الآية ٢٤ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٢٤ من سورة إبراهيم

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( مثلا كلمة طيبة ) شهادة أن لا إله إلا الله ، ( كشجرة طيبة ) وهو المؤمن ، ( أصلها ثابت ) يقول : لا إله إلا الله في قلب المؤمن ، ( وفرعها في السماء ) يقول : يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء .

وهكذا قال الضحاك ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة وقتادة وغير واحد : إن ذلك عبارة عن المؤمن ، وقوله الطيب ، وعمله الصالح ، وإن المؤمن كالشجرة من النخل ، لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت ، وصباح ومساء .

وهكذا رواه السدي ، عن مرة ، عن ابن مسعود قال : هي النخلة .

وشعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس : هي النخلة .

وحماد بن سلمة ، عن شعيب بن الحبحاب ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بقناع بسر فقال : " ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة " قال : " هي النخلة " .

وروي من هذا الوجه ومن غيره ، عن أنس موقوفا وكذا نص عليه مسروق ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وقتادة وغيرهم .

وقال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أخبروني عن شجرة تشبه - أو : كالرجل - المسلم ، لا يتحات ورقها [ ولا ولا ولا ] تؤتي أكلها كل حين " .

قال ابن عمر : فوقع في نفسي أنها النخلة ، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، فلما لم يقولوا شيئا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي النخلة " .

فلما قمنا قلت لعمر : يا أبتا ، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة .

قال : ما منعك أن تكلم ؟

قال : لم أركم تتكلمون ، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا .

قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا .

وقال أحمد : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : صحبت ابن عمر إلى المدينة ، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا - قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بجمار .

فقال : " من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم " .

فأردت أن أقول : هي النخلة ، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم ، [ فسكت ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي النخلة " أخرجاه .

وقال مالك وعبد العزيز ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه : " إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها ، مثل المؤمن " .

قال : فوقع الناس في شجر البوادي ، ووقع في قلبي أنها النخلة [ فاستحييت ، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي النخلة ] " أخرجاه أيضا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبان - يعني ابن زيد العطار - حدثنا قتادة : أن رجلا قال : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالأجور!

فقال : " أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا ، فركب بعضها على بعض أكان يبلغ السماء ؟

أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء ؟

" .

قال : ما هو يا رسول الله ؟

قال : " تقول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله " ، عشر مرات في دبر كل صلاة ، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء " .

وعن ابن عباس ( كشجرة طيبة ) قال : هي شجرة في الجنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

20658 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله: (كَلِمَةً طَيِّبَةً) ، شهادةُ أن لا إله إلا الله (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ، وهو المؤمن (أَصْلُهَا ثَابِتٌ) ، يقول: لا إله إلا الله ، ثابتٌ في قلب المؤمن (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) ، يقول: يُرْفَع بها عملُ المؤمن إلى السماء.

20659 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس: ( كلمة طيبة ) ، قال: هذا مَثَلُ الإيمان ، فالإيمان الشَّجرة الطيبة ، وأصله الثابت الذي لا يزول الإخلاصُ لله ، وفرعُه في السماء ، فَرْعُه خشْية الله.

20670 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد: ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمةً طيبة كشجرة طيبة ) ، قال: كنخلة قال ابن جريج ، وقال آخرون: " الكلمة الطيبة " ، أصلها ثابت ، هي ذات أصل في القلب (31) ( وفرعها في السماء ) ، تَعْرُجُ فلا تُحْجَب حتى تنتهي إلى الله.

* * * وقال آخرون: بل عُنِي بها المؤمن نفسُه.

* ذكر من قال ذلك: 20671 - حدثني محمد بن سعد قال ، ثني أبي قال ، ثني عمي قال ، ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) ، ، يعني بالشجرة الطيبة المؤمنَ ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض ، وبالفرع في السماء ، يكون المؤمن يعمَلُ في الأرض ، ويتكلَّم ، فيبلغ عمله وقولُه السَّماءَ وهو في الأرض.

20672 - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي في قوله: ( ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ) ، قال: ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرُج منه كلام طيبٌ وعمل صالح يَصْعَد إليه.

20673 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس قال : " أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي الأرْضِ" ، وكذلك كان يقرؤها.

قال : ذلك المؤمنُ ضُرِبَ مثله .

قال : الإخلاصُ لله وحده وعبادته لا شريك له ، قال: ( أصلها ثابت ) ، قال: أصل عمله ثابتٌ في الأرض (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) ، قال: ذكرُه في السماء.

* * * واختلفوا في هذه " الشجرة " التي جعلت للكلمة الطيبة مثلا .

فقال بعضهم: هي النخلة.

* ذكر من قال ذلك: 20674 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة قال: سمعت أنس بن مالك في هذا الحرف: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ، قال: هي النخلة.

20675 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا أبو قطن قال ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس ، مثله.

20676 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة قال ، سمعت أنس بن مالك يقول: (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ، قال: النخل.

(32) 20677 - حدثني يعقوب والحسن بن محمد قالا حدثنا ابن علية قال ، حدثنا شعيب قال ، قال خرجت مع أبي العاليةِ نريد أنس بن مالك ، قال : فأتيناه ، فدعا لنا بقِنْوٍ عليه رُطَبٌ ، (33) فقال: كلوا من هذه الشجرةِ التي قال الله عز وجل: ( ضربَ الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) ، وقال الحسن في حديثه: " بقِنَاع ".

(34) 20678 - حدثنا خلاد بن أسلم قال ، أخبرنا النضر بن شميل قال ، أخبرنا حماد بن سلمة قال ، أخبرنا شعيب بن الحبحاب ، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِي بقِناع بُسْر ، (35) فقال: (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة) قال: هي النخلة.

20679 - حدثنا سوّار بن عبد الله قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن شعيب بن الحبحاب ، عن أنس: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتِى بقِناع فيه بُسْر ، فقال: (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة) قال: " هي النخلة.

قال شعيب ، فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كانُوا يقولون.

20680 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حجاج قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن شُعيب بن الحَبْحاب قال : كنا عند أنس ، فأُتينا بطَبَق ، أو قِنْع ، عليه رُطب ، فقال: كل يا أبا العالية ، فإن هذا من الشَّجرة التي ذكر الله جلّ وعزّ في كتابه: ( ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلُها ثابت ) .

20681 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا مهدي بن ميمون ، عن شعيب بن الحبحاب قال ، كان أبو العالية يأتيني ، فأتاني يومًا في منـزلي بعد ما صلَّيت الفجر ، فانطلقتُ معه إلى أنس بن مالك ، فدخلنا معه إلى أنس بن مالك ، فجيءَ بطبق عليه رُطَب فقال أنس لأبي العالية: كل ، يا أبا العالية ، فإن هذه من الشجرة التي قال الله في كتابه: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثَابِتٍ أَصْلُهَا ) ، قال: هكذا قرأها يومئذ أنس.

(36) 20682 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا طلق قال ، حدثنا شريك ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله ، مثله.

(37) 20683 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا عبد الغفار بن القاسم ، عن جامع بن أبي راشد ، عن مُرَّة بن شراحيل الهمداني ، عن مسروق: ( كشجرة طيبة ) ، قال: النخلة.

20684 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ح وحدثني الحارث قال ، حدثنا الحسن [قال ، حدثنا ورقاء جميعًا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( كشجرة طيبة )، قال : كنخلة.

20685 - حدثنا الحسن ] (38) قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ح وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل جميعًا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.

20686 - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله ، مثله.

20687 - حدثني المثنى قال ، حدثنا مُعَلَّى بن أسد قال ، حدثنا خالد قال ، أخبرنا حصين ، عن عكرمة في قوله: ( كشجرة طيبة ) قال: هي النخلة ، لا تزالُ فيها منفعةٌ.

20688 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله: ( كشجرة طيبة ) ، قال: ضرب الله مثل المؤمن كمثل النخلة (تؤتي أكلها كل حين).

20689 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ( مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ) ، كنا نُحَدَّث أنها النخلة .

20690 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: ( كشجرة طيبة ) ، قال: يزعمون أنها النخلة.

20691 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( تؤتي أكلها كل حين ) ، قال: هي النخلة.

20692 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا محمد بن عبيد قال ، حدثنا الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله: ( وفرعها في السماء ) ، قال: النخل.

(39) 20693 - حدثنا الحسن (40) قال ، حدثنا سعيد بن منصور قال ، حدثنا خالد ، عن الشيباني ، عن عكرمة: ( تؤتي أكلها كل حين ) ، قال: هي النخلة.

20694 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال ، قال شعيب بن الحبحاب ، عن أنس بن مالك: " الشجرة الطيبة " ، النخلة.

وقال آخرون: بل هي شجرة في الجنة.

* ذكر من قال ذلك: 20695 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا عفان قال ، حدثنا أبو كدينة قال ، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قول الله جلّ وعَزّ : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) ، قال: هي شجرة في الجنة.

(41) * * قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك قولُ من قال: هي " النخلة " ، لصحَّة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما:- 20696 - حدثنا به الحسن بن محمد قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال ، صحبتُ ابنَ عمر إلى المدينة ، فلم أسمعه يُحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثًا واحدًا قال ، كنّا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتي بجُمَّار فقال: من الشَّجر شجرةٌ مَثَلُها مثلُ الرَّجُل المسلم.

فأردت أن أقول " هي النخلة " ، فإذا أنا أصغرُ القوم ، فسكتُّ ، [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي النخلة] .

(42) 20697 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا سليمان ، عن يوسف بن سَرْج ، عن رجل ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل تدرُون ما الشجرة الطيبة ؟

قال ابن عمر: فأردت أنْ أقول " هي النخلة " ، فمنعني مكان عُمَر ، فقالُوا: الله ورسوله أعلم !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النَّخْلة.

(43) 20698 - حدثنا الحسن ، فال: حدثنا يحيى بن حماد قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا لأصحابه: إن شجرةً من الشجر لا تَطرحُ ورقَها مثل المؤمن؟

قال: فوقع الناس في شجر البَدْو ، ووقع في قلبي أنها النخلة ، فاستحييت ، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة.

(44) 20699 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا عاصم بن علي قال ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي قال ، حدثنا عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورَقها ، وهي مثل المؤمن ؛ فتحدثوني ما هي ؟

فذكر نحوه.

(45) 20700 - حدثنا الحسن قال، حدثنا علي قال، حدثنا يحيى بن سعد قال، حدثنا عبيد الله قال، حدثني نافع، عن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة كمثل الرجل المسلم، تُؤتي أكلها كل حين، لا يتحاتُّ ورقها؟

قال: فوقع في نفسي أنها النَّخلة، فكرهت أن أتكلم وثّمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلموا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة.

(46) 20701 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا محمد بن الصباح قال ، حدثنا إسماعيل ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه.

(47) ------------------------ الهوامش: (31) في المطبوعة : " في ذات أصل " ، وهو خطأ بلا ريب .

(32) الآثار : 20674 - 20676 - هذا خبر صحيح الإسناد ، من طرقه الثلاث ، موقوفًا على أنس .

وانظر التعليق على الآثار التالية .

(33) " القنو " ، بكسر فسكون ، وجمعه " أقناء " و " قنوان " بكسر فسكون ، وهو العذق عذق النخلة ، بما فيه من الرطب ، وهو " الكباسة " ، بكسر الكاف .

(34) " القناع " ، بكسر القاف ، و " القنع " ، بكسر فسكون ، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام ، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة ، ويقال هو للرطب خاصة .

و " البسر " .

بضم فسكون ، التمر قبل أن يرطب ، وهو ما لم يلون ولم ينضج ، فإذا نضج فقد أرطب ، فهو رطب .

(35) " القناع " ، بكسر القاف ، و " القنع " ، بكسر فسكون ، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام ، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة ، ويقال هو للرطب خاصة .

و " البسر " .

بضم فسكون ، التمر قبل أن يرطب ، وهو ما لم يلون ولم ينضج ، فإذا نضج فقد أرطب ، فهو رطب .

(36) الآثار : 20677 - 20681 - حديث شعيب بن الحبحاب ، عن أنس ، مروي هنا من خمس طرق : من طريقين مرفوعًا ، من رواية حماد بن سلمة ، عن شعيب ، ( 20678 ، 20679 ) ، ثم من رواية حماد عن شعيب أيضًا موقوفًا ، ( 20680 ) ، ثم من طريقين موقوفًا ، من رواية ابن علية ، عن شعيب ، ومهدي بن ميمون عن شعيب .

( 20677 ، 20681 ) .

فالمرفوع ، أخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 352 ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " ، وأخرجه الترمذي في تفسير هذه السورة .

مطولا ، عن طريق أبي الوليد ، عن حماد بن سلمة ، عن شعيب ، ثم قال : " حدثنا قتيبة ، حدثنا أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب ، عن أبيه ، عن أنس بن مالك نحوه بمعناه ، ولم يرفعه ، ولم يذكر قول أبي العالية ( 20679) .

وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة ..

وروى غير واحد مثل هذا موقوفًا .

ولا نعلم أحدًا رفعه غير حماد بن سلمة .

ورواه معمر ، وحماد بن زيد ، وغير واحد ، ولم يرفعوه .

حدثنا أحمد بن عبدة الضبي .

حدثنا حماد بن زيد ، وعن شعيب بن الحبحاب .

عن أنس بن مالك .

نحو حديث عبد الله بن أبي بكر بن شعيب بن الحبحاب ، ولم يرفعه " .

وخرج المرفوع السيوطي في الدر المنثور 4 : 76 ، ، وزاد نسبته إلى النسائي ، والبزار ، وأبي يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وابن مردويه ، وذكره .

ابن كثير في تفسيره 4 : 561 .

(37) الأثر : 20682 - " طلق " ، هو " طلق بن غنام بن طلق النخعي " ، سلف برقم : 20000 ، روى عنه أبو كريب .

و " شريك " ، هو " شريك بن عبد الله النخعي " القاضي ، روى عنه طلق ، مضى مرارًا كثيرة .

وأمام هذا الخبر علامة في المخطوطة هكذا " ..

" للدلالة على الشك ، وصدق فإنه لم يمض ذكر خبر عبد الله بن مسعود قبل ذلك ، فيقول : " مثله ..

وقد نقله ابن كثير في تفسيره 4 : 559 ، فقال : هكذا رواه السدي ، عن مرة ، عن ابن مسعود قال : " هي النخلة " ، وكذلك السيوطي في الدر المنثور 4 : 76 ، فأخشى أن يكون سقط قبل هذا الخبر خبر فيه نص كلام ابن مسعود (38) ما بين القوسين ، من منتصف الخبر السالف ، إلى هذا الموضع ، ساقط من المطبوعة .

(39) في المطبوعة : " النخلة " .

(40) في المطبوعة : " قال حدثنا الحسن " ، زاد ما لا مكان له .

(41) الأثر : 20695 - " أبو كدينة " ، " يحيى بن المهلب البجلي " ، ثقة ، ربما أخطأ ، يعتبر به ، سلفت ترجمته : 4193 ، 5994 ، 9745 .

و " قابوس بن أبي ظبيان الجنبي " ، ضعيف ، كان رديء الحفظ ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له ، فربما رفع المراسيل ، وأسند الموقوف ، مضى برقم : 9745 ، 10682 ، 16679 .

وأبوه " أبو ظبيان " ، اسمه " حصين بن جندب الجنبي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 9745 ، 10683 ، 16679 .

(42) الأثر : 20696 - إسناده صحيح ، رواه من هذه الطريق أحمد في مسنده رقم : 4599 ، ورواه أحمد أيضًا من طريق شريك ، عن سلمة بن كهيل .

عن مجاهد ، مطولا ومختصرًا ( 5647 ، 5955 ) ورواه البخاري في صحيحة ( الفتح 1 : 151 ) ، ومسلم في صحيحة ( 17 : 152 ) من ثلاث طر ق : من طريق أيوب ، عن أبي الخليل الضبعي ، عن مجاهد ، ومن طريق سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، ومن طريق ابن نمير ، عن أبيه ، عن سيف ، عن مجاهد .

وكان أمام الخبر في المخطوطة حرف ( ط ) ، إشارة إلى ما فيه من النقص الذي أثبته عن مسند أحمد ، ووضعته بين قوسين .

(43) الأثر : 20697 - " سليمان " ، هو " سليمان بن طرخان التيمي " ، مضى مرارًا كثيرة .

و " يوسف بن سرج " ، بالجيم ، نص على ذلك عبد الغني ، في المؤتلف والمختلف : 69 ، والذهبي في المشتبه : 356 ، روى حديثًا مرسلا ، روى عنه سليمان التيمي ، مترجم في الكبير للبخاري 4/2/373 وابن أبي حاتم 4/2/223 : وكأنهما أشارا إلى هذا الخبر .

وكان في المطبوعة هنا : " سرح " بالحاء ، وكذلك في المخطوطة ، وإن كانت تغفل أحيانًا بعض النقط .

(44) الأثر : 20698 - " عبد العزيز " ، هو " عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون " ، أحد الأعلام ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 3/2/12 ، وابن أبي حاتم 2/2/386 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده : 6052 ، من طريق عبد العزيز الماجشون ، عن عبد الله ابن دينار ، مطولا ، ورواه من طريق مالك " عن عبد الله بن دينار ، مطولا : 5274 .

ورواه البخاري في صحيحة من هذه الطريق ( الفتح 1 : 203 ) ، ورواه من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ( الفتح 1 : 133 ، 134 ) ، ومن طريق سليمان بن بلال عن عبد الله ( الفتح 1 : 136 ) .

ورواه مسلم في صحيحه ( 17 : 153 ) من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله .

وانظر التعليق على الخبر التالي .

(45) الأثر : 20699 - " عبد العزيز بن مسلم القسملي " ، صالح الحديث ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 3/2/28 ، وابن أبي حاتم 2/2/394 ، وهذه طريق أخرى للخبر السالف .

(46) الأثر : 20700 - " يحيى بن سعيد بن فروخ " ، القطان ، الحافظ ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة .

و " عبيد الله " ، هو " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب " ، مضى مرارًا .

وهذا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 1 : 286 ) مطولا ، من طريق عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة ، عن عبيد الله بن عمر ، ورواه مسلم في صحيحة ( 17 : 155 ) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة .

وسيأتي من طريق أخرى .

(47) الأثر : 20701 - " محمد بن الصباح الدولابي " ، البزاز ، روى له الجماعة، مضى برقم : 20514 .

و " إسماعيل " ، هو " إسماعيل بن زكريا الخلقاني الأسدي " ، لقبه " شقوصا " ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/355 ، وابن أبي حاتم 1/1/170 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماءفيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : ألم تر كيف ضرب الله مثلا لما ذكر تعالى مثل أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، ذكر مثل أقوال المؤمنين وغيرها ، ثم فسر ذلك المثل فقال : " كلمة طيبة " الثمر ، فحذف لدلالة الكلام عليه .

قال ابن عباس : الكلمة الطيبة [ ص: 314 ] لا إله إلا الله ، والشجرة الطيبة المؤمن .

وقال مجاهد وابن جريج : الكلمة الطيبة الإيمان .

عطية العوفي والربيع بن أنس : هي المؤمن نفسه .

وقال مجاهد أيضا وعكرمة : الشجرة النخلة ; فيجوز أن يكون المعنى : أصل الكلمة في قلب المؤمن - وهو الإيمان - شبهه بالنخلة في المنبت ، وشبه ارتفاع عمله في السماء بارتفاع فروع النخلة ، وثواب الله له بالثمر .

وروي من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن مثل الإيمان كمثل شجرة ثابتة ، الإيمان عروقها والصلاة أصلها والزكاة فروعها والصيام أغصانها والتأذي في الله نباتها وحسن الخلق ورقها والكف عن محارم الله ثمرتها .

ويجوز أن يكون المعنى : أصل النخلة ثابت في الأرض ; أي عروقها تشرب من الأرض وتسقيها السماء من فوقها ، فهي زاكية نامية .

وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك قال : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقناع فيه رطب ، فقال : مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها - قال - هي النخلة ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار - قال - هي الحنظل .

وروي عن أنس قوله وقال : وهو أصح .

وخرج الدارقطني عن ابن عمر قال : ( قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أتدرون ما هي فوقع في نفسي أنها النخلة .

قال السهيلي ولا يصح فيها ما روي عن علي بن أبي طالب أنها جوزة الهند ; لما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر إن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المؤمن خبروني ما هي - ثم قال - هي النخلة خرجه مالك في " الموطأ " من رواية ابن القاسم وغيره إلا يحيى فإنه أسقطه من روايته .

وخرجه أهل الصحيح وزاد فيه الحارث بن أسامة زيادة تساوي رحلة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وهي النخلة لا تسقط لها أنملة وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة .

فبين معنى الحديث والمماثلةوذكر الغزنوي عنه - عليه السلام - : مثل المؤمن كالنخلة إن صاحبته نفعك وإن [ ص: 315 ] جالسته نفعك وإن شاورته نفعك كالنخلة كل شيء منها ينتفع به .

وقال : كلوا من عمتكم يعني النخلة خلقت من فضلة طينة آدم - عليه السلام - وكذلك أنها برأسها تبقى ، وبقلبها تحيا ، وثمرها بامتزاج الذكر والأنثى .

وقد قيل : إنها لما كانت أشبه الأشجار بالإنسان شبهت به ; وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها ، والنخلة إذا قطع رأسها يبست وذهبت أصلا ; ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في الالتقاح لأنها لا تحمل حتى تلقح قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة ) .

والإبار اللقاح وسيأتي في سورة " الحجر " بيانه .

ولأنها من فضلة طينة آدم .

ويقال : إن الله - عز وجل - لما صور آدم من الطين فضلت قطعة طين فصورها بيده وغرسها في جنة عدن .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أكرموا عمتكم قالوا : ومن عمتنا يا رسول الله ؟

قال : النخلة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة : وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وفروعها كشجرة طيبة وهي النخلة أصلها ثابت في الأرض وفرعها منتشر في السماء وهي كثيرة النفع دائما .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألم تر كيف ضرب الله مثلا ) ألم تعلم ، والمثل : قول سائر لتشبيه شيء بشيء .

( كلمة طيبة ) وهي قول : لا إله إلا الله ( كشجرة طيبة ) وهي النخلة يريد كشجرة طيبة الثمر .

وقال ظبيان ، عن ابن عباس هي شجرة في الجنة .

( أصلها ثابت ) في الأرض ( وفرعها ) أعلاها ( في السماء ) كذلك أصل هذه الكلمة : راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق ، فإذا تكلم بها عرجت ، فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله عز وجل .

قال الله تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ( فاطر - 10 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم تر» تنظر «كيف ضرب الله مثلا» ويبدل منه «كلمة طيبة» أي لا إله إلا الله «كشجرة طيبة» هي النخلة «أصلها ثابت» في الأرض «وفرعها» غصنها «في السماء».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تعلم -أيها الرسول- كيف ضرب الله مثلا لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بشجرة عظيمة، وهي النخلة، أصلها متمكن في الأرض، وأعلاها مرتفع علوًّا نحو السماء؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، أتبع ذلك بضرب مثل لهما زيادة فى التوضيح والتقرير فقال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً .

.

.

) .والخطاب فى قوله ( أَلَمْ تَرَ .

.

.

) للرسول - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب ، والاستفهام للتقرير ، والرؤية مستعملة فى العلم الناشئ عن التأمل والتفكر فى ملكوت السموات والأرض .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ .

.

.

) هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب ، وقد يذكر لمن ليس كذلك ، فيكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهر فى ذلك حتى أجرى مجرى المثل فى ذلك ، بأن شبه من لم ير الشئ بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه ، ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى ، قصدا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب .والمثل : يطلق على القول السائر المعروف للماثلة مضربه لمورده .وقوله ( مثلا ) انتصب على أنه مفعول به لضرب ، وقوله ( كلمة ) بدل منه أو عطف بيان .والمراد بالكلمة الطيبة : كلمة الإِسلام ، وما يترتب عليها من عمل صالح ، وقول طيب .قال الآلوسى ما ملخصه : " والمراد بالشجرة الطيبة - المشبه بها - النخلة عند الأكثرين وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن زيد .

.وأخرج عبد الرازاق والترمذى وغيرهما عن شيعب بن الحجاب قال : كنا عند أنس ، فأتينا بطيق عليه رطب ، فقال أنس لأبى العالية : كل يا أبا العالية ، فإن هذا من الشجرة التى ذكرها الله - تعالى - فى كتابه ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ .

.

.

)وأخرج الترمذى - أيضا - والنسائى وابن حبان والحاكم وصححه عن أنس قال : " أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقناع من بسر - أى بطبق من تمر لم ينضج بعد فقال : " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة .

.

قال : هى النخلة " " .وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها شجرة جوز الهند .وأخرج ابن حرير وابن أبى حاتم أنها شجرة فى الجنة ، وقيل كل شجرة مثمرة كالنخلة ، وكشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك ثم قال :" وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت حمل ما فيه على التمثيل لا ينبغى العدول عنه " .وكأن الإِمام الآلوسى بهذا القول يريد أن يرجح أن المراد بالشجرة الطيبة النخلة ، لتصريح الآثار بذلك .وقد رجح ابن جرير - أيضا - أن المراد بها النخلة فقال ما ملخصه : " واختلفوا فى المراد بالشجرة الطيبة ، فقال بعضهم : هى النخلة .

.

وقال آخرون : هى شجرة فى الجنة .

.وأولى القولين بالصواب فى ذلك قول من قال هى النخلة ، لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك .

.

.

"والمعنى : ألم تر - أيها المخاطب - كيف اختار الله - تعالى - مثلا ، وضعه فى موضعه اللائق به ، والمناسب له ، وهذا المثل لكلمتى الإِيمان والكفر ، حيث شبه - سبحانه الكلمة الطيبة وهى كلمة الإِسلام ، بالشجرة الطيبة ، أى النافعة فى جميع أحوالها ، وهى النخلة .ثم وصف - سبحانه - هذه الشجرة بصفات حسنة فقال : ( أَصْلُهَا ثَابِتٌ ) .أى : ضارب بعروقه فى باطن الأرض فصارت بذلك راسخة الأركان ثابتة البنيان .( وَفَرْعُهَا ) أى : أعلاها وما امتد منها من أغصان ، مشتق من الاقتراع بمعنى الاعتلاء ( فِي السمآء ) أى : فى جهة السماء من حيث العلو والارتفاع ، وهذا ما يزيد الشجرة جمالا وحسن منظر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء، ذكر مثالاً يبين الحال في حكم هذين القسمين، وهو هذا المثل.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها.

فالصفة الأولى: لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أموراً.

أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل.

وثانيها: كونها طيبة الرائحة.

وثالثها: كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة.

ورابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها، ويجب حمل قوله: شجرة طيبة، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾ أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَفَرْعُهَا فِي السمآء ﴾ وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين: الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق.

والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب.

والصفة الرابعة: قوله: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ والمراد: أن الشجرة المذكورة كانت موصوفة بهذه الصفة، وهي أن ثمرتها لابد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات، ولا تكون مثل الأشجار التي يكون ثمارها حاضراً في بعض الأوقات دون بعض، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها الله تعالى في هذا الكتاب الكريم ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها فإنه لايجوز له أن يتغافل عنها وأن يتساهل في الفوز بها.

إذا عرفت هذا فنقول: معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته وطاعته، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع.

أما الصفة الأولى: وهي كونها طيبة فهي حاصلة، بل نقول: لا طيب ولا لذيذ في الحقيقة إلا هذه المعرفة وذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة المعينة إنما حصلت، لأن إدراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن، فلأجل حصول تلك الملاءمة والمناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة وهاهنا الملائم لجوهر النفس النطقية والروح القدسية، ليس إلا معرفة الله تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج به فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جداً، بل نقول: اللذة الحاصلة من إدراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالاً من اللذة الحاصلة بسبب إشراق جوهر النفس بمعرفة الله وبيان هذا التفاوت من وجوه: الوجه الأول: أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس يلاقي سطح المحسوس فقط، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس فليس الأمر كذلك، لأن الأجسام يمتنع تداخلها أما هاهنا فمعرفة الله تعالى وذلك النور وذلك الإشراق صار سارياً في جوهر النفس متحداً به وكأن النفس عند حصول ذلك الإشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الإشراق فهذا فرق عظيم بين البابين.

والوجه الثاني: في الفرق أن في الالتذاذ بالفاكهة المدرك هو القوة الذائقة، والمحسوس هو الطعم المخصوص وهاهنا المدرك هو جوهر النفس القدسية، والمعلوم والمشعور به هو ذات الحق جل جلاله، وصفات جلاله وإكرامه، فوجب أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر.

الوجه الثالث: في الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما حصلت زالت في الحال، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغير، أما كمال الحق وجلاله فإنه ممتنع التغير والتبدل واستعداد جوهر النفس لقبول تلك السعادة أيضاً ممتنع التغير، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه.

واعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فليكتف بهذه الوجوه الثلاثة تنبيهاً للعقل السليم على سائرها.

وأما الصفة الثانية وهي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل، فهذه الصفة في شجرة معرفة الله تعالى أقوى وأكمل، وذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية، وهذا الجوهر جوهر مجرد عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء، وأيضاً مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجلي جلال الله تعالى، وهذا التجلي من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور، وذلك مما يمتنع عقلاً زواله لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته، وواجب الوجود في جميع صفاته والتغير والفناء والتبدل والزوال والبخل والمنع محال في حقه، فثبت أن الشجرة الموصوفة بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة.

الصفة الثالثة: لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء.

واعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان صاعدة في هواء العالم الجسماني.

وأما النوع الأول: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: «التعظيم لأمر الله» ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في عالم الأرواح، وفي عالم الأجسام، وفي أحوال عالم الأفلاك والكواكب، وفي أحوال العالم السفلي، ويدخل فيه محبة الله تعالى والشوق إلى الله تعالى والمواظبة على ذكر الله تعالى والاعتماد بالكلية على الله تعالى، والانقطاع بالكلية عما سوى الله تعالى والاستقصاء في ذكر هذه الأقسام غير مطموع فيه لأنها أحوال غير متناهية.

وأما النوع الثاني: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: «والشفقة على خلق الله» ويدخل فيه الرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن الذنوب، والسعي في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، ومقابلة الإساءة بالإحسان.

وهذه الأقسام أيضاً غير متناهية وهي فروع ثابتة من شجرة معرفة الله تعالى فإن الإنسان كلما كان أكثر توغلاً في معرفة الله تعالى كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل.

وأما الصفة الرابعة: فهي قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ فهذه الشجرة أولى بهذه الصفة من الأشجار الجسمانية، لأن شجرة المعرفة موجبة لهذه الأحوال ومؤثرة في حصولها والسبب لا ينفك عن المسبب فأثر رسوخ شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون نظره بالعبرة كما قال: ﴿ فاعتبروا ياأولي الأبصار  ﴾ وأن يكون سماعه بالحكمة كما قال: ﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب كما قال: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ  ﴾ وقال عليه السلام: «قولوا الحق ولو على أنفسكم» وهذا الإنسان كلما كان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى وأكمل، كان ظهور هذه الآثار عنده أكثر، وربما توغل في هذا الباب فيصير بحيث كلما لاحظ شيئاً لاحظ الحق فيه، وربما عظم ترقيه فيه فيصير لا يرى شيئاً إلا وقد كان قد رأى الله تعالى قبله.

فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ وأيضاً فما ذكرناه إشارة إلى الإلهامات النفسانية والملكات الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ولحظة ولمحة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل، كثمرة هذه الشجرة.

وأما قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ ففيه دقيقة عجيبة، وذلك لأن عند حصول هذه الأحوال السنية، والدرجات العالية، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي، وقد يترقى فلا يفرح بها من حيث هي هي، وإنما يفرح بها من حيث إنها من المولى، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال، ولذلك قال بعض المحققين: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني، ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول، فقد ظهر بهذا التقرير الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره الله تعالى في هذا الكتاب مثال هادٍ إلى عالم القدس، وحضرة الجلال، وسرادقات الكبرياء، فنسأل الله تعالى مزيد الاهتداء والرحمة إنه سميع مجيب، وذكر بعضهم في تقرير هذا المثال كلاماً لا بأس به، فقال: إنما مثل الله سبحانه وتعالى الإيمان بالشجرة، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة، إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وأغصان عالية.

كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: معرفة في القلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: في نصب قوله: ﴿ كَلِمَةً طَيّبَةً ﴾ وجهان: الأول: أنه منصوب بمضمر والتقدير: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً ﴾ .

الثاني: قال ويجوز أن ينتصب مثلاً.

وكلمة بضرب، أي ضرب كلمة طيبة مثلاً بمعنى جعلها مثلاً، وقوله: ﴿ كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هي كشجرة طيبة.

الثالث: قال صاحب حل العقد أظن أن الأوجه أن يجعل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ﴾ عطف بيان، والكاف في قوله: ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾ في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين.

وقال صاحب الكشاف: إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان، وأراد بشجرة طيبة الثمرة، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت، وفرعها أي أعلاها في السماء، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء ﴿ تُؤْتِى ﴾ أي هذه الشجرة ﴿ أُكُلُهَا ﴾ أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين، فقال: الحين ستة أشهر، وتلا قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ وقال مجاهد وابن زيد: سنة، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة.

وقال سعيد بن المسيب: شهران، لأن مدة إطعام النخلة شهران.

وقال الزجاج: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت، والمراد من قوله: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلاً أو نهاراً أو شتاء أو صيفاً.

قالوا: والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة.

وأقول: هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل، واختلافهم في تفسير الحين أيضاً من هذا الباب، والله أعلم بالأمور.

ثم قال: ﴿ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .

فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله، فإنه أول الآفات وعنوان المخافات ورأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة: الصفة الأولى: أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم، لأنه صلى الله عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة، وقيل: إنها الكراث.

وقيل: إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار وقيل: إنها شجرة الشوك.

واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة وقد تكون بحسب الطعم، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر وقد تكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن موجودة، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعاً في المطلوب.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض ﴾ وهذه الصفة في مقابلة قوله: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾ ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الإجتثاث أخذ الجثة كلها، وقوله: ﴿ مِن فَوْقِ الأرض ﴾ معناه: ليس لها أصل ولا عرق، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة.

والصفة الثالثة: قوله ما لها من قرار، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية، والمعنى أنه ليس لها استقرار.

يقال: قر الشيء قراراً كقولك: ثبت ثباتاً، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت.

واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال، وذلك لأنه تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة، وخالية عن كل المنافع أما كونها موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله: ﴿ خَبِيثَةٍ ﴾ وأما كونها خالية عن كل المنافع فإليه الإشارة بقوله: ﴿ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مالَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ ألم تر ﴾ ساكنة الراء، كما قرئ: ﴿ من يتق ﴾ ، وفيه ضعف ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً ﴾ اعتمد مثلاً ووضعه.

و ﴿ كَلِمَةً طَيّبَةً ﴾ نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة ﴿ كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً ﴾ كقولك: شرّف الأمير زيداً: كساه حلة، وحمله على فرس.

ويجوز أن ينتصب ﴿ مثل الذين ﴾ و ﴿ كَلِمةًَ ﴾ بضرب، أي: ضرب كلمة طيبة مثلاً، بمعنى جعلها مثلاً ثم قال: ﴿ كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ ﴾ على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى هي كشجرة طيبة ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾ يعني في الأرض ضارب بعروقه فيها ﴿ وَفَرْعُهَا ﴾ وأعلاها ورأسها ﴿ فِى السماء ﴾ ويجوز أن يريد: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس.

وقرأ أنس بن مالك ﴿ كشجرة طيبة ثابت ﴾ أصلها فإن قلت: أيّ فرق بين القراءتين؟

قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى؛ لأنّ في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة، وإذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، فهو أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه؛ لأنّ المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل.

والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد.

وقيل: كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

وعن ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله.

وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان وغير ذلك وعن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي» فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبياً، فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم.

وروي: فمنعني مكان عمر واستحييت، فقال لي عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحبّ إليّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا إنها النخلة» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: شجرة في الجنة وقوله: ﴿ فِى السماء ﴾ معناه في جهة العلوّ والصعود، ولم يرد المظلة، كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها ﴿ بِإِذْنِ رَبّهَا ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ كَيْفَ اعْتَمَدَهُ ووَضَعَهُ.

﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ أيْ جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ كَلِمَةً ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ مَثَلا ﴾ و ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾ صِفَتُها أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾ ، وأنْ تَكُونَ أوَّلَ مَفْعُولَيْ ضَرَبَ إجْراءً لَهُ مَجْرى جَعَلَ وقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها.

﴿ وَفَرْعُها ﴾ وأعْلاها ﴿ فِي السَّماءِ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ وفُرُوعَها أيْ أفَناءَها عَلى الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ لِاكْتِسابِهِ الِاسْتِغْراقَ مِنَ الإضافَةِ.

وَقُرِئَ « ثابِتٌ أصْلُها» والأوَّلُ عَلى أصْلِهِ ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ أقْوى ولَعَلَّ الثّانِيَ أبْلَغُ.

﴿ تُؤْتِي أُكُلَها ﴾ تُعْطِي ثَمَرَها.

﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها.

﴿ بِإذْنِ رَبِّها ﴾ بِإرادَةِ خالِقِها وتَكْوِينِهِ.

﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ، فَإنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي وإدْناءٌ لَها مِنَ الحِسِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً} أي وصفه وبينه {كَلِمَةً طَيّبَةً} نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} وهو تفسير لقوله ضرب الله مثلا نحو سرف الأمير زيداً كساه حلة وحمله على فرس أو انتصب مثلا وكلمة يضرب أي ضرب كلمة طيبة مثلاً يعني جعلها مثلاً ثم قال كشجرة طيبة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة طيبة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} أي في الأرض ضارب بعروقه فيها {وَفَرْعُهَا} وأعلاها ورأسها {فِي السماء} والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أصلها تصديق بالجنان وفرعها إقرار باللسان وأكلها عمل الأركان وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملاً فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملاً ولكن الأشجار لا تراد إلا للثمار فما أقوات النار إلا من الأشجار إذا اعتادت الإخفار في عهد الاثمار والشجرة كل

إبراهيم (٢٥ _ ٢٨)

شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين ونحو ذلك والجمهور على أنها النخلة فعن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم إن الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي فوقع الناس في شجر البوادي وكنت صبياً فوقع في قلبي أنها النخلة فهبت

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنها النغلة فقال عمر يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ الخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: لِمَن يَصْلُحُ لَهُ والفِعْلُ مُعَلَّقٌ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ أيْ كَيْفَ اعْتَمَلَهُ ووَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ مَثَلا ﴾ و ﴿ ضَرَبَ ﴾ مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَما ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ وهو عَلى ما قِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ ولَوْ جُعِلَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ لَمْ يَبْعُدْ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ كَلِمَةً طَيِّبَةً إلّا بِضَمِّ ﴿ مَثَلا ﴾ إلَيْهِ فَمَثَلًا هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ فَكَيْفَ يُبْدَلُ مِنهُ غَيْرُهُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا بِناءً عَلى ظاهِرِ قَوْلِ النُّحاةِ: إنَّ المُبْدَلَ في نِيَّةِ الطَّرْحِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ صِفَةُ ﴿ كَلِمَةً ﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي كَشَجَرَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ كَلِمَةً ﴾ مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ و ﴿ ضَرَبَ ﴾ أيْضًا مُتَعَدِّيَةً لِواحِدٍ أيْ جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أيْ حُكِمَ بِأنَّها مِثْلُها والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفَ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.

وأجابَ عَنْهُ السَّمِينُ بِما فِيهِ بَحْثٌ وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿ ضَرَبَ ﴾ المَذْكُورُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ إمّا لِكَوْنِهِ بِمَعْنى جَعَلَ واتَّخَذَ أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ و ﴿ كَلِمَةً ﴾ أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ قَدْ أُخِّرَ عَنْ ثانِيهِما أعْنِي ﴿ مَثَلا ﴾ لِئَلّا يَبْعُدَ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هي ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾ قِيلَ: ولا يَرِدُ عَلى هَذا بِأنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ مَثَلًا لا كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا لِأنَّ المَثَلَ عَلَيْهِ بِمَعْنى المُمَثَّلِ بِهِ والتَّقْدِيرُ ذاتُ مَثَلٍ أوَّلُها مَثَلًا وقُرِئَ ( كَلِمَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِكَوْنِها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً والخَبَرُ ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾ صِفَةً أُخْرى ﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ أيْ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ في الأرْضِ وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٍ أصْلُها ) وقِراءَةُ الجَماعَةِ عَلى الأصْلِ وذَكَرُوا أنَّها أقْوى مَعْنًى.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لِأنَّكَ إذا قُلْتَ ثابِتٍ أصْلُها فَقَدْ أجْرَيْتَ الصِّفَةَ عَلى شَجَرَةٍ ولَيْسَ الثَّباتِ لَها إنَّما هو لِلْأصْلِ والصِّفَةُ إذا كانَتْ في المَعْنى لِما هو مِن سَبَبِ المَوْصُوفِ قَدْ تَجْرِي عَلَيْهِ لَكِنَّها أخَصُّ بِما هي لَهُ لَفْظًا ومَعْنًى فالأحْسَنُ تَقْدِيمُ الأصْلِ عِنايَةً بِهِ ومِن ثَمَّ قالُوا: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ فَقَدَّمُوا المَفْعُولَ عِنايَةً بِهِ حَيْثُ أنَّ الغَرَضَ لَيْسَ ذِكْرَ الفاعِلِ وإنَّما هو ذِكْرُ المَفْعُولِ ثُمَّ لَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَيْثُ أزالُوهُ عَنْ لَفْظِ الفَضْلَةِ وجَعَلُوهُ رَبَّ الجُمْلَةِ لَفْظًا فَرَفَعُوهُ بِالِابْتِداءِ وصارَ ضَرَبْتُهُ ذَيْلًا لَهُ وفَضْلَةً مُلْحَقَةً بِهِ وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ أقْوى مَعْنًى مِن قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ أبُوهُ لِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِالقِيامِ إنَّما هو الأبُ لا الرَّجُلُ مَعَ ما في التَّقْدِيمِ هُنا مِن حُسْنِ التَّقابُلِ والتَّقْسِيمِ إلّا أنَّ لِقِراءَةِ أنْسٍ وجْهًا حَسَنًا وهو أنَّ ( ثابِتٍ أصْلُها ) صِفَةُ الشَّجَرَةِ وأصْلُ الصِّفَةِ أنْ تَكُونَ اسْمًا مُفْرَدًا لِأنَّ الجُمْلَةَ إذا وقَعَتْ صِفَةً حُكِمَ عَلى مَوْضِعِها بِإعْرابِ المُفْرَدِ وذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الجُمْلَةِ بِخِلافِ ﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ فَإنَّهُ جُمْلَةٌ قَطْعًا وقالَ بَعْضُهم: إنَّها أبْلَغُ ولَمْ يَذْكُرْ وجْهَ ذَلِكَ فَزَعَمَ مَن زَعَمَ أنَّهُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن وجْهِ الحُسْنِ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ.

وقالَ ابْنُ تَمْجِيدٍ: هو أنَّهُ كَوَصْفِ الشَّيْءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً صُورَةً ومَرَّةً مَعْنًى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ كَما في ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ: ( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٍ ) تَبادَرَ الذِّهْنُ مِن جَعْلِ ( ثابِتٍ ) صِفَةً لِشَجَرَةٍ صُورَةً أنَّ شَيْئًا مِنَ الشَّجَرَةِ مُتَّصِفٌ بِالثَّباتِ ثُمَّ لَمّا قِيلَ: ( أصْلُها ) عُلِمَ صَرِيحًا أنَّ الثَّباتَ صِفَةُ أصْلِ الشَّجَرَةِ وقِيلَ: كَوْنُها أكْثَرَ مُبالَغَةً لِجَعْلِ الشَّجَرَةِ بِثَباتِ أُصُولِها ثابِتَةً بِجَمِيعِ أغْصانِها فَتَدَبَّرْ ﴿ وفَرْعُها ﴾ أيْ أعْلاها مِن قَوْلِهِمْ: فَرَعَ الجَبَلَ إذا عَلاهُ وسُمِّيَ الأعْلى فَرْعًا لِتَفَرُّعِهِ عَلى الأصْلِ ولِهَذا أُفْرِدَ وإلّا فَكُلُّ شَجَرَةٍ لَها فُرُوعٌ وأغْصانٌ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الفُرُوعُ لِأنَّهُ مُضافٌ والإضافَةُ حَيْثُ لا عَهْدَ تَرِدُ لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ وإضافَتُهُ عَلى ما اشْتُهِرَ تُفِيدُ العُمُومَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وفُرُوعُها ﴿ فِي السَّماءِ ﴾ .

(24) .

أيْ في جِهَةِ العُلُوِّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا يقول: كيف بيّن الله شبهاً كَلِمَةً طَيِّبَةً وهي كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، لا تكون في كلمة التوحيد زيادة ولا نقصان، ولكن يكون لها مدد وهو التوفيق للطاعة في الأوقات كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهي النخلة.

كما أنه ليس في الثمار شيء أحلى وأطيب من الرطب، فكذلك ليس في الكلام شيء أطيب من كلمة الإخلاص.

ثم وصف النخلة فقال: أَصْلُها ثابِتٌ يعني: في الأرض وَفَرْعُها فِي السَّماءِ يعني: رأسها في الهواء فكذلك الإخلاص يثبت في قلب المؤمن، كما تثبت النخلة في الأرض.

فإذا تكلم المؤمن بالإخلاص، فإنها تصعد في السماء، كما أن النخلة رأسها في السماء، وكما أن النخلة لها فضل على سائر الشجر في الطول واللون والطيب والحسن، فكذلك كلمة الإخلاص لها فضل على سائر الكلام، فهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول: أَصْلُها ثابِتٌ يعني: أنّ المعرفة في قلب المؤمن ثابتة كالشجرة الثابتة في الأرض، بل هي أثبت في الشجرة في الأرض، لأن الشجرة تقطع ومعرفة العارف لا يقدر أحد أن يخرجها من قلبه، إلا المعرف الذي عرفه.

ويقال: وَفَرْعُها فِي السَّماءِ يعني: ترفع أعمال المؤمن المصدق إلى السماء، لأن الأعمال لا تقبل بغير إيمان، فالإيمان أصل، والأعمال فرع الإيمان، فترفع أعماله وتقبل منه.

ثم قال: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ يعني: تخرج ثمارها في كل وقت، وتخرج منها في كل وقت من ألوان المنفعة كُلَّ حِينٍ يعني: في كل وقت.

روى الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس أنه قال: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ قال: «غدوة وعشية» .

وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: «النخلة يكون حملها شهرين.

فنرى أن الحين شهران» .

وروى هشام بن حسان، عن عكرمة، أنه قال: حلف رجل فقال: إن فعلت كذا إلى حين، فعليَّ كذا.

فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى ناس من الفقهاء فسألهم، فلم يقولوا شيئاً، قال عكرمة.

فقلت: إن من الحين حيناً لا يدرك كقوله تعالى وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: 88] وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يونس: 98] ومنها ما يدرك كقوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ فأراد ما بين خروج الثمرة إلى صرامها، فأراد به ستة أشهر.

قال: فأعجب بذلك أي: فرح بذلك عمر بن عبد العزيز.

وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن امرأة حلفت ألاَّ تدخل على أهلها حيناً، قال: الحين ما بين أن يطلع الطلع إلى أن يجد، فبين أن يجد إلى أن: يطلع الطلع، ستة أشهر.

وعن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: «الحين ما بين الثمرتين» .

أي سنة.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: «الحين السنة» .

وعن مقاتل: سنة.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الحين ستة أشهر.

وقال عكرمة: النخلة لا يزال فيها شيء ينتفع به إما ثمرة وإما حطبه، فكذلك الكلمة الطيبة ينتفع بها صاحبها في الدنيا والآخرة.

ثم قال تعالى: بِإِذْنِ رَبِّها أي: بأمر ربها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ يعني: يبيّن الله الأشباه لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: يتعظون، ويتفكرون في الأمثال فيوحّدونه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَلا تَلُومُونِي: يريد: بزعمه إِذ لا ذَنْبَ لي، وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ، أي:

في سوء نَظَركم في اتباعي، وقلَّةِ تثبُّتكم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ: «المُصْرِخُ» : المغيث، والصَّارِخُ: المستغيث، وأما الصَّريخ، فهو مصدَرٌ بمنزلة البَريح، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ: «ما» مصدريةٌ، وكأنه يقول: إِني الآن كافرٌ بإِشراككم إِيَّايَ مع اللَّه قَبْلَ هذا الوَقْتِ، فهذا تَبَرٍّ منه، وقد قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤] .

وقوله عزَّ وجلَّ: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ: «الإِذن» هنا: عبارةٌ عن القضاء والإمضاء.

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً: أَلَمْ تَرَ: بمعنى: ألم تعلَمْ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمة الطَّيِّبة: هي لا إله إِلا اللَّه «١» ، مَثَّلها اللَّه سبحانه بالشَّجَرة الطَّيِّبة، وهي النَّخْلة في قول أكثر المتأوِّلين، فكأنَّ هذه الكلمة أصلها ثابتٌ في قلوبِ المؤمنين، وفَضْلُها وما يَصْدُرُ عنها من الأفعال الزكيَّة وأنواعِ الحسناتِ هو فَرْعُها يَصْعُد إِلى السماء مِنْ قِبَلِ العبدِ، والحِين: القطعةُ من الزمان غيرُ مَحْدُودةٍ كقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: ٨٨] ، وقد تقتضي لفظة «الحِينِ» بقرينتها تحديداً كهذه الآية، و «الكلمةُ الخبيثةُ» : هي كلمة الكفر، وما قاربها مِنْ كلامِ السوءِ في الظلمِ ونحوه، و «الشجرة الخبيثة» : قال أكثر المفسِّرين: هي شجرة الحنظل ورواه أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» وهذا عندي عَلَى جهة المَثَلِ، «اجتثت» : أي: اقتلعت جثتها بنزع الأصولِ، وبقيَتْ في غاية الوهَنِ والضَّعْفِ، فتقلبها أقلُّ ريحٍ، فالكافر يَرَى أنَّ بيده شيئاً، وهو لا يستقرُّ ولا يُغْنِي عنه كهذه الشجرة الذي يُظَنُّ بها عَلَى بُعْدِ أو للجَهْلِ بها أنها شيءٌ نافع، وهي خبيثة الجني غير باقية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألَمْ تَرَ بِعَيْنِ قَلْبِكَ فَتَعْلَمَ بِإعْلامِي إيّاكَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، أيْ: بَيَّنَ شَبَهًا، ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ أيْ: طَيِّبَةِ الثَّمَرَةِ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّمَرَةِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

وَفِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها النَّخْلَةُ، وهو في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ  ، وقَدْ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها المُؤْمِنُ، وأصْلُهُ الثّابِتُ أنَّهُ يَعْمَلُ في الأرْضِ ويَبْلُغُ عَمَلُهُ السَّماءَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴾ فالمُؤْمِنُ يَذْكُرُ اللَّهَ كُلَّ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ أيْ: في الأرْضِ، ﴿ وَفَرْعُها ﴾ أعْلاها عالٍ ﴿ فِي السَّماءِ ﴾ أيْ: نَحْوَ السَّماءِ، وأُكُلُها: ثَمَرُها، وفي الحِينِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: سِتَّةُ أشْهُرٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ السَّنَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ شَهْرانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ وكُلُّ ساعَةٍ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

فَمَن قالَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، أشارَ إلى مُدَّةِ حَمْلِها باطِنًا وظاهِرًا، ومَن قالَ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَهي مُدَّةُ حَمْلِها إلى حِينِ صِرامِها، ومَن قالَ: بُكْرَةٌ وعَشِيَّةٌ، أشارَ إلى الِاجْتِناءِ مِنها، ومَن قالَ: سَنَةٌ، أشارَ إلى أنَّها لا تَحْمِلُ في السَّنَةِ إلّا مَرَّةً، ومَن قالَ: شَهْرانِ، فَهو مُدَّةُ صَلاحِها.

قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لا يَكُونُ في النَّخْلَةِ أُكُلُها إلّا شَهْرَيْنِ.

ومَن قالَ: كُلُّ ساعَةٍ، أشارَ إلى أنَّ ثَمَرَتَها تُؤْكَلُ دائِمًا.

قالَ قَتادَةُ: تُؤْكَلُ ثَمَرَتُها في الشِّتاءِ والصَّيْفِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الطَّلْعُ في الشِّتاءِ مِن أُكُلِها، والبَلَحُ والبُسْرُ والرُّطَبِ والتَّمْرِ في الصَّيْفِ.

فَأمّا الحِكْمَةُ في تَمْثِيلِ الإيمانِ بِالنَّخْلَةِ، فَمِن أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها شَدِيدَةُ الثُّبُوتِ، فَشُبِّهَ ثَباتُ الإيمانِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ بِثَباتِها.

والثّانِي: أنَّها شَدِيدَةُ الِارْتِفاعِ، فَشُبِّهَ ارْتِفاعُ عَمَلِ المُؤْمِنِ بِارْتِفاعِ فُرُوعِها.

والثّالِثُ: أنَّ ثَمَرَتَها تَأْتِي في كُلِّ حِينٍ، فَشُبِّهَ ما يَكْسِبُ المُؤْمِنُ مِن بَرَكَةِ الإيمانِ وثَوابِهِ في كُلِّ وقْتٍ بِثَمَرَتِها المُجْتَناةِ في كُلِّ حِينٍ عَلى اخْتِلافِ صُنُوفِها، فالمُؤْمِنُ كُلَّما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، صَعِدَتْ إلى السَّماءِ، ثُمَّ جاءَهُ خَيْرُها ومَنفَعَتُها.

والرّابِعُ: أنَّها أشْبَهُ الشَّجَرِ بِالإنْسانِ، فَإنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ يُقْطَعُ رَأْسُها تَتَشَعَّبُ غُصُونُها مِن جَوانِبِها، إلّا هي، إذا قُطِعَ رَأْسُها يَبِسَتْ، ولِأنَّها لاتَحْمِلُ حَتّى تُلَقَّحَ، ولِأنَّها فَضْلَةُ تُرْبَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُرْوى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةً أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَماءِ ﴾ ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ بِمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ، و"مَثَلًا" مَفْعُولٌ لِـ "ضَرَبَ"، و"كَلِمَةً" مَفْعُولٌ أوَّلٌ بِها، و"ضَرَبَ" هَذِهِ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها بِمَنزِلَةِ "جَعَلَ" ونَحْوِهِ، إذْ مَعْناها، جَعَلَ ضَرْبَها، وقالَ المَهْدَوِيُّ: "مَثَلًا" مَفْعُولٌ، و"كَلِمَةً" بَدَلٌ مِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنَّما أوهَمَ في هَذا قِلَّةُ التَحْرِيرِ في "ضَرَبَ" هَذِهِ.

والكافُ في قَوْلِهِ: "كَشَجَرَةٍ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُشَبَّهَةٌ بِشَجَرَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: الكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ هي "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، مَثَّلَها اللهُ بِالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ وهي النَخْلَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وفَضْلُها وما يَصْدُرُ عنها مِنَ الأفْعالِ الزَكِيَّةِ والخَبِيثَةِ وما يَتَحَصَّلُ عَلَيْها مِن عَفْوِ اللهِ ورَحْمَتِهِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَماءِ مِن قِبَلِ العَبْدِ، ويَتَنَزَّلُ مِنها قِبَلَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "ثابِتٌ أصْلُها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَثَّلَ اللهُ بِالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ المُؤْمِنَ نَفْسَهُ، إذِ الكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ لا تَقَعُ إلّا مِنهُ، فَكَأنَّ الكَلامَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ وقائِلُها، وكَأنَّ المُؤْمِنَ ثابِتٌ في الأرْضِ، وأفْعالُهُ وأقْوالُهُ صاعِدَةٌ، فَهو كَشَجَرَةٍ فَرْعُها في السَماءِ، وما يَكُونُ أبَدًا مِنَ المُؤْمِنِ مِنَ الطاعَةِ أو عَلى الكَلِمَةِ مِنَ الفَضْلِ والأجْرِ والغُفْرانِ هو بِمَثابَةِ الأكْلِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ كُلَّ حِينٍ، وقَوْلُهُ عَنِ الشَجَرَةِ: ﴿ وَفَرْعُها في السَماءِ ﴾ أيْ: في الهَواءِ نَحْوَ السَماءِ، وهَذا كَما تَقُولُ عَنِ المُسْتَطِيلِ: نَحْوَ الهَواءِ، وفي الحَدِيثِ: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ طُولُهُ في السَماءِ سِتُّونَ ذِراعًا"، والقَيْدُودَةُ: الطَوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ انْقادَ وامْتَدَّ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الشَجَرَةُ الطَيِّبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: النَخْلَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ فِي أحادِيثَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ إلّا أنَّها كُلُّ ما اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ فَيَدْخُلُ فِيهِ النَخْلَةُ وغَيْرُها، وقَدْ شَبَّهَ الرَسُولَ عَلَيْهِ السَلامُ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَتَعَذَّرُ أيْضًا أنْ يُشَبِّهَ بِشَجَرَتِها، و"الأُكُلُ": الثَمَرُ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ "أُكُلَها" بِضَمِّ الكافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ ، الحِينُ في اللُغَةِ: القَطِيعُ مِنَ الزَمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ  ﴾ ، وَقَدْ تَقْتَضِي لَفْظَةُ "الحِينِ" بِقَرِينَتِها تَحْدِيدًا كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ، قالُوا: مَن حَلَفَ ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴾ أيْ: كُلَّ سَنَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: أيْ كُلَّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: الحِينُ: شَهْرانِ، لِأنَّ النَخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ أيْ: كُلَّ غَدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ ومَتى أُرِيدَ جَناها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَكَذا يُشْبِهُها المُؤْمِنُ الَّذِي هو في جَمِيعِ أيّامِهِ في عَمَلٍ، والكَلِمَةُ الَّتِي أخْرَجَها والصادِرُ عنها مِنَ الأعْمالِ مُسْتَمِرٌّ، فَيُشْبِهُ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما شَبَّهَ المُؤْمِنَ أوِ الكَلِمَةَ بِالشَجَرَةِ في حالِ إثْمارِها، إذْ تِلْكَ أفْضَلُ أحْوالِها، وتَأوَّلَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ أنَّ أُكُلَ الطَلْعِ في الشِتاءِ، وأنَّ أُكُلَ الثَمَرِ في كُلِّ وقْتٍ مِن أوقاتِ العامِ وهو إتْيانُ أُكُلٍ وإنَّ فارَقَ النَخْلَ، وإنْ فَرَضْنا التَشْبِيهَ بِها عَلى الإطْلاقِ وهي إنَّما تُؤْتِي في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ فالمَعْنى: كَشَجَرَةٍ لا تَخْلُ بِما جُعِلَتْ لَهُ مِنَ الإتْيانِ بِالأُكُلِ في الأوقاتِ المَعْلُومَةِ، فَكَذَلِكَ هو المُؤْمِنُ لا يَخْلُ بِما يُسِرُّ لَهُ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، أوِ الكَلِمَةِ الَّتِي لا تَغِيبُ بَرَكَتُها والأعْمالُ الصادِرَةُ عنها، بَلْ هي في حِفْظِ النِظامِ كالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ في حِفْظِ وقْتِها المَعْلُومِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ومِن قالَ: "الحِينُ سَنَةٌ" راعى أنَّ ثَمَرَ النَخْلَةِ وجَناها إنَّما يَأْتِي كُلَّ سَنَةٍ، ومَن قالَ: "سِتَّةُ أشْهُرٍ" راعى مِن وقْتِ جَدادِ النَخْلَةِ إلى حَمْلِها مِنَ الوَقْتِ المُقْبِلِ، وقِيلَ: إنَّ التَشْبِيهَ وقَعَ بِالنَخْلِ الَّذِي يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ في العامِ، ومَن قالَ: "شَهْرَيْنِ" قالَ: هي مُدَّةُ الجَنْيِ في النَخْلِ، وكُلُّهم أفْتى بِقَوْلِهِ في الإتْيانِ عَلى الحِينِ.

وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً"، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ هي كَلِمَةُ الكُفْرِ وما قارَبَها مِن كَلامِ السُوءِ في الظُلْمِ وَنَحْوِهِ، و"كالشَجَرَةِ خَبِيثَة "، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هي شَجَرَةُ الحَنْظَلِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَبِيِّ  ، وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ المِثالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي الثَوْمُ، وقالَ الزَجّاجُ: هي الكَشُوثا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَجْمِ، ولَيْسَتْ مِنَ الشَجَرِ، واللهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَجَرَةِ، فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الثَوْمِ والبَصَلِ: « "مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَجَرَةِ"،» وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ كُلَّها ضَعِيفَةٌ وإنْ لَمْ تَخْبُثِ، اللهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: اجْتُثَّتْ بِالخِلْقَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ولَمْ يَخْلُقْ هَذِهِ الشَجَرَةَ عَلى وجْهِ الأرْضِ".

والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ إذا وُجِدَتْ فِيها هَذِهِ الأوصافِ، فالخُبْثُ هو أنْ تَكُونَ كالعِضاةِ، أو كَشَجَرَةِ السَمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ، أيِ اقْتُلِعَتْ جُثَّتُها بِنَزْعِ الأُصُولِ، وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْنِ والضَعْفِ فَتَقْلِبُها أقَلُّ رِيحٍ.، فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ ولا يُغْنِي عنهُ، كَهَذِهِ الشَجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدٍ -أو لِلْجَهْلِ بِها- أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنى غَيْرُ باقِيَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة ما حكي عن أحوال أهل الضلالة وأحوال أهل الهداية ابتداء من قوله تعالى: ﴿ وبرزوا لله جميعاً إلى قوله تحيتهم فيها سلام ﴾ ، فضرب الله مثلاً لكلمة الإيمان وكلمة الشرك.

فقوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً إيقاظ للذهن ليترقب ما يرد بعد هذا الكلام، وذلك مثل قولهم: ألم تعلم.

ولم يكن هذا المثَل مما سبق ضربه قبل نزول الآية بل الآية هي التي جاءت به، فالكلام تشويق إلى علم هذا المثل.

وصوغ التشويق إليه في صيغة الزمن الماضي الدال عليها حرف لَمْ ﴾ التي هي لنفي الفعل في الزمن الماضي والدالّ عليها فعل ﴿ ضرب ﴾ بصيغة الماضي لقصد الزيادة في التشويق لمعرفة هذا المثل وما مثل به.

والاستفهام في ﴿ ألم تر ﴾ إنكاري، نُزل المخاطب منزلة من لم يعلم فأنكر عليه عدم العلم، أو هو مستعمل في التعجيب من عدم العلم بذلك مع أنه مما تتوفر الدواعي على علمه، أو هو للتقرير، ومثله في التقرير كثير، وهو كناية عن التحريض على العلم بذلك.

والخطاب لكل من يصلح للخطاب.

والرؤية علمية معلّق فعلها عن العمل بما وليها من الاستفهام ب ﴿ كيف ﴾ .

وإيثار ﴿ كيف ﴾ هنا للدلالة على أن حالة ضرب هذا المثل ذات كيفية عجيبة من بلاغته وانطباقه.

وتقدم المثَل في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ في سورة البقرة (17).

وضَرْب المثل: نَظْم تركيبه الدال على تشبيه الحالة.

وتقدم عند قوله: ﴿ أن يضرب مثلاً ما ﴾ في سورة البقرة (26).

وإسناد ضرب} إلى اسم الجلالة لأن الله أوحى به إلى رسوله عليه الصلاة والسلام.

والمثَل لما كان معنى متضمناً عدة أشياء صح الاقتصار في تعليق فعل ﴿ ضرب ﴾ به على وجه إجمال يفسره قوله: ﴿ كلمة طيبة كشجرة ﴾ إلى آخره، فانتصب ﴿ كلمة ﴾ على البدلية من ﴿ مثلاً ﴾ بدلَ مفصّل من مجمل، لأن المثل يتعلق بها لما تدل عليه الإضافة في نظيره في قوله: ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ .

والكلمة الطيبة قيل: هي كلمة الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك.

والطيبة: النافعة.

استعير الطيب للنفع لحُسن وقعه في النفوس كوقع الروائح الذكية.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وجرين بهم بريح طيبة ﴾ في سورة يونس (22).

والفَرع: ما امتد من الشيء وعَلا، مشتق من الافتراع وهو الاعتلاء.

وفرع الشجرة غصنها، وأصل الشجرة: جذرها.

والسماء مستعمل في الارتفاع، وذلك مما يزيد الشجرة بهجة وحسن منظر.

والأُكْل بضم الهمزة المأكول، وإضافته إلى ضمير الشجرة على معنى اللام.

وتقدم عند قوله: ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ في سورة الرعد (4).

فالمشبّه هو الهيئة الحاصلة من البهجة في الحس والفرح في النفس، وازدياد أصول النفع باكتساب المنافع المتتالية بهيئة رُسوخ الأصل، وجمال المنظر، ونماء أغصان الأشجار.

ووفرة الثِمار، ومتعة أكلها.

وكل جزء من أجزاء إحدى الهيئتين يقابله الجزء الآخر من الهيئة الأخرى، وذلك أكمل أحوال التمثيل أن يكون قابلاً لجمع التشبيه وتفريقه.

وكذلك القول في تمثيل حال الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة على الضد بجميع الصفات الماضية من اضطراب الاعتقاد، وضيق الصدر، وكدر التفكير، والضر المتعاقب.

وقد اختصر فيها التمثيل اختصاراً اكتفاءً بالمضاد، فانتفت عنها سائر المنافع للكلمة الطيبة.

وفي جامع الترمذي } عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» قال: هي النخلة، ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ قال: هي الحَنْظَل.

وجملة ﴿ اجتثت من فوق الأرض ﴾ صفة ل ﴿ شجرة خبيثة ﴾ لأن الناس لا يتركونها تلتف على الأشجار فتقتلها.

والاجتثاث: قطع الشيء كلّه، مشتق من الجُثة وهي الذات.

و ﴿ من فوق الأرض ﴾ تصوير ل ﴿ اجتثت ﴾ .

وهذا مقابل قوله في صفة الشجرة الطيبة وجملة ما لها من قرار} تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن الاجتثاث من انعدام القرار.

والأظهر أن المراد بالكلمة الطيّبة القرآن وإرشاده، وبالكلمة الخبيثة تعاليم أهل الشرك وعقائدهم، ف (الكلمة) في الموضعين مطلقة على القول والكلام، كما دل عليه قوله: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ .

والمقصود مَعَ التمثيل إظهارُ المقابلة بين الحالين إلا أن الغرض في هذا المقام بتمثيل كل حالة على حدة بخلاف ما يأتي عند قوله تعالى في سورة النحل وجملة ويضرب الله الأمثال للناس} معترضة بين الجملتين المتعاطفتين.

والواو واو الاعتراض.

ومعنى (لعل) رجاء تذكرهم، أي تهيئة التذكر لهم، وقد مضت نظائرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ في الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإيمانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِها المُؤْمِنَ نَفْسَهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَفي الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّخْلَةُ، ورَوى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ  عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَحَكى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ: الإيمانُ، والشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ: المُؤْمِنُ.

﴿ أصْلُها ثابِتٌ ﴾ يَعْنِي في الأرْضِ.

﴿ وَفَرْعُها في السَّماءِ ﴾ أيْ نَحْوَ السَّماءِ.

﴿ تُؤْتِي أُكُلَها ﴾ يَعْنِي ثَمَرَها.

﴿ كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ﴾ والحِينُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الوَقْتُ.

قالَ النّابِغَةُ: تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها تُطَلِّقُهُ حِينًا وحِينًا تُراجِعُ وَفِي الحِينِ ها هُنا سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كُلَّ سَنَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ لِأنَّها تَحْمِلُ كُلَّ سَنَةٍ.

الثّانِي: كُلَّ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّها مُدَّةُ الحَمْلِ ظاهِرًا وباطِنًا.

الثّالِثُ: كُلَّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ لِأنَّها مُدَّةُ الحَمْلِ ظاهِرًا.

الرّابِعُ: كُلَّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ لِأنَّها مُدَّةٌ يَرَوْنَها مِن طَلْعِها إلى جُذاذِها.

الخامِسُ: كُلَّ شَهْرَيْنِ؛ لِأنَّها مُدَّةُ صَلاحِها إلى جَفافِها.

السّادِسُ: كُلَّ غَدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِنائِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الدُّنْيا زَمانُ حَياتِهِ فِيها، وبِالآخِرَةِ المُساءَلَةُ في القَبْرِ، قالَهُ طاوُسٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الدُّنْيا المُساءَلَةُ في القَبْرِ أنْ يَأْتِيَهُ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ وما دِينُكَ ومَن نَبِيُّكَ؟

فَيَقُولُ -إنِ اهْتَدى: رَبِّيَ اللَّهُ ودِينِيَ الإسْلامُ ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ  .

﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ حُجَّتِهِمْ في قُبُورِهِمْ، كَما ضَلُّوا في الحَياةِ الدُّنْيا بِكُفْرِهِمْ.

الثّانِي: يُمْهِلُهم حَتّى يَزْدادُوا ضَلالًا في الدُّنْيا.

﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن إمْهالٍ وانْتِقامٍ.

الثّانِي: مِن ضَغْطَةِ القَبْرِ ومُساءَلَةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.

وَرَوى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (لَوْ نَجا أحَدٌ مِن ضَمَّةِ القَبْرِ لَنَجا مِنهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، ولَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً)» .

وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عَذابَ القَبْرِ مِن ثَلاثَةٍ: ثُلُثٌ مِنَ البَوْلِ.

وَثُلُثٌ مِنَ الغِيبَةِ، وثُلُثٌ مِنَ النَّمِيمَةِ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «لَمّا وصَفَ مُساءَلَةَ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ وما يَكُونُ مِن جَوابِ المَيِّتِ قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيَكُونُ مَعِي عَقْلِي؟

قالَ: (نَعَمْ) قالَ.

كُفِيتُ إذَنْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الكُفْرُ.

الثّانِي: أنَّها الكافِرُ نَفْسُهُ.

﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ لَمْ تُخَلِّفْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّها الكُشُوتُ.

﴿ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ﴾ أيِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: هو الجَلاءُ الَّذِي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ ∗∗∗ فَمَن رَأى مِثْلَ ذا يَوْمًا ومَن سَمِعا ﴿ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما لَها مِن أصْلٍ.

الثّانِي: ما لَها مِن ثَباتٍ.

وَتَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَيْسَ لَها أصْلٌ يَبْقى ولا ثَمَرَ يُجْتَنى أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ في الأرْضِ يَبْقى ولا ذِكْرٌ في السَّماءِ يَرْقى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة ﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو المؤمن ﴿ أصلها ثابت ﴾ يقول: لا إله إلا الله ﴿ ثابت ﴾ في قول المؤمن ﴿ وفرعها في السماء ﴾ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ وهي الشرك ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ وهي الكافر ﴿ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر، ولا برهان له ولا يقبل الله مع الشرك عملاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً...

﴾ الآية.

قال: يعني بالشجرة الطيبة، المؤمن.

ويعني بالأصل الثابت في الأرض وبالفرع في السماء، يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم، فيبلغ عمله وقوله السماء وهو في الأرض ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ يقول: يذكر الله كل ساعة من الليل والنهار.

وفي قوله: ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ قال: ضرب الله مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر، يقول: إن الشجرة الخبيثة ﴿ اجتثت ﴾ من فوق الأرض ﴿ ما لها من قرار ﴾ يعني أن الكافر لا يقبل عمله ولا يصعد إلى الله تعالى، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء، يقول: ليس له عمل صالح في الدنيا ولا في الآخرة.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ﴾ في الأرض، وكذلك كان يقرؤها.

قال: ذلك المؤمن ضرب مثله.

قال: الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿ أصلها ثابت ﴾ قال: أصل عمله ثابت في الأرض ﴿ وفرعها في السماء ﴾ قال: ذكره في السماء ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: يصعد عمله أوّل النهار وآخره ﴿ ومثل كلمة خبيثة ﴾ قال: هذا الكافر، ليس له عمل في الأرض ولا ذكر في السماء ﴿ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ قال: أعمالهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.

وأخرج ابن جرير، عن عطية العوفي في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ﴾ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إليه ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ﴾ قال: ذلك مثل الكافر، لا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ كشجرة طيبة...

﴾ إلى قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: تجتمع ثمرتها كل حين.

وهذا مثل المؤمن، يعمل كل حين وكل ساعة من النهار وكل ساعة من الليل، وفي الشتاء وفي الصيف بطاعة الله.

قال: وضرب الله مثل الكافر ﴿ كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليست لها ثمرة وليست فيها منفعة.

كذلك الكافر، ليس يعمل خيراً ولا يقوله، ولم يجعل الله تعالى فيه بركة ولا منفعة له.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: إن الله جعل طاعته نوراً، ومعصيته ظلمة.

إن الإِيمان في الدنيا هو النور يوم القيامة، ثم إنه لا خير في قول ولا عمل ليس له أصل ولا فرع، وإنه قد ضرب مثل الإِيمان فقال: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة...

﴾ إلى قوله: ﴿ وفرعها في السماء ﴾ وإنما هي الأمثال في الإِيمان والكفر.

فذكر أن العبد المؤمن المخلص، هو الشجرة.

إنما ثبت أصله في الأرض وبلغ فرعه في السماء.

إن الأصل الثابت، الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، ثم إن الفرع، هي الحسنة.

ثم يصعد عمله أول النهار وآخره، فهي ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ ثم هي أربعة أعمال إذا جمعها العبد: الاخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وخشيته وحبه وذكره.

إذا جمع ذلك فلا تضره الفتن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه أن رجلاً قال: «يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور.

فقال: أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضها إلى بعض، أكان يبلغ السماء؟...

أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟

تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله عشر مرات في دبر كل صلاة.

فذلك أصله في الأرض وفرعه في السماء» .

وأخرج الترمذي النسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر، فقال: « ﴿ مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة...

﴾ حتى بلغ ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ قال: هي النخلة ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة...

﴾ حتى بلغ ﴿ ما لها من قرار ﴾ قال: هي الحنظلة» .

وأخرج عبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والرامهرمزي في الأمثال، عن شعيب بن الحجاب رضي الله عنه قال: كنا عند أنس فأتينا بطبق عليه رطب، فقال أنس رضي الله عنه لأبي العالية رضي الله عنه كل يا أبا العالية، فإن هذا من الشجرة التي ذكر الله في كتابه ﴿ ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ثابت أصلها ﴾ قال: هكذا قرأها يومئذ أنس.

قال الترمذي- رضي الله عنه-: هذا الموقوف أصح.

وأخرج أحمد وابن مردويه بسند جيد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: «هي التي لا ينقص ورقها.

هي النخلة» .

وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبروني بشجرة مثل الرجل المسلم، لا يتحات ورقها ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» قال عبد الله- رضي الله عنه-: فوقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم.

وثم أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- فلما لم يتكلما بشيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون أي شجرة هذه؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هي النخلة.

قال عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- فقلت: والذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد وقع في نفسي أنها النخلة، ولكني كنت أصغر القوم، لم أحب أن أتكلم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل تدرون ما الشجرة الطيبة؟

قال ابن عمر- رضي الله عنهما-: فأردت أن أقول هي النخلة، فمنعني مكان عمر.

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: بكرة وعشية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة.

وقوله: ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ قال: هي الحنظلة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والرامهرمزي، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي النخلة، لا يزال فيها شيء ينتفع به، إما ثمرة وإما حطب.

قال: وكذلك الكلمة الطيبة، تنفع صاحبها في الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: كل ساعة، بالليل والنهار، والشتاء والصيف.

وذلك مثل المؤمن، يطيع ربه بالليل والنهار والشتاء والصيف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ تؤتي أكلها ﴾ قال: يكون أخضر، ثم يكون أصفر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال جذاذ النخل.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: تطعم في كل ستة أشهر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه أنه سئل عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين، فقال: إن من الحين حيناً يدرك، ومن الحين حيناً لا يدرك.

فالحين الذي لا يدرك، قوله: ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ [ ص: 88] والحين، الذي يدرك ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ وذلك من حين تصرم النخلة إلى حين تطلع، وذلك ستة أشهر.

وأخرج ابو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني حلفت أن لا أكلم أخي حيناً.

فقال ابن عباس- رضي الله عنهما-: أوقتَّ شيئاً.

قال: لا.

قال: فإن الله تعالى يقول ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ فالحين، سنة.

وأخرج البيهقي في سننه، عن علي رضي الله عنه قال: الحين ستة أشهر.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الحين قد يكون غدوة وعشية.

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن رجل حلف لا يكلم أخاه حيناً.

قال: الحين، ستة اشهر.

ثم ذكر النخلة ما بين حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عكرمة قال: قال ابن عباس- رضي الله عنهما- الحين، حينان: حين يعرف، وحين لا يعرف.

فأما الحين الذي لا يعرف، فقوله: ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ [ ص: 88] وأما الحين الذي يعرف، فقوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل حين ﴾ قال: كل سنة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز فقال: يا مولى ابن عباس، إني حلفت أن لا أفعل كذا وكذا حيناً، فما الحين الذي يعرف به؟

فقلت: إن من الحين حيناً لا يدرك، ومن الحين حين يدرك.

فأما الحين الذي لا يدرك، فقول الله: ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ [ الإِنسان: 1] والله ما ندري كم أتى له إلى أن خلق، وأما الذي يدرك، فقوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ فهو ما بين العام إلى العام المقبل، فقال: أصبت يا مولى ابن عباس، ما أحسن ما قلت!...

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن سعيد بن المسيب قال: الحين يكون شهرين والنخلة إنما يكون حملها شهرين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف.

وأخرج البيهقي عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: في كل سبعة أشهر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ قال: هو شجر جوز الهند، لا يتعطل من ثمرة، يحمل في كل شهر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ كشجرة طيبة ﴾ قال: هي شجرة في الجنة.

وفي قوله: ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله، لم يخلق الله هذه الشجرة على وجه الأرض.

وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قلب العباد ظهراً وبطناً، فكان خير العرب قريشاً.

وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه ﴿ مثل كلمة طيبة ﴾ يعني القرآن ﴿ كشجرة طيبة ﴾ يعني بها قريشاً ﴿ أصلها ثابت ﴾ يقول: أصلها كبير ﴿ وفرعها في السماء ﴾ يقول: الشرف الذي شرفهم الله بالإِسلام الذي هداهم الله له وجعلهم من أهله» .

وأخرج ابن مردويه من طريق حيان بن شعبة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ كشجرة خبيثة ﴾ قال: الشريان.

قلت لأنس: وما الشريان؟

قال: الحنظل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر حميد بن زياد الخراط في الآية قال: الشجرة الخبيثة، التي تجعل في المسكر.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قعد ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا هذه الآية ﴿ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ﴾ فقالوا: «يا رسول الله، نراه الكمأة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين.

والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ اجتثت من فوق الأرض ﴾ قال: استؤصلت من فوق الأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: اعقلوا عن الله الأمثال.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: أن رجلاً لقي رجلاً من أهل العلم فقال: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة.

وأخرج ابن جرير من طريق قتادة رضي الله عنه، عن أبي العالية: أن رجلاً خالجت الريح رداءه فلعنها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنها؛ فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة على صاحبها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ﴾ أي: بيّن الله شِبْهًا، ثم فسَّر ذلك المثل، فقال: ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد النخلة (٣) (٤) ﴿ أَصْلُهَا ﴾ أي: أجل هذه الشجرة الطيبة ﴿ ثَابِتٌ ﴾ ، ﴿ وَفَرْعُهَا ﴾ : أعلاها، قال: ﴿ فِي السَّمَاءِ ﴾ .

(١) أخرجه الطبري 13/ 203 بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 273 (206) بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 526 بنصه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 351، وابن عطية 8/ 232، و"ابن الجوزي" 4/ 358، و"الفخر الرازي" 19/ 125، و"تفسير القرطبي" 9/ 359، وابن كثير 2/ 582، و"الدر المنثور" 4/ 142، وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) ورد بنصه في "تفسير مقاتل" 1/ 193 أ، والسمرقندي 2/ 205، هود الهوارى 2/ 326، و"الثعلبي" 7/ 150 ب، و"تفسير المشكل" لمكي 214، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 346، و"تذكرة الأريب في تفسير الغريب" 279، و"تفسير ابن كثير" 2/ 582.

(٣) أخرج الطبري 13/ 206، بلفظه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 526، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 76، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 144 وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي هاشم وابن مردويه من طرق، وورد عن ابن عباس بأنها شجرة في الجنّة.

انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 151 أ، و"البغوي" 4/ 346، وابن عطية 8/ 234، و"ابن الجوزي" 4/ 358، و"تفسير القرطبي" 9/ 361، و"الخازن" 3/ 77، وورد عنه كذلك: أنها المؤمن.

انظر: "تفسير الطبري" 13/ 204، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 273 (207)، و"تفسير الخازن" 3/ 77، وابن كثير 2/ 582، و"الدر المنثور" 4/ 142، وزاد نسبته لابن أبي حاتم.

ولاخلاف بين هذه الأقوال؛ لأن المقصود بالمثل المؤمن، والنخلة مشبهة به، وهو مشبّه بها، كما في صحيح البخاري (2209)، كتاب: البيوع، بيع الجُمَّار وأكله: عن ابن عمر  قال: قال رسول  : "من الشجر شجرةٌ كالرجلِ المؤمن"، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أحدثهم، قال: هي النخلة، وفي رواية له: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مَثَلُ المسلم ..

" (61) كتاب العلم، قول المحدث حدثنا، وأما كونها شجرة في الجنة غير معينة فلأن النخلة من أشرف الأشجار، فهي أولى من ينطبق عليها الصفات المذكورة في الآية.

انظر: "تفسير الطبري" 13/ 204 - 205، وابن عطية 8/ 234، "الأمثال" لابن القيم ص 232.

(٤) أخرجه عبد الرزاق 2/ 342، بلفظه عن أنس، والطبري 13/ 204 - 206، بلفظه من عدة روايات عن أنس وابن مسعود ومسروق ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد، وورد بلفظه في: "الغريب" لابن قتيبة 1/ 236، و"تفسير السمرقندي" 2/ 205، وهود الهواري 2/ 326، و"الثعلبي" 7/ 150 ب، و"الماوردي" 3/ 123، و"تفسير المشكل" ص 214، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 144، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والرامهرمزي.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ قال ابن عباس وغيره هي: لا إله إلا الله وقيل: كل حسنة ﴿ كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ هي النخلة في قول الجمهور، واختار ابن عطية أنها شجرة غير معينة، إلا أنها كل ما اتصف بتلك الصفات ﴿ وَفَرْعُهَا فِي السمآء ﴾ أي في الهواء، وذلك عبارة عن طولها ﴿ تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ الحين في اللغة وقت غير محدود وقد تقترن به قرينة تحده، وقيل: في كل حين كل سنة لأن النخلة تطعم في كل سنة، وقيل: غير ذلك ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل: كل كلمة قبيحة ﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية غير معينة ﴿ اجتثت ﴾ أي اقتلعت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة، وهذا في مقابلة قوله: أصلها ثابت ﴿ بالقول الثابت ﴾ هو لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة ﴿ فِي الحياوة الدنيا ﴾ أي إذا فتنوا لم يزلوا ﴿ وَفِي الآخرة ﴾ هو عند السؤال في القبر عند الجمهور.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بلفظ الفعل.

﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.

﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.

الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بضمها.

﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.

الباقون بالفتح.

﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الباقون بالإضافة.

الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله  في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.

فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.

وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.

وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.

وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.

وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.

والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.

قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".

قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.

وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.

ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.

ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.

وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.

ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟

فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه  يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.

ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.

﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.

فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟

قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.

وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.

والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.

وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.

ومعنى بروزهم لله وهو  لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.

فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.

وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.

كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل  ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته  فضلوا وأضلوا.

قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.

وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.

والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .

عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.

وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم  ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.

وزيف بأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله.

وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.

ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.

والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.

وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.

يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي  : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .

ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.

وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.

الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.

ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.

ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله  عليه حجة.

هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.

قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.

وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟

جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله  ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.

وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.

هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.

وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.

ثم حكى الله  عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.

قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

صرخ فلان إذا استغاث.

وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.

وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.

وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.

قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.

ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.

أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.

ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.

قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.

ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.

قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.

ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.

وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.

عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.

وعن ابن عمر: هي النخلة.

وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.

وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.

أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.

ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.

والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.

ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.

قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.

الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.

وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.

وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.

والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.

قال المحققون: معرفة الله  والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.

أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.

ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.

وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.

وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً  ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.

وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.

وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .

وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.

و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.

وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله  ﴾ .

وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.

فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.

ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.

قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.

وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.

هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.

عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.

وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.

والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.

وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.

فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.

وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.

ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله  : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.

﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.

ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.

ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.

وذلك أنه  أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد  فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.

قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.

وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.

﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.

قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.

والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.

ومن الذين نزل فيهم؟

روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.

وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.

ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه  بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.

وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.

والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.

ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة  ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين  ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.

ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.

وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.

﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.

ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.

ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".

﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.

وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.

والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.

ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.

ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.

ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.

قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.

ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله  على عباده.

وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.

وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.

قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.

وإذا كانت نعم الله  في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟

إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.

وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.

واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.

التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.

تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب  إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.

﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.

﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.

وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.

ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله  : <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ .

قد ذكرنا أن كلمة ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف تنبيه عن عجيب كان بلغهُ؛ فغفل عنه، أو تنبيه عن عجيب لم يبلغه.

وقال أبو بكر الأصم: هي كلمة يفتتح بها العرب عند الحاجة؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ ونحوه.

هذا يحتمل في غيره من المواضع وأما في هذا فإنه غير محتمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً ﴾ قيل: بين الله مثلا وأظهر.

﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ : هو هذا القرآن، ﴿ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ : هي الكتب التي أحدثها الناس، شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ وهي النخلة؛ على ما ذكر؛ إن ثبت، أو كل شجرة مثمرة.

وشبه الكتب التي أحدثها الناس بالشجرة الخبيثة؛ وهي التي لا تثمر.

وقال: إنما شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ لأن الشجرة الطيبة هي باقية إلى آخر الدهر؛ ينتفع بها الناس بجميع أنواع المنافع، لا يقطعونها؛ فهي تدوم وتبقى دهراً، فعلى ذلك القرآن ينتفع به الناس وهو دائم أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أصلها ثابت لها قرار، فعلى ذلك: القرآن هو ثابت بالحجج والبراهين؛ والكتب التي أحدثها أولئك هي باطلة فاسدة؛ لا حجة معها ولا برهان؛ كالشجرة الخبيثة التي هي غير مثمرة؛ لا بقاء لها ولا قرار ولا ثبات.

وقال بعضهم: الكلمة الطيبة: هي الإيمان والتوحيد؛ شبهها بالشجرة الطيبة؛ وهي التي تثمر وتنمو وتزكو هي على ما وصفها - عز وجل - في قوله: ﴿ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ ، فعلى [ذلك] الإيمان والتوحيد لا يزال يثمر لأهله الخيرات والأعمال الصالحات؛ كالشجرة التي وصفها أنها تؤتي أهلها أكلها في كل حين وكل وقت، أصلها ثابت بالحجج والبراهين، وفرعها في السماء، في كل وقت يرتفع ويصعد به العمل إلى السماء.

و [الكلمة] الخبيثة: هي الكفر؛ لأنه لا منفعة لأهلها فيها، إذ لا عاقبة له ولا حجة معها ولا برهان، إنما شيء أخذوه عن شهوة وأمانيَّ، فكان كالشجرة الخبيثة التي لا ثمرة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فهي لا تبقى ولا تدوم.

فذلك قوله: ﴿ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .

ويشبه أن يكون ضرب المثل لغير هذا المعنى؛ وهو أنه ذكر جواهر طيبة وجواهر خبيثة: مما يقع عليها الحواس ويقع عليها البصر؛ ليكون كل جوهر من هذه الجواهر التي يقع عليها الحواس؛ ويقع عليها البصر - من خبيث أو طيب - دليلا وشاهداً على ما غاب عن الخلق؛ ولا يقع عليها الحواس.

وهكذا جعل الله  هذه المحسوسات والأشياء الظاهرة - دليلا وشاهداً لما غاب عنهم؛ ولا يقع عليه الحسّ، تدرك بالعقول التي تركب فيهم؛ ليرغب الطيب؛ مما يقع عليه الحسّ والبصر؛ على الموعود الغائب، ويحذر الخبيث المحسوس عما غاب وأوعد، وكذلك هذه الآلام والأمراض والشدائد التي جعل في هذه الدنيا؛ لتزجرهم عن الأفعال التي بها يستوجبون مثلها في الآخرة، وكذلك النعم التي في الدنيا واللذات، جعلها لتدلهم على النعم الدائمة.

على هذا يجوز أن يخرج لا أنه أراد بالشجرة الطيبة الشجرة نفسها أو بالشجرة [الخبيثة الشجرة] نفسها ولكن ما وصفنا.

والله أعلم بذلك.

وقال قائلون: ضرب الله مثل الشجرة الطيبة مثلا للمؤمن؛ هو في الأرض وعمله يصعد إلى السماء كل يوم؛ فكما تؤتي الشجرة أكلها كل حين كذلك المؤمن يعمل لله في ساعات الليل والنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ .

قال قائلون: كلّ عام؛ لأنها تثمر في كل عام مرة.

وقال قائلون: ستة أشهر من وقت طلوعها إلى وقت إدراكها.

وقال قائلون: كل عشية وغدوة؛ كقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ .

وقال قائلون: شهرين؛ وأمثاله.

ويشبه أن يكون ما ذكرنا: أنه ليس في وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت وكل ساعة.

فإن قال لنا ملحد: إن الكلمة التي ضرب الله مثلها بالشجرة الطيبة - [هي] كلمتنا، ونحن المراد بذلك.

والكلمة الخبيثة التي ضرب الله مثلها بالشجرة الخبيثة - هي كلمتكم؛ وأنتم المراد بها لا نحن.

قيل: قد سبق لهذا المثل أمثال ودلائل على أن الكلمة الطيبة هي التي لها عاقبة وآخرة، وكل أمر له عاقبة والنظر في آخره - فهو الحق، والذي أنتم عليه لا عاقبة له ولا آخرة، وفي الحكمة: إن كل أمر لا عاقبة له - فهو باطل؛ والكفر لا عاقبة [له].

والثاني: أن الإيمان والتوحيد له الحجج والدلائل، والكفر مما لا حجة له ولا دلائل؛ إنما هو مأخوذ بالأماني والشهوة: من تسويل الشيطان وتزيينه؛ لذلك كان ما ذكرنا.

وتحتمل الكلمة الطيبة - أيضاً -: أن تكون الوحي الذي أوحى الله إلى رسوله، والكلمة الخبيثة: ما أوحى الشيطان إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 121] فوحي الله: هو ثابت دائم ينتفع به أهله في الدنيا والعاقبة، ووحي الشيطان: هو باطل مضمحلّ لا عاقبة له؛ ولا ينتفع به أهله.

والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال بعضهم: استؤصلت، وقيل: انتزعت.

وقال أبو عوسجة: اقتلعت من أصلها؛ يقال: جثثت الشجرة أجثها جثّاً: إذا قلعتها من أصلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .

هو ما ذكرنا.

وقال بعض أهل التأويل: شبه كلمة الشرك بحنظلةٍ قطعت؛ فلا أصل لها في الأرض ولا فرع في السماء؛ أي: لا يصعد له عمل، وشبه كلمة الإيمان؛ في نفعها وفضلها وثباتها وقرارها في الأرض؛ بما ذكر من الشجرة.

والله أعلم.

ثم من الناس من احتج بهذا المثل في خلق الإيمان والكفر؛ فقال: لأنه ضرب مثله بما هو خلق؛ وهو الشجرة؛ فعلى ذلك الإيمان.

ولكن عندنا لا بهذا يجب أن يستدل على خلقه، ولكن لما ثبت أن منشئهما واحد لأنه لو كان منشئهما مختلفاً لكان لا يضرب مثل هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ فإذا ضرب دل أن منشئهما واحد؛ فإذا ثبت ذلك دل على ما وصفنا.

ومن الناس من استدل بهذا أنه يزداد وينقص؛ حيث شبهه بالشجرة؛ وهي تزداد وتنقص، ونحن نقول: ليس فيه دلالة ما ذكروا؛ لأن الشجرة في نفسها ليست بذي حدّ، والإيمان ذو حدّ؛ فما يزداد [إنما] هو في حق التزيين والتحسين.

وأمّا الإيمان نفسه: فإنه لا يزداد؛ كالشجرة إذا تورقت وخرجت ثمارها توصف بالزينة والحسن، فأمّا نفس الشجرة: فلا توصف بالزيادة؛ فعلى ذلك الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ .

يحتمل: يبين الله الأمثال التي يقع عليها الحس، ويقع عليها البصر، والأشياء الظاهرة؛ لتدلهم على ما استتر وغاب عنهم، يدركون بالعقول ما استتر وخفي بالظاهر والمحسوس.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ لعلهم يتعظون.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ الكلمة الطيبة: تحتمل التوحيد وفروعها: هي الخوف، والخشوع، والخضوع، والرغبة [والرهبة].

وأكلها: هو الأعمال الصالحة والخيرات تكون منه.

والكلمة الخبيثة: هي الشرك.

وفروعها: ما يكون منه في الشرك؛ من القساوة، والتمرد، والعناد.

وأكلها: هو الأعمال التي تكون منه في الشرك.

أو أن يكون الكلمة الطيبة: هي الأعمال.

وفروعها: هي الشرائع والأحكام التي تعمل.

وأكلها: هو ما يثاب عليه في الدنيا والآخرة أبداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .

ذكر مرة بالتثبيت ومرة بذكر الزيادة؛ بقوله: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ  ﴾ ومرة بذكر الابتداء والتجديد؛ بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ فالتجديد والابتداء في حادث الوقت؛ لأن تلك الأفعال تنقضي وتذهب ولا تبقى، وأما الزيادة على ما كان يضم شيئاً إلى ما كان، والثبات على ما كان فكله واحد في الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أضاف الإضلال مرة إلى نفسه؛ ومرة إلى الشيطان، ولا شك أن ما أضيف إلى الشيطان إنما أضيف على الذم، فإذا كان ما ذكر؛ فتكون الجهة التي أضيف إلى الله - غير الجهة التي أضيف إلى الشيطان، الجهة التي أضيف إلى الله: هو أن خلق [فعل] الضلال من الكافر، وما أضيف إلى الشيطان: هو على التزيين والتسويل؛ لتصح الإضافتان.

ولو كان على التسمية - على ما يقوله المعتزلة: إذ سماه ضالا - لكان كل من سمى آخر ضالا كافراً جاز أن يسمى مضلا، فإذا لم يسم - بتسميته ضالا أو كافراً - مضلا دل أنه إنما سمى الله نفسه مضلا؛ لتحقيق الفعل له فيه؛ وهو ما ذكرنا: أن خلق فعل الضلال منه.

والمعتزلة يقولون: إن الله هدى الخلق جميعاً؛ لكنهم لم يهتدوا وضلوا من غير أن يكون الله أضلهم.

فهذا صرْف ظاهر الآية إلى غيره بلا دليل.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

وعلى قول المعتزلة: لا يقدر أن يفعل ما يشاء؛ لأنهم يقولون: شاء إيمان جميع البشر؛ ولكنهم لم يؤمنوا؛ وكذلك قال: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  ﴾ وهم يقولون: أراد إيمانهم؛ لكنه لم يفعل ما أراد؛ ولا يملك، وقد أخبر أنه: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  ﴾ و ﴿ مَا يَشَآءُ ﴾ وهم يقولون: لم يملك [أن يفعل] ما شاء وأراد، بل العباد يقولون ما شاءوا غير ما شاء هو، فتأويلهم خلاف لظاهر القرآن.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ على تأويل من يقول: إن الكلمة الطيبة هي القرآن، يكون القول الثابت هو القرآن.

يقول - والله أعلم - يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ حيث تلقوه بالإجابة والقبول والعمل به، وفي الآخرة؛ أي: بالآخرة والبعث؛ يقرون به، ﴿ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ؛ حيث تركوا الإجابة له، وتلقوه بالرد، والمكابرة، والعناد.

ومن يقول: الكلمة الطيبة: التوحيد والإيمان - يكون القول الثابت: هو الإيمان؛ يثبتهم في الحياة الدنيا باختيارهم؛ وفي الآخرة، قيل: في قبورهم؛ يثبتهم لإجابة منكر ونكير، ويمكن لهم ذلك، ويضل الله الظالمين الذين تركوا الإجابة له في الحياة الدنيا وفي القبور؛ حيث تركوا الإجابة في الدنيا.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ؛ هو ما ذكر، ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ ثبت من أجاب الله إلى ما دعا في الدنيا، وفي الآخرة يهديه الطريق الذي به يوصل إلى دار السلام، والكافر حيث ترك إجابته إلى ما دعاه، ويضله في الآخرة طريق دار السلام؛ بترك إجابته في الدنيا.

والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ في هداية من اختار الإجابة والاهتداء، وإضلال من اختار ترك الإجابة والغواية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تعلم -أيها الرسول- كيف ضرب الله مثلًا لكلمة التوحيد التي هي: لا إله إلا الله، حين مثَّلها بشجرة طيبة هي النخلة، جذعها ضارب في قرار الأرض تشرب الماء بعروقها الطيبة، وفرعها مرتفع إلى السماء يشرب من الندى، ويستنشق الهواء الطيب.

من فوائد الآيات بيان سوء عاقبة التابع والمتبوع إن اجتمعا على الباطل.

بيان أن الشيطان أكبر عدو لبني آدم، وأنه وكاذب مخذول ضعيف، لا يملك لنفسه ولا لأتباعه شيئًا يوم القيامة.

اعتراف إبليس أن وعد الله تعالى هو الحق، وأن وعد الشيطان إنما هو محض الكذب.

تشبيه كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة الثمر، العالية الأغصان، الثابتة الجذور.

<div class="verse-tafsir" id="91.ExPNJ"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله