الآية ١٨ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ١٨ من سورة إبراهيم

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره ، وكذبوا رسله ، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح; فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها ، فقال تعالى : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ) أي : مثل أعمال الذين كفروا يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى; لأنهم كانوا يحسبون أنهم على شيء ، فلم يجدوا شيئا ، ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة ( في يوم عاصف ) أي : ذي ريح عاصفة قوية ، فلا [ يقدرون على شيء من أعمالهم التي كسبوها في الدنيا إلا كما ] يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم ، كما قال تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) [ الفرقان : 23 ] وقال تعالى : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ) [ آل عمران : 117 ] ، وقال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ) [ البقرة : 264 ] .

وقال في هذه الآية : ( ذلك هو الضلال البعيد ) أي : سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما هم إليه ، ( ذلك هو الضلال البعيد ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : اختلف أهلُ العربية في رافعِ " مَثَلُ" .

فقال بعض نحويي البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقصّ عليكم مَثَلُ الذين كفروا ، ثم أقبل يفسّر ، كما قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ [سورة الرعد : 35 ] ، وهذا كثير.

(43) * * * وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما المثل للأعمال ، ولكن العرب تقدّم الأسماء ، لأنها أعرفُ ، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه.

ومعنى الكلام: مَثَلُ أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ، كما قيل: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [سورة الزمر : 60 ] ، ومعنى الكلام: (44) ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة.

قال: ولو خفض " الأعمال " جاز ، كما قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ الآية [سورة البقرة : 217 ] ، .

وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [سورة الرعد : 35 ] .

قال: فـ" تجري" ، هو في موضع الخبر ، كأنه قال: أن تجري ، وأن يكون كذا وكذا ، فلو أدخل " أن " جاز.

قال : ومنه قول الشاعر: (45) ذَرِينِــي إِنَّ أَمْــرَكِ لَــنْ يُطَاعَـا وَمَــا أَلْفَيْتِنِــي حِــلْمِي مُضَاعَـا (46) قال: فالحلمُ منصوبٌ ب " ألفيتُ" على التكرير ، (47) قال : ولو رفعه كان صوابًا.

قال: وهذا مثلٌ ضربه الله لأعمال الكفّار فقال: مَثَلُ أعمال الذين كفروا يوم القيامة ، التي كانوا يعملونها في الدنيا يزعمُون أنهم يريدون الله بها ، مَثَلُ رمادٍ عصفت الريح عليه في يومِ ريح عاصفٍ ، فنسفته وذهبت به ، فكذلك أعمال أهل الكفر به يوم القيامة ، لا يجدون منها شيئًا ينفعهم عند الله فينجيهم من عذابه ، لأنهم لم يكونوا يعملونها لله خالصًا ، بل كانوا يشركون فيها الأوثان والأصنام .

يقول الله عز وجل: ( ذلك هو الضلال البعيد ) ، يعني أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا ، التي يشركون فيها مع الله شركاء ، هي أعمالٌ عُملت على غير هُدًى واستقامة ، بل على جَوْر عن الهُدَى بعيد ، وأخذٍ على غير استقامة شديد.

* * * وقيل: ( في يوم عاصف ) ، فوصف بالعُصوف اليومَ ، (48) وهو من صفة الريح ، لأن الريح تكون فيه ، كما يقال: " يوم بارد ، ويوم حارّ" ، لأن البردَ والحرارة يكونان فيه ، (49) وكما قال الشاعر: (50) * يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا * (51) فوصف اليومين بالغيمين ، وإنما يكون الغيم فيهما.

وقد يجوز أن يكون أريد به: في يوم عاصف الريح ، فحذفت " الريح " ، لأنها قد ذكرت قبل ذلك ، فيكون ذلك نظير قول الشاعر: (52) * إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ * (53) يريد: كاسفُ الشمس.

وقيل: هو من نعت " الريح " خاصة ، غير أنه لما جاء بعد " اليوم " أُتبع إعرابَهُ ، وذلك أن العرب تتبع الخفضَ الخفضَ في النعوت ، كما قال الشاعر: (54) تُــرِيكَ سُـنَّةَ وَجْـهٍ غَـيْرِ مُقْرِفَـةٍ مَلْسَــاءَ لَيْسَ بِهَـا خَـالٌ وَلا نَـدَبُ (55) فخفض " غير " إتباعًا لإعراب " الوجه " ، وإنما هي من نعت " السنَّة " ، والمعنى: سُنَّةَ وَجْه غَيْرَ مُقْرفة ، وكما قالوا: " هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ".

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 20636 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله: ( كرماد اشتدت به الريح ) ، قال: حملته الريح في يوم عاصف .

20637 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) ، يقول: الذين كفروا بربهم وعبدوا غيرَه ، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم ، كما لا يُقْدَر على الرماد إذا أُرْسِل في يوم عاصف.

(56) * * * وقوله: ( ذلك هو الضَّلال البعيد ) ، أي الخطأ البينُ ، البعيدُ عن طريق الحق.

(57) ----------------------------- الهوامش : (43) انظر ما سلف قريبًا : 469 - 472 (44) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 338 ، وسيبويه 1 : 77 .

(45) هو عدي بن زيد بن العبادي ، ونسبه سيبويه لرجل من بجيله أو خثعم .

(46) سيبويه 1 : 77 ، 78 / والخزانة 2 : 368 ، 369 / والعيني بهامش الخزانة 4 : 192 / وسيأتي في التفسير 24 : 15 ( بولاق ) ، من أبيات عزيزة هذا أولها ، يقول بعده : ألاَ تِلْــكَ الثَّعَــالِبُ قَــدْ تَعَــاوَتْ عَــلَيَّ وَحَــالَفَتْ عُرْجًـا ضِبَاعَـا لِتَــاكُلَنِي , فَمَــرَّ لَهُــنَّ لَحْــمِي وأَذْرَقَ مِــنْ حِــذَارِي أَوْ أَتَاعَــا فَــإِنْ لَــمْ تَنْدَمُـوا فَثَكِـلْتُ عَمْـرًا وَهَــاجَرْتُ المُــرَوَّقَ والسَّــماعَا وَلاَ وَضَعَــتْ إِلَــيَّ عَـلَى فِـرَاشٍ حَصَــانٌ يَـــوْمَ خَلْوَتِهَــا قِنَاعَـا وَلاَ مَلَكَــتْ يَــدَايَ عِنَـانَ طِـرْفٍ ولا أَبْصَــرْتُ مـن شَـمْسٍ شُـعَاعَا وخُطَّــةِ مَــاجِدٍ كَــلَّفْتُ نَفْسِــي إِذَا ضَــاقُوا رَحُــبْتُ بِهَـا ذِرَاعَـا والبيتان الأول والثاني من هذه الأبيات ، في المعاني الكبير 867 ، واللسان ( مرد ) ( ذرق ) ( فرق ) .

ولم أجد لهذه الأبيات خبرًا بعد ، وأتوهمها في أقوام تحالفوا على أذاه ، جعل بعضهم ثعالب لمكرها وخداعها ، وبعضها ضباعًا ، لدناءتها وموقها ، والضباع موصوفة بالحمق ( الحيوان 7 : 38 ) وقول صاحب الخزانة : " أراد بالثعالب ، الذين لاموه على جوده حسدًا ولؤمًا " قول مرغوب عنه .

و " الضباع " عرج ، فيها خمع .

و " تعاوت " تجمعت ، كما تتعاوى الذئاب فتجتمع .

" ومر اللحم " ، و " أمر ، كان مرًا لا يستساغ .

و " أذرق ، أي جعلها تذرق ، يقال : " ذرق الطائر ، إذا خذق بسلحه ، أي قذف ، وهو هنا مستعار .

إشارة إلى أن ذا بطونهم قد أساله الخوف حتى صار كسلح الطير مائعًا .

و " أتاع " حملهم على القيء يعني من الخوف أيضًا " تاع القيء يتيع " خرج .

ويرى " فأفرق " وهو مثل " أذرق " في المعنى هنا .

و " عمرو " المذكور في شعر عدي ، لا أكاد أشك أنه أخوه " عمرو بن زيد " ، ( الأغاني 2 : 105 ) قال : " كان لعدَي بن زيد أخوان ، أحدهما اسمه عمار ، ولقبه أبي ، والآخر اسمه عمرو ، ولقبه سمي " .

و " المروق " ، الخمر ، لأنها تصفى بالراووق .

و " السماع " ، الغناء ، يدعو على نفسه أن ينخلع من لذات الدنيا إذا لم يندموا على مغبة كيدهم له .

(47) " التكرير " ، هو البدل عند البصريين ، ويسميه الكوفيون أيضًا " التبيين " ، انظر ما سلف 529 تعليق : 2 .

(48) في المطبوعة حذف " اليوم " ، اجتراء وتحكمًا .

(49) انظر تفسير " عاصف " فيما سلف 15 : 51 .

(50) لم أعرف قائله .

(51) سيأتي في التفسير 24 : 67 ( بولاق ) ، وبعده هناك : * نَجْـمَيْنِ بِالسَّـعْدِ ونَجْمًـا نَحْسَـا * (52) هو مسكين الدارمي .

(53) من أبيات خرجتها فيما سلف 7 : 520 ، تعليق : 3 .

وانظر الخزانة 2 : 323 وصدر البيت : * وتَضْحَـكُ عِرْفَانَ الدُّرُوعِ جُلُودُنَا * (54) هو ذو الرمة .

(55) ديوانه : 4 ، من عقيلته المحجبة بالحسن .

وهذا البيت من أبيات في صفة صاحبته مي .

و " السنة " ، ما أقبل عليك من الوجه وصفحة الحد مصقولا يلوح .

و " غير مقرنة " ، لا يشوب معارفها ولا لونها شيء يهجنها ، وذلك من عتقها .

و " الندب " ، أثر الجرح إذا لم يرتفع .

(56) في المطبوعة : " إذا أرسل عليه الريح في يوم عاصف " ، زاد ما لا معنى له .

(57) من أول : " وقوله : ذلك هو ...

" ، ليس في المخطوطة ، ولست أدري من أين جاء به ناشر المطبوعة ، فتركته على حالة ، حتى أقطع بأنه ليس من كلام أبي جعفر .

وانظر تفسير " الضلال " ، و " البعيد " ، فيما سلف من فهارس اللغة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيدقوله تعالى : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اختلف النحويون في رفع " مثل " فقال سيبويه : ارتفع بالابتداء والخبر مضمر ; التقدير : وفيما يتلى عليكم أو يقص مثل الذين كفروا بربهم ثم ابتدأ فقال : أعمالهم كرماد أي كمثل رماد اشتدت به الريح .

وقال الزجاج : أي مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالهم كرماد ، وهو عند الفراء [ ص: 309 ] على إلغاء المثل ، التقدير : الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد .

وعنه أيضا أنه على حذف مضاف ; التقدير : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ; وذكر الأول عنه المهدوي ، والثاني القشيري والثعلبي ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال : صفة فلان أسمر ; ف " مثل " بمعنى صفة .

ويجوز في الكلام جر أعمالهم على بدل الاشتمال من " الذين " واتصل هذا بقوله : وخاب كل جبار عنيد والمعنى : أعمالهم محبطة غير مقبولة .

والرماد ما بقي بعد احتراق الشيء ; فضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف .

والعصف شدة الريح ; وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى .

وفي وصف اليوم بالعصوف ثلاثة أقاويل : أحدها : أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به ; لأن الريح تكون فيه ، فجاز أن يقال : يوم عاصف ، كما يقال : يوم حار ويوم بارد ، والبرد والحر فيهما .

والثاني : أن يريد في يوم عاصف الريح ; لأنها ذكرت في أول الكلمة ، كما قال الشاعر :إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسفيريد كاسف الشمس فحذف ; لأنه قد مر ذكره ; ذكرهما الهروي .

والثالث : أنه من نعت الريح ; غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل : جحر ضب خرب ; ذكره الثعلبي والماوردي .

وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر في يوم عاصف .لا يقدرون يعني الكفار .

مما كسبوا على شيء يريد في الآخرة ; أي من ثواب ما عملوا من البر في الدنيا ، لإحباطه بالكفر .ذلك هو الضلال البعيد أي الخسران الكبير ; وإنما جعله كبيرا بعيدا لفوات استدراكه بالموت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن أعمال الكفار التي عملوها: إما أن المراد بها الأعمال التي عملوها لله، بأنها في ذهابها وبطلانها واضمحلالها كاضمحلال الرماد، الذي هو أدق الأشياء وأخفها، إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد الهبوب، فإنه لا يبقى منه شيئا، ولا يقدر منه على شيء يذهب ويضمحل، فكذلك أعمال الكفار { لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ } ولا على مثقال ذرة منه لأنه مبني على الكفر والتكذيب.

{ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } حيث بطل سعيهم واضمحل عملهم، وإما أن المراد بذلك أعمال الكفار التي عملوها ليكيدوا بها الحق، فإنهم يسعون ويكدحون في ذلك ومكرهم عائد عليهم ولن يضروا الله ورسله وجنده وما معهم من الحق شيئا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ) يعني : أعمال الذين كفروا بربهم - كقوله تعالى : ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم ) ( الزمر - 60 ) - أي : ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة ( كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) وصف اليوم بالعصوف ، والعصوف من صفة الريح لأن الريح تكون فيها ، كما يقال : يوم حار ويوم بارد ، لأن الحر والبرد فيه .

وقيل : معناه : في يوم عاصف الريح ، فحذف الريح لأنها قد ذكرت من قبل .

وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار ، يريد : أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذرته الريح لا ينتفع به ، فذلك قوله تعالى : ( لا يقدرون ) يعني : الكفار ( مما كسبوا ) في الدنيا ( على شيء ) في الآخرة ( ذلك هو الضلال البعيد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل» صفة «الذين كفروا بربهم» مبتدأ ويبدل منه «أعمالهم» الصالحة كصلة وصدقة في عدم الانتفاع بها «كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» شديد هبوب الريح فجعلته هباءً منثورا لا يقدر عليه والمجرور خبر المبتدأ «لا يقدرون» أي الكفار «مما كسبوا» عملوا في الدنيا «على شيء» أي لا يجدون له ثوابا لعدم شرطه «ذلك هو الضلال» الهلاك «البعيد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

صفة أعمال الكفار في الدنيا كالبر وصلة الأرحام كصفة رماد اشتدت به الريح في يوم ذي ريح شديدة، فلم تترك له أثرًا، فكذلك أعمالهم لا يجدون منها ما ينفعهم عند الله، فقد أذهبها الكفر كما أذهبت الريح الرماد، ذلك السعي والعمل على غير أساس، هو الضلال البعيد عن الطريق المستقيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ضرب - سبحانه - مثلاً لأعمال الكافرين فى حبوطها وذهابها يوم القيامة ، وساق الأدلة الدالة على قدرته القاهرة ، وصور أحوال الكافرين يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وحكى ما يقوله الضعفاء للمستكبرين وما يقوله الشيطان لأتباعه فى هذا اليوم العصيب ، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين فى هذا اليوم فقال - تعالى - :( مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ .

.

.

) .قال الإِمام الرازى : " اعلم أنه - تعالى - لما ذكر أنواع عذابهم فى الآية المتقدمة ، بين فى هذه الآية وهى قوله - تعالى - ( مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ .

.

.

) أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة ، لا ينتفعون بشئ منها .

وعند هذا يظهر كمال خسرانهم ، لأنهم لا يجدون فى القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه فى الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً " .والمثل : النظير والشبيه .

ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه بمورده ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ، ثم استعير للصفة ، أو الحال ، أو القصة إذا كان لها شأن عجيب ، وفيها غرابة .والمراد بأعمال الذين كفروا فى الآية الكريمة : ما كانوا يقومون به فى الدنيا من أعمال حسنة كإطعام الطعام ، ومساعدة المحتاجين ، وإكرام الضيف ، إلى غير ذلك من الأعمال الطيبة .والرماد : ما يتبقى من الشئ بعد احتراق أصله ، كالمتبقى من الخشب أو الحطب بعد احتراقهما .والعاصف : من العصف وهو اشتداد الريح ، وقوة هبوبها .قال الجمل : " وقوله : ( مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ .

.

.

) فيه أوجه للإِعراب : أحدها وهو مذهب سيبويه : أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره : فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، وتكون الجملة من قوله ( أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ .

.

.

) مستأنفة جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : كيف مثلهم .

.

؟

فقيل : كيت وكيت .والثانى : أن يكون " مثل " مبتدأ و " أعمالهم " مبتدأ ثان ، و " كرماد " خبر المبتدأ الثانى ، والمبتدأ الثانى وخبره خبر المبتدأ الأول .

.

.

"والمعنى : حال أعمال الذين كفروا فى حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم بشئ منها فى الآخرة ، كحال الرماد المكدس الذي أتت عليه الرياح العاصفة ، فمحقته وبددته ، ومزقته تمزيقاً لا يجرى معه اجتماع .فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله الكافرون فى الدنيا من أعمال البر والخير .ووجه الشبه : الضياع والتفرق وعدم الانتفاع فى كل ، فكما أن الريح العاصف تجعل الرماد هباء منثورا ، فكذلك أعمال الكافرين فى الآخرة تصير هباء منثوراً ، لأنها أعمال بنيت على غير أساس من الإِيمان وإخلاص العبادة لله - تعالى - .ووصف - سبحانه - اليوم بأنه عاصف - مع أن العصف شدة الريح - للمبالغة فى وصف زمانها - وهو اليوم - بذلك : ما يقال : يوم حار ويوم بارد ، مع أن الحر والبرد فيهما وليس منهما .وقوله - سبحانه - ( لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ) بيان للمقصود من التشبيه ، وهو أن هؤلاء الكافرين ، لا يقدرون يوم القيامة ، على الانتفاع بشئ مما فعلوه فى الدنيا من أفعال البر والخير ، لأن كفرهم أحبطها فذهب سدى دون أن يستفيدوا منها ثواباً ، أو تخفف عنهم عذاباً .قال الآلوسى : " وفى الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت :" يا رسول الله .

إن ابن جدعان فى الجاهلية كان يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، هل ذلك نافعة؟

قال : " لا ينفعه؛ لأنه لم يقل رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين " " .وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : " هذا مثل ضربة الله - تعالى - لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره ، وكذبوا رسله ، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح ، فانهارت وعدموها وهم أحوج ما كانوا إليها .

.

.كما قال - تعالى - ( وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ) وكما قال تعالى - ( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) واسم الإِشارة فى قوله ( ذلك هُوَ الضلال البعيد ) يعود إلى ما دل عليه التمثيل من بطلان أعمالهم ، وذهاب أثرها .أى : ذلك الحبوط لأعمالهم ، وعدم انتفاعهم بشئ منها ، هو الضلال البعيد .أى : البالغ أقصى نهايته ، والذى ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب المهين .ووصف - سبحانه - الضلال بالبعد ، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه ، ولا يرجى الخلاص منه .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، بعض مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ فقال - تعالى - : ( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) .واسم الإِشارة فى قوله ( ذلك هُوَ الضلال البعيد ) يعود إلى ما دل عليه التمثيل من بطلان أعمالهم ، وذهاب أثرها .أى : ذلك الحبوط لأعمالهم ، وعدم انتفاعهم بشئ منها ، هو الضلال البعيد .أى : البالغ أقصى نهايته ، والذى ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب المهين .ووصف - سبحانه - الضلال البعيد ، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه ، ولا يرجى الخلاص منه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها وعند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً، وذلك هو الخسران الشديد.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في ارتفاع قوله: ﴿ مَثَلُ الذين ﴾ وجوه: الأول: قال سيبويه: التقدير: وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم، وقوله: ﴿ كَرَمَادٍ ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقيل: أعمالهم كرماد.

الثاني: قال الفراء: التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه وهو قوله: ﴿ أعمالهم ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ  ﴾ أي خلق كل شيء، وكذا قوله: ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ  ﴾ المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة.

الثالث: أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون، وماله مبذول.

الرابع: أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله: ﴿ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ والتقدير: مثل أعمالهم وقوله: ﴿ كَرَمَادٍ ﴾ هو الخبر.

الخامس: أن يكون المثل صلة وتقديره: الذين كفروا أعمالهم.

المسألة الثانية: اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر، فكذا هاهنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه: الوجه الأول: أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم، ولولا كفرهم لانتفعوا بها.

والوجه الثاني: أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيماناً وطريقاً إلى الخلاص، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالاً عليهم.

والوجه الثالث: أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضاً وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى: ﴿ ذلك هُوَ الضلال البعيد ﴾ .

المسألة الثالثة: قرئ الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك: يوم ماطر وليلة ساكرة، وإنما السكور لريحها قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف، وإن شئت قلت: في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكوراً قبل ذلك، وقرئ في يوم عاصف بالإضافة.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيء ﴾ أي لا يقدرون مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد، وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسباً لأفعاله.

واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السموات والأرض بالحق ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ على اسم الفاعل على أنه خبر أن والسموات والأرض على الإضافة كقوله: ﴿ فَاطِرَ السموات والأرض  ﴾ .

﴿ فَالِقُ الإصباح  ﴾ .

و ﴿ جَعَلَ اليل سَكَناً  ﴾ والباقون خلق على فعل الماضي: ﴿ السموات والأرض ﴾ بالنصب لأنه مفعول.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بالحق ﴾ نظير لقوله في سورة يونس: ﴿ وَمَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق  ﴾ ولقوله في آل عمران: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا  ﴾ ولقوله في ص: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا  ﴾ أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته، وأما المعتزلة فيقولون: إلا بالحق، أي لم يخلق ذلك عبثاً بل لغرض صحيح.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ والمعنى: أن من كان قادراً على خلق السموات والأرض بالحق، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادراً على الأسهل الأضعف أولى.

قال ابن عباس: هذا الخطاب مع كفار مكة، يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوماً خيراً منكم وأطوع منكم.

ثم قال: ﴿ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ ﴾ أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادراً على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه، تقديره: وفيما يقص عليك ﴿ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ ﴾ والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله: ﴿ أعمالهم كَرَمَادٍ ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟

فقيل: أعمالهم كرماد.

ويجوز أن يكون المعنى: مثل أعمال الذين كفروا بربهم.

أو هذه الجملة خبراً للمبتدأ، أي صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون وما له مبذول، أو يكون أعمالهم بدلاً من ﴿ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ على تقدير: مثل أعمالهم، وكرماد: الخبر وقرئ: ﴿ الرياح ﴾ ﴿ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ جعل العصف لليوم، وهو لما فيه، وهو الريح أو الرياح، كقولك: يوم ماطر وليلة ساكرة.

وإنما السكور لريحها وقرئ: ﴿ في يوم عاصف ﴾ ، بالإضافة وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم، من صلة الأرحام وعتق الرقاب، وفداء الأسارى، وعقر الإبل للأضياف، وإغاثة الملهوفين، والإجازة، وغير ذلك من صنائعهم، شبهها في حبوطها وذهابها هباء منثوراً لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان به، وكونها لوجهه: برماد طيرته الريح العاصف ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ يوم القيامة ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ من أعمالهم ﴿ على شَيْء ﴾ أي لا يرون له أثراً من ثواب، كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء ﴿ ذلك هُوَ الضلال البعيد ﴾ إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب ﴿ بالحق ﴾ بالحكمة والغرض الصحيح والأمر العظيم، ولم يخلقها عبثاً ولا شهوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكم صِفَتُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَرابَةِ، أوْ قَوْلُهُ ﴿ أعْمالُهم كَرَمادٍ ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ مَثَلِهِمْ.

وقِيلَ ﴿ أعْمالُهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الـ ﴿ مَثَلُ ﴾ والخَبَرُ ﴿ كَرَمادٍ ﴾ .

﴿ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ﴾ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ وقَرَأ نافِعٌ « الرِّياحُ» .

﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ﴾ العَصْفُ اشْتِدادُ الرِّيحِ وُصِفَ بِهِ زَمانُهُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ ولَيْلُهُ قائِمٌ، شَبَّهَ صَنائِعَهم مِنَ الصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وعِتْقِ الرِّقابِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ في حُبُوطِها وذَهابِها هَباءً مَنثُورًا، لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَجُّهِ بِها إلَيْهِ، أوْ أعْمالَهم لِلْأصْنامِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ.

﴿ لا يَقْدِرُونَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ مِمّا كَسَبُوا ﴾ مِن أعْمالِهِمْ.

﴿ عَلى شَيْءٍ ﴾ لِحُبُوطِهِ فَلا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِنَ الثَّوابِ وهو فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم مُحْسِنُونَ.

﴿ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ فَإنَّهُ الغايَةُ في البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَثَلُ الذين} مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليكم مثل الذين {كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} جملة

مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول كيف مثلهم فقيل أعمالهم كرماد {اشتدت بِهِ الريح} الرياح مدني {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح كقولك يوم ماطر وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيرته الريح العاصف {لاَّ يَقْدِرُونَ} يوم القيامة {مِمَّا كَسَبُواْ} من أعمالهم {على شَيْءٍ} أي لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء {ذلك هُوَ الضلال البعيد} إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكم صِفَتُهُمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أعْمالُهم كَرَمادٍ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَثَلِهِمْ ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ وتَعَقَّبَهُ الحَوْفِيُّ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ عَمّا يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ ولَيْسَتْ نَفْسَهُ في المَعْنى لِتَسْتَغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ لَيْسَ المَعْنى مِثْلُهم هَذِهِ الجُمْلَةُ وأجابَ عَنْهُ السَّمِينُ بِالتِزامِ أنَّها نَفْسُهُ لِأنَّ ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ ﴾ في تَأْوِيلِ ما يُقالُ فِيهِمْ ويُوصَفُونَ بِهِ إذا وُصِفُوا فَلا حاجَةَ إلى الرّابِطِ كَما في قَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَصُونٌ ومالُهُ مَبْذُولٌ قِيلَ: ولا يَخْفى حُسْنُهُ إلّا أنَّ المَثَلَ عَلَيْهِ بِمَعْنى الصِّفَةِ والمُرادُ بِالصِّفَةِ اللَّفْظُ المَوْصُوفُ بِهِ كَما يُقالُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ أيِ اللَّفْظُ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ هو هَذا وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا عَلى مَجازٍ لَكِنَّهُ يُغْتَفَرُ لِأنَّ الأوَّلَ مُلْحَقٌ بِالحَقِيقَةِ لِشُهْرَتِهِ ولَيْسَ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ لِأنَّ المُضافَ ذُكِرَ تَوْطِئَةً لَهُ فَإنَّ ذَلِكَ أضْعُفْ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما عَلِمْتَ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى أنَّ ﴿ مَثَلُ ﴾ مُقْحَمٌ وتَقَدَّمَ عَلَيْهِ ولَهُ وقالَ الحَوْفِيُّ: هو مُبْتَدَأٌ و ﴿ كَرَمادٍ ﴾ خَبَرُهُ وأعْمالُهم بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَما في قَوْلِهِ: .

ما لِلْجِمالِ مَشْيُها وئِيدًا أجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أمْ حَدِيدا وفِيهِ خَفاءٌ ولَعَلَّهُ اعْتُبِرَ المُضافَ إلَيْهِ وفي الكَشّافِ جَوازُ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ ( مَثَلُ أعْمالِهِمْ ) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَثَلُ أعْمالِهِمْ كَرَمادٍ قالَ في الكَشْفِ: وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ وذَلِكَ لِأنَّ مَثَلَهم ومَثَلَ أعْمالِهِمْ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ وفِيهِ تَفْخِيمٌ.

اهَـ.

وقِيلَ: إنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا بَدَلُ اشْتِمالٍ لِأنَّ مَثَلَ أعْمالِهِمْ كَوْنُها كَرَمادٍ ومَثَلَهم كَوْنُ أعْمالِهِمْ كَرَمادٍ فَلا اتِّحادَ لَكِنَّ الأوَّلَ سَبَبٌ لِلثّانِي فَتَأمَّلْ والرَّمادُ مَعْرُوفٌ وعَرَّفَهُ ابْنُ عِيسى بِأنَّهُ جِسْمٌ يَسْحَقُهُ الإحْراقُ سَحْقَ الغُبارِ ويُجْمَعُ عَلى رُمُدٍ في الكَثْرَةِ وأرْمُدٌ في القِلَّةِ وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلاءَ قالُوا أرْمِداءَ كَذا في البَحْرِ وذَكَرَ في القامُوسِ أنَّ الأرْمِداءَ كالأرْبِعاءِ الرَّمادُ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ جَمْعٌ والمُرادُ بِأعْمالِهِمْ ما هو مِن بابِ المَكارِمِ كَصِلَةِ الأرْحامِ وعِتْقِ الرِّقابِ وفِداءِ الأسارى وقِرى الأضْيافِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: ما فَعَلُوهُ لِأصْنامِهِمْ مِنَ القُرْبِ بِزَعْمِهِمْ وقِيلَ: ما يَعُمُّ هَذا وذاكَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وجِيءَ بِالجُمْلَةِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِما يُقالُ: ما بالُ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها حَتّى آلَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ المَآلِ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّها كَرَمادٍ ﴿ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ﴾ أيْ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ فاشْتَدَّ بِمَعْنى عَدا والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الشِّدَّةِ بِمَعْنى القُوَّةِ أيْ قَوِيَتْ بِمُلابَسَةِ حَمْلِهِ ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ﴾ العَصْفُ اشْتِدادُ الرِّيحِ وُصِفَ بِهِ زَمانُ هُبُوبِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ كَنَهارِهِ صائِمٌ ولَيْلِهِ قائِمٌ لِلْمُبالَغَةِ وقالَ الهَرَوِيُّ: التَّقْدِيرُ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فَحُذِفَ الرِّيحُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ كَما في قَوْلِهِ: إذْ جاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كاسِفُ والتَّنْوِينُ عَلى هَذا عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وضَعْفُ هَذا القَوْلُ ظاهِرٌ وقِيلَ: إنَّ ﴿ عاصِفٍ ﴾ صِفَةُ الرِّيحِ إلّا أنَّهُ جُرَّ عَلى الجِوارِ وفِيهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ وصْفُ الرِّيحَ بِهِ لِاخْتِلافِهِما تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ( الرِّياحُ ) عَلى الجَمْعِ وبِهِ يَشْتَدُّ فَسادُ الوَصْفِيَّةِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ عَنِ الحَسَنِ ( في يَوْمِ عاصِفٍ ) عَلى الإضافَةِ وذَلِكَ عِنْدَ أبِي حَيّانَ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ والتَّقْدِيرُ في يَوْمِ رِيحٍ عاصِفٍ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَذْفٍ عِنْدَ مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ ﴿ لا يَقْدِرُونَ ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ مِمّا كَسَبُوا ﴾ في الدُّنْيا مِن تِلْكَ الأعْمالِ ﴿ عَلى شَيْءٍ ﴾ ما أيْ لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ أوْ تَخْفِيفِ عَذابٍ.

ويُؤَيِّدُ التَّعْمِيمُ ما ورَدَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنَ جُدْعانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ المِسْكِينَ هَلْ ذَلِكَ نافِعُهُ قالَ: لا يَنْفَعُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ رَبِّي اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لا يَقْدِرُونَ مِن ثَوابِ ما كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ما والأوَّلُ أوْلى وقُدِّمَ المُتَعَلِّقُ الأوَّلُ لِلايَقْدِرُونَ عَلى الثّانِي وعَكْسُ في البَقَرَةِ لِأهَمِّيَّةِ كُلٍّ في آيَتِهِ وذَلِكَ ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ وحاصِلُ التَّمْثِيلِ تَشْبِيهُ أعْمالِهِمْ في حُبُوطِها وذَهابِها هَباءً مَنثُورًا لِابْتِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِهِ وكَوْنِها لِوَجْهِهِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ وفَرَّقَتْهُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ فَذْلَكَةُ ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِنهُ قِيلَ: والِاكْتِفاءُ بِبَيانِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الأثَرِ لِأعْمالِهِمْ لِلْأصْنامِ مَعَ أنَّ لَها عُقُوباتٍ لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّها شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ دَلالَةً واضِحَةً مِن ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴿ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ .

(18) .

عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ غَيْرَ بَعِيدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ يقول: صفة الذين كفروا.

ويقال: مثل أعمال الذين كفروا بربهم يوم القيامة كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ يقول: ذرته الريح فِي يَوْمٍ عاصِفٍ يعني: عاصف شديد الريح.

فكذلك الكفار أحبط الله ثواب أعمالهم، وهذا كقوله وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23] لأن أعمالهم كانت بغير إيمان، ولا تُقبل الإيمان إذا لم يكن بالإخلاص، ولا تُقبل الأعمال إلا بالإيمان، ولا ثواب لهم بها.

- قرأ نافع اشتدت بِهِ الرياح بالألف.

وقرأ الباقون: بغير ألف (١) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ يقول: ألم تعلم أن الله خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قرأ حمزة والكسائي خالق السماوات والارض بكسر الضاد على معنى الإضافة.

وقرأ الباقون: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بنصب الضاد على معنى الفعل الماضي.

وقوله: بِالْحَقِّ يعني: بالعدل.

ويقال: ببيان الحق إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يقول: يميتكم، ويهلكهم إن عصيتموه وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: قوماً غيركم، خيراً منكم، وأطوع لله تعالى.

فهذا تهديد من الله تعالى ليخافوه.

ثم قال: وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يعني: إهلاككم ليس على الله بشديد.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: اسْتَفْتَحُوا: أي: طلبوا الحُكْم، و «الفَتَّاح» الحاكم، والمعنَى: أنَّ الرسل استفتحوا، أيْ: سألوا اللَّه تبارَكَ وتعالَى إِنفاذَ الحُكْمِ بنصرهم.

وقيل: بلِ استفتح الكفَّارُ على نحو قولِ قريشٍ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ...

[ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي جَهْل يوم بَدْرٍ: اللَّهم، أقطعنا للرَّحِمِ، وأتيانا بمَا لاَ نَعْرِفُ، فاحنه الغَدَاةَ، وهذا قولُ ابنِ زيدٍ «١» ، وقرأَتْ فرقةٌ: «واستفتحوا» «٢» - بكسر التاء- على معنى الأمر للرسُلِ، وهي قراءَة ابن عبَّاس ومجاهدٍ وابن مُحَيْصِنٍ: وَخابَ: معناه: خسر ولم ينجح، والجبار: المتعظّم في نفسه، والعنيد: الذي يعاند ولا يناقد.

وقوله: مِنْ وَرائِهِ: قال الطبري «٣» وغيره: مِنْ أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] ، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوَرَاءُ هنا وهنَاكَ على بابه، أي: هو/ ما يأتي بَعْدُ في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحَوَادِثِ بالأَمَامِ والوراءِ، إِنما هو بالزَّمَانِ، وما تقدَّم فهو أمام، وهو بَيْن اليد كما نقول في التوراة والإِنجيل: إنهما بيْنَ يدَي القرآن، والقرآنُ وراءهم، وعلَى هذا فما تأخَّر في الزمَانِ فهو وراء المتقدِّم، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ: «الصديد» : القَيْح والدمُ، وهو ما يسيلُ من أجْسَادِ أهْلِ النَّار قاله مجاهد «٤» والضّحّاك.

يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)

وقوله: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ: عبارةٌ عن صعوبة أمره عليهم، وروي أنَّ الكافر يؤتَى بالشَّرْبة من شراب أهْل النَّار، فيتكَّرهها، فإِذا أدنيَتْ منه، شَوَتْ وجهه، وسقَطَتْ فيها فروة رأسِهِ، فإِذا شربها، قَطَّعت أمعاءه، وهذا الخبر مفرَّق في آيات من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، أي: مِنْ كل شعرة في بَدَنِهِ قاله إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ «١» ، وقيل: مِنْ جميع جهاته السِّتِّ، وَما هُوَ بِمَيِّتٍ: لا يراحُ بالموت، وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ قال الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: العذابُ الغليظ: حَبْسُ الأنفاسِ في الأجسادِ، وفي الحديث: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ تَكَلَّمُ بِلَسَانٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَهَا لِسَانٌ تَكَلَّمُ بِهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلها آخَرَ، وبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وبِمَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فتنطوي علَيْهم، فتقذفُهُمْ في جهنَّم» ، خرَّجه البزَّار «٢» ، انتهى من «الكوكب الدري» .

وقوله: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وصف اليوم بالعُصُوفِ، وهي من صفات الريحِ بالحقيقة لما كانت في اليوم، كقول الشاعر: [الطويل]

...............

..........

...

وَنِمْت وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ «٣»

وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضافَ المَثَلَ إلَيْهِمْ، وإنَّما المَثَلُ لِلْأعْمالِ، فالمَعْنى: مَثَلُ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا.

ومِثْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ  ﴾ ، أيْ: تَرى وُجُوهَهم.

وجَعَلَ العُصُوفَ تابِعًا لِلْيَوْمِ في إعْرابِهِ، وإنَّما العُصُوفُ لِلرِّيحِ، وذَلِكَ جائِزٌ عَلى جِهَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّ العُصُوفَ، وإنْ كانَ لِلرِّيحِ، فَإنَّ اليَوْمَ يُوصَفُ بِهِ، لِأنَّ الرِّيحَ فِيهِ تَكُونُ، فَجازَ أنْ تَقُولَ: يَوْمٌ عاصِفٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ بارِدٌ، ويَوْمٌ حارٌّ.

والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تُرِيدَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ، فَتَحْذِفَ الرِّيحَ، لِأنَّها قَدْ ذُكِرَتْ في أوَّلِ الكَلامِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ويُضْحِكُ عِرْفانُ الدُّرُوعِ جُلُودَنا إذا كانَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كاسِفُ يُرِيدُ: كاسِفَ الشَّمْسِ.

ورُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، والمَعْنى: ومِمّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ أعْمالُهم كَرَمادٍ ﴾ .

وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينِ اليَوْمِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ كُلَّ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ المُشْرِكُونَ يُحْبَطُ ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، كالرَّمادِ الَّذِي سَفَتْهُ الرِّيحُ فَلا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، فَهم لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا عَلى شَيْءٍ في الآخِرَةِ، أيْ: لا يَجِدُونَ ثَوابَهُ، ﴿ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ مِنَ النَّجاةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ اخْتُلِفَ في الشَيْءِ الَّذِي ارْتَفَعَ بِهِ "مَثَلُ"، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ التَقْدِيرَ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ، أو يُقَصُّ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ أنَّهُ ابْتِداءٌ خَبَرُهُ "كَرَمادٍ" والتَقْدِيرُ عِنْدَهُمْ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَّرُوا كَرَمادٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يَرى إلْغاءَ "مَثَلُ"، وأنَّ المَعْنى: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ، وقِيلَ: هو ابْتِداءٌ، و"أعْمالُهُمُ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"كَرَمادٍ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذا عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: المُتَحَصِّلُ في النَفْسِ الَّذِينَ كَفَرُوا، هَذِهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ، وهِيَ: أعْمالُهم كَرَمادٍ، وهَذا يَطَّرِدُ عِنْدِي في تَقْدِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: " مَثَلُ الجَنَّةِ "، وشُبِّهَتْ أعْمالُ الكَفَرَةِ ومَساعِيهِمْ -فِي فَسادِها وقْتَ الحاجَةِ وتَلاشِيها- بِالرَمادِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِيحُ وتُفَرِّقُهُ لِشِدَّتِها، حَتّى لا يَبْقى أثَرٌ، ولا يَجْتَمِعَ مِنهُ شَيْءٌ، ووَصَفَ اليَوْمَ بِالعُصُوفِ وهي مِن صِفَةِ الرِيحِ بِالحَقِيقَةِ لَمّا كانَتْ في اليَوْمِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ ويَوْمًا شَمْسًا فَأعْمالُ الكَفَرَةِ لِتَلاشِيها لا يَقْدِرُونَ مِنها عَلى شَيْءٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وأبُو جَعْفَرَ: "الرِياحُ"، والباقُونَ: "الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا ومَعْناهُ مُسْتَوْفى بِحَمْدِ اللهِ.

وقَوْلُهُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلى مِثْلِ هَذا الغَرَرِ، و ﴿ الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ : الَّذِي قَدْ تَعَمَّقَ فِيهِ صاحِبُهُ وأبْعَدَ عن لاحِبِ النَجاةِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ وابْنُ أبِي بَكْرٍ: "فِي يَوْمِ عاصِفٍ: بِإضافَةِ "يَوْمٍ" إلى "عاصِفٍ"، وهَذا بَيِّنٌ.

وقَرَأ السُلَمِيُّ: "ألَمْ تَرْ" بِسُكُونِ الراءِ، بِمَعْنى: "ألَمْ تَعْلَمْ"، مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ خَلَقَ السَماواتِ ﴾ ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خالِقُ السَماواتِ"، فَوْجْهُ الأوَّلِ أنَّهُ فِعْلٌ قَدْ مَضى، فَذُكِرَ كَذَلِكَ، ووَجْهُ الثانِيَةِ: أنَّهُ كَـ ﴿ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ و ﴿ فالِقُ الإصْباحِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: بِما يَحِقُّ في وُجُودِهِ مِن جِهَةِ مَصالِحِ عِبادِهِ، وإنْفاذِ سابِقِ قَضائِهِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ وعَلى قُدْرَتِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيْ يُعْدِمْكم ويَطْمِسْ آثارَكم.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ: مِن فَرِقَ بَنِي آدَمَ، ويَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أيْ بِمُمْتَنِعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تمثيل لحال ما عمله المشركون من الخيرات حيث لم ينتفعوا بها يوم القيامة.

وقد أثار هذا التمثيل ما دلّ عليه الكلام السابق من شدة عذابهم، فيخطر ببالهم أو ببال من يسمع من المسلمين أن يسأل نفسه أن لهم أعمالاً من الصلة والمعروف من إطعام الفقراء، ومن عتق رقاب، وقِرى ضيوف، وحمالة ديات، وفداء أسارى، واعتمار، ورفادة الحجيج، فهل يجدون ثواب ذلك؟

وأن المسلمين لما علموا أن ذلك لا ينفع الكافرين تطلبت نفوسهم وجهَ الجمع بين وجود عمل صالح وبين عدم الانتفاع به عند الحاجة إليه، فضُرب هذا المثل لبيان ما يكشف جميع حتمالات.

والمثل: الحالة العجيبة، أي حال الذين كفروا العجيبة أن أعمالهم كرماد الخ.

فالمعنى: حال أعمالهم، بقرينة الجملة المخبر عنها لأنه مهما أطلق مَثَل كذا إلا والمراد حال خاصة من أحواله يفسرها الكلام، فهو من الإيجاز الملتزم في الكلام.

فقوله: ﴿ أعمالهم ﴾ مبتدأ ثاننٍ، و ﴿ كرماد ﴾ خبر عنه، والجملة خبر عن المبتدإ الأول.

ولما جعل الخبر عن ﴿ مثل الذين كفروا ﴾ ، ﴿ أعمالهم ﴾ آل الكلام إلى أن مَثَل أعمال الذين كفروا كرماد.

شبهت أعمالهم المتجمعة العديدة برماد مكدّس فإذا اشتدت الرياح بالرماد انتثر وتفرق تفرقاً لا يُرجى معه اجتماعُه.

ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اضمحلال شيء كثير بعد تجمعه، والهيئة المشبهة معقولة.

ووصف اليوم بالعاطف مجاز عقلي، أي عاصف ريحُه، كما يقال: يوم ماطر، أي سحابه.

والرماد: ما يبقى من احتراق الحطب والفحم.

والعاصف تقدم في قوله: ﴿ جاءتها ريح عاصف ﴾ في سورة يونس (22).

ومن لطائف هذا التمثيل أن اختير له التشبيه بهيئة الرماد المتجمع، لأن الرماد أثرٌ لأفضل أعمال الذين كفروا وأشيعِها بينهم وهو قِرى الضيف حتى صارت كثرة الرماد كناية في لسانهم عن الكرم.

وقرأ نافع وأبو جعفر اشتدت به الرياح } .

وقرأه البقية ﴿ اشتدت به الريح ﴾ بالإفراد، وهما سواء لأن التعريف تعريف الجنس.

وجملة ﴿ لا يقدرون مما كسبوا على شيء ﴾ بيان لجملة التشبيه، أي ذهبت أعمالهم سدى فلا يقدرون أن ينتفعوا بشيء منها.

وجملة ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ تذييل جامع لخلاصة حالهم، وهي أنها ضلال بعيد.

والمراد بالبعيد البالغ نهاية ما تنتهي إليه ماهيتُه، أي بعيد في مسافات الضلال، فهو كقولك: أقصى الضلال أو جِدَّ ضَلال، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ في سورة النساء (116).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِأعْمالِ الكافِرِ في أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَلى شَيْءٍ مِنها، بِالرَّمادِ الَّذِي هو بَقِيَّةُ النّارِ الذّاهِبَةِ لا يَنْفَعُهُ، فَإذا اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ العاصِفُ: وهِيَ الشَّدِيدَةُ: فَأطارَتْهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى جَمْعِهِ، كَذَلِكَ الكافِرُ في عَمَلِهِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وصَفَ اليَوْمَ بِالعُصُوفِ وهو مِن صِفَةِ الرِّيحِ؛ لِأنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ، كَما يُقالُ يَوْمٌ بارِدٌ، ويَوْمٌ حارٌّ؛ لِأنَّ البَرْدَ والحَرَّ يَكُونانِ فِيهِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ، فَحَذَفَ الرِّيحَ لِأنَّها قَدْ ذُكِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: أنَّ العُصُوفَ مِن صِفَةِ الرِّيحِ المُقَدَّمِ ذِكْرُها، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا جاءَ بَعْدَ اليَوْمِ اتَّبَعَ إعْرابَهُ.

﴿ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَقْدِرُونَ في الآخِرَةِ عَلى شَيْءٍ مِن ثَوابِ ما عَمِلُوا مِنَ البِرِّ في الدُّنْيا لِإحْباطِهِ بِالكُفْرِ.

الثّانِي: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوهُ مِن عَرُوضِ الدُّنْيا، بِالمَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها، أنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ في الآخِرَةِ.

﴿ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ وإنَّما جَعَلَهُ بَعِيدًا لِفَواتِ اسْتِدْراكِهِ بِالمَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ﴾ قال: الذين كفروا بربهم عبدوا غيره، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم، كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: مثل أعمال الكفار كرماد ضربته الريح فلم ير منه شيء، فكما لم ير ذلك الرماد ولم يقدر منه على شيء، كذلك الكفار لم يقدروا من أعمالهم على شيء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ كرماد اشتدت به الريح ﴾ قال: حملته الريح.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ قال: بخلق آخر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية.

اختلفوا في الرفع للمثل، فقال الزجاج: هو مرفوع على معنى: وفيما يتلى عليكم (١) (٢) (٣) ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ أي: خَلْقَ كُلِّ شيء، ومثله قوله: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ  ﴾ المعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودَّة (٤) ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ  ﴾ في سورة الرعد.

وقوله تعالى: ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ﴾ قال الليث: الرَّمادُ دُقاق الفحم من حراقةِ النار، وصار الرَّمادُ رمادًا إذا صار هباءًا أدق ما يكون (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ قال ابن السِّكِّيت: عصفت الريح وأعصفت، فهي ريح عاصف ومُعْصِفة إذا اشتدت (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) لَقَد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلان في السُّرَى ...

ونِمْتِ وما لَيْلُ الْمَطِيِّ بنائِم [["ديوان جرير" ص 454، وهو من قصيدة قالها يجيب بها الفرزدق.

وورد في: "الكتاب" 1/ 39، و"مجاز القرآن" 1/ 39، و"الكامل" للمبرد 1/ 135، 219، و"الخزانة" 1/ 465، وورد غير منسوب في: "المقتضب" 3/ 105، 4/ 331، و"الكامل" 2/ 1356، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 53، 2/ 29.

(أم غيلان) هي بنت جرير، (المطي) جمع مطيّة؛ وهي الراحلة التي يمتطى ظهرها [أي تركب]، (السُّرى) سير الليل.]] فوصف الليل بالنوم لَمّا كان فيه، ومثله: يوم ماطر، وليلة ماطرة (١٤) ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار  ﴾ أضاف إليهما وهما لا يمكران (١٥) (١٦) وأعْوَرَ من نَبْهان أمّا نَهارُهُ ...

فأعْمَى وأمّا لَيْلُهُ فبصِيرُ (١٧) قال الفراء: والوجه الآخر (١٨) (١٩) (٢٠) إذا جاء يومٌ مُظلِمُ الشمسِ كاسفُ [[وصدره: ويَضْحَكُ عِرْفان الدُّروعِ جُلُودُنا ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 2/ 74، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 354، و"الخزانة" 5/ 89، وورد عَجُزُه في "تهذيب اللغة" (عصف) 3/ 2463، و"تفسيرالطبري" 13/ 197، و"تفسير القرطبي" 9/ 353، و"العباب الزاخر" [ف/ ص 439]، و"اللسان" (عصف) 5/ 2973.]] يريد كاسف الشمس؛ فحذفه لأنه قَدَّم ذكره، ومضى مثل هذا في قوله: ﴿ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ  ﴾ قال الزجاج وغيره: تأويله أن كل ما تقرَّب به الذين كفروا إلى الله فمُحْبَطٌ (٢١) (٢٢) ﴿ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ أي: في الدنيا، ﴿ عَلَى شَيْءٍ ﴾ : في الآخرة، قال ابن عباس: يريد لا يجدون ثواب ما عملوا (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ قال ابن عباس: يريد الخسران الكبير (٢٤) ﴿ الْبَعِيدُ ﴾ هاهنا: الذي لا يُرْجَى عَوْده، فهو بعيد من العود؛ لذهابه على الوجه الذي ذُكر، وقال الكلبي (٢٥) (٢٦) ﴿ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا  ﴾ أي بعيد من الهدى والرجوع عنه.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157 بنصه، والتقدير - كما بيّنه: وفيما يتلى عليكم مثلُ الذين كفروا بربهم، أو مثلُ الذين كفروا بربهم فيما يتلى عليكم.

(٢) "الكتاب" 1/ 143، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 180 - 181، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 447، "تفسير أبي حيان" 5/ 414، و"الدر المصون" 7/ 81.

(٣) لأن المضاف غالباً ما يكون نكرة، وتكون غامضةً ومبهمةً، فيزيل المضاف إليه الغموض ويوضحه.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 72، مختصراً، ووردت في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 ب بنحوه، والظاهر أنه نقلها عن الثعلبي وبسطها.

(٥) ورد في "تهذيب اللغة" (رمد) 2/ 1466 بنصه.

(٦) انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 639.

(٧) ورد في "جمهرة اللغة" 2/ 639، و"الأمثال" لابن سلاَّم 66، و"مجمل اللغة" 1/ 398، و"المحيط في اللغة" (رمد) 9/ 308، و"مجمع الأمثال" 1/ 360، و"اللسان" 3/ 1726، وُيروى هذا المثل عن عمر بن الخطاب  ، ويضرب للرجل يصنع المعروف ثم يفسده بالمنِّ والأذى، ويضرب أيضاً للذي يبتدئ بالإحسان ثم يعود عليه بالإفساد.

(٨) ورد في "تهذيب اللغة" (عصف) 3/ 2463 بنصه.

(٩) "فعلت وأفعلت" ص 65 بنصه.

(١٠) في جميع النسخ: (إغوائه)، والتصويب من المصدر.

(١١) في (د): (إحداهما).

(١٢) والتقدير: في يوم عاصفٍ ريحُه، ثم حذف "ريحه" للعلم به وجُعلت الصفة لليوم.

انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 447، و"البيان في غريب الإعراب" 2/ 57، و"الفريد في الإعراب" 3/ 155.

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 73 بتصرف، وانظرت الطبري 13/ 197، و"تهذيب اللغة" (عصف) 3/ 2463.

(١٤) "مجاز القرآن" 1/ 339، بتصرف يسير.

(١٥) لم أقف على مصدره، ومعنى الآية: بل مَكْرُكُم بنا في الليل والنهار.

انظر: "الكامل" للمبرد 1/ 135، و"معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254، و"تفسير ابن الجوزي" 6/ 457.

(١٦) أي مضيئاً تبصرون فيه، وإنما أضاف الإبصار إليه؛ لأنه ظرف يُفعل فيه غيره.

انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 46.

(١٧) "ديوان جرير" ص 203.

(١٨) أي من كلام الفراء في جَعْل العُصُوف تابعاً لليوم في إعرابه، وقد فصل بين الوجهين بإقحام كلام أبي عبيدة وأبي حاتم لتوضيح الوجه الأول، ولما طال الفصل أعاد نسبة الكلام إلى الفراء.

(١٩) في (أ)، (د)، (ع): (ذكر)، والمثبت من ش وهو الأنسب للسياق.

(٢٠) في جميع المصادر بدون نسبة، وذكر شاكر محقق تفسير الطبري 13/ 197 أن البيت لمسكين الدارمي لكن الرواية التي أوردها في 7/ 520 ليس فيها الشاهد، وهي: إذا جاء يومٌ مظلمُ اللون كاسفُ (٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157 بنصه.

(٢٢) (به) ساقط من (أ)، (د).

(٢٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 315 بنصه، وورد بلا نسبة في "تفسير الماوردي" 3/ 129، و"تفسير القرطبي" 9/ 354.

(٢٤) ورد غير منسوب في "تفسير القرطبي" 9/ 354، و"الخازن" 3/ 74.

(٢٥) "الكلبي" ساقط من (د).

(٢٦) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في: مثل الجنة التي في الرعد والقتال، والخبر عند سيبويه محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم والخبر عند الفراء الجملة التي بعده، والمثل هنا بمعنى الشبيه ﴿ أعمالهم كَرَمَادٍ ﴾ تشبيهاً بالرماد في ذهابها وتلاشيها ﴿ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ أي شديد الريح والعصوف في الحقيقة من صفة الريح ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ﴾ أي لا يرون له منفعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بلفظ الفعل.

﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.

﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.

الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بضمها.

﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.

الباقون بالفتح.

﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الباقون بالإضافة.

الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله  في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.

فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.

وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.

وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.

وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.

وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.

والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.

قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".

قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.

وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.

ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.

ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.

وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.

ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟

فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه  يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.

ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.

﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.

فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟

قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.

وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.

والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.

وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.

ومعنى بروزهم لله وهو  لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.

فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.

وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.

كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل  ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته  فضلوا وأضلوا.

قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.

وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.

والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .

عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.

وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم  ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.

وزيف بأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله.

وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.

ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.

والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.

وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.

يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي  : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .

ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.

وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.

الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.

ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.

ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله  عليه حجة.

هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.

قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.

وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟

جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله  ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.

وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.

هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.

وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.

ثم حكى الله  عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.

قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

صرخ فلان إذا استغاث.

وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.

وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.

وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.

قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.

ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.

أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.

ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.

قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.

ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.

قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.

ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.

وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.

عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.

وعن ابن عمر: هي النخلة.

وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.

وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.

أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.

ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.

والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.

ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.

قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.

الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.

وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.

وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.

والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.

قال المحققون: معرفة الله  والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.

أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.

ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.

وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.

وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً  ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.

وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.

وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .

وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.

و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.

وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله  ﴾ .

وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.

فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.

ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.

قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.

وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.

هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.

عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.

وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.

والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.

وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.

فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.

وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.

ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله  : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.

﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.

ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.

ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.

وذلك أنه  أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد  فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.

قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.

وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.

﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.

قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.

والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.

ومن الذين نزل فيهم؟

روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.

وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.

ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه  بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.

وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.

والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.

ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة  ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين  ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.

ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.

وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.

﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.

ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.

ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".

﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.

وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.

والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.

ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.

ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.

ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.

قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.

ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله  على عباده.

وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.

وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.

قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.

وإذا كانت نعم الله  في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟

إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.

وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.

واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.

التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.

تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب  إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.

﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.

﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.

وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.

ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله  : <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ﴾ هو - والله أعلم -: على التقديم [والتأخير]؛ أي: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد اشتدت به الريح.

ثم تحتمل ﴿ أَعْمَالُهُمْ ﴾ : الأعمال التي كانت لهم في حال إيمانهم، ثم كفروا، بما أحدثوا من الكفر؛ أبطل ذلك الأعمال الصالحة في الإيمان؛ وهو ما ذكر: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ .

أو يكون محاسنهم التي كانت لهم في حال الكفر؛ طمعوا أن ينتفعوا بتلك المحاسن في الآخرة؛ فما انتفعوا بها؛ فصارت كالرماد الذي تذروه الريح الشديدة؛ لم ينتفع صاحب ذلك الرماد به بعد ما عملت به الريح ما عملت؛ فعلى ذلك: الأعمال الصالحة التي عملوها في حال كفرهم، أو أعمالهم الصالحة التي كانت لهم في حال الإيمان؛ ثم أحدثوا الكفر - لا ينتفعون بها.

وقال في آية أخرى: ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ  ﴾ فيشبه أن يكون هذا في أعمالهم السيئة في أنفسها فرأوها صالحة حسنة؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً  ﴾ فشبه ما كان في نفسه سبباً بالسراب؛ لأنه لا شيء هنالك؛ إنما يرى خيالا، فعلى ذلك: أعمالهم السيئة في أنفسها فرأوها حسنة صالحة، وما كان وما شبه بالرماد - فهي أعمالهم الصالحة في أنفسها؛ لكن الكفر أبطلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ .

[اليوم لا يكون عاصفاً؛ ولكن على الإضمار؛ كأنه قال: في يوم فيه ريح عاصف] كقوله: ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً  ﴾ النهار لا يبصر ولكن يُبصَر فيه أو يُبصَر به.

والعاصف: قيل: هو القاصف الكاسر الذي يكسر الأشياء.

أو يكون قوله: ﴿ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ﴾ ، والعاصف والقاصف - حرفان يؤديان جميعاً معنى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ كالرماد الذي ذكرنا أن صاحبه لا يقدر به بعدما عملت به الريح وذرته.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ ﴾ .

يحتمل: ذلك الكفر هو الضلال البعيد؛ لا نجاة فيه أبداً.

أو ذلك [الكفر] الذي أتوا به بعيد عن الحق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مثل ما يقدمه الكفار من أعمال البر كالصدقة والإحسان والرحمة بالضعيف، مثل رماد اشتدت به الرياح في يوم شديد هبوب الرياح، فحملته بقوة، وفرّقته في كل مكان حتى لم يبق له أثر، وهكذا أعمال الكفار عصف بها الكفر، فلم تنفع أصحابها يوم القيامة، ذلك العمل الذي لم يُؤَسَّس على الإيمان هو الضلال البعيد عن طريق الحق.

من فوائد الآيات أن الأنبياء والرسل بشرٌ من بني آدم، غير أن الله تعالى فضلهم بحمل الرسالة واصطفاهم لها من بين بني آدم.

على الداعية الذي يريد التغيير أن يتوقع أن هناك صعوبات جَمَّة سوف تقابله، ومنها الطرد والنفي والإيذاء القولي والفعلي.

أن الدعاة والصالحين موعودون بالنصر والاستخلاف في الأرض.

بيان إبطال أعمال الكافرين الصالحة، وعدم اعتبارها بسبب كفرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.rRd8O"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر