الآية ٤١ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٤١ من سورة الرعد

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) قال ابن عباس : أو لم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض ؟

وقال في رواية : أو لم يروا إلى القرية تخرب ، حتى يكون العمران في ناحية ؟

وقال مجاهد وعكرمة : ( ننقصها من أطرافها ) قال : خرابها .

وقال الحسن والضحاك : هو ظهور المسلمين على المشركين .

وقال العوفي عن ابن عباس : نقصان أهلها وبركتها .

وقال مجاهد : نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض .

وقال الشعبي : لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك ، ولكن تنقص الأنفس والثمرات .

وكذا قال عكرمة : لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانا تقعد فيه ، ولكن هو الموت .

وقال ابن عباس في رواية : خرابها بموت فقهائها وعلمائها وأهل الخير منها .

وكذا قال مجاهد أيضا : هو موت العلماء .

وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان ، حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق ، أنشدنا أبو بكر الآجرى بمكة قال : أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه : الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى يمت عالم منها يمت طرف كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف والقول الأول أولى ، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية ، [ وكفرا بعد كفر ، كما قال تعالى : ( ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ) [ الأحقاف : 27 ] الآية ، وهذا اختيار ابن جرير ، رحمه الله ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: أولم ير هؤلاء المشركون مِنْ أهل مكة الذين يسألون محمدًا الآيات, أنا نأتي الأرض فنفتَحُها له أرضًا بعد أرض حَوَالَيْ أرضهم؟

أفلا يخافون أن نفتح لَهُ أرضَهم كما فتحنا له غيرها؟

*ذكر من قال ذلك: 20514- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم, عن حصين, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: (أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض؟

(54) 20515- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، يعني بذلك: ما فتح الله على محمد.

يقول: فذلك نُقْصَانها .

20516- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سلمة بن نبيط, عن الضحاك قال: ما تغلَّبتَ عليه من أرضِ العدوّ .

20517- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: كان الحسن يقول في قوله: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، هو ظهور المسلمين على المشركين .

(55) 20518- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، يعنى أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يُنْتَقَصُ له ما حوله من الأرَضِين, ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون قال الله في" سورة الأنبياء ": نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [سورة الأنبياء:44]، بل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الغالبون .

* * * وقال آخرون: بل معناه: أولم يروا أنا نأتي الأرض فنخرِّبها, أو لا يَخَافون أن نفعل بهم وبأرضهم مثل ذلك فنهلكهم ونخرِّب أرضهم؟

*ذكر من قال ذلك: 20519- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم, عن حصين بن عبد الرحمن, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: (أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: أولم يروا إلى القرية تخربُ حتى يكون العُمْران في ناحية؟

(56) 20520- ...

قال: حدثنا حجاج بن محمد, عن ابن جريج, عن الأعرج, أنه سمع مجاهدًا يقول: (نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: خرابُها .

20521- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن الأعرج, عن مجاهد مثله قال: وقال ابن جريج: خرابُها وهلاك الناس .

20522- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن أبي جعفر الفرَّاء, عن عكرمة قوله: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: نخرِّب من أطرافها .

(57) * * * وقال آخرون: بل معناه: ننقص من بَرَكتها وثَمرتها وأهلِها بالموت .

*ذكر من قال ذلك: 20523- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ننقصها من أطرافها) يقول: نقصان أهلِها وبركتها .

20524- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد, في قوله: (ننقصها من أطرافها) ، قال: في الأنفس وفي الثمرات, وفي خراب الأرض .

20525- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن طلحة القناد, عمن سمع الشعبي قال: لو كانت الأرض تُنْقَص لضَاق عليك حُشَّك, (58) ولكن تُنْقَص الأنفُس والثَّمرات .

* * * وقال آخرون: معناه: أنا نأتي الأرض ننقصها من أهلها, فنتطرَّفهم بأخذهم بالموت .

(59) *ذكر من قال ذلك: 20526- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ننقصها من أطرافها) ، قال: موت أهلها .

20527- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا يحيى, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: الموت .

(60) 20528- حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هارون النحوي قال: حدثنا الزبير بن الخِرِّيت عن عكرمة, في قوله: (ننقصها من أطرافها) ، قال: هو الموت .

ثم قال: لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانًا نجلسُ فيه .

(61) 20529- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: كان عكرمة يقول: هو قَبْضُ الناس .

20530- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: سئل عكرمة عن نقص الأرض قال: قبضُ الناس .

20531- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا جرير بن حازم, عن يعلى بن حكيم, عن عكرمة في قوله: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: لو كان كما يقولون لما وجَد أحدكم جُبًّا يخرَأ فيه .

20532- حدثنا الفضل بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن علية, عن أبي رجاء قال: سئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: الموت .

* * * وقال آخرون: (ننقُصها من أطرافها) بذهاب فُقَهائها وخِيارها .

*ذكر من قال ذلك: 20533- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء, عن ابن عباس قال: ذهابُ علمائها وفقهائِها وخيار أهلِها .

(62) 20534- قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عبد الوهاب, عن مجاهد قال: موتُ العلماء .

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ من قال: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)، بظهور المسلمين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عليها وقَهْرِهم أهلها, أفلا يعتبرون بذلك فيخافون ظُهورَهم على أرْضِهم وقَهْرَهم إياهم؟

وذلك أن الله توعَّد الذين سألوا رسولَه الآيات من مشركي قومه بقوله: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ، ثم وبَّخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضُرَبائهم من الكفار, وهم مع ذلك يسألون الآيات, فقال: (أولم يرَوْا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) بقهر أهلها, والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها, (63) وهم لا يعتبرون بما يَرَوْن من ذلك .

* * * وأما قوله: (والله يحكُم لا مُعَقّب لحكمه) ، يقول: والله هو الذي يحكم فيَنْفُذُ حكمُه, ويَقْضي فيَمْضِي قضاؤه, وإذا جاء هؤلاء المشركين بالله من أهل مكة حُكْم الله وقضاؤُه لم يستطيعوا رَدَّهَ .

ويعني بقوله: (لا معقّب لحكمه) : لا راد لحكمه, * * * " والمعقب " ، في كلام العرب، هو الذي يكرُّ على الشيء.

(64) * * * وقوله: (وهو سريع الحساب) ، يقول: والله سريع الحساب يُحْصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء، وهو من وراءِ جزائهم عليها .

(65) ---------------------------------- الهوامش : (54) الأثر : 20514 -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني" ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا ، آخرها قريبًا رقم : 20411 .

و "محمد بن الصباح الدولابي" ، أبو جعفر البزاز البغدادي ، ثقة روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 118 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 289 ، وتاريخ بغداد 5 : 365 .

(55) في المطبوعة :" فهو ظهور" .

(56) الأثر : 20519 -" علي بن عاصم بن صهيب الواسطي" ، متكلم فيه لغلطه ثم لجاجه ، مضى برقم : 5427 .

و" حصين بن عبد الرحمن السلمي" ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 17237 .

(57) الأثر : 20522 -" أبو جعفر الفراء"، كوفي ، مختلف في اسمه قيل" كسيان" ، وقيل" سلمان" ، وقيل" زيادة" ، ذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 234 ، وابن أبي حاتم 3 /2 / 166 ، وابن سعد في طبقاته 6 : 230 ، والكنى والأسماء للدولابي 1 : 134 ، 135 ، وفي التاريخ الكبير ، وفي إحدى نسخ ابن أبي حاتم" القراد" بالقاف والدال ، وهذا مشكل ، والأرجح" الفراء" .

وانظر العلل لأحمد 1 : 104 ، 360 ، خبر له هناك .

، وفيه" الفراء" أيضًا .

(58) " الحش" البستان ، والمتوضأ ، حيث يقضي المرء حاجته .

وانظر ما سلف 15 : 518 ، تعليق : 2 .

ثم انظر الخبر رقم : 20531 .

(59) يعني بقولهم:"نتطرفهم" ، أي نأخذ من أطرافهم ونواحيهم، وهو عربي جيد.

(60) الأثر : 20527 -" يحيى ، هو" يحيى بن سعيد القطان" ، مضى مرارًا .

و" سفيان" ، هو الثوري ، مضى مرارًا .

(61) الأثر : 20528 -" هارون النحوي" ، هو" هارون بن موسى النحوي" ، سلف مرارا.

و "الزبير بن الخريت" ، سلف قريبًا رقم : 20410 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا وهناك :" الزبير بن الحارث" ، وهو خطأ .

(62) الأثر : 20532 - رواه الحاكم في المستدرك 2 : 350 ، من طريق الثوري عن طلحة بن عمرو ، وقال :" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، وتعقبه الذهبي ، فقال :" طلحة بن عمرو" ، قال أحمد :" متروك" .

(63) انظر تفسير" الطرف" فيما سلف 7 : 192 .

(64) انظر تفسير مادة ( عقب ) فيما سلف من فهارس اللغة .

ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 334 .

(65) انظر تفسير" سريع الحساب" فيما سلف من فهارس اللغة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولم يروا يعني ، أهل مكة ، أنا نأتي الأرض أي نقصدها .

ننقصها من أطرافها اختلف فيه ; فقال ابن عباس ومجاهد : ننقصها من أطرافها موت علمائها وصلحائها قال القشيري : وعلى هذا فالأطراف الأشراف ; وقد قال ابن الأعرابي : الطرف والطرف الرجل الكريم ; ولكن هذا القول بعيد ، لأن مقصود الآية : أنا أريناهم النقصان في أمورهم ، ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز ; إلا أن يحمل قول ابن عباس على موت أحبار اليهود والنصارى .

وقال مجاهد أيضا وقتادة والحسن : هو ما يغلب عليه المسلمون مما في أيدي المشركين ; وروي ذلك عن ابن عباس ، وعنه أيضا هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها ; وعن مجاهد : نقصانها خرابها وموت أهلها .

وذكر وكيع بن الجراح [ ص: 292 ] عن طلحة بن عمير عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها قال : ذهاب فقهائها وخيار أهلها .

قال أبو عمر بن عبد البر : قول عطاء في تأويل الآية حسن جدا ; تلقاه أهل العلم بالقبول .

قلت : وحكاه المهدوي عن مجاهد وابن عمر ، وهذا نص القول الأول نفسه ، روى سفيان عن منصور عن مجاهد ، ننقصها من أطرافها قال : موت الفقهاء والعلماء ; ومعروف في اللغة أن الطرف الكريم من كل شيء ; وهذا خلاف ما ارتضاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم من قول ابن عباس .

وقال عكرمة والشعبي : هو النقصان وقبض الأنفس .

قال أحدهما : ولو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك .

وقال الآخر : لضاق عليك حش تتبرز فيه .

قيل : المراد به هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وهلاك أرضهم بعدهم ; والمعنى : أولم تر قريش هلاك من قبلهم ، وخراب أرضهم بعدهم ؟

!

أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ذلك ; وروي ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج .

وعن ابن عباس أيضا أنه نقص بركات الأرض وثمارها وأهلها .

وقيل : نقصها بجور ولاتها .

قلت : وهذا صحيح معنى ; فإن الجور والظلم يخرب البلاد ، بقتل أهلها وانجلائهم عنها ، وترفع من الأرض البركة ، والله أعلم .قوله تعالى : والله يحكم لا معقب لحكمه أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا تغيير .وهو سريع الحساب أي الانتقام من الكافرين ، سريع الثواب للمؤمن .

وقيل : لا يحتاج في حسابه إلى روية قلب ، ولا عقد بنان ; حسب ما تقدم في " البقرة " بيانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال متوعدا للمكذبين { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قيل بإهلاك المكذبين واستئصال الظالمين، وقيل: بفتح بلدان المشركين، ونقصهم في أموالهم وأبدانهم، وقيل غير ذلك من الأقوال.

والظاهر -والله أعلم- أن المراد بذلك أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل الله يفتحها ويجتاحها، ويحل القوارع بأطرافها، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص، ويوقع الله بهم من القوارع ما لا يرده أحد، ولهذا قال: { وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } ويدخل في هذا حكمه الشرعي والقدري والجزائي.

فهذه الأحكام التي يحكم الله فيها، توجد في غاية الحكمة والإتقان، لا خلل فيها ولا نقص، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى القدح فيها، بخلاف حكم غيره فإنه قد يوافق الصواب وقد لا يوافقه، { وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } أي: فلا يستعجلوا بالعذاب فإن كل ما هو آت، فهو قريب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( أولم يروا ) يعني : أهل مكة ، الذين يسألون محمدا صلى الله عليه وسلم الآيات ( أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك ، فإن ما زاد في ديار الإسلام فقد نقص من ديار الشرك ، يقول : ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) فنفتحها لمحمد أرضا بعد أرض حوالي أرضهم ، أفلا يعتبرون ؟

هذا قول ابن عباس ، وقتادة ، وجماعة .

وقال قوم : هو خراب الأرض ، معناه : أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها ، ونهلك أهلها ، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك ؟

وقال مجاهد : هو خراب الأرض وقبض أهلها .

وعن عكرمة قال : قبض الناس .

وعن الشعبي مثله .

وقال عطاء ، وجماعة : نقصانها موت العلماء ، وذهاب الفقهاء .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " .

وقال الحسن : قال عبد الله بن مسعود : موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه : عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله .

وقال علي رضي الله عنه : إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم تعد .

وقال سليمان : لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر ، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس .

وقيل لسعيد بن جبير : ما علامة هلاك الناس ؟

قال : هلاك علمائهم .

( والله يحكم لا معقب لحكمه ) لا راد لقضائه ، ولا ناقض لحكمه ( وهو سريع الحساب ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أو لم يروْا» أي أهل مكة «أنا نأتي الأرض» نقصد أرضهم «ننقصها من أطرافها» بالفتح على النبي صلى الله عليه وسلم «والله يحكم» في خلقه بما يشاء «لا مُعَقّب» لا راد «لحكمه وهو سريع الحساب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولم يبصر هؤلاء الكفار أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، وذلك بفتح المسلمين بلاد المشركين وإلحاقها ببلاد المسلمين؟

والله سبحانه يحكم لا معقِّب لحكمه وقضائه، وهو سريع الحساب، فلا يستعجلوا بالعذاب؛ فإن كل آت قريب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

كما سلط عليهم المؤمنين فهزموهم فى غزوة بدر وفى غزوة الفتح وفى غيرهما .

ثم وبخ - سبحانه - المشركين لعدم تفكرهم وتدبرهم واتعاظهم بآثار من قبلهم ، فقال - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا .

.

.

)والهمزة للاستفهام الإِنكارى ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام .والخطاب لمشركى مكة ومن كان على شاكلتهم فى الكفر والضلال .والمراد بالأرض هنا : أرض الكفرة والظالمين .والأطراف جمع طرف وهو جانب الشئ .والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرين عن التفكير والاعتبار ، ولم يروا كيف أن قدرة الله القاهرة ، قد أتت على الأمم القوية الغنية - حين كفرت بنعمه - سبحانه - ، فصيرت قوتها ضعفا وغناها فقرا ، وعزها ذلا ، وأمنها خوفا .

.

وحصرتها فى رقعة ضيقة من الأرض ، بعد أن كانت تملك الأراضى الفسيحة ، والأماكن المترامية الأطراف .فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين ، وإنذار للكافرين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الغالبون ) قال الآلوسى ما ملخصه : " وروى عن ابن عباس أن المراد بانتقاص الأرض : موت أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها .

وعليه يكون المراد بالأرض جنسها وبالأطراف الأشراف والعلماء ، وشاهده قول الفرزدق :واسأل بنا وبكم ، إذا وردت منى ...

أطراف كل قبيلة ، من يتبع؟يريد أشراف كل قبيلة .وتقرير الآية عليه : أو لم يروا أنا نحدث فى الدنيا من الاختلافات خرابا بعد عمارة ، وموتا بعد حياة ، وذلا بعد عز .

.

فما الذى يؤمنهم أن يقلب الله - تعالى - الأمر عليهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا أعزة .

.ثم قال : وهو كما ترى :والأول - وهو أن يكون المراد بالأرض : أرض الكفر ، وبالأطراف الجوانب - أوفق بالمقام ، ولا يخفى ما فى التعبير بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة ، وجملة " ننقصها " فى موضع الحال من فاعل نأتى .

.

" .وقوله - سبحانه - : ( والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) بيان لعلو شأن حكمه - تعالى - ونفاذ أمره .والمعقب : هو الذى يتعقب فعل غيره ، أو قوله فيبطله أو يصححه .أى : والله - تعالى - يحكم ما يشاء أن يحكم به فى خلقه ، لاراد لحكمه ، ولا دافع لقضائه ، ولا يتعقب أحد ما حكم به بتغيير أو تبديل ، وقد حكم - سبحانه - بعزة الإِسلام ، وعلو شأنه وشأن أتباعه على سائر الأمم والأديان .

.وقوله ( وَهُوَ سَرِيعُ الحساب ) أى : وهو - سبحانه - سريع المحاسبة والمجازاة ، لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من الإِحصاء والعد ، إذ هو - سبحانه - محيط بكل شئ ، فلا تستبطئ .

عقابهم - أيها الرسول الكريم - فإن ما وعدناك به واقع لا محالة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن يريه بعض ما وعدوه أو يتوفاه قبل ذلك، بين في هذه الآية أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت.

وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ فيه أقوال: القول الأول: المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها وذلك لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهراً وجبراً فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله تعالى ينجز وعده.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغالبون  ﴾ وقوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق  ﴾ .

والقول الثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله: ﴿ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ المراد: موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء والأخيار، وقال الواحدي: وهذا القول، وإن احتمله اللفظ، إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول.

ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضاً لا يليق بهذا الموضع، وتقريره أن يقال: أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة، وموت بعد حياة، وذل بعد عز، ونقص بعد كمال، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين، ويجعلهم مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وعلى هذا الوجه فيحسن اتصال هذا الكلام بما قبله، وقيل: ﴿ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع؟

ثم قال تعالى مؤكداً لهذا المعنى: ﴿ والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ معناه: لا راد لحكمه، والمعقب هو الذي يعقبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب.

فإن قيل: ما محل قوله: ﴿ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ .

قلنا: هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه خالياً عن المدافع والمعارض والمنازع.

ثم قال: ﴿ وَهُوَ سَرِيعُ الحساب ﴾ قال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني أن حسابه للمجازاة بالخير والشر يكون سريعاً قريباً لا يدفعه دافع.

أما قوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني أن كفار الأمم الماضية قد مكروا برسلهم وأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى، واليهود مكروا بعيسى.

ثم قال: ﴿ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا ﴾ قال الواحدي: معناه أن مكر جميع الماكرين له ومنه، أي هو حاصل بتخليقه وإرادته، لأنه ثبت أن الله تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، وأيضاً فذلك المكر لا يضر إلا بإذن الله تعالى ولا يؤثر إلى بتقديره، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم، كأنه قيل له: إذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره من الممكور به أيضاً من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى وأن لا يكون الرجاء إلا من الله تعالى، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر، وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم.

قال الواحدي: والأول أظهر لقولين بدليل قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله تعالى.

قالت المعتزلة: الآية الأولى إن دلت على قولكم فالآية الثانية وهي قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ دلت على قولنا، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة، ولو كان حدوث الفعل بخلق الله تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر، فوجب أن لا يكون للعبد كسب.

وجوابه: أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد.

ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال: ﴿ وَسَيَعْلَمْ الكافر لِمَنْ عُقْبَى الدار ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿ وَسَيَعْلَمْ الكافر ﴾ على لفظ المفرد والباقون على الجمع قال صاحب الكشاف قرئ: (الكفار، والكافرون، والذين كفروا، والكفر) أي أهله قرأ جناح بن حبيش: (وسيعلم الكافر) من أعلمه أي سيخبر.

المسألة الثانية: المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ  ﴾ والمعنى: إنهم وإن كانوا جهالاً بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة، وذلك كالزجر والتهديد.

والقول الثاني: وهو قول عطاء يريد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

والقول الثالث: وهو قول ابن عباس يريد أبا الجهل.

والقول الأول هو الصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض ﴾ أرض الكفر ﴿ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة والغلبة ونحوه ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الارض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ [الأنبياء: 44] ، ﴿ أَفَهُمُ الغالبون ﴾ [الأنبياء: 44] ، ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الافاق ﴾ [فصلت: 53] والمعنى: عليك بالبلاغ الذي حملته؛ ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر، ولا يضجرك تأخره؛ فإن ذلك لما نعلم من المصالح التي لا تعلمها ثم طيب نفسه ونفس عنها بما ذكر من طلوع تباشير الظفر.

وقرئ ﴿ ننقصها ﴾ بالتشديد ﴿ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ لا رادّ لحكمه.

والمعقب: الذي يكرّ على الشيء فيبطله، وحقيقته: الذي يعقبه أي يقفيه بالردّ والإبطال.

ومنه قيل لصاحب الحق: معقب؛ لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب.

قال لبيد: طَلَبُ الْمُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ والمعنى: أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس ﴿ وَهُوَ سَرِيعُ الحساب ﴾ فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا.

فإن قلت: ما محل قوله لا معقب لحكمه؟

قلت: هو جملة محلها النصب على الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه، كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة، تريد حاسراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ ﴾ أرْضَ الكَفَرَةِ.

﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ بِما نَفْتَحُهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها.

﴿ واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ لا رادَّ لَهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ مُعَقِّبٌ لِأنَّهُ يَقْفُو غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ، والمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالإقْبالِ وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ وذَلِكَ كائِنٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، ومَحَلُّ ﴿ لا ﴾ مَعَ المَنفِيِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ.

﴿ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ فَيُحاسِبُهم عَمّا قَلِيلٍ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا.

﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ بِأنْبِيائِهِمْ والمُؤْمِنِينَ مِنهم.

﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرٍ دُونَ مَكْرِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ.

﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ فَيُعِدُّ جَزاءَها.

﴿ وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ ﴾ مِنَ الحِزْبَيْنِ حَيْثُما يَأْتِيهِمُ العَذابُ المُعَدُّ لَهم وهم في غَفْلَةٍ مِنهُ، وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِمَكْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، واللّامُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعُقْبى العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ.

مَعَ ما في الإضافَةِ إلى الدّارِ كَما عَرَفْتَ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (الكافِرُ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، وقُرِئَ « الكافِرُونَ» و « الَّذِينَ كَفَرُوا» و « الكُفْرُ» أيْ أهْلُهُ وسَيَعْلَمُ مِن أعْلَمَهُ إذا أخْبَرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض} أرض الكفرة {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بما نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام وذلك من آيات النصرة والغلبة والمعنى عليك البلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من النصرة والظفر {والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ} لا راد لحكمه والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقبه أي يقفيه بالرد والإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب والمعنى أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس ومحل لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل والله يحكم نافذاً حكمه كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة له تريد حاسراً {وَهُوَ سَرِيعُ الحساب} فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ طَيَّبَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطُلُوعِ تَباشِيرِ الظَّفَرِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ ..

إلَخْ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ بِقَضِيَّتِهِ المَقامُ أيْ أأنْكَرُوا نُزُولَ ما وعَدْناهم أوْ أشَكُّوا أوْ ألَمْ يَنْظُرُوا في ذَلِكَ ولَمْ يَرَوْا ﴿ أنّا نَأْتِي الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ الكَفَرَةِ ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ مِن جَوانِبِها بِأنْ نَفْتَحَها شَيْئًا فَشَيْئًا ونُلْحِقَها بِدارِ الإسْلامِ ونُذْهِبَ مِنها أهْلَها بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ ألَيْسَ هَذا مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ.

ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وعَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْهُ وصَحَّحَهُ أنَّ انْتِقاصَ الأرْضِ مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها وذَهابُ العُلَماءِ مِنها وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الِاقْتِصارُ عَلى الأخِيرِ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ جِنْسُها والأطْرافُ كَما قِيلَ بِمَعْنى الأشْرافِ ومَجِيءُ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ ثَعْلَبٍ واسْتَشْهَدَ لَهُ الواحِدِيُّ بِقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: .

واسْألْ بِنا وبِكم إذا ورَدَتْ مِنِّي أطْرافُ كُلِّ قَبِيلَةٍ مَن يُمْنَعُ وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الطَّرَفُ والطَّرْفُ الرَّجُلُ الكَرِيمُ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: طَرَفُ كُلِّ شَيْءٍ خِيارُهُ وجَعَلُوا مِن هَذا قَوْلَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: العُلُومُ أوْدِيَةٌ في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها خَسِرْتَ فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خِيارًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ جانِبًا وادَّعى الواحِدِيُّ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما تَقَدَّمَ هو اللّائِقُ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ القَوْلُ بِلِياقَةِ الثّانِي وتَقْرِيرُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نُحْدِثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابًا بَعْدَ عِمارَةٍ ومَوْتًا بَعْدَ حَياةٍ وذُلًّا بَعْدَ عِزٍّ ونَقْصًا بَعْدَ كَمالٍ وهَذِهِ تَغْيِيراتٌ مُدْرَكَةٌ بِالحِسِّ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم أنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ تَعالى الأمْرَ عَنْهم فَيَجْعَلَهم أذِلَّةً بَعْدَ أنْ كانُوا أعِزَّةً ومَقْهُورِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ وهو كَما تَرى وقِيلَ: نَقْصُها هَلاكُ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ قُرَيْشٍ وخَرابُ أرْضِهِمْ أيْ ألَمْ يَرَوْا هَلاكَ مَن قَبْلَهم وخَرابَ دِيارِهِمْ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ مِن حُلُولِ ذَلِكَ بِهِمْ والأوَّلُ أيْضًا أوْفَقُ بِالمَقامِ مِنهُ ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالإتْيانِ المُؤْذِنِ بِعَظِيمِ الِاسْتِيلاءِ مِنَ الفَخامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ المَعْنى يَأْتِيها أمْرُنا وعَذابُنا وجُمْلَةُ ﴿ نَنْقُصُها ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( يَأْتِي ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ وقَرَأ الضَّحّاكُ ( نُنَقِّصُها ) مُثَقَّلًا مِن نَقَصَ عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ مِن نَقَصَ اللّازِمِ عَلى ما في البَحْرِ ﴿ واللَّهُ يَحْكُمُ ﴾ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ وقَدْ حَكَمَ لَكَ ولِأتْباعِكَ بِالعِزِّ والإقْبالِ وعَلى أعْدائِكَ ومُخالِفِيكَ بِالقَهْرِ والإذْلالِ حَسْبَما يُشاهِدُهُ ذَوُو الأبْصارِ مَنِ المَخائِلِ والآثارِ وفي الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقُ مَضْمُونِ الخَبَرِ بِالإشارَةِ إلى العِلَّةِ ما لا يَخْفى وهي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ فَحْوى ما تَقَدَّمَها وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ اعْتِراضٌ أيْضًا لِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ حُكْمِهِ جَلَّ وعَلا وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ تَعالى يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ لا عِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ ولا قَلَنْسُوَةٌ أيْ حاسِرًا وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قِيلَ: وإنَّما أوَّلَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ بِالمُفْرَدِ لِأنَّ تَجَرُّدَها مِنَ الواوِ إذا وقَعَتْ حالًا غَيْرُ فَصِيحٍ عِنْدَهُ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ جَعْلَها مُعْتَرِضَةً أوْلى وأعْلى والمُعَقِّبُ مَن يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ ومِنهُ يُسَمّى الَّذِي يَطْلُبُ حَقًّا مِن آخَرَ مُعَقِّبًا لِأنْ يَعْقُبَ غَرِيمَهُ ويَتَّبِعَهُ لِلتَّقاضِي قالَ لَبِيدٌ: .

حَتّى تَهْجُرَ بِالرَّواحِ وهاجَها ∗∗∗ طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومَ وقَدْ يُسَمّى الماطِلُ مُعَقِّبًا لِأنَّهُ يُعَقِّبُ كُلَّ طَلَبٍ بِرَدٍّ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ عَقَبَنِي حَقِّي أيْ مَطَلَنِي ويُقالُ لِلْبَحْثِ عَنِ الشَّيْءِ تُعُقِّبَ وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يُرادَ هَذا المَعْنى هُنا عَلى أنْ يَكُونَ الكَلامُ نَهْيًا لِلنّاسِ أنْ يَخُوضُوا في البَحْثِ عَنْ حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ إذا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن نَحْوِ النَّهْيِ عَنِ الخَوْضِ في سِرِّ القَدَرِ ﴿ وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ .

(41) .

فَعَمّا قَلِيلٍ يُحاسِبُهم ويُجازِيهِمْ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا حَسْبَما يَرى وكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْطِئْ عِقابَهم فَإنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى سَرِيعُ الِانْتِقامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب والزلازل والمصائب في الدنيا إذ كذبوك وأنت حي أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يقول: أو نميتنّك قبل أن نرينك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بالرسالة وَعَلَيْنَا الْحِسابُ يعني: الجزاء.

ثم قال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يعني: نفتحها من نواحيها.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «هُوَ ذَهَابُ العُلَمَاءِ» .

وقال ابن عباس: «ذهاب فقهائها، وخيار أهلها» .

وعن ابن مسعود نحوه.

وقال الضحاك: أو لم ير المشركون أنا ننقصها من أطرافها يعني: يأخذ النبيّ  ما حولهم من أراضيهم وقراهم وأموالهم، أفهم الغالبون؟

يعني: أو لا يرون أنهم المغلوبون والمنتقصون؟

وعن عكرمة.

أنه قال: الأرض لا تنقص، ولكن تنقص الثمار، وينقص الناس.

وعن عطاء أنه قال: «هو موت فقهائها وخيارها» .

وقال السدي: يعني: ينقص أهلها من أطرافها، ولم تهلك قرية إلا من أطرافها.

يعني: تخرب قبل، ثم يتبعها الخراب.

وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ يقول: لا راد لحكمه، ولا مغير له، ولا مرد لما حكم لمحمد  بالنصر والغنيمة وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ إذا حاسب فحسابه سريع.

قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: صنع الذين من قبلهم كصنيع أهل مكة بمحمد  فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يعني: يجازيهم جزاء مكرهم، وينصر أنبياءه، ويبطل مكر الكافرين.

ثم قال: يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ برّة أو فاجرة وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ يعني: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بالآية: مَنْ آمَنَ مِنْ أهْل الكتاب كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» وغيره.

قال ع «٢» : والمعنى مدحهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ: المعنى أنَّ اللَّه سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيِّرها عن أحوالها مما سَبَقَ في علْمه مَحْوُهُ وتغييرُهُ، ويثبتها في الحَالةِ التي يَنْقُلُها إِليها حَسَبَ ما سَبَقَ في علْمه.

قال ع «٣» : وأصوَبُ ما يفسَّر به أُمُّ الْكِتابِ: أنه كتاب الأمورِ المجزومَةِ التي قدْ سَبَقَ القضاء فيها بمَا هو كائنٌ، وسبق ألاَّ تبدَّل ويبقَى المحْوُ والتثبيت في الأمور التي قد سَبَقَ في القضاء أنْ تبدَّل وتمحَى وتُثْبَتَ قال نحوه قتادة «٤» ، وقوله سبحانه: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ: «إِن» : شرطٌ دخلَتْ عليها «ما» ، وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، «أو» عاطفةٌ، وقوله: فَإِنَّما: جوابُ الشرط، ومعنى الآية: إِنْ نُبَقْكَ يا محمَّد، لترَى بعض الذي نَعِدُهم، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فعلى كلا الوجْهَيْن، فإِنما يلزمُكَ البلاغَ فقَطْ، والضمير في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا: عائد على كفَّار قريش كالذي في نَعِدُهُمْ.

وقوله: نَأْتِي: معناه: بالقُدْرة والأمر.

والْأَرْضَ: يريد بها اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفَّار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا نأتي أرْضَ هؤلاء بالفَتْح/ عليك، فننقصها بمَا يَدْخُلُ في دِينِكَ من القبائلِ والبلادِ المجاورَة لهم، فما يؤمنهم أنْ نمكِّنك منْهم أيضاً قاله ابن عباس، وهذا على أن الآية مدنيّة «٥» ، ومن قال: إن الأرض

اسم جنسٍ، جعل انتقاص الأرض بتخريبِ العُمْران الذي يُحِلُّه اللَّه بالكُفَّار، وقيل:

الانتقاص بمَوْت البشر، ونقص الثمرات والبَرَكَةِ، وقيل: بموتِ العلماءِ والأخيارِ قاله ابن عباس أيضاً «١» ، وكلُّ ما ذكر يدخل في لفظ الآية، وجملةُ معنَى هذه الآية: الموعظَةُ وضَرْبُ المثل، وقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رَبَاح في معنَى نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال: بذَهَابِ فقهائها، وخيار أهلها وعن وكيع «٢» نحوه.

وقال الحسن: نقصانُهَا: هو بظهور المسلمين على المُشْركين «٣» .

قال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حَسَنٌ جِدًّا، تلَقَّاه أهل العلْمِ بالقبول، وقولُ الحسن أيضاً حسن.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً: أي: العقوبات التي أحلَّها بهم، وسمَّاها مكراً على عُرْفِ تسمية العقوبة باسم الذنب، وباقي الآية تحذيرٌ ووعيدٌ.

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا: المعنى: ويكذِّبك يا محمَّد هؤلاءِ الكفرةُ ويقولون: لستَ مرسلاً.

قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: أي: شاهداً بيني وبينكم، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ: قال قتادة: يريدُ مَنْ آمَنَ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره «٤» ، كَمُلَ تفسيرُ السُّورة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ما يَفْتَحُ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ مِنَ الأرْضِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.

قالَ مُقاتِلٌ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ يَعْنِي: كَفّارَ مَكَّةَ، " أنّا نَأْتِي الأرْضَ " يَعْنِي: أرْضَ مَكَّةَ ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ يَعْنِي: ما حَوْلَها.

والثّانِي: أنَّها القَرْيَةُ تُخَرَّبُ حَتّى تَبْقى الأبْياتُ في ناحِيَتِها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَقْصُ أهْلِها وبَرَكَتِها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الشَّعْبِيُّ نَقْصُ الأنْفُسِ والثَّمَراتِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ذَهابُ فُقَهائِها وخِيارِ أهْلِها، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ مَوْتُ أهْلِها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَتَعَقَّبُهُ أحَدٌ بِتَغْيِيرٍ ولا نَقْصٍ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى سُرْعَةِ الحِسابِ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٠٢) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ "إنْ" شَرْطٌ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"، وهي قَبْلَ الفِعْلِ، فَصارَتْ بَعْدُ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في القِسْمِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: "واللهِ لَتَخْرُجَنَّ"، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في قَوْلِكَ "نُرِيَنَّكَ" لِحُلُولِها هُنا مَحَلَّ اللامِ هُناكَ، ولَوْ لَمْ تَدْخُلْ "ما" لَما جازَ ذَلِكَ إلّا في الشِعْرِ.

وخُصَّ "البَعْضُ" بِالذِكْرِ إذْ مَفْهُومٌ أنَّ الأعْمارَ تَقْصُرُ عن إدْراكِ جَمِيعِ ما تَأْتِي بِهِ الأقْدارُ مِمّا يُوعَدُ بِهِ الكُفّارُ، وكَذَلِكَ أعْطى الوُجُودَ، ألّا تَرى أنَّ أكْثَرَ الفُتُوحِ إنَّما كانَ بَعْدَ النَبِيِّ  ، و"أوَ" عاطِفَةٌ.

وقَوْلُهُ: "فَإنَّما" جَوابُ الشَرْطِ، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ تَبْقَ يا مُحَمَّدُ لِتَرى، أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ إنَّما يَلْزَمُكَ البَلاغُ فَقَطْ.

وقَوْلُهُ: "نَعِدُهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَضارَّ الَّتِي تَوَعَّدَ بِها الكُفّارَ، فَأطْلَقَ فِيها لِفْظَةَ الوَعْدِ لَمّا كانَتْ تِلْكَ المَضارُّ مَعْلُومَةً مُصَرَّحًا بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الوَعْدَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في إهْلاكِ الكُفْرِ، ثُمَّ أضافَ الوَعْدَ إلَيْهِمْ لَمّا كانَ في شَأْنِهِمْ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يَرَوْا" عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وهُمُ المُتَقَدِّمُ ضَمِيرُهم في قَوْلِهِ: "نَعِدُهُمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿ نَأْتِي الأرْضَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقُدْرَةِ والأمْرِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ  ﴾ .

و"الأرْضُ" يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ، وقِيلَ: يُرِيدُ أرْضَ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، وهَذا بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَنْقُصُها" وقَرَأ الضَحّاكُ: "نُنَقِّصُها" وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أطْرافِها ﴾ ، مَن قالَ: " إنَّها أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ" قالَ: مَعْناهُ: ألَمْ يَرَوْا أنا نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ فَنَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهُمْ، فَما يُؤَمِّنُهم أنْ نُمَكِّنَكَ مِنهم أيْضًا كَما فَعَلْنا بِمُجاوَرِيهِمْ؟

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وهَذا القَوْلُ لا يَتَأتّى إلّا بِأنْ نُقَدِّرَ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ.

ومَن قالَ: "إنَّ "الأرْضَ" اسْمُ جِنْسٍ" جَعَلَ الِانْتِقاصَ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللهُ بِالكَفَرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ الأخْيارِ والعُلَماءِ، قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ يَدْخُلُ في لَفْظِ الآيَةِ.

والطَرَفُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "العُلُومُ أودِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها حُسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا"، يَعْنِي خِيارًا.

وجُمْلَةُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ المَوْعِظَةُ وضَرْبُ المَثَلِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا فَيَقَعَ مِنهُمُ اتِّعاظَ، وألْيَقُ ما يَقْصِدُ لَفْظُ الآيَةِ هو تَنْقُصُ الأرْضُ بِالفُتُوحِ عَلى مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ لا مُعَقِّبَ ﴾ أيْ: لا رادَّ ولا مُناقِضَ يَتَعَقَّبُ أحْكامَهُ، أيْ: يَنْظُرُ في أعْقابِها، أمُصِيبَةٌ هي أمْ لا؟

وسُرْعَةُ حِسابِ اللهِ واجِبَةٌ لِأنَّها بِالإحاطَةِ لَيْسَتْ بِعَدَدٍ.

وَ"المَكْرُ": ما يَتَمَرَّسُ بِالإنْسانِ ويَسْعى عَلَيْهِ، عَلِمَ بِذَلِكَ أو لَمْ يَعْلَمْ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى الأُمَمَ الَّتِي سَعَتْ عَلى أنْبِيائِها، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُحَمَّدٍ  بِالمَكْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ ، أيِ العُقُوباتِ الَّتِي أحَلَّها بِهِمْ، وسَمّاها مَكْرًا عَلى عُرْفِ تَسْمِيَةِ المُعاقَبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ونَحْوِ هَذا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ في طَيِّ إخْبارٍ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "الكافِرُ" عَلى الإفْرادِ، وهو اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "الكُفّارُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الكافِرُونَ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "الَّذِينَ كَفَرُوا"، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ قُبَلَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ويُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدٍ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ويَقُولُونَ: لَسْتَ مُرْسَلًا مِنَ اللهِ، وإنَّما أنْتَ مُدَّعٍ، قُلْ لَهُمْ: ﴿ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ، و"بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: كَفى اللهُ، و"شَهِيدٌ" بِمَعْنى: شاهِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ ، قِيلَ: يُرِيدُ اليَهُودَ والنَصارى الَّذِينَ عِنْدَهُمُ الكُتُبَ الناطِقَةَ السابِقَةَ بِرَفْضِ الأصْنامِ وتَوْحِيدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، يُرِيدُ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وتَمِيمٍ الدارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ خاصَّةً، قالَ هُوَ: فِيَّ نَزَلَتْ ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ الأخِيرانِ لا يَسْتَقِيمانِ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ: لا يَصِحَّ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ لِكَوْنِها مَكِّيَّةً، وكانَ يَقْرَأُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

وَقِيلَ: يُرِيدُ اللهَ تَعالى، كَأنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِاللهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ صِفَةَ تَعْظِيمٍ، ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلَ بِأنَّ فِيهِ عَطْفَ الصِفَةِ عَلى المَوْصُوفِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ وإنَّما تُعْطَفُ الصِفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَقْدِيرُ: أعْدَلَ وأمْضى قَوْلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ "شَهِيدًا"، ويُرادُ بِذَلِكَ اللهُ تَعالى.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والحَكَمُ، وغَيْرُهُمْ: "وَمِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن (مِن) وخَفْضِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، والحُسْنُ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَمِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ" بِكَسْرِ المِيمِ والدالِ، وبِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللامِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعِ "الكِتابُ"، وهَذِهِ القِراءاتُ يُرادُ فِيها اللهُ تَعالى، لا يَحْتَمِلُ لَفْظُها غَيْرَ ذَلِكَ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ [الرعد: 40] المتعلقة بجملة لكل أجل كتاب } .

عقبت بهذه الجملة لإنذار المكذبين بأن ملامح نصر النبي صلى الله عليه وسلم قد لاحت وتباشير ظَفَره قد طلعت ليتدبروا في أمرهم، فكان تعقيب المعطوف عليها بهذه الجملة للاحتراس من أن يتوهموا أن العقاب بطيء وغيرُ واقع بهم.

وهي أيضاً بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله مظهر نصره في حياته وقد جاءت أشراطه، فهي أيضاً احتراس من أن ييأس النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية نصره مع علمه بأن الله متم نوره بهذا الدّين.

والاستفهام في ﴿ أولم يروا أنا ﴾ إنكاري، والضمير عائد إلى المكذبين العائد إليهم ضمير ﴿ نعدهم ﴾ .

والكلام تهديد لهم بإيقاظهم إلى ما دب إليهم من أشباح الاضمحلال بإنقاص الأرض، أي سكانها.

والرؤية يجوز أن تكون بصرية.

والمراد: رؤية آثار ذلك النقص؛ ويجوز أن تكون علمية، أي ألم يعملوا ما حل بأرضي الأمم السابقة من نقص.

وتعريف ﴿ الأرض ﴾ تعريف الجنس، أي نأتي أية أرض من أرضي الأمم.

وأطلقت الأرض هنا على أهلها مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿ واسأل القرية ﴾ [سورة يوسف: 82] بقرينة تعلق النقص بها، لأن النقص لا يكون في ذات الأرض ولا يرى نقص فيها ولكنه يقع فيمن عليها.

وهذا من باب قوله تعالى: ﴿ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ﴾ [سورة محمد: 10].

وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالأرض} أرض الكافرين من قريش فيكون التعريف للعهد، وتكون الرؤية بصرية، ويكون ذلك إيقاظاً لهم لما غلب عليه المسلمون من أرض العدوّ فخرجت من سلطانه فتنقص الأرض التي كانت في تصرفهم وتزيد الأرض الخاضعة لأهل الإسلام.

وبنوا على ذلك أن هذه الآية نزلت بالمدينة وهو الذي حمل فريقاً على القول بأن سورة الرعد مدنية فإذا اعتبرت مدنية صح أن تفسر الأطراف بطرفين وهما مكة والمدينة فإنهما طرفا بلاد العرب، فمكة طرفها من جهة اليَمن، والمدينة طرف البلاد من جهة الشام، ولم يزل عدد الكفار في البلدين في انتقاص بإسلام كفارها إلى أن تمحضت المدينة للإسلام ثم تمحضت مكة له بعد يوم الفتح.

وأيّاً ما كان تفسير الآية وسبب نزولها ومكانه فهي للإنذار بأنهم صائرون إلى زوال وأنهم مغلوبون زائلون، كقوله في الآية الأخرى في سورة الأنبياء: ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ﴾ [سورة الأنبياء: 51]، أي ما هم الغالبون.

وهذا إمهال لهم وإعذار لعلهم يتداركون أمرهم.

وجملة ﴿ والله يحكم لا معقب لحكمه ﴾ [سورة الرعد: 41] عطف على جملة أولم يروا أنا } مؤكدة للمقصود منها، وهو الاستدلال على أن تأخير الوعيد لا يدل على بطلانه، فاستدل على ذلك بجملة ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ ثم بجملة ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ ثم بجملة ﴿ والله يحكم ﴾ ، لأن المعنى: أن ما حكم الله به من العقاب لا يبطله أحد وأنه واقع ولو تأخر.

ولذلك فجملة ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ في موضع الحال، وهي المقيدة للفعل المراد إذ هي مصب الكلام إذ ليس الغرض الإعلام بأن الله يحكم إذ لا يكاد يخفى، وإنما الغرض التنبيه إلى أنه لا معقب لحكمه.: وأفاد نفي جنس المعقب انتفاء كل ما من شأنه أن يكون معقباً من شريك أو شفيع أو داع أو راغب أو مستعصم أو مفتد.

والمعقب: الذي يعقب عملاً فيبطله، مشتق من العَقِب، وهو استعارة غلبت حتى صارت حقيقة.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ له معقبات ﴾ [سورة الرعد: 11] في هذه السورة، كأنه يجيء عقب الذي كان عمل العمل.

وإظهار اسم الجلالة بعد الإضمار الذي في قوله: أنا نأتي الأرض} لتربية المهابة، وللتذكير بما يحتوي عليه الاسم العظيم من معنى الإلهية والوحدانية المقتضية عدم المنازع، وأيضاً لتكون الجملة مستقلة بنفسها لأنها بمنزلة الحكمة والمثل.

وجملة ﴿ وهو سريع الحساب ﴾ يجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ والله يحكم ﴾ فتكون دليلاً رابعاً على أن وعده واقع وأن تأخره وإن طال فما هو إلا سريع باعتبار تحقق وقوعه؛ ويجوز أن يكون عطفاً على جملة الحال.

والمعنى: يحكم غير منقوص حكمه وسريعاً حسابه.

ومآل التقديرين واحد.

والحساب: كناية عن الجزاء والسرعة: العجلة، وهي في كل شيء بحسبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِالفُتُوحِ عَلى المُسْلِمِينَ مِن بِلادِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِخَراجِها بَعْدَ العِمارَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: بِنُقْصانِ بَرَكَتِها وتَمْحِيقِ ثَمَرَتِها، قالَهُ الكَلْبِيُّ والشَّعْبِيُّ.

الرّابِعُ: بِمَوْتِ فُقَهائِها وخِيارِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ بِجَوْرِ وُلاتِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: ذهاب العلماء» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن مجاهد- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: موت العلماء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: كان عكرمة يقول: هو قبض الناس.

وكان الحسن يقول: هو ظهور المسلمين على المشركين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ يعني بذلك ما فتح الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك نقصانها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: يعني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، كان ينتقص له ما حوله من الأرضين، فينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون، وقال الله في سورة الأنبياء عليهم السلام ﴿ ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ﴾ [ الأنبياء: 44] قال: بل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الغالبون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن عطية رضي الله عنه في الآية قال: نقصها الله من المشركين للمسلمين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: نفتحها لك من أطرافها.

وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك- رضي الله عنه ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم أرضاً بعد أرض؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ يقول: نقصان أهلها وبركتها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: إنما تنقص الأنفس والثمرات، وأما الأرض فلا تنقص.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال: لو كانت الأرض تنقص، لضاق عليك حشك، ولكن، تنقص الأنفس والثمرات.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: هو الموت.

لو كانت الأرض تنقص، لم تجد مكاناً تجلس فيه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية منها؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: خرابها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ قال: القرية تخرب ناحية منها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ والله يحكم لا معقب لحكمه ﴾ ليس أحد يتعقب حكمه فيرده، كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض فيرده.

أما قوله تعالى: ﴿ فلله المكر جميعاً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: «رب أعني ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسر الهدى إليّ، وانصرني على من بغى عليّ» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ يعني كفار مكة (١) ﴿ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ﴾ يقصد أرض مكة، ﴿ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ بالفتوح على المسلمين منها، قال ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ قال: موت علمائها وفقهائها.

وذهاب خيار أهلها، ونحو هذا قال مجاهد (٩) (١٠) (١١) واسْأَلْ بنَا وبكم إذا وَرَدَتْ بنا (١٢) يريد أشراف كل قبيلة.

قال ابن الأعرابي (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ قال ابن عباس (١٥) (١٦) ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ قال ابن عباس (١٧) ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا  ﴾ .

(١) انظر: الطبري 13/ 172، والقرطبي 9/ 333، و"تنوير المقباس" ص 159.

(٢) الطبري عن ابن عباس بلفظ قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض 13/ 172، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 127، و"زاد المسير" 4/ 340.

(٣) الطبري 13/ 173، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 127.

وأخرج عبد بن حميد نحوه في "الدر" 4/ 127، و"زاد المسير" 4/ 340، والثعلبي 7/ 142 ب.

(٤) "تفسير مقاتل" 192 أ، و"زاد المسير" 4/ 340.

(٥) الطبري 4/ 127، عبد الرزاق 2/ 339، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 127، الثعلبي 7/ 142 ب، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 315.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 151.

(٧) "معاني القرآن" 2/ 66.

(٨) عبد الرزاق وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في "الفتن"، وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه كما في "الدر" 4/ 126، الثعلبي 7/ 143 ب، الطبري 13/ 174، "زاد المسير" 4/ 340، والقرطبي 9/ 333، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 315.

(٩) عبد الرزاق 2/ 339، الطبري 13/ 174، وابن أبي شيبة كما في "الدر" 4/ 126، و"زاد المسير" 4/ 340، والقرطبي 9/ 333.

(١٠) "تهذيب اللغة" (طرف) 3/ 2181.

(١١) "ديوانه" 1/ 424، وفيه: واسأل بنا وبكم إذا وردت ...

مني أطراف كل قبيلة من يسمع "تهذيب اللغة" (طرف) 3/ 218، و"اللسان" (طرف) 5/ 2660، وفيه: وأسأل بنا وبكم إذا وردت ...

مني أطراف كل قبيلة من يُمتَعُ (١٢) في (ب): (منا).

(١٣) "تهذيب اللغة" (طرف) 3/ 2181.

(١٤) وقد رجحه الطبري 13/ 174، وابن كثير 2/ 572، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 400 ولم يذكر الزمخشري إلا نحو هذا القول.

(١٥) "تنوير المقباس" ص 159.

(١٦) "معاني القرآن" 2/ 66.

(١٧) القرطبي 9/ 334.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ ﴾ إن شرط دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها: فإنما ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ الاتيان هنا بالقدرة والأمر، والأرض أرض الكفار ونقصها هو بما يفتح الله على المسلمين منها، والمعنى أو لم يروا ذلك فيخافوا أن نمكنك منهم، وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات وخراب البلاد وشبه ذلك ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ المعقب الذي يكر على لاشيء فيبطله ﴿ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ تهديد، والمراد بالكافر الجنس بدليل قراءة الكفار بالجمع، وعقبى الدار الدنيا والآخرة ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوته وشهادة الله له هي: علمه بذلك وإظهاره الآيات الدالة على ذلك ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ معطوف على اسم الله على وجه الاستشهاد به، وقيل: المراد عبد الله بن سلام ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلمون صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد المؤمنون الذين يعلمون علم القرآن ودلالته على النبوّة، وقيل: المراد الله تعالى، فهو الذي عنده علم الكتاب، ويضعف هذا، لأنه عطف صفة على موصوف، ويقويه قراءة: ومن عنده بمن الجارة وخفض عنده.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أنه إنما هو حرف تعجب وتنبيه؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر؛ أي: قد رأوا أنا فعلنا ما ذكر.

والثاني: على الأمر؛ أي: [رَوْا أنَّا] فعلنا ما ذكر؛ وهو ما ذكر من قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قد ساروا في الأرض؛ أو سيروا.

﴿ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ .

قال بعضهم: هو ما جعل من أرض الكفرة للمسلمين؛ بالفتح لهم؛ والنصر على أولئك؛ والإخراج من سلطان أولئك الكفرة وأيديهم، وإدخالها في أيدي المسلمين؛ فذلك النقصان.

[وهو] والله أعلم لما وعد لرسوله أن يريه بعض ما وعد لهم؛ فقال الكفرة عند ذلك: أين ما وعد أن يريك؟

فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا ﴾ أي: ألم يروا أنه جعل بعض ما كان لهم من الأرضين للمسلمين؛ فإذا قدر على جعل البعض - الذي كان لهم لهؤلاء؛ لقادر أن يجعل الكل لهم؛ فهلا يعتبرون.

هذا والله أعلم ما أراد بما ذكر من النقصان.

وقال قائلون: نقصان الأرض: موت فقهائها وعلمائها وفنائها.

ووجه هذا: وهو أن الفقهاء والعلماء - هم عمّار الأرض وأهلها؛ وبهم صلاح الأرض؛ فوصف الأرض بالنقصان بذهاب أهلها، وهو كما وصف الأرض بالفساد؛ وهو قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ  ﴾ وقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ فالأرض لا تفسد بنفسها؛ ولكن وصفت بالفساد؛ لفساد أهلها، فعلى ذلك لا تنقص هي بنفسها؛ ولكن وصفت بالنقصان؛ لذهاب أهلها، وعمارها وفقهائها وعلمائها.

ثم يحتمل ذهاب العلماء المتقدمين، الذين تقدموا رسول الله في الأمم السالفة؛ وهم علماء أهل الكتاب؛ فيقول ألا يعتبرون بأولئك الذين قبضوا وتفانوا من علمائهم؟

فلا بدّ من رسول يعلمهم الآداب والعلوم؛ ويجدد لهم ما دَرَس من الرسوم [وذهب] من الآثار؛ فكيف أنكروا رسالته؟

وفي بعث الرسول حدوث العلماء؛ وذلك وقت حدوث العلماء وزمانه؛ فإن كان أراد العلماء المتأخرين وفقهاءهم - فيخرج ذلك مخرج التعزية له؛ أي: تصير الأرض بحال توصف بالنقصان، بذهاب العلماء والفقهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ .

قيل: لا رادّ لحكمه، وحكمه: يحتمل: العذاب الذي حكم على الكفرة؛ يقول: لا رادَّ للعذاب الذي حكم عليهم؛ [وهو كقوله: ﴿ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ أي: احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم].

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ أي: لا يتعقب أحد حكمه؛ ولا يعقب أحد سلطانه؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض، وكما ذكر في الحفظة: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ  ﴾ يتعقب بعض عن بعض في الحفظ؛ وفيما سلطوا.

والله أعلم.

﴿ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ هذا قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

أى: مكر الذين من قبلهم برسلهم؛ كمكر هؤلاء بك يصبر رسوله على أذاهم به.

ثم يحتمل المكر به وجهين: أحدهما: مكروا بنفسه؛ همّوا قتله وإهلاكه.

والثاني: مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره؛ هموا هم إطفاء ذلك وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ .

هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: فلله جزاء المكر جميعاً؛ يجزى كلا بمكره.

والثاني: أي: لله حقيقة المكر يأخذهم جميعاً بالحق من حيث لا يشعرون، وأما هم فإنما يأخذون ما يأخذون لا بالحق ولكن بالباطل، ولا يقدرون على الأخذ من حيث لا يشعرون إلا قليلا من ذلك، فحقيقة المكر الذي هو مكر بالحق في الحقيقة لله لا لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ أي: لله تدبير الأمر جميعاً، إن شاء أمضاه؛ وإن شاء منعه، إليه ذلك لا إليهم.

أو لله حقيقة المكر يغلب مكره مكر أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ من خير أو شرّ.

﴿ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ .

يشبه أن يكون عقبى الدار معروفاً عندهم؛ وهي الجنة؛ فيكون صلة قولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ فيقول - والله أعلم - سيعلمون هم لمن عقبى الدار؛ أهي لهم أم هي للمؤمنين؟

أو أن يكون جواب قوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ أنهم لما رأوهم مفضلين في أمر الدنيا ووسع عليهم الدنيا - ظنوا أن لهم في الآخرة كذلك؛ فقال ذلك جواباً لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: قالوا.

﴿ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾ أي: لن يبعثك الله رسولا، وهم كانوا يقولون كذلك له فأمره أن يقول لهم.

﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ إني نبي رسول الله إليكم بالآيات التي آتي بها، أو كان قال لهم ذلك؛ لما بالغ في الحجاج والبراهين في إثبات الرسالة والنبوة؛ فلم يقبلوا ذلك فأيس من تصديقهم؛ فعند ذلك قال: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب؛ يعني التوراة: فيشهد أيضاً أني رسول نبي؛ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب أني على حق؛ وأني رسول الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً...

﴾ الآية [الشعراء: 197] وقوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ  ﴾ ومن قرأ بالخفض: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ فتأويله - والله أعلم -: أي: من عند الله جاء علم هذا الكتاب؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وكذلك روي في بعض الأخبار؛ عن النبي  : أنه كان يقرأ: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ بالخفض، وأما القراء جميعاً فإنهم يختارون النصب ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

قال أبو عبيد: وقرأ بعضهم: ومن عنده علم الكتاب بخفض الميم والدال ورفع العين؛ وقال: لكن لا أدري عمن هو.

وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نَزَلَ: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هذا يؤيد أن يثبت قول أهل التأويل؛ حيث قالوا: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : عبد الله بن سلام وأصحابه.

والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أوَلم يشاهد هؤلاء الكفار أنا نأتي أرض الكفر ننقصها من أطرافها بنشر الإسلام، وفتح المسلمين لها، والله يحكم ويقضي بما يشاء بين عباده، ولا أحد يتعقب حكمه بنقض أو تغيير أو تبديل، وهو سبحانه سريع الحساب، يحاسب الأولين والآخرين في يوم واحد.

<div class="verse-tafsir" id="91.QbyeW"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله