الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٦ من سورة الرعد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 84 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٦ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( والذين آتيناهم الكتاب ) وهم قائمون بمقتضاه ( يفرحون بما أنزل إليك ) أي : من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ) [ البقرة : 121 ] وقال تعالى : ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] أي : إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - لحقا وصدقا مفعولا لا محالة ، وكائنا ، فسبحانه ما أصدق وعده ، فله الحمد وحده ، (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) [ الإسراء : 109 ] .
وقوله : ( ومن الأحزاب من ينكر بعضه ) أي : ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك .
وقال مجاهد : ( ومن الأحزاب ) اليهود والنصارى ، من ينكر بعضه ما جاءك من الحق .
وكذا قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وهذا كما قال تعالى : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) [ آل عمران : 199 ] .
( قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ) أي : إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له ، كما أرسل الأنبياء من قبلي ، ( إليه أدعو ) أي : إلى سبيله أدعو الناس ، ( وإليه مآب ) أي : مرجعي ومصيري .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين أنـزلنا إليهم الكتاب ممَّن آمن بك واتبعك، يا محمد، (يفرحون بما أنـزل إليك) منه(ومن الأحْزاب من ينكر بعضه) ، يقول: ومن أهل الملل المتحزِّبين عليك, وهم أهل أدْيان شَتَّى, (15) من ينكر بعضَ ما أنـزل إليك.
فقل لهم: (إنَّما أمرتُ) ، أيها القوم (أن أعبد الله) وحده دون ما سواه(ولا أشرك به) ، فأجعل له شريكًا في عبادتي, فأعبدَ معه الآلهةَ والأصنامَ, بل أخلِص له الدين حَنِيفًا مسلمًا (إليه أدعو)، يقول: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناسَ(وإليه مآب) ، يقول: وإليه مصيري * * * وهو " مَفْعَل " ، من قول القائل: "آبَ يَؤُوب أوْبًا ومَآبًا " .
(16) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 20454- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنـزل إليك) ، أولئك أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدَّقُوا به * * * قوله: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) ، يعني اليهودَ والنصارى .
20455- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) ، قال: من أهل الكتاب .
20456- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله .
20457- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنـزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه) ، من أهل الكتاب، و " الأحزاب " أهل الكتب يقرّبهم تحزُّبهم .
(17) قوله: وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ [سورة الأحزاب:20] قال: لتحزبهم على النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن جريج, وقال عن مجاهد: (ينكِرُ بعضه) ، قال: بعض القرآنِ .
20458- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وإليه مآب) : ، وإليه مَصِيرُ كلّ عبْدٍ .
20459- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنـزل إليك) ، قال: هذا مَنْ آمنَ برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فيفرحون بذلك .
وقرأ: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ [سورة يونس:40] .
وفي قوله: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) ، قال: " الأحزاب ": الأممُ، اليهودُ والنصارى والمجوس منهم من آمنَ به, ومنهم من أنكره .
---------------------------- الهوامش : (15) انظر تفسير" الأحزاب" فيما سلف 15 : 278 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(16) انظر تفسير" المآب" فيما سلف : 444 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(17) في المطبوعة :" تفريقهم لحربهم ، والذي أثبت هو ما في المخطوطة ، وإن كان قد أساء في كتابة الكلمة الأولى بعض الإساءة .
قوله تعالى : والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآبقوله تعالى : والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك أي بعض من أوتي الكتاب يفرح بالقرآن ، كابن سلام وسلمان ، والذين جاءوا من الحبشة ; فاللفظ عام ، والمراد الخصوص .
وقال قتادة : هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يفرحون بنور القرآن ; وقاله مجاهد وابن زيد .
وعن مجاهد أيضا أنهم مؤمنو أهل الكتاب .
وقيل : هم جماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى يفرحون بنزول القرآن لتصديقه كتبهم .
وقال أكثر العلماء : كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في أول ما أنزل ، فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة ; فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ; فأنزل الله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى فقالت قريش : ما بال محمد يدعو إلى إله واحد فأصبح اليوم يدعو إلهين ، الله والرحمن !
والله ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ; فنزلت : وهم بذكر الرحمن هم كافرون وهم يكفرون بالرحمن ففرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن ; فأنزل الله تعالى : والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك .ومن الأحزاب يعني مشركي مكة ، ومن لم يؤمن من اليهود والنصارى والمجوس .
وقيل : هم العرب المتحزبون على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقيل : ومن أعداء المسلمين من ينكر بعض ما في القرآن ; لأن فيهم من كان يعترف ببعض الأنبياء ، وفيهم من كان يعترف بأن الله خالق السماوات والأرض .قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به [ ص: 285 ] قراءة الجماعة بالنصب عطفا على " أعبد " .
وقرأ أبو خالد بالرفع على الاستئناف أي أفرده بالعبادة وحده لا شريك له ، وأتبرأ عن المشركين ، ومن قال : المسيح ابن الله وعزير ابن الله ، ومن اعتقد التشبيه كاليهود .إليه أدعو أي إلى عبادته أدعو الناس .وإليه مآب أي أرجع في أموري كلها .
يقول تعالى: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } أي: مننا عليهم به وبمعرفته، { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } فيؤمنون به ويصدقونه، ويفرحون بموافقة الكتب بعضها لبعض، وتصديق بعضها بعضا وهذه حال من آمن من أهل الكتابين، { وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ } أي: ومن طوائف الكفار المنحرفين عن الحق، من ينكر بعض هذا القرآن ولا يصدقه.
{ فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } إنما أنت يا محمد منذر تدعوا إلى الله، { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ } أي: بإخلاص الدين لله وحده، { إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } أي: مرجعي الذي أرجع به إليه فيجازيني بما قمت به من الدعوة إلى دينه والقيام بما أمرت به.
قوله عز وجل : ( والذين آتيناهم الكتاب ) يعني : القرآن ، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ( يفرحون بما أنزل إليك ) من القرآن ( ومن الأحزاب ) يعني : الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم اليهود ، والنصارى ( من ينكر بعضه ) هذا قول مجاهد ، وقتادة .
وقال الآخرون : كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبد الله بن سلام ، وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة ، فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله سبحانه وتعالى : ( والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه ) يعني : مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح : بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا : ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ، فأنزل الله عز وجل ( وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) ( الأنبياء - 36 ( وهم يكفرون بالرحمن ) ( الرعد - 30 ) .
وإنما قال : " بعضه " لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر الله وينكرون ذكر الرحمن .
( قل ) يا محمد ( إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب ) أي : مرجعي .
«والذين آتيناهم الكتاب» كعبد الله بن سلام وغيره من مؤمني اليهود «يفرحون بما أنزل إليك» لموافقته ما عندهم «ومن الأحزاب» الذين تحزَّبوا عليك بالمعادة من المشركين واليهود «من ينكر بعضه» كذكر الرحمن وما عدا القصص «قل إنما أمرت» فيما أنزل إليَّ «أن» أي بأن «أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب» مرجعي.
والذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى مَن آمن منهم بك كعبد الله بن سلام والنجاشي، يستبشرون بالقرآن المنزل عليك لموافقته ما عندهم، ومن المتحزبين على الكفر ضدك، كالسَّيد والعاقب، أُسْقفَي "نجران"، وكعب بن الأشرف، مَن ينكر بعض المنزل عليك، قل لهم: إنما أمرني الله أن أعبده وحده، ولا أشرك به شيئًا، إلى عبادته أدعو الناس، وإليه مرجعي ومآبي.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان موقف أهل الكتاب من القرآن الكريم ، وبأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن منهجه بصراحة وثبات ، دون التفات إلى أهواء معارضية ، وبالرد على الشبهات التى أثارها أعداؤه حوله وحول دعوته ، وبتهديد هؤلاء الأعداء وبسوء العاقبة إذا ما استمروا فى طغيانهم فقال - تعالى - :( والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ .
.
.
)قوله - سبحانه - : ( والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ) ثناء منه - سبحانه - على الذين عرفوا الحق من أهل الكتاب فاتبعوه .والمراد بالكتاب هنا : التوراة والإِنجيل .والمعنى : والذين أعطيناهم التوراة والإِنجيل ، فآمنوا بما فيهما من بشارات تتعلق بك - أيها الرسول الكريم - ، ثم آمنوا بك عند إرسالك رحمة للعالمين .هؤلاء الذين تلك صفاتهم ، يفرحون بما أنزل إليك من قرآن ، لأن ما فيه من هدايات وبراهين على صدقك ، يزيدهم إيمانا على إيمانهم ، ويقينا على يقينهم .وقيل : المراد بالكتاب القرآن الكريم ، وبالموصول أتباع النبى صلى الله عليه وسلم من المسلمين .فيكون المعنى : والذين آتيناهم الكتاب - وهو القرآن - فآمنوا بك وصدقوك يفرحون بكل ما ينزل عليك منه ، لأنه يزيدهم هداية على هدايتهم .ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن الآية الكريمة سيقت بعد الحديث عن عاقبة الذين اتقوا وهم المؤمنون الصادقون ، وعاقبة الكافرين .
ولأن فرح المؤمنين بنزول القرآن أمر مسلم به فلا يحتاج إلى الحديث عنه .ومن المفسرين الذين اقتصروا فى تفسيرهم للآية على الرأى الأول الإِمام ابن كثير فقد قال : فقد الله - تعالى - : ( والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب ) وهم قائمون بمقتضاه ( يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ) أى : من القرآن ، لما فى كتبهم من الشواهد على صدقه صلى الله عليه وسلم والبشارة به ، كما قال تعالى : ( الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فأولئك هُمُ الخاسرون ) وقوله : ( وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ) بيان لمن بقى على كفره من أهل الكتاب وغيرهم ، والأحزاب : جمع حزب ويطلق على مجموعة من الناس اجتمعوا من أجل غاية معينة أى : ومن أحزاب الكفر والضلال من ينكر بعض ما أنزل إليك لأنه يخالف أهواءهم وأطماعهم وشهواتهم .
.
ولم يذكر القرآن هذا البعض الذى ينكرونه ، إهمالا لشأنهم ، ولأنه لا يتلعق بذكره غرض .وقوله - سبحانه - : ( قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ) أمر منه - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بما يأمره دون تردد أو وجل .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لكل من خافك فيما تدعو إليه ( إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ) وحده ( ولا أُشْرِكَ بِهِ ) بوجه من الوجوه إليه وحده " أدعو " الناس لكى يخلصوا له العبادة والطاعة ( وَإِلَيْهِ مَآبِ ) أى وإليه وحده إيابى ومرجعى لا إلى أحد غيره .فالآية تضمنت المدح لمن عرف الحق ففرح بوجوده .
والذم لمن أنكره جحوداً وعناداً ، والأمر للنبى صلى الله عليه وسلم بالسير فى طريقه بدون خشية من أحد .
اعلم أن في المراد بالكتاب قولين: الأول: أنه القرآن والمراد أن أهل القرآن يفرحون بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد والعدل والنبوة والبعث والأحكام والقصص، ومن الأحزاب الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار من ينكر بعضه وهو قول الحسن وقتادة.
فإن قيل: الأحزاب ينكرون كل القرآن.
قلنا: الأحزاب لا ينكرون كل ما في القرآن، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء، والأحزاب ما كانوا ينكرون كل هذه الأشياء.
والقول الثاني: إن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وعلى هذا التقدير ففي الآية قولان: الأول: قال ابن عباس: الذين آتيناهم الكتاب هم الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بأرض الحبشة وفرحوا بالقرآن، لأنهم آمنوا به وصدقوه والأحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين قال القاضي: وهذا الوجه أولى من الأول لأنه لا شبهة في أن من أوتي القرآن فإنهم يفرحون بالقرآن، أما إذا حملناه على هذا الوجه ظهرت الفائدة ويمكن أن يقال: إن الذين أوتوا القرآن يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من العلوم الكثيرة والفوائد العظيمة، فلهذا السبب حكى الله تعالى فرحهم به.
والثاني: والذين آتيناهم الكتاب اليهود أعطوا التوارة، والنصارى أعطوا الإنجيل، يفرحون بما أنزل في هذا القرآن، لأنه مصدق لما معهم ومن الأحزاب من سائر الكفار من ينكر بعضه، وهو قول مجاهد.
قال القاضي: وهذا لا يصح، لأن قوله: ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعم جميع ما أنزل إليه، ومعلوم أنهم لا يفرحون بكل ما أنزل إليه ويمكن أن يجاب فيقال إن قوله: ﴿ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ لا يفيد العموم بدليل جواز ادخال لفظتي الكل والبعض عليه، ولو كانت كلمة ما للعموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً وإدخال لفظ البعض عليه نقصاً.
ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد في ألفاظ قليلة منه فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَابِ ﴾ وهذا الكلام جامع لكل ما ورد التكليف به، وفيه فوائد: أولها: أن كلمة إنما للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى، وذلك يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك.
وثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، وذلك يدل على أن المرء مكلف بذلك.
وثالثها: أن عبادة الله تعالى لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل، فهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال في معرفة ذات الصانع وصفاته، وما يجب ويجوز ويستحيل عليه.
ورابعها: أن عبادة الله واجبة، وهو يبطل قول نفاة التكليف، ويبطل القول بالجبر المحض.
وخامسها: قوله: ﴿ وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ ﴾ وهذا يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد بالكلية، ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبوداً سوى الله تعالى سواء قال: إن ذلك المعبود هو الشمس أو القمر أو الكواكب أو الأصنام والأوثان والأرواح العلوية أو يزدان وأهرمن على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما يقوله الثنوية.
وسادسها: قوله: ﴿ إِلَيْهِ ادعوا ﴾ والمراد منه أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات فكذلك يجب عليه الدعوة إلى عبودية الله تعالى وهو إشارة إلى نبوته.
وسابعها: قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ مَابِ ﴾ وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة ووقف عليها عرف أنها محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ يريد من أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، هؤلاء ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحزاب ﴾ يعني ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب أسقفي نجران وأشياعهما ﴿ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم غير محرف، وكانوا ينكرون ما هو نعت الإسلام ونعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما حرّفوه وبدّلوه من الشرائع.
فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ بما قبله؟
قلت: هو جواب للمنكرين معناه: قل إنما أمرت فيما أنزل إليّ بأن أعبد الله ولا أشرك به.
فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ﴾ [آل عمران: 64] وقرأ نافع في رواية أبي خليد: ﴿ ولا أشرك ﴾ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وأنا لا أشرك به ويجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: أمرت أن أعبد الله غير مشرك به ﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ خصوصاً لا أدعو إلى غيره ﴿ وَإِلَيْهِ ﴾ لا إلى غيره مرجعي، وأنتم تقولون مثل ذلك، فلا معنى لإنكاركم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ كابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ ومَن آمَنَ مِنَ النَّصارى وهم ثَمانُونَ رَجُلًا أرْبَعُونَ بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ واثْنانِ وثَلاثُونَ بِالحَبَشَةِ، أوْ عامَّتُهم فَإنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما يُوافِقُ كُتُبَهم.
﴿ وَمِنَ الأحْزابِ ﴾ يَعْنِي كَفَرَتَهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَّيِّدِ والعاقِبِ وأشْياعِهِما.
﴿ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ وهو ما يُخالِفُ شَرائِعَهم أوْ ما يُوافِقُ ما حَرَّفُوهُ مِنها.
﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ جَوابٌ لِلْمُنْكِرِينَ أيْ قُلْ لَهم إنِّي أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِأنْ أعْبُدَ اللَّهَ وأُوَحِّدَهُ، وهو العُمْدَةُ في الدِّينِ ولا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ، وأمّا ما تُنْكِرُونَهُ لِما يُخالِفُ شَرائِعَكم فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مُخالِفَةُ الشَّرائِعِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ.
وقُرِئَ « ولا أُشْرِكُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
﴿ إلَيْهِ أدْعُو ﴾ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿ وَإلَيْهِ مَآبِ ﴾ وإلَيْهِ مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِهِ، وهَذا هو القَدْرُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الأنْبِياءِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِنَ التَّفارِيعِ فَمِمّا يَخْتَلِفُ بِالأعْصارِ والأُمَمِ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكُمُ المُخالَفَةَ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين آتيناهم الكتاب} يريد من أسلم من اليهود كابن سلام ونحوه ومن النصارى بأرض الحبشة {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحزاب} أي ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم وكانوا ينكرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ} هو جواب للمنكرين أي قل إنما أمرت فيما أنزل إلى بأن أعبد الله ولا أشرك به فانكارهم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به {إليه أدعو} خصوصا لا أدعوا إلى غيره {وإليه} لا إلى غيره {مآب} مرجعي وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لانكاركم
﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ نَزَلَتْ كَما قالَ الماوَرْدِيُّ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأضْرابِهِما مِنَ اليَهُودِ وكالَّذِينِ أسْلَمُوا مِنَ النَّصارى كالثَّمانِينَ المَشْهُورِينَ وهم أرْبَعُونَ رَجُلًا بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ واثْنانِ وثَلاثُونَ بِالحَبَشَةِ فالمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ إذْ هو الكِتابُ المَوْعُودُ فِيما أُوتُوهُ ﴿ ومِنَ الأحْزابِ ﴾ أيْ مِن أحْزابِهِمْ وهم كَفَرَتُهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَّيِّدِ والعاقِبِ أُسْقُفِيِّ نَجْرانَ وأشْياعِهِما وأصْلُهُ جَمْعُ حِزْبٍ بِكَسْرٍ وسُكُونٍ الطّائِفَةُ المُتَحَزِّبَةُ أيِ المُجْتَمِعَةِ لِأمْرٍ ما كَعَداوَةٍ وحَرْبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وإرادَةُ جَماعَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنهُ بِواسِطَةِ العَهْدِ ﴿ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ وهو ما لا يُوافِقُ كُتُبَهم مِنَ الشَّرائِعِ الحادِثَةِ إنْشاءً أوْ نَسْخًا وأمّا ما يُوافِقُ كُتُبَهم فَلَمْ يُنْكِرُوهُ وإنْ لَمْ يَفْرَحُوا بِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي اليَهُودِ خاصَّةً فالمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ وبِالأحْزابِ كَفَرَتُهم وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما يُوافِقُ كُتُبَهم فالمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ بَعْضُهُ وهو المُوافِقُ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَأْباهُ مُقابَلَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ لِأنَّ إنْكارَ البَعْضِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الأحْزابِ مَن حَظُّهُ إنْكارُ بَعْضِهِ فَحَسْبُ ولا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الفَرَحِ بِبَعْضٍ مِنهُ لِشِدَّةٍ بُغْضِهِ وعَداوَتِهِ وأُولَئِكَ يَفْرَحُونَ بِبَعْضِهِ المُوافِقِ لِكُتُبِهِمْ وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى أنَّ مِنهم مَن يَفْرَحُ بِبَعْضِهِ إذا وافَقَ كُتُبَهم وبَعْضُهم لا يَفْرَحُ بِذَلِكَ البَعْضِ بَلْ يَغْتَمُّ بِهِ وإنْ وافَقَها ويُنْكِرُ المُوافَقَةَ لِئَلّا يَتَّبِعَ أحَدٌ مِنهم شَرِيعَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في قِصَّةِ الرَّجْمِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ وعَلى تَفْسِيرِ المَوْصُولِ بِعامَّةِ أهْلِ الكِتابِ فَسَّرَ البَعْضُ البَعْضَ بِما لَمْ يُوافِقْ ما حَرَّفُوهُ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم مَن يَفْرَحُ بِما وافَقَ ومِنهم مَن يُنْكِرُهُ لِعِنادِهِ وشِدَّةِ فَسادِهِ وإنْكارُهم لِمُخالَفَةِ المُحَرَّفِ بِالقَوْلِ دُونَ القَلْبِ لِعِلْمِهِمْ بِهِ أوْ هو بِالنِّسْبَةِ لِمَن لَمْ يُحَرِّفْهُ ولَعَلَّ نَعْيَ الإنْكارِ أوْفَقُ بِالمَقامِ مِن نَعْيِ التَّحْرِيفِ عَلَيْهِمْ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ مُطْلَقُ المُسْلِمِينَ وبِالأحْزابِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ فالمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ ومَعْنى ﴿ يَفْرَحُونَ ﴾ اسْتِمْرارُ فَرَحِهِمْ وزِيادَتُهُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالأحْزابِ أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ ﴿ قُلْ ﴾ صادِعًا بِالحَقِّ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِمُنْكِرِ بَعْضِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ لا أفْعَلُ الإشْراكَ بِهِ سُبْحانَهُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ قَصْرُ الأمْرِ عَلى عِبادَتِهِ تَعالى خاصَّةً وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الإمامِ حَيْثُ قالَ: إنَّ ﴿ إنَّما ﴾ لِلْحَصْرِ ومَعْناهُ إنِّي ما أُمِرْتُ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ ولا أمْرَ ولا نَهْيَ إلّا بِذَلِكَ وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّما أُمِرْتُ بِعِبادَتِهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ لا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ المَعْنى إلْزامًا لِلْمُنْكِرِينَ ورَدًّا لِإنْكارِهِمْ إنَّما أُمِرْتُ إلى آخِرِهِ والمُرادُ قَصْرُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى لا قَصْرَ الأمْرِ مُطْلَقًا عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ أيْ قُلْ لَهم: إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ وظاهِرٌ أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ لِإطْباقِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكُتُبِ عَلى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ فَما لَكم تُشْرِكُونَ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ المُرادِ مِنَ الأحْزابِ كَفَرَةَ أهْلِ الكِتابَيْنِ وهَذا الكَلامُ إلْزامٌ لَهم واعْتُرِضَ بِأنَّ مِنهم مَن يُنْكِرُ التَّوْحِيدَ وإطْباقَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والكُتُبِ عَلَيْهِ كالمُثَلِّثَةِ مِنَ النَّصارى.
وأُجِيبَ بِأنَّهم مَعَ التَّثْلِيثِ يَزْعُمُونَ التَّوْحِيدَ ولا يُنْكِرُونَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: بِاسْمِ الأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ إلَهًا واحِدًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مِمّا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ والِاعْتِراضُ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ المُرادِ وقَدْ يُقالُ: المَعْنى إنَّما أُمِرْتُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الإشْراكِ بِهِ وذَلِكَ أمْرٌ تَسْتَحْسِنُهُ العُقُولُ وتُصَرِّحُ بِهِ الدَّلائِلُ الآفاقِيَّةُ والأنْفُسِيَّةُ: .
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ فَإنْكارُهُ دَلِيلُ الحَماقَةِ وشاهِدُ الجَهالَةِ لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ويَجْرِي هَذا عَلى سائِرِ تَفاسِيرِ الأحْزابِ وقَرَأ أبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ ( ولا أُشْرِكُ ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ أيْ وأنا لا أُشْرِكُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِهِ قِيلَ: وهو الأوْلى لِخُلُوِّ الِاسْتِئْنافِ عَنْ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ تَخْصِيصُ العِبادَةِ بِهِ تَعالى وفِيهِ بَحْثٌ ﴿ إلَيْهِ ﴾ أيْ إلى اللَّهِ تَعالى خاصَّةً عَلى النَّهْجِ المَذْكُورِ مِنَ التَّوْحِيدِ أوْ إلى ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ أدْعُو ﴾ النّاسَ لا إلى غَيْرِهِ ولا إلى شَيْءٍ آخَرَ مِمّا لا يُطَبَّقُ عَلَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَما وجْهُ إنْكارِكم قالَهُ في الإرْشادِ أيْضًا والأوْلى عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اللَّهِ تَعالى كَنَظِيرِهِ السّابِقِ وكَذا اللّاحِقِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإلَيْهِ ﴾ أيِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ﴿ مَآبِ ﴾ .
(36) .
أيْ مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ وعَلى ذَلِكَ اقْتَصَرَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ وكانَ قَدْ زادَ ومَرْجِعُكم فِيما تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَزِيدَهُ هُنا أيْضًا بَلْ هَذا المَقامُ أنْسَبُ بِالتَّعْمِيمِ لِيَدُلَّ عَلى ثُبُوتِ الحَشْرِ عُمُومًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وقَدْ جَعَلَ الإمامُ هَذِهِ الآيَةَ جامِعَةً لِكُلِّ ما لا يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ مِن مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ جامِعٌ لِكُلِّ ما ورَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ أدْعُو ﴾ مُشِيرٌ إلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ وإلَيْهِ مَآبِ ﴾ إشارَةٌ إلى الحَشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ وأجابَ الشِّهابُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مَرْجِعِي وأنْتُمْ تَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكم فِيهِ بَيانٌ لِنُكْتَةِ التَّخْصِيصِ مِن أنَّهم يُنْكِرُونَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا فَلا حاجَةَ إلى ما يُقالُ لا حاجَةَ لِذِكْرِهِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ ﴾ انْتَهى.
وهُوَ كَما تَرى ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنْ يُقالَ: إنَّ دَلالَةَ الكَلامِ عَلَيْهِ هُنا لَيْسَتْ كَدَلالَتِهِ عَلَيْهِ هُناكَ إذْ مَساقُ الآيَةِ فِيهِ لِلتَّخْوِيفِ اللّائِقِ بِهِ اعْتِبارُهُ ومَساقُها هُنا لِأمْرٍ آخَرَ والِاقْتِصارُ عَلى ذَلِكَ كافٍ فِيهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِهِ ويَكُونُ مَعْنى الآيَةِ قُلْ في جَوابِهِمْ: إنِّي إنَّما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى بِما هو مِن مَعالِي الأُمُورِ وإلَيْهِ أدْعُو وقْتًا فَوَقْتًا وإلَيْهِ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم فَيُثِيبُنِي عَلى ما أنا عَلَيْهِ ويَنْتَقِمُ مِنكم عَلى إنْكارِكم وتَخَلُّفِكم عَنِ اتِّباعِ دَعْوَتِي أوْ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ حَقِّيَّةُ جَمِيعِ ما أُنْزِلَ إلَيَّ ويَتَبَيَّنُ فَسادُ رَأْيِكم في إنْكارِكم شَيْئًا مِنهُ وقَدْ يُقالُ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ نَحْوَ ما قِيلَ فِيما قَبْلُ: إنَّ المَعْنى قُلْ في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمْ إنِّي إنَّما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى بِما أمَرَنِي بِهِ وإلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَرْجِعِي فِيما يَعْرِضُ لِي في أمْرِ الدَّعْوَةِ وغَيْرِهِ فَلا أُبالِي بِإنْكارِكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافٍ مَن رَجَعَ إلَيْهِ ولَعَلَّ هَذا المَعْنى هُنا مِن حَيْثُ أنَّهُ فِيهِ تَأْسِيسٌ مَحْضٌ مِنهُ هُناكَ واقْتَصَرَ في الإرْشادِ عَلى جَعْلِ الكَلامِ إلْزامًا وجَعَلَهُ نُكْتَةً أمَرَهُ بِأنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يقول: هو الله القائم على كل نفس برة وفاجرة بالرزق لهم، والدفع عنهم، وجوابه مضمر، يعني: كمن هو ليس بقائم على ذرة، وهذا كقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ [النحل: 17] ثم قال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني: قالوا ووصفوا لله شركاء.
وقال مقاتل: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يقول: يعني: السواء أنا القائم على كل نفس بأرزاقهم، وأطعمتهم، كالذين يصفون أن لي شريكاً.
معناه: لا تكون عبادة الله كعبادة غيره قُلْ سَمُّوهُمْ يعني: قل يا محمد، سموا هؤلاء الشركاء.
يعني: سموا دلائلهم وبراهينهم وحججهم.
ويقال: سموا منفعتهم وقدرتهم.
ثم قال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ يعني: تخبرونه بما علم أنه لا يكون.
ويقال: معناه أتشركون معه جاهلاً لا يعلم ما فِى الارض.
ويقال: معناه أتخبرون الله بشيء لا يعلم من آلهتكم.
يعني: يعلم الله أنه ليس لها في الأرض قدرة أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ يعني: أتقولون قولاً بلا برهان ولا حجة.
ويقال: بباطل من القول.
يعني: إن قلتم إن لها قدرة لقلتم باطلاً.
وقال قتادة: الظاهر من القول الباطل، وكذلك قال مجاهد.
ثم قال: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ يقول: ولكن زين للذين كفرُوا من أهل مكة كفرهم، وقولهم الشرك وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ بنصب الصاد.
يعني: إن الكافرين صدوا الناس عن دين الله الإسلام.
وقرأ الباقون: وَصُدُّوا بضم الصاد على فعل ما لم يسم فاعله.
مثل قوله: فَزَيَّنَ لَهُمُ [فاطر: 8] .
ثم قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني: من يخذله الله عن دينه الإسلام، ولا يوفقه فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: ما له من مرشد إلى دينه غير الله تعالى.
قوله تعالى: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: لهم في الدنيا الشدائد والأمراض.
ويقال: عند الموت.
ويقال: القتل على أيدي المسلمين، والغلبة عليهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ يعني: أشدّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يعني: ملجأ يلجئون إليه يقيهم من عذاب الله.
<div class="verse-tafsir"
مبتدأ، وخبره طُوبى لَهُمْ.
واختلف في معنى طُوبى، فقال ابن عباس: طُوبى: اسمُ الجنَّةِ بالحَبَشِيَّةِ «١» ، وقيل: طُوبى: اسم الجنَّة بالهِنْدِيَّة، وقيل: طُوبى: اسم شجرة في الجنَّة، وبهذا تواترتِ الأحاديث قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طُوبَى اسم شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها ...
» «٢» الحديث.
قال ص: طُوبى: «فُعْلَى» من الطِّيب، والجمهور أنها مفرد مصدر ك «سُقْيَا وبُشْرَى» .
قال الضَّحَّاك: ومعناها: غِبْطَةً لهم «٣» ، قال القُرطُبيُّ «٤» : والصحيحُ أنها شجرةٌ للحديث المرفوع.
انتهى.
ت: وروى الشيخُ الحافظ أبو بكْرٍ أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثابتِ بنِ الخَطِيبِ البَغْدَادِيُّ في «تاريخه» ، عن شيخه أبي نُعَيْمٍ الأَصبهانيِّ بسنده عن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِك!
قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، ثُمَّ طُوبَى، ثُم طُوبَى، ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي» ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا طُوبَى؟
قَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» «٥» .
انتهى من ترجمة «أحمد بن الحَسَن» .
وقوله تعالى: «كذلك أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ» : أي: كما أجرينا عادَتَنا، كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ ...
الآية.
وقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ: قال قتادة: نزلَتْ في قريش: لما كُتِبَ في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في قصَّة الحُدَيْبِيَة، فقال قائلهم: نَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرحمن «١» .
قال ع «٢» : وذلك منهم إِباءةُ اسم فقطْ، وهروبٌ عن هذه العبارة التي لم يَعْرِفُوها إِلا مِنْ قِبَل النبيِّ عليه السلام، وال مَتابِ: المرجعُ ك «المآب» لأن التوبة هي الرجُوعُ.
وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ...
الآية:
قال ابن عباس وغيره: إِن الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أزِحْ عَنَّا وَسَيِّرِ جَبَلِيْ مَكَّةَ، فَقَدْ ضَيَّقَا عَلَيْنَا، واجعل لَنَا أَرْضَنَا قِطَعَ غِرَاسَةٍ وَحَرْثٍ، وأوحي لَنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا، / وَفُلاَناً وفُلاَناً، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك معلمةً أنهم لا يُؤْمِنُونَ، ولو كان ذلك كله «٣» .
وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ...
الآية: «يَيْئَس» : معناه: يعلم، وهي لغة هَوَازِنَ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّن» ، ثم أخبر سبحانه عن كُفَّار قريشٍ والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وغزواته، ثم قال: «أَوْ تُحَلُّ أَنْتَ يَا محمَّد قريباً من دارهم» .
[هذا تأويلُ ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» .
وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: المعنى: أو تَحُلُّ القارعةُ قريباً من دارهم] «٥» ، ووَعْدُ اللَّهِ على قول ابن عباس وغيره: هو فَتْحُ مَكَّة، وقال الحسن: الآيةُ عامَّة في الكفّار إلى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم مُسْلِمُو اليَهُودِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.
والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: مُؤْمِنُو أهْلٍ الكِتابَيْنِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِ: القُرْآنُ، فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ وصَدَّقُوهُ، وفَرِحَ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهُ صَدَّقَ ما عِنْدَهم.
وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ، ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ في التَّوْراةِ.
فَلَمّا نَزَلَ ذِكْرُهُ فَرِحُوا، وكَفَرَ المُشْرِكُونَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فَأمّا الأحْزابُ، فَهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِالمُعاداةِ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي بَعْضِهِ الَّذِي أنْكَرُوهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ والبَعْثِ ومُحَمَّدٍ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوا بَعْثَةَ الرَّسُولِ في كُتُبِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ.
والثّالِثُ: أنَّهم عَرَفُوا صِدْقَهُ، وأنْكَرُوا تَصْدِيقَهُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ ﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ واقٍ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النارُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ ، والمَعْنى: أفَمَن هو هَكَذا أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؟
هَذا تَأْوِيلٌ، ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ ، كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ أهْلٌ أنْ يَنْتَقِمَ ويُعاقِبَ أمْ لا؟
و"الأنْفُسُ" مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو قائِمٌ عَلى الكُلِّ أيْ مُحِيطٌ بِهِ لِيُقَرِّبَ المَوْعِظَةَ مِن حِسِّ السامِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ حالَ كَسْبِها لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ عِنْدَ نَظَرِ الآيَةِ في أعْمالِهِ وكَسْبِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: سَمُّوا مَن لَهُ صِفاتٌ يَسْتَحِقُّ بِها الأُلُوهِيَّةَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ القَوْلِ وقَرَّرَ: هَلْ تُعْلِمُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ، وقَرَأالحَسَنُ: "هَلْ تُنْبِئُونَهُ" بِإسْكانِ النُونِ وتَخْفِيفِ الباءِ.
و"أمْ" هي بِمَعْنى "بَلْ"، و"ألِفُ الِاسْتِفْهامِ"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ".
ثُمَّ قَرَّرَهم بَعْدُ، هَلْ يُرِيدُونَ تَجْوِيزَ ذَلِكَ بِظاهِرٍ مِنَ الأمْرِ؟
لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لَهُ إلْباسٌ ما ومَوْضِعٌ مِنَ الِاحْتِمالِ، وما لَمْ يَكُنْ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ فَقَطْ فَلا شُبْهَةَ لَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "مَكْرُهُمْ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "زَيَّنَ" عَلى بِنايَةٍ لِلْفاعِلِ "مَكْرَهُمْ" بِالنَصْبِ، أيْ: زَيَّنَ اللهُ.
و"مَكْرُهُمْ": لَفْظٌ يَعُمُّ أقْوالَهم وأفْعالَهُمُ الَّتِي كانَتْ بِسَبِيلِ مُناقَضَةِ الشَرْعِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَصُدُّوا" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى تَعَدِّي الفِعْلِ، وقَرَأ الباقُونَ هُنا وفي "حم المُؤْمِنِ" "وَصَدُّوا" بِفَتْحِها، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: صَدُّوا أنْفُسَهم أو صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدُّوا" بِكَسْرِ الصادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ الآيَةٌ وعِيدٌ، أيْ: لَهم عَذابٌ في دُنْياهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والجُدُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا امْتَحَنَهُمُ اللهُ بِهِ، ثُمَّ لَهم عَذابٌ أشَقُّ مِن هَذا كُلِّهِ وهو الِاحْتِراقُ بِالنارِ.
و"أشَقُّ" أصْعَبُ، مِنَ المَشَقَّةِ، و"الواقِي": هو الساتِرُ عَلى جِهَةِ الحِمايَةِ، مِنَ الوِقايَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَوْمٌ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةُ، وهَذا مِن قَوْلِكَ: "مَثَّلْتُ الشَيْءَ" إذا وصَفْتَهُ لِأحَدٍ وقَرَّبْتَ عَلَيْهِ فَهْمَ أمْرِهِ، ولَيْسَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لَها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعْلى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى الَّذِي يَتَحَصَّلُ في النَفْسِ مِثالًا لِلْجَنَّةِ هو جَرْيُ الأنْهارِ وأنَّ أُكُلَها دائِمٌ، ورافِعُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُقَدَّرٌ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم أو يُنَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ورافِعُهُ عِنْدَ الفَرّاءِ قَوْلُهُ: "تَجْرِي" أيْ: صِفَةُ الجَنَّةِ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أنَّ "مَثَلُ" مُقْحَمٌ، وأنَّ التَقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْثالَ الجَنَّةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "أُكُلُها" مَعْناهُ: ما يُؤْكَلُ فِيها، و"العُقْبى" والعاقِبَةُ والعاقِبُ: حالٌ تَتْلُو أُخْرى قَبْلَها.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.،وَقِيلَ: التَقْدِيرُ في صَدْرِ الآيَةِ: "مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي"، قالَهُ الزَجّاجُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- ضَرْبَ مَثَلٍ لِجَنَّةِ النَعِيمِ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
الواو للاستئناف.
وهذا استئناف ابتدائي انتقل به إلى فضل لبعض أهل الكتاب في حسن تلقيهم للقرآن بعد الفراغ من ذكر أحوال المشركين من قوله: ﴿ كذلك أرسلناك في أمة ﴾ [سورة الرعد: 30] الخ، ولذلك جاءت على أسلوبها في التعقيب بجملة ﴿ قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ﴾ [سورة الرعد: 36].
والمناسبة هي أن الذين أرسل إليهم بالقرآن انقسموا في التصديق بالقرآن فِرقاً؛ ففريق آمنوا بالله وهم المؤمنون، وفريق كفروا به وهم مصداق قوله: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ [سورة الرعد: 30]، كما تقدم أنه عائد إلى المشركين المفهومين من المقام كما هو مصطلح القرآن.
وهذا فريق آخر أيضاً أهل الكتاب وهو منقسم أيضاً في تلقي القرآن فرقتين: فالفريق الأول صدّقوا بالقرآن وفرحوا به وهم الذين ذُكروا في قوله تعالى: ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ﴾ في سورة العقود (83)، وكلهم من النصارى مثل ورقة بن نوفل وكذلك غيره ممن بلغهم القرآن أيام مُقام النبي بمكة قبل أن تبلغهم دعوة النبي فإن اليهود كانوا قد سُرُّوا بنزول القرآن مصدّقاً للتوراة، وكانوا يحسبون دعوة النبي مقصورة على العرب فكان اليهود يستظهرون بالقرآن على المشركين، قال تعالى: ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ﴾ [سورة البقرة: 89].
وكان النصارى يستظهرون به على اليهود؛ وفريق لم يثبت لهم الفرحُ بالقرآن وهم معظم اليهود والنصارى البعداء عن مكة وما كفر الفريقان به إلا حين علموا أن دعوة الإسلام عامة.
وبهذا التفسير تظهر بلاغة التعبير عنهم بيفرحون والذين آتيناهم الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الاحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } دون ﴿ يؤمنون ﴾ .
وإنما سلكنا هذا الوجه بناءً على أن هذه السورة مكية كان نزولها قبل أن يُسلم عبد الله بن سلام وسَلْمان الفارسي وبعض نصارى نجران وبعض نصارى اليمن، فإن كانت السورة مدنية أو كان هذا من المدني فلا إشْكال.
فالمراد بالذين آتياناهم الكتاب الذين أوتوه إيتاء كاملاً، وهو المجرد عن العصبية لما كانوا عليه وعن الحسد، فهو كقوله تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ﴾ [سورة البقرة: 121].
فالأظهر أن المراد بالأحزاب أحزابُ الذين أوتوا الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ في سورة مريم (37)، أي ومن أحزابهم من ينكر بعض القرآن، فاللام عوض عن المضاف إليه.
ولعل هؤلاء هم خبثاؤهم ودُهاتهم الذين توسموا أن القرآن يبطل شرائعهم فأنكروا بعضه، وهو ما فيه من الإيماء إلى ذلك من إبطال أصول عقائدهم مثل عُبودية عيسى عليه السلام بالنسبة للنصارى، ونبوءته بالنسبة لليهود.
وفي التعبير عنهم بالأحزاب إيماء إلى أن هؤلاء هم المتحزبون المتصلبون لقومهم ولما كانوا عليه.
وهكذا كانت حالة اضطراب أهل الكتاب عندما دمغتهم بعثة النبي وأخذ أمر الإسلام يفشو.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن للفريقين بأنه ما أمر إلا بتوحيد الله كما في الآية الأخرى: ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ﴾ [سورة آل عمران: 64]، فمن فرح بالقرآن فليزدد فرحاً ومن أنكر بعضه فليأخذ بما لا ينكره وهو عدم الإشراك.
وقد كان النصارى يتبرؤون من الشرك ويعُدّون اعتقاد بُنوة عيسى عليه السلام غير شرك.
وهذه الآية من مجاراة الخصم واستنزال طائر نفسه كيلا ينفر من النظر.
وبهذا التفسير يظهر موقع جملة قل إنما أمرت أن أعبد الله } بعد جملة ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ﴾ وأنها جواب للفريقين.
وأفادت ﴿ إنما ﴾ أنه لم يؤمر إلا بأن يعبد الله ولا يشرك به، أي لا بغير ذلك مما عليه المشركون، فهو قصر إضافي دلت عليه القرينة.
ولما كان المأمور به مجموع شيئين: عبادة الله، وعدم الإشراك به في ذلك آل المعنى: أني ما أمرت إلا بتوحيد الله.
ومن بلاغة الجدل القرآني أنه لم يأت بذلك من أول الكلام بل أتى به متدرّجاً فيه فقال: ﴿ أن أعبد الله ﴾ لأنه لا ينازع في ذلك أحد من أهل الكتاب ولا المشركين، ثم جاء بعده ﴿ ولا أشرك ﴾ به لإبطال إشراك المشركين وللتعريض بإبطال إلهية عيسى عليه السلام لأن ادعاء بنوته من الله تعالى يؤول إلى الإشراك.
وجملة ﴿ إليه أدعوا وإليه مآب ﴾ بيان لجملة ﴿ إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ﴾ ، أي أن أعبده وأن أدعو الناس إلى ذلك، لأنه لما أمر بذلك من قبل الله استفيد أنه مرسل من الله فهو مأمور بالدعوة إليه.
وتقديم المجرور في الموضعين للاختصاص، أي إليه لا إلى غيره أدعُو، أي بهذا القرآن، وإليه لا إلى غيره مئابي، فإن المشركين يرجعون في مهمّهم إلى الأصنام يستنصرونها ويستغيثونها، وليس في قوله هذا ما ينكره أهل الكتاب إذ هو مما كانوا فيه سواء مع الإسلام.
على أن قوله: ﴿ وإليه مآب ﴾ يعم الرجوع في الآخرة وهو البعث.
وهذا من وجوه الوفاق في أصل الدين بين الإسلام واليهودية والنصرانية.
وحذف ياء المتكلم من ﴿ مآبي ﴾ كحذفها في قوله: ﴿ عليه توكلت وإليه متاب ﴾ [الرعد: 30]، وقد مضى قريباً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُشَبِّهُ الجَنَّةَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: نَعْتُ الجَنَّةِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مِثْلٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَمَرُها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.
الثّانِي: لَذَّتُها في الأفْواهِ باقِيَةٌ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لا تُمِلُّ مَن شَبِعٍ ولا مِرْبادَ لِمَجاعَةٍ.
﴿ وَظِلُّها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: دائِمُ البَقاءِ.
الثّانِي: دائِمُ اللَّذَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ مثل الجنة ﴾ قال: نعت الجنة، ليس للجنة مثل.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ قال: لذتها دائمة في أفواههم.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن خارجة بن مصعب رضي الله عنه قال: كفرت الجهمية بآيات من القرآن، قالوا: إن الجنة تنفد، ومن قال تنفد فقد كفر بالقرآن.
قال الله تعالى ﴿ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ﴾ [ ص: 54] وقال: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ [ الواقعة: 33] فمن قال إنها تنقطع فقد كفر.
وقال عطاء غير مجذوذ، فمن قال إنها تنقطع فقد كفر.
وقال: ﴿ أكلها دائم وظلها ﴾ فمن قال إنها لا تدوم، فقد كفر.
وأخرج ابن المنذر وابو الشيخ، عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: ما من شيء من ثنار الدنيا أشبه بثمار الجنة من الموز، لأنك لا تطلبه في صيف ولا شتاء إلا وجدته.
قال الله تعالى ﴿ أكلها دائم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ الآية.
قال المفسرون (١) ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ ففرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب، وكفر المشركون بالرحمن، وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَحْزَابِ ﴾ يعني: الكفار الذين تحزبوا على رسول الله ، ﴿ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ يعني ذكر الرحمن، وهم كانوا ينكرون جميع ما ينزل عليه؛ إلا أن إنكارهم لهذا أشدة لأنهم كانوا يعرفون اسم الله فلا ينكرون ذكره، وأنكروا ذكر الرحمن فذلك قوله: ﴿ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن عباس (٢) (١) الثعلبي 7/ 139 ب، و"زاد المسير" 4/ 335، والقرطبي 9/ 326.
(٢) "تنوير المقباس" ص 159.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ هنا وفي القتال [محمد: 15] صفتها، وليس بضرب مثل لها، والخبر عند سيبويه محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم صفة الجنة، وقال الفراء: الخبر مؤخر، وهو تجري من تحتها الأنهار ﴿ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها والأكل.
بضم الهمزة المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل بفتح الهمزة المصدر ﴿ والذين آتيناهم ﴾ يعني من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه وقيل: يعني المؤمنين والكتاب على هذا القرآن ﴿ وَمِنَ الأحزاب ﴾ قيل: هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش والأظهر أنها في سائر كفار العرب، وقيل: هم اليهود والنصارى؛ لأنهم لا ينكرون القصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو حرفوه ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه جواب المنكرين، ورد عليهم كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون هذا ﴿ مَآبِ ﴾ مفعل من الأوب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة أو مرجعي بالتوبة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.
﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.
الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.
﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.
وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.
وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.
ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.
وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.
فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.
وعن الحسن.
خلق الله ليس بملك.
وعن النبي : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .
وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.
وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.
وعن علي : سبحان من سبحت له.
وكان رسول الله يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .
وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.
والمطر بكاؤهم.
أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه جعل له أعواناً.
قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.
قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.
ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.
ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله فقال رجل من أصحابه.
يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.
فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.
فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.
فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.
قال تجعل لي الأمر بعدك.
قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.
قال: لا.
قال: فماذا تجعل لي؟
قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.
قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟
وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.
فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.
فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟
ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.
قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .
ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.
وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.
أبو عبيدة: شديد العقوبة.
الحسن: شديد النقمة.
وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.
وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي في الكافرين حين دعا عليهما.
وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.
وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.
﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.
﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.
والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.
وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.
ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.
ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.
وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.
كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.
وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.
وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.
ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".
واعلم أنه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.
وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.
وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟
فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.
والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.
وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.
ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.
قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله منزه عن ذلك.
وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.
ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.
وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.
قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.
وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.
ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.
والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.
ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.
ثم قال إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.
أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.
﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.
ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.
يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.
وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.
ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.
ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.
وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.
وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.
وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.
﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.
ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.
ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.
وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.
وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.
وقيل: هو مؤازة النبي ومعاونته ونصرته في الجهاد.
وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .
﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.
وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.
﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .
﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.
قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.
وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.
يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟
قال: من بلخ.
فقال: وهل تعرف شقيقاً؟
فقال: نعم.
فقال: كيف طريقة أصحابه؟
فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.
وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله أن تكون مرجع أهلها.
والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.
قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.
وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.
قال الواحدي: والأول أصح لأن الله جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.
ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.
والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.
قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.
وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.
وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.
وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.
ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.
والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.
وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.
وروي عن النبي أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.
وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.
وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.
قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.
والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.
وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.
وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.
وقيل: المراد أنه أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.
والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.
و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".
والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.
عن ابن عباس: فرح وقرة عين.
الضحاك: غبطة لهم.
قتادة: حسنى لهم.
الأصم: خير وكرامة.
الزجاج: عيش طيب.
والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
وقيل: طوبى شجرة في الجنة.
حكى الأصم أن أصلها في دار النبي وفي دار كل مؤمن منها غصن.
روي عن رسول الله أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.
التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.
ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.
معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.
آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.
﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.
﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.
وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.
فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت الله أم شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ﴾ أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ...
﴾ الآية [الرعد: 19].
أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟
ليسا بسواء.
وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم.
ثم قال: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .
أي: وصفوا لله شركاء وعبدوها؛ والله أحق أن يعبد من غيره.
يقول الله: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي الذين لا يفعلون ذلك سواء؟
والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ أي: يرزق ويبصر و [يعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ] عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ذلك كله؟
أي: ليس هذا كذلك.
ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟
أي: ليسا بسواء.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يحتمل قائم على كل نفس بما كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب.
﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضاً.
يبين سفههم في جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة؛ وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئاً من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ بذلك الاسم؛ ولو سموهم، [سموهم] بكذب وباطل وزور.
وعندنا قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبوداً؛ فسموهم أيضاً بأسماء سميتم الله؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه.
يقول - والله أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبوداً، سموهم أيضاً: خالقاً ورازقاً ورحماناً ورحيماً، وهم يعلمون أنها ليست كذلك.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: أم تنبئون الله؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟!
وكذلك يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أم تنبئونه بما ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض، وهم عالم بكل شيء؟
أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره.
والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: بل بباطل من القول وزور.
ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهراً بادياً؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار.
ويحتمل قوله: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبوداً؛ فيكون (أم) في موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ : قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها آلهة وأنها شركاء الله.
لكن يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ أي: مكرهم برسول الله حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدين في الأرض، ويطفئون هذا النور؛ ليدوم عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل الله؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق [هو] سبيل الله، والكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .
من أضله الله فلا يملك أحدٌ هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
العذاب لهم في الحياة الدنيا يحتمل: القتل والقتال؛ والخوف والجواع؛ وأنواع البلايا؛ كقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ...
﴾ الآية [النحل: 112].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي: أشد.
﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ أي: مالهم من عذاب الله من واقٍ يقيهم من عذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ .
يحتمل: وصف الجنة التي وعد المتقون؛ أو صفة الجنة التي وعد المتقون.
ويحتمل: [أي: شبه] الجنة التي وعد المتقون.
كشبه النار التي وعد الكافرون؛ أي: ليسا بشبيهين ولا مثلين، لا تكون هذه مثل هذه ولا تشبهها؛ كقوله: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...
﴾ الآية [محمد: 15]، يقول - والله أعلم - يقول: الذي وصفه كذا من النعم الدائمة - كالذي يكون عذابه ووصفه كذا؛ أي: لا يكون؛ فعلى ذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ .
أي: ثمار الجنة دائمة لا تزول ولا تنقطع؛ ليس كثمار الدنيا، ونعيمها ليس من ثمرة من ثمار الدنيا إلا وهي تزول وتنقطع في وقت؛ فأخبر أن ثمار الآخرة - وما فيها من النعيم - غير زائلة ولا منقطعة، وكذلك عذابها [دائم] لا يزول.
﴿ وِظِلُّهَا ﴾ أيضاً.
أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس يزول ظلها بزوالها.
وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة: الظل شيء لا أذى فيه؛ وفيه منافع، والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا؛ يكون فيها منافع ومضار؛ وأنها تزول وتنقطع؛ فأخبر أن ظل الآخرة وما فيها من النعم دائمة باقية؛ غير زائلة ولا منقطعة، ولا مضرة فيها؛ ليس كنعيم الدنيا وظلها.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ ﴾ .
[أي: جزاء الكافرين النار]، ظاهر هذا أن يكون: الذين اتقوا تقى الشرك؛ لأنه ذكر عقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء وعقبى ما ذكرنا؛ أي: تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك، وعقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء [الكافرين] النار.
أو عقبى هذه للذين اتقوا الجنة، وعقبى أولئك النار.
وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة؛ وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد الله النار.
<div class="verse-tafsir"
والذين أعطيناهم التوراة من اليهود، والذين أعطيناهم الإنجيل من النصارى، يفرحون بما أنزل عليك -أيها الرسول- لموافقته لبعض ما أنزل عليهم، ومن طوائف اليهود والنصارى من ينكر بعض ما أنزل إليك مما لا يتفق مع أهوائهم، أو مما يصفهم بالتبديل والتحريف، قل لهم -أيها الرسول-: إنما أمرني الله أن أعبده وحده, ولا أشرك به غيره، إليه وحده أدعو ولا أدعو غيره، وإليه وحده مرجعي، وبهذا جاءت التوراة والإنجيل.
<div class="verse-tafsir" id="91.z3ygV"