تفسير الآية ٣٧ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٧ من سورة الرعد

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ ٣٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٧ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) أي : وكما أرسلنا قبلك المرسلين ، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء ، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا ، شرفناك به وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 11 ] .

وقوله : ( ولئن اتبعت أهواءهم ) أي : آراءهم ، ( أهواءهم بعدما جاءك من العلم ) أي : من الله تعالى ( ما لك من الله من ولي ولا واق ) أي : من الله تعالى .

وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية ، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام [ والتحية والإكرام ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما أنـزلنا عليك الكتاب، يا محمد, فأنكرهُ بعض الأحزاب, كذلك أيضًا أنـزلنا الحكم والدين حُكْمًا عربيًا (18) وجعل ذلك (عربيًا), ووصفه به لأنه أنـزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهو عربيٌّ, فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنـزل, فكذَّب به الأحزابُ .

ثم نهاه جل ثناؤه عن ترك ما أنـزل إليه واتباع الأحزاب, وتهدَّده على ذلك إنْ فعله فقال: (ولئن اتبعت) يا محمد (أهواءهم), أهوَاء هؤُلاء الأحزاب ورضَاهم ومحبتَهم (19) وانتقلت من دينك إلى دينهم, ما لك من يَقيك من عَذاب الله إنْ عذّبك على اتباعك أهواءَهم, وما لك من ناصر ينصرك فيستنقذك من الله إن هو عاقبك, (20) يقول: فاحذر أن تتّبع أهَواءهم .

----------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير" الحكم" فيما سلف من هذا الجزء : 23 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(19) انظر تفسير" الهوى" فيما سلف 9 : 302 / 11 : 397 .

(20) انظر تفسير" الولي" فيما سلف 13 : 152 ، تعليق : 1 ، المراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واققوله تعالى : وكذلك أنزلناه حكما عربيا أي وكما أنزلنا عليك القرآن فأنكره بعض الأحزاب كذلك أنزلناه حكما عريبا ; وإذا وصفه بذلك لأنه أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو عربي ، فكذب الأحزاب بهذا الحكم أيضا .

وقيل نظم الآية : وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكما عربيا ، أي بلسان العرب ; ويريد بالحكم ما فيه من الأحكام .

وقيل : أراد بالحكم العربي القرآن كله ; لأنه يفصل بين الحق والباطل ويحكم .ولئن اتبعت أهواءهم أي أهواء المشركين في عبادة ما دون الله ، وفي التوجيه إلى غير الكعبة .بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي أي ناصر ينصرك .

ولا واق يمنعك من عذابه ; والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد الأمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولقد أنزلنا هذا القرآن والكتاب حكما، عربيا أي: محكما متقنا، بأوضح الألسنة وأفصح اللغات، لئلا يقع فيه شك واشتباه، وليوجب أن يتبع وحده، ولا يداهن فيه، ولا يتبع ما يضاده ويناقضه من أهواء الذين لا يعلمون.

ولهذا توعد رسوله -مع أنه معصوم- ليمتن عليه بعصمته ولتكون أمته أسوته في الأحكام فقال: { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } البين الذي ينهاك عن اتباع أهوائهم، { مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاك فيحصل لك الأمر المحبوب، { وَلَا وَاقٍ } يقيك من الأمر المكروه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) يقول : كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد ، فأنكره الأحزاب ، كذلك أنزلنا الحكم والدين عربيا .

نسب إلى العرب لأنه نزل بلغتهم فكذب به الأحزاب .

وقيل : نظم الآية : كما أنزلت الكتب على الرسل بلغاتهم ، فكذلك أنزلنا عليك الكتاب حكما عربيا .

( ولئن اتبعت أهواءهم ) في الملة .

وقيل : في القبلة ( بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) يعني : من ناصر ولا حافظ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» الإنزال «أنزلناه» أي القرآن «حكما عربيا» بلغة العرب تحكم به بين الناس «ولئن اتبعت أهواءهم» أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم فرضا «بعد ما جاءك من العلم» بالتوحيد «ما لك من الله من» زائدة «وليٍّ» ناصر «ولا واق» مانع من عذابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن بلغة العرب؛ لتحكم به، ولئن اتبعت أهواء المشركين في عبادة غير الله -بعد الحق الذي جاءك من الله- ليس لك ناصر ينصرك ويمنعك من عذابه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الفضائل التى امتاز بها القرآن الكريم فقال - تعالى - : ( وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ..

.

) .والكاف للتشبيه ، واسم الإِشارة يعود إلى الإِنزال المأخوذ من ( أنزلناه ) وضمير الغائب فى أنزلناه يعود إلى ( بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ) فى قوله فى الآية السابقة ( يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ .

.

.

) وقوله ( حُكْماً عَرَبِيّاً ) حالان من ضمير الغائب .والمعنى : ومثل ذلك الإِنزال البديع الجامع لألوان الهداية والإِعجاز ، أنزلنا عليك القرآن يا محمد ( حكما ) أى : حاكما بين الناس ( عربيا ) أى : بلسان عربى مبين هو لسانك ولسان قومك .ومنهم من يرى أن اسم الإِشارة يعود إلى الكتب السماوية السابقة ، فيكون المعنى :وكما أنزلنا الكتب السماوية على بعض رسلنا بلغاتهم وبلغات أقوامهم أنزلنا عليك القرآن حاكما بين الناس بلغتك وبلغة قومك ، وهى اللغة العربية ليسهل عليهم فهمه وحفظه .وعلى كلا القولين فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد اشتملت على فضيلتين للقرآن الكريم : فضيلة من جهة معانية ومقاصده وهداياته وحكمه وأحكامه وتشريعاته ، وهو المعبر عنها بكونه " حكما " .وفضيلة من جهة ألفاظه ومفرداته وتراكيبه ، وهى المعبر عنها بكونه " عربيا " .أى : نزل بلغة العرب التى هى أفصح اللغات وأغناها وأجملها .ثم فى كونه " عربيا " امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء ، حيث إنه نزل بلغتهم ، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح والتسليم لأوامره ونواهيه ، فهو الكتاب الذى فيه شرفهم وعزهم ، قال - تعالى - : ( لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ) أى : فيه بقاء شرفكم ( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) وقال - تعالى - : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) وفى ذلك تعريض بغباء مشركى العرب ، حيث لم يشكروا الله - تعالى - على هذه النعمة ، بل قابلوا من أنزل عليه هذا القرآن بالعناد والعصيان .ثم ساق - سبحانه - تحذيرا للأمة كلها فى شخص نبيها صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء كل كافر أو فاسق : فقال - تعالى - : ( وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ ) .واللام فى قوله ( ولئن ) موطئة للقسيم لتأكيد ما تضمنته من عقاب شديد لمتبع أهواء الكافرين .والأهواء : جمع هوى ، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق ، ومطالبهم المتعنتة ، والمراد بما جاءه من العلم : ما بلغه وعلمه من الدين عن طريق الوحى الصادق .والولى : الناصر والمعين والقريب والحليف .

والواقى : المدافع عن غيره .والمعنى : " ولئن اتبعت " - يا محمد - على سبيل الفرض والتقدير أهواء هؤلاء الكافرين فيما يطلبونه منك ، " من بعد ما جاءك من العلم " اليقينى بأن الإِسلام هو الدين الحق ، " مالك من الله " أى من عقباه " من ولى " يلى أمرك وينصرك " ولا واق " يقبك من حسابه .وسيق هذا التحذير فى صورة الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم للتأكيد من مضمونه .فكأنه - سبحانه يقول : لو اتبع أهواءهم - على سبيل الفرض - أكرم الناس عندى لعاقبته ، وأحق بهذا العقاب من كان دونه فى الفضل والمنزلة ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكماً عربياً بما أنزل إلى ما تقدم من الأنبياء، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، كذلك أنزلنا عليك القرآن.

والكناية في قوله: ﴿ أنزلناه ﴾ تعود إلى ما في قوله: ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا ﴾ فيه وجوه: الأول: حكمة عربية مترجمة بلسان العرب.

الثاني: القرآن مشتمل على جميع أقسام التكاليف، فالحكم لا يمكن إلا بالقرآن، فلما كان القرآن سبباً للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة.

الثالث: أنه تعالى حكم على جميع المكلفين بقبول القرآن والعمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله حكماً.

واعلم أن قوله: ﴿ حُكْمًا عَرَبِيّا ﴾ نصب على الحال، والمعنى: أنزلناه حال كونه حكماً عربياً.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث.

الثاني: أنه وصفه بكونه عربياً والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثاً.

الثالث: أن الآية دالة على أنه إنما كان حكماً عربياً، لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة، وكل ما كان كذلك فهو محدث.

والجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه والله أعلم.

المسألة الرابعة: روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائه فتوعده الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب مثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد أن حوله الله عنها.

قال ابن عباس: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وقيل: بل الغرض منه حث الرسول عليه السلام على القيام بحق الرسالة وتحذيره من خلافها، ويتضمن ذلك أيضاً تحذير جميع المكلفين، لأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهم أحق بذلك وأولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء ﴿ حُكْمًا عَرَبِيّا ﴾ حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصابه على الحال.

كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يوافقهم عليها منها أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله عنها، فقيل له: لئن تابعتهم على دين ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج القاطعة، خذلك الله فلا ينصرك ناصر، وأهلكك فلا يقيك منه واق، وهذا من باب الإلهاب والتهييج، والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدّة الشكيمة بمكان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ كابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ ومَن آمَنَ مِنَ النَّصارى وهم ثَمانُونَ رَجُلًا أرْبَعُونَ بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ واثْنانِ وثَلاثُونَ بِالحَبَشَةِ، أوْ عامَّتُهم فَإنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما يُوافِقُ كُتُبَهم.

﴿ وَمِنَ الأحْزابِ ﴾ يَعْنِي كَفَرَتَهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَّيِّدِ والعاقِبِ وأشْياعِهِما.

﴿ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ وهو ما يُخالِفُ شَرائِعَهم أوْ ما يُوافِقُ ما حَرَّفُوهُ مِنها.

﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ جَوابٌ لِلْمُنْكِرِينَ أيْ قُلْ لَهم إنِّي أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِأنْ أعْبُدَ اللَّهَ وأُوَحِّدَهُ، وهو العُمْدَةُ في الدِّينِ ولا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ، وأمّا ما تُنْكِرُونَهُ لِما يُخالِفُ شَرائِعَكم فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مُخالِفَةُ الشَّرائِعِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ.

وقُرِئَ « ولا أُشْرِكُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

﴿ إلَيْهِ أدْعُو ﴾ لا إلى غَيْرِهِ.

﴿ وَإلَيْهِ مَآبِ ﴾ وإلَيْهِ مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِهِ، وهَذا هو القَدْرُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الأنْبِياءِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِنَ التَّفارِيعِ فَمِمّا يَخْتَلِفُ بِالأعْصارِ والأُمَمِ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكُمُ المُخالَفَةَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك أنزلناه} ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة اليه الى دينه والإنذار بدار الجزاء {حُكْمًا عَرَبِيّا} حكمة

عربية مترجمة بلسان العرب وانتصابه على الحال كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يشاركهم فيها فقيل {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} أي بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة {ما لك مِنَ الله مِن وَلِىّ وَلاَ وَاقٍ} أي لا ينصرك ناصر ولا يقيك منه واق وهذا من باب النهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين وأن لا يزال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة والا

الرعد (٣٨ _ ٤٢)

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الثبات بمكان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ شُرُوعٌ في رَدِّ إنْكارِهِمْ لِفُرُوعِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ ابْتِداءً أوْ بَدَلًا مِنَ الشَّرائِعِ المَنسُوخَةِ بِبَيانِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ وأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ لِما أُنْزِلَ إلَيْكَ والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ أوْ ﴿ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ الجامِعِ لِأُصُولٍ مُجْمَعٍ عَلَيْها وفُرُوعٍ مُتَشَعِّبَةٍ إلى مُوافَقَةٍ ومُخالَفَةٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ الحِكْمَةِ أنْزَلْناهُ حاكِمًا يَحْكُمُ في القَضايا والواقِعاتِ بِالحَقِّ ويَحْكُمُ بِهِ كَذَلِكَ والتَّعَرُّضُ لِهَذا العُنْوانِ مَعَ أنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لِتَرْبِيَتِهِ وُجُوبَ مُراعاتِهِ وتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ والتَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا أيْ مُتَرْجَمًا بِلِسانِ العَرَبِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ إحْدى مَوادِّ المُخالَفَةِ لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ إذْ بِذَلِكَ يَسْهُلُ فَهْمُهُ وإدْراكُ إعْجازِهِ يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرَبِ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ داعِيًا لِتَعَلُّمِ العُلُومِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها ما ذُكِرَ ومِنهم مَنِ اقْتَصَرَ عَلى اشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى أُصُولِ الدِّياناتِ المُجْمَعِ عَلَيْها حَسْبَما يُفِيدُهُ عَلى رَأْيِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ إلى آخِرِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِاتِّباعِ أهْوائِهِمْ وحَدِيثِ المَحْوِ والإثْباتِ وأنَّهُ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ فَإنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِتْباعُ والِاتِّباعُ وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى إنْزالِ الكُتُبِ السّالِفَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمَعْنى كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى مَن قَبْلَكَ أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ عَلَيْكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يَتَضَمَّنُ إنْزالَهُ تَعالى ذَلِكَ وهَذا الَّذِي أنْزَلْناهُ بِلِسانِ العَرَبِ كَما أنَّ الكُتُبَ السّابِقَةَ بِلِسانِ مَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى كَما يَسَّرْنا هَؤُلاءِ لِلْفَرَحِ وهَؤُلاءِ لِإنْكارِ البَعْضِ أنْزَلْناهُ حُكْمًا إلى آخِرِهِ ولَيْتَهُ ما قِيلَ والأبْلَغُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ ونُصِبَ ﴿ حُكْمًا ﴾ عَلى الحالِ مِنَ مَنصُوبِ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ وإذا أُرِيدَ بِهِ حاكِمًا كانَ هُناكَ مَجازٌ في النِّسْبَةِ كَما لا يَخْفى ونُصِبَ ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ عَلى الحالِ أيْضًا إمّا مِن ضَمِيرٍ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ كالحالِ الأُولى فَتَكُونُ حالًا مُتَرادِفَةً أوْ مِنَ المُسْتَتِرِ في الأُولى فَتَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِحُكْمًا الحالِ وهي مُوَطِّئَةٌ وهي الِاسْمُ الجامِدُ الواقِعُ حالًا لِوَصْفِهِ بِمُشْتَقٍّ وهو الحالُ في الحَقِيقَةِ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ ﴿ حُكْمًا ﴾ مَقْصُودٌ بِالحالِيَّةِ هُنا والحالُ المُوَطِّئَةُ لا تُقْصَدُ بِالذّاتِ.

واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ مَعْنى ﴿ حُكْمًا ﴾ حِكْمَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( وآتَيْناهُ الحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ) وهو أحَدُ أوْجُهٍ ذَكَرَها الإمامُ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ أيْضًا فَلا تَغْفُلْ واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ مِن وُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُحْدَثِ.

الثّانِي أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا والعَرَبِيُّ أمْرٌ وضْعِيٌّ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا الثّالِثُ أنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ حُكْمًا عَرَبِيًّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ كَذَلِكَ والمَجْعُولُ مُحْدَثٌ وأجابَ الإمامُ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ ولا نِزاعَ فِيهِ أيْ بَيْنَ المُعْتَزِلَةِ والأشاعِرَةِ وإلّا فالحَنابِلَةُ عَلى ما اشْتُهِرَ عَنْهم قائِلُونَ بِقِدَمِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ وقَدْ أسْلَفْنا في المُقَدِّماتِ كَلامًا نَفِيسًا في مَسْألَةِ الكَلامِ فارْجِعْ إلَيْهِ ولا يَهُولَنَّكَ قَعاقِعُ المُخالِفِينَ لِسَلَفِ الأُمَّةِ.

﴿ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ الَّتِي يَدْعُونَكَ إلَيْها كالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ وكَتَرْكِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ ﴿ بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ العَظِيمِ الشَّأْنِ الفائِضِ عَلَيْكَ مِن ذَلِكَ الحُكْمِ العَرَبِيِّ أوَ العِلْمِ بِمَضْمُونِهِ ﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن جَنابِهِ العَزِيزِ جَلَّ شَأْنُهُ والِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغِيبَةِ وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مِن ولِيٍّ يَلِي أمْرَكَ ويَنْصُرُكَ عَلى مَن يَبْغِيكَ الغَوائِلُ ﴿ ولا واقٍ ﴾ .

(37) .

يَقِيكَ مِن مَصارِعِ السُّوءِ وحَيْثُ لَمْ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى العَدُوِّ نَفْيَ الواقِي مِن نِكايَتِهِ أدْخَلَ في المَعْطُوفِ حَرْفَ النَّفْيِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: ما لِيَ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ أوْ ما لَكَ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مِن ناصِرٍ وواقٍ لِاتِّباعِكَ أهْواءَهم بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الحَقِّ وأمْثالُ هَذِهِ القَوارِعِ إنَّما هي لِقَطْعِ أطْماعِ الكَفَرَةِ وتَهْيِيجِ المُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ لا لِلنَّبِيِّ  فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانٍ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى باعِثٍ أوْ مُهَيِّجٍ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِغَيْرِهِ  واللّامُ في ( لَئِنْ ) مُوَطِّئَةٌ و( مِنَ ) الثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ و( ما لَكَ ) سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ الشَّرْطِ والقَسَمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قال بعضهم: المثل هنا أراد به الصفة، ولم يرد به التشبيه، لأنه قد ذكر من قبل حديث الجنة، وهو قوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى [الرعد: 18] وقال بعد ذلك: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [الرعد: 23] ثم بيّن هاهنا صفة الجنة.

يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، الذين يتقون الشرك، والفواحش.

روي عن علي بن أبي طالب  أنه كان يقرأ أمثال الجنة التى وُعِدَ المتقون يعني: صفاتها وأحاديثها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ يعني: حملها ونعيمها لا ينقطع عنهم أبداً وَظِلُّها يقول: وهكذا ظلها دائم أبداً، ليس فيها شمس.

وقال بعضهم: أراد به التشبيه، لأن الله عرفنا نعيم الجنة وأمورها، التي لم نرها، ولم نشاهدها بما شهدنا من أمور الدنيا، ومعناه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ جنة تجرى من تحتها الانهار.

ثم قال: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني: تلك الجنة، جزاء الذين اتقوا الشرك والفواحش وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ يعني: مصيرهم وجزاؤهم النار.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي: التوراة يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهم مؤمنو أهل الكتاب، يعجبون بذكر الرحمن وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: أهل مكة ينكرون ذكر الرحمن، ويقولون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب.

ويقال: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ينكر ما كان فيه نسخ شرائعهم قُلْ يا محمد إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ يعني: أمرت أن أقيم على التوحيد وَلا أُشْرِكَ بِهِ شيئاً.

ثم قال: إِلَيْهِ أَدْعُوا يقول: أدعو الخلق إلى توحيده وَإِلَيْهِ مَآبِ يعني: المرجع في الآخرة.

ثم قال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ يعني: القرآن أنزلنا جبريل ليقرأ عليك القرآن حُكْماً يعني: القرآن حكماً على الكتب كلها.

ويقال: محكماً عَرَبِيًّا يعني: القرآن بلغة العرب وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ قال الكلبي: يعني: لئن صليت إلى قبلتهم، نحو بيت المقدس بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني: من بعد ما أتاك العلم بأن قبلتك نحو الكعبة.

ويقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ يعني: أهل مكة فيما يدعونك إلى دين آبائك بعد ما ظهر لك أن الإسلام هو الحق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ يعني: من عذابه مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا واقٍ يقيك من عذاب الله، والخطاب للنبي  والمراد به أصحابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مبتدأ، وخبره طُوبى لَهُمْ.

واختلف في معنى طُوبى، فقال ابن عباس: طُوبى: اسمُ الجنَّةِ بالحَبَشِيَّةِ «١» ، وقيل: طُوبى: اسم الجنَّة بالهِنْدِيَّة، وقيل: طُوبى: اسم شجرة في الجنَّة، وبهذا تواترتِ الأحاديث قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طُوبَى اسم شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها ...

» «٢» الحديث.

قال ص: طُوبى: «فُعْلَى» من الطِّيب، والجمهور أنها مفرد مصدر ك «سُقْيَا وبُشْرَى» .

قال الضَّحَّاك: ومعناها: غِبْطَةً لهم «٣» ، قال القُرطُبيُّ «٤» : والصحيحُ أنها شجرةٌ للحديث المرفوع.

انتهى.

ت: وروى الشيخُ الحافظ أبو بكْرٍ أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثابتِ بنِ الخَطِيبِ البَغْدَادِيُّ في «تاريخه» ، عن شيخه أبي نُعَيْمٍ الأَصبهانيِّ بسنده عن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِك!

قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، ثُمَّ طُوبَى، ثُم طُوبَى، ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي» ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا طُوبَى؟

قَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» «٥» .

انتهى من ترجمة «أحمد بن الحَسَن» .

وقوله تعالى: «كذلك أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ» : أي: كما أجرينا عادَتَنا، كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ ...

الآية.

وقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ: قال قتادة: نزلَتْ في قريش: لما كُتِبَ في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في قصَّة الحُدَيْبِيَة، فقال قائلهم: نَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرحمن «١» .

قال ع «٢» : وذلك منهم إِباءةُ اسم فقطْ، وهروبٌ عن هذه العبارة التي لم يَعْرِفُوها إِلا مِنْ قِبَل النبيِّ عليه السلام، وال مَتابِ: المرجعُ ك «المآب» لأن التوبة هي الرجُوعُ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ...

الآية:

قال ابن عباس وغيره: إِن الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أزِحْ عَنَّا وَسَيِّرِ جَبَلِيْ مَكَّةَ، فَقَدْ ضَيَّقَا عَلَيْنَا، واجعل لَنَا أَرْضَنَا قِطَعَ غِرَاسَةٍ وَحَرْثٍ، وأوحي لَنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا، / وَفُلاَناً وفُلاَناً، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك معلمةً أنهم لا يُؤْمِنُونَ، ولو كان ذلك كله «٣» .

وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: «يَيْئَس» : معناه: يعلم، وهي لغة هَوَازِنَ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّن» ، ثم أخبر سبحانه عن كُفَّار قريشٍ والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وغزواته، ثم قال: «أَوْ تُحَلُّ أَنْتَ يَا محمَّد قريباً من دارهم» .

[هذا تأويلُ ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» .

وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: المعنى: أو تَحُلُّ القارعةُ قريباً من دارهم] «٥» ، ووَعْدُ اللَّهِ على قول ابن عباس وغيره: هو فَتْحُ مَكَّة، وقال الحسن: الآيةُ عامَّة في الكفّار إلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ ﴾ أيْ: وكَما أنْزَلَنا الكُتُبَ عَلى الأنْبِياءِ بِلُغاتِهِمْ، أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما فِيهِ مِنَ الفَرائِضِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَيْنًا عَرَبِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: في صَلاتِكَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ " بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ " أنَّ قِبْلَتَكَ الكَعْبَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: في قَبُولِ ما دَعَوْكَ إلَيْهِ مِن مِلَّةِ آبائِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ﴾ أيْ: ما لَكَ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن قَرِيبٍ يَنْفَعُكَ ﴿ وَلا واقٍ ﴾ يَقِيكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ ﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ واقٍ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النارُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ  ﴾ ، والمَعْنى: أفَمَن هو هَكَذا أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؟

هَذا تَأْوِيلٌ، ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ ، كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ أهْلٌ أنْ يَنْتَقِمَ ويُعاقِبَ أمْ لا؟

و"الأنْفُسُ" مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو قائِمٌ عَلى الكُلِّ أيْ مُحِيطٌ بِهِ لِيُقَرِّبَ المَوْعِظَةَ مِن حِسِّ السامِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ حالَ كَسْبِها لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ عِنْدَ نَظَرِ الآيَةِ في أعْمالِهِ وكَسْبِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: سَمُّوا مَن لَهُ صِفاتٌ يَسْتَحِقُّ بِها الأُلُوهِيَّةَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ القَوْلِ وقَرَّرَ: هَلْ تُعْلِمُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ، وقَرَأالحَسَنُ: "هَلْ تُنْبِئُونَهُ" بِإسْكانِ النُونِ وتَخْفِيفِ الباءِ.

و"أمْ" هي بِمَعْنى "بَلْ"، و"ألِفُ الِاسْتِفْهامِ"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ".

ثُمَّ قَرَّرَهم بَعْدُ، هَلْ يُرِيدُونَ تَجْوِيزَ ذَلِكَ بِظاهِرٍ مِنَ الأمْرِ؟

لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لَهُ إلْباسٌ ما ومَوْضِعٌ مِنَ الِاحْتِمالِ، وما لَمْ يَكُنْ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ فَقَطْ فَلا شُبْهَةَ لَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "مَكْرُهُمْ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "زَيَّنَ" عَلى بِنايَةٍ لِلْفاعِلِ "مَكْرَهُمْ" بِالنَصْبِ، أيْ: زَيَّنَ اللهُ.

و"مَكْرُهُمْ": لَفْظٌ يَعُمُّ أقْوالَهم وأفْعالَهُمُ الَّتِي كانَتْ بِسَبِيلِ مُناقَضَةِ الشَرْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَصُدُّوا" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى تَعَدِّي الفِعْلِ، وقَرَأ الباقُونَ هُنا وفي "حم المُؤْمِنِ" "وَصَدُّوا" بِفَتْحِها، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: صَدُّوا أنْفُسَهم أو صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدُّوا" بِكَسْرِ الصادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ الآيَةٌ وعِيدٌ، أيْ: لَهم عَذابٌ في دُنْياهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والجُدُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا امْتَحَنَهُمُ اللهُ بِهِ، ثُمَّ لَهم عَذابٌ أشَقُّ مِن هَذا كُلِّهِ وهو الِاحْتِراقُ بِالنارِ.

و"أشَقُّ" أصْعَبُ، مِنَ المَشَقَّةِ، و"الواقِي": هو الساتِرُ عَلى جِهَةِ الحِمايَةِ، مِنَ الوِقايَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَوْمٌ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةُ، وهَذا مِن قَوْلِكَ: "مَثَّلْتُ الشَيْءَ" إذا وصَفْتَهُ لِأحَدٍ وقَرَّبْتَ عَلَيْهِ فَهْمَ أمْرِهِ، ولَيْسَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لَها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى  ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعْلى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى الَّذِي يَتَحَصَّلُ في النَفْسِ مِثالًا لِلْجَنَّةِ هو جَرْيُ الأنْهارِ وأنَّ أُكُلَها دائِمٌ، ورافِعُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُقَدَّرٌ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم أو يُنَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ورافِعُهُ عِنْدَ الفَرّاءِ قَوْلُهُ: "تَجْرِي" أيْ: صِفَةُ الجَنَّةِ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أنَّ "مَثَلُ" مُقْحَمٌ، وأنَّ التَقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْثالَ الجَنَّةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .

وقَوْلُهُ: "أُكُلُها" مَعْناهُ: ما يُؤْكَلُ فِيها، و"العُقْبى" والعاقِبَةُ والعاقِبُ: حالٌ تَتْلُو أُخْرى قَبْلَها.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.،وَقِيلَ: التَقْدِيرُ في صَدْرِ الآيَةِ: "مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي"، قالَهُ الزَجّاجُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- ضَرْبَ مَثَلٍ لِجَنَّةِ النَعِيمِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض وعطف على جملة ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ [الرعد: 36] لما ذكر حال تلقي أهل الكتابين للقرآن عند نزوله عُرج على حال العرب في ذلك بطريقة التعريض بسوء تلقي مشركيه له مع أنهم أولَى الناس بحسن تلقيه إذ نزل بلسانهم مشتملاً على ما فيه صلاحهم وتنوير عقولهم.

وقد جُعل أهم هذا الغرض التنويهَ بعلوّ شأن القرآن لفظاً معنى.

وأدمج في ذلك تعريض بالمشركين من العرب.

والقول في اسم الإشارة في قوله: وكذلك } مثل ما تقدم في قوله: ﴿ كذلك أرسلناك في أمة ﴾ [سورة الرعد: 30].

وضمير الغائب في أنزلناه } عائد إلى ﴿ ما أنزل إليك ﴾ في قوله: ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ .

والجار والمجرور من اسم الإشارة نائب عن المفعول المطلق.

والتقدير؛ أنزلناه إنزالاً كذلك الإنزال.

و ﴿ حكماً عربياً ﴾ حالان من ضمير ﴿ أنزلناه ﴾ .

والحكم: هنا بمعنى الحكمة كما في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبيا ﴾ [سورة مريم: 12].

وجُعل نفس الحكم حالاً منه مبالغة.

والمراد أنه ذو حكم، أي حكمة.

والحكمة تقدمت.

وعربياً } حال ثانية وليس صفة ل ﴿ حكماً ﴾ إذ الحكمة لا توصف بالنسبة إلى الأمم وإنما المعنى أنه حكمة معبر عنها بالعربية.

والمقصود أنه بلغة العرب التي هي أفصح اللغات وأجملها وأسهلها، وفي ذلك إعجازه.

فحصل لهذا الكتاب كمالان: كمال من جهة معانيه ومقاصده وهو كونه حكماً، وكمال من جهة ألفاظه وهو المكنى عنه بكونه عربياً، وذلك ما لم يبلغ إليه كتاب قبله لأن الحكمة أشرف المعقولات فيناسب شرفها أن يكون إبلاغها بأشرف لغة وأصلحها للتعبير عن الحكمة، قال تعالى: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ﴾ [سورة الشعراء: 192 195].

% ثم في كونه عربياً امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء بأنه بلغتهم وبأن في ذلك حسن سمعتهم، ففيه تعريض بأفن رأي الكافرين منهم إذ لم يشكروا هذه النعمة كما قال تعالى: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون ﴾ [سورة الأنبياء: 10].

قال مالك: فيه بقاء ذكركم.

وجملة ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم } معترضة، واللام موطئة للقسم وضمير الجمع في قوله: ﴿ أهواءهم ﴾ عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون الذين وجه إليهم الكلام.

واتباع أهوائهم يحتمل السعي لإجابة طلبتهم إنزال آية غير القرآن تحذيراً من أن يسأل الله إجابتهم لما طلبوه كما قال لنوح عليه السلام ﴿ فلا تسألني ما ليس لك به علم إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ .

ومعنى ﴿ ما جاءك من العلم ﴾ ما بلغك وعُلّمته، فيحتمل أن يراد بالموصول القرآن تنويهاً به، أي لئن شايعَتهم فسألَتنا آية ير القرآن بعد أن نزل عليك القرآن، أو بعد أن أعلمناك أنا غير متنازلين لإجابة مقترحاتهم.

ويحتمل اتباع دينهم فإن دينهم أهواء ويكون ما صدق ﴿ ما جاءك من العلم ﴾ هو دين الإسلام.

والوليّ: النصير.

والواقي: المدافع.

وجعل نفي الولي والنصير جواباً للشرط كناية عن الجواب، وهو المؤاخذة والعقوبة.

والمقصود من هذا تحذير المسلمين من أن يركنوا إلى تمويهات المشركين، والتحذير من الرجوع إلى دينهم تهييجاً لتصلبهم في دينهم على طريقة قوله تعالى: ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ [سورة الزمر: 65]، وتأييس المشركين من الطمع في مجيء آية توافق مقترحاتهم.

ومن } الداخلة على اسم الجلالة تتعلق ب ﴿ ولي ﴾ و ﴿ واق ﴾ .

و ﴿ من ﴾ الداخلة على ﴿ ولي ﴾ لتأكيد النفي تنصيصاً على العموم.

وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في حذفهم ياء ﴿ واق ﴾ في حالتي الوصل والوقف وإثبات ابن كثير الياء في حالة الوقف دون الوصل عند قوله تعالى: ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ في هذه السورة [الرعد: 7].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أصْحابُ النَّبِيِّ  فَرِحُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى فَرِحُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن تَصْدِيقِ كُتُبِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَمِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وَفي إنْكارِهِمْ بَعْضَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَرَفُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ  في كُتُبِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ.

الثّانِي: أنَّهم عَرَفُوا صِدْقَهُ وأنْكَرُوا تَصْدِيقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ مثل الجنة ﴾ قال: نعت الجنة، ليس للجنة مثل.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ قال: لذتها دائمة في أفواههم.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن خارجة بن مصعب رضي الله عنه قال: كفرت الجهمية بآيات من القرآن، قالوا: إن الجنة تنفد، ومن قال تنفد فقد كفر بالقرآن.

قال الله تعالى ﴿ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ﴾ [ ص: 54] وقال: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ [ الواقعة: 33] فمن قال إنها تنقطع فقد كفر.

وقال عطاء غير مجذوذ، فمن قال إنها تنقطع فقد كفر.

وقال: ﴿ أكلها دائم وظلها ﴾ فمن قال إنها لا تدوم، فقد كفر.

وأخرج ابن المنذر وابو الشيخ، عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: ما من شيء من ثنار الدنيا أشبه بثمار الجنة من الموز، لأنك لا تطلبه في صيف ولا شتاء إلا وجدته.

قال الله تعالى ﴿ أكلها دائم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ شبه إلْزاله حكمًا عربيًّا بما أنزل إلى من تقدم من الأنبياء، أي كما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم، كذلك أنزلنا إليك القرآن، والكناية في قوله: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ تعود إلى ما في قوله: ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن.

وقوله تعالى (١) ﴿ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ قال ابن عباس (٢) وقال غيره (٣) (٤)  جعله حكمًا، لأنه يحكم به، وجعله عربيًّا؛ لأنه أتى به عربيٌّ فنسب الدين إليه.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ الآية.

قال المفسرون (٥)  فمعصوم، فعلي هذا، الخطاب للنبي) (٦)  - والمراد به غيره (٧) (١) (تعالى) ساقط من (ب).

(٢) "زاد المسير" 4/ 336 قال: يريد ما فيه من الفرائض.

(٣) القرطبي 9/ 327، و"البحر المحيط" 5/ 397.

(٤) قال به أبو عبيدة، و"مجاز القرآن" 1/ 334، و"زاد المسير" 4/ 336.

(٥) "زاد المسير" 4/ 336.

(٦) ما بين القوسين مكرر في (ب).

(٧) "البحر المحيط" 5/ 397.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ هنا وفي القتال [محمد: 15] صفتها، وليس بضرب مثل لها، والخبر عند سيبويه محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم صفة الجنة، وقال الفراء: الخبر مؤخر، وهو تجري من تحتها الأنهار ﴿ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها والأكل.

بضم الهمزة المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل بفتح الهمزة المصدر ﴿ والذين آتيناهم ﴾ يعني من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه وقيل: يعني المؤمنين والكتاب على هذا القرآن ﴿ وَمِنَ الأحزاب ﴾ قيل: هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش والأظهر أنها في سائر كفار العرب، وقيل: هم اليهود والنصارى؛ لأنهم لا ينكرون القصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو حرفوه ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه جواب المنكرين، ورد عليهم كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون هذا ﴿ مَآبِ ﴾ مفعل من الأوب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة أو مرجعي بالتوبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.

﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.

الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.

﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.

وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.

وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.

ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.

وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.

وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.

فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.

وعن الحسن.

خلق الله ليس بملك.

وعن النبي  : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .

وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.

وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.

وعن علي  : سبحان من سبحت له.

وكان رسول الله  يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .

وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ .

قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.

والمطر بكاؤهم.

أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه  جعل له أعواناً.

قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.

وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.

قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.

ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.

ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله  فقال رجل من أصحابه.

يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.

فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.

فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.

فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.

قال تجعل لي الأمر بعدك.

قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.

قال: لا.

قال: فماذا تجعل لي؟

قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.

قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟

وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.

فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي  ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله  فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.

فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟

ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.

قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .

ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.

وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.

أبو عبيدة: شديد العقوبة.

الحسن: شديد النقمة.

وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه  يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.

وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي  في الكافرين حين دعا عليهما.

وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.

وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.

﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.

﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.

والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.

وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.

ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.

ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.

وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض  ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.

كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.

وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.

وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.

ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".

واعلم أنه  ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة  ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.

وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض  ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.

وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله  أعلم بمراده.

ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟

فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.

والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.

وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.

ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.

قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله  وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.

ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.

وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.

قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.

وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.

ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.

والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.

ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.

وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.

ثم قال  إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.

أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين  ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.

﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.

ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.

يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.

وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه  أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.

ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.

ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.

وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.

وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.

وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.

وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.

وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.

وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.

﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.

ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.

ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم  ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.

وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.

وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال  : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.

وقيل: هو مؤازة النبي  ومعاونته ونصرته في الجهاد.

وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.

وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .

﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.

وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.

﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .

﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.

قال  لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.

وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.

يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟

قال: من بلخ.

فقال: وهل تعرف شقيقاً؟

فقال: نعم.

فقال: كيف طريقة أصحابه؟

فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.

وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله  أن تكون مرجع أهلها.

والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.

قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.

وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.

قال الواحدي: والأول أصح لأن الله  جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.

ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.

والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.

وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله  بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.

قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.

وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.

وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.

وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.

ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.

والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.

وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.

وروي عن النبي  أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.

وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.

وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.

قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.

والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.

وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.

وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.

وقيل: المراد أنه  أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.

والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه  واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.

و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".

والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.

عن ابن عباس: فرح وقرة عين.

الضحاك: غبطة لهم.

قتادة: حسنى لهم.

الأصم: خير وكرامة.

الزجاج: عيش طيب.

والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.

وقيل: طوبى شجرة في الجنة.

حكى الأصم أن أصلها في دار النبي  وفي دار كل مؤمن منها غصن.

روي عن رسول الله  أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.

التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.

ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.

معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.

آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.

﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.

﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.

وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل  ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي  ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي  وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال  : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ ؛ فأخبر - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ؛ بذكر الرحمن.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : قال بعضهم: أصحاب محمد؛ فرحوا بما أنزل إلى رسول الله  .

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : أهل التوراة يفرحون بما أنزل إليك يذكر هاهنا أنهم يفرحون بما أنزل إليك، ويذكر في موضع: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وقال في موضع آخر: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ فمن تلا منهم الكتاب حق تلاوته ولم يبدله ولم يغيره - فهو يؤمن به؛ ويفرح بما أنزل على محمد، ومن غيَّره وبدَّله - فهو لم يفرح [بما أنزل] عليه.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ تأويله - والله أعلم - كأنه قال: والذين آتيناهم منافع الكتاب أولئك يفرحون [بما أنزل] إليك، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ لأن أكثرهم [لا يؤمنون] بما أنزل على محمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ .

يحتمل: أهل الكتاب كانوا ينكرون بعض ما أنزل إليه؛ لا ينكرون كل ما أنزل إليه؛ وإنما ينكرون نعته وصفته؛ لأنهم كتموا نعته وصفته التي في كتبهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ مشركي العرب؛ وهم أيضاً أنكروا بعض ما أنزل إليه؛ وهو ما ذكر: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ في قوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ونحوه، لم ينكروا كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ .

كأن هذا قاله على إثر قول كان منهم؛ [كأنهم دعوه] إلى أن يشاركهم في عبادة الأصنام، أو دعوه أن يكون على ما كان آباؤهم؛ فقال: قل إنما أمرت أن أعبد الله وأمرت ألا أشرك به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ ﴾ قال ذلك من نفسه.

﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ يقول: إلى توحيد الله أدعو غيري ثم أخالف وأعبد غيره؟

﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴾ أي: إليه المرجع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ ﴾ أي: كما علمناك آداباً وأعطيناك النبوة - كذلك أنزلنا عليك.

﴿ حُكْماً عَرَبِيّاً ﴾ قيل حكمة عربية، وكانت العرب لا تفهم الحكمة؛ أو أنزلنا ما فيه حكم.

وتفسير قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ﴾ ما ذكر [في آية] أخرى؛ وهو قوله: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ  إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً  ﴾ سمى القرآن حكماً؛ لأنه للحكم أنزل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .

هذا يدل أنهم كانوا يدعونه إلى أن يشاركهم في بعض ما هم فيه.

﴿ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ ﴾ ينصرك ويمنعك من عذاب الله.

﴿ وَلاَ وَاقٍ ﴾ يعني العذاب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومثل إنزالنا الكتب السابقة بالسنة أقوامها أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن قولًا فصلًا مبينًا للحق عربيًّا، ولئن اتبعت -أيها الرسول- أهواء أهل الكتاب في مساومتهم لك بحذف ما لا يتفق مع أهوائهم بعدما جاءك من العلم الذي علمك الله إياه، فليس لك من الله ولي يتولى أمرك، وينصرك على أعدائك، وليس لك مانع يمنعك من عذابه.

<div class="verse-tafsir" id="91.n1BQM"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله