَّحْمَنُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ في " تِلْكَ " قَوْلانِ، وفي " الكِتابِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في أوَّلِ (يُونُسَ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ وغَيْرَهُ مِنَ الوَحْيِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَرَّفَ الدَّلِيلَ الَّذِي يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِالخالِقِ فَقالَ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمَدُ: مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ بِالفَتْحَةِ، وبَعْضُهم يُحَرِّكُها بِالضَّمَّةِ، لِأنَّها جَمْعُ عَمُودٍ، وهو القِياسُ، لِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ هِجاؤُها أرْبَعَةُ أحْرُفٍ الثّالِثُ مِنها ألِفٌ أوْ ياءٌ أوْ واوٌ، فَجَمِيعُهُ مَضْمُومُ الحُرُوفِ، نَحْوُ رَسُولٍ، والجَمْعُ: رُسُلٌ، وحِمارٌ، والجَمْعُ: حُمُرٌ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ جاءَتْ أسامٍ اسْتَعْمَلُوا جَمِيعَها بِالحَرَكَةِ والفَتْحَةِ، نَحْوُ عَمُودٍ، وأدِيمٍ، وإهابٍ، قالُوا: أدَمٌ، وَأهَبٌ.

ومَعْنى " عَمَدٍ ": سَوارٍ، ودَعائِمُ، وما يَعْمِدُ البِناءَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: " بِغَيْرِ عُمُدٍ " بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ تَرَوْنَها ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هاءَ الكِنايَةِ تَرْجِعُ إلى السَّمَواتِ، فالمَعْنى: تَرَوْنَها بِغَيْرِ عَمَدٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَرَوْنَها " خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى: رَفَعَ السَّمَواتِ بِلا دِعامَةٍ تُمْسِكُها، ثُمَّ قالَ: " تَرَوْنَها " أيْ: ما تُشاهِدُونَ مِن هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، يُغْنِيكم عَنْ إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَمَدِ، فالمَعْنى: إنَّها بِعَمْدٍ لا تَرَوْنَها، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ: لَها عَمَدٌ عَلى قافٍ، ولَكِنَّكم لا تَرَوْنَ العَمَدَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما لِما يُرادُ مِنهُما ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أيْ: إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، وهو فَناءُ الدُّنْيا.

﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أيْ: يُصَرِّفُهُ بِحِكْمَتِهِ.

﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ لِكَيْ تُوقِنُوا بِذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ: " نُدَبِّرُ الأمْرَ نُفَصِّلُ الآياتِ " بِالنُّونِ فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا  ﴾ الآيَةَ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ  ﴾ ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ المَدَنِيَّ فِيها كَثِيرٌ، وكُلُّ ما نَزَلَ في شَأْنِ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، وذَكَرَهُ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في فَواتِحِ السُوَرِ وذِكْرِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَخُصُّ هَذا المَوْضِعَ مِن ذَلِكَ هو ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هي مِن قَوْلِهِ: أنا اللهُ أعْلَمُ وأرى"، ومَن قالَ: "إنَّ حُرُوفَ أوائِلَ السُوَرِ هي مِثالٌ لِحُرُوفِ المُعْجَمِ" قالَ: الإشارَةُ هُنا بِـ "تِلْكَ" هي إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "الكِتابِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ.

و"المر"-عَلى هَذا- ابْتِداءٌ، وَ"تِلْكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"آياتُ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ.

وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في "المر" تَكُونُ "تِلْكَ" ابْتِداءً، و"آياتُ" بَدَلٌ مِنهُ، ويَصِحُّ في "الكِتابِ" التَأْوِيلانِ اللَذانِ تَقَدَّما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ .

"الَّذِي" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"الحَقُّ" خَبَرُهُ، وعَلى هَذا تَأْوِيلُ مَن يَرى ﴿ المر تِلْكَ ﴾ حُرُوفَ المُعْجَمِ، و"تِلْكَ" و"آياتُ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ يَكُونُ "الَّذِي" عَطْفًا عَلى "تِلْكَ"، و"الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ"، وإذا أُرِيدَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ فالمُرادُ بِـ " الَّذِي أُنْزِلَ " جَمِيعُ الشَرِيعَةِ، ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنها وما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ.

ويَصِحُّ في "الَّذِي" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الكِتابِ"، فَإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" القُرْآنَ كانَتِ الواوُ عَطْفَ صِفَةٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الظَرِيفُ والعاقِلُ وأنْتَ تُرِيدُ شَخْصًا واحِدًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" التَوْراةَ والإنْجِيلَ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ، فَإنْ تَأوَّلْتَ -مَعَ ذَلِكَ- "المر" حُرُوفَ المُعْجَمِ رَفَعْتَ قَوْلَهُ: "الحَقُّ" عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: هو الحَقُّ، وإنْ تَأوَّلْتَها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَـ "الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ".

ومَن رَفَعَ "الحَقُّ" بِإضْمارِ ابْتِداءٍ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ إنْ شاءَ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ ﴾ الآيَةَ.

لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ تَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِهِ، وبِذِكْرِ الأدِلَّةِ الداعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "تَرَوْنَها" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "السَماواتِ" فَـ "تَرَوْنَها" -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لا عَمَدَ لِلسَّماواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "العَمَدِ"، فَـ "تَرَوْنَها" عَلى هَذا- صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: لِلسَّماواتِ عَمَدَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما يُدْرِيكَ أنَّها بِعَمَدٍ لا تُرى، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ جَبَلُ قافٍ المُحِيطُ بِالأرْضِ، والسَماءُ عَلَيْهِ كالقُبَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والحَقُّ أنْ لا عَمَدَ جُمْلَةً، إذِ العَمَدُ يَحْتاجُ إلى عَمَدٍ، ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ فَلا بُدَّ مِن وُقُوفِهِ عَلى القُدْرَةِ، وهَذا هو الظاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ  ﴾ ، ونَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.

وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ: السَماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلى الأرْضِ مِثْلَ القُبَّةِ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "تَرَوْنَهُ" بِتَذْكِيرِ الضَمِيرِ.

و"العَمَدُ" اسْمُ جَمْعِ عَمُودٍ، والبابُ في جَمْعِهِ "عُمُدٌ" بِضَمِّ الحُرُوفِ الثَلاثَةِ، كَرَسُولِ ورُسُلٍ وشِهابِ وشُهُبٍ، وغَيْرِهِ.

ومِن هَذِهِ الكَلِمَةِ قَوْلُ النابِغَةِ: وخَبَّرَ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُفّاحِ والعُمُدِ وقالَ الطَبَرِيُّ: "العَمَدُ (بِفَتْحِ العَيْنِ) جَمْعُ عَمُودٍ، كَما جُمِعَ الأدِيمُ أدَمًا"، ولَيْسَ كَما قالَ.

وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأدَمَ اسْمُ جَمْعٍ، وكَذَلِكَ نَصَّ اللُغَوِيُّونَ عَلى العَمَدِ، ولَكِنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَكَرَ الأمْرَ غَيْرَ مُتَيَقِّنٍ فاتَّبَعَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "بِغَيْرِ عُمُدٍ" بِضَمِّ العَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "ثُمَّ" هي هُنا لِعَطْفِ الجُمَلِ لا لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ قَبْلَ رَفْعِ السَماواتِ، فَفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "كانَ اللهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ".» وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في كَلامِ الناسِ في الِاسْتِواءِ، واخْتِصارُهُ أنَّ أبا المَعالِي رَجَّحَ أنَّهُ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، وقالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ وغَيْرُهُ: "اسْتَوى" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: اسْتَوْلى، والِاسْتِيلاءُ قَدْ يَكُونُ دُونَ قَهْرٍ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وقالَ سُفْيانُ: فَعَلَ فِعْلًا سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الفَرّاءُ: رَسُولُ اللهِ "اسْتَوى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فَعَلَ زَيْدٌ كَذا ثُمَّ اسْتَوى إلَيَّ يُكَلِّمُنِي"، بِمَعْنى أقْبَلَ وقَصَدَ، وحُكِيَ لِي عن أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: "العَرْشِ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَصْدَرُ "عَرَشَ"، فَكَأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ العَرْشَ: المُلْكُ، وهَذا يُؤَيِّدُ مَنزَعَ أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ إذْ قالَ: "العَرْشُ مَصْدَرٌ"، وهَذا خِلافَ ما مَشى عَلَيْهِ الناسُ مِن أنَّ "العَرْشَ" هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وهو الشَخْصُ الَّذِي كانَ عَلى الماءِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُرْسِيُّ، وأيْضًا فَيَنْبَغِي النَظَرُ عَلى أبِي الفَضْلِ في مَعْنى الِاسْتِواءِ قَرِيبًا مِمّا هو عَلى قَوْلِ الجَمِيعِ.

وفي البُخارِيِّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "المَعْنى: عَلا عَلى العَرْشِ"، وكَذَلِكَ هي عِبارَةُ الطَبَرِيِّ، والنَظَرُ الصَحِيحُ يَدْفَعُ هَذِهِ العِبارَةَ.

وقَوْلُهُ: "وَسَخَّرَ" تَنْبِيهٌ عَلى القُدْرَةِ، و ﴿ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴾ في ضِمْنِ ذِكْرِهِما ذِكْرُ الكَواكِبِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ كُلٌّ يَجْرِي ﴾ ، أيْ كُلُّ ما هو في مَعْنى الشَمْسِ والقَمَرِ مِنَ التَسْخِيرِ، و"كُلٌّ" لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ ظاهِرَةً أو مُقَدَّرَةً.

والأجَلُ المُسَمّى هو انْقِضاءُ الدُنْيا وفَسادُ هَذِهِ البِنْيَةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " لِأجَلٍ مُسَمى" الحُدُودَ الَّتِي لا تَتَعَدّاها هَذِهِ المَخْلُوقاتُ، أيْ: تَجْرِي عَلى رُسُومٍ مَعْلُومَةٍ.

وَقَوْلُهُ: " يُدَبِّرُ" بِمَعْنى: يُبْرِمُ ويُنَفِّذُ، وعَبَّرَ بِالتَدْبِيرِ تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، إذِ التَدْبِيرُ إنَّما هو النَظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، وذَلِكَ مِن صِفَةِ البَشَرِ، و"الأمْرَ" عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ وما يَنْقَضِي في كُلِّ أوانٍ في السَماواتِ والأرْضِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: " يُدَبِّرُ الأمْرَ " مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُفَصِّلُ" وقَرَأ الحَسَنُ بِنُونِ العَظَمَةِ، ورَواها الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عن أبِي عَمْرٍو، وهُبَيْرَةَ عن حَفْصٍ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ولَمْ يَخْتَلِفا في "يُدَبِّرُ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: إنَّ الحَسَنَ قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما، والنَظَرُ يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: " يُفَصِّلُ الآيّات " لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: "يُدَبِّرُ" مِن تَعْدِيدِ الآياتِ، بَلْ لَمّا تَعَدَّدَتِ الآياتُ وفي جُمْلَتِها يُدَبِّرُ الأمْرَ أخْبَرَ أنَّهُ يُفَصِّلُها لَعَلَّ الكَفَرَةَ يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، و"الآياتِ" هُنا إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ في الآيَةِ وبَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم الكلام على نظائر ﴿ المر ﴾ مما وقع في أوائل بعض السور من الحروف المقطعة.

القول في ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ كالقول في نظيره من طالعة سورة يونس.

والمشار إليه ب ﴿ تلك ﴾ هو ما سبق نزوله من القرآن قبل هذه الآية أخبر عنها بأنها آيات، أي دلائل إعجازٍ، ولذلك أشير إليه باسم إشارة المؤنث مراعاة لتأنيث الخبر.

وقوله: ﴿ والذي أنزل إليك من ربك الحق ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ فيكون قوله: ﴿ والذي أنزل إليك ﴾ إظهار في مقام الإضمار.

ولم يكتف بعطف خبَرٍ على خبر اسم الإشارة بل جيء بجملة كاملة مبتدئة بالموصول للتعريف بأن آيات الكتاب منزلة من عند الله لأنها لما تقرر أنها آيات استلزم ذلك أنها منزلة من عند الله ولولا أنها كذلك لما كانت آيات.

وأخبر عن الذي أنزل بأنه الحق بصيغة القصر، أي هو الحق لا غيره من الكتب، فالقصر إضافي بالنسبة إلى كتب معلومة عندهم مثل قصة رستم وإسفَنْديار اللتين عرفهما النضر بن الحارث.

فالمقصود الردّ على المشركين الذين زعموه كأساطير الأولين؛ أو القصرُ حقيقي ادعائي مبالغة لعدم الاعتداد بغيره من الكتب السابقة، أي هو الحق الكامل، لأن غيره من الكتب لم يستكمل منتهى مراد الله من الناس إذ كانت درجات موصلة إلى الدرجة العليا، فلذلك ما جاء منها كتاب إلا ونسخ العمل به أو عيّن لأمة خَاصة «إنّ الدين عند الله الإسلام».

ويجوز أن يكون عطف مفرد على قوله: ﴿ الكتاب ﴾ مفرد، من باب عطف الصفة على الاسم، مثل ما أنشد الفراء: إلى الملك القرم وابن الهم ام وليث الكتيبة بالمزدحم والإتيان ب ﴿ ربك ﴾ دون اسم الجلالة للتلطف.

والاستدراكُ بقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ راجع إلى ما أفاده القصر من إبطال مساواة غيره له في الحقية إبطالاً يقتضي ارتفاع النزاع في أحقيته، أي ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بما دلت الأدلة على الإيمان به، فمن أجل هذا الخلق الذميم فيهم يستمر النزاع منهم في كونه حقاً.

وابتداء السورة بهذا تنويه بما في القرآن الذي هذه السورة جزء منه مقصود به تهيئة السامع للتأمل مما سيرد عليه من الكلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الرَّعْدِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةِ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ مِنها وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ إلى آخِرِهِما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ وفي الكِتابِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الزَّبُورُ، وهو قَوْلُ مَطَرٍ.

الثّانِي: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَ قَتادَةُ.

فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ.

﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَعْنِي بِالقُرْآنِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ بِالحَقِّ.

وَفي المُرادِ بِـ ﴿ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أكْثَرُ اليَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ أكْثَرَهم لَمْ يُسْلِمْ.

الثّانِي: أكْثَرُ النّاسِ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ  .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ المر ﴾ قال: أنا الله أرى.

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ قال: التوراة والإِنجيل ﴿ والذي أنزل إليك من ربك الحق ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن ﴿ والذي أنزل إليك من ربك الحق ﴾ أي هذا القرآن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ المر ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ يجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ما مضى، من ذكر الأخبار والقصص بما أنزل على محمد -  -، قبل هذه الآية، ويجوز أن يكون (تلك) بمعنى هذه، وقد ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ  ﴾ ، والكتاب يعني به: التوراة والإنجيل في قول مجاهد (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى ﴿ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ﴾ قال الفراء (٦) (٧) (٨) إلى المَلِكِ القَرْمِ وابن الهُمَام ...

البيت) فعطف الواو وهو يريد واحداً، ويكون (الحق) مرفوعًا بما ذكرنا من الإضمار، هذا كله قول الفراء (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ قال ابن عباس (١٢) (١٣) (١) الطبري 13/ 91، و"زاد المسير" 4/ 300، والثعلبي 7/ 119 أ، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 80.

(٢) "زاد المسير" 4/ 300.

(٣) الطبري 13/ 92، و"زاد المسير" 4/ 4، والثعلبي 7/ 119 أ.

(٤) الطبري 13/ 92، و"زاد المسير" 4/ 4، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 81، والثعلبي 7/ 119 أ.

(٥) "زاد المسير" 4/ 4، الثعلبي 7/ 119 أ.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 57.

(٧) في (ج): (يرفع).

(٨) البيت بلا نسبة في "الإنصاف" لابن الأنباري ص 376، و"خزانة الأدب" 1/ 451، 5/ 107، 6/ 91، و"شرح قطر الندى" ص 295، و"الكشاف" 1/ 41، و"البحر" 5/ 213، والقرطبي 1/ 272، والطبري 13/ 92.

(٩) معاني القرآن 2/ 57، 58.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 135.

(١١) كذا في النسخ ولعله (رفع).

(١٢) "زاد المسير" 4/ 300.

(١٣) "تفسير مقاتل" 158 ب، الثعلبي 7/ 119 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تِلْكَ آيات الكتاب ﴾ أي آيات هذه السورة ويحتمل أن يريد آيات الكتب على الإطلاق، ويحتمل أن يريد القرآن على الإطلاق، وهذا بعيد لتكرار القرآن بعد ذلك ﴿ والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن وإعرابه مبتدأ وخبره الحق ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ أي بغير شيء تقف إلا قدرة الله ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ قيل: الضمير للسموات، وترونها على هذا في موضع الحال أو استئنافاً، وقيل: الضمير للعَمَد أي ليس لها عمد مرئية فيقتضي المفهوم من أن لها عَمداً لا تُرى، وقال الجمهور: لا عمد لها البتة، فالمراد نفي العمد ونفي رؤيتها ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب وقوع الأمر، فإن العرش كان قبل خلق السموات، وتقدّم الكلام على الاستواء في [الأعراف: 53] ﴿ يُدَبِّرُ الأمر ﴾ يعني أمر الملكوت ﴿ يُفَصِّلُ الآيات ﴾ يعني آيات كتبه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ الۤمۤر ﴾ كناية عن الأحرف المقطعة المعجمة؛ فيكون قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ تفسير ﴿ الۤمۤر ﴾ .

هذا هو الظاهر: أن يقال في كل الحروف المعجمة والمقطعة: أن يكون ما ذكر من بعدها على أثرها كان تفسيراً لها.

والثاني: يشبه أن يكون قوله: ﴿ الۤمۤر ﴾ كناية عن الحجج والبراهين وسائر الكتب؛ كأنه قال: تلك الحجج والبراهين وسائر الكتب - جعلناها آيات القرآن وحججه، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ \[هو القرآن الذي أنزل\].

قال بعضهم: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ هو الحق: القرآن الذي أنزل على محمد  .

وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هو القرآن [والذي أنزل إليك من ربك - أيضاً - هو القرآن،] لكنه أخبر أنه منزل من ربك الحق.

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ ﴾ يحتمل: هو الحق؛ أي: منزل من الله؛ ليس كما قال أولئك إنه ليس من الله؛ إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه.

ويحتمل: ﴿ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أنه من الله، أو أكثر الناس لا يؤمنون أنه آيات الله وحججه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ المر ﴾ .

تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

هذه الآيات الرفيعة في هذه السورة، والقرآن الذي أنزله الله عليك -أيها الرسول- هو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك أنه من عند الله، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون به عنادًا وتكبرًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.oQJ2o"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله