الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ١٦ من سورة الحجر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 46 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٦ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زينها به من الكواكب الثواقب لمن تأملها ، وكرر النظر فيها ، يرى فيها من العجائب والآيات الباهرات ، ما يحار نظره فيه .
ولهذا قال مجاهد وقتادة : البروج هاهنا هي : الكواكب .
قلت : وهذا كقوله تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) [ الفرقان : 61 ] ومنهم من قال : البروج هي : منازل الشمس والقمر .
وقال عطية العوفي : البروج هاهنا : هي قصور الحرس وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين ، لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى ، فمن تمرد منهم [ وتقدم ] لاستراق السمع ، جاءه ( شهاب مبين ) فأتلفه ، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه ، فيأخذها الآخر ، ويأتي بها إلى وليه ، كما جاء مصرحا به في الصحيح ، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان عن عمرو ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان " .
قال علي : وقال غيره : صفوان ينفذهم ذلك ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟
قالوا : الذي قال : الحق ، وهو العلي الكبير .
فيسمعها مسترقو السمع ، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابع يده اليمنى ، نصبها بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه ، وربما لم يدركه [ حتى ] يرمي بها إلى الذي يليه ، [ إلى الذي ] هو أسفل منه ، حتى يلقوها إلى الأرض - وربما قال سفيان : حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر - أو : الكاهن - فيكذب معها مائة كذبة فيقولون : ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا ، فوجدناه حقا ؟
للكلمة التي سمعت من السماء "
يقول تعالى ذكره: ولقد جعلنا في السماء الدنيا منازل للشمس والقمر، وهي كواكب ينـزلها الشمس والقمر ( وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ) يقول: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال: كواكب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) وبروجها: نجومها.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( بُرُوجا ) قال: الكواكب.
قوله تعالى : ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين لما ذكر كفر الكافرين وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته .
والبروج : القصور والمنازل .
قال ابن عباس : أي جعلنا في السماء بروج الشمس والقمر ; أي منازلهما .
وأسماء هذه البروج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، [ ص: 10 ] والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت .
والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم ، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب .
وقالوا : الفلك اثنا عشر برجا ، كل برج ميلان ونصف .
وأصل البروج الظهور ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها .
وقد تقدم هذا المعنى في النساء .
وقال الحسن وقتادة : البروج النجوم ، وسميت بذلك لظهورها .
وارتفاعها .
وقيل : الكواكب العظام ; قاله أبو صالح : يعني السبعة السيارة .
وقال قوم : بروجا ; أي قصورا وبيوتا فيها الحرس ، خلقها الله في السماء .
فالله أعلم .
وزيناها يعني السماء ; كما قال في سورة الملك : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح .
للناظرين للمعتبرين والمتفكرين .
يقول تعالى -مبينا كمال اقتداره ورحمته بخلقه-: { ولقد جعلنا في السماء بروجا } أي: نجوما كالأبراج والأعلام العظام يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، { وزيناها للناظرين } فإنه لولا النجوم لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها والنظر في معانيها والاستدلال بها على باريها.
قوله عز وجل ( ولقد جعلنا في السماء بروجا ) والبروج : هي النجوم الكبار ، مأخوذة من الظهور ، يقال : تبرجت المرأة أي : ظهرت .
وأراد بها : المنازل التي تنزلها الشمس ، والقمر ، والكواكب السيارة ، وهي اثنا عشر برجا : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت .
وقال عطية : هي قصور في السماء عليها الحرس .
( وزيناها ) أي : السماء بالشمس والقمر والنجوم ( للناظرين ) .
«ولقد جعلنا في السماء بروجا» اثني عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل له الجدي والدلو «وزيناها» بالكواكب «للناظرين».
ومن أدلة قدرتنا: أنا جعلنا في السماء الدنيا منازل للكواكب تنزل فيها، ويستدل بذلك على الطرقات والأوقات والخِصْب والجَدْب، وزَيَّنَّا هذه السماء بالنجوم لمن ينظرون إليها، ويتأملون فيعتبرون.
قال الإِمام القرطبي ما ملخصه : لما ذكر - سبحانه - كفر الكافرين ، وعجز أصنامهم ، ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته .والبروج : القصور والمنازل .
قال ابن عباس .
أى جعلنا فى السماء بروج الشمس والقمر ، أى : منازلهما .
وأسماء هذه البروج : الحمل والثور والجوزاء والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدلو ، والحوت .والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم ، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب .
.
.وقال الحسن وقتادة : البروج : النجوم ، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها .
.
.
وقيل البروج : الكواكب العظام .
.
.
.قال بعض العلماء ومرجع الأقوال كلها إلى شئ واحد ، لأن أصل البروج فى اللغة الظهور ، ومنه تبرج المرأة ، بإظهار زينتها ، فالكواكب ظاهرة ، والقصور ظاهرة ، ومنازل الشمس والقمر كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه .
.
.و ( جعلنا ) أى خلقنا وأبدعنا ، فيكون قوله ( فى السماء ) متعلقاً به ، وجوز أن يكون بمعنى التصيير ، فيكون قوله .
فى السماء .
متعلقاً بمحذوف على أنه مفعول ثان له و ( بروجاً ) هو المفعول الأول .أى : ولقد خلقنا وأبدعنا منازل وطرقا فى السماء ، تسير فيها الكواكب بقدراتنا ، وإرادتنا ، وحكمتنا ، دون خلل أو اضطراب .وفى ذلك الخلق ما فيه من منافع لكم ، حيث تستعملون هذه البروج فى ضبط المواقيت وفى تحديد الجهات ، وفى غير ذلك من المنافع ، كما قال - تعالى - ( هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق يُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) وافتتح - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد ، تنزيلاً للمخاطبين الذاهلين عن الالتفات إلى مظاهر قدرة الله - تعالى - منزلة المنكرين ، فأكد لهم الكلام بمؤكدين لينتبهوا ويعتبروا .والضمير فى قوله ( وزيناها .
.
.
) يعود إلى السماء .
أى : وزينا السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والأضواء ، لتكون جميلة فى عيون الناظرين إليها ، وآية للمتفكرين فى دلائل قدرة الله - تعالى - وبديع صنعه .وهذه الجملة الكريمة ، تلفت الأنظار إلى أن الجمال غاية مقصودة فى خلق هذا الكون ، كما تشعر المؤمنين بأن من الواجب عليهم أن يجعلوا حياتهم مبنية على الجمال فى الظاهر وفى الباطن ، تأسيا بسنة الله - تعالى - فى خلق هذا الكون .
اعلم أن هذا الكلام هو المذكور في سورة الأنعام في قوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ والحاصل: أن القوم لما طلبوا نزول ملائكة يصرحون بتصديق الرسول عليه السلام في كونه رسولاً من عند الله تعالى بين الله تعالى في هذه الآية أن بتقدير أن يحصل هذا المعنى لقال الذين كفروا هذا من باب السحر وهؤلاء الذين يظن أنا نراهم فنحن في الحقيقة لا نراهم.
والحاصل: أنه لما علم الله تعالى أنه لا فائدة في نزول الملائكة فلهذا السبب ما أنزلهم.
فإن قيل: كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يصيروا شاكرين في وجود ما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح، ولو جاز حصول الشك في ذلك كانت السفسطة لازمة، ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة.
أجاب القاضي عنه: بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسان على الكذب على سبيل العناد والمكابرة، ثم سأل نفسه وقال: أفيصح من الجمع العظيم أن يظهروا الشك في المشاهدات.
وأجاب بأنه يصح ذلك إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من مواطأة على دفع حجة أو غلبة خصم، وأيضاً فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصومين، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكة، وهذا السؤال ما كان إلا من رؤساء القوم، وكانوا قليلي العدد، وإقدام العدد القليل على ما يجري مجرى المكابرة جائز.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا إذا فعله بالنهار ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل عمل بالنهار، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل، والمصدر الظلول، وقوله: ﴿ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يقال: عرج يعرج عروجاً، ومنه المعارج، وهي المصاعد التي يصعد فيها، وللمفسرين في هذه الآية قولان: القول الأول: أن قوله: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ من صفة المشركين.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله.
القول الثاني: أن هذه العروج للملائكة، والمعنى: أنه تعالى لو جعل هؤلاء الكفار بحيث يروا أبواباً من السماء مفتوحة وتصعد منها الملائكة وتنزل لصرفوا ذلك عن وجهه، ولقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها وقوله: ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ بالتخفيف، والباقون مشددة الكاف قال الواحدي سكرت غشيت وسددت بالسحر هذا قول أهل اللغة قالوا: وأصله من السكر وهو سد الشق لئلا ينفجر الماء، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من الجري، والتشديد يوجب زيادة وتكثيراً وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مأخوذ من سكر الشراب يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل فإذا كان هذا معنى التخفيف فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد أخرى، وقال أبو عبيدة: ﴿ سُكّرَتْ أبصارنا ﴾ أي غشيت أبصارنا فوجب سكونها وبطلانها، وعلى هذا القول أصله من السكون يقال: سكرت الريح سكراً إذا سكنت وسكر الحر يسكر وليلة ساكرة لا ريح فيها وقال أوس: جذلت على ليلة ساهرة *** فليست بطلق ولا ساكره ويقال: سكرت عينه سكراً إذا تحيرت وسكنت عن النظر وعلى هذا معنى سكرت أبصارنا، أي سكنت عن النظر وهذا القول اختيار الزجاج.
وقال أبو علي الفارسي: سكرت صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها، وكان معنى السكر قطع الشيء عن سننه الجاري، فمن ذلك تسكير الماء وهو رده عن سننه في الجرية، والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في الصحو، فهذه أقوال أربعة في تفسير ﴿ سُكّرَتْ ﴾ وهي في الحقيقة متقاربة، والله أعلم.
المسألة الثانية: قال الجبائي: من جوز قدرة السحرة على أن يأخذوا بأعين الناس حتى يروهم الشيء على خلاف ما هو عليه لم يصح إيمانه بالأنبياء والرسل، وذلك لأنهم إذا جوزوا ذلك فلعل هذا الذي يرى أنه محمد بن عبد الله ليس هو ذلك الرجل وإنما هو شيطان، ولعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها حقائق، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من ذلك الساحر، وإذا حصل هذا التجويز بطل الكل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يعرجون ﴾ بالضم والكسر.
و ﴿ سُكّرَتْ ﴾ حيرت أو حبست من الإبصار، من السكر أو السكر.
وقرئ: ﴿ سُكِرَت ﴾ بالتخفيف أي حبست كما يحبس النهر من الجري.
وقرئ: ﴿ سَكِرَت ﴾ من السكر، أي حارت كما يحار السكران.
والمعنى أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك.
وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك.
وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.
وقال: إنما، ليدل على أنهم يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ.
﴿ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يَصْعَدُونَ إلَيْها ويَرَوْنَ عَجائِبَها طُولَ نَهارِهِمْ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَ، أوْ تَصْعَدُ المَلائِكَةُ وهم يُشاهِدُونَهم.
﴿ لَقالُوا ﴾ مِن غُلُوِّهِمْ في العِنادِ وتَشْكِيكِهِمْ في الحَقِّ.
﴿ إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ سُدَّتْ عَنِ الإبْصارِ بِالسِّحْرِ مِنَ السُّكْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ، أوْ حُيِّرَتْ مِنَ السُّكْرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « سُكِرَتْ» .
﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ بِذَلِكَ كَما قالُوهُ عِنْدَ ظُهُورِ غَيْرِهِ مِنَ الآياتِ، وفي كَلِمَتَيِ الحَصْرِ والإضْرابِ دَلالَةٌ عَلى البَتِّ بِأنَّ ما يَرَوْنَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هو باطِلٌ خُيِّلَ إلَيْهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ السِّحْرِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السمآء} خلقنا فيها {بُرُوجاً} نجوماً أو قصوراً فيها الحرس أو منازل للنجوم {وزيناها} أي السماء {للناظرين}
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وكانَتْ مُفَرَّعَةً عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ دَلائِلَهُ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ إلَخْ وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ وغَيْرُهُ في وجْهِ الرَّبْطِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ رَأوُا الآيَةَ المَطْلُوبَةَ في السَّماءِ لَعانَدُوا وبَقَوْا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قالَ: وإنَّ في السَّماءِ لَعِبْرًا مَنصُوبَةً غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُورَةِ وكُفْرُهم بِها وإعْراضُهم عَنْها إصْرارٌ مِنهم وعُتُوٌّ اهـ والظّاهِرُ أنَّ الجَعْلَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإبْداعِ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ وبُرُوجًا مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ وهو لُغَةُ القَصْرِ والحِصْنِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا عَطِيَّةُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ: جَعَلْنا قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وأخْرَجَ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ الكَواكِبُ العِظامُ.
وفِي البَحْرِ عَنْهُ الكَواكِبُ السَّيّارَةُ ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها الكَواكِبُ مِن غَيْرِ قَيْدٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ المَشْهُورَةِ وهي سِتَّةٌ شَمالِيَّةٌ ثَلاثَةٌ رَبِيعِيَّةٌ وثَلاثَةٌ صَيْفِيَّةٌ وأوَّلُها الحَمَلُ وسِتَّةٌ جَنُوبِيَّةٌ ثَلاثَةٌ خَرِيفِيَّةٌ وثَلاثَةٌ شِتائِيَّةٌ وأوَّلُها المِيزانُ وطُولُ كُلِّ بُرْجٍ عِنْدَهم ل دَرَجَةً وعَرْضُهُ قِفْ دَرَجَةً ص مِنها في جِهَةِ الشَّمالِ ومِثْلُها في جِهَةِ الجَنُوبِ وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كالحِصْنِ أوِ القَصْرِ لِلْكَوْكَبِ الحالِّ فِيها وهي في الحَقِيقَةِ أجْزاءُ الفَلَكِ الأعْظَمِ وهو المُحَدَّدُ المُسَمّى بِلِسانِهِمُ الفَلَكُ الأطْلَسُ وفَلَكُ الأفْلاكِ وبِلِسانِ الشَّرْعِ بِعَكْسِهِ ولِهَذا يُسَمِّي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ الفَلَكَ الأطْلَسَ بِفَلَكِ البُرُوجِ والمَشْهُورُ تَسْمِيَةُ الفَلَكِ الثّامِنِ وهو فَلَكُ الثَّوابِتِ بِهِ لِاعْتِبارِهِمُ الِانْقِسامَ فِيهِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِظُهُورٍ ما تَتَعَيَّنُ بِهِ الأجْزاءُ مِنَ الصُّوَرِ فِيهِ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنها مُنْتَقِلًا عَمّا عَيَّنَهُ إلى آخَرَ مِنها لِثُبُوتِ الحَرَكَةِ الذّاتِيَّةِ لِلثَّوابِتِ عَلى خِلافِ التَّوالِي وإنْ لَمْ يُثْبِتْها لَها لِعَدَمِ الإحْساسِ بِها قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ كَما لَمْ يُثْبِتِ الأكْثَرُونَ حَرَكَتَها عَلى نَفْسِها وأثْبَتَها الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ المُسَمّاةَ بِالأسْماءِ المَعْلُومَةِ تُوُهِّمَتْ عَلى المِنطَقَةِ وما يَقْرُبُ مِنها مِنَ الجانِبَيْنِ مِن كَواكِبَ ثابِتَةٍ تُنَظِّمُها خُطُوطٌ مَوْهُومَةٌ وقَعَتْ وقْتَ القِسْمَةِ في تِلْكَ الأقْسامِ ونُقِلَ ذَلِكَ في الكِفايَةِ عَنْ عامَّةِ المُنَجِّمِينَ وأنَّهم إنَّما تَوَهَّمُوا لِكُلِّ قِسْمِ صُورَةً لِيَحْصُلَ التَّفْهِيمُ والتَّعْلِيمُ بِأنْ يُقالَ: الدَّبَرانُ مَثَلًا عَيْنُ الأسَدِ.
وتُعِقِّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ عِنْدِي لِأنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ لَوْ كانَتْ وهْمِيَّةً لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ في أمْثالِها مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قالَ بَطْلَيْمُوسُ في الثَّمَرَةِ الصُّوَرُ الَّتِي في عالَمِ التَّرْكِيبِ مُطِيعَةٌ لِلصُّوَرِ الفَلَكِيَّةِ إذْ هي في ذَواتِها عَلى تِلْكَ الصُّوَرِ فَأدْرَكَتْها الأوْهامُ عَلى ما هي عَلَيْهِ وفِيهِ بَحْثٌ ثُمَّ هَذِهِ البُرُوجُ مُخْتَلِفَةُ الآثارِ والخَواصِّ بَلْ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن كُلٍّ مِنها وإنْ كانَ أقَلَّ مِن عاشِرَةٍ بَلْ أقَلَّ الأقَلِّ آثارٌ تُخالِفُ آثارَ الجُزْءِ الآخَرِ وكُلُّ ذَلِكَ آثارُ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في بَعْضِ كُتُبِهِ أنَّ آثارَ النُّجُومِ وأحْكامَها مُفاضَةٌ عَلَيْها مِن تِلْكَ البُرُوجِ المُعْتَبَرَةِ في المُحَدَّدِ.
وفِي الفَصْلِ الثّالِثِ مِنَ البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ والثَّلاثِمِائَةِ مِن فُتُوحاتِهِ ما مِنهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ الفَلَكَ الأطْلَسَ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا سَمّاها بُرُوجًا وأسْكَنَ كُلَّ بُرْجٍ مِنها مَلَكًا وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ أئِمَّةُ العالَمِ وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنهم ثَلاثِينَ خِزانَةً تَحْتَوِي كُلٌّ مِنها عَلى عُلُومٍ شَتّى يَهَبُونَ مِنها لِلنّازِلِ بِهِمْ قَدْرَ ما تُعْطِيهِ رُتْبَتُهُ وهي الخَزائِنُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ وتُسَمّى عِنْدَ أهْلِ التَّعالِيمِ بِدَرَجاتِ الفَلَكِ والنّازِلُونَ بِها هُمُ الجَوارِي والمَنازِلُ وعِيُوقاتُها مِنَ الثَّوابِتِ والعُلُومُ الحاصِلَةُ مِن تِلْكَ الخَزائِنِ الإلَهِيَّةِ هي ما يَظْهَرُ في عامِّ الأرْكانِ مِنَ التَّأْثِيراتِ بَلْ ما يَظْهَرُ في مُقَعَّرِ فَلَكِ الثَّوابِتِ إلى الأرْضِ إلى آخِرِ ما قالَ، وقَدْ أطالَ قُدِّسَ سِرُّهُ الكَلامَ في هَذا البابِ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ المُحَدِّثِينَ نَقَلَةِ الدِّينِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، ثُمَّ إنَّ في اخْتِلافِ خَواصِّ البُرُوجِ حَسْبَما تَشْهَدُ بِهِ التَّجْرِبَةُ مَعَ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن بَساطَةِ السَّماءِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ جَلَّ جَلالُهُ.
﴿ وزَيَّنّاها ﴾ أيِ السَّماءَ بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ السَّيّاراتِ وغَيْرِها وهي كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ تَعالى.
نَعَمِ المَرْصُودُ مِنها ألْفٌ ونَيِّفٌ وعِشْرُونَ رَتَّبُوها عَلى سِتِّ مَراتِبَ وسَمُّوها أقْدارًا مُتَزايِدَةً سُدْسًا حَتّى كانَ قُطْرُ ما في القَدْرِ الأوَّلِ سِتَّةَ أمْثالِ ما في القَدْرِ السّادِسِ وجَعَلُوا كُلَّ قَدْرٍ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ وما دُونُ السّادِسِ لَمْ يُثْبِتُوهُ في المَراتِبِ بَلْ إنْ كانَ كَقِطْعَةِ السَّحابِ يُسَمُّونَهُ سَحابِيًّا وإلّا فَمُظْلِمًا، وذُكِرَ في الكِفايَةِ أنَّ ما كانَ مِنها في القَدْرِ الأوَّلِ فَجِرْمُهُ مِائَةٌ وسِتَّةٌ وخَمْسُونَ مَرَّةً ونِصْفُ عُشْرِ الأرْضِ.
وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أصْغَرَ النُّجُومِ كالجَبَلِ العَظِيمِ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِلْبُرُوجِ لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها والأقْرَبُ في اللَّفْظِ، والجُمْهُورُ عَلى ما ذَكَرْنا حَذَرًا مِنَ انْتِشارِ الضَّمِيرِ ﴿ لِلنّاظِرِينَ ﴾ أيْ بِأبْصارِهِمْ إلَيْها كَما قالَهُ بَعْضُهم لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلتَّزْيِينِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّزْيِينِ تَرْتِيبُها عَلى نِظامٍ بَدِيعٍ مُسْتَتْبَعًا لِلْآثارِ الحَسَنَةِ فَيُرادُ بِالنّاظِرِينَ المُتَفَكِّرُونَ المُسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَةٍ مُقَدِّرُها وحِكْمَةٍ مُدَبِّرُها جَلَّ شَأْنُهُ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يعني: قد أرسلنا قَبْلِكَ يا محمد رُسُلاً فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ أي: في أمم وقرون الأولين قبل أمتك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: كانوا يسخرون منهم كما سخر منك قومك كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ قرأ بعضهم نَسْلُكُهُ بضم النون، وكسر اللام.
وقراءة العامة: بنصب النون، وضم اللام.
وهما لغتان.
يقال: سلكت الخيط في الإبرة، إذا أدخلته فيها.
ومعناه: هكذا ندخل الإضلال في قلوب المجرمين أي: المشركين عقوبة ومجازاة لكفرهم.
ويقال: معناه هكذا نطبع على قلوب المجرمين.
ويقال: نجعل حلاوة التكذيب بالعذاب.
ويقال: للشرك في قلوب المشركين الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: لا يصدقون بالله.
ويقال: بمحمد ويقال: بالعذاب إنه غير نازل بهم.
وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي: مضت بالعذاب عند التكذيب.
ويقال: تقدمت سيرة الأولين بالهلاك.
قوله عز وجل: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ أي: فصاروا يصعدون فيه وينزلون، يعني: الملائكة، ويراهم المشركون، وهم أهل مكة لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا يقول: أخذت، وأغشيت أبصارنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي: ولقالوا سحرنا فلا نبصر.
وروى قتادة عن ابن عباس أنه قال: «لو فتح الله عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء، فظلت الملائكة يعرجون فيه لقالوا: أخذت أبصارنا» .
قرأ ابن كثير سُكِّرَتْ بالتخفيف.
وهكذا قرأ الحسن.
وقرأ الباقون بالتشديد.
وقال القتبي: سُكِّرَتْ بالتشديد أي: غُشِّيَتْ.
ومنه يقال: سُكِّر النهر إذا سدّ، ومنه إذا أسكر الشراب وهو الغطاء على العقل.
ومن قرأ سُكِّرَتْ بالتخفيف أي: سحرت، يعني: إنهم لا يعتبرون به، كما لم يعتبروا بانشقاق القمر حين رأوه معاينة.
<div class="verse-tafsir"
لَوْ مَا تَأْتِينا: هَلاَّ تأتينا.
وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ: قال مجاهدٌ: المعنى: بالرسالةِ والعذاب «١» ، والظاهرُ أنَّ معناه كما ينبغي ويَحِقُّ من الوحْيِ والمنافعِ التي أراها اللَّه لعباده، لا على اقتراح كافرٍ، ثم ذكَر عادَتَهُ سبحانَهُ في الأُمَمِ من أنَّه لم يأتهم بآيَةِ اقتراح، إِلا ومعها العَذَابُ في إِثِرها إِن لم يُؤْمِنوا، والنَّظِرَة: التأخير.
وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ: رَدٌّ على المستَخفِّين في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ: قال مجاهدٌ وغيره: الضميرُ في «له» عائدٌ على القرآن «٢» ، المعنى: وإِنا له لحافِظُونَ من أن يبدّل أو يغيّر.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ الآية: تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
أيْ: لا يضقْ صدْرُكَ، يا محمَّد، بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وغير ذلك، و «الشيعة» : الفرقة التابعة لرأْسٍ مَّا.
ت: قال الفرَّاء فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ إِنَّه من إِضافة الموصوفِ إِلى صفته ك حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥] ، و «جَانِبِ الغَرْبِيِّ» [القصص: ٤٤] ، وتأوَّله البصريُّون على حذف الموصوفِ، أي: شيع الأمم الأولين.
انتهى من ص.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ: يحتمل أنْ يكون الضَّميرُ في نَسْلُكُهُ يعودُ على الذكْر المحفوظِ المتقدِّم، وهو القرآن، ويكون الضميرُ في «به» عائداً عليه أيضاً، ويحتمل أن يعود الضميران معاً على الاستهزاء والشرك ونحوه، والباء في «به» : باء السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويحتملُ أنْ يكون الضمير في نَسْلُكُهُ عائداً على الاستهزاء والشركِ، والضمير في «به» عائداً على القرآن، والمعنى، في ذلك كلِّه، ينظر بعضه إلى بعض،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ أيْ: يَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ بِالنَّهارِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذا الصُّعُودِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، فالمَعْنى: لَوْ كُشِفَ عَنْ أبْصارِ هَؤُلاءِ فَرَأوْا بابًا مَفْتُوحًا في السَّماءِ والمَلائِكَةُ تَصْعَدُ فِيهِ، لَما آمَنُوا بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَوْ وصَّلْناهم إلى صُعُودِ السَّماءِ، لَمْ يَسْتَشْعِرُوا إلّا الكُفْرَ، لِعِنادِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ الكافِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، والمَعْنى: حُبِسَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: سَكَرَتِ الرِّيحُ: إذا سَكَنَتْ ورَكَدَتْ.
وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: مَعْنى " سُكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ، مَأْخُوذٌ مِن سُكْرِ الشَّرابِ، يَعْنِي: أنَّ الأبْصارَ حارَتْ، ووَقَعَ بِها مِن فَسادِ النَّظَرِ مِثْلُ ما يَقَعُ بِالرَّجُلِ السَّكْرانِ مِن تَغَيُّرِ العَقْلِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا كانَ هَذا كانَ مَعْنى التَّخْفِيفِ، فَسُكِّرَتْ، بِالتَّشْدِيدِ، يُرادُ بِهِ وُقُوعُ هَذا الأمْرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: " سُكِّرَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، مِنَ السُّكُورِ الَّتِي تَمْنَعُ الماءَ الجِرْيَةَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الأبْصارَ مُنِعَتْ مِنَ النَّظَرِ كَما يَمْنَعُ السِّكْرُ الماءَ مِنَ الجَرْيِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: " سُكِّرَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، فَسَّرُوها: أُغْشِيَتْ، و " سُكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ: تَحَيَّرَتْ وسَكَنَتْ عَنْ أنْ تَنْظُرَ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكَرُ: إذا سَكَنَتْ.
ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ قالَ: أُخِذَ بِأبْصارِنا وشُبِّهَ عَلَيْنا، وإنَّما سُحِرْنا.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ سُدَّتْ بِالسِّحْرِ، فَيَتَماثَلُ لِأبْصارِنا غَيْرُ ما تَرى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ أوالشِرْكِ ونَحْوَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ زَيْدٍ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وتَكُونُ باءَ السَبَبِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى "الذِكْرِ المَحْفُوظِ" المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ وهو القُرْآنُ، أيْ: مُكَذَّبًا بِهِ مَرْدُودًا مُسْتَهْزَءًا بِهِ نُدْخِلُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدًا عَلَيْهِ أيْضًا، أيْ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والشِرْكِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، فَيَخْتَلِفُ عَلى هَذا عَوْدُ الضَمِيرَيْنِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْظُرُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
و"نَسْلُكُهُ" مَعْناهُ نَدْخُلُهُ، يُقالُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ إذا أدْخَلَتْهُ فِيهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لِمَ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في أمْرٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شَلّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُرُدا وَمِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ يَصِفُ حُمُرُ وحْشٍ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ قالَ الزُجاجُ: ويُقْرَأُ: "نُسْلِكُهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ اللامِ.
و"المُجْرِمِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن خُتِمَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ، وتَقُولُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ وأسْلَكْتُهُ، بِمَعْنى واحِدٍ، ويُرْوى: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ وكَفَرَةِ العَصْرِ المَخْتُومِ عَلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَظَلُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِمْ، وهو أبْلَغُ في إصْرارِهِمْ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ.
و"يَعْرُجُونَ" مَعْناهُ: يَصْعَدُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَعْرُجُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، والمَعارِجِ: الأدْراجُ، ومِنهُ المِعْراجُ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: إلى حَسْبٍ عَوْدٍ بَنى المَرْءَ قَبْلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أبُوهُ لَهُ فِيهِ مَعارِجُ سُلَّمِ وَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ ﴾ ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: "وَلَوْ رَأوُا المَلائِكَةَ يَصْعَدُونَ ويَتَصَرَّفُونَ في بابٍ مَفْتُوحٍ في السَماءِ، لَما آمَنُوا"، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ كَثِيرٍ: "سُكِّرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وشَدِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وقَرَأ ابْنُ الزَهْرِيِّ بِفَتْحِ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "سُحِّرَتْ أبْصارُنا"، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ انْتِقالًا إلى دَرَجَةٍ عُظْمى مِن سِحْرِ العَقْلِ.
وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتِ الرِيحُ تَسْكَرُ سُكُورًا" إذا رَكَدَتْ ولَمْ تَنْفَذْ لِما كانَتْ بِسَبِيلِهِ أوَّلًا، وتَقُولُ: "سَكِرَ الرَجُلِ مِنَ الشَرابِ يَسْكَرُ سُكْرًا": إذا تَغَيَّرَتْ حالُهُ ورَكَدَ ولَمْ يَنْفُذْ فِيما لِلْإنْسانِ أنْ يَنْفُذَ فِيهِ، ومِن هَذا المَعْنى: "سَكْرانُ لا يَبِتُّ"، أيْ: لا يَقْطَعُ أمْرًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتُ الفَتْقَ في مَجارِي الماءِ سَكْرًا" إذا طَمَسَتْهُ وصَرَفَتِ الماءَ عنهُ فَلَمْ يَنْفُذْ لِوَجْهِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ اللَفْظَةُ: "سُكِّرَتْ" بِشَدِّ الكافِ إذا كانَتْ مِن سُكْرِ الشَرابِ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَهي فِعْلٌ عُدِّيَ بِالتَضْعِيفِ، وإنْ كانَتْ مَن سَكْرِ مَجارِي الماءِ فَتَضْعِيفُها لِلْمُبالَغَةِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، لَأنَّ المُخَفَّفَ مَن فَعْلِهُ مُتَعَدٍّ، ورَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، لَأنَّ "الأبْصارَ" جَمْعٌ، والتَثْقِيلُ مَعَ الجَمْعِ أكْثَرُ، كَما قالَ: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ ، ومَن قَرَأ: "سَكِرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، فَإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَن سَكِرَ الماءُ فَهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وإنْ كانَتْ مَن سَكِرَ الشَرابُ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَيَضْمَنا أنَّ الفِعْلَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ إلى أنْ نَنْزِلَهُ مُتَعَدِّيًا، ويَكُونُ هَذا الفِعْلُ مِن قَبِيلِ: رَجَعَ زَيْدٌ ورَجَعَهُ غَيْرَهُ، وغارَتِ العَيْنُ وغارَها الرَجُلُ، فَتَقُولُ -عَلى هَذا-: سَكِرَ الرَجُلُ وسَكَرَهُ غَيْرُهُ، وسَكَرَتِ الرِيحُ وسَكَرَها شَيْءٌ غَيْرَها، ومَعْنى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهُمْ: أيْ غُيِّرَتْ أبْصارُنا عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، فَهي لا تُعْطِينا حَقائِقَ الأشْياءِ كَما كانَتْ تَفْعَلُ.
وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن هَذِهِ اللَفْظَةِ بِقَوْلِهِ: غُشِيَ عَلى أبْصارِنا، وقالَ بَعْضُهُمْ: عُمِّيَتْ أبْصارُنا، وهَذا ونَحْوَهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى لا يَرْتَبِطُ بِاللَفْظِ، ويُقالُ أيْضًا: هَؤُلاءِ المُبْصِرُونَ عُرُوجَ المَلائِكَةِ أو عُرُوجَ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: "سُكِّرَتْ أبْصارُنا" بَلْ سُحِرْنا حَتّى لا نَعْقِلَ الأشْياءَ كَما يَجِبُ، أيْ صَرِفَ فِينا السِحْرُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ لا يؤمنون به ﴾ [سورة الحجر: 13] وهو كلام جامع لإبطال جميع معاذيرهم من قولهم: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ سورة الحجر (7) وقولهم؛ ﴿ إنك لمجنون ﴾ [سورة الحجر: 6] بأنهم لا يطلبون الدلالة على صدقه، لأن دلائل الصدق بيّنة، ولكنهم ينتحلون المعاذير المختلفة.
والكلامُ الجامعُ لإبطال معاذيرهم: أنهم لو فتح الله باباً من السماء حين سألوا آيةً على صدق الرسول، أي بطلب من الرسول فاتصلوا بعالم القدس والنفوس الملكية ورأوا ذلك رأي العين لاعتذروا بأنها تخيّلات وأنهم سُحِروا فرأوا ما ليس بشيء شيئاً.
ونظيره قوله: ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ﴾ [سورة الأنعام: 7].
و (ظلّ) تدل على الكون في النهار، أي وكان ذلك في وضح النهار وتبين الأشباح وعدم التردد في المرئي.
والعُروج: الصعود.
ويجوز في مضارعه ضمّ الراء وبه القراءة وكسرها، أي فكانوا يصعدون في ذلك الباب نهاراً.
وسكرت} بضم السين وتشديد الكاف في قراءة الجمهور، وبتخفيف الكاف في قراءة ابن كثير.
وهو مبني للمجهول على القراءتين، أي سدّت.
يقال: سكر البابَ بالتشديد وسكره بالتخفيف إذا سدّه.
والمعنى: لجحدوا أن يكونوا رأوا شيئاً.
وأتوا بصيغة الحصر للدلالة على أنهم قد بتّوا القول في ذلك.
وردّ بعضهم على بعض ظن أن يكونوا رأوا أبواب السماء وعرجوا فيها، وزعموا أنهم ما كانوا يبصرون، ثم أضربوا عن ذلك إضراب المتردّد المتحيّر ينتقل من فرض إلى فرض فقالوا: ﴿ بل نحن قوم مسحورون ﴾ ، أي ما رأيناه هو تخيلات المسحور، أي فعادوا إلى إلقاء تبعة ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سحرهم حين سأل لهم الله أن يفتح باباً من السماء ففتحه لهم.
وقد تقدم الكلام على السحر وأحواله عند قوله تعالى: ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ في سورة البقرة (102).
وإقحام كلمة قوم } هنا دون أن يقولوا: بل نحن مسحورون، لأن ذكرها يقتضي أن السحر قد تمكن منهم واستوى فيه جميعهم حتى صار من خصائص قوميتهم كما تقدم تبيينه عند قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).
وتكرر ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَظَلَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَعْرُجُونَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: فَظَلَّتِ المَلائِكَةُ فِيهِ يَعْرُجُونَ وهم يَرَوْنَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا ﴾ في ﴿ سُكِّرَتْ ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما بِتَشْدِيدِ الكافِ، والثّانِيَةُ بِتَخْفِيفِها، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، فَعَلى هَذا سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سُدَّتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: عَمِيَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أُخِذَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: خُدِعَتْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
الخامِسُ: غُشِيَتْ وغُطِّيَتْ، قالَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وطَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْها مِغْفَرُ وجَعَلَتْ عَيْنُ الحَرُورِ تُسْكَرُ السّادِسُ: مَعْناهُ حُبِسَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَمِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ فَصِرْنَ عَلى لَيْلَةٍ ساهِرَةْ ∗∗∗ فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرَةْ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى سُكِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مُخْتَلِفٌ، وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ بِالتَّخْفِيفِ سُحِرَتْ، وبِالتَّشْدِيدِ: أُخِذَتْ.
الثّانِي: أنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ مِن سُكْرِ الشَّرابِ، وبِالتَّشْدِيدِ مَأْخُوذٌ مِن سَكَّرْتُ الماءُ.
" بَلْ نَحْنُ مَسْحُورُونَ " فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ سُحِرْنا فَلا نُبْصِرُ.
الثّانِي: مُضَلَّلُونَ، حَكاهُ ثَعْلَبٌ.
الثّالِثُ: مُفْسِدُونَ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ يقول: ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه، يختلفون فيه ذاهبين وجائين لقال أهل الشرك: إنماأخذت أبصارنا وشبه علينا وسحرنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ قال: رجع إلى قوله: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة...
﴾ ما بين ذلك قال ابن جريج: قال ابن عباس: لظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم ﴿ لقالوا إنما سكرت ﴾ سدت ﴿ أبصارنا ﴾ قال: قريش تقوله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ قال: سدت.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه قرأ ﴿ سكرت أبصارنا ﴾ خفيفة.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: من قرأ ﴿ سكرت ﴾ مشددة، يعني سدّت؛ ومن قرأ ﴿ سكرت ﴾ مخففة، فإنه يعني سحرت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ الآية.
قال الليث: البرج واحدٌ من بروج الفَلَك؛ وهي اثنا عشر برجًا؛ كل برج منها منزلان ونصف (١) (٢) (٣) ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ ، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بروج الشمس والقمر؛ يعني منازلهما (٤) (٥) قال أبو إسحاق: يريدون نجوم هذه البروج، وهي نجوم على صورة ما سميت به؛ نحو: الحَمَل والثَّور وغيرهما؛ فالبروج نجوم كما جاء في التفسير (٦) (٧) ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ هي قصور في السماء (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم، ﴿ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ أي للمعتبرين بها والمستدلين على توحيد صانعها.
(١) هكذا في جميع النسخ، وفي المصدر: (ثلث) وكذا في "الممتع في شرح المقنع" ص 64.
(٢) في جميع النسخ: (ثلاث)، وهو خطأ نحوي ظاهر، ولعله من النساخ.
(٣) ورد في" تهذيب اللغة" (برج) 1/ 300 بنصه، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 168 ورد مختصرًا، والخازن 3/ 91، وصديق خان 7/ 153.
(٤) "تفسير ابن الجوزي" 4/ 387، و"تفسير القرطبي" 10/ 9، والخان 3/ 91.
(٥) "تفسير مجاهد" ص 340 بنحوه، "أخرجه الطبري" 4/ 14 عن قتادة بلفظه، وفي رواية عن مجاهد وقتادة قال: الكواكب، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 15 بنحوه عن مجاهد، "تفسير السمرقندي" 2/ 216 بلفظه، "تفسير الماوردي" 3/ 152 بلفظه عن الحسن ومجاهد، "تفسير ابن الجوزي" 2/ 603 عن مجاهد وقتادة، "تفسير القرطبي" 10/ 9 عن الحسن وقتادة، والخازن 3/ 91 عنهم، وابن كثير 2/ 568 عن مجاهد وقتادة، "الدر المنثور" 4/ 177 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 175 بنحوه.
(٧) ورد بلفظه في "تفسير السمرقندي" 2/ 216 بلا نسبة، والماوردي 3/ 152 عن عطية.
انظر: "تفسير البغوي" 4/ 371 عن عطية، وابن الجوزي 4/ 387 عن ابن عباس وعطية، و"تفسير القرطبي" 10/ 10، والخازن 3/ 91 عن عطية، وابن كثير 2/ 603 عن عطية، و"الدر المنثور" 4/ 177 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن عطية.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 307 بلفظه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ﴾ أي تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء حتى هلكوا بذلك، ففي الكلام تهديد لقريش ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أبصارنا ﴾ الضمائر لكفار قريش المعاندين المحتوم عليهم بالكفر وقيل: الضمير في ظلوا وفي يعرجون للملائكة وفي قالوا للكفار، ومعنى: يعرجون يصعدون، والمعنى أن هؤلاء الكفار لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تخييل أو سحر، وقرئ سكِّرت بالتشديد والتخفيف ويحتمل أن يكون مشتقاً من السكر، فيكون معناه: أجبرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السِّكْر وهو السد فيكون معناه منعت أبصارنا من النظر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
قيل: في ملك الأولين.
وقيل: في فرق الأولين.
وقيل: في جماعات [الأولين]، وهو واحد.
﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .
يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.
يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصاً به، من بين سائر الخلائق.
والله أعلم.
كأن هذه الآية صلة قولهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ...
﴾ إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليداً لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليداً بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر [فشتمه؛ تقليداً] واقتداء وتلقناً - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ وكقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ بكفرهم؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...
﴾ الآية [الأنعام: 25] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [الآيات والحجج]، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها.
هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب، والردّ، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.
ويحتمل: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ومعاندتهم إياها.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: لا يصدقون بالعذاب ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم.
وقال أبو عوسجة: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ : أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ﴾ وقال: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أي: أدخل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ .
يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ...
﴾ الآية [الأنعام: 109] ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ﴾ : يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قيل: حيرت وسدت، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ : أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ﴾ أي: لهم ﴿ بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ أي: للنصب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ حتى ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ يؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله : ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.
<div class="verse-tafsir"
ولقد جعلنا في السماء نجومًا عظيمة يهتدي بها الناس في أسفارهم في ظلمات البر والبحر، وجَمَّلناها لمن نظر إليها وأبصرها؛ ليستدلوا بها على قدرة الله سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.av2mq"