الآية ٣٧ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٧ من سورة الرعد

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) أي : وكما أرسلنا قبلك المرسلين ، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء ، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا ، شرفناك به وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 11 ] .

وقوله : ( ولئن اتبعت أهواءهم ) أي : آراءهم ، ( أهواءهم بعدما جاءك من العلم ) أي : من الله تعالى ( ما لك من الله من ولي ولا واق ) أي : من الله تعالى .

وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية ، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام [ والتحية والإكرام ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما أنـزلنا عليك الكتاب، يا محمد, فأنكرهُ بعض الأحزاب, كذلك أيضًا أنـزلنا الحكم والدين حُكْمًا عربيًا (18) وجعل ذلك (عربيًا), ووصفه به لأنه أنـزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهو عربيٌّ, فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنـزل, فكذَّب به الأحزابُ .

ثم نهاه جل ثناؤه عن ترك ما أنـزل إليه واتباع الأحزاب, وتهدَّده على ذلك إنْ فعله فقال: (ولئن اتبعت) يا محمد (أهواءهم), أهوَاء هؤُلاء الأحزاب ورضَاهم ومحبتَهم (19) وانتقلت من دينك إلى دينهم, ما لك من يَقيك من عَذاب الله إنْ عذّبك على اتباعك أهواءَهم, وما لك من ناصر ينصرك فيستنقذك من الله إن هو عاقبك, (20) يقول: فاحذر أن تتّبع أهَواءهم .

----------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير" الحكم" فيما سلف من هذا الجزء : 23 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(19) انظر تفسير" الهوى" فيما سلف 9 : 302 / 11 : 397 .

(20) انظر تفسير" الولي" فيما سلف 13 : 152 ، تعليق : 1 ، المراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واققوله تعالى : وكذلك أنزلناه حكما عربيا أي وكما أنزلنا عليك القرآن فأنكره بعض الأحزاب كذلك أنزلناه حكما عريبا ; وإذا وصفه بذلك لأنه أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو عربي ، فكذب الأحزاب بهذا الحكم أيضا .

وقيل نظم الآية : وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكما عربيا ، أي بلسان العرب ; ويريد بالحكم ما فيه من الأحكام .

وقيل : أراد بالحكم العربي القرآن كله ; لأنه يفصل بين الحق والباطل ويحكم .ولئن اتبعت أهواءهم أي أهواء المشركين في عبادة ما دون الله ، وفي التوجيه إلى غير الكعبة .بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي أي ناصر ينصرك .

ولا واق يمنعك من عذابه ; والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد الأمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولقد أنزلنا هذا القرآن والكتاب حكما، عربيا أي: محكما متقنا، بأوضح الألسنة وأفصح اللغات، لئلا يقع فيه شك واشتباه، وليوجب أن يتبع وحده، ولا يداهن فيه، ولا يتبع ما يضاده ويناقضه من أهواء الذين لا يعلمون.

ولهذا توعد رسوله -مع أنه معصوم- ليمتن عليه بعصمته ولتكون أمته أسوته في الأحكام فقال: { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } البين الذي ينهاك عن اتباع أهوائهم، { مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاك فيحصل لك الأمر المحبوب، { وَلَا وَاقٍ } يقيك من الأمر المكروه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) يقول : كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد ، فأنكره الأحزاب ، كذلك أنزلنا الحكم والدين عربيا .

نسب إلى العرب لأنه نزل بلغتهم فكذب به الأحزاب .

وقيل : نظم الآية : كما أنزلت الكتب على الرسل بلغاتهم ، فكذلك أنزلنا عليك الكتاب حكما عربيا .

( ولئن اتبعت أهواءهم ) في الملة .

وقيل : في القبلة ( بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) يعني : من ناصر ولا حافظ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» الإنزال «أنزلناه» أي القرآن «حكما عربيا» بلغة العرب تحكم به بين الناس «ولئن اتبعت أهواءهم» أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم فرضا «بعد ما جاءك من العلم» بالتوحيد «ما لك من الله من» زائدة «وليٍّ» ناصر «ولا واق» مانع من عذابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن بلغة العرب؛ لتحكم به، ولئن اتبعت أهواء المشركين في عبادة غير الله -بعد الحق الذي جاءك من الله- ليس لك ناصر ينصرك ويمنعك من عذابه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الفضائل التى امتاز بها القرآن الكريم فقال - تعالى - : ( وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ..

.

) .والكاف للتشبيه ، واسم الإِشارة يعود إلى الإِنزال المأخوذ من ( أنزلناه ) وضمير الغائب فى أنزلناه يعود إلى ( بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ) فى قوله فى الآية السابقة ( يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ .

.

.

) وقوله ( حُكْماً عَرَبِيّاً ) حالان من ضمير الغائب .والمعنى : ومثل ذلك الإِنزال البديع الجامع لألوان الهداية والإِعجاز ، أنزلنا عليك القرآن يا محمد ( حكما ) أى : حاكما بين الناس ( عربيا ) أى : بلسان عربى مبين هو لسانك ولسان قومك .ومنهم من يرى أن اسم الإِشارة يعود إلى الكتب السماوية السابقة ، فيكون المعنى :وكما أنزلنا الكتب السماوية على بعض رسلنا بلغاتهم وبلغات أقوامهم أنزلنا عليك القرآن حاكما بين الناس بلغتك وبلغة قومك ، وهى اللغة العربية ليسهل عليهم فهمه وحفظه .وعلى كلا القولين فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد اشتملت على فضيلتين للقرآن الكريم : فضيلة من جهة معانية ومقاصده وهداياته وحكمه وأحكامه وتشريعاته ، وهو المعبر عنها بكونه " حكما " .وفضيلة من جهة ألفاظه ومفرداته وتراكيبه ، وهى المعبر عنها بكونه " عربيا " .أى : نزل بلغة العرب التى هى أفصح اللغات وأغناها وأجملها .ثم فى كونه " عربيا " امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء ، حيث إنه نزل بلغتهم ، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح والتسليم لأوامره ونواهيه ، فهو الكتاب الذى فيه شرفهم وعزهم ، قال - تعالى - : ( لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ) أى : فيه بقاء شرفكم ( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) وقال - تعالى - : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) وفى ذلك تعريض بغباء مشركى العرب ، حيث لم يشكروا الله - تعالى - على هذه النعمة ، بل قابلوا من أنزل عليه هذا القرآن بالعناد والعصيان .ثم ساق - سبحانه - تحذيرا للأمة كلها فى شخص نبيها صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء كل كافر أو فاسق : فقال - تعالى - : ( وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ ) .واللام فى قوله ( ولئن ) موطئة للقسيم لتأكيد ما تضمنته من عقاب شديد لمتبع أهواء الكافرين .والأهواء : جمع هوى ، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق ، ومطالبهم المتعنتة ، والمراد بما جاءه من العلم : ما بلغه وعلمه من الدين عن طريق الوحى الصادق .والولى : الناصر والمعين والقريب والحليف .

والواقى : المدافع عن غيره .والمعنى : " ولئن اتبعت " - يا محمد - على سبيل الفرض والتقدير أهواء هؤلاء الكافرين فيما يطلبونه منك ، " من بعد ما جاءك من العلم " اليقينى بأن الإِسلام هو الدين الحق ، " مالك من الله " أى من عقباه " من ولى " يلى أمرك وينصرك " ولا واق " يقبك من حسابه .وسيق هذا التحذير فى صورة الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم للتأكيد من مضمونه .فكأنه - سبحانه يقول : لو اتبع أهواءهم - على سبيل الفرض - أكرم الناس عندى لعاقبته ، وأحق بهذا العقاب من كان دونه فى الفضل والمنزلة ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكماً عربياً بما أنزل إلى ما تقدم من الأنبياء، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، كذلك أنزلنا عليك القرآن.

والكناية في قوله: ﴿ أنزلناه ﴾ تعود إلى ما في قوله: ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا ﴾ فيه وجوه: الأول: حكمة عربية مترجمة بلسان العرب.

الثاني: القرآن مشتمل على جميع أقسام التكاليف، فالحكم لا يمكن إلا بالقرآن، فلما كان القرآن سبباً للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة.

الثالث: أنه تعالى حكم على جميع المكلفين بقبول القرآن والعمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله حكماً.

واعلم أن قوله: ﴿ حُكْمًا عَرَبِيّا ﴾ نصب على الحال، والمعنى: أنزلناه حال كونه حكماً عربياً.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث.

الثاني: أنه وصفه بكونه عربياً والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثاً.

الثالث: أن الآية دالة على أنه إنما كان حكماً عربياً، لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة، وكل ما كان كذلك فهو محدث.

والجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه والله أعلم.

المسألة الرابعة: روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائه فتوعده الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب مثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد أن حوله الله عنها.

قال ابن عباس: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وقيل: بل الغرض منه حث الرسول عليه السلام على القيام بحق الرسالة وتحذيره من خلافها، ويتضمن ذلك أيضاً تحذير جميع المكلفين، لأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهم أحق بذلك وأولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء ﴿ حُكْمًا عَرَبِيّا ﴾ حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصابه على الحال.

كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يوافقهم عليها منها أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله عنها، فقيل له: لئن تابعتهم على دين ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج القاطعة، خذلك الله فلا ينصرك ناصر، وأهلكك فلا يقيك منه واق، وهذا من باب الإلهاب والتهييج، والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدّة الشكيمة بمكان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ المُشْتَمِلِ عَلى أُصُولِ الدِّياناتِ المَجْمَعِ عَلَيْها.

﴿ أنْزَلْناهُ حُكْمًا ﴾ يَحْكُمُ في القَضايا والوَقائِعِ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

﴿ عَرَبِيًّا ﴾ مُتَرْجَمًا بِلِسانِ العَرَبِ لِيَسْهُلَ لَهم فَهْمُهُ وحِفْظُهُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ.

﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ الَّتِي يَدْعُونَكَ إلَيْها، كَتَقْرِيرِ دَيْنِهِمْ والصَّلاةِ إلى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ ما حُوِّلْتَ عَنْها.

﴿ بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ بِنَسْخِ ذَلِكَ.

﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ ﴾ يَنْصُرُكَ ويَمْنَعُ العِقابَ عَنْكَ وهو حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ وتَهْيِيجٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ في دِينِهِمْ.

﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ ﴾ بَشَرًا مِثْلَكَ.

﴿ وَجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً ﴾ نِساءً وأوْلادًا كَما هي لَكَ.

﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِ.

﴿ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ﴾ تُقْتَرَحُ عَلَيْهِ وحُكْمٍ يُلْتَمَسُ مِنهُ.

﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ المَلِيُّ بِذَلِكَ.

﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ وأمَدٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ عَلى العِبادِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اسْتِصْلاحُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك أنزلناه} ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة اليه الى دينه والإنذار بدار الجزاء {حُكْمًا عَرَبِيّا} حكمة

عربية مترجمة بلسان العرب وانتصابه على الحال كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يشاركهم فيها فقيل {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} أي بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة {ما لك مِنَ الله مِن وَلِىّ وَلاَ وَاقٍ} أي لا ينصرك ناصر ولا يقيك منه واق وهذا من باب النهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين وأن لا يزال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة والا

الرعد (٣٨ _ ٤٢)

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الثبات بمكان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ شُرُوعٌ في رَدِّ إنْكارِهِمْ لِفُرُوعِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ ابْتِداءً أوْ بَدَلًا مِنَ الشَّرائِعِ المَنسُوخَةِ بِبَيانِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ وأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ لِما أُنْزِلَ إلَيْكَ والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ أوْ ﴿ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ الجامِعِ لِأُصُولٍ مُجْمَعٍ عَلَيْها وفُرُوعٍ مُتَشَعِّبَةٍ إلى مُوافَقَةٍ ومُخالَفَةٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ الحِكْمَةِ أنْزَلْناهُ حاكِمًا يَحْكُمُ في القَضايا والواقِعاتِ بِالحَقِّ ويَحْكُمُ بِهِ كَذَلِكَ والتَّعَرُّضُ لِهَذا العُنْوانِ مَعَ أنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لِتَرْبِيَتِهِ وُجُوبَ مُراعاتِهِ وتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ والتَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا أيْ مُتَرْجَمًا بِلِسانِ العَرَبِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ إحْدى مَوادِّ المُخالَفَةِ لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ إذْ بِذَلِكَ يَسْهُلُ فَهْمُهُ وإدْراكُ إعْجازِهِ يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرَبِ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ داعِيًا لِتَعَلُّمِ العُلُومِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها ما ذُكِرَ ومِنهم مَنِ اقْتَصَرَ عَلى اشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى أُصُولِ الدِّياناتِ المُجْمَعِ عَلَيْها حَسْبَما يُفِيدُهُ عَلى رَأْيِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ إلى آخِرِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِاتِّباعِ أهْوائِهِمْ وحَدِيثِ المَحْوِ والإثْباتِ وأنَّهُ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ فَإنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِتْباعُ والِاتِّباعُ وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى إنْزالِ الكُتُبِ السّالِفَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمَعْنى كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى مَن قَبْلَكَ أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ عَلَيْكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يَتَضَمَّنُ إنْزالَهُ تَعالى ذَلِكَ وهَذا الَّذِي أنْزَلْناهُ بِلِسانِ العَرَبِ كَما أنَّ الكُتُبَ السّابِقَةَ بِلِسانِ مَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى كَما يَسَّرْنا هَؤُلاءِ لِلْفَرَحِ وهَؤُلاءِ لِإنْكارِ البَعْضِ أنْزَلْناهُ حُكْمًا إلى آخِرِهِ ولَيْتَهُ ما قِيلَ والأبْلَغُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ ونُصِبَ ﴿ حُكْمًا ﴾ عَلى الحالِ مِنَ مَنصُوبِ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ وإذا أُرِيدَ بِهِ حاكِمًا كانَ هُناكَ مَجازٌ في النِّسْبَةِ كَما لا يَخْفى ونُصِبَ ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ عَلى الحالِ أيْضًا إمّا مِن ضَمِيرٍ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ كالحالِ الأُولى فَتَكُونُ حالًا مُتَرادِفَةً أوْ مِنَ المُسْتَتِرِ في الأُولى فَتَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِحُكْمًا الحالِ وهي مُوَطِّئَةٌ وهي الِاسْمُ الجامِدُ الواقِعُ حالًا لِوَصْفِهِ بِمُشْتَقٍّ وهو الحالُ في الحَقِيقَةِ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ ﴿ حُكْمًا ﴾ مَقْصُودٌ بِالحالِيَّةِ هُنا والحالُ المُوَطِّئَةُ لا تُقْصَدُ بِالذّاتِ.

واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ مَعْنى ﴿ حُكْمًا ﴾ حِكْمَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( وآتَيْناهُ الحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ) وهو أحَدُ أوْجُهٍ ذَكَرَها الإمامُ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ أيْضًا فَلا تَغْفُلْ واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ مِن وُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُحْدَثِ.

الثّانِي أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا والعَرَبِيُّ أمْرٌ وضْعِيٌّ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا الثّالِثُ أنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ حُكْمًا عَرَبِيًّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ كَذَلِكَ والمَجْعُولُ مُحْدَثٌ وأجابَ الإمامُ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ ولا نِزاعَ فِيهِ أيْ بَيْنَ المُعْتَزِلَةِ والأشاعِرَةِ وإلّا فالحَنابِلَةُ عَلى ما اشْتُهِرَ عَنْهم قائِلُونَ بِقِدَمِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ وقَدْ أسْلَفْنا في المُقَدِّماتِ كَلامًا نَفِيسًا في مَسْألَةِ الكَلامِ فارْجِعْ إلَيْهِ ولا يَهُولَنَّكَ قَعاقِعُ المُخالِفِينَ لِسَلَفِ الأُمَّةِ.

﴿ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ الَّتِي يَدْعُونَكَ إلَيْها كالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ وكَتَرْكِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ ﴿ بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ العَظِيمِ الشَّأْنِ الفائِضِ عَلَيْكَ مِن ذَلِكَ الحُكْمِ العَرَبِيِّ أوَ العِلْمِ بِمَضْمُونِهِ ﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن جَنابِهِ العَزِيزِ جَلَّ شَأْنُهُ والِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغِيبَةِ وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مِن ولِيٍّ يَلِي أمْرَكَ ويَنْصُرُكَ عَلى مَن يَبْغِيكَ الغَوائِلُ ﴿ ولا واقٍ ﴾ .

(37) .

يَقِيكَ مِن مَصارِعِ السُّوءِ وحَيْثُ لَمْ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى العَدُوِّ نَفْيَ الواقِي مِن نِكايَتِهِ أدْخَلَ في المَعْطُوفِ حَرْفَ النَّفْيِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: ما لِيَ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ أوْ ما لَكَ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مِن ناصِرٍ وواقٍ لِاتِّباعِكَ أهْواءَهم بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الحَقِّ وأمْثالُ هَذِهِ القَوارِعِ إنَّما هي لِقَطْعِ أطْماعِ الكَفَرَةِ وتَهْيِيجِ المُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ لا لِلنَّبِيِّ  فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانٍ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى باعِثٍ أوْ مُهَيِّجٍ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِغَيْرِهِ  واللّامُ في ( لَئِنْ ) مُوَطِّئَةٌ و( مِنَ ) الثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ و( ما لَكَ ) سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ الشَّرْطِ والقَسَمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قال بعضهم: المثل هنا أراد به الصفة، ولم يرد به التشبيه، لأنه قد ذكر من قبل حديث الجنة، وهو قوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى [الرعد: 18] وقال بعد ذلك: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [الرعد: 23] ثم بيّن هاهنا صفة الجنة.

يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، الذين يتقون الشرك، والفواحش.

روي عن علي بن أبي طالب  أنه كان يقرأ أمثال الجنة التى وُعِدَ المتقون يعني: صفاتها وأحاديثها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ يعني: حملها ونعيمها لا ينقطع عنهم أبداً وَظِلُّها يقول: وهكذا ظلها دائم أبداً، ليس فيها شمس.

وقال بعضهم: أراد به التشبيه، لأن الله عرفنا نعيم الجنة وأمورها، التي لم نرها، ولم نشاهدها بما شهدنا من أمور الدنيا، ومعناه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ جنة تجرى من تحتها الانهار.

ثم قال: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني: تلك الجنة، جزاء الذين اتقوا الشرك والفواحش وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ يعني: مصيرهم وجزاؤهم النار.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي: التوراة يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهم مؤمنو أهل الكتاب، يعجبون بذكر الرحمن وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: أهل مكة ينكرون ذكر الرحمن، ويقولون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب.

ويقال: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ينكر ما كان فيه نسخ شرائعهم قُلْ يا محمد إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ يعني: أمرت أن أقيم على التوحيد وَلا أُشْرِكَ بِهِ شيئاً.

ثم قال: إِلَيْهِ أَدْعُوا يقول: أدعو الخلق إلى توحيده وَإِلَيْهِ مَآبِ يعني: المرجع في الآخرة.

ثم قال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ يعني: القرآن أنزلنا جبريل ليقرأ عليك القرآن حُكْماً يعني: القرآن حكماً على الكتب كلها.

ويقال: محكماً عَرَبِيًّا يعني: القرآن بلغة العرب وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ قال الكلبي: يعني: لئن صليت إلى قبلتهم، نحو بيت المقدس بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني: من بعد ما أتاك العلم بأن قبلتك نحو الكعبة.

ويقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ يعني: أهل مكة فيما يدعونك إلى دين آبائك بعد ما ظهر لك أن الإسلام هو الحق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ يعني: من عذابه مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا واقٍ يقيك من عذاب الله، والخطاب للنبي  والمراد به أصحابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يوم القيامة، وإِنَّ حال الكَفَرة هَكَذَا هي إلى يوم القيامة، ووَعْدُ اللَّهِ: قيامُ الساعة، وال قارِعَةٌ: الرزيَّة التي تقرع قلْبَ صاحبها «١» .

وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ ...

الآية: تأنيسٌ وتسليةٌ له عليه السلام، قال البخاري: فَأَمْلَيْتُ: أي: أطلت من المليي والملاوة «٢» ومنه: مَلِيًّا، ويقال للواسِعِ الطويلِ من الأرض: ملى من الأرض.

انتهى.

أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)

وقوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ: أي: أهو أحقُّ بالعبادة أم الجمادات.

وقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ: أي: سَمُّوا من له صفات يستحقّ بها الألوهية، ومَكْرُهُمْ: يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانَتْ بسبيل مناقَضَةِ الشرع، ولَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا

: أي: بالقتل والأسْر والجدوب وغير ذلك، وأَشَقُ

: من المشقَّة، أي:

أصعب، والواقي الساتِرُ علَى جهة الحمايَةِ من الوقاية.

وقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها: قد تقدم تفسير نظيره، وقوله: أُكُلُها: معناه: ما يؤكَلُ فيها.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ ...

الآية: قال ابن زيد: المراد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ ﴾ أيْ: وكَما أنْزَلَنا الكُتُبَ عَلى الأنْبِياءِ بِلُغاتِهِمْ، أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما فِيهِ مِنَ الفَرائِضِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَيْنًا عَرَبِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: في صَلاتِكَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ " بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ " أنَّ قِبْلَتَكَ الكَعْبَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: في قَبُولِ ما دَعَوْكَ إلَيْهِ مِن مِلَّةِ آبائِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ﴾ أيْ: ما لَكَ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن قَرِيبٍ يَنْفَعُكَ ﴿ وَلا واقٍ ﴾ يَقِيكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا واقٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عُنِيَ بِهِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وشَبَهِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى مَدَحَهم بِأنَّهم لِشِدَّةِ إيمانِهِمْ يُسَرُّونَ بِما يَرِدُ عَلى النَبِيِّ  مِن مُباحاتِ الشَرْعِ، وقالَ قَتادَةُ: عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، و" ما أُنْزِلَ إلَيْكَ " يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الشَرْعِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ:" بِالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ" اليَهُودُ والنَصارى، وذَلِكَ أنَّهم لَهم فَرَحٌ بِما يُنْزَلُ عَلى النَبِيِّ  مِن تَصْدِيقِ شَرائِعِهِمْ وذِكْرِ أوائِلِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَضْعُفُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ هَمَّهم بِهِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِمْ فَلا يُعْتَدُّ بِفَرَحِهِمْ، ويَضْعُفُ أيْضًا بِأنَّ اليَهُودَ والنَصارى يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وقَدْ فَرَّقَ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ.

و"الأحْزابُ" قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى والمَجُوسُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ، وأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَطْرَحَ اخْتِلافَهُمْ، وأنْ يَصْدَعَ بِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِعِبادَةِ اللهِ وتَرْكِ الإشْراكِ والدُعاءِ إلَيْهِ، اعْتِقادُ المَآبِ إلَيْهِ، وهو الرُجُوعُ عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: "وَكَذَلِكَ"، المَعْنى: كَما يَسَّرْنا هَؤُلاءِ لِلْفَرَحِ وهَؤُلاءِ لِإنْكارِ البَعْضِ، كَذَلِكَ ﴿ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ ، ويُحْتَمَلُ المَعْنى: والمُؤْمِنُونَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِهِ لِفَهْمِهِمْ لَهُ وسُرْعَةَ تَلَقِّيهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكَ جَعَلْناهُ، أيْ: سَهَّلْناهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ وتَفَضَّلْنا.

و"حُكْمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والحُكَمُ: ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي، وجَعَلَهُ عَرَبِيًّا لَمّا كانَتِ العِبارَةُ عنهُ بِالعَرَبِيَّةِ.

ثُمَّ خاطَبَ مُحَذِّرًا مِنِ اتِّباعِ أهْواءِ هَذِهِ الفِرَقِ الضالَّةِ، والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وهو بِالمَعْنى يَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ عَلى: "واقِي" و"هادِي" و"والِي" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "والجُمْهُورُ يَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ، وهو الوَجْهُ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ.

في صَدْرِها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ  ، ورَدٌّ عَلى المُقْتَرَحِينَ مِن قُرَيْشٍ بِالمَلائِكَةِ، المُتَعَجِّبِينَ مِن بَعْثَةِ اللهِ بَشَرًا رَسُولًا، فالمَعْنى: أنَّ بَعْثَكَ يا مُحَمَّدُ لَيْسَ بِبِدْعٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، لَفْظُهُ لَفْظُ النَهْيِ والزَجْرِ، والمَقْصِدُ بِهِ إنَّما هو النَفْيُ المَحْضُ، لَكِنَّهُ نَفْيُ تَأْكِيدٍ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ عن أمْرٍ واقِعٍ تَحْتَ قُدْرَةِ المَنهِيِّ فَهي زَجْرٌ، ومَتى لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ مُؤَكِّدٌ.

و ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَأْذَنَ اللهُ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ كائِنٌ فِيها إلّا ولَهُ أجْلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وكُلُّ أجَلٍ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن كَتْبِهِ الآجالَ الَّتِي لِلْأشْياءِ عامَّةً، وقالَ الضَحّاكُ، والفَرّاءُ: المَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا العَكْسُ غَيْرُ لازِمٍ، ولا وجْهَ لَهُ، إذِ المَعْنى تامٌّ في تَرْتِيبِ القُرْآنِ، بَلْ يُمْكِنُ هَدْمُ قَوْلِهِما بِأنَّ الأشْياءَ الَّتِي كَتَبَها اللهُ أزَلِيَّةً باقِيَةً كَتَنْعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ وغَيْرِهِ يُوجَدُ كِتابُها ولا أجْلَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُثَبِّتُ" بِتَشْدِيدِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ تَخَبَّطَ الناسُ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ، والَّذِي يَتَلَخَّصُ بِهِ مُشْكِلُها: أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي قَدَّرَها اللهُ تَعالى في الأزَلِ، وعَلِمَها بِحالٍ ما، لا يَصِحُّ فِيها مَحْوٌ ولا تَبْدِيلٌ، وهي الَّتِي كُتِبَتْ في أُمِّ الكِتابِ، وسَبَقَ بِها القَضاءُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأمّا الأشْياءُ الَّتِي قَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُبَدِّلُ فِيها ويَنْقُلُ كَغَفْرِ الذُنُوبِ بَعْدَ تَقْرِيرِها، وكَنَسْخِ آيَةٍ بَعْدَ تِلاوَتِها واسْتِقْرارِ حُكْمِها فَفِيها يَقَعُ المَحْوُ والتَثْبِيتُ فِيما يُقَيِّدُهُ الحَفَظَةُ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمّا إذا رُدَّ الأمْرُ إلى القَضاءِ والقَدَرِ فَقَدْ مَحا اللهُ ما مَحا وثَبَّتَ ما ثَبَّتَ، وجاءَتِ العِبارَةُ مُسْتَقْبَلَةً لِمَحْيِ الحَوادِثِ، وهَذِهِ الأُمُورُ فِيما يُسْتَأْنَفُ مِنَ الزَمانِ، فَيَنْتَظِرُ البَشَرُ ما يَمْحُو أو ما يُثْبِتُ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ خَوْفُهم ورَجاؤُهم ودُعاؤُهُمْ، وقالَتْ فُرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: هي في آجالِ بَنِي آدَمَ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى في لَيْلَةِ القَدْرِ -وَقِيلَ: لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبانَ- يَكْتُبُ آجالَ المَوْتى، فَيُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ المَوْتى، وقالَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ: العاشِرُ مِن رَجَبٍ هو يَوْمُ يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ في الآجالِ أو غَيْرِها لا مَعْنى لَهُ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنَ الأقْوالِ هُنا ما كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يُغَيِّرُ الأُمُورَ عَلى أحْوالِها، أعْنِي ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُغَيَّرَ عَلى ما قَدَّمْناهُ، فَيَمْحُو مِن تِلْكَ الحالَةِ ويُثْبِتُهُ في الَّتِي نَقَلَهُ إلَيْها، ورُوِيَ عن عُمْرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما كانا يَقُولانِ في دُعائِهِما: "اللهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا في دِيوانِ الشَقاوَةِ فامْحُنا وأثْبِتْنا في دِيوانِ السَعادَةِ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وَتُثْبِتُ"، وهَذا دُعاءُ في غُفْرانِ الذُنُوبِ وعَلى جِهَةِ الجَزَعِ مِنهُما.

أيِ: اللهُمَّ إنْ كُنّا شَقِينا بِمَعْصِيَتِكَ، وكُتِبَتْ عَلَيْنا ذُنُوبٌ وشَقاوَةٌ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ والطاعَةِ، وفي لَفْظِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ -فِي بَعْضِ الرِواياتِ- بَعْضٌ مِن هَذا، ولَمْ يَكُنْ دُعاؤُهُما البَتَّةَ في تَبْدِيلٍ سابِقِ القَضاءِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ قالُوا: لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ في هَذا الأمْرِ قُدْرَةٌ ولا حَظٌّ، فَنَزَلَتْ ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ أيْ: رُبَّما أذِنَ اللهُ مِن ذَلِكَ كَما تَكْرَهُونَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَأْذَنُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ، إلّا السَعادَةَ والشَقاوَةَ والآجالَ فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوُ ما أصَّلْناهُ أوَّلًا في الآيَةِ.

وحُكِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن كِتابٍ حاشى أُمِّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَهُ الَّذِي لا يُغَيِّرُ مِنهُ شَيْئًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَمْحُو كُلَّ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ كُلَّ ما أرادَ، ونَحْوُ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي هي سَهْلَةُ المُعارَضَةِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ أنَّ كَعْبًا قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ لَأنْبَأتُكَ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ: وما هِيَ؟

قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ ، وذَكَرَ أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ هو الَّذِي قالَ هَذِهِ المَقالَةَ المَذْكُورَةَ عن كَعْبٍ، وذَلِكَ عِنْدِي- لا يَصِحُّ عن عَلِيٍّ.

واخْتَلَفَتْ أيْضًا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الذِكْرُ، وقالَ كَعْبٌ: هو عِلْمُ اللهِ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ القَضاءُ فِيها بِما هو كائِنٌ، وسَبَقَ ألّا يُبَدَّلَ، ويَبْقى المَحْوُ والتَثْبِيتُ في الأُمُورِ الَّتِي سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى وتُثْبَتَ، قالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ : الحَلالُ والحَرامُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض وعطف على جملة ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ [الرعد: 36] لما ذكر حال تلقي أهل الكتابين للقرآن عند نزوله عُرج على حال العرب في ذلك بطريقة التعريض بسوء تلقي مشركيه له مع أنهم أولَى الناس بحسن تلقيه إذ نزل بلسانهم مشتملاً على ما فيه صلاحهم وتنوير عقولهم.

وقد جُعل أهم هذا الغرض التنويهَ بعلوّ شأن القرآن لفظاً معنى.

وأدمج في ذلك تعريض بالمشركين من العرب.

والقول في اسم الإشارة في قوله: وكذلك } مثل ما تقدم في قوله: ﴿ كذلك أرسلناك في أمة ﴾ [سورة الرعد: 30].

وضمير الغائب في أنزلناه } عائد إلى ﴿ ما أنزل إليك ﴾ في قوله: ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ .

والجار والمجرور من اسم الإشارة نائب عن المفعول المطلق.

والتقدير؛ أنزلناه إنزالاً كذلك الإنزال.

و ﴿ حكماً عربياً ﴾ حالان من ضمير ﴿ أنزلناه ﴾ .

والحكم: هنا بمعنى الحكمة كما في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبيا ﴾ [سورة مريم: 12].

وجُعل نفس الحكم حالاً منه مبالغة.

والمراد أنه ذو حكم، أي حكمة.

والحكمة تقدمت.

وعربياً } حال ثانية وليس صفة ل ﴿ حكماً ﴾ إذ الحكمة لا توصف بالنسبة إلى الأمم وإنما المعنى أنه حكمة معبر عنها بالعربية.

والمقصود أنه بلغة العرب التي هي أفصح اللغات وأجملها وأسهلها، وفي ذلك إعجازه.

فحصل لهذا الكتاب كمالان: كمال من جهة معانيه ومقاصده وهو كونه حكماً، وكمال من جهة ألفاظه وهو المكنى عنه بكونه عربياً، وذلك ما لم يبلغ إليه كتاب قبله لأن الحكمة أشرف المعقولات فيناسب شرفها أن يكون إبلاغها بأشرف لغة وأصلحها للتعبير عن الحكمة، قال تعالى: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ﴾ [سورة الشعراء: 192 195].

% ثم في كونه عربياً امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء بأنه بلغتهم وبأن في ذلك حسن سمعتهم، ففيه تعريض بأفن رأي الكافرين منهم إذ لم يشكروا هذه النعمة كما قال تعالى: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون ﴾ [سورة الأنبياء: 10].

قال مالك: فيه بقاء ذكركم.

وجملة ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم } معترضة، واللام موطئة للقسم وضمير الجمع في قوله: ﴿ أهواءهم ﴾ عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون الذين وجه إليهم الكلام.

واتباع أهوائهم يحتمل السعي لإجابة طلبتهم إنزال آية غير القرآن تحذيراً من أن يسأل الله إجابتهم لما طلبوه كما قال لنوح عليه السلام ﴿ فلا تسألني ما ليس لك به علم إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ .

ومعنى ﴿ ما جاءك من العلم ﴾ ما بلغك وعُلّمته، فيحتمل أن يراد بالموصول القرآن تنويهاً به، أي لئن شايعَتهم فسألَتنا آية ير القرآن بعد أن نزل عليك القرآن، أو بعد أن أعلمناك أنا غير متنازلين لإجابة مقترحاتهم.

ويحتمل اتباع دينهم فإن دينهم أهواء ويكون ما صدق ﴿ ما جاءك من العلم ﴾ هو دين الإسلام.

والوليّ: النصير.

والواقي: المدافع.

وجعل نفي الولي والنصير جواباً للشرط كناية عن الجواب، وهو المؤاخذة والعقوبة.

والمقصود من هذا تحذير المسلمين من أن يركنوا إلى تمويهات المشركين، والتحذير من الرجوع إلى دينهم تهييجاً لتصلبهم في دينهم على طريقة قوله تعالى: ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ [سورة الزمر: 65]، وتأييس المشركين من الطمع في مجيء آية توافق مقترحاتهم.

ومن } الداخلة على اسم الجلالة تتعلق ب ﴿ ولي ﴾ و ﴿ واق ﴾ .

و ﴿ من ﴾ الداخلة على ﴿ ولي ﴾ لتأكيد النفي تنصيصاً على العموم.

وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في حذفهم ياء ﴿ واق ﴾ في حالتي الوصل والوقف وإثبات ابن كثير الياء في حالة الوقف دون الوصل عند قوله تعالى: ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ في هذه السورة [الرعد: 7].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أصْحابُ النَّبِيِّ  فَرِحُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى فَرِحُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن تَصْدِيقِ كُتُبِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَمِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وَفي إنْكارِهِمْ بَعْضَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَرَفُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ  في كُتُبِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ.

الثّانِي: أنَّهم عَرَفُوا صِدْقَهُ وأنْكَرُوا تَصْدِيقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ قال: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فرحوا بكتاب الله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وصدقوا به ﴿ ومن الأحزاب من ينكر بعضه ﴾ يعني اليهود والنصارى والمجوس.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ قال: هذا من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، يفرحون بذلك.

وقرأ ﴿ ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ﴾ [ يونس: 40] ﴿ ومن الأحزاب من ينكر بعضه ﴾ قال: الأحزاب، الأمم اليهود والنصارى والمجوس، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الأحزاب ﴾ قال: من أهل الكتاب ﴿ من ينكر بعضه ﴾ قال: بعض القرآن.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ؛ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإليه مآب ﴾ قال: إليه مصير كل عبد.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما لك من الله من ولي ولا واق ﴾ قال: من أحد يمنعك من عذاب الله تعالى.

وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبتل، وقرأ قتادة رضي الله عنه ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة- رضي الله عنها- فقلت: إني أريد أن أتبتل.

قالت: لا تفعل، أما سمعت الله يقول ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي، عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والختان» .

وأخرجه عبد الرزاق في المصنف بلفظ «الختان والسواك والتعطر والنكاح من سنتي» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ يقول: لكل كتاب ينزل من السماء أجل فيمحو الله من ذلك ما يشاء ﴿ ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .

وأخرج ابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد- رضي الله عنه-.

قال: قالت قريش حين أنزل ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ من الأمر.

فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ويحدث الله تعالى في كل رمضان فيمحو الله ما يشاء ﴿ ويثبت ﴾ من أرزاق الناس ومصائبهم، وما يعطيهم وما يقسم لهم.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: ينزل الله تعالى في كل شهر رمضان إلى سماء الدنيا، يدبر أمر السنة إلى السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، إلا الشقوة والسعادة، والحياة والممات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ هو الرجل، يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو والذي يثبت، الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى.

وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: من أحد الكتابين هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي جملة الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء، له دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان لله كل يوم ثلاث وستون لحظة يمحو ما يشاء ﴿ ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينسخ الذكر في الساعة الأولى منها، ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت.

ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها من بني آدم غير ثلاثة: النبيين والصديقين والشهداء، ثم يقول: طوبى لمن نزلك.

ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته، فتنتفض، فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟

هل من داع فأجيبه؟

حتى يصلي الفجر، وذلك قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ [ الإِسراء: 78] يقول: يشهده الله وملائكة الليل والنهار» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ إلا الشقوة والسعادة، والحياة والموت» .

وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن مردويه، عن الكلبي رضي الله عنه في الآية قال: «يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه» .

فقيل له: من حدثك بهذا؟

قال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رباب الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: «ذلك كل ليلة القدر، يرفع ويخفض ويرزق، غير الحياة والموت والشقاوة والسعاة، فإن ذلك لا يزول» .

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن علي رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال له «لأقرن عينيك بتفسيرها، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف؛ يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.

وأخرج ابن جرير عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: العاشر من رجب، هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: لله أمر في كل ليلة العاشر من أشهر الحرام، أما العشر من الأضحى، فيوم النحر.

وأما العشر من المحرم، فيوم عاشوراء.

وأما العشر من رجب، ففيه ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: ونسيت ما قال في ذي القعدة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهم إن كنت كتبت علي شقاوة أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في الدعاء، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما دعا عبد قط بهذه الدعوات، إلا وسع الله له في معيشته؛ يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإِكرام، يا ذا الطول، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندم في أم الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيداً، وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروماً مقتراً عليّ رزقي، فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير، فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن السائب بن ملجان من أهل الشام- وكان قد أدرك الصحابة رضي الله عنهم- قال: لما دخل عمر رضي الله عنه الشام، حمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا خطيباً كقيامي فيكم، فأمر بتقوى الله وصلة الرحم وصلاح ذات البين، وقال: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد.

لا يخلونّ رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن ساءته سيئته وسرته حسنته، فهو أمارة المسلم المؤمن، وأمارة المنافق الذي لا تسوءه سيئته ولا تسره حسنته، إن عمل خيراً لم يرج من الله في ذلك ثواباً؛ وإن عمل شراً لم يخف من الله في ذلك الشر عقوبة، وأجملوا في طلب الدنيا فإن الله قد تكفل بأرزاقكم، وكلّ سيتم له عمله الذي كان عاملاً، استعينوا الله على أعمالكم، فإنه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» صلى الله على نبينا محمد وآله وعليه السلام ورحمة الله، السلام عليكم.

قال البيهقي- رضي الله عنه-: هذه خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الشام، أثرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان أبو رومي من شر أهل زمانه، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلا ارتكبه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لئن رأيت أبا رومي في بعض أزقة المدينة، لأضربن عنقه» ؛ وإن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أتاه ضيف له فقال لامرأته: اذهبي إلى أبي رومي فخذي لنا منه بدرهم طعاماً حتى ييسره الله تعالى.

فقالت له: إنك لتبعثني إلى أبي رومي وهو من أفسق أهل المدينة؟!..

فقال: اذهبي، فليس عليك منه بأس إن شاء الله تعالى.

فانطلقت إليه فضربت عليه الباب، فقال: من هذا؟

قالت: فلانة.

قال: ما كنت لنا بزوّارة، ففتح لها الباب فأخذها بكلام رفث ومدّ يده إليها، فأخذها رعدة شديدة.

فقال لها: ما شأنك؟

قالت إن هذا عمل ما عملته قط.

قال أبو رومي: ثكلت أبا رومي أمه، هذا عمل عمله منذ هو صغير لا تأخذه رعدة ولا يبالي، على أبي رومي عهد الله، إن عاد لشيء من هذا أبداً، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مرحباً بأبي رومي، وأخذ يوسع له المكان، وقال له يا أبا رومي، ما عملت البارحة؟

فقال: ما عسى أن أعمل يا نبي الله؟

أنا شر أهل الأرض.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حوّل مكتبك إلى الجنة» فقال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ .

وأخرج يعقوب بن سفيان وأبو نعيم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبو رومي من شر أهل زمانه، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلا ارتكبه، فلما غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من بعيد قال: «مرحباً بأبي رومي، وأخذ يوسع له المكان، فقال: يا أبا رومي، ما عملت البارحة؟

قال: ما عسى أن أعمل يا نبي الله؟

أنا شر أهل الأرض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حول مكتبك إلى الجنة، فقال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: إن الله ينزل كل شيء يكون في السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء من الآجال والأرزاق والمقادير، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان.

وأخرج ابن جرير عن منصور رضي الله عنه قال: سألت مجاهداً رضي الله عنه فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه منهم، واجعله في السعداء؟....

فقال: حسن.

ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك فقال: ﴿ انا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ [ الدخان: 3 و4] قال: يعني في ليلة القدر، ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء.

فأما كتاب الشقاء والسعادة، فهو ثابت لا يغير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران.

وأخرج ابن جرير، عن شقيق بن أبي وائل قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحنا واكتبنا سعداء؛ وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء، فأثبتني في السعداء؛ وإن كنت كتبتني في الأشقياء، فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن كعب رضي الله عنه أنه قال لعمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله، لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة.

قال: وما هي؟

قال: قول الله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في الآية، قال: يقول انسخ ما شئت واصنع في الآجال ما شئت، وإن شئت زدت فيها وإن شئت نقصت ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: جملة الكتاب وعلمه، يعني بذلك ما ينسخ منه وما يثبت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في المدخل، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: يبدل الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب الله تعالى.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: هي مثل قوله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾ [ البقرة: 106] وقوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي جملة الكتاب وأصله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ مما ينزل على الأنبياء ﴿ ويثبت ﴾ ما يشاء مما ينزل على الأنبياء ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ لا يغير ولا يبدل.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ قال: ينسخ ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: يمحو الله الآية بالآية ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: أصل الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ قال: أجل بني آدم في كتاب ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ قال: من جاء أجله ﴿ ويثبت ﴾ قال: من لم يجيء أجله بعد، فهو يجري إلى أجله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ يمحو الله ﴾ رزق هذا الميت ﴿ ويثبت ﴾ رزق هذا المخلوق الحي.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: يثبت في البطن الشقاء والسعادة، وكل شيء هو كائن، فيقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء.

وأخرج الحاكم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ مخففة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: الذكر.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ عنده أم الكتاب ﴾ قال: الذكر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن سيار عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سأل كعباً رضي الله عنه عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون.

فقال لعلمه: كن كتاباً.

فكان كتاباً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ يقول: عنده الذي لا يبدل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ شبه إلْزاله حكمًا عربيًّا بما أنزل إلى من تقدم من الأنبياء، أي كما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم، كذلك أنزلنا إليك القرآن، والكناية في قوله: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ تعود إلى ما في قوله: ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن.

وقوله تعالى (١) ﴿ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ قال ابن عباس (٢) وقال غيره (٣) (٤)  جعله حكمًا، لأنه يحكم به، وجعله عربيًّا؛ لأنه أتى به عربيٌّ فنسب الدين إليه.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ الآية.

قال المفسرون (٥)  فمعصوم، فعلي هذا، الخطاب للنبي) (٦)  - والمراد به غيره (٧) (١) (تعالى) ساقط من (ب).

(٢) "زاد المسير" 4/ 336 قال: يريد ما فيه من الفرائض.

(٣) القرطبي 9/ 327، و"البحر المحيط" 5/ 397.

(٤) قال به أبو عبيدة، و"مجاز القرآن" 1/ 334، و"زاد المسير" 4/ 336.

(٥) "زاد المسير" 4/ 336.

(٦) ما بين القوسين مكرر في (ب).

(٧) "البحر المحيط" 5/ 397.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ هنا وفي القتال [محمد: 15] صفتها، وليس بضرب مثل لها، والخبر عند سيبويه محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم صفة الجنة، وقال الفراء: الخبر مؤخر، وهو تجري من تحتها الأنهار ﴿ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها والأكل.

بضم الهمزة المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل بفتح الهمزة المصدر ﴿ والذين آتيناهم ﴾ يعني من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه وقيل: يعني المؤمنين والكتاب على هذا القرآن ﴿ وَمِنَ الأحزاب ﴾ قيل: هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش والأظهر أنها في سائر كفار العرب، وقيل: هم اليهود والنصارى؛ لأنهم لا ينكرون القصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو حرفوه ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه جواب المنكرين، ورد عليهم كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون هذا ﴿ مَآبِ ﴾ مفعل من الأوب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة أو مرجعي بالتوبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ ؛ فأخبر - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ؛ بذكر الرحمن.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : قال بعضهم: أصحاب محمد؛ فرحوا بما أنزل إلى رسول الله  .

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : أهل التوراة يفرحون بما أنزل إليك يذكر هاهنا أنهم يفرحون بما أنزل إليك، ويذكر في موضع: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وقال في موضع آخر: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ فمن تلا منهم الكتاب حق تلاوته ولم يبدله ولم يغيره - فهو يؤمن به؛ ويفرح بما أنزل على محمد، ومن غيَّره وبدَّله - فهو لم يفرح [بما أنزل] عليه.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ تأويله - والله أعلم - كأنه قال: والذين آتيناهم منافع الكتاب أولئك يفرحون [بما أنزل] إليك، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ لأن أكثرهم [لا يؤمنون] بما أنزل على محمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ .

يحتمل: أهل الكتاب كانوا ينكرون بعض ما أنزل إليه؛ لا ينكرون كل ما أنزل إليه؛ وإنما ينكرون نعته وصفته؛ لأنهم كتموا نعته وصفته التي في كتبهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ مشركي العرب؛ وهم أيضاً أنكروا بعض ما أنزل إليه؛ وهو ما ذكر: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ في قوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ونحوه، لم ينكروا كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ .

كأن هذا قاله على إثر قول كان منهم؛ [كأنهم دعوه] إلى أن يشاركهم في عبادة الأصنام، أو دعوه أن يكون على ما كان آباؤهم؛ فقال: قل إنما أمرت أن أعبد الله وأمرت ألا أشرك به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ ﴾ قال ذلك من نفسه.

﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ يقول: إلى توحيد الله أدعو غيري ثم أخالف وأعبد غيره؟

﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴾ أي: إليه المرجع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ ﴾ أي: كما علمناك آداباً وأعطيناك النبوة - كذلك أنزلنا عليك.

﴿ حُكْماً عَرَبِيّاً ﴾ قيل حكمة عربية، وكانت العرب لا تفهم الحكمة؛ أو أنزلنا ما فيه حكم.

وتفسير قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ﴾ ما ذكر [في آية] أخرى؛ وهو قوله: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ  إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً  ﴾ سمى القرآن حكماً؛ لأنه للحكم أنزل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .

هذا يدل أنهم كانوا يدعونه إلى أن يشاركهم في بعض ما هم فيه.

﴿ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ ﴾ ينصرك ويمنعك من عذاب الله.

﴿ وَلاَ وَاقٍ ﴾ يعني العذاب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومثل إنزالنا الكتب السابقة بالسنة أقوامها أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن قولًا فصلًا مبينًا للحق عربيًّا، ولئن اتبعت -أيها الرسول- أهواء أهل الكتاب في مساومتهم لك بحذف ما لا يتفق مع أهوائهم بعدما جاءك من العلم الذي علمك الله إياه، فليس لك من الله ولي يتولى أمرك، وينصرك على أعدائك، وليس لك مانع يمنعك من عذابه.

<div class="verse-tafsir" id="91.n1BQM"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر