الآية ٤ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٤ من سورة الرعد

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّـٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وفي الأرض قطع متجاورات ) أي : أراض تجاور بعضها بعضا ، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا .

هكذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وغيرهم .

وكذا يدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض ، فهذه تربة حمراء ، وهذه بيضاء ، وهذه صفراء ، وهذه سوداء ، وهذه محجرة وهذه سهلة ، وهذه مرملة ، وهذه سميكة ، وهذه رقيقة ، والكل متجاورات .

فهذه بصفتها ، وهذه بصفتها الأخرى ، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .

وقوله : ( وجنات من أعناب وزرع ونخيل ) يحتمل أن تكون عاطفة على ) جنات ) فيكون ( وزرع ونخيل ) مرفوعين .

ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب ، فيكون مجرورا; ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة .

وقوله : ( صنوان وغير صنوان ) الصنوان : هي الأصول المجتمعة في منبت واحد ، كالرمان والتين وبعض النخيل ، ونحو ذلك .

وغير الصنوان : ما كان على أصل واحد ، كسائر الأشجار ، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه ، كما جاء في الحديث الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر : " أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه ؟

" .

وقال سفيان الثوري ، وشعبة ، عن أبى إسحاق ، عن البراء ، رضي الله عنه : الصنوان : هي النخلات في أصل واحد ، وغير الصنوان : المتفرقات .

وقاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقوله : ( يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) قال الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) قال : " الدقل والفارسي ، والحلو والحامض " .

رواه الترمذي وقال : حسن غريب .

أي : هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع ، في أشكالها وألوانها ، وطعومها وروائحها ، وأوراقها وأزهارها .

فهذا في غاية الحلاوة وذا في غاية الحموضة ، وذا في غاية المرارة وذا عفص ، وهذا عذب وهذا جمع هذا وهذا ، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى .

وهذا أصفر وهذا أحمر ، وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق .

وكذلك الزهورات مع أن كلها يستمد من طبيعة واحدة ، وهو الماء ، مع هذا الاختلاف الكبير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ، ففي ذلك آيات لمن كان واعيا ، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار ، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد; ولهذا قال تعالى : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (وفي الأرض قطع متجاورات)، وفي الأرض قطع منها متقاربات متدانيات، يقرب بعضها من بعض بالجوار, وتختلف بالتفاضل مع تجاورها وقرب بعضها من بعض, فمنها قِطْعة سَبَخَةٌ لا تنبت شيئًا في جوار قطعة طيبة تنبت وتنفع .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20067- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: السَّبَخة والعَذِيَة, (32) والمالح والطيب .

20068- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: سِبَاخٌ وعَذَويّة .

20069- حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله .

20070- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا إسحاق بن سليمان, عن أبي سنان, عن ابن عباس في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: العَذِيَة والسَّبخة .

20071- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) يعني: الأرض السبخة, والأرض العذية, يكونان جميعًا متجاورات, يُفضِّل بعضها على بعض في الأكُل .

(33) 20072- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (قطع متجاورات) العذية والسبخة، متجاورات جميعًا, تنبت هذه, وهذه إلى جنبها لا تُنْبِت .

20073- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (قطع متجاورات) طيِّبها: عذبُها, وخبيثها: السَّباخ .

20074- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .

20075- ......

قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20076- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قُرًى قَرُبت متجاورات بعضها من بعض .

20077- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: قُرًى متجاورات .

20078- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا هشيم, عن أبي إسحاق الكوفي, عن الضحاك, في قوله: (قطع متجاورات) قال: الأرض السبخة، (34) تليها الأرض العَذِية .

(35) 20079- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) يعني الأرض السَّبِخة والأرض العَذِيَة, متجاورات بعضها عند بعض .

20080- حدثنا الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: الأرض تنبت حُلوًا, والأرض تنبت حامضًا, وهي متجاورة تسقى بماءٍ واحد.

20081- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: يكون هذا حلوًا وهذا حامضًا, وهو يسقى بماء واحد, وهن متجاورات .

20082- حدثني عبد الجبار بن يحيى الرملي قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن ابن شوذب في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: عَذِيَة ومالحة .

(36) * * * وقوله: (وجنات من أعناب وزرع ونخيل صِنْوان وغير صنوان يسقى بماء واحدٍ ونفضّل بعضها على بعض في الأكُل) يقول تعالى ذكره: وفي الأرض مع القطع المختلفات المعاني منها, بالملوحة والعذوبة, والخبث والطيب, (37) مع تجاورها وتقارب بعضها من بعض, بساتين من أعناب وزرع ونخيلٍ أيضًا, متقاربةٌ في الخلقة مختلفة في الطعوم والألوان, مع اجتماع جميعها على شرب واحد.

فمن طيّبٍ طعمُه منها حسنٍ منظره طيبةٍ رائحته, ومن حامضٍ طعمه ولا رائحة له .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20083- حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, في قوله: (وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) قال: مجتمع وغير مجتمع" تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل " ، قال: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود, وبعضها أكثر حملا من بعض, وبعضه حلو, وبعضه حامض, وبعضه أفضل من بعض .

20084- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وجنات) قال: وما معها .

20085- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد 20086- قال المثنى, وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (وزرع ونخيل) فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة: (وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ) بالخفض عطفًا بذلك على " الأعناب ", بمعنى: وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ, وجناتٌ من أعناب ومن زرع ونخيل .

وقرأ ذلك بعض قرأة أهل البصرة: (وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ) بالرفع عطفًا بذلك على " الجنات ", بمعنى: وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ من أعناب, وفيها أيضًا زرعٌ ونخيلٌ .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى, وقرأ بكل واحدةٍ منهما قرأة مشهورون, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وذلك أن " الزرع والنخيل " إذا كانا في البساتين فهما في الأرض, وإذا كانا في الأرض فالأرض التي هما فيها جنة, فسواءٌ وُصِفَا بأنهما في بستانٍ أو في أرضٍ .

* * * وأما قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) .

فإن " الصنوان: " جمع " صنو ", وهي النخلات يجمعهن أصل واحد, لا يفرَّق فيه بين جميعه واثنيه إلا بالإعراب في النون, وذلك أن تكون نونه في اثنيه مكسورةً بكل حال, وفي جميعه متصرِّفة في وجوه الإعراب, ونظيره " القِنْوان ": واحدها " قِنْوٌ" .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20087- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء: (صنوان) قال: المجتمع(وغير صنوان) : المتفرِّق .

20088- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا الحسين, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: (صنوان) : هي النخلة التي إلى جنبها نخلاتٌ إلى أصلها,(وغير صنوان) : النخلة وحدَها .

20089- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء بن عازب: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": النخلتان أصلهما واحد,(وغير صنوان) النخلة والنخلتان المتفرّقتان .

20090- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية قال: النخلة تكون لها النخلات(وغير صنوان) النخل المتفرّق .

20091- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عمرو بن الهيثم أبو قطن, ويحيى بن عباد وعفان, واللفظ لفظ أبي قطن قال،حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق, عن البراء, في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": النخلة إلى جنبها النخلات(وغير صنوان) : المتفرق .

(38) 20092- حدثنا الحسن قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان "، النخلات الثلاث والأربع والثنتان أصلهن واحد(وغير صنوان)، المتفرّق .

20093- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان وشريك, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: النخلتان يكون أصلهما واحد(وغير صنوان): المتفرّق .

20094- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (صنوان) يقول: مجتمع .

20095- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) يعني بالصنوان: النخلة يخرج من أصلها النخلات, فيحمل بعضه ولا يحمل بعضه, فيكون أصله واحدا ورءوسه متفرقة .

20096- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (صنوان وغير صنوان) النخيل في أصل واحد وغير صنوان: النخيل المتفرّق .

20097- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (ونخيل صنوان وغير صنوان) قال: مجتمع, وغير مجتمع .

20098- حدثني المثنى قال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق, عن البراء قال: " الصنوان ": ما كان أصله واحدًا وهو متفرق(وغير صنوان): الذي نبت وحدَه .

(39) 20099- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (صنوان) النخلتان وأكثر في أصل واحد (وغير صنوان) وحدَها .

20100- حدثنا المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (صنوان) : النخلتان أو أكثر في أصل واحد,(وغير صنوان) واحدة .

20101- ......

قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20102- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سلمة بن نبيط, عن الضحاك: (صنوان وغير صنوان) قال: الصنوان: المجتمع أصله واحد, وغير صنوان: المتفرق أصله .

20103- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": المجتمع الذي أصله واحد(وغير صنوان): المتفرّق .

20104- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) أما " الصنوان ": فالنخلتان والثلاث أصولُهن واحدة وفروعهن شتى,(وغير صنوان)، النخلة الواحدة .

20105- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (صنوان وغير صنوان) قال: صنوان: النخلة التي يكون في أصلها نخلتان وثلاث أصلهنّ واحدٌ .

20106- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": النخلتان أو الثلاث يكنَّ في أصل واحد, فذلك يعدُّه الناس صنوانًا .

(40) 20107- حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: حدثني رجل: أنه كان بين عمر بن الخطاب وبين العباس قول, فأسرع إليه العباس, (41) فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله, ألم تر عباسًا فعل بي وفعل!

فأردت أن أجيبه, فذكرتُ مكانه منك فكففت: فقال: يرحمك الله، إنّ عمّ الرجل صِنْوُ أبيه .

(42) 20108- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: (صنوان) : النخلة التي يكون في أصلها نخلتان وثلاث أصلهن واحد ; قال: فكان بين عمر بن الخطاب وبين العباس رضي الله عنهما قولٌ, فأسرع إليه العباس, فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ألم تر عباسًا فعل بي وفعل!

فأردت أن أجيبه.

فذكرتُ مكانه منك فكففت عند ذلك, فقال: يرحمك الله إن عم الرجل صِنْو أبيه (43) .

20109- ...............

قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة, عن داود بن شابور, عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تؤذوني في العباس فإنه بقية آبائي, وإنّ عمّ الرجل صنو أبيه .

20110- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا حجاج, عن عطاء, وابن أبي مليكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: يا عمر أما علمت أن عم الرجل صِنْوُ أبيه؟.

(44) 20111- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: (صنوان قال: في أصل واحد ثلاث نخلات, كمثل ثلاثةٍ بني أم وأب يتفاضلون في العمل, كما يتفاضل ثمر هذه النخلات الثلاث في أصل واحد قال ابن جريج: قال مجاهد: كمثل صالح بنى آدم وخبيثهم، أبوهم واحد .

20112- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا حجاج بن محمد, عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الله, عن مجاهد, نحوه .

(45) 20113- حدثني القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, عن الحسن قال: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم.

كانت الأرض في يد الرحمن طينةً واحدة, فسطحها وبَطَحها, فصارت الأرض قطعًا متجاورة, فينـزل عليها الماء من السماء, فتخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها.

وتخرج نباتها وتحيي مواتها, وتخرج هذه سبَخَها وملحها وخَبَثَها, وكلتاهما تسقى بماء واحد.

فلو كان الماء مالحا, قيل: إنما استسبخت هذه من قبل الماء!

كذلك الناس خلقوا من آدم, فتنـزل عليهم من السماء تذكرة, فترقّ قلوب فتخشع وتخضع, وتقسو قلوب فتلهو وتسهو وتجفو .

قال الحسن: والله من جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله: وَنُنَـزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [سورة الإسراء:82].

(46) * * * وقوله : (تسقى بماء واحد) اختلفت القرأء في قوله (تسقى) .

فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والعراق من أهل الكوفة والبصرة: (تُسْقَى) بالتاء, بمعنى: تسقى الجناتُ والزرع والنخيل .

وقد كان بعضهم يقول: إنما قيل: (تسقى)، بالتاء لتأنيث " الأعناب " .

* * * وقرأ ذلك بعض المكيين والكوفيين: (يُسْقَى) بالياء .

* * * وقد اختلف أهل العربية في وجه تذكيره إذا قرئ كذلك, وإنما ذلك خبرٌ عن الجنات والأعناب والنخيل والزرع أنها تسقى بماء واحد.

فقال بعض نحويي البصرة: إذا قرئ ذلك بالتاء, فذلك على " الأعناب " كما ذكّر الأنعام (47) في قوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ [سورة النحل: 66] وأنث بعدُ فقال: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ، [سورة المؤمنون:22/ سورة غافر:80].

فمن قال: (يسقى) بالياء جعل " الأعناب " مما تذكّر وتؤنث, مثل " الأنعام ".

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: من قال و (تسقى) ذهب إلى تأنيث " الزرع والجنات والنخيل ", ومن ذكَّر ذهب إلى أن ذلك كله يُسْقَى بماء واحد, وأكلُه مختلفٌ حامض وحلو, ففي هذا آية .

(48) * * * قال أبو جعفر: وأعجب القراءتين إليّ أن أقرأ بها, قراءة من قرأ ذلك بالتاء: ( تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ) على أن معناه: تسقى الجنات والنخل والزرع بماء واحد، لمجيء (تسقى) بعد ما قد جرى ذكرها, وهي جِمَاعٌ من غير بني آدم, وليس الوجه الآخر بممتنع على معنى يسقى ذلك بماء واحد: أي جميع ذلك يسقى بماءٍ واحدٍ عذب دون المالح .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20114- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (تسقى بماء واحد) ماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحدٌ .

20115- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: (تسقى بماء واحد) قال: ماء السماء .

20116- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله .

20117- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو قال: أخبرنا هشيم, عن أبي إسحاق الكوفي, عن الضحاك: (تسقى بماء واحد) قال: ماء المطر .

(49) 20118- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, قرأه ابن جريج, عن مجاهد: (تسقى بماء واحد) قال: ماء السماء, كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحدٌ .

20119......

قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل وحدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .

20120- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه .

20121- حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن ابن شوذب: (تسقى بماء واحد) قال: بماء السماء .

(50) * * * وقوله: (ونفضّل بعضها على بعض في الأكل) (51) اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة قرأة المكيين والمدنيين والبصريين وبعض الكوفيين: (وَنُفَضِّلُ) ، بالنون بمعنى: ونفضّل نحن بعضها على بعض في الأكل .

* * * وقرأته عامة قرأة الكوفيين: (وَيُفَضِّلُ) بالياء, ردا على قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ (ويفضل بعضها على بعض) .

* * * قال أبو جعفر: وهما قراءتان مستفيضتان بمعنى واحد, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

غير أن " الياء " أعجبهما إليّ في القراءة؛ لأنه في سياق كلام ابتداؤه اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ فقراءته بالياء، إذ كان كذلك أولى .

* * * ومعنى الكلام: إن الجنات من الأعناب والزرع والنخيل الصنوان وغير الصنوان, تسقى بماء واحد عذب لا ملح, ويخالف الله بين طعوم ذلك, فيفضّل بعضها على بعض في الطعم, فهذا حلو وهذا حامضٌ .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20122- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الفارسيّ والدَّقَل، (52) والحلو والحامض .

20123- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود, وبعضها أكثر حملا من بعض, وبعضه حلو وبعضه حامض, وبعضه أفضل من بعض .

20124- حدثني المثنى قال: حدثنا عارم أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: بَرْنيّ وكذا وكذا, وهذا بعضه أفضل من بعض .

20125- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, في قوله: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: هذا حامض, وهذا حلو, وهذا مُزٌّ .

20126- حدثني محمود بن خداش قال: حدثنا سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الدَّقَل والفارسيّ والحلو والحامض.

(53) 20127- حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: حدثنا سليمان بن عبد الله الرقي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر الرقي, عن زيد بن أبي أنيسة, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, في قوله: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الدَّقل والفارسيّ والحلو والحامض.

(54) * * * وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) يقول تعالى ذكره: إن في مخالفة الله عز وجل بين هذا القطع [من] الأرض المتجاورات وثمار جناتها وزروعها على ما وصفنا وبينَّا، (55) لدليلا واضحًا وعبرة لقوم يعقلون اختلاف ذلك, أن الذي خالف بينه على هذا النحو الذي خالف بينه, هو المخالف بين خلقه فيما قسم لهم من هداية وضلال وتوفيق وخذلان, فوفّق هذا وخذل هذا, وهدى ذا وأضل ذا, ولو شاء لسوَّى بين جميعهم, كما لو شاء سوَّى بين جميع أكل ثمار الجنة التي تشرب شربًا واحدًا, وتسقى سقيًا [واحدًا]، (56) وهي متفاضلة في الأكل .

-------------------------- الهوامش : (32) " السبخة" ( بفتح السين والباء ، وبفتح السين وكسر الباء ) : هي الأرض المالحة ، ذات الملح والنز ، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر .

و" العذية" ( بفتح العين وسكون الذال ، وفتح الياء بغير تشديد ) ، و" العذاة" أيضًا : وهي الأرض التربة ، الكريمة المنبت ، التي ليست بسبخة ، ولا تكون ذات وخامة ولا وباء .

(33) في المخطوطة والمطبوعة ، ذكر بعد هذا الخبر التالي رقم : 20072 ، مبتور الآخر ، ثم عاد فروى هذا الخبر ( رقم : 20071 ) بنصه وإسناده ، ثم اتبعه الخبر رقم : 20072 ، فحذفت ما بين ذلك ، لأنه تكرار لا شك فيه ، وسهو من ناسخ الكتاب .

(34) في المطبوعة :" الأرض السبخة بينها الأرض العذية" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة .

(35) الأثر : 20078 -" أبو إسحاق الكوفي" ،" عبد الله بن ميسرة الحارثي" ، كنيته" أبو ليلى" ، وكناه هشيم :" أبا إسحاق" تارة و" أبا عبد الجليل" تارة أخرى ، كأنه يدلس بكنيته وهو ضعيف ، مضى برقم : 6920 ، 9250 ، 13489 .

(36) الأثر : 20082 -" عبد الجبار بن يحيى الرملي" ، شيخ الطبري ، لم نجد له بعد ترجمة .

ومضى برقم : 7425 ، 7446 .

(37) في المطبوعة :" والخبيث" ، والصواب ما في المخطوطة .

(38) الأثر : 20091 -" عمرو بن الهيثم بن قطن الزبيدي" ،" أبو قطن" ، ثقة ، من أصحاب شعبة ، مضى برقم : 18674 .

و" يحيى بن عباد الضبعي" ، مضى برقم : 20010 .

و" عفان" هو "عفان بن مسلم الصفار" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى برقم : 5392 ، 16369 .

(39) الأثر : 20098 -" النفيلي" ، هو" عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل" ،" أبو جعفر" ثقة حافظ ، مضى برقم : 9253 ، 9254 .

و" زهير" ، هو" زهير بن معاوية الجعفي" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم 17513 .

(40) الأثر : 20106 - في المخطوطة :" حدثنا يوسف" ، مكان : يونس" ، وصححه في المطبوعة .

وهو إسناد دائر في التفسير .

(41) " أسرع إليه" ، عجل إليه بالشر وبادره ، مثله" تسرع إليه" ، ومن هذا المجاز قال المرار الفقعسي : إذا شِــئتَ يوْمًـا أنْ تسـودَ عَشِـيرَةً فَبِـالحِلْمِ سُـدْ , لاَ بِالتَّسَـرُّعِ والشَّـتْمِ (42) الأثر : 20107 - هذا خبر ضعيف ، لجهالة الرجل الذي روى عن عمر ، وسيأتي الخبر من طرق بعد كلها مرسل .

وقوله :" عم الرجل صنو أبيه" ، هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه ( 7 : 56 ، 57 ) ، من حديث أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، ومن هذه الطريق نفسها رواه أحمد في مسنده 2 : 322 ، 323 ، ورواه الترمذي في باب مناقب العباس مختصرًا وقال :" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه" .

وروى أحمد في مسند علي رضي الله عنه من حديث الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي ، وهو حديث طويل ، وإسناده ضعيف انقطاعه ، فأحاديث أبي البحتري عن علي مرسلة .

وانظر التعليق على الأخبار التالية .

(43) الأثر : 20108 - هذا خبر مرسل ، رواه ابن سعد في الطبقات 4 / 1 / 17 ، من طريق محمد بن حميد ، عن معمر .

ورواه ابن سعد من طرق أخرى ( 4 / 1 / 17 ) وانظر التعليق على الخبر السالف .

(44) الأثران 20109 ، 20110 - خبران مرسلان ، وانظر التعليق السالف .

(45) الأثر : 20112 -" إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الله الأخنسي" ، لم أجد ذكر جده إلا في هذا الخبر ، وقد سلف لي كلام في تحقيق اسمه ، في الخبرين 10758 ، 10759 ، والمراجع هناك .

(46) الأثر : 20113 - : حجاج" فيما أرجح ،" حجاج بن أرطأة" .

و" أبو بكر بن عبد الله" ، هو فيما أرجح" أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدوي" ، ولم يذكروا روايته عن" الحسن" ، وهو خليق أن يروى عنه ، مضى برقم : 10334 ، 10335 .

وقوله :" استسبخت" ، مما ينبغي أن يزاد على مشتقات" السبخة" في كتب اللغة .

(47) في المخطوطة والمطبوعة :" كما ذكروا" ، والصواب ما أثبت .

(48) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية .

(49) الأثر : 20117 -" أبو إسحاق الكوفي" ، ضعيف واهي الحديث ، سلف برقم : 20078 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا" أبو إسحاق الصوفي" ، وهو خطأ محض .

(50) الأثر : 20121 -" عبد الجبار بن يحيى الرملي" ، انظر ما سلف قريبًا رقم : 20082 .

(51) انظر تفسير" الأكل" فيما سلف 5 : 538 / 12 : 157 .

(52) " الفارسي" ، من التمر ، لم أجد من ذكره ، وأنا أرجح أن يكون عنى به { البرني } وهو ضرب من التمر أصفر مدور ، عذب الحلاوة ، وهو أجوده .

وقالوا إن لفظ" البرني" فارسي معرب ويرجع ذلك عندي أن الرواية ستأتي عن سعيد بن جبير أيضًا أنه قال :" برني" ، رقم : 20124 .

و" الدقل" أردأ أنواع التمر .

وسيأتي ذكر" الفارسي" في الخبرين التاليين : 20126 ، 20127 .

(53) الأثر : 20126 -" محمود بن خداش الطالقاني" ، شيخ الطبري ، ثقة صدوق ، مضى برقم : 178 ، 18487 .

و" سيف بن محمد الثوري" ،" ابن أخت سفيان الثوري" ، لم يرو له من أصحاب الكتب الستة غير الترمذي ، قال البخاري في تاريخه :" ضعفه أحمد" ، وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه ، أنه قال :" كذاب" ، وقال يحيى بن معين :" كان شيخًا ههنا كذابًا خبيثًا" ، وقال أحمد أيضًا :" لا يكتب حديثه ، ليس بشيء ، كان يضع الحديث" .

وقال النسائي :" ضعيف متروك وليس بثقة" ، مترجم في التهذيب والكبير 2 / 2 / 173 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 277 ، وميزان الاعتدال 1 : 438 .

وهذا الخبر رواه الترمذي ، عن محمود بن خداش أيضًا ، بهذا الإسناد واللفظ في تفسير الآية ، ثم قال :" هذا حديث حسن غريب ، وقد رواه زيد بن أبي أنيسه ( وهو الإسناد التالي ) عن الأعمش ، نحو هذا .

وسيف بن محمد هو أخو عمار بن محمد ، وعمار أثبت منه ، وهو ابن أخت سفيان الثوري" .

فالعجب للترمذي كيف يحسن إسنادًا فيه هذا الكذاب" سيف بن محمد" .

وانظر تخريج الأثر التالي .

وكان في المطبوعة :" حدثنا سيف بن محمد بن أحمد ، عن سفيان الثوري" ، أساء ناشرها لأنه لم يدرس الإسناد ، وغير ما في المخطوطة ، وكان فيها :" حدثنا سيف بن محمد بن أحمد سفيان الثوري" ، وفي الهامش علامة الشك والتوقف ، وصوابه ما أثبت .

انظر تفسير" الفارسي" فيما سلف ص : 343 ، تعليق : 2 .

(54) الأثر : 20127 -" أحمد بن الحسن الترمذي" ، شيخ الطبري ، كان أحد أوعية الحديث ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 19876 .

و" سليمان بن عبيد الله الأنصاري الرقي" ،" أبو أيوب الحطاب" ، قال ابن أبي حاتم : صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال النسائي :" ليس بالقوى ، وقال ابن معين :" ليس بشيء" ، ولم يذكر فيه البخاري جرحا ، مترجم في التهذيب والكبير 2 / 2 / 26 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 127 ، وميزان الاعتدال 1 : 418 .

و" عبيد الله بن عمرو الرقي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا، آخرها رقم : 16945 .

و" زيد بن أبي أنيسة الجزري" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 16945 .

وهذا الخبر أشار إليه الترمذي ، كما أسلفت في التعليق السابق ، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1 : 418 ، في ترجمة" سليمان بن عبيد الله" ، بهذا الإسناد تامًا ، ثم قال :" قال العقيلي ، لم يأت به غير سليمان ، وإنما يعرف بسيف بن محمد عن الأعمش .

قلت : وسيف هالك" .

فهذا إسناد كما ترى ، فيه من الهلاك ، وانفراد الضعيف به ما فيه ، فكيف جاز للترمذي أن يحسنه مع هذه القوادح التي تقدح فيه من نواحيه .

( وانظر علل الحديث لابن أبي حاتم 2 : 80 ، رقم : 1723 ( .

انظر تفسير" الفارسي فيما سلف ص : 343 ، تعليق : 2 .

(55) في المخطوطة والمطبوعة :" هذه القطع الأرض" ، فالزيادة واجبة .

(56) ما بين القوسين زيادة واجبة هنا أيضًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلونفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : وفي الأرض قطع متجاورات في الكلام حذف ; المعنى :[ ص: 246 ] وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات ; كما قال : سرابيل تقيكم الحر والمعنى : وتقيكم البرد ، ثم حذف لعلم السامع .

والمتجاورات المدن وما كان عامرا ، وغير متجاورات الصحاري وما كان غير عامر .الثانية : قوله تعالى : " متجاورات " أي قرى متدانيات ، ترابها واحد ، وماؤها واحد ، وفيها زروع وجنات ، ثم تتفاوت في الثمار والتمر ; فيكون البعض حلوا ، والبعض حامضا ; والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثمر فيه من الصغر والكبر واللون والمطعم ، وإن انبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق واحد ; وفي هذا أدل دليل على وحدانيته وعظم صمديته ، والإرشاد لمن ضل عن معرفته ; فإنه نبه سبحانه بقوله : يسقى بماء واحد على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته ، وأنه مقدور بقدرته ; وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع ; إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف .

وقيل : وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البقاع ; فمن تربة عذبة ، ومن تربة سبخة مع تجاورهما ; وهذا أيضا من دلالات كمال قدرته ; جل وعز تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا .الثالثة : ذهبت الكفرة - لعنهم الله - إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من صانع ; وادعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار ، وقد أقروا بحدوثها ، وأنكروا محدثها ، وأنكروا الأعراض .

وقالت فرقة بحدوث الثمار لا من صانع ، وأثبتوا للأعراض فاعلا ; والدليل على أن الحادث لا بد له من محدث أنه يحدث في وقت ، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر ; فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به ، لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه ; وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن اختصاصه به لأجل مخصص خصصه به ، ولولا تخصيصه إياه به لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده ; واستيفاء هذا في علم الكلام .الرابعة : قوله تعالى : وجنات من أعناب وقرأ الحسن " وجنات " بكسر التاء ، على التقدير : وجعل فيها جنات ، فهو محمول على قوله : " وجعل فيها رواسي " .

ويجوز أن تكون مجرورة على الحمل على " كل " التقدير : ومن كل الثمرات ، ومن جنات .

الباقون " جنات " بالرفع على تقدير : وبينهما جنات ." وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان " بالرفع .

ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفا على الجنات ; أي على تقدير : وفي الأرض زرع ونخيل .

وخفضها الباقون نسقا على الأعناب ; فيكون الزرع والنخيل من الجنات ; ويجوز أن يكون معطوفا على " كل " حسب ما تقدم في " وجنات " .

وقرأ مجاهد والسلمي وغيرهما " صنوان " بضم الصاد ، [ ص: 247 ] الباقون بالكسر ; وهما لغتان ; وهما جمع صنو ، وهي النخلات والنخلتان ، يجمعهن أصل واحد ، وتتشعب منه رءوس فتصير نخيلا ; نظيرها قنوان ، واحدها قنو وروى أبو إسحاق عن البراء قال : الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المتفرق ; النحاس : وكذلك هو في اللغة ; يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان .

والصنو المثل ; ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : عم الرجل صنو أبيه .

ولا فرق فيها بين التثنية والجمع ولا بالإعراب ; فتعرب نون الجمع ، وتكسر نون التثنية ; قال الشاعر :العلم والحلم خلتا كرم للمرء زين إذا هما اجتمعا صنوان لا يستتم حسنهماإلا بجمع ذا وذاك معاالخامسة : قوله تعالى : " يسقى بماء واحد " كصالح بني آدم وخبيثهم ; أبوهم واحد ; قاله النحاس والبخاري .

وقرأ عاصم وابن عامر : يسقى بالياء ، أي يسقى ذلك كله .

وقرأ الباقون بالتاء ، لقوله : جنات واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة ; قال أبو عمرو : والتأنيث أحسن ." ونفضل بعضها على بعض في الأكل " ولم يقل بعضه .

وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما " ويفضل " بالياء ردا على قوله : " يدبر الأمر " و " يفصل " و " يغشي " الباقون بالنون على معنى : ونحن نفضل .

وروى جابر بن عبد الله قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لعلي - رضي الله عنه - : الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ثم قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي الأرض قطع متجاورات حتى بلغ قوله : يسقى بماء واحد و " الأكل " الثمر .

قال ابن عباس : يعني الحلو والحامض والفارسي والدقل .

وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في قوله تعالى : " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " قال : الفارسي والدقل والحلو والحامض ) ذكره الثعلبي .

قال الحسن : المراد بهذه الآية المثل ; ضربه الله تعالى لبني آدم ، أصلهم واحد ، وهم مختلفون في الخير والشر .

والإيمان والكفر ، كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد ; ومنه قول الشاعر :الناس كالنبت والنبت ألوان منها شجر الصندل والكافور والبان[ ص: 248 ] ومنها شجر ينضح طول الدهر قطران" إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي لعلامات لمن كان له قلب يفهم عن الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته أن جعل { فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ } فيها أنواع الأشجار { مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ } وغير ذلك، والنخيل التي بعضها { صِنْوَانٌ } أي: عدة أشجار في أصل واحد، { وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع { يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ } وأرضه واحدة { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ } لونا وطعما ونفعا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة وهذه مرة وهذه بين ذلك.

فهل هذا التنوع في ذاتها وطبيعتها؟

أم ذلك تقدير العزيز الرحيم؟

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لقوم لهم عقول تهديهم إلى ما ينفعهم، وتقودهم إلى ما يرشدهم ويعقلون عن الله وصاياه وأوامره ونواهيه، وأما أهل الإعراض، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ولا يعون له قيلا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وفي الأرض قطع متجاورات ) متقاربات يقرب بعضها من بعض ، وهي مختلفة : هذه طيبة تنبت ، وهذه سبخة لا تنبت ، وهذه قليلة الريع ، وهذه كثيرة الريع ( وجنات ) بساتين ( من أعناب وزرع ونخيل صنوان ) رفعها كلها ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، ويعقوب ، عطفا على الجنات ، وجرها الآخرون نسقا على الأعناب .

والصنوان : جمع صنو ، وهو النخلات يجمعهن أصل واحد .

( وغير صنوان ) هي النخلة المنفردة بأصلها .

وقال أهل التفسير صنوان : مجتمع ، وغير صنوان : متفرق .

نظيره من الكلام : قنوان جمع قنو .

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في العباس : " عم الرجل صنو أبيه " .

ولا فرق في الصنوان والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإعراب ، وذلك أن النون في التثنية مكسورة غير منونة ، وفي الجمع منونة .

( يسقى بماء واحد ) قرأ ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب " يسقى " بالياء أي يسقى ذلك كله بماء واحد ، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى : ( وجنات ) ولقوله تعالى من بعد : " بعضها على بعض " ، ولم يقل : " بعضه " .

والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام .

( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) في الثمر والطعم .

قرأ حمزة ، والكسائي " ويفضل " بالياء ، لقوله تعالى : ( يدبر الأمر يفصل الآيات ) ( الرعد - 2 ) .

وقرأ الآخرون بالنون على معنى : ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل ، وجاء في الحديث [ في قوله ] : " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " ، قال : " الفارسي ، والدقل ، والحلو ، والحامض " .

قال مجاهد : كمثل بني آدم ، صالحهم وخبيثهم ، وأبوهم واحد .

قال الحسن : هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم ، ويقول : كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن عز وجل ، فسطحها ، فصارت قطعا متجاورة ، فينزل عليها المطر من السماء ، فتخرج هذه زهرتها ، وشجرها وثمرها ونباتها ، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها ، وكل يسقى بماء واحد ، كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع ، وتقسو قلوب فتلهو .

قال الحسن : والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان ، قال الله تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) ( الإسراء - 82 ) .

( إن في ذلك ) الذي ذكرت ( لآيات لقوم يعقلون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وفي الأرض قطع» بقاع مختلفة «متجاورات» متلاصقات فمنها طيب وسبخ وقليل الريع وكثيرهُ وهو من دلائل قدرته تعالى «وجنات» بساتين «من أعناب وزرع» بالرفع عطفا على جنات، والجر على أعناب وكذا قوله «ونخيل صنوان» جمع صنو، وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتشعب فروعها «وغير صنوان» منفردة «تسقى» بالتاء، أي الجنات وما فيها والياء، أي المذكور «بماء واحد ونفضّل» بالنون والياء «بعضها على بعض في الأكُل» بضم الكاف وسكونها فمن حلو وحامض وهو من دلائل قدرته تعالى «إن في ذلك» المذكور «لآيات لقوم يعقلون» يتدبرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وفي الأرض قطع يجاور بعضها بعضًا، منها ما هو طيِّب يُنبتُ ما ينفع الناس، ومنها سَبِخة مِلْحة لا تُنبت شيئًا، وفي الأرض الطيبة بساتين من أعناب، وجعل فيها زروعًا مختلفة ونخيلا مجتمعًا في منبت واحد، وغير مجتمع فيه، كل ذلك في تربة واحدة، ويشرب من ماء واحد، ولكنه يختلف في الثمار والحجم والطعم وغير ذلك، فهذا حلو وهذا حامض، وبعضها أفضل من بعض في الأكل، إن في ذلك لَعلامات لمن كان له قلب يعقل عن الله تعالى أمره ونهيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - مظاهر أخرى لقدرته فقال - تعالى - : ( وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ) .والقطع : جمع قطعة - بكسر القاف - وهى الجزء من الشئ ، تشبيها لها ، بما يقتطع من الشئ .ومتجاورات : أى : متلاقيات ومتقاربات .وليس هذا الوصف مقصوداً لذاته ، بل المقصود أنها من تجاورها وتقاربها مختلفة فى أوصافها مما يشهد بقدرة الله - تعالى - العظيمة .ولذا قال ابن كثير ما ملخصه : ( وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ) أى : أرض يجاوزر بعضها بعضاً ، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئاً ، وهذه تربتها حمراء ، وتلك تربتها سوداء .

.

.

وهذه محجرة وتلك سهلة .

.

.

والكل متجاورات ، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار ، لا إله إلا هو ولا رب سواه .وقال - سبحانه - ( وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ) بإعادة اسم الأرض الظاهر ، ولم يقل وفيها قطع متجاورات كما قال : ( جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ) فى الآية السابقة ، وذلك ليكون كاملاً مستقلا ، وليتجدد الأسلوب فيزداد حلاوة وبلاغة .

وقوله ( وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل .

.

.

) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده .والجنات : جمع جنة ، والمراد بها البستان ذو الشجر المتكاثف ، الملتف الأغصان الذى يظلل ما تحته ويستره .والأعناب : جمع عنب وهو شجر الكرم .والمراد بالزرع : أنواع الحبوب على اختلاف ألوانها وطعومها وصفاتها وقوله ( صنوان ) صفة لنخيل ، وهو جمع صنو .والصنو : بمعنى المثل ومنه قيل لعم الرجل : صنو أبيه ، أى : مثله ، فأطلق على كل غصن صنو لمماثلته للآخر فى التفرع من أصل واحد ( والأكل ) اسم لما يؤكل من الثمار والحب .والمعنى : أن من مظاهر قدرت الله - أيضا - ومن الأدلة على وحدانيته - سبحانه - أنه جعل فى الأرض بقاعا كثيرة متجاورة ومع ذلك فهى مختلفة فى أوصافها وفى طبيعتها ..

وفيها أيضا بساتين كثيرة من أعناب ومن كل نوع من أنواع الحبوب .وفيها كذلك نخيل يجمعها أصل واحد فهى صنوان ، ونخيل أخرى لا يجمعها أصل واحد فهى غير صنوان .والكل من الأعناب والزرع والنخيل وغيرها ( يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ ) لا اختلاف فى ذاته سواء أكان السقى من ماء الأمطار أم من ماء الأنهار ومع وجود أسباب التشابه ، فإننا لعظيم قدرتنا وإحساننا ( وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ ) آخر منها ( فِي الأكل ) أى : فى اختلاف الطعوم .قال الإِمام الرازى : " قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ( وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ) كلها بالرفع عطفا على قوله ( وجنات ) وقرأ الباقون بالجر عطفاً على الأعناب .

.

.

"وخص - سبحانه - النخيل بوصفه بصنوان ، لأن العبرة به أقوى ، إذ المشاهدة له أكثر من غيره .ووجه زيادة ( وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ) تجدير العبرة باختلاف الأحوال ، واقتصر - سبحانه - فى التفاضل على الأكل ، لأنه أعظم المنافع .وقوله - سبحانه - ( إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) تذييل قصد به الحض على التعقل والتدبر .أى : إن فى ذلك الذى فصل الله - تعالى - أحواله من اختلاف أجناس الثمرات والزروع فى أشكالها وألوانها وطعومها وأوراقها .

.

.

مع أنها تسقى بماء واحد .

وتنبت فى أرض متجاورة ، إن فى ذلك كله لدلائل باهرة ، على قدرة الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة ، لقوم يستعملون عقولهم فى التفكير السليم ، والتأمل النافع .أما الذني يستعملون عقولهم فيما لا ينفع ، فإنهم يمرون بالعبر والعظات وهم عنها معرضون .وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ساق فى هذه الآيات أدلة متعددة ومتنوعة من العالم العلوى والسفلى ، وكلها تدل على عظيم قدرته ، وجليل حكمته .وهذه الأدلة منها :1 - خلقه السموات مرتفعة بغير عمد .2 - تسخيره الشمس والقمر لمنافع الناس .3 - خلقه الأرض بتلك الصورة الصالحة للاستقرار عليها .4 - خلقه الجبال فيها لتثبيتها .5 - خلقه الأنهار فيها لمنفعة الإِنسان والحيوان والنبات .6 - خلقه زوجين اثنين من كل نوع من أنواع الثمار .7 - معاقبته بين الليل والنهار .8 - خلقه بقاعا فى الأرض متجاورة مع اختلافها فى الطبيعة والخواص .9 - خلقه أنواعاً من الزورع المختلفة فى ثمارها وأشكالها .10 - خلقه النخيل صنواناً وغير صنوان ، وجميعها تسقى بماء واحد .ومع كل ذلك فضل - سبحانه - بعضها على بعض فى الأكل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية، والحركات الكوكبية، وتقريره من وجهين: الأول: أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة والماهية وهي مع ذلك متجاورة، فبعضها تكون سبخية، وبعضها تكون رخوة، وبعضها تكون صلبة، وبعضها تكون منبتة، وبعضها تكون حجرية أو رملية وبعضها يكون طيناً لزجاً، ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع على السوية فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير.

والثاني: أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد فيكون تأثير الشمس فيها متساوياً، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقوداً من العنب فيكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت حامضة يابسة، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطباع والأفلاك للكل على السوية، بل نقول: هاهنا ما هو أعجب منه، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة، والوجه الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنعومة فيستحيل أن يقال: وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتدبير الفاعل المختار، لا بسبب الاتصالات الفلكية وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل ﴾ فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الحجة وتفسيرها وبيانها.

واعلم أن بذكر هذا الجواب قد تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لابد لها من مؤثر وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والأفلاك والطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لابد من فاعل آخر سوى هذه الأشياء، وعندها يتم الدليل، ولا يبقى بعده للفكر مقام ألبتة، فلهذا السبب قال هاهنا: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال: إن هذه الحوادث السفلية حدثت لا لمؤثر ألبتة وذلك يقدح في كمال العقل، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث لما كان علماً ضرورياً كان عدم حصول هذا العلم قادحاً في كمال العقل فلهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وقال في الآية المتقدمة: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ فهذه اللطائف نفيسة من أسرار علم القرآن ونسأل الله العظيم أن يجعل الوقوف عليها سبباً للفوز بالرحمة والغفران.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَفِى الأرض قِطَعٌ متجاورات ﴾ قال أبو بكر الأصم: أرض قريبة من أرض أخرى واحدة طيبة، وأخرى سبخة، وأخرى حرة، وأخرى رملة، وأخرى تكون حصباء، وأخرى تكون حمراء، وأخرى تكون سوداء.

وبالجملة فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع والانخفاض والطباع والخاصية أمر معلوم، وفي بعض المصاحف (قطعاً متجاورات) والتقدير: وجعل فيها رواسي وجعل في الأرض قطعاً متجاورات.

وأما قوله: ﴿ وجنات مّنْ أعناب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ﴾ فنقول: الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل والكرم والزرع وتحفه تلك الأشجار والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا  ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم: ﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صنوان وَغَيْرُ صنوان ﴾ كلها بالرفع عطفاً على قوله (وجنات) والباقون بالجر عطفاً على الأعناب.

وقرأ حفص عن عاصم في رواية القواس: (صنوان) بضم الصاد والباقون بكسر الصاد وهما لغتان، والصنوان جمع صنو مثل قنوان وقنو ويجمع على أصناء مثل اسم وأسماء.

فإذا كثرت فهو الصني، والصني بكسر الصاد وفتحها، والصنو أن يكون الأصل واحداً وتنبت فيه النخلتان والثلاثة فأكثر فكل واحدة صنو.

وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي: الصنو المثل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن عم الرجل صنو أبيه» أي مثله.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا فسرنا الصنو بالتفسير الأول كان المعنى: أن النخيل منها ما ينبت من أصل واحد شجرتان وأكثر ومنها ما لا يكون كذلك، وإذا فسرناه بالتفسير الثاني كان المعنى: أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة متشابهة، وقد لا تكون كذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ تَسْقِى بِمَاء واحد ﴾ قرأ عاصم وابن عامر (يسقى) بالياء على تقدير يسقى كله أو لتغليب المذكر على المؤنث، والباقون بالتاء لقوله: (جنات) قال أبو عمرو: ومما يشهد للتأنيث قوله تعالى: ﴿ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل ﴾ قرأ حمزة والكسائي (يفضل) بالياء عطفاً على قوله: ﴿ يُدَبّرُ  ﴾ و ﴿ يفضل  ﴾ ، و ﴿ يغشي  ﴾ ، والباقون بالنون على تقدير: ونحن نفضل، و ﴿ في الأكل ﴾ قولان: حكاهما الواحدي حكي عن الزجاج أن الأكل الثمر الذي يؤكل، وحكى عن غيره أن الأكل المهيأ للأكل، وأقول هذا أولى لقوله تعالى في صفة الجنة: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ  ﴾ وهو عام في جميع المطعومات وابن كثير ونافع يقرآن الأكل ساكنة الكاف في جميع القرآن، والباقون بضم الكاف، وهما لغتان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قِطَعٌ متجاورات ﴾ بقاع مختلفة، مع كونها متجاورة متلاصقة: طيبة إلى سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على عكسها، مع انتظامها جميعاً في جنس الأرضية.

وذلك دليل على قادر مريد، موقع لأفعاله على وجه دون وجه.

وكذلك الزروع والكروم والنخيل النابتة في هذه القطع، مختلفة الأجناس والأنواع، وهي تسقى بماء واحد، وتراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح، متفاضلة فيها.

وفي بعض المصاحف: قطعاً متجاورات على: وجعل وقرئ: ﴿ وجناتٍ ﴾ ، بالنصب للعطف على زوجين.

أو بالجرّ على كل الثمرات.

وقرئ: ﴿ وزرعٍ ونخيلٍ ﴾ ، بالجرّ عطفاً على أعناب أو جنات والصنوان: جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان، وأصلها واحد.

وقرئ بالضم.

والكسر: لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني تميم وقيس ﴿ تَسْقِى ﴾ بالتاء والياء ﴿ وَنُفَضّلُ ﴾ بالنون وبالياء على البناء للفاعل والمفعول جميعاً ﴿ في الأكل ﴾ بضم الكاف وسكونها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا لِتَثْبُتَ عَلَيْها الأقْدامُ ويَنْقَلِبَ عَلَيْها الحَيَوانُ.

﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ، جَمْعُ راسِيَةٍ والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ عَلى أنَّها صِفَةُ أجْبَلَ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَأنْهارًا ﴾ ضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ إنَّ الجِبالَ أسْبابٌ لِتُوَلُّدِها.

﴿ وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ كالحُلْوِ والحامِضِ، والأسْوَدِ والأبْيَضِ والصَّغِيرِ والكَبِيرِ.

﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ﴿ يُغْشِي ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فِيها فَإنَّ تَكَوُّنَها وتَخَصُّصَها بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ صانِعٍ حَكِيمٍ دَبَّرَ أمَرَها وهَيَّأ أسْبابَها.

﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ بَعْضُها طَيِّبَةٌ وبَعْضُها سَبِخَةٌ، وبَعْضُها رَخْوَةٌ وبَعْضُها صُلْبَةٌ، وبَعْضُها تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ وبَعْضُها بِالعَكْسِ.

ولَوْلا تَخْصِيصُ قادِرٍ مُوقِعٍ لِأفْعالِهِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لِاشْتِراكِ تِلْكَ القِطَعِ في الطَّبِيعَةِ الأرْضِيَّةِ وما يَلْزَمُها ويَعْرِضُ لَها بِتَوَسُّطِ ما يَعْرِضُ مِنَ الأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، مِن حَيْثُ إنَّها مُتَضامَّةٌ مُتَشارِكَةٌ في النِّسَبِ والأوْضاعِ.

﴿ وَجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ ﴾ وبَساتِينُ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ والزُّرُوعِ، وتَوْحِيدُ الزَّرْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿ وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿ وَجَنّاتٌ ﴾ .

﴿ صِنْوانٌ ﴾ نَخْلاتٌ أصْلُها واحِدٌ.

﴿ وَغَيْرُ صِنْوانٍ ﴾ مُتَفَرِّقاتٌ مُخْتَلِفاتُ الأُصُولِ.

وقَرَأ حَفْصٌ بِالضَّمِّ وهو لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ كَـ ﴿ قِنْوانٌ ﴾ في جَمْعِ قِنْوٍ.

(تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ) في الثَّمَرِ شَكْلًا وقَدْرًا ورائِحَةً وطَعْمًا، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَإنَّ اخْتِلافَها مَعَ اتِّحادِ الأُصُولِ والأسْبابِ لا يَكُونُ إلّا بِتَخْصِيصِ قادِرٍ مُخْتارٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُسْقى بِالتَّذْكِيرِ عَلى تَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَضِّلُ بِالياءِ لِيُطابِقَ قَوْلُهُ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالتَّفَكُّرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَفِي الأرض قِطَعٌ متجاورات} بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة إلى سبخة وكريمة إلى زهيدة وصلبة إلى رخوة وذلك دليل على قادر مدبر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه {وجنات} معطوفة على قطع {مِّنْ أعناب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صنوان وَغَيْرُ صنوان} بالرفع مكي وبصري وحفص عطف على قطع غيرهم بالجر بالعطف على أعناب والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد وعن حفص بضم الصاد وهما لغتان {يسقى بِمَاءٍ واحد} وبالياء عاصم وشامي {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ} وبالياء حمزة وعلي {فِي الأكل} في الثمر وبسكون الكاف نافع ومكي {إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} عن الحسن مثل اختلاف القلوب في آثارها وأنوارها وأسرارها باختلاف القطع في أنهارها وأزهارها وثمارها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وفِي الأرْضِ قِطَعٌ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى مِنَ الآياتِ أيْ في الأرْضِ بِقاعٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في الأوْصافِ فَمِن طَيِّبَةٍ مُنْبِتَةٍ ومِن سَبِخَةٍ لا تُنْبِتُ ومِن رَخْوَةٍ ومِن صُلْبَةٍ ومِن صالِحَةٍ لِلزَّرْعِ لا لِلشَّجَرِ ومِن صالِحَةٍ لِلشَّجَرِ لا لِلزَّرْعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ مُتَجاوِراتٌ ﴾ أيْ مُتَلاصِقَةٌ والمَقْصُودُ الإخْبارُ بِتَفاوُتِ أجْزاءِ الأرْضِ المُتَلاصِقَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَ وهَذا هو المَأْثُورُ عَنِ الأكْثَرِينَ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى وفي الأرْضِ قُرًى قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالأهْوازِ وفارِسَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ ومِن هُنا قِيلَ في الآيَةِ اكْتِفاءً عَلى حَدِّ ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ والمُرادُ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وغَيْرُ مُتَجاوِراتٍ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ( وقِطَعًا مُتَجاوِراتٍ )بِالنَّصْبِ أيْ وجَعَلَ في الأرْضِ قِطَعًا ﴿ وجَنّاتٌ ﴾ أيْ بَساتِينَ كَثِيرَةٌ ﴿ مِن أعْنابٍ ﴾ أيْ مِن أشْجارِ الكَرْمِ ﴿ وزَرْعٌ ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحُبُوبِ وإفْرادُهُ لِمُراعاةِ أصْلِهِ حَيْثُ كانَ مَصْدَرًا ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ الجَنّاتِ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ عَمُودَ المَعاشِ لِما أنَّ في صَنْعَةِ الأعْنابِ مِمّا يُبْهِرُ العُقُولَ ما لا يَخْفى ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أنَّها مِياهٌ مُتَجَمِّدَةٌ في ظُرُوفٍ رَقِيقَةٍ حَتّى أنَّ مِنها شَفّافًا لا يَحْجُبُ البَصَرَ عَنْ إدْراكِ ما في جَوْفِهِ لَكَفى ومِن هُنا جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ القُدُسِيَّةِ أتَكْفُرُونَ بِي وأنا خالِقٌ العِنَبَ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِظُهُورِ حالِ الجَنّاتِ في اخْتِلافِها ومُبايَنَتِها لِسائِرِها ورُسُوخِ ذَلِكَ فِيها وتَأْخِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَخِيلٌ ﴾ لِئَلّا يَقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ ﴾ فاصِلَةٌ أوْ يَطُولُ الفَصْلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ وصِنْوانٌ جَمْعُ صِنْوٍ وهو الفَرْعُ الَّذِي يَجْمَعُهُ وآخَرُ أصْلٌ واحِدٌ وأصْلُهُ المِثْلُ ومِنهُ قِيلَ: لِلْعَمِّ صِنْوٌ وكَسُرُ الصّادِ في الجَمْعِ كالمُفْرَدِ هو اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ ولُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ ( صُنْوانٌ ) بِالضَّمِّ كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والسَّلَمِيُّ وابْنُ مُصَرِّفٍ ونَقَلَهُ الجَعْبَرِيُّ في شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ عَنْ حَفْصٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ بِالفَتْحِ وهو عَلى ذَلِكَ اسْمُ جَمْعٍ كالسِّعْدانِ لا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَتِهِ وقَرَأ الحَسَنُ ( جَنّاتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عِنْدَ بَعْضٍ عَلى زَوْجَيْنِ مَفْعُولِ ﴿ جَعَلَ ﴾ و( مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ) حِينَئِذٍ حالٌ مُقَدَّمَةٌ لا صِلَةُ ﴿ جَعَلَ ﴾ لِفَسادِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ حالَ كَوْنِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ولا يَجِبُ هُنا تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿ رَواسِيَ ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى إضْمارُ فِعْلٍ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ أوْ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ عَلى أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولًا بِزِيادَةِ مِن في الإثْباتِ و ﴿ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ حالًا مِنهُ والتَّقْدِيرُ وجَعَلَ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ حالَ كَوْنِها صِنْفَيْنِ فَلَعَلَّ عَدَمَ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ في هَذا السِّلْكِ مَعَ أنَّ اخْتِصاصَ ( كُلِّ ) مِن تِلْكَ القِطَعِ بِما لَها مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ بِمَحْضِ خَلْقِ الخالِقِ الحَكِيمِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ حِينَ مَدَّ الأرْضَ ودَحاها عَلى ما قِيلَ الإيماءُ إلى كَوْنِ تِلْكَ الأحْوالِ صِفاتٍ راسِخَةً لِتِلْكَ القِطَعِ وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ ﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى أعْنابٍ وهو كَما في الكَشْفِ مِن بابِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا أوِ المُرادُ أنَّ في الجَنّاتِ فُرُجًا مَزْرُوعَةً بَيْنَ الأشْجارِ وإلّا فَلا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ وحْدَها جَنَّةٌ وهَذا أحْسَنُ مَنظَرًا وأنْزَهُ وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ في جَعْلِ الجَنَّةِ مِنَ الأعْنابِ تَجَوُّزًا لِأنَّ الجَنَّةَ في الحَقِيقَةِ هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ ﴿ ويُسْقى ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ القِطَعِ والجَنّاتِ والزَّرْعِ والنَّخِيلِ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ بِالتَّأْنِيثِ مُراعاةً لِلَّفْظِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ قِيلَ: والأوَّلُ أوْفَقُ بِمَقامِ بَيانِ اتِّحادِ الكُلِّ في حالَةِ السَّقْيِ بِماءٍ واحِدٍ لا اخْتِلافَ في طَبْعِهِ سَواءً كانَ السَّقْيُ مِن ماءٍ الأمْطارِ أوْ مِن ماءِ الأنْهارِ وقِيلَ: إنَّ الثّانِيَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُفَضِّلُ ﴾ أيْ مَعَ وُجُودِ أسْبابِ التَّشابُهِ بِمَحْضِ قُدْرَتِنا وإحْسانِنا ﴿ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ ﴾ آخَرَ مِنها ﴿ فِي الأُكُلِ ﴾ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ وأمالَ فَتْحَةَ القافِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأُكُلُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ وجاءَ تَسْكِينُها ما يُؤْكَلُ وهو هُنا الثَّمَرُ والحَبُّ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أيْ في الثَّمَرِ شَكْلًا وقَدْرًا ورائِحَةً وطَعْمًا مِن بابِ التَّغْلِيبِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يُفَضِّلُ ) بِالياءِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ رَدًّا عَلى ( يُدَبِّرُ ) و( يُفَصِّلُ ) و( يُغْشِي ) وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وهو أوَّلُ مَن نَقَطَ المُصْحَفَ وأبُو حَيْوَةَ والحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ بِالياءِ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ ورَفَعَ بَعْضَها وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ احْتِمالِ اسْتِنادِ الفِعْلِ إلى فاعِلٍ آخَرَ مُغْنٍ عَنْ بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فُصِّلَ مِن أحْوالِ القِطَعِ وغَيْرِها ﴿ لآياتٍ ﴾ كَثِيرَةً عَظِيمَةً باهِرَةً ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

(4) .

يَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِهِمْ فَإنَّ مَن عَقَلَ هاتِيكِ الأحْوالَ العَجِيبَةَ وخُرُوجَ الثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ في الأشْكالِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ في تِلْكَ القِطَعِ المُتَبايِنَةِ المُتَلاصِقَةِ مَعَ اتِّخاذِ ما تُسْقى بِهِ بَلْ وسائِرُ أسْبابِ نُمُوِّها لا يَتَلَعْثَمُ في الجَزْمِ بِأنَّ لِذَلِكَ صانِعًا حَكِيمًا قادِرًا مُدَبِّرًا لَها لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وقِيلَ: المُرادُ أنَّ مَن عَقَلَ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ في الجَزْمِ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إبْداعِ ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما أبْداهُ بَلْ هي أهْوَنُ في القِياسِ ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ أوْلى ثُمَّ إنَّ الأحْوالَ وإنْ كانَتْ هي الآياتُ أنْفُسُها لا أنَّها فِيها إلّا أنَّها قَدْ جُرِّدَتْ عَنْها أمْثالُها مُبالَغَةً في كَوْنِهِ آيَةً فَفي تَجْرِيدِيَّةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ عَلى المَشْهُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ الأحْوالُ الكُلِّيَّةُ والآياتُ أفْرادُها الحادِثَةُ شَيْئًا فَشَيْئًا في الأزْمِنَةِ وآحادُها الواقِعَةُ في الأقْطارِ والأمْكِنَةُ المُشاهَدَةُ لِأهْلِها فَفي عَلى مَعْناها ومِنهم مَن فَسَّرَ الآياتِ بِالدَّلالاتِ لِتَبْقى في عَلى ذَلِكَ وهو كَما تَرى وحَيْثُ كانَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى مَدْلُولاتِها أظْهَرَ مِمّا سَبَقَ عَلَّقَ سُبْحانَهُ كَوْنَها آياتٍ بِمَحْضِ التَّعَقُّلِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ ولِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لَمْ يَتَعَرَّضْ جَلَّ شَأْنُهُ لِغَيْرِ تَفْضِيلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ في الأكْلِ الظّاهِرِ لِكُلِّ عاقِلٍ مَعَ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في الخَواصِّ والكَيْفِيّاتِ مِمّا يَتَوَقَّفُ العُثُورُ عَلَيْهِ عَلى نَوْعِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ كَأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّفَكُّرِ في ذَلِكَ أيْضًا وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ غَيْرُ عاقِلِينَ ولِبَعْضِ الرُّجّازِ فِيما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ: والأرْضُ فِيها عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ تُخْبِرُ عَنْ صُنْعِ مَلِيكٍ مُقْتَدِرِ تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ أشْجارُها ∗∗∗ وبُقْعَةٌ واحِدَةٌ قَرارُها والشَّمْسُ والهَواءُ لَيْسَ يَخْتَلِفُ ∗∗∗ وأكْلُها مُخْتَلِفٌ لا يَأْتَلِفُ لَوْ أنَّ ذا مَن عَمِلَ الطَّبائِعَ ∗∗∗ أوْ أنَّهُ صَنْعَةُ غَيْرِ صانِعِ لَمْ يَخْتَلِفْ وكانَ شَيْئًا واحِدا ∗∗∗ هَلْ يُشْبِهُ الأوْلادُ إلّا الوالِدا الشَّمْسُ والهَواءُ يا مُعانِدُ ∗∗∗ والماءُ والتُّرابُ شَيْءٌ واحِدُ فَما الَّذِي أوْجَبَ ذا التَّفاضُلا ∗∗∗ إلّا حَكِيمٌ لَمْ يَرُدُّهُ باطِلا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ كانَتِ الأرْضُ في يَدِ الرَّحْمَنِ طِينَةً واحِدَةً فَسَطَحَها وبَطَحَها فَصارَتْ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً فَيَنْزِلُ عَلَيْها الماءُ فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَها وثَمَرَها وشَجَرَها وتُخْرِجُ نَباتَها وتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَها ومِلْحَها وخَبَثَها وكِلْتاهُما تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ فَلَوْ كانَ الماءُ مِلْحًا قِيلَ إنَّما اسْتَسْبَخَتْ هَذِهِ مِن قِبَلِ الماءِ كَذَلِكَ النّاسُ خُلِقُوا مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ تَذْكِرَةً فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ وتَخْضَعُ وتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو وتَسْهُو ثُمَّ قالَ: واللَّهُ ما جالَسَ القُرْآنَ أحَدٌ إلّا قامَ مِن عِنْدِهِ بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ .

اهَـ.

قالَ أبُو حَيّانَ وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ يعني: بسط الأرض من تحت الكعبة على الماء، وكانت تكفي بأهلها كما تكفي السفينة، فأرساها الله بالجبال الثقال، وهو قوله تعالى وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت من فوقها وَأَنْهاراً يعني: خلق في الأرض أنهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: خلق فيها من ألوان كلّ الثمرات جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني: خلق من كل شيء لونين من الثمار، حلواً وحامضاً.

ومن الحيوان ذكراً وأنثى.

يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يعني: يعلو الليل على النهار، ويعلو النهار على الليل، واقتصر بذكر أحدهما إذا كان في الكلام دليل عليه.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: يُغْشِي بنصب الغين، وتشديد الشين.

وقرأ الباقون: بالجزم والتخفيف.

ثم بيّن أن ما ذكر من هذه الأشياء، فيه برهان وعلامات لمن تفكر فيها، فقال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر من صنعه لَآياتٍ يعني: لعبرات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اختلاف الليل والنهار، فيوحّدونه.

ثم بيّن أن في الأرض علامات كثيرة، ودلائل كثيرة لوحدانيته، لمن له عقل سليم فقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ يعني: بالقطع الأرض السبخة، والأرض العذبة.

مُتَجاوِراتٌ يعني: ملتصقات متدليات قريبة بعضها من بعض، فتكون أرضا سبخة، وتكون إلى جنبها أرض طيبة جيدة.

وقال قتادة: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أي: قرى متجاورات، ويقال: العمران، والخراب، والقرى والمفاوز.

وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ يعني: الكروم وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ قرأ بعضهم: بضم الصاد.

وقراءة العامة: بالكسر.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

قال مجاهد وقتادة: الصنوان النخلة التي في أصلها نخلتان، وثلاث أصلهن واحد.

وقال الضحاك: يعني: النخل المتفرق والمجتمع ويقال: صِنْوانٌ النخلة التي بجنبها نخلات وَغَيْرُ صِنْوانٍ يعني: المنفردة.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «لاَ تُؤْذُونِي فِي العَبَّاسِ، فإِنَّهُ بَقِيةُ آبَائي، وإنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» .

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ كلها بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون: بالكسر على معنى النعت للجنات، ويقال: على وجه المجاورة، لأن الزرع لا يكون في الجنات.

ثم قال: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ يعني: أن الماء والتراب واحد، وتكون الثمار مختلفة في ألوانها وطعومها، فدلّ على نفسه وبراهينه على من ضلّ عنه، لأنه لو كان ظهور الثمار بالماء والتراب، لوجب في القياس أن لا تختلف الألوان والطعوم، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا ثبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنه صنع اللطيف الخبير.

وقال مجاهد: هذا مثل لبني آدم، أصلهم من أب واحد، ومنهم صالح ومنهم خبيث.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أنه من الله تعالى.

قرأ حمزة والكسائي: يُسْقى بالياء ويفضّل بالياء، وقرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين: يُسْقى بالياء بلفظ التذكير، وَنُفَضِّلُ بالنون.

وقرأ الباقون: تُسْقَى بالتاء وَنُفَضِّلُ بالنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يحملُهُ العَرْش، بل العرشُ وَحَمَلَتُهُ محمُولُون بلُطْفِ قُدْرته، ومَقْهُورون في قَبْضته، كان اللَّه ولا شيءَ معه، كان سبَحَانه قَبْلَ أَنْ يخلق المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.

وقوله سبحانه: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: تنبيهٌ على القُدْرة، وفي ضِمْن الشمسِ والقَمَر الكواكِبُ، ولذلك قال: كُلٌّ يَجْرِي أي: كلُّ ما هو في معنى الشَّمْسِ والقَمَرِ، و «الأجلُ المسمَّى» : هو انقضاء الدنيا، وفسادُ هذه البنْيَةِ.

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه: يُبْرمه وينفذه، وعبَّر بالتدبير، تقريباً للأفهام، وقال مجاهد:

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه يقضيه وحده.

ولَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ: أي: توقنون بالبعث.

وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ: لما فرغَتْ آيات السماء، ذُكِرَتْ آيات الأرض، وال رَواسِيَ: الجبالُ الثابتة.

وقوله سبحانه: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: «الزَوْجِ» في هذه الآية: الصِّنْف والنَّوْع، وليس بالزوْجِ المعروفِ في المتلازمين الفَرْدَيْن من الحيوان وغيره ومنه قوله سبحانه: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ...

الآية [يس: ٣٦] ، ومنه: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧] ، وهذه الآية تقتضِي أنَّ كلَّ ثمرةٍ، فموجودٌ منها نوعانِ، فإِن اتفق أنْ يوجد من ثمرةٍ أكْثَرُ من نوعَيْنِ، فغير ضارّ في معنى الآية، وقِطَعٌ: جَمْعُ قِطْعَة، وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جَاوَرَ وقَرُبَ بعضه من بعض لأن اختلاف ذلك في الأكْلِ أَغربُ، وقرأ الجمهور «١» : «وَجَنَّاتٌ» - بالرفع- عطفاً على «قِطَعٌ» ، وقرأ نافع «٢» وغيره: «وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٌ وَغَيْرِ صنوان»

بالخفض في الكل- عطفاً على «أعناب» ، وقرأ ابن كثير وغيره: / «وزرعٌ» - بالرفع في الكل- عطفا على «قطع» ، وصِنْوانٌ: جمع صنْو، وهو الفرع يكونُ مع الآخَرِ في أصْلٍ واحدٍ، قال البراءُ بْنُ عازبٍ: «الصِّنْوَان» : المجتمع، وغَيْرُ الصِّنوان: المفترق فرداً فرداً «١» وفي «الصحيحِ» : «العَمُّ صِنْوُ الأَبِ» ، وإِنما نص على الصِّنْوان في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع تظهر فيها غرابةُ اختلاف الأَكْلِ، والْأُكُلِ- بضم الهمزة-: اسم ما يؤكل، والأكل المَصْدَر، وحكى الطبري «٢» عن ابن عبَّاس وغيره: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ:

أي: واحدة سبخة، وأخرى عَذْبَة، ونحو هذا من القولِ «٣» ، وقال قتادة: المعنى: قُرًى مُتَجَاوِرَاتٌ «٤» .

قال ع «٥» : وهذا وجْهٌ من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قِطَعٌ مختلفاتٌ بتخصيصِ اللَّه لها بمعانٍ فهي تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، ولكن تختلف فيما تُخْرِجُه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاوز أنها من تُرْبةٍ واحدةٍ، ونوعٍ واحدٍ، وموضِعُ العِبْرة في هذا أَبْيَنُ، وعلى المَعْنَى الأول قال الحَسَنُ: هذا مَثَلٌ ضربه اللَّه لقلوبِ بَني آدم: الأرضُ واحدةٌ، وينزل عليها ماءٌ واحدٌ من السَّماء، فتخرجُ هذه زهرةً وثمرةً، وتخرجُ هذه سبخةً وملحاً وخبثاً، وكذلك النَّاس خُلِقُوا من آدم، فنزلَتْ عليهم من السماء تذكرةٌ، فَرَقَّتْ قلوبٌ وَخَشَعَتْ، وقَسَتْ قلوبٌ ولَهَتْ.

قال الحسن: فو الله، ما جالَسَ أحدٌ القُرْآن إِلاَّ قَامَ عَنْه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللَّه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً «٦» [الإسراء: ٨٢] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأرْضُ السَّبِخَةُ، والأرْضُ العَذْبَةُ، تُنْبِتُ هَذِهِ، وهَذِهِ إلى جَنْبِها لا تُنْبِتُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّها القُرى المُتَجاوِراتُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ " رَفْعًا في الكُلِّ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٌ ﴾ خَفْضًا في الكُلِّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن رَفَعَ، فالمَعْنى: وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ، وفي الأرْضِ زَرْعٌ، ومَن خَفَضَ حَمَلَهُ عَلى الأعْنابِ، فالمَعْنى: جَنّاتٌ مِن أعْنابٍ، ومِن زَرْعٍ، ومِن نَخِيلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ ﴾ هَذا مِن صِفَةِ النَّخِيلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الصِّنْوانُ: جَمْعُ صِنْوٍ وصِنْوٍ، ومَعْناهُ: أنْ يَكُونَ الأصْلُ واحِدًا وفِيهِ النَّخْلَتانِ والثَّلاثُ والأرْبَعُ.

وكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: الصِّنْوانُ: النَّخْلُ المُجْتَمِعُ وأصْلُهُ واحِدٌ، وغَيْرُ صِنْوانٍ: المُتَفَرِّقُ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: " صُنْوانٌ " بِضَمِّ الصّادِ.

قالَ الفَرّاءُ: لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ " صِنْوانٌ " بِكَسْرِ الصّادِ، وتَمِيمٌ وقَيْسٌ يَضُمُّونَ الصّادَ.

قَوْلُهُ تَعالى: " تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو " تُسْقى " بِالتّاءِ، " ونُفَضِّلُ " بِالنُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، " تُسْقى " بِالتّاءِ أيْضًا، لَكِنَّهُما أمالا القافَ.

وقَرَأ الحَسَنُ " ويُفَضِّلُ " بِالياءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ " يُسْقى " بِالياءِ، " ونُفَضِّلُ " بِالنُّونِ، وكُلُّهم كَسَرَ الضّادَ.

ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ ضَمَّ الياءِ مَن " يُفَضَّلُ " وفَتْحَ الضّادِ، " بَعْضُها " بِرَفْعِ الضّادِ.

وقالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ " تُسْقى " بِالتّاءِ ذَهَبَ إلى تَأْنِيثِ الزَّرْعِ، والجَنّاتِ، والنَّخِيلِ، ومَن كَسَرَ ذَهَبَ إلى النَّبْتِ، وذَلِكَ كُلُّهُ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وأُكُلُهُ مُخْتَلِفٌ حامِضٌ وحُلْوٌ، فَفي هَذا آيَةٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: الماءُ الواحِدُ: ماءُ المَطَرِ، والأُكُلُ: الثَّمَرُ، بَعْضُهُ أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، وبَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، وبَعْضُهُ حامِضٌ وبَعْضُهُ حُلْوٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الطَّبائِعِيِّينَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ حُدُوثُ الثَّمَرِ عَلى طَبْعِ الأرْضِ والهَواءِ والماءِ، وجَبَ أنْ يَتَّفِقَ ما يَحْدُثُ لِاتِّفاقِ ما أوْجَبَ الحُدُوثَ، فَلَمّا وقَعَ الِاخْتِلافُ، دَلَّ عَلى مُدَبِّرٍ قادِرٍ، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أنَّهُ لا تَجُوزُ العِبادَةُ إلّا لِمَن يَقْدِرُ عَلى هَذا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ لَمّا فَرَغَتْ آياتُ السَماءِ ذَكَرَ آياتِ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مَدَّ الأرْضَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها بَسِيطَةٌ لا كُرَوِيَّةٌ، وهَذا هو ظاهِرُ الشَرِيعَةِ.

والرَواسِي: الجِبالُ الثابِتَةُ، يُقالُ: "رَسا يَرْسُو" إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِهِ خالِداتٌ ما يُرَمْنَ وهامِدٌ ∗∗∗ وأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدَةُ بِالفِهْرِ والزَوْجُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الصِنْفُ والنَوْعُ، ولَيْسَ بِالزَوْجِ المَعْرُوفِ بِالمُتَلازِمِينَ الفَرْدَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها  ﴾ الآيَةَ، وَمِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ: " والأرْضَ مَدَدْناها " الآيَةَ في (ق)، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ فَمَوْجُودٌ مِنها نَوْعانِ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يُوجَدَ في ثَمَرَةٍ أكْثَرُ مِن نَوْعَيْنِ فَغَيْرُ ضارٍّ في مَعْنى الآيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يُغْشِي" بِسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِينِ، وكَفى ذِكْرُ الواحِدِ ذِكْرَ الآخَرِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ويُشْبِهُ أنَّ الأزْواجَ الَّتِي يُرادُ بِها الأنْواعُ والأصْنافُ والأجْناسُ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ هي اثْنانِ اثْنانِ في كُلِّ ثَمَرَةٍ ذَكَرٌ أو أُنْثى، وأشارَ إلى ذَلِكَ الفَرّاءُ عِنْدَ المَهْدَوِيِّ، وحَكى عنهُ غَيْرُهُ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: "الثَمَراتِ"، ثُمَّ ابْتَدَأ أنَّهُ جَعَلَ في الأرْضِ مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى زَوْجَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ ﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ، وهي الأجْزاءُ، وقَيَّدَ مِنها في هَذا المِثالِ ما تَجاوَرَ وقَرُبَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ لِأنَّ اخْتِلافَ ذَلِكَ في القُرْبِ أغْرَبُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجَنّاتٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَنّاتٍ" بِالنَصْبِ بِإضْمارٍ فِعْلٍ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "رَواسِيَ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ" بِالرَفْعِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الباقُونَ بِالخَفْضِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "أعْنابٍ"، وجَعَلَ الجَنَّةَ مِنَ الأعْنابِ، ومَن رَفَعَ "الزَرْعَ" فالجَنَّةُ حَقِيقَةً هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ النَواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا أيْ نَخِيلَ جَنَّةٍ، إذْ لا يُوصَفُ بِالسَحَقِ إلّا النَخْلُ.

ومَن خَفَضَ الزَرْعَ فالجَنّاتُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ لا مِنَ الزَرْعِ وحْدَهُ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ جَنَّةً إلّا إذا خالَطَتْها شَجَراتٌ.

و"صِنْوانٌ" جَمْعُ صِنْوٍ وهو الفَرْعُ يَكُونُ مَعَ الآخَرِ في أصْلٍ واحِدٍ، ورُبَّما كانَ أكْثَرَ مِن فَرْعَيْنِ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: الصِنْوانُ: المُجْتَمِعُ، وغَيْرُ الصِنْوانِ: المُتَفَرِّقُ فَرْدًا فَرْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أسْرَعَ إلَيْهِ العَبّاسُ في مُلاحاةٍ، فَجاءَ إلى النَبِيِّ  فَقالَ: أرَدْتُ يا رَسُولَ اللهِ أنْ أقُولَ لِلْعَبّاسِ فَذَكَرْتُ مَكانَكَ مِنهُ فَسَكَتُّ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "يَرْحَمُكَ اللهُ يا عُمَرُ، العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» وجَمْعُ الصِنْوِ صِنْوانٌ، وهو جَمْعٌ مُكَسَّرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَسْرَةُ الصادِ في الواحِدِ لَيْسَتِ الَّتِي في الجَمْعِ، وهو جارٍ مَجْرى فُلْكٍ، وتَقُولُ: صِنْوٌ وصِنْوانٌ في الجَمْعِ بِتَنْوِينِ النُونِ وإعْرابِهِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ القَوّاسِ -عن حَفْصٍ: "صُنْوانٌ" بِضَمِّ الصادِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِثْلُ ذِئْبٍ وذُؤْبانٌ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَسْرُ الصادِ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "صَنْوانٌ" بِفَتْحِ الصادِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَبْوُ وقَبْوانٌ، وإنَّما نُصَّ عَلى "الصِنْوانِ" في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها بِمَثابَةِ التَجاوُرِ في القِطَعِ تَظْهَرُ فِيهِ غَرابَةُ اخْتِلافِ الأكْلِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "تُسْقى" بِالتاءِ، وأمالَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ القافَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُسْقى" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يُسْقى ما ذُكِرَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَضِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُفَضِّلُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُسْقى" و"يُفَضِّلُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَيُفَضَّلُ" بِالياءِ وفَتْحِ الضادِ "بَعْضُها" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وجَدْتُهُ كَذَلِكَ في لَفْظِ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ في مُصْحَفِهِ، وهو أوَّلُ مَن نَقَطَ المَصاحِفَ.

و"الأُكُلُ" اسْمُ ما يُؤْكَلُ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأكْلُ المَصْدَرُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فِي الأُكُلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن غَيْرِ واحِدٍ - ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ-: ﴿ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ أيْ: واحِدَةٌ سَبْخَةٌ والأُخْرى عَذْبَةٌ ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: قُرًى مُتَجاوِراتٌ.

وهَذا وجْهٌ مِنَ العِبْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُخْتَلِفاتٌ بِتَخْصِيصِ اللهِ لَها بِمَعانٍ، فَهي تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ولَكِنْ تَخْتَلِفُ فِيما تُخْرِجُهُ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن وصْفِهِ لَها بِالتَجاوُرِ إنَّما هو مِن تُرْبَةٍ واحِدَةٍ ونَوْعٍ واحِدٍ، والعِبْرَةُ في هَذا أُبْيَنُ، لِأنَّها مَعَ اتِّفاقِها في التُرْبَةِ والماءِ تُفَضِّلُ القُدْرَةُ والإرادَةُ بَعْضَ أُكُلِها عَلى بَعْضٍ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: « (الدَقَلُ والفارِسِيُّ والحُلْوُ والحامِضُ)،» وعَلى المَعْنى الأوَّلِ قالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، كانَتِ الأرْضُ في يَدِ الرَحْمَنِ طِينَةً واحِدَةً، فَسَطَّحَها فَصارَتْ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً فَيَنْزِلُ عَلَيْها ماءٌ واحِدٌ مِنَ السَماءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَةً وثَمَرَةً، وتُخْرِجُ هَذِهِ سَبْخَةً ومِلْحًا وخَبَثًا، فَكَذَلِكَ الناسُ خُلِقُوا مِن آدَمَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ تَذْكِرَةٌ فَرَقَّتْ قُلُوبٌ وخَشَعَتْ، وقَسَتْ قُلُوبٌ، ولَهَتْ قُلُوبٌ، ووَجَفَتْ قُلُوبٌ، قالَ الحَسَنُ: فَوَ اللهِ ما جالَسَ أحَدٌ القُرْآنَ إلّا قامَ عنهُ بِزِيادَةٍ أو نُقْصانٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا  ﴾ ، والتَفْضِيلُ في الأُكُلِ [يَشْمَلُ] الأذْواقَ والألْوانَ والمَلْمَسَ وغَيْرَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لله بلاغة القرآن في تغيير الأسلوب عند الانتقال إلى ذكر النعم الدالة على قدرة الله تعالى فيما ألهم الناس من العمل في الأرض بفلحها وزرعها وغرسها والقيام عليها، فجاء ذلك معطوفاً على الأشياء التي أسند جَعْلها إلى الله تعالى، ولكنه لم يسند إلى الله حتى بلغ إلى قوله: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ ، لأن ذلك بأسرار أودعها الله تعالى فيها هي موجب تفاضلها.

وأمثال هذه العِبر، ولَفْتتِ النظر مما انفرد به القرآن من بين سائر الكتب.

وأعيد اسم ﴿ الأرض ﴾ الظاهر دون ضميرها الذي هو المقتضَى ليستقل الكلام ويتجدد الأسلوب، وأصل انتظام الكلام أن يقال: جَعل فيها زوجين اثنين، وفيها قطعٌ متجاورات، فعدل إلى هذا توضيحاً وإيجازاً.

والقِطع: جمع قِطعة بكسر القاف، وهي الجزء من الشيء تشبيهاً لها بما يقتطع.

وليس وصف القِطع بمتجاورات مقصوداً بالذات في هذا المقام إذ ليس هو محل العبرة بالآيات، بل المقصود وصفٌ محذوف دل عليه السياق تقديره؛ مختلفات الألوان والمنابت، كما دل عليه قوله: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ .

وإنما وصفت بمتجاورات لأن اختلاف الألوان والمنابت مع التجاور أشد دلالة على القدرة العظيمة، وهذا كقوله تعالى: ﴿ ومن الجبال جُدَدٌ بِيض وحُمر مختلفٌ ألوانها وغرابيب سود ﴾ [فاطر: 27].

فمعنى قطع متجاورات} بقاعٌ مختلفة مع كونها متجاورةً متلاصقة.

والاقتصار على ذكر الأرض وقِطعها يشير إلى اختلاف حاصل فيها عن غير صنع الناس وذلك اختلاف المراعي والكلأ.

ومجرد ذكر القطَع كاف في ذلك فأحالهم على المشاهدة المعروفة من اختلاف منابت قطع الأرض من الأبّ والكلإ وهي مراعي أنعامهم ودوابّهم، ولذلك لم يقع التعرض هنا لاختلاف أُكله إذ لا مذاق للآدمي فيه ولكنه يختلف شَرعهُ بعض الحيوان على بعضه دون بعض.

وتقدم الكلام على ﴿ وجنات من أعناب ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ﴾ [الأنعام: 99].

والزرع تقدم في قوله: ﴿ والنخل والزرع مختلفا أكله ﴾ [الأنعام: 141].

والنخيل: اسم جمع نخلة مثل النخل، وتقدم في تلك الآية، وكلاهما في سورة الأنعام.

والزرع يكون في الجنات يزرع بين أشجارها.

وقرأ الجمهور وزرع ونخيل } بالجر عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ ، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب بالرفع عطفاً على ﴿ جنات ﴾ .

والمعنى واحد لأن الزرع الذي في الجنات مساوٍ للذي في غيرها فاكتُفي به قضاء لحق الإيجاز.

وكذلك على قراءة الرفع هو يغني عن ذكر الزرع الذي في الجنات، والنخل لا يكون إلاّ في جنات.

وصنوان: جمع صِنو بكسر الصاد في الأفصح فيهما وهي لغة الحجاز، وبضمها فيهما أيضاً وهي لغة تميم وقيسسٍ.

والصنو: النخلة المجتمعة مع نخلة أخرى نابتتين في أصل واحد أو نخلات.

الواحد صنو والمثنى صنواننِ بدون تنوين، والجمع صِنوانٌ بالتنوين جمع تكسير.

وهذه الزنة نادرة في صيغ أو الجموع في العربية لم يحفظ منها إلا خمسةُ جموع: صِنو وصنوانٌ، وقِنْو وقنوانٌ، وزِيدٍ بمعنى مِثْل وزِيدَاننٍ، وشِقْذ (بذال معجمة اسم الحرباء) وشِقذان، وحِشّ (بمعنى بستان) وحِشاننٍ.

وخصّ النخل بذكر صفة صنوان لأن العبرة بها أقوى.

ووجه زيادة ﴿ وغير صنوان ﴾ تجديد العبرة باختلاف الأحوال.

وقرأ الجمهور ﴿ صنوان وغير صنوان ﴾ بجر ﴿ صنوان ﴾ وجر ﴿ وغير ﴾ عطفاً على ﴿ زرع ﴾ .

وقرأهما ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب بالرفع عطفاً على ﴿ وجنات ﴾ .

والسقي: إعطاء المشروب.

والمراد بالماء هنا ماء المطر وماء الأنهار وهو واحد بالنسبة للمسقى ببعضه.

والتفضيل: منة بالأفضل وعبرة به وبضده وكناية عن الاختلاف.

وقرأ الجمهور ﴿ تُسقَى ﴾ بفوقية اعتباراً بجمع ﴿ جنات ﴾ ، وقرأه ابن عامر، وعاصم، ويعقوب ﴿ يسقى ﴾ بتحتية على تأويل المذكور.

وقرأ الجمهور ﴿ ونفضل ﴾ بنون العظمة، وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف ﴿ ويفضل ﴾ بتحتية.

والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ﴾ .

وتأنيث ﴿ بعضها ﴾ عند من قرأ ﴿ يسقى ﴾ بتحتية دون أن يقول بعضه لأنه أريد يفضل بعض الجنات على بعض في الثمرة.

والأُكْل: بضم الهمزة وسكون الكاف هو المأكول.

ويجوز في اللغة ضم الكاف.

وظرفية التفضيل في ﴿ الأكل ﴾ ظرفية في معنى الملابسة لأن التفاضل يظهر بالمأكول، أي نفضل بعض الجنات على بعض أو بعض الأعناب والزرع والنخيل على بعض من جنسه بما يثمره.

والمعنى أن اختلاف طعومه وتفاضلها مع كون الأصل واحداً والغذاء بالماء واحداً ما هو إلا لقوى خفيّة أودعها الله فيها فجاءت آثارها مختلفة.

ومن ثم جاءت جملة ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ مجيء التذييل.

وأشار قوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى جميع المذكور من قوله: ﴿ وهو الذي مدّ الأرض ﴾ [سورة الرعد: 3].

وقد جعل جميع المذكور بمنزلة الظرف للآيات.

وجعلت دلالته على انفراده تعالى بالإلهية دلالات كثيرة إذ في كل شيء منها آية تدل على ذلك.

ووصفت الآيات بأنها من اختصاص الذين يعقلون تعريضاً بأن من لم تقنعهم تلك الآيات منزّلون منزلة من لا يعقل.

وزيد في الدلالة على أن العقل سجية للذين انتفعوا بتلك الآيات بإجراء وصف العقل على كلمة قَوم} إيماء إلى أن العقل من مقومات قوميتهم كما بيناه في الآية قبلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ بَسَطَها لِلِاسْتِقْرارِ عَلَيْها، رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّها مُسْتَدِيرَةٌ كالكُرَةِ.

﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا، واحِدُها راسِيَةٌ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَرْسُو بِها، أيْ تَثْبُتُ.

قالَ جَمِيلٌ: أُحِبُّهُ والَّذِي أرْسى قَواعِدَهُ حُبًّا إذا ظَهَرَتْ آياتُهُ بَطَنا قالَ عَطاءٌ: أوَّلُ جَبَلٍ وُضِعَ عَلى الأرْضِ أبُو قُبَيْسٍ.

﴿ وَأنْهارًا ﴾ وفِيها مِن مَنافِعِ الخَلْقِ شُرْبُ الحَيَوانِ ونَباتُ الأرْضِ ومَغِيضُ الأمْطارِ ومَسالِكُ الفُلْكِ.

﴿ وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ ذَكَرٌ وأُنْثى كَفُحُولِ النَّخْلِ وإناثِها، كَذَلِكَ كُلُّ النَّباتِ وإنْ خَفِيَ.

والزَّوْجُ الآخَرُ حُلْوٌ وحامِضٌ، أوْ عَذْبٌ ومالِحٌ، أوْ أبْيَضُ وأسْوَدُ، أوْ أحْمَرُ وأصْفَرُ، فَإنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الثِّمارِ ذُو نَوْعَيْنِ، فَصارَ كُلُّ ثَمَرٍ ذِي نَوْعَيْنِ زَوْجَيْنِ، وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ.

﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ مَعْناهُ يُغْشِي ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ضَوْءَ النَّهارِ، ويُغْشِي ضَوْءَ النَّهارِ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُتَجاوِراتِ المُدُنُ وما كانَ عامِرًا، وغَيْرَ المُتَجاوِراتِ الصَّحارِي وما كانَ غَيْرَ عامِرٍ.

الثّانِي: أيْ مُتَجاوِراتٌ في المَدى، مُخْتَلِفاتٌ في التَّفاضُلِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَّصِلَ ما يَكُونُ نَباتُهُ مُرًّا.

الثّانِي: أنْ تَتَّصِلَ المُعَذَّبَةُ الَّتِي تُنْبِتُ بِالسَّبْخَةِ الَّتِي لا تُنْبِتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الصِّنْوانَ المُجْتَمِعُ، وغَيْرَ الصِّنْوانِ المُفْتَرِقُ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قالَ الشّاعِرُ: العِلْمُ والحِلْمُ خُلَّتا كَرَمٍ ∗∗∗ لِلْمَرْءِ زَيْنٌ إذا هُما اجْتَمَعا ∗∗∗ صِنْوانُ لا يَسْتَتِمُّ حُسْنُهُما ∗∗∗ إلّا بِجَمْعِ ذا وذاكَ مَعا الثّانِي: أنَّ الصِّنْوانَ النَّخَلاتُ يَكُونُ أصْلُها واحِدًا، وغَيْرُ صِنْوانٍ أنْ تَكُونَ أُصُولُها شَتّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الصِّنْوانَ الأشْكالُ، وغَيْرَ الصِّنْوانِ المُخْتَلِفُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّ الصِّنْوانَ الفَسِيلُ يُقْطَعُ مِن أُمَّهاتِهِ، وهو مَعْرُوفٌ، وغَيْرَ الصِّنْوانِ ما يَنْبُتُ مِنَ النَّوى، وهو غَيْرُ مَعْرُوفٍ حَتّى يُعْرَفَ، وأصْلُ النَّخْلِ الغَرِيبُ مِن هَذا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ فَبَعْضُهُ حُلْوٌ، وبَعْضُهُ حامِضٌ، وبَعْضُهُ أصْفَرُ، وبَعْضُهُ أحْمَرُ، وبَعْضُهُ قَلِيلٌ، وبَعْضُهُ كَثِيرٌ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ في اخْتِلافِ ذَلِكَ اعْتِبارًا يَدُلُّ ذَوِي العُقُولِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَنِي آدَمَ، أصْلُهم واحِدٌ وهم مُخْتَلِفُونَ في الخَيْرِ والشَّرِّ والإيمانِ والكُفْرِ كاخْتِلافِ الثِّمارِ الَّتِي تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ قال: يريد الأرض الطيبة العذبة التي تخرج نباتها بإذن ربها، تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا تخرج، وهما أرض واحدة وماؤهما شيء ملح وعذب.

ففضلت احداهما على الأخرى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: ليس في الأرض ماء، إلا ما نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فمن أراد أن يعود الملح عذباً فليصعد الماء من الأرض.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ قال: السبخة والعذبة والمالح والطيب.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة- رضي الله عنه ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ قال: قرى متجاورات، قريب بعضها من بعض.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ قال: فارس والأهواز والكوفة والبصرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ قال: الأرض تنبت حلواً، والأرض تنبت حامضاً.

وهي متجاورات تسقى بماء واحد.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ قال: الأرض الواحدة، يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود، وبعضه أكبر حملاً من بعض، وبعضه حلو وبعضه حامض، وبعضه أفضل من بعض.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله: ﴿ صنوان وغير صنوان ﴾ قال: الصنوان، ما كان أصله واحداً وهو متفرق وغير صنوان، التي تنبت وحدها.

وفي لفظ ﴿ صنوان ﴾ النخلة في النخلة ملتصقة، وغير صنوان النخل المتفرق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما ﴿ صنوان ﴾ قال: مجتمع النخيل في أصل واحد ﴿ وغير صنوان ﴾ قال: النخل المتفرق.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ قال: طيبها عذبها.

وخبيثها السباخ.

وفي قوله: ﴿ وجنات من أعناب ﴾ قال: جنات وما معها.

وفي قوله: ﴿ صنوان ﴾ قال: النخلتان وأكثر في أصل واحد ﴿ وغير صنوان ﴾ وحدها تسقى ﴿ بماء واحد ﴾ قال: ماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد.

وكذلك النخلة، أصلها واحد وطعامها مختلف.

وهو يشرب بماء واحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ صنوان وغير صنوان ﴾ قال: مجتمع وغير مجتمع ﴿ يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ قال: العنب الأبيض والأسود والأحمر، والتين الأبيض والأسود، والنخل الأحمر والأصفر.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ صنوان ﴾ قال: ثلاث نخلات في أصل واحد، كمثل ثلاثة من بني أب وأم يتفاضلون في العمل، كما يتفاضل ثمر هذه النخلات الثلاث في أصل واحد.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: مثل ضربه الله عز وجل لقلوب بني آدم، كما كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة، فسطحها وبطحها، فصارت الأرض قطعاً متجاورة، فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها، وتخرج نباتها وتحيي موتاها، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبثها، وكلتاهما ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ فلو كان الماء مالحاً، قيل إنما استبخت هذه من قبل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب فتلهو وتسهو وتجفو، قال الحسن رضي الله عنه والله ما جالس القرآن أحد، إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان.

قال الله تعالى ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ [ الإسراء: 82] .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ صنوان ﴾ قال: الصنوان، النخلة التي يكون فيها نخلتان وثلاث، أصلهن واحد.

قال: وحدثني رجل أنه كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين العباس قول، فأسرع إليه العباس فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا نبي الله، ألم تر عباساً؟

فعل بي وفعل، فأردت أن أجيبه فذكرت مكانك منه فكففت عنه.

فقال: يرحمك الله، إن عم الرجل صنو أبيه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير.

عن مجاهد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تؤذوني في العباس، فإنه بقية آبائي، وإن عم الرجل صنو أبيه» .

وأخرج ابن جرير عن عطاء رضي الله عنه وابن أبي مليكة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟» .

وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي وابن مردويه، عن جابر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا علي، الناس من شجر شتى، وأنا وأنت يا علي، من شجرة واحدة» ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قرأ ﴿ ونفضل بعضها على بعض ﴾ بالنون.

وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ قال: الدقل والفارسي والحلو والحامض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ قال: هذا حامض وهذا حلو وهذا دقل وهذا فارسي.

وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ قال: هذا حلو وهذا مر وهذا حامض، كذلك بنو آدم أبوهم واحد، ومنهم المؤمن والكافر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ ﴾ قال قتادة (١) ومعنى المتجاورات: المتدانيات المتفاوتات في الكلام (٢) قال مجاهد (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ ﴾ ليس فيه ما يدل على اختلافها في العذوبة والملوحة، وإنما تتبين الفائدة عند قوله: ﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ﴾ وقد كشف ابن الأنباري على هذا، فموضع الآية ومحل الأعجوبة، أن القطع المتجاورة تنبت نباتًا مختلفًا، منه الحلو والعذب والحامض البعيد من الحلاوة، وشربها واحد ومكانها مجتمع لا تفاوت بينها ولا تباين، وفي هذا أوضح آية على نفاذ قدرة الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ ﴾ الجنة (٧) (٨) ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا  ﴾ والنخيل: جمع نخل، يقال: نخلة، والجماعة نخل ونخيل، وثلاث نخلات.

ومن قرأ (٩) ﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ﴾ بالرفع حملهما (١٠) ﴿ وَفِي الْأَرْضِ ﴾ ولم يحملهما على الجنات، والجنة على هذا واقعة على الأرض التي فيها الأعناب دون غيرها.

وقوله تعالى: ﴿ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ قال أبو عبيدة (١١) (١٢) (١٣) وقال البراء بن عازب (١٤) (١٥) وقال ابن الأنباري: الصنوان ما اجتمع أصله من النخل، والذي يفترق أصله فليس بصنوان، يقال: هذا صنو فلان، إذا كان أصلهما واحداً، ومنه قوله  : "إن عم الرجل صنو أبيه" (١٦) قال أبو عبيد (١٧) (١٨) وقال أبو إسحاق (١٩) وقال أبو علي (٢٠) ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ  ﴾ مستقصى، وروى القواس عن حفص (٢١) قال أبو علي (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ﴾ أي يُسقى هذه الأشياء بماء التي ذكرها من القطع المتجاورة، والجنات والنخيل المختلفهَ، ومن قرأ (٢٣) ﴿ يُسْقَى ﴾ بالياء، كان التقدير: يسقى ما قصصناه وما ذكرناه، قال ابن عباس (٢٤) ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ يخبر بعجائبه وقدرته في خلقه، وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي  أ: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ .

قال: "الفارسي (٢٥) (٢٦) (٢٧) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس (٢٨) (٢٩) ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ يعني اختلاف الطعم والشجر.

وقال أبو إسحاق (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

قال ابن عباس (٣٢) (٣٣) (١) الطبري 13/ 97، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 83، و"زاد المسير" 4/ 302.

(٢) كذا في النسخ ولعلها (الكلأ).

(٣) الطبري 13/ 97، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 83، و"زاد المسير" 4/ 302.

(٤) الطبري 13/ 97 - 98، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 83، و"زاد المسير" 4/ 302.

وهو قول عطاء كما في "تفسيره" ص 104.

(٥) الطبري 13/ 98، و"زاد المسير" 4/ 302.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 58.

(٧) "اللسان" (جنن) 2/ 705.

(٨) في (أ)، (ج): (فالزرع).

(٩) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص (وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوان) بالرفع، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي (وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) خفضًا.

انظر: "السبعة" ص 356، و"إتحاف" ص 269، والطبري 13/ 89 - 99، و"زاد المسير" 4/ 302، والقرطبي 9/ 282.

(١٠) في (أ)، (ج): (حملها).

(١١) "مجاز القرآن" 1/ 322.

(١٢) الطبري 13/ 99 - 100، وابن المنذر، وابن أبي حاتم 7/ 2220، وانظر: "الدر" 4/ 84.

وهو قول عطاء كما في "تفسيره" ص 104.

(١٣) في (ج): (المفترق).

(١٤) الطبري 13/ 99، والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2221، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 63، والقرطبي 9/ 282، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 470.

(١٥) في (ج): (المفترق).

(١٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (983) كتاب الزكاة، باب تقديم الزكاة، وأحمد في "مسنده" 2/ 322، 323، والترمذي (3761) كتاب: المناقب، باب مناقب العباس مختصرًا.

وأخرجه الطبري 13/ 100 - 101.

(١٧) "غريب الحديث" 1/ 217، و"التهذيب" (صنو) 2/ 2061.

(١٨) "التهذيب" (صنو) 2/ 2561.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 138.

(٢٠) "الحجة" 5/ 9.

(٢١) قال ابن مجاهد: حدثني الحسن بن العباس عن الحُلْواني عن القواس عن حفص.

عن عاصم (صُنوانٌ) بضم الصاد والتنوين، ولم يقله غيره عن حفص، اهـ.

"السبعة" ص 356.

(٢٢) "الحجة" 5/ 9.

(٢٣) اختلف القراء في الياء والتاء من قوله (يُسْقَى)، وفي النون والياء من قوله (ونُفضِّل).

فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (تُسقى) بالتاء (ونفضل) بالنون، وقرأ حمزة والكسائي (تسقى) بالتاء ممالة القاف (ويفضل) بالياء مكسورة الضاد، وقرأ عاصم وابن عامر (يسقى) بالياء (ونُفضَّل) بالنون.

انظر: "السبعة" ص 356، و"إتحاف" ص 269، والطبري 13/ 101 - 102، و"زاد المسير" 4/ 303، والقرطبي 9/ 289.

(٢٤) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 294 بنحوه.

(٢٥) الفارسي من التمر، لعله البرني، وهو ضرب من التمر أصفر مدور، عذب الحلاوة وهو أجوده.

تعليق محمود شاكر على الطبري 13/ 103.

(٢٦) الدقل: أردأ أنواع التمر.

(٢٧) أخرجه الترمذي (3118) كتاب تفسير القرآن، باب ومن تفسير سورة الرعد، ولكنه قدم الدقل على الفارسي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي 3/ 65.

وأخرجه الطبري 13/ 103، وعلق عليه أحمد شاكر بقوله "فهذا إسناد كما ترى فيه من الهلاك، وانفراد الضعيف به فيه ما فيه، فكيف جاز للترمذي أن يحسنه مع == هذه القوادح التي تقدح فيه من نواحيه اهـ.

تعليق الطبري 16/ 345.

وروى عن ابن عباس نحوه كما في الطبري 13/ 103.

وأخرجه ابن المنذر والبزار وأبوالشيخ وابن مردويه، وابن أبي حاتم 7/ 2221، وانظر: "الدر" 4/ 85.

(٢٨) الطبري 13/ 103 بنحوه "تنوير المقباس" ص 155.

(٢٩) ليس (ج).

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 138.

(٣١) انظر: "تهذيب اللغة" (أكل) 1/ 176، و"اللسان" (أكل) 1/ 100 - 101.

(٣٢) "تنوير المقباس" ص 155 بنحوه.

(٣٣) في (أ)، (ج): (الله).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قِطَعٌ متجاورات ﴾ يعني قطع متلاصقة مع تلاصقها، فإن أرضها تتنوع إلى طيب ورديء وصلب ورخو، وغير ذلك، وكل ذلك دليل على الصانع المختار المريد القادر ﴿ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ الصنوان هي النخلات الكثيرة، ويكون أصلها واحد وغير الصنوان المفترق فرداً فرداً، وواحد الصنوان صنو ﴿ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل ﴾ حجة وبرهان على أنه تعالى قدير ومريد، لأن اختلاف مذاقها وأشكالها وألوانها مع اتفاق الماء الذي تسقى به: دليل على القدرة والإرادة، وفي ذلك ردّ على القائلين بالطبيعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ .

قوله: ﴿ رَفَعَ ﴾ أي: أنشأها مرفوعة؛ لا أنها كانت موضوعة فرفعها؛ ولكن جعلها في الابتداء مرفوعة، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ  ﴾ ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ  ﴾ ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا  ﴾ ونحو ذلك؛ أي: أنشأها مرفوعة ممدودة؛ لا أنها كانت مرفوعها فوضعها، أو كانت منقبضة فبسطها؛ ولكن أنشأها كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .

قال بعضهم: هي بعمد لكن لا ترونها؛ أي: ترونها بغير عمد وهي بعمد.

وقال بعضهم: هي بغير عمد على ما أخبر؛ ولكن اللطف والأعجوبة بما يمسكها بعمد لا ترى؛ كاللطف والأعجوبة فيما يمسكها بغير عمد؛ لأن في الشاهد لم يعرف؛ ولا قدر على رفع سقف فيه سعة وبعد بغير عمد لا ترى، لكن ما يرفع إنما [يرفع بعمد] ترى؛ فاللطف في هذا كاللطف في الآخر.

وفيه دلالة قدرته على البعث؛ لأنه ذكر هذا ثم قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ أي: من: قدر على رفع السماء - مع سعتها وبُعدها - بلا عمد؛ لقادر على إعادة الخلق؛ وبعثهم؛ وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها وبعدها، بلا عمد، أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه؛ إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد فنائها؛ ولا يقدر على رفع سقف؛ ذي سعة وبعد؛ بغير عمد.

من ذا الوجه أمكن أن يحتج.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

لما لم يفهم من قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ مدبر المكان؛ وإن كان في الشاهد يفهم منه المكان؛ إذا أضيف إلى المخلوق - لم يجز أن يفهم من استوائه [ما يفهم من استواء] الخلق.

وبعد فإن في الشاهد؛ إذا قيل: فلان استولى أمر بلدة كذا؛ أو استوى أمره؛ لم يفهم منه [المكان، بل فهم منه] نفاذ الأمر والسلطان والمشيئة؛ فعلى ذلك لم يجز أن يفهم من الله إذا أضيف إليه المكان.

وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم أنه أخبر أنه ليس كمثله شيء؛ فهو في كل شيء؛ وكل وجه؛ لا يشبه الخلق؛ إذ الخلق - في الشاهد - لا يشبه بعضه بعضاً من جميع الجهات؛ إنما يشبه بعضهم بعضاً بجهة، ثم صاروا جميعاً أشكالا وأشباهاً؛ بتلك الجهة التي وقعت بينهم تشابه؛ فإذاً الله  وتعالى لما أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ دل أنه إنما نفى عنه الجهات التي [يقع بها] التشابه والمثل؛ فهو يخالف الخلق من جميع الوجوه.

وهذه مسألة مذكورة فيما تقدم: اختُلف في العرش: قال بعضهم: العرش: هو الممتحنون بهم، استوى تدبير إنشاء غيرهم من العالم؛ لأنهم هم المقصودون في إنشاء ذلك كله.

وقال بعضهم: العرش: البعث به؛ استوى وتم تدبير إنشاء الخلائق؛ ما لولا البعث يكون إنشاؤهم عبثاً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل عدم الرجوع إليه إنشاء الخلق عبثاً.

وقال بعضهم: العرش: هو الملك؛ وبه تم ما ذكر، وقيل: هو سرير الملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ على ما في العقل أنه عن تدبير مدبر خرج؛ وعن علم وحكمة وضع؛ ليس على الجزاف بلا تدبير ولا علم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ يحتمل: يبين الحجج والبراهين.

ويحتمل: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: آيات القرآن أنزلها بالتفاريق؛ لا مجموعة.

﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير؛ ورفع السماء بلا عمد؛ دلالة البعث والإحياء بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ ﴾ هو كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً  ﴾ ومصيرهم وبروزهم؛ وأمثاله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ  ﴾ وكله واحد، وقال: ﴿ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً  ﴾ و ﴿ مِهَٰداً  ﴾ .

يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم.

﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: بسطها وجعل فيها رواسي؛ ذكر أنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها وتضطرب؛ كما تكفو السفينة؛ فأرساها بالجبال الثِّقال؛ فاستقرت وثبتت.

وذُكر أنها مدت وبسطت على الهواء؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال، ولكن لو [كان أنها] ما ذكر؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ لأن الأرض والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء؛ وكلما زيد من ذلك النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد، فلا يكون بها الثبات والاستقرار؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع؛ فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار؛ إلا أن يقال: إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها؛ على ما ذكره - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ فإن كان على هذا؛ فيكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ ومنعها عن الاضطراب والميلان.

أو ذكر هذا ليعلم لطفه وقدرته؛ حيث أمسكها بشيء من طبعه التسفل والانحدار، وهي في نفسها كذلك؛ ليعلم قدرة الله ولطفه في كل شيء.

والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ .

أي: أنشأها ممدودة؛ لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها؛ على ما ذكر من رفع السماء ونحوه.

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً ﴾ .

جعل الله - عز وجل - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليماً منه الخلق؛ ليكون ذلك عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب [وبغير أسباب سواء]؛ إذ هو قادر بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض بحيث لا يدخل فيها شيء؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ليعرفوا قدرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَاراً ﴾ أي: وجعل فيها أنهاراً؛ أخبر أنه مد الأرض وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها أنهاراً؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل الثمرات زوجين.

قال بعض أهل التأويل: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: لونين.

وقال بعضهم: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضاً وحلواً ومرّاً ومزّاً، إلا أن يقال: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ذا ألوان وذا طعوم.

وقال بعضهم الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر.

وأما على غير هذا فإنه لا يصح.

وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن الله، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ .

أي: يذهب ظلمة الليل بضوء النهار؛ وضوء النهار بظلمة الليل، أو يلبس أحدهما الآخر، أو يغطي الليل ما هو بالنهار بادٍ ظاهر للخلق، وبالنهار ما هو مستور خفي على الخلق والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

فيما ذُكِر؛ دلالة البعث والإحياء، ودلالة التدبير والعلم والحكمة، ودلالة الوحدانية.

﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياته وحججه لا لقوم يعاندون آياته ويكابرونها.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر أن الآيات تكون آيات لهم؛ بالتفكر والنظر فيها؛ والله أعلم؛ لا أن تصير آيات مجاناً بالبديهة.

أو يقول: إن منفعة الآيات تكون لمن تفكر فيها؛ لا لمن ترك التفكر والنظر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

دل قوله: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ﴾ أن التجاور إنما يذكر ويثبت إذا كانت الأرض [قطعاً، وأما إذا كانت الأرض] أرضاً واحدة؛ فإنه لا يقال فيها التجاور؛ فهذا يبطل قول من يقول: إن التجاور إنما يذكر فيما فيه الشركة؛ فتجب الشفعة فيما فيه الشركة؛ وأما في غيره فلا تجب وأمَّا عندنا: هو ما ذكر - عز وجل -: أنه إنما أثبت التجاور في الأرض التي صارت قطعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

القطع المتجاورات: هي الأرضون الضواحي التي تصلح للزرع.

﴿ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ أي: جنات متجاورات أيضاً، والجنات هي البساتين المحفوفة بالأشجار؛ فيها ألوان الثمار.

﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ .

قيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ هو النخلتان في أصل واحد، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ : النخل المتفرق وقيل: الصنوان: ما كان أصله واحداً؛ وهو متفرق، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ التي تنبت وحدها: وقيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ : هي النخلة تخرج؛ فإذا خرجت انشعبت بعد خروج الأصل؛ فهو الصنوان، ولهذا قيل: "عَمُّ الرجل صنو أبيه" ﴿ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ ﴾ .

أي: يسقي ما ذكر؛ من الزروع والنخيل والثمار والجنان بماء واحد.

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - أن جوهر الأرض كلها واحد؛ وهي قطع متجاورة؛ بعضها ببعض، ثم هي مختلفة في حق الثمار والفواكه، وكذلك الأشجار والنخيل؛ كلها من جوهر واحد من جنس واحد، والأرض في جوهرها واحد وتسقى كلها بماء واحد؛ ثم يخرج مختلفاً في ألوانها وطعومها وطيبها وخبيثها ومناظرها؛ ليعلم أنها لم تكن بنفسها؛ ولا بالأسباب التي جعل لها؛ ولكن بلطف واحدٍ مدبِّرٍ عليم حكيم؛ لأنها لو كانت بأنفسها وطباعها أو بالأسباب، لكانت كلها واحدة متفقة في طيبها وخبيثها وألوانها وطعومها؛ فلما لم يكن ما ذكرنا على لون واحد ولا طعم واحد ولا منظر واحد؛ دل أنه كان بتدبير مدبر واحد؛ عليم لطيف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

قيل: في الحمل؛ بعضها أكثر حملا من بعض، وبعضها يحمل؛ وبعضها لا، ولكن ما ذكرنا في الطيب والخبيث والطعم واللون والمنظر - مفضل بعضه على بعض.

وأصله: أن الأرض واحدة متجاورة؛ متصلة بعضها ببعض، والماء واحد أيضاً؛ ثم خرجت الثمار والفواكه والزروع والأعناب مختلفة متفرقة؛ ليعلم أن ذلك ليس هو عمل الأرض؛ ولا عمل الماء، ولا عمل الأسباب والطباع؛ ولكن باللطف من الله، لأنه لو كان بالماء أو الأرض؛ أو بالأسباب أو الطباع؛ لكانت متفقة مستوية.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ ﴾ لما ذكرنا من وحدانيته؛ وتدبيره؛ وعلمه؛ وحكمته.

﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لقوم همتهم العقل والفهم؛ والنظر والتفكر في الآيات، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعلمهم.

وقال الحسن: هذا مثل [ضربه الله] لقلوب بني آدم كانت الأرض في الأصل طينة واحدة؛ فسطحها الرحمن ثم بطحها؛ فصارت الأرض قطعاً متجاورات؛ فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها؛ وتخرج نباتها ويحيا مواتها، وتخرج هذه سبختها وملحها؛ وخبثها؛ وكلتاهما تسقى بماء واحد؛ فلو كان الماء مالحاً؛ قيل: استسبخت هذه من قبل الماء كذلك الناس: خلقوا من آدم -  - فينزل عليهم من السماء تذكرة واحدة؛ فترقّ قلوب؛ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب؛ فتسهو وتلهو وتجفو؛ أو كلام نحوه.

ثم قال الحسن: والله؛ ما جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان؛ ثم تلا قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ .

قال الحسن: إن تعجب - يا محمد - من تكذيبهم إياك في الرسالة؛ فعجب قولهم؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

وقال بعضهم: وإن تعجب - يا محمد - مما أوحينا إليك من القرآن؛ كقوله - في الصافات - ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ  ﴾ .

﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أي: أعجب أيضاً قولُهم، يقول: لكن قولهم أعجب عندك؛ حين قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ تكذيباً للبعث.

وأصله - والله أعلم -: يقول: إنك إن عجبت، من قولهم في تكذيبهم إياك في الرسالة؛ ولم [تكن] رسولا من قبل؛ فقولهم وإنكارهم قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت أعجب؛ إذ قد رأوا وشاهدوا من قدرة الله وآياته؛ ما لو تفكروا وتأملوا ولم يعاندوا، عرفوا أنه قادر على ذلك كله؛ فوصفهم الله  بالعجز؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم إياك في الرسالة، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك، وقد سبق من الله إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك؛ وعلى أكثر منه.

وأصله - والله أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك؛ ولم يكن منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج، وإنما كان منك البيان والدعاء؛ فأعجب: قولهم في إنكارهم قدرة الله على البعث؛ وقولهم في الله  ما قالوا فيه؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله؛ بالله إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث؛ كان كفرهم بالبعث كفراً بالله؛ لأنهم عرفوه عاجزاً، حيث قالوا: لا يقدر على بعث الخلق، ومن عرف ربه عاجزاً - فهو لم يعرف الرب الحقيقة؛ والإله الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: صار الكفر في أعناقهم أغلالا؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر، ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم؛ يعكفون عليها ويخضعون؛ فذلك هو الأغلال في أعناقهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

في الآخرة كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ...

﴾ الآية [الحاقة: 30] ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وفي الأرض بقاع متقاربة، وفيها بساتين من أعناب، وفيها زرع، ونخلات مجتمعة في أصل واحد، ونخلات منفردات بأصلها، تُسْقَى هذه البساتين وتلك الزروع بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الطعم وغيره من الفوائد على رغم تجاورها وسقيها بماء واحد، إن في ذلك المذكور لأدلة وبراهين لقوم يعقلون؛ لأنهم هم الذين يعتبرون بذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.Qy5K4"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله