تفسير الآية ١٠٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٠٨ من سورة النحل

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ١٠٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠٨ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فطبع على قلوبهم فهم لا يعقلون بها شيئا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها ولا أغنت عنهم شيئا فهم غافلون عما يراد بهم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: هؤلاء المشركون الذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيها الناس، هم القوم الذين طبع الله على قلوبهم، فختم عليها بطابعه، فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصمّ أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعظ ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) يقول: وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون ، عما أعدّ الله لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أولئك الذين طبع الله على قلوبهم أي عن فهم المواعظ .وسمعهم عن كلام الله - تعالى - .وأبصارهم عن النظر في الآيات .وأولئك هم الغافلون عما يراد بهم .لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ } حيث ارتدوا على أدبارهم طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان منعهم الله الهداية فلم يهدهم لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ينفذ منها ما ينفعهم ويصل إلى قلوبهم.

فشملتهم الغفلة وأحاط بهم الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، وعرضت عليهم فلم يقبلوها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ) عما يراد بهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون» عما يراد بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك هم الذين ختم الله على قلوبهم بالكفر وإيثار الدنيا على الآخرة، فلا يصل إليها نور الهداية، وأصم سمعهم عن آيات الله فلا يسمعونها سماع تدبُّر، وأعمى أبصارهم، فلا يرون البراهين الدالة على ألوهية الله، وأولئك هم الغافلون عمَّا أعدَّ الله لهم من العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى رذائلهم رذيلة أخرى فقال : ( أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأولئك هُمُ الغافلون ) .والطبع : الختم والوسم بطابع ونحوه على الشئ ، لكى لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه .

أى : أولئك الذين شرحوا صدورهم بالكفر ، وطابوا به نفسا ، قد طبع الله تعالى على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، فصارت ممنوعة من وصول الحق إليها ، وعاجزة عن الانتفاع به ، وأولئك هم الكاملون فى الغفلة والبلاهة ، إذ لاغفلة أشد من غفلة المعرض عن عاقبة أمره ، ولا بلاهة أفدح من بلاهة من آثر الفانية على الباقية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم كانوا يقولون إن محمداً إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلفوا في هذا البشر الذي نسب المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعلم منه قيل: هو عبد لبني عامر بن لؤي يقال له يعيش، وكان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، وقيل: عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، وكان اسمه جبرا، وكانت قريش تقول: عبد بني الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمداً، وقيل: كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام ويقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية وقيل: سلمان الفارسي، وبالجملة فلا فائدة في تعديد هذه الأسماء والحاصل أن القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه.

ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال: ﴿ لّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ومعنى الإلحاد في اللغة الميل يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحق ملحد.

وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ بفتح الياء والحاء، والباقون بضم الياء وكسر الحاء قال الواحدي: والأولى ضم الياء لأنه لغة القرآن، والدليل عليه قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة، ومنه يقال: ألحدت له لحداً إذا حفرته في جانب القبر مائلاً عن الاستواء وقبر ملحد وملحود، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها لم يمله عن دين إلى دين آخر وفسر الإلحاد في هذه الآية بالقولين: قال الفراء: يميلون من الميل، وقال الزجاج: يميلون من الإمالة، أي لسان الذين يميلون القول إليه أعجمي، وأما قوله: ﴿ أَعْجَمِىٌّ ﴾ فقال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان والإيضاح، ومنه قولهم: رجل أعجم وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان، وعجم الذنب سمي بذلك لاستتاره واختفائه، والعجماء البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها، وسموا صلاتي الظهر والعصر عجماوين، لأن القراءة حاصلة فيهما بالسر لا بالجهر، فأما قولهم: أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته، وأفعلت قد يأتي والمراد منه السلب كقولهم: أشكيت فلاناً إذا أزلت ما يشكوه، فهذا هو الأصل في هذه الكلمة، ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بلسانهم أعجم وأعجمياً.

قال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجمي والعجمي الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي: الأعجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم، ألا ترى أنهم قالوا: زيادة الأعجم لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً، وأما معنى العربي واشتقاقه فقد ذكرناه عند قوله: ﴿ الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا  ﴾ وقال الفراء والزجاج: في هذه الآية يقال عرب لسانه عرابة وعروبة هذا تفسير ألفاظ الآية.

وأما تقرير ووجه الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا: القرآن إنما كان معجزاً لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ وكأنه قيل: هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزاً لما في ألفاظه من الفصاحة فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح ذلك في المقصود إذ القرآن إنما كان معجزاً لفصاحته وما ذكرتموه لا يقدح في ذلك المقصود، ولما ذكر الله تعالى هذا الجواب أردفه بالتهديد والوعيد، فقال: ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله ﴾ أما تفسير أصحابنا لهذه الآية فظاهر، وقال القاضي: أقوى ما قيل في ذلك إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة، ولذلك قال بعده: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ والمراد أنهم لما تركوا الإيمان بالله لا يهديهم الله إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار، ثم إنه تعالى بين كونهم كذابين في ذلك القول فقال: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله وأولئك هُمُ الكاذبون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود منه أنه تعالى بين في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود، ثم إنه تعالى في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصح وهم كذبوا فيه، والدليل على كونهم كاذبين في ذلك القول وجوه: الأول: أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

والثاني: أن أمر التعلم لا يتأتى في جلسة واحدة ولا يتم في الخفية، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المعلم إلى المتعلم أزمنة متطاولة ومدداً متباعدة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمداً عليه السلام يتعلم العلوم من فلان وفلان.

الثالث: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشاراً إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟

واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة باهرة، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكية.

المسألة الثانية: في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش والدليل عليه أن كلمة إنما للحصر، والمعنى: أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله تعالى، وإلا من كان كافراً وهذا تهديد في النهاية.

فإن قيل: قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله ﴾ فعل وقوله: ﴿ وأولئك هُمُ الكاذبون ﴾ اسم وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية قبيح فما السبب في حصوله ههنا؟

قلنا: الفعل قد يكون لازماً وقد يكون مفارقاً، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ  ﴾ ذكره بلفظ الفعل، تنبيهاً على أن ذلك السجن لا يدوم.

وقال فرعون لموسى عليه السلام: ﴿ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين  ﴾ ذكره بصيغة الاسم تنبيهاً على الدوام، وقال أصحابنا: إنه تعالى قال: ﴿ وعصى ءَادَمَ رَبَّهُ فغوى  ﴾ ولا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ وغاوٍ، لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام، وصيغة الاسم تفيده.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: قوله: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله ﴾ ذكر ذلك تنبيهاً على أن من أقدم على الكذب فكأنه دخل في الكفر، ثم قال: ﴿ وأولئك هُمُ الكاذبون ﴾ تنبيهاً على أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة دائمة.

وهذا كما تقول: كذبت وأنت كاذب فيكون قولك وأنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب.

ومعناه: أن عادتك أن تكون كاذباً.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن الكاذب المفتري الذي لا يؤمن بآيات الله والأمر كذلك، لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهية ونبوة الأنبياء، وهذا الإنكار مشتمل على الكذب والافتراء.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: «لا» ثم قرأ هذه الآية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَات الله ﴾ أي يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون ﴿ لاَ يهابهم الله ﴾ لا يلطف بهم؛ لأنهم من أهل الخذلان في الدنيا والعذاب في الآخرة، لا من أهل اللطف والثواب ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ ﴾ ردّ لقولهم ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ [النحل: 101] يعني: إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب عقاباً عليه ﴿ وَأُوْلئِكَ ﴾ إشارة إلى قريش ﴿ هُمُ الكاذبون ﴾ أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون، أو إلى الذين لا يؤمنون.

أي أولئك هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب؛ لأنّ تكذيب آيات الله أعظم الكذب: أو أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين.

أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ [النحل: 101] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن (أُولَئِكَ) أوْ مِنَ ﴿ الكاذِبُونَ ﴾ ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِالذَّمِّ وأنْ تَكُونَ مِن شُرْطِيَّةً مَحْذُوفَةَ الجَوابِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ ﴾ عَلى الِافْتِراءِ أوْ كَلِمَةِ الكُفْرِ، اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الكُفْرَ لُغَةً يَعُمُّ القَوْلَ والعَقْدَ كالإيمانِ.

﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ.

﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ اعْتَقَدَهُ وطابَ بِهِ نَفْسًا.

﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ إذْ لا أعْظَمَ مِن جُرْمِهِ.

رُوِيَ « (أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ، فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وجِيءَ بِحَرْبَةٍ في قُبُلِها وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ فَقُتِلَتْ، وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأعْطاهم عَمّارٌ بِلِسانِهِ ما أرادُوا مُكْرَهًا فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَمّارًا كَفَرَ فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ  وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ما لَكَ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ)» .

وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ وإنْ كانَ الأفْضَلَ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْهُ إعْزازًا لِلدِّينِ كَما فَعَلَهُ أبَواهُ لِما رُوِيَ « (أنَّ مُسَيْلِمَةَ أخَذَ رَجُلَيْنِ فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟

قالَ: رَسُولُ اللَّهِ  قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ فَقالَ: أنْتَ أيْضًا فَخَلّاهُ، وقالَ لِلْآخَرِ ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ  ؟

قالَ فَما تَقُولُ فِيَّ ؟

قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا فَأعادَ جَوابَهُ فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ) .» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم} فلا يتدبرون ولا يصغون إلى المواعظ ولا يبصرون طريق الرشاد {وَأُولَئِكَ هُمُ الغافلون} أي الكاملون في الغفلة لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها

النحل (١٠٩ _ ١١٢)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ ﴿ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ فَلَمْ تُفْتَحْ لِإدْراكِ الحَقِّ واكْتِسابِ ما يُوَصِّلُ إلَيْهِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى اسْتَحَبُّوا إشارَةً إلى الكَسْبِ ﴿ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاخْتِراعِ فَجَمَعَتِ الآيَةُ الأمْرَيْنِ وذَلِكَ عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ فافْهَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِلْكَلامِ عَلى الطَّبْعِ ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ والنَّظَرِ في المَصالِحِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: غافِلُونَ عَمّا يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي: القرآن لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أي: لا يوفقهم الله ولا يكرمهم لقلة رغبتهم في الإيمان.

ويقال: لا ينجيهم في الآخرة من النار وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.

ثم قال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلاَّ الله كذبوا بها، وهؤلاء أكذب الكذبة.

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ فعليهم غضب من الله على معنى التقديم.

ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ أي: أكره على الكفر، وتكلم بالكفر مكرهاً وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ يقول: قلبه معتقد عليه، وهو عمار بن ياسر، وأصحابه.

وذلك أن ناساً من أهل مكة آمنوا، فخرجوا مهاجرين، فأدركتهم قريش بالطريق فعذبوهم، فكفروا مكرهين، فنزلت هذه الآية فيهم.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.

وروي عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة، فطرحوه في بئر ميمونة حتى أمسى، فقالوا له: اكفر بمحمد وأشرك بالله، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فنزلت الآية.

وذكر أن النبيّ  رأى عمار بن ياسر وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع من عينيه، ويقول: «أخذني الكفار ولم يتركوني حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير» .

فقال: «كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ» ؟

قال: مطمئن بالإيمان.

فقال: «إنْ عَادُوا فَعُدْ» .

وقال مقاتل: أسلم جبر مولى ابن الحضرمي، فأخذه مولاه وعذبه حتى رجع إلى اليهودية، ثم رجع إلى هؤلاء النفر، فنزلت الآية إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.

ثم بيّن حال الذين ثبتوا على الكفر فقال: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي: فتح صدره بالقبول.

يعني: قبل الكفر طائعاً وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتدّ ولحق بمكة فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي: شديد في الآخرة ذلِكَ العذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا أي: اختاروا الدنيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي أي: لا يرشد إلى دينه الْقَوْمَ الْكافِرِينَ مجازاة لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

باللَّه، وهذا الإخبار بأنْ لا سلطانَ للشيطانِ على المؤمنين بَعقِبِ الأَمر بالاستعاذة- يقتضي أنْ الاستعاذةَ تصرْفُ كيده، كأنها متضمِّنة للتوكُّل على الله، والانقطاع إليه.

وقوله سبحانه: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ يعني بهذا التبديل النَّسْخَ، قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ: أي قال كفّار مكّة، ورُوحُ الْقُدُسِ: هو جبريلُ بلا خلاف.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال ابن عباس: كان بمكَّة غلامٌ أعجميٌّ لبعض قريشٍ يقال له: «بلعام» ، فكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُعلِّمه الإِسلام، ويرُومُهُ عليه، فقال بعضُ الكفَّار هذا يُعلِّم محمَّداً، وقيل: اسمُ الغلام «جبر» ، وقيل: يَسار، وقيل: يَعيش، والأعجميُّ هو الذي لا يتكلَّم بالعربية، وأما العَجَمِيُّ، فقد يتكلَّم بالعربيَّة، ونسبته قائمة «١» .

وقوله: وَهذا إشارة إلى القرآن والتقدير: وهذا سَرْدُ لسانٍ، أو نطقُ لسان.

إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)

وقوله/ سبحانه: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ: بمعنى: إنما يكذب، وهذه مقاومة للذين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النحل: ١٠١] ، ومَنْ في قوله مَنْ كَفَرَ بدلٌ مِنْ قوله: الْكاذِبُونَ، فروي: أن قوله سبحانه: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ يراد به مِقْيَسُ بنُ ضَبَابَةَ وأشباهه ممَّن كان آمن، ثم ارتد باختياره مِنْ غيرِ إِكراه.

وقوله سبحانه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ، أي: كبلالٍ وعمّار بن ياسر وأمّه وخبّاب وصهيب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ أيْ: آدَمِيٌّ، وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وَفِيمَن أرادُوا بِهَذا البَشَرِ تِسْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَنِي المُغِيرَةِ غُلامٌ يُقالُ لَهُ " يَعِيشُ " يَقْرَأُ التَّوْراةَ، فَقالُوا: مِنهُ يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ: كانَ هَذا الغُلامُ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وكانَ رُومِيًّا.

والثّانِي: أنَّهُ فَتًى كانَ بِمَكَّةَ يُسَمّى " بُلْعامُ " وكانَ نَصْرانِيًّا أعْجَمِيًّا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُعَلِّمُهُ، فَلَمّا رَأى المُشْرِكُونَ دُخُولَهُ إلَيْهِ وخُرُوجَهُ، قالُوا ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَتْ في كاتِبٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، فَيُمْلِي عَلَيْهِ " سَمِيعٌ عَلِيمٌ " فَيَكْتُبُ هو " عَزِيزٌ حَكِيمٌ " أوْ نَحْوَ هَذا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : " «أيَّ ذَلِكَ كَتَبْتَ فَهو كَذَلِكَ» "، فافْتَتَنَ، وقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَكِلُ ذَلِكَ إلَيَّ فَأكْتُبُ ما شِئْتُ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِامْرَأةٍ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: " جابِرٌ "، وكانَ جابِرٌ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ  فَيَتَعَلَّمُ مِنهُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ مِن هَذا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّهم عَنَوْا سَلْمانَ الفارِسِيَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ وفِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، وهَذِهِ [الآيَةُ] مَكِّيَّةٌ.

والسّادِسُ: أنَّهم عَنَوْا بِهِ رَجُلًا حَدّادًا كانَ يُقالُ " يَحَنَّسُ " النَّصْرانِيُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّابِعُ: أنَّهم عَنَوْا بِهِ غُلامًا لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وكانَ يَهُودِيًّا أعْجَمِيًّا، واسْمُهُ " يَسارٌ " ويُكَنّى " أبا فَكِيهَةَ "، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ هَذا، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا.

والثّامِنُ: أنَّهم عَنَوْا غُلامًا أعْجَمِيًّا اسْمُهُ " عايِشٌ "، وكانَ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبٍ، وكانَ قَدْ أسْلَمَ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والتّاسِعُ: أنَّهُما رَجُلانِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيُّ: كانَ لَنا عَبْدانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يُقالُ لِأحَدِهِما: " يَسارٌ " ولِلْآخَرِ " جَبْرٌ " وكانا يَصْنَعانِ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَآنِ الإنْجِيلَ، فَرُبَّما مَرَّ بِهِما النَّبِيُّ  وهُما يَقْرَآنِ، فَيَقِفُ يَسْتَمِعُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مِنهُما.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ البَشَرُ واقِعًا عَلى اثْنَيْنِ، والبَشَرُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ، يُعَبِّرُ عَنِ اثْنَيْنِ، كَما يُعَبِّرُ " أحَدٌ " عَنِ الِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَلْحَدُونَ " بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ.

فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُلْحِدُونَ " أيْ: يَمِيلُونَ إلَيْهِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ يُعَلِّمُهُ، وأصْلُ الإلْحادِ المَيْلُ.

وقالَ الفَرّاءُ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ: يَعْتَرِضُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ أيْ: بِاعْتِراضٍ، و" يَلْحِدُونَ " بِفَتْحِ الياءِ: يَمِيلُونَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُلْحِدُونَ إلَيْهِ، أيْ: يُمِيلُونَ القَوْلَ فِيهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَكادُ عَوامُّ النّاسِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ العَجَمِيِّ والأعْجَمِيِّ، والعَرَبِيِّ والأعْرابِيِّ، فالأعْجَمِيُّ: الَّذِي لا يُفْصِحُ وإنْ كانَ نازِلًا بِالبادِيَةِ، والعَجَمِيُّ: مَنسُوبٌ إلى العَجَمِ وإنْ كانَ فَصِيحًا، والأعْرابِيِّ: هو البَدَوِيُّ، والعَرَبِيُّ: مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَدَوِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَذا لِسانٌ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ عَرَبِيٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أنَّ صاحِبَهُ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيِ: الَّذِينَ إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، كَذَّبُوا بِها، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ أيْ: أنَّ الكَذِبَ نَعْتٌ لازِمٌ لَهم، وعادَةٌ مِن عاداتِهِمْ، وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ  ﴾ .

وهَذِهِ الآيَةُ مِن أبْلَغِ الزَّجْرِ عَنِ الكَذِبِ، لِأنَّهُ خُصَّ بِهِ مَن لا يُؤْمِنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ ﴿ مَن كَفَرَ بِاللهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مَن اللهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَرْتِيبِ وأخَّرَ تَهَمُّمًا بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَشْنِيعِ لِخِطابِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ ﴾ بِمَعْنى: إنَّما يَكْذِبُ، وهَذِهِ مُقاوَمَةٌ لِلَّذِينِ قالُوا لِمُحَمَّدٍ  : "إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ"، و"إنَّما" حاصِرَةٌ أبَدًا، لَكِنَّ حَصْرَها يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَعانِي الَّتِي تَقَعُ فِيها، فَقَدْ يَرْبُطُ المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها حَقِيقِيًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وقَدْ يَقْتَضِي المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها تَجُوُّزًا ومُبالَغَةً، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، وهَكَذا هي في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَفْتَرِي هَذا الصِنْفُ لَأنَّهم إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللهُ، كَذَّبُوا بِها، فَهَذا أفْحَشُ الكَذِبِ.

وكَرَّرَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ لِفائِدَةِ إيقاعِ الصِفَةِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِمْ، إذِ الصِفَةُ بِالشَيْءِ أبْلَغُ مِنَ الخَبَرِ بِهِ؛ لَأنَّ الصِفَةَ تَقْتَضِي الدَوامَ أكْثَرَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ، فَبَدَأ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَبَرِ ثُمَّ أكَّدَ بِالصِفَةِ، وقَدِ اعْتَرَضَ هَذا النَظَرَ مَكِّيٌّ، ولَيْسَ اعْتِراضُهُ بِالقَوِيِّ.

و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "الكاذِبُونَ"، ولَمْ يُجِزِ الزَجّاجُ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ؛ لَأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخَرَ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ، والَّذِي أبى الزَجّاجُ سائِغٌ عَلى ما أُورِدُهُ الآنَ إنْ شاءَ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَتَأيَّدُ بِما رُوِيَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ يُرادُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، ومَقِيسُ بْنُ صَبابَةَ وأشْباهُهُما مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَلَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أمْرَ الكاذِبِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ أخْرَجَ مِن هَذِهِ الصِفَةِ القَوْمَ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ بِمَكَّةَ، وهم بِلالٌ وعَمّارٌ وسُمَيَّةُ أُمُّهُ وخَبّابٌ وصُهَيْبٌ وأشْباهُهُمْ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في صَدْرِ الإسْلامِ يُؤْذُونَ مِن أسْلَمَ مِن هَؤُلاءِ لِضَعْفِهِ، ويُعَذِّبُونَهم لِيَرْتَدُوا، فَرُبَّما سامَحَهم بَعْضُهم بِما أرادُوا مِنَ القَوْلِ، رُوِيَ أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَعَلَ ذَلِكَ فاسْتَثْناهُ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَتِ الرُخْصَةُ عامَّةٌ في الأمْرِ بَعْدَهُ.

ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِأنَّ مِن شَرْح صَدْرًا بِالكُفْرِ فَعَلَيْهِمْ، وهَذا الضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ أمْرَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ وأُولَئِكَ إنَّما كانَ ورَسُولَ اللهِ  بِالمَدِينَةِ، والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن شَرَحَ ﴾ تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِما ذَكَرْنا مِن إخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ، ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بِلَكِنْ.

وقَوْلُهُ: "فَعَلَيْهِمْ" خَبَرٌ عن "مَنِ" الأولى والثانِيَةِ؛ إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى؛ لَأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ إنَّما قَصَدَ بِهِ الصِنْفَ الشارِحَ بِالكُفْرِ، فَـ "صَدْرًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ مَعْناهُ: انْبَسَطَ إلى الكُفْرِ بِاخْتِيارِهِ، ويُرْوى «أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ شَكا إلى رَسُولِ اللهِ  ما صُنِعَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وما سامَعَ بِهِ مِنَ القَوْلِ، فَقالَ لَهُ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟" قالَ: أجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: "فَأجِبْهم بِلِسانِكَ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإنْ عادُوا فَعُدْ"،» ويَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ، أمّا مَن عَذَّبَهُ كافِرٌ قادِرٌ عَلَيْهِ لِيَكْفُرَ بِلِسانِهِ، وكانَ العَذابُ يُؤَدِّي إلى قَتْلِهِ فَلَهُ الإجابَةُ بِاللِسانِ قَوْلًا واحِدًا فِيما أحْفَظُ، فَإنْ أرادَ مِنهُ الإجابَةَ بِفِعْلٍ كالسُجُودِ إلى صَنَمٍ ونَحْوَ ذَلِكَ فَفي هَذا اخْتِلافٌ فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: يُجِيبُ بِحَسْبِ التَقِيَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُجِيبُ، ويُسَلِّمُ نَفْسَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنْ كانَ الصَنَمُ نَحْوَ القِبْلَةِ أجابَ، واعْتَقَدَ السُجُودَ لِلَّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أحَراهُ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ حِينَئِذٍ حَيْثُما تَوَجَّهَ، وهَذا مُباحٌ في السَفَرِ لِتَعَبِ النُزُولِ عَنِ الدابَّةِ في التَنَقُّلِ، فَكَيْفَ لِهَذا؟

واحْتَجَّتْ فِرْقَةٌ عَلى التَفْرِيقِ في المَنعِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ"، فَقَصَرَ الرُخْصَةَ عَلى القَوْلِ دُونَ الفِعْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِحُجَّةٍ، لَأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ جَعَلَ الكَلامَ مِثالًا وهو يُرِيدُ أنَّ الفِعْلَ في حُكْمِهِ، وَأمّا الإكْراهُ في البَيْعِ والطَلاقِ والعِتْقِ والفِطْرِ في رَمَضانَ وشُرْبِ الخَمْرِ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعاصِي الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ واللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، قالَهُ مُطَرِّفٌ، ورَواهُ عن مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، ورَوَياهُ عَنِ ابْنِ القاسِمِ عن مالِكٍ، وفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بَيْنَ ما مِنها قَوْلٌ كالعِتْقِ والطَلاقِ فَجَعَلَ فِيها التَقِيَّةَ، وقالَ: لا تَقِيَّةَ فِيما كانَ فِعْلًا كَشُرْبِ الخَمْرِ والفِطَرِ في رَمَضانَ، ولا يَحِلُّ فِعْلُها لِمُكْرَهٍ، وأمّا المَظْلُومُ فَيَضْغَطُ حَتّى يَبِيعَ مَتاعَهُ، فَذَلِكَ بَيْعٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وهو أولى بِمَتاعِهِ يَأْخُذُهُ بِلا ثَمَنٍ، ويَبِيعُ المُشْتَرِي بِالثَمَنِ ذَلِكَ الظالِمَ، فَإنْ فاتَ المَتاعُ رَجَعَ بِثَمَنِهِ أو بِقِيمَتِهِ -بِالأكْثَرِ مِن ذَلِكَ- عَلى الظالِمِ إذا كانَ المُشْتَرِي غَيْرَ عالِمٍ بِظُلْمِهِ، قالَ مُطَرِّفٌ: ومَن كانَ مِنَ المُشْتَرِينَ يَعْلَمُ حالَ المُكْرَهِ فَإنَّهُ ضامِنٌ لِما ابْتاعَ مِن رَقِيقِهِ وعُرُوضِهِ كالغاصِبِ، وأمّا مَن لا يَعْلَمُ فَلا يَضْمَنُ العُرُوضَ والحَيَوانَ، وإنَّما يَضْمَنُ ما كانَ تَلَفُهُ بِسَبَبِهِ، مِثْلَ طَعامٍ أكْلَهُ، أو ثَوْبِ لَبِسَهُ، والغَلَّةُ -إذا عَلِمَ أو لَمْ يَعْلَمْ- لَيْسَتْ لَهُ بِحالٍ، هو لَها ضامِنٌ كالغاصِبِ، وقالَهُ أصْبَغُ وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قالَ مُطَرِّفٌ: وكُلُّ ما أحْدَثَ المُبْتاعُ في ذَلِكَ مِن عِتْقٍ أو تَدْبِيرٍ أو تَحْبِيسٍ فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهُ، ولَهُ أخْذُ مَتاعِهِ.

وأمّا الإكْراهُ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ أو جَلْدِهِ وأخْذِ مالِهِ أو بَيْعِ مَتاعِهِ فَلا عُذْرَ فِيهِ، ولا اسْتِكْراهَ في رُكُوبِ مَعْصِيَةٍ تُنْتَهَكُ مِن أحَدٍ كالزِنى والقَتْلِ أو نَحْوَهُ، قالَ مُطَرِّفٌ، وأصْبَغُ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَفْعَلُ أحَدٌ ذَلِكَ وإنْ قُتِلَ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإنْ فَعَلَ فَهو آثِمٌ ويَلْزَمُهُ الحَدُّ والقَوَدُ، وقالَ مالِكٌ: القَيْدُ إكْراهٌ، والسَجْنُ إكْراهٌ، والوَعِيدُ المُخَوِّفُ إكْراهٌ وإنْ لَمْ يَقَعْ إذا تَحَقَّقَ ظُلْمُ ذَلِكَ المُتَعَدِّي وإنْفاذُهُ لِما يَتَوَعَّدُ، ويَعْتَبِرُ الإكْراهَ عِنْدِي بِحَسْبَ هِمَّةِ المُكْرَهِ وقَدْرِهِ في الدِينِ، وبِحَسْبِ قَدْرِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ الضَرْبُ إكْراهًا في شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَلِهَذِهِ النَوازِلِ فَقْهُ الحالِ، وأمّا يَمِينُ المُكْرَهِ كَما قُلْنا فَهي غَيْرُ لازِمَةٍ، قالَ ابْنُ الماجَشُونُ: وسَواءٌ حَلَفَ فِيما هو لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى طاعَةٌ أو مَعْصِيَةٌ إذا أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ، قالَهُ أصْبَغُ، وقالَ مُطَرِّفٌ: إنْ أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ فِيما هو لِلَّهِ تَعالى مَعْصِيَةٌ أو فِيما لَيْسَ في فِعْلِهِ طاعَةٌ ولا مَعْصِيَةٌ فاليَمِينُ فِيهِ ساقِطَةٌ، إنْ أُكْرِهْ عَلى اليَمِينِ فِيما هو طاعَةٌ مِثْلَ أنْ يَأْخُذَ الوالِي رَجُلًا فاسِقًا فَيُكْرِهُهُ أنْ يَحْلِفَ بِالطَلاقِ أنْ لا يَشْرَبَ خَمْرًا، أو لا يَفْسُقُ، أو لا يَغُشُّ في عَمَلِهِ، أوِ الوالِدُ يُحَلِّفُ ولَدَهُ في مِثْلِ هَذا تَأْدِيبًا لَهُ فَإنَّ اليَمِينَ تَلْزَمُ وإنْ كانَ المُكْرَهُ قَدْ أخْطَأ فِيما تَكَلَّفَ مِن ذَلِكَ، وقالَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ.

وأمّا إنْ أُكْرِهَ رَجُلٌ عَلى أنْ يَحْلِفَ وإلّا أُخِذَ لَهُ مالٌ -كَأصْحابِ المَكْسِ، وظَلَمَةِ السُعاةِ، وأهْلِ الِاعْتِداءِ- فَقالَ مُطَرِّفٌ: لا تَقِيَّةَ في ذَلِكَ، وإنَّما يَدْرَأُ المَرْءُ بِيَمِينِهِ عن بَدَنِهِ لا عن مالِهِ، وقالَ ابْنُ الماجَشُونُ: لا يَحْنَثُ وإنْ دَرَأ عن مالِهِ ولَمْ يَخَفْ عَلى بَدَنِهِ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ، ورَواهُ عن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وأصْبَغُ، وابْنُ حَبِيبٍ.

قالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجَشُونُ: وإنْ بَدْرَ الحالِفُ بِيَمِينِهِ لِلْوالِي الظالِمِ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُ لِيَذُبَّ بِها عَمّا خافَ عَلَيْهِ مِن بَدَنِهِ ومالِهِ فَحَلَفَ لَهُ فَإنَّها تَلْزَمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، وقالَ أيْضًا ابْنُ الماجَشُونُ فِيمَن أخَذَهُ ظالِمٌ فَحَلَفَ لَهُ بِالطَلاقِ البَتَّةَ مِن غَيْرِ أنْ يُحَلِّفَهُ وتَرَكَهُ وهو كاذِبٌ، وإنَّما حَلَفَ خَوْفًا مِن ضَرْبِهِ وقَتْلِهِ أو أخْذِ مالِهِ، فَإنْ كانَ إنَّما يَتَبَرَّعُ بِاليَمِينِ غَلَبَةَ خَوْفٍ ورَجاءَ النَجاةِ مِن ظُلْمِهِ فَقَدْ دَخَلَ في الإكْراهِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلى رَجاءِ النَجاةِ فَهو حانِثٌ، وإذا اتَّهَمَ الوالِي أحَدًا بِفِعْلِ أمْرٍ فَقالَ لَهُ: لا بُدَّ مِن عُقُوبَتِكَ إلّا أنْ تَحْلِفَ لِي، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مِمّا لِذَلِكَ المُكْرَهِ فِعْلُهُ -إمّا أنْ يَكُونَ طاعَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ لا طاعَةَ ولا مَعْصِيَةَ- فالتَقِيَّةُ في هَذا، وأمّا إنْ كانَ الأمْرُ مِمّا لا يَحِلُّ لَهُ فِعْلُهُ ويَكُونُ حَظْرَ الوالِي فِيهِ صَوابًا فَلا تَقِيَّةَ في اليَمِينِ، وهو حانِثٌ، قالَهُ مالِكٌ، وابْنُ الماجَشُونُ.

فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة واقعة موقع التعليل فلذلك فصلت عن التي قبلها، وإشارة ذلك إلى مضمون قوله ﴿ فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ﴾ [سورة النحل: 106].

وضمير بأنهم } عائد إلى ﴿ من كفر بالله ﴾ [سورة النحل: 106] سواء كان ما صْدق مَن } معيّناً أو مفروضاً على أحد الوجهين السابقين.

والباء للسببية، فمدخولها سبب.

و ﴿ استحبّوا ﴾ مبالغة في (أحبوا) مثل استأخر واستكان.

وضمن (استحبّوا) معنى (فضّلوا) فعدي بحرف (على)، أي لأنهم قدّموا نفع الدنيا على نفع الآخرة، لأنهم قد استقر في قلوبهم أحقّية الإسلام وما رجعوا عنه إلا خوفَ الفتنة أو رغبة في رفاهية العيش، فيكون كفرهم أشدّ من كفر المستصحبين للكفر من قبل البعثة.

﴿ وأن الله لا يهدى القوم الكافرين ﴾ سبب ثَان للغضب والعذاب، أي وبأن الله حرمهم الهداية فهم موافونه على الكفر.

وقد تقدم تفسير ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ [سورة النحل: 104].

وهو تذييل لِما في صيغة القوم الكافرين} من العموم الشامل للمتحدّث عنهم وغيرهم، فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار ولكنه عموم بعد خصوص.

وإقحام لفظ (قوم) للدّلالة على أن من كان هذا شأنهم فقد عرفوا به وتمكّن منهم وصار سجيّة حتى كأنهم يجمعهم هذا الوصفُ.

وقد تقدّم أن جريان وصف أو خبر على لفظ (قوم) يؤذن بأنه من مقوّمات قوميتهم كما في قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164)، وقوله تعالى: ﴿ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ في سورة يونس (101).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ اخْتُلِفَ في اسْمِ مَن أرادَهُ المُشْرِكُونَ فِيما ذَكَرُوهُ مِن تَعْلِيمِ رَسُولِ اللَّهِ  عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِلْعامُ وكانَ قَيْنًا بِمَكَّةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدْخُلُ عَلَيْهِ يُعَلِّمُهُ، فاتَّهَمَتْهُ قُرَيْشٌ أنَّهُ كانَ يَتَعَلَّمُ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا أعْجَمِيًّا لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ، يُقالُ لَهُ أبُو فَكِيهَةَ، كانَ يَغْشى رَسُولَ اللَّهِ  فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ ويَتَعَلَّمُ مِنهُ، فَقالُوا لِمَوْلاتِهِ احْبِسِيهِ فَحَبَسَتْهُ، وقالَتْ لَهُ: اكْنِسِ البَيْتَ وكُلْ كِناسَتَهُ، فَفَعَلَ وقالَ: واللَّهِ ما أكَلْتُ أطْيَبَ مِنهُ ولا أحْلى، وكانَ يَسْألُ مَوْلاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تَحْبِسَهُ فَلا تَفْعَلُ.

الثّالِثُ: أنَّهُما غُلامانِ لِبَنِي الحَضْرَمِيِّ، وكانا مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ صَيْقَلَيْنِ يَعْمَلانِ السُّيُوفَ اسْمُ أحَدِهِما يَسارٌ، والآخَرُ جَبْرٌ، وكانا يَقْرَآنِ التَّوْراةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ رُبَّما جَلَسَ إلَيْهِما، قالَهُ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ ﴾ في يُلْحِدُونَ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَمِيلُونَ إلَيْهِ.

الثّانِي: يَعْتَرِضُونَ بِهِ، يَعْنِي أنَّ لِسانَ مَن نَسَبُوا رَسُولَ اللَّهِ  إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ أعْجَمِيٌّ.

﴿ وَهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ يَعْنِي بِاللِّسانِ القُرْآنَ لِأنَّهُ يُقْرَأُ بِاللِّسانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا لِسانُ فُلانٍ، تُرِيدُ كَلامَهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ لِسانُ السُّوءِ تُهْدِيها إلَيْنا وخُنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَخُونا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قيناً بمكة اسمه بلعام، وكان عجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام فأنزل الله: ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر...

﴾ الآية.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ قال: قالوا إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي- وهو صاحب الكتب- فقال الله: ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاماً لبني المغيرة أعجمياً، يقال له مقيس.

وأنزل الله: ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون...

﴾ الآية.

وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ﴾ قال: قول قريش: إنما يعلم محمداً بن الحضرمي وهو صاحب كتب ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴾ يتكلم بالرومية ﴿ وهذا لسان عربي مبين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: يقولون إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي كان يسمى مقيس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في الآية قال: كانوا يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي، وأنزل الله: ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: إن الذي ذكر الله في كتابه أنه قال: ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ إنما افتتن من أنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يملي عليه سميع عليم، أو عزيز حكيم أو نحو ذلك من خواتيم الآية، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «يا رسول الله، أعزيز حكيم أو سميع عليم؟

فيقول: أي ذلك كتبت فهو كذلك، فافتتن وقال: إن محمداً ليكل ذلك إلي فأكتب ما شئت» فهذا الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا آذاه أهل مكة، دخل على عبد لبني الحضرمي يقال له: أبو يسر، كان نصرانياً وكان قد قرأ التوراة والإنجيل، فساءله وحدثه.

فلما رآه المشركون يدخل عليه قالوا: يعلمه أبو اليسر.

قال الله: ﴿ هذا لسان عربي مبين ﴾ ولسان أبي اليسر عجمي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن معاوية بن صالح قال: ذكر الكذب عند أبي أمامة فقال: اللهم عفواً، أما تسمعون الله يقول: ﴿ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ﴾ .

وأخرج الخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن عساكر في تاريخه، عن عبد الله بن جراد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «هل يزني المؤمن؟

قال: قد يكون ذلك.

قال: هل يسرق المؤمن؟

قال: قد يكون ذلك.

قال: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

ثم أتبعها نبي الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ﴾ » .

وأخرج الخطيب في تاريخه، عن عبد الله بن جراد قال: قال أبو الدرداء «يا رسول الله، هل يكذب المؤمن؟

قال: لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من إذا حدث كذب» .

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخوف ما أخاف عليكم ثلاثاً: رجل آتاه الله القرآن، حتى إذا رأى بهجته وتردى الإسلام، أعاره الله ما شاء، اخترط سيفه، وضرب جاره، ورماه بالكفر.

قالوا: يا رسول الله، أيهما أولى بالكفر، الرامي أو المرمي به؟

قال: الرامي، وذو خليفة قبلكم آتاه الله سلطاناً فقال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، وكذب ما جعل الله خليفة حبه دون الخالق، ورجل استهوته الأحاديث كلما كذب كذبة وصلها بأطول منها، فذاك الذي يدرك الدجال فيتبعه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ ﴾ الآية.

والكلام في هذا مضى [[النساء [آية: 155].]].

وقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ قال ابن عباس: عما يراد بهم (١) (١) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 124، وأبي حيان 5/ 540، و"تفسير الألوسي" 14/ 239، والخازن 3/ 137، بلا نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَن كَفَرَ بالله ﴾ الآية: من شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكذلك من في قوله من شرح، لأنه تخصيص من الأول، وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ : جواب على الأولى والثانية، لأنهم بمعنى واحد أو يكون جواباً للثانية، وجواب الأولى محذوف يدل عليه جواب الثانية، وقيل: من كفر بدل من الذين لا يؤمنون أو من المبتدأ في قوله أولئك هم الكاذبون، أو من الخبر ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ ﴾ استثنى من قوله من كفر، وذلك أن قوماً ارتدوا عن الإسلام، فنزلت فيهم الآية، وكان فيهم من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر، وهو يعتقد الإيمان منهم عمار بن ياسر، وصهيب، وبلال فعذرهم الله.

روي أن عمار بن ياسر شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع به من العذاب وما تسامح به من القول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد قلبك؟

قال أجده مطمئناً بالإيمان، قال فأجبهم بلسانك، فإنه لا يضرك» وهذا الحكم في من أكره بالنطق على الكفر، وأما الإكراه على فعل هو كفر كالسجود للصنم فاختلف هل تجوز الإجابة إليه أم لا؟

فأجازه الجمهور، ومنعه قوم وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين ولا طلاق ولا عتق ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ الآية [المؤمنون: 97].

فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسولَه، أو عند نزغ الشيطان على ما ذكر، لكنه إذا تعوذ منه - تعوذ من همزاته ونزغاته.

فإن قيل: كيف خصّ قراءة القرآن بالتعوذ منه دون غيره من الأذكار، والعبادات، والأعمال الصالحة؟

قيل: قد يتعوذ منه دون غَيره - أيضاً - في غيره من العبادات والأذكار؛ بقولهم: "بسم الله"؛ إذ لا يفتتح شيء إلا به؛ فذلك تعوذهم منه، لكن التعوذ في هذا تعوذٌ بكناية، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح؛ وذلك أنه حجة وبرهان؛ فطعن الأعداء فيما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها؛ ألا ترى أنه كان يلقنهم - أعني الشيطان [و] أولياءه - أنه سحر، وأنه: أساطير الأوّلين، وأنه إنما يعلمه بشر، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ  ﴾ : كانوا يطلبون الطعن في القرآن؛ لأنه حجّة وبرهان، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه - فيما هو حجة - بالتصريح، وفي غيره بكناية، والله أعلم.

ثم في هذه الآية، وفي غيرها من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ  ﴾ - لم يفهم أهلها منها على ظاهر المخرج؛ ولكن فهموا على مخرج الحكمة؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد فراغه من القراءة، وكذلك يفهم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه، ثم [لم] يفهموا - في هذا ونحوه - هذا؛ ولكن فهموا: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ ﴾ أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة ﴿ فٱغْسِلُواْ ﴾ ، ولم يفهموا كل قيام؛ إنما فهموا قياماً دون قيام، أي: إذا [أردتم] القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ  ﴾ ، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ  ﴾ - الفراغ منها؛ دلّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج؛ ولكن على مخرج الحكمة والمعنى.

وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قال بعضهم: ليس له سبيل على الذين آمنوا.

وقال بعضهم: السلطان: الحجّة، أي: ليس له حجة على الذين آمنوا.

وقال بعضهم: أي ليس له ملك على الذين آمنوا - ملك القهر والغلبة - إنما ملكه على الذين يتولونه، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتولّونه أيضاً؛ إنما يتبعونه ويطيعونه بإشارات منه طوعاً؛ فدلّ أن تأويل الملك لا يصح في السلطان، ويكون تأويله السبيل أو الحجّة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ - بالقرآن؛ لأنه ذكر على أثر ذكر القرآن، ويحتمل: الذين آمنوا بربهم، وهما واحد في الحاصل؛ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ ﴾ : حجته أو سبيله على الذين يتخذونه وليّاً، فيطيعونه في كل أمره وجميع إشاراته وما يلقي إليهم، وأصله: ليس له سلطان على الذين آمنوا بربهم.

﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .

في جميع أحوالهم وساعاتهم؛ أي: لا سلطان له ولا سبيل على من آمن به وتوكل عليه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ .

[يحتمل قوله: ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ].

إبليس يتبعونه ويعدلون بربهم، ويحتمل ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ : بربهم، والتوكل: هو الاعتماد به، وتفويض الأمر إليه في كل حال: السراء والضراء في وقت الضيق والسّعة؛ فذلك التوكل به.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ...

﴾ .

الآية تحتمل وجهين: أحدهما: ما قاله أهل التأويل على التناسخ أن يبدّل آية مكان آية، وهو على تبديل حكم آية بحكم آية أخرى، لا على رفع عينها.

والثاني: قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ ، أي: بدّلنا حجّة بعد حجة، وآية بعد آية لرسالته.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ كلما أتاهم حجة على أثر حجة، وآية بعد آية يقولون: إنما أنت مفتر.

ينسبون إليه الافتراء: أنه افترى، وكذلك كان عادتهم المعاندة والمكابرة؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ  ﴾ ، ونحوه من الآيات.

كلما أتى بهم حجة وآية بعد آية كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول الله إلى الافتراء من نفسه؛ ويزداد لهم بذلك كفراً، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ : أخبر أنه كان يزداد لأهل الإيمان بما ينزل عليهم من سورة إيماناً، ويزداد لأهل الشرك رجساً وكفراً إلى كفرهم مثل هذا.

ولو كان يحتمل أن يكون حرف (إذا) مكان (لو) - لكان أقرب، ويكون تأويله: ولو أنزلنا حجة بعد حجة وآية على أثر آية جديدة - فما آمنوا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية [الرعد: 31]، أي: لو أن هذا القرآن - قرآن سيرت به الجبال أو كلم به الموتى - فما آمنوا به؛ لعنادهم؛ فعلى ذلك: الأول قد يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ بالسؤال مكان آية ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ .

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ .

يحتمل قوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ به صلاحهم وغير صلاحهم، أو أن يكون]: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ من تثبيت قلوب الذين آمنوا؛ كقوله: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، أو أن يكون ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ : جبريل على رسوله؛ جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ليس بمفتر؛ ولكن نزله جبريل من ربّه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي عليهم، أو بالحق الذي لبعضهم على بعض.

والحق في الأقوال: هو الصدق، وفي الأفعال: صواب ورشد، وفي الأحكام: عدل وإصابة، والحق: هو الشيء الذي يحمد عليه فاعله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى ﴾ .

هذا تفسير قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ؛ لأنه أخبر أنه: ليثبت الذين آمنوا؛ فذكر من زيادة الإيمان - هو التثبيت - الّذي ذكر هاهنا - قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وذكر قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ - مقابل قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ؛ ليعلم أن الزيادة التي ذكر في سورة التوبة - هي ما ذكر هاهنا من التثبيت والطمأنينة ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أي: هدى من الجهالات والشبهات التي كانت تعرض لهم، أو من الضّلالة، وبشرى للمسلمين.

وقال: في آية أخرى: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ليعلم أن الإيمان والإسلام واحد.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .

هم لم يقولوا إنما يعلمه بشر؛ ولكن كانوا ينصُّون واحداً فلاناً، لكن الخبر من الله على ذكر البشر؛ ألا ترى أنه أخبر أن ﴿ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

دلّ أن البشر - الذي أخبر عنهم أنهم يقولون: إنه يعلمه - كان منصوصاً عليه مشاراً إليه؛ حيث قال: لسان هذا أعجمي، ولسان النبي عربي؛ فكيف فهم هذا عن هذا، وهذا من هذا، ولسان هذا غير لسان هذا؟!

وما قاله أهل التأويل: أنه كان يجلس إلى غلام يقال له كذا، وهو يهودي يقرأ التوراة؛ فيستمع إلى قراءته، وكان يعلمه الإسلام حتى أسلم، فعند ذلك قالت له قريش: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، ولو كان ما ذكروا أنه كان يعلمه الإسلام فأسلم؛ فلقائلٍ أن يقول: كيف فهم ذلك الرجل منه لسان رسول الله  ولسانه غير لسانه؟!

على ما أخبر؛ لكن يحتمل أن يكون ذلك في القرآن؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم يقولون: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ؛ فيقول - والله أعلم -: إنه كيف علمه هذا القرآن، وهو لا يفهم من لسانه إلا يسيراً منه؛ فأنتم لسانكم عربي لا تقدرون أن تأتوا بمثله، ولا بسورة من مثلها، ولا بآية؛ فكيف قدر على مثله من لا يفهم لسانه، ولا كان ذلك بلسانه؟!

يخرج ذلك على الاحتجاج عليهم.

وبعد، فإن في قولهم ظاهر التناقض؛ لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، فالذي علمه غيره ليس بمفتر؛ إنما يكون الافتراء من ذات نفسه فهو ظاهر التناقض.

وقوله: ﴿ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

يحتمل: مبين ما لهم وما عليهم، أو مبين للحقوق التي لله عليهم وما لبعضهم على بعض، أو مبين: أي بين أنه من عند الله نزل؛ ليس بمفترى.

وهذه الآية ترد على الباطنيّة قولهم؛ لأنّهم يقولون: إن رسول الله هو الذي ألف هذا القرآن بلسانه، ولم ينزله الله عليه بهذا اللسان؛ فلو كان على ما ذكروا ما كان لأولئك ادعاء ما ادعوا على رسول الله من الافتراء.

قوله: ﴿ يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ﴾ .

قال بعضهم: يميلون إليه، وهو قول أبي عوسجة والقتبي؛ قالوا: الإلحاد: الميل، وكذلك سمّي اللّحد لحداً؛ لميله إلى ناحية القبرِ.

وقال الكسائي: هو من الركون إليه، أي: يركنون.

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: إنه - والله - من كذب بآيات الله فهو ليس بمهتد عند الله.

[و] قال أبو بكر: لا يهديهم الله بتكذيبهم الآيات.

فهو كله خيال على كل من يشكل ويخفي أن من كذب بآيات الله فهو غير مهتد من يظن هذا، وقول أبي بكر - أيضاً - من يتوهم أن من كذب بآيات الله أنه يهديه - هذا فاسد، خيال كله، وأصله عندنا قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ \[؛ لعنادهم ومكابرتهم؛ لأنهم كانوا يعاندون بآيات الله ويكابرونها، ويكذبون مع علمهم أنها آيات، وأنها حق أو قال ذلك في قوم علم أنهم لا يؤمنون\] ويموتون عليه؛ فمن علم منه أنه لا يؤمن لا يهديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

لا الذين يؤمنون بها ويصدقونها.

﴿ وَأُوْلـٰئِكَ ﴾ .

الذين كذبوها.

﴿ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك المتصفون بالردة بعد الإيمان الذين ختم الله على قلوبهم فلا يفهمون المواعظ، وعلى أسماعهم فلا يسمعونها سماعًا يُنْتَفع به، وعلى أبصارهم فلا يبصرون الآيات الدالة على الإيمان، وأولئك هم الغافلون عن أسباب السعادة والشقاء، وعما أعد الله لهم من العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.RYxAE"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد