الآية ٤٢ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٤٢ من سورة الرعد

وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٢ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٢ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول : ( وقد مكر الذين من قبلهم ) برسلهم ، وأرادوا إخراجهم من بلادهم ، فمكر الله بهم ، وجعل العاقبة للمتقين ، كما قال تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) [ الأنفال : 30 ] وقال تعالى : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) الآية [ النمل : 50 - 52 ] .

وقوله : ( يعلم ما تكسب كل نفس ) أي : إنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر ، وسيجزي كل عامل بعمله .

( وسيعلم الكافر ) وقرئ : ( الكفار ) ( لمن عقبى الدار ) أي : لمن تكون الدائرة والعاقبة ، لهم أو لأتباع الرسل ؟

كلا بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة ، ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قد مكر الذين من قَبْل هؤلاء المشركين من قُرَيشٍ من الأمم التي سلفت بأنبياء الله ورُسله (فلله المكر جميعًا) ، يقول: فلله أسبابُ المكر جميعًا, وبيده وإليه, لا يضرُّ مكرُ من مَكَر منهم أحدًا إلا من أراد ضرَّه به, يقول: فلم يضرَّ الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يضرَّه ذلك, وإنما ضرُّوا به أنفسهم لأنهم أسخطوا ربَّهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم, ونجَّى رُسُلَه: يقول: فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يمكرون بك، يا محمد, والله منَجّيك من مكرهم, ومُلْحِقٌ ضُرَّ مكرهم بهم دونك .

(66) وقوله: (يعلم ما تكسب كلّ نفس) ، يقول: يعلم ربك، يا محمد ما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، وما يسعون فيه من المكر بك, ويعلم جميعَ أعمال الخلق كلهم, لا يخفى عليه شيء منها (67) (وسيعلَم الكفار لمن عقبى الدار) ، يقول: وسيعلمون إذا قَدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار, ويدخلُ المؤمنون بالله ورسوله الجَنَّة.

(68) * * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأته قرأة المدينة وبعضُ البَصْرة: " وَسَيَعْلَمُ الكَافِرُ" على التوحيد .

(69) * * * وأما قرأة الكوفة فإنهم قرءوه: (وَسَيَعْلَمُ الكُفَّار) ، على الجمع .

* * * قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك، القراءةُ على الجميع: ( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ ) لأن الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم, وأتبع بعَده الخبر عنهم, وذلك قوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ وبعده قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا .

وقد ذُكر أنها في قراءة ابن مسعود: " وَسَيَعْلَمُ الكَافِرُونَ", وفى قراءة أبيّ: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وذلك كله دليلٌ على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك .

------------------------ الهوامش: (66) انظر تفسير" المكر" فيما سلف : 466 ، تعليق : 3 ،والمراجع هناك .

(67) انظر تفسير" الكسب" فيما سلف من فهارس اللغة .

(68) انظر تفسير" العقبى" فيما سلف قريبًا : 472 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

(69) في المطبوعة :" بعض أهل البصرة" ، زاد في الكلام ما يستقيم بإسقاطه وبإثباته .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدارقوله تعالى : وقد مكر الذين من قبلهم أي من قبل مشركي مكة ، مكروا بالرسل وكادوا لهم وكفروا بهم .فلله المكر جميعا أي هو مخلوق له مكر الماكرين ، فلا يضر إلا بإذنه .

وقيل : فلله خير المكر ; أي يجازيهم به .يعلم ما تكسب كل نفس من خير وشر ، [ ص: 293 ] فيجازي عليه .وسيعلم الكافر كذا قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو .

الباقون : " الكفار " على الجمع .

وقيل : عني به أبو جهل .لمن عقبى الدار أي عاقبة دار الدنيا ثوابا وعقابا ، أو لمن الثواب والعقاب في الدار الآخرة ; وهذا تهديد ووعيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } برسلهم وبالحق الذي جاءت به الرسل، فلم يغن عنهم مكرهم ولم يصنعوا شيئا فإنهم يحاربون الله ويبارزونه، { فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا } أي: لا يقدر أحد أن يمكر مكرا إلا بإذنه، وتحت قضائه وقدره، فإذا كانوا يمكرون بدينه فإن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والندم، فإن الله { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } أي: هومها وإراداتها وأعمالها الظاهرة والباطنة.

والمكر لا بد أن يكون من كسبها فلا يخفى على الله مكرهم، فيمتنع أن يمكروا مكرا يضر الحق وأهله ويفيدهم شيئا، { وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } أي: ألهم أو لرسله؟

ومن المعلوم أن العاقبة للمتقين لا للكفر وأعماله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقد مكر الذين من قبلهم ) يعني : من قبل مشركي مكة ، والمكر : إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر .

( فلله المكر جميعا ) أي : عند الله جزاء مكرهم وقيل : إن الله خالق مكرهم جميعا ، بيده الخير والشر ، وإليه النفع والضر ، فلا يضر مكر أحد أحدا إلا بإذنه .

( يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار ) قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " الكافر " على التوحيد ، وقرأ الآخرون : ( الكفار ) على الجمع .

( لمن عقبى الدار ) أي : عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار ، ويدخل المؤمنون الجنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقد مكر الذين من قبلهم» من الأمم بأنبيائهم كما مكروا بك «فلله المكر جميعا» وليس مكرهم كمكره لأنه تعالى «يعلم ما تكسب كل نفس» فيعد لها جزاءه وهذا هو المكر كله لأنه يأتيهم به من حيث لا يشعرون «وسيعلم الكافر» المراد به الجنس وفي قراءة الكفار «لمن عقبى الدار» أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد دبَّر الذين من قبلهم المكايد لرسلهم، كما فعل هؤلاء معك، فلله المكر جميعًا، فيبطل مكرهم، ويعيده عليهم بالخيبة والندم، يعلم سبحانه ما تكسب كل نفس من خير أو شر فتجازى عليه.

وسيعلم الكفار -إذا قدموا على ربهم- لمن تكون العاقبة المحمودة بعد هذه الدنيا؟

إنها لأتباع الرسل.

وفي هذا تهديد ووعيد للكافرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم زاد - سبحانه - فى تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم وفى تثبيت فؤاده فقال : ( وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً .

.

.

) .والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة ، أو إيصال المكروه للممكور به خفية ، والمراد بمكر الذين من قبلهم : إضمارهم السوء لرسلهم .والمراد بمكر الله - تعالى - هنا : علمه - سبحانه - بما بيتوه ، وِإحباطه لمكرهم ، وإنجاؤه لرسله - عليهم الصلاة والسلام - .أى : وقد مكر الكفار الذين سبقوا قومك - يا محمد - برسلهم وحاولوا إيقاع المكروه بهم ، ولكن ربك - سبحانه - نصر رسله لأنه - عز وجل - له المكر جميعا ، ولا اعتداد بمكر غيره لأنه معلوم له .وقال الجمل ما ملخصه : " وقوله ( فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً ) تعليل المحذوف تقديره فلا عبرة بمكرهم ، ولا تأثير له ، فحذف هذا اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله بقوله ( فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً ) أى : لا تأثير لمكرهم أصلا لأنه معلوم لله - تعالى - وتحت قدرته .

.وجملة " يعلم ما تكسب كل نفس " بمنزلة التعليل لجملة ( فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً ) .أى : هو - سبحانه - له المكر جميعا ، لأنه لا تخفى عليه خافية من أحوال كل نفس ، وسيجازيها بما تستحقه من خير أو شر .وقوله : ( وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار ) تهديد للكافرين بالحق الذى جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم .أى : وسيعلم الكافرون عندما ينزل بهم العذاب ، لمن تكون العاقبة الحميدة أهى لهم - كما يزعمون - أم للمؤمنين؟

لا شك أنها للمؤمنين .فالجملة الكريمة تحذير للكافرين من التمادى فى كفرهم ، وتبشير للمؤمنين بأن العاقبة لهم .وفى قراءة سبعية " وسيعلم الكافر " .

فيكون المراد به جنس الكافر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن يريه بعض ما وعدوه أو يتوفاه قبل ذلك، بين في هذه الآية أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت.

وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ فيه أقوال: القول الأول: المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها وذلك لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهراً وجبراً فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله تعالى ينجز وعده.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغالبون  ﴾ وقوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق  ﴾ .

والقول الثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله: ﴿ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ المراد: موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء والأخيار، وقال الواحدي: وهذا القول، وإن احتمله اللفظ، إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول.

ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضاً لا يليق بهذا الموضع، وتقريره أن يقال: أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة، وموت بعد حياة، وذل بعد عز، ونقص بعد كمال، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين، ويجعلهم مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وعلى هذا الوجه فيحسن اتصال هذا الكلام بما قبله، وقيل: ﴿ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع؟

ثم قال تعالى مؤكداً لهذا المعنى: ﴿ والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ معناه: لا راد لحكمه، والمعقب هو الذي يعقبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب.

فإن قيل: ما محل قوله: ﴿ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ .

قلنا: هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه خالياً عن المدافع والمعارض والمنازع.

ثم قال: ﴿ وَهُوَ سَرِيعُ الحساب ﴾ قال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني أن حسابه للمجازاة بالخير والشر يكون سريعاً قريباً لا يدفعه دافع.

أما قوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني أن كفار الأمم الماضية قد مكروا برسلهم وأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى، واليهود مكروا بعيسى.

ثم قال: ﴿ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا ﴾ قال الواحدي: معناه أن مكر جميع الماكرين له ومنه، أي هو حاصل بتخليقه وإرادته، لأنه ثبت أن الله تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، وأيضاً فذلك المكر لا يضر إلا بإذن الله تعالى ولا يؤثر إلى بتقديره، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم، كأنه قيل له: إذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره من الممكور به أيضاً من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى وأن لا يكون الرجاء إلا من الله تعالى، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر، وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم.

قال الواحدي: والأول أظهر لقولين بدليل قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله تعالى.

قالت المعتزلة: الآية الأولى إن دلت على قولكم فالآية الثانية وهي قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ دلت على قولنا، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة، ولو كان حدوث الفعل بخلق الله تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر، فوجب أن لا يكون للعبد كسب.

وجوابه: أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد.

ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال: ﴿ وَسَيَعْلَمْ الكافر لِمَنْ عُقْبَى الدار ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿ وَسَيَعْلَمْ الكافر ﴾ على لفظ المفرد والباقون على الجمع قال صاحب الكشاف قرئ: (الكفار، والكافرون، والذين كفروا، والكفر) أي أهله قرأ جناح بن حبيش: (وسيعلم الكافر) من أعلمه أي سيخبر.

المسألة الثانية: المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ  ﴾ والمعنى: إنهم وإن كانوا جهالاً بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة، وذلك كالزجر والتهديد.

والقول الثاني: وهو قول عطاء يريد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

والقول الثالث: وهو قول ابن عباس يريد أبا الجهل.

والقول الأول هو الصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وصفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال ﴿ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكافر لِمَنْ عُقْبَى الدار ﴾ لأنّ من علم ما تكسب كل نفس، وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كله؛ لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون.

وهم في غفلة مما يراد بهم.

وقرئ: ﴿ الكفار ﴾ ، و ﴿ الكافرون ﴾ .

و ﴿ الذين كفروا ﴾ .

والكفر: أي أهله.

والمراد بالكافر الجنس: وقرأ جناح بن حبيش، و ﴿ سَيُعلم الكافر ﴾ ، من أعلمه أي سيخبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ ﴾ أرْضَ الكَفَرَةِ.

﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ بِما نَفْتَحُهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها.

﴿ واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ لا رادَّ لَهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ مُعَقِّبٌ لِأنَّهُ يَقْفُو غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ، والمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالإقْبالِ وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ وذَلِكَ كائِنٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، ومَحَلُّ ﴿ لا ﴾ مَعَ المَنفِيِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ.

﴿ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ فَيُحاسِبُهم عَمّا قَلِيلٍ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا.

﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ بِأنْبِيائِهِمْ والمُؤْمِنِينَ مِنهم.

﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرٍ دُونَ مَكْرِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ.

﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ فَيُعِدُّ جَزاءَها.

﴿ وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ ﴾ مِنَ الحِزْبَيْنِ حَيْثُما يَأْتِيهِمُ العَذابُ المُعَدُّ لَهم وهم في غَفْلَةٍ مِنهُ، وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِمَكْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، واللّامُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعُقْبى العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ.

مَعَ ما في الإضافَةِ إلى الدّارِ كَما عَرَفْتَ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (الكافِرُ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، وقُرِئَ « الكافِرُونَ» و « الَّذِينَ كَفَرُوا» و « الكُفْرُ» أيْ أهْلُهُ وسَيَعْلَمُ مِن أعْلَمَهُ إذا أخْبَرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي كفار الأمم الخالية بأنبيائهم والمكر إرادة المكروه في خفية ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة الى مكره

الرعد (٤٢ _ ٤٣)

فقال {فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا} ثم فسر ذلك بقوله {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار} يعني العاقبة المحمودة لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعدلها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة عما يراد بهم الكافر على إرادة الجنس حجازي وأبو عمرو

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقَدْ مَكَرَ ﴾ الكُفّارُ ﴿ الَّذِينَ ﴾ خَلَوْا ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِن قَبْلِ كُفّارِ مَكَّةَ بِأنْبِيائِهِمْ وبِالمُؤْمِنِينَ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِأنَّهُ لا عِبْرَةَ بِمَكْرِهِمْ ولا تَأْثِيرَ بَلْ لا وُجُودَ لَهُ في الحَقِيقَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَعْلِيلِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ ﴾ أيْ جِنْسُ المَكْرِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ لا وُجُودَ لِمَكْرِهِمْ أصْلًا إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ المَكْرُوهِ إلى الغَيْرِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ وحَيْثُ كانَ جَمِيعُ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وإنَّما لَهم مُجَرَّدُ الكَسْبِ مِن غَيْرِ فِعْلٍ ولا تَأْثِيرٍ حَسْبَما يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ومِن قَضِيَّتِهِ عِصْمَةُ أوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ وعِقابُ الماكِرِينَ بِهِمْ تَوْفِيَةً لِكُلِّ نَفْسٍ جَزاءَ ما كَسَبَتْ ظَهَرَ أنْ لَيْسَ لِمَكْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مَكَرُوا بِهِمْ عَيْنٌ ولا أثَرٌ وإنَّ المَكْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعالى حَيْثُ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا مِن فُنُونِ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَكْرُهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ كَذا قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وقَدْ تَكَلَّفَ قُدِّسَ سِرُّهُ في ذَلِكَ ما تَكَلَّفَ وحَمَلَ الكَسْبَ عَلى ما هو الشّائِعُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ واللَّهُ تَعالى لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ وكَذا رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والتّابِعُونَ واللُّغَوِيُّونَ وقِيلَ: وجْهُ الحَصْرِ أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِمَكْرِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو القادِرُ بِالذّاتِ عَلى إصابَةِ المَكْرُوهِ المَقْصُودِ مِنهُ وغَيْرُهُ تَعالى إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَبِتَمْكِينِهِ تَعالى وإذْنِهِ فالكُلُّ راجِعٌ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا وفي الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ..

إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ لِأنَّ مَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها فَهو لَهُ المَكْرُ لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وهم في غَفْلَةٍ مِمّا يُرادُ بِهِمْ وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَلِلَّهِ جَزاءُ المَكْرِ وجُوِّزَ في ألْ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ أيْ لَهُ تَعالى المَكْرُ الَّذِي باشَرُوهُ جَمِيعًا لا لَهم عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَكْرًا مِنهم بِالأنْبِياءِ بَلْ هو بِعَيْنِهِ مَكْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ حَيْثُ لا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ ﴿ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ ﴾ حِينَ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ ﴿ لِمَن عُقْبى الدّارِ ﴾ .

(42) .

أيِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ في الفَرِيقَيْنِ وإنْ جَهِلَ ذَلِكَ قَبْلُ وقِيلَ: السِّينُ لِتَأْكِيدِ وُقُوعِ ذَلِكَ وعِلْمِهِ بِهِ حِينَئِذٍ والمُرادُ مِنَ الكافِرِ الجِنْسُ فَيَشْمَلُ سائِرَ الكُفّارِ وهَذِهِ قِراءَةُ الحَرَمِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ( وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ ) بِصِيغَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( الكافِرُونَ ) بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ وقَرَأ أُبَيٌّ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) وقَرَأ ( الكُفْرُ ) أيْ أهْلُهُ وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْسٍ ( وسَيُعْلَمُ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أُعْلِمَ أيْ سَيُخْبَرُ واللّامُ لِلنَّفْعِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ عَلى مَعْنى سَيُعْلَمُ الكَفَرَةُ مَن يَمْلِكُ الدُّنْيا آخِرًا وفَسَّرَ عَطاءٌ الكافِرَ بِالمُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةٌ والمُقْسِمِينَ وهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالكافِرِ أبا جَهْلٍ وما تَقَدَّمَ هو الظّاهِرُ ولَعَلَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب والزلازل والمصائب في الدنيا إذ كذبوك وأنت حي أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يقول: أو نميتنّك قبل أن نرينك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بالرسالة وَعَلَيْنَا الْحِسابُ يعني: الجزاء.

ثم قال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يعني: نفتحها من نواحيها.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «هُوَ ذَهَابُ العُلَمَاءِ» .

وقال ابن عباس: «ذهاب فقهائها، وخيار أهلها» .

وعن ابن مسعود نحوه.

وقال الضحاك: أو لم ير المشركون أنا ننقصها من أطرافها يعني: يأخذ النبيّ  ما حولهم من أراضيهم وقراهم وأموالهم، أفهم الغالبون؟

يعني: أو لا يرون أنهم المغلوبون والمنتقصون؟

وعن عكرمة.

أنه قال: الأرض لا تنقص، ولكن تنقص الثمار، وينقص الناس.

وعن عطاء أنه قال: «هو موت فقهائها وخيارها» .

وقال السدي: يعني: ينقص أهلها من أطرافها، ولم تهلك قرية إلا من أطرافها.

يعني: تخرب قبل، ثم يتبعها الخراب.

وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ يقول: لا راد لحكمه، ولا مغير له، ولا مرد لما حكم لمحمد  بالنصر والغنيمة وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ إذا حاسب فحسابه سريع.

قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: صنع الذين من قبلهم كصنيع أهل مكة بمحمد  فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يعني: يجازيهم جزاء مكرهم، وينصر أنبياءه، ويبطل مكر الكافرين.

ثم قال: يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ برّة أو فاجرة وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ يعني: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بالآية: مَنْ آمَنَ مِنْ أهْل الكتاب كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» وغيره.

قال ع «٢» : والمعنى مدحهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ: المعنى أنَّ اللَّه سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيِّرها عن أحوالها مما سَبَقَ في علْمه مَحْوُهُ وتغييرُهُ، ويثبتها في الحَالةِ التي يَنْقُلُها إِليها حَسَبَ ما سَبَقَ في علْمه.

قال ع «٣» : وأصوَبُ ما يفسَّر به أُمُّ الْكِتابِ: أنه كتاب الأمورِ المجزومَةِ التي قدْ سَبَقَ القضاء فيها بمَا هو كائنٌ، وسبق ألاَّ تبدَّل ويبقَى المحْوُ والتثبيت في الأمور التي قد سَبَقَ في القضاء أنْ تبدَّل وتمحَى وتُثْبَتَ قال نحوه قتادة «٤» ، وقوله سبحانه: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ: «إِن» : شرطٌ دخلَتْ عليها «ما» ، وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، «أو» عاطفةٌ، وقوله: فَإِنَّما: جوابُ الشرط، ومعنى الآية: إِنْ نُبَقْكَ يا محمَّد، لترَى بعض الذي نَعِدُهم، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فعلى كلا الوجْهَيْن، فإِنما يلزمُكَ البلاغَ فقَطْ، والضمير في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا: عائد على كفَّار قريش كالذي في نَعِدُهُمْ.

وقوله: نَأْتِي: معناه: بالقُدْرة والأمر.

والْأَرْضَ: يريد بها اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفَّار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا نأتي أرْضَ هؤلاء بالفَتْح/ عليك، فننقصها بمَا يَدْخُلُ في دِينِكَ من القبائلِ والبلادِ المجاورَة لهم، فما يؤمنهم أنْ نمكِّنك منْهم أيضاً قاله ابن عباس، وهذا على أن الآية مدنيّة «٥» ، ومن قال: إن الأرض

اسم جنسٍ، جعل انتقاص الأرض بتخريبِ العُمْران الذي يُحِلُّه اللَّه بالكُفَّار، وقيل:

الانتقاص بمَوْت البشر، ونقص الثمرات والبَرَكَةِ، وقيل: بموتِ العلماءِ والأخيارِ قاله ابن عباس أيضاً «١» ، وكلُّ ما ذكر يدخل في لفظ الآية، وجملةُ معنَى هذه الآية: الموعظَةُ وضَرْبُ المثل، وقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رَبَاح في معنَى نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال: بذَهَابِ فقهائها، وخيار أهلها وعن وكيع «٢» نحوه.

وقال الحسن: نقصانُهَا: هو بظهور المسلمين على المُشْركين «٣» .

قال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حَسَنٌ جِدًّا، تلَقَّاه أهل العلْمِ بالقبول، وقولُ الحسن أيضاً حسن.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً: أي: العقوبات التي أحلَّها بهم، وسمَّاها مكراً على عُرْفِ تسمية العقوبة باسم الذنب، وباقي الآية تحذيرٌ ووعيدٌ.

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا: المعنى: ويكذِّبك يا محمَّد هؤلاءِ الكفرةُ ويقولون: لستَ مرسلاً.

قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: أي: شاهداً بيني وبينكم، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ: قال قتادة: يريدُ مَنْ آمَنَ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره «٤» ، كَمُلَ تفسيرُ السُّورة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، مَكَرُوا بِأنْبِيائِهِمْ يَقْصِدُونَ قَتْلَهم، كَما مَكَرَتْ قُرَيْشٌ بِرَسُولِ اللَّهِ  لِيَقْتُلُوهُ.

﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ يَعْنِي: أنَّ مَكْرَ الماكِرِينَ مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَضُرُّ إلّا بِإرادَتِهِ؛ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  وتَسْكِينٌ لَهُ.

﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ولا يَقَعُ ضَرَرٌ إلّا بِإذْنِهِ.

" وسَيَعْلَمُ الكافِرُ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: أبا جَهْلٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الكافِرُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " الكُفّارُ " عَلى الجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن عُقْبى الدّارِ ﴾ أيْ: لِمَنِ الجَنَّةُ آخِرَ الأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ "إنْ" شَرْطٌ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"، وهي قَبْلَ الفِعْلِ، فَصارَتْ بَعْدُ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في القِسْمِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: "واللهِ لَتَخْرُجَنَّ"، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في قَوْلِكَ "نُرِيَنَّكَ" لِحُلُولِها هُنا مَحَلَّ اللامِ هُناكَ، ولَوْ لَمْ تَدْخُلْ "ما" لَما جازَ ذَلِكَ إلّا في الشِعْرِ.

وخُصَّ "البَعْضُ" بِالذِكْرِ إذْ مَفْهُومٌ أنَّ الأعْمارَ تَقْصُرُ عن إدْراكِ جَمِيعِ ما تَأْتِي بِهِ الأقْدارُ مِمّا يُوعَدُ بِهِ الكُفّارُ، وكَذَلِكَ أعْطى الوُجُودَ، ألّا تَرى أنَّ أكْثَرَ الفُتُوحِ إنَّما كانَ بَعْدَ النَبِيِّ  ، و"أوَ" عاطِفَةٌ.

وقَوْلُهُ: "فَإنَّما" جَوابُ الشَرْطِ، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ تَبْقَ يا مُحَمَّدُ لِتَرى، أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ إنَّما يَلْزَمُكَ البَلاغُ فَقَطْ.

وقَوْلُهُ: "نَعِدُهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَضارَّ الَّتِي تَوَعَّدَ بِها الكُفّارَ، فَأطْلَقَ فِيها لِفْظَةَ الوَعْدِ لَمّا كانَتْ تِلْكَ المَضارُّ مَعْلُومَةً مُصَرَّحًا بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الوَعْدَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في إهْلاكِ الكُفْرِ، ثُمَّ أضافَ الوَعْدَ إلَيْهِمْ لَمّا كانَ في شَأْنِهِمْ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يَرَوْا" عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وهُمُ المُتَقَدِّمُ ضَمِيرُهم في قَوْلِهِ: "نَعِدُهُمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿ نَأْتِي الأرْضَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقُدْرَةِ والأمْرِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ  ﴾ .

و"الأرْضُ" يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ، وقِيلَ: يُرِيدُ أرْضَ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، وهَذا بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَنْقُصُها" وقَرَأ الضَحّاكُ: "نُنَقِّصُها" وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أطْرافِها ﴾ ، مَن قالَ: " إنَّها أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ" قالَ: مَعْناهُ: ألَمْ يَرَوْا أنا نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ فَنَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهُمْ، فَما يُؤَمِّنُهم أنْ نُمَكِّنَكَ مِنهم أيْضًا كَما فَعَلْنا بِمُجاوَرِيهِمْ؟

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وهَذا القَوْلُ لا يَتَأتّى إلّا بِأنْ نُقَدِّرَ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ.

ومَن قالَ: "إنَّ "الأرْضَ" اسْمُ جِنْسٍ" جَعَلَ الِانْتِقاصَ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللهُ بِالكَفَرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ الأخْيارِ والعُلَماءِ، قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ يَدْخُلُ في لَفْظِ الآيَةِ.

والطَرَفُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "العُلُومُ أودِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها حُسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا"، يَعْنِي خِيارًا.

وجُمْلَةُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ المَوْعِظَةُ وضَرْبُ المَثَلِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا فَيَقَعَ مِنهُمُ اتِّعاظَ، وألْيَقُ ما يَقْصِدُ لَفْظُ الآيَةِ هو تَنْقُصُ الأرْضُ بِالفُتُوحِ عَلى مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ لا مُعَقِّبَ ﴾ أيْ: لا رادَّ ولا مُناقِضَ يَتَعَقَّبُ أحْكامَهُ، أيْ: يَنْظُرُ في أعْقابِها، أمُصِيبَةٌ هي أمْ لا؟

وسُرْعَةُ حِسابِ اللهِ واجِبَةٌ لِأنَّها بِالإحاطَةِ لَيْسَتْ بِعَدَدٍ.

وَ"المَكْرُ": ما يَتَمَرَّسُ بِالإنْسانِ ويَسْعى عَلَيْهِ، عَلِمَ بِذَلِكَ أو لَمْ يَعْلَمْ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى الأُمَمَ الَّتِي سَعَتْ عَلى أنْبِيائِها، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُحَمَّدٍ  بِالمَكْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ ، أيِ العُقُوباتِ الَّتِي أحَلَّها بِهِمْ، وسَمّاها مَكْرًا عَلى عُرْفِ تَسْمِيَةِ المُعاقَبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ونَحْوِ هَذا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ في طَيِّ إخْبارٍ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "الكافِرُ" عَلى الإفْرادِ، وهو اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "الكُفّارُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الكافِرُونَ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "الَّذِينَ كَفَرُوا"، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ قُبَلَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ويُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدٍ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ويَقُولُونَ: لَسْتَ مُرْسَلًا مِنَ اللهِ، وإنَّما أنْتَ مُدَّعٍ، قُلْ لَهُمْ: ﴿ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ، و"بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: كَفى اللهُ، و"شَهِيدٌ" بِمَعْنى: شاهِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ ، قِيلَ: يُرِيدُ اليَهُودَ والنَصارى الَّذِينَ عِنْدَهُمُ الكُتُبَ الناطِقَةَ السابِقَةَ بِرَفْضِ الأصْنامِ وتَوْحِيدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، يُرِيدُ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وتَمِيمٍ الدارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ خاصَّةً، قالَ هُوَ: فِيَّ نَزَلَتْ ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ الأخِيرانِ لا يَسْتَقِيمانِ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ: لا يَصِحَّ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ لِكَوْنِها مَكِّيَّةً، وكانَ يَقْرَأُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

وَقِيلَ: يُرِيدُ اللهَ تَعالى، كَأنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِاللهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ صِفَةَ تَعْظِيمٍ، ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلَ بِأنَّ فِيهِ عَطْفَ الصِفَةِ عَلى المَوْصُوفِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ وإنَّما تُعْطَفُ الصِفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَقْدِيرُ: أعْدَلَ وأمْضى قَوْلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ "شَهِيدًا"، ويُرادُ بِذَلِكَ اللهُ تَعالى.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والحَكَمُ، وغَيْرُهُمْ: "وَمِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن (مِن) وخَفْضِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، والحُسْنُ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَمِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ" بِكَسْرِ المِيمِ والدالِ، وبِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللامِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعِ "الكِتابُ"، وهَذِهِ القِراءاتُ يُرادُ فِيها اللهُ تَعالى، لا يَحْتَمِلُ لَفْظُها غَيْرَ ذَلِكَ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان قوله: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ [سورة الرعد: 41] تهديداً وإنذاراً مثل قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ [محمد: 18] وهو إنذار بوعيد على تظاهرهم بطلب الآيات وهم يضمرون التصميم على التكذيب والاستمرار عليه.

شبه عملهم بالمكر وشبه بعمل المكذبين السابقين كقوله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ﴾ [سورة الأنبياء: 6].

وفي هذا التشبيه رمز إلى أن عاقبتهم كعاقبة الأمم التي عَرفوها.

فنقص أرض هؤلاء من أطرافها من مكر الله بهم جزاء مكرهم، فلذلك أعقب بقوله: وقد مكر الذين من قبلهم } أي كما مكر هؤلاء.

فجملة ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ حال أو معترضة.

وجملة ﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ تفريع على جملة ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ [الرعد: 41] وجملة ﴿ والله يحكم لا معقب لحكمه ﴾ [الرعد: 41].

والمعنى: مكَرَ هؤلاء ومكرَ الذين من قبلهم وحل العذاب بالذين من قبلهم فمكر الله بهم وهو يمكر بهؤلاء مكراً عظيماً كما مكر بمن قبلهم.

وتقديم المجرور في قوله: فللَّه المكر جميعاً } للاختصاص، أي له لا لغيره، لأن مكره لا يدفعه دافع فمكر غيره كلاَ مكر بقرينة أنه أثبت لهم مكراً بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ .

وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿ والله خير الماكرين ﴾ .

وأكد مدلول الاختصاص بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ وهو حال من المكر.

وتقدم في قوله تعالى: وإنما جعل جميع المكر لله بتنزيل مكر غيره منزلة العدم، فالقصر في قوله: فللَّه المكر } ادعائي، والعموم في قوله: ﴿ جميعاً ﴾ تنزيليّ.

وجملة ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ بمنزلة العلة لجملة ﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ ، لأنه لما كان يعلم ما تكسب كل نفس من ظاهر الكسب وباطنه كان مكره أشد من مكر كل نفس لأنه لا يفوته شيء مما تضمره النفوس من المكر فيبقى بعض مكرهم دون مقابلة بأشد منه فإن القوي الشديد الذي لا يعلم الغيوب قد يكون عقابه أشد ولكنه قد يفوقه الضعيف بحيلته.

وجملة ﴿ وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ﴾ عطف على جملة ﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

والمراد بالكافر الجنس، أي الكفار، و ﴿ عقبى الدار ﴾ تقدم آنفاً، أي سيعلم عقبى الدار للمؤمنين لا للكافرين، فالكلام تعريض بالوعيد.

وقرأ الجمهور: ﴿ وسيعلم الكافر ﴾ بإفراد الكافر.

وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة والكسائي، وخلف ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ بصيغة الجمع.

والمفرد والجمع سواء في المعرف بلام الجنس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ.

﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ أيْ يَشْهَدُ بِصِدْقِي وكَذِبِكم.

﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وسَلْمانُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: هو اللَّهُ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.

وَكانُوا يَقْرَءُونَ ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ، ويُنْكِرُونَ عَلى مَن قالَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وسَلْمانُ لِأنَّهم يَرَوْنَ السُّورَةَ مَكِّيَّةً، وهَؤُلاءِ أسْلَمُوا بِالمَدِينَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: ذهاب العلماء» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن مجاهد- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: موت العلماء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: كان عكرمة يقول: هو قبض الناس.

وكان الحسن يقول: هو ظهور المسلمين على المشركين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ يعني بذلك ما فتح الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك نقصانها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: يعني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، كان ينتقص له ما حوله من الأرضين، فينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون، وقال الله في سورة الأنبياء عليهم السلام ﴿ ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ﴾ [ الأنبياء: 44] قال: بل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الغالبون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن عطية رضي الله عنه في الآية قال: نقصها الله من المشركين للمسلمين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: نفتحها لك من أطرافها.

وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك- رضي الله عنه ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم أرضاً بعد أرض؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ يقول: نقصان أهلها وبركتها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: إنما تنقص الأنفس والثمرات، وأما الأرض فلا تنقص.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال: لو كانت الأرض تنقص، لضاق عليك حشك، ولكن، تنقص الأنفس والثمرات.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: هو الموت.

لو كانت الأرض تنقص، لم تجد مكاناً تجلس فيه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية منها؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: خرابها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: القرية تخرب ناحية منها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ والله يحكم لا معقب لحكمه ﴾ ليس أحد يتعقب حكمه فيرده، كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض فيرده.

أما قوله تعالى: ﴿ فلله المكر جميعاً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: «رب أعني ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسر الهدى إليّ، وانصرني على من بغى عليّ» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم ﴾ قال المفسرون (١) وقوله تعالى: ﴿ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ﴾ يعني (٢)  ، وأمان له من مكرهم، كأنه قيل: قد فعل من قبلهم من الكفار مثل صنيعهم ولا ضرر عليك من مكرهم؛ لأن جميع ذلك لله مخلوق، فلا يضر إلا من أراد الله ضرّه، وذهب بعض الناس (٣) (٤) ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ يريد أن جميع الاكتساب معلوم له ومخلوق، وإذا كان بخلقه يظهر وبعلمه يحصل، لم يقع ضرره إلا بإذنه، وفيه وعيد للكفار الماكرين.

وقوله تعالى: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ ﴾ (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  ﴾ .

وقد جاء فاعل يراد به اسم الجنس، أنشد أبو زيد (١٠) إن تَبْخَلِي يا جُمْلُ أو تَعْتَلّي ...

أو تُصْبِحِي في الظَّاعِنِ المُولِّي قال: فهذا إنما يكون على الكثرة، وليس المعنى على كافر واحد، وزعموا أنه الألف (١١) ومن (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ الجار (١٦) (١٧) (١٨) (١) الطبري 13/ 175، الثعلبي 7/ 144 ب، "زاد المسير" 4/ 340، القرطبي 9/ 335، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 316.

(٢) انظر: الثعلبي 7/ 144 ب، "زاد المسير" 4/ 341، القرطبي 9/ 335.

(٣) الثعلبي 7/ 144 ب، القرطبي 9/ 335.

(٤) في (ب): (بمجازاة).

(٥) هكذا "الكافر" في جميع النسخ، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ الْكُفَّارُ ﴾ على الجمع.

انظر: "السبعة" ص 359، و"الحجة" 5/ 21، و"الإتحاف" ص 270، والطبري 13/ 175، و"زاد المسير" 4/ 341، والقرطبي 9/ 335.

(٦) في (ج) إقحام (إسحاق)، فيكون (قال ابن إسحاق عباس).

(٧) "زاد المسير" 4/ 341، والقرطبي 9/ 335، و"البحر المحيط" 5/ 401.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 151.

(٩) "الحجة" 5/ 22 مختصرًا.

(١٠) أنشده سيبويه 2/ 82، ونسبه إلى رجل من بني أسد، وورد في "النوادر" ص 53 ضمن أبيات من مشطور السريع منسوبًا إلى منظور بن مرثد الأسدي، و"اللسان" (عهل) 5/ 3152، و"الحجة" 1/ 151.

(١١) في "الحجة": (أنه لا ألف فيه).

(١٢) في (أ): (وأملينها).

(١٣) نسب الطبري هذه القراءة إلى أبي 13/ 175، ونسبها مكي في "الكشف" 2/ 23 إلى أبي، وفي "البحر المحيط" 5/ 401 كذلك.

(١٤) نسب الطبري هذه القراءة إلى ابن مسعود 13/ 175 وكذا أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 401.

(١٥) "البحر المحيط" 5/ 401.

(١٦) نقل عن "الحجة" 5/ 21، 22.

(١٧) (والكلام) ساقط من (أ)، (ج).

(١٨) آية: 22، 24.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ ﴾ إن شرط دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها: فإنما ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ الاتيان هنا بالقدرة والأمر، والأرض أرض الكفار ونقصها هو بما يفتح الله على المسلمين منها، والمعنى أو لم يروا ذلك فيخافوا أن نمكنك منهم، وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات وخراب البلاد وشبه ذلك ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ المعقب الذي يكر على لاشيء فيبطله ﴿ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ تهديد، والمراد بالكافر الجنس بدليل قراءة الكفار بالجمع، وعقبى الدار الدنيا والآخرة ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوته وشهادة الله له هي: علمه بذلك وإظهاره الآيات الدالة على ذلك ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ معطوف على اسم الله على وجه الاستشهاد به، وقيل: المراد عبد الله بن سلام ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلمون صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد المؤمنون الذين يعلمون علم القرآن ودلالته على النبوّة، وقيل: المراد الله تعالى، فهو الذي عنده علم الكتاب، ويضعف هذا، لأنه عطف صفة على موصوف، ويقويه قراءة: ومن عنده بمن الجارة وخفض عنده.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أنه إنما هو حرف تعجب وتنبيه؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر؛ أي: قد رأوا أنا فعلنا ما ذكر.

والثاني: على الأمر؛ أي: [رَوْا أنَّا] فعلنا ما ذكر؛ وهو ما ذكر من قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قد ساروا في الأرض؛ أو سيروا.

﴿ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ .

قال بعضهم: هو ما جعل من أرض الكفرة للمسلمين؛ بالفتح لهم؛ والنصر على أولئك؛ والإخراج من سلطان أولئك الكفرة وأيديهم، وإدخالها في أيدي المسلمين؛ فذلك النقصان.

[وهو] والله أعلم لما وعد لرسوله أن يريه بعض ما وعد لهم؛ فقال الكفرة عند ذلك: أين ما وعد أن يريك؟

فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا ﴾ أي: ألم يروا أنه جعل بعض ما كان لهم من الأرضين للمسلمين؛ فإذا قدر على جعل البعض - الذي كان لهم لهؤلاء؛ لقادر أن يجعل الكل لهم؛ فهلا يعتبرون.

هذا والله أعلم ما أراد بما ذكر من النقصان.

وقال قائلون: نقصان الأرض: موت فقهائها وعلمائها وفنائها.

ووجه هذا: وهو أن الفقهاء والعلماء - هم عمّار الأرض وأهلها؛ وبهم صلاح الأرض؛ فوصف الأرض بالنقصان بذهاب أهلها، وهو كما وصف الأرض بالفساد؛ وهو قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ  ﴾ وقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ فالأرض لا تفسد بنفسها؛ ولكن وصفت بالفساد؛ لفساد أهلها، فعلى ذلك لا تنقص هي بنفسها؛ ولكن وصفت بالنقصان؛ لذهاب أهلها، وعمارها وفقهائها وعلمائها.

ثم يحتمل ذهاب العلماء المتقدمين، الذين تقدموا رسول الله في الأمم السالفة؛ وهم علماء أهل الكتاب؛ فيقول ألا يعتبرون بأولئك الذين قبضوا وتفانوا من علمائهم؟

فلا بدّ من رسول يعلمهم الآداب والعلوم؛ ويجدد لهم ما دَرَس من الرسوم [وذهب] من الآثار؛ فكيف أنكروا رسالته؟

وفي بعث الرسول حدوث العلماء؛ وذلك وقت حدوث العلماء وزمانه؛ فإن كان أراد العلماء المتأخرين وفقهاءهم - فيخرج ذلك مخرج التعزية له؛ أي: تصير الأرض بحال توصف بالنقصان، بذهاب العلماء والفقهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ .

قيل: لا رادّ لحكمه، وحكمه: يحتمل: العذاب الذي حكم على الكفرة؛ يقول: لا رادَّ للعذاب الذي حكم عليهم؛ [وهو كقوله: ﴿ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ أي: احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم].

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ أي: لا يتعقب أحد حكمه؛ ولا يعقب أحد سلطانه؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض، وكما ذكر في الحفظة: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ  ﴾ يتعقب بعض عن بعض في الحفظ؛ وفيما سلطوا.

والله أعلم.

﴿ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ هذا قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

أى: مكر الذين من قبلهم برسلهم؛ كمكر هؤلاء بك يصبر رسوله على أذاهم به.

ثم يحتمل المكر به وجهين: أحدهما: مكروا بنفسه؛ همّوا قتله وإهلاكه.

والثاني: مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره؛ هموا هم إطفاء ذلك وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ .

هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: فلله جزاء المكر جميعاً؛ يجزى كلا بمكره.

والثاني: أي: لله حقيقة المكر يأخذهم جميعاً بالحق من حيث لا يشعرون، وأما هم فإنما يأخذون ما يأخذون لا بالحق ولكن بالباطل، ولا يقدرون على الأخذ من حيث لا يشعرون إلا قليلا من ذلك، فحقيقة المكر الذي هو مكر بالحق في الحقيقة لله لا لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ أي: لله تدبير الأمر جميعاً، إن شاء أمضاه؛ وإن شاء منعه، إليه ذلك لا إليهم.

أو لله حقيقة المكر يغلب مكره مكر أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ من خير أو شرّ.

﴿ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ .

يشبه أن يكون عقبى الدار معروفاً عندهم؛ وهي الجنة؛ فيكون صلة قولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ فيقول - والله أعلم - سيعلمون هم لمن عقبى الدار؛ أهي لهم أم هي للمؤمنين؟

أو أن يكون جواب قوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ أنهم لما رأوهم مفضلين في أمر الدنيا ووسع عليهم الدنيا - ظنوا أن لهم في الآخرة كذلك؛ فقال ذلك جواباً لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: قالوا.

﴿ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾ أي: لن يبعثك الله رسولا، وهم كانوا يقولون كذلك له فأمره أن يقول لهم.

﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ إني نبي رسول الله إليكم بالآيات التي آتي بها، أو كان قال لهم ذلك؛ لما بالغ في الحجاج والبراهين في إثبات الرسالة والنبوة؛ فلم يقبلوا ذلك فأيس من تصديقهم؛ فعند ذلك قال: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب؛ يعني التوراة: فيشهد أيضاً أني رسول نبي؛ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب أني على حق؛ وأني رسول الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً...

﴾ الآية [الشعراء: 197] وقوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ  ﴾ ومن قرأ بالخفض: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ فتأويله - والله أعلم -: أي: من عند الله جاء علم هذا الكتاب؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وكذلك روي في بعض الأخبار؛ عن النبي  : أنه كان يقرأ: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ بالخفض، وأما القراء جميعاً فإنهم يختارون النصب ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

قال أبو عبيد: وقرأ بعضهم: ومن عنده علم الكتاب بخفض الميم والدال ورفع العين؛ وقال: لكن لا أدري عمن هو.

وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نَزَلَ: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هذا يؤيد أن يثبت قول أهل التأويل؛ حيث قالوا: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : عبد الله بن سلام وأصحابه.

والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقد مكرت الأمم السابقة بأنبيائها، وكادت لهم، وكذبوا بما جاؤوا به، فماذا فعلوا بتدبيرهم لهم؟

لا شيء؛ لأن التدبير الفاعل هو تدبير الله لا غيره، كما أنه سبحانه هو الذي يعلم ما تكسبه نفوسهم ويجازيهم عليه، وعندئذ سيعلمون كم كانوا مخطئين في عدم الإيمان بالله، وكم كان المؤمنون مصيبين، فحازوا بذلك الجنة والعاقبة الحسنة.

من فوائد الآيات الترغيب في الجنة ببيان صفتها، من جريان الأنهار وديمومة الرزق والظل.

خطورة اتباع الهوى بعد ورود العلم وأنه من أسباب عذاب الله.

بيان أن الرسل بشر، لهم أزواج وذريات، وأن نبينا  ليس بدعًا بينهم، فقد كان مماثلًا لهم في ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZL0zZ"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.7 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله وبحمده