الآية ١٠٩ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٠٩ من سورة النحل

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٠٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٩ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٩ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لا جرم أي لا بد ولا عجب أن من هذه صفته "أنهم في الآخرة هم الخاسرون" أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) الهالكون، الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

للعلماء في " لا جرم " أقوال ; فقال الخليل وسيبويه : " لا جرم " بمعنى حق , ف " لا " و " جرم " عندهما كلمة واحدة , " وأن " عندهما في موضع رفع ; وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد ; حكاه النحاس .قال المهدوي : وعن الخليل أيضا أن معناها لا بد ولا محالة , وهو قول الفراء أيضا ; ذكره الثعلبي .وقال الزجاج : " لا " ها هنا نفي وهو رد لقولهم : إن الأصنام تنفعهم ; كأن المعنى لا ينفعهم ذلك , وجرم بمعنى كسب ; أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران , وفاعل كسب مضمر , و " أن " منصوبة بجرم , كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبه عليك ; وقال الشاعر : نصبنا رأسه في جذع نخل بما جرمت يداه وما اعتدينا أي بما كسبت .وقال الكسائي : معنى " لا جرم " لا صد ولا منع عن أنهم .وقيل : المعنى لا قطع قاطع , فحذف الفاعل حين كثر استعماله ; والجرم القطع ; وقد جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم , وقوم جرم وجرام وهذا زمن الجرام والجرام , وجرمت صوف الشاة أي جززته , وقد جرمت منه أي أخذت منه ; مثل جلمت الشيء جلما أي قطعت , وجلمت الجزور أجلمها جلما إذا أخذت ما على عظامها من اللحم , وأخذت الشيء بجلمته - ساكنة اللام - إذا أخذته أجمع , وهذه جلمة الجزور - بالتحريك - أي لحمها أجمع ; قاله الجوهري .قال النحاس : وزعم الكسائي أن فيها أربع لغات : لا جرم , ولا عن ذا جرم ; ولا أن ذا جرم , قال : وناس من فزارة يقولون : لا جر أنهم بغير ميم .وحكى الفراء فيه لغتين أخريين قال : بنو عامر يقولون لا ذا جرم , قال : وناس من العرب .يقولون : لا جرم بضم الجيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة وفاتهم النعيم المقيم وحصلوا على العذاب الأليم.

وهذا بخلاف من أكره على الكفر وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان؛ راغب فيه فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها.

ودل ذلك على أن كلام المكره على الطلاق أو العتاق أو البيع أو الشراء أو سائر العقود أنه لا عبرة به، ولا يترتب عليه حكم شرعي، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر إذا أكره عليها فغيرها من باب أولى وأحرى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) أي المغبونون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا جرم» حقاً «أنهم في الآخرة هم الخاسرون» لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حقًا إنهم في الآخرة هم الخاسرون الهالكون، الذين صرفوا حياتهم إلى ما فيه عذابهم وهلاكهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بالحكم العادل عليهم فقال : ( لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون ) .أى : لاشك ولا محالة فى أن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإِيمان سيكونون يوم القيامة من القوم الخاسرين؛ لأنهم لم يقدموا فى دنياهم ما ينفعهم فى أخراهم .وكلمة ( لا جرم ) قد وردت فى القرآن فى خمسة مواضع ، متلوة فى كل موضع بأن واسمها ، وليس بعدها فعل .

وجمهور النحاة على أن هذه الكلمة مركبة من " لا " و " جرم " تركيب خمسة عشر ، ومعناها بعد التركيب معنى الفعل : حق ، أو ثبت ، أو ما يشبه ذلك ، أى : حق وثبت كونهم فى الآخرة من الخاسرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلاً في بيان من يكفر بلسانه لا بقلبه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه ﴾ مبتدأ خبره غير مذكور، فلهذا السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن يكون قوله: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله ﴾ والتقدير: إنما يفتري من كفر بالله من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، وعلى هذا التقدير: فقوله: ﴿ وَأُوْلئِكَ هُمُ الكاذبون ﴾ اعتراض وقع بين البدل والمبدل منه.

الثاني: يجوز أيضاً أن يكون بدلاً من الخبر الذي هو الكاذبون، والتقدير: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه، والثالث: يجوز أن ينتصب على الذم، والتقدير: وأولئك هم الكاذبون، أعني من كفر بالله من بعد إيمانه وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها عن التعسف، والرابع: أن يكون قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه ﴾ شرطاً مبتدأ ويحذف جوابه، لأن جواب الشرط المذكور بعده يدل على جوابه كأنه قيل: من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله إلا من أكره: ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله.

المسألة الثانية: أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر يدل عليه وجوه: أحدها: أنا روينا أن بلالاً صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد.

روي ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه، مع أنه كان بقلبه مصراً على الإيمان، منهم: عمار، وأبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم، عذبوا، فأما سمية فقيل: ربطت بين بعيرين ووخزت في قبلها بحربة وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت، وقتل ياسر وهما أول قتيلين قتلاً في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فقيل: يا رسول الله إن عماراً كفر، فقال: كلا إن عماراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول: ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر، ثم أسلم مولاه وأسلم وحسن إسلامهما وهاجرا.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ ﴾ ليس باستثناء، لأن المكره ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر، لكن المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً صح هذا الاستثناء لهذه المشاكلة.

المسألة الرابعة: يجب هاهنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة الكفر، وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به، مثل التخويف بالقتل، ومثل الضرب الشديد والإيلامات القوية.

قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية.

أما الرسول عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد، ثم أجلسوا في الشمس فبلغ منهم الجهد بحر الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية، ثم طعن الحربة في فرجها.

وقال الآخرون: ما نالوا منهم غير بلال فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول: أحد أحد، حتى ملوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه.

قال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال، فهانت عليه نفسه فتركوه.

قال خباب: لقد أوقدوا لي ناراً ما أطفأها إلا ودك ظهري.

المسألة الخامسة: أجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرئ قلبه من الرضا به وأن يقتصر على التعريضات مثل أن يقول: إن محمداً كذاب، ويعني عند الكفار أو يعني به محمداً آخر أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار وهاهنا بحثان: البحث الأول: أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

البحث الثاني: لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئاً منها، وما أراد إلا ذلك المعنى، فهاهنا يتعين إما التزام الكذب، وإما تعريض النفس للقتل.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب هنا، ومنهم من يقول: ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي.

قال: لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً، فوجب أن يقبح على كل حال، ولو جاز أن يخرج عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله تعالى ولا بوعيده لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى.

المسألة السادسة: أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنا روينا أن بلالاً صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما صنعت بل عظمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر.

وثانيها: ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟

فقال رسول الله، فقال: ما تقول في؟

قال أنت أيضاً، فخلاه وقال للآخر: ما تقول في محمد؟

قال رسول الله، قال: ما تقول في؟

قال: أنا أصم فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئاً له وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين: الأول: أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة.

والثاني: أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل.

وثالثها: أن بذل النفس في تقرير الحق أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً لقوله عليه السلام: «أفضل العبادات أحمزها» أي أشقها.

ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر.

أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة، فوجب أن يكون حال الأول أفضل، والله أعلم.

المسألة السابعة: اعلم أن للإكراه مراتب.

المرتبة الأولى: أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فهاهنا يجب الأكل، وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى، فوجب أن يجب لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  ﴾ .

المرتبة الثانية: أن يصير ذلك الفعل مباحاً ولا يصير واجباً، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فهاهنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه.

المرتبة الثالثة: أن لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فهاهنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا؟

قال الشافعي رحمه الله: في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان.

الأول: أنه قتله عمداً عدواناً فيجب عليه القصاص لقوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ .

والثاني: أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدراً كان أولى، والله أعلم.

المسألة الثامنة: من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل: وهو الزنا.

لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه.

المسألة التاسعة: قال الشافعي رحمه الله: طلاق المكره لا يقع، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقع، وحجة الشافعي رحمه الله: قوله: ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره، والمعنى: أنه لا أثر له ولا عبرة به، وأيضاً قوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وأيضاً قوله عليه السلام: «لا طلاق في إغلاق» أي إكراه فإن قالوا: طلقها فتدخل تحت قوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ  ﴾ فالجواب لما تعارضت الدلائل، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا، والله أعلم.

المسألة العاشرة: قوله: ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ﴾ يدل على أن محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد، وإما كلام النفس، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدراً على أنه مفعول لشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة.

ثم قال: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله ﴾ والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة ﴾ أي رجحوا الدنيا على الآخرة، والمعنى: أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر.

قال القاضي: المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف، لأن قوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين ﴾ معطوف على قوله: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة ﴾ فوجب أن يكون قوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين ﴾ علة وسبباً موجباً لإقدامهم على ذلك الارتداد، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سبباً لذلك الارتداد، ولا علة له بل مسبباً عنه ومعلولاً له فبطل هذا التأويل، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الإيمان فقال: ﴿ أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم ﴾ قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه.

والثاني: أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمناً فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب.

والثالث: وصفهم بالغفلة.

ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة.

ثم قال تعالى: ﴿ وأولئك هُمُ الغافلون ﴾ قال ابن عباس: أي عما يراد بهم في الآخرة.

ثم قال: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الأخرة هُمُ الخاسرون ﴾ واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة.

الصفة الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله.

والصفة الثانية: أنهم استحقوا العذاب الأليم.

والصفة الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.

والصفة الرابعة: أنه تعالى حرمهم من الهداية.

والصفة الخامسة: أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.

والصفة السادسة: أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها، فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه، فلهذا السبب قال: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الأخرة هُمُ الخاسرون ﴾ أي هم الخاسرون لا غيرهم، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بدل من الذين لا يؤمنون بآيات الله، على أن يجعل ﴿ وَأُوْلئِكَ هُمُ الكاذبون ﴾ [النحل: 105] اعتراضاً بين البدل والمبدل منه.

والمعنى: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ أي طاب به نفساً واعتقده ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله ﴾ ويجوز أن يكون بدلاً من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ على: ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون.

أو من الخبر الذي هو الكاذبون، على: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه.

ويجوز أن ينتصب على الذمّ.

وقد جوّزوا أن يكون ﴿ مَن كَفَرَ بالله ﴾ شرطاً مبتدأ، ويحذف جوابه؛ لأن جواب ﴿ مَّن شَرَحَ ﴾ دال عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب، إلا من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب، روي أنّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار، وأبواه- ياسر وسمية- وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم: عذبوا، فأمّا سمية فقد ربطت بين بعيرين ووجيء في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكرهاً.

فقيل يا رسول الله، إن عماراً كفر، فقال: «كلا، إنّ عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال: «مالكا إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» ومنهم جبر مولى الحضرمي.

أكرهه سيده فكفر ثم أسلم مولاه وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا فإن قلت: أي الأمرين أفضل، أفعل عمار أم فعل أبويه؟

قلت: بل فعل أبويه؛ لأنّ في ترك التقية والصبر على القتل إعزازاً للإسلام.

وقد روي: أنّ مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟

قال: رسول الله.

قال: فما تقول فيّ؟

قال أنت أيضاً، فخلاه.

وقال للآخر: ما تقول في محمد؟

قال: رسول الله.

قال: فما تقول فيّ؟

قال أنا أصمّ.

فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما الأوّل فقد أخذ برخصة الله.

وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الوعيد، وأنّ الغضب والعذاب يلحقانهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة، واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم ﴿ وأولئك هُمُ الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم؛ لأنّ الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ أوِ الوَعِيدِ.

﴿ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم آثَرُوها عَلَيْها.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ أيِ الكافِرِينَ في عِلْمِهِ إلى ما يُوجِبُ ثَباتَ الإيمانِ ولا يَعْصِمُهم مِنَ الزَّيْغِ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ فَأبَتْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ والتَّأمُّلِ فِيهِ.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ إذْ أغْفَلَتْهُمُ الحالَةُ الرّاهِنَةُ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ.

﴿ لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ إذْ ضَيَّعُوا أعْمارَهم وصَرَفُوها فِيما أفْضى بِهِمْ إلى العَذابِ المُخَلَّدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)

{لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخرة هُمُ الخاسرون} {ثم إن ربك} ثم يدل على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك {لِلَّذِينَ هاجروا} من مكة أي أنه لهم لا عليهم يعني أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم كما يكون الملك للرجل لا عليه فيكون محمياً منفوعاً غير مضرور

{مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} بالعذاب والإكراه على الكفر فَتِنوا شامي أي بعد ما عذبوا المؤمنين ثم أسلموا {ثُمَّ جاهدوا} المشركين بعد الهجرة {وَصَبَرُوآ} على الجهاد {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} من بعد هذه الأفعال وهي الهجرة والجهاد والصبر {لَغَفُورٌ} لهم لما كان منهم من التكلم بكلمة الكفر تقية {رَّحِيمٌ} لا يعذبهم على ما قالوا في حالة الإكراه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ إذْ ضَيَّعُوا رُؤُوسَ أمْوالِهِمْ وهي أعْمارُهم وصَرَفُوها فِيما لا يُفْضِي إلّا إلى العَذابِ المُخَلَّدِ ولِلَّهِ تَعالى مَن قالَ: إذا كانَ رَأْسُ المالِ عُمْرَكَ فاحْتَرِسْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبِ ووَقَعَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ الأخْسَرُونَ ﴾ وذَلِكَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ عَلى ما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ فِيهِ أوْ لِأنَّهُ وقَعَ في الفَواصِلِ هُنا اعْتِمادُ الألِفِ كالكافِرِينَ والغافِلِينَ فَعَبَّرَ بِهِ لِرِعايَةِ ذَلِكَ وهو أمْرٌ سَهْلٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ( لا جَرَمَ ) فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ أي: ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم، وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي: التاركون لأمر الله تعالى.

ثم قال: لاَ جَرَمَ أي: حقاً أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا قال ابن عباس: «نزلت في عمار بن ياسر وأبويه وبلال، وصهيب، وخباب بن الأرت حيث عذبهم المشركون، ثم هاجروا إلى المدينة، فأخبروا رسول الله  فنزل» ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا يقول: عذبهم أهل مكة ثُمَّ جاهَدُوا مع النبيّ  وَصَبَرُوا على البلاء، وَصَبَرُوا على دينهم، وَصَبَرُوا مع النبيّ  على طاعة الله تعالى إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي: من بعد الفتن، ويقال: من بعد الهجرة لَغَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ.

ويقال: نزلت الآية في عياش بن أبي ربيعة، وقد ذكرناه في سورة النساء.

قرأ ابن عامر مَا فُتِنُوا بفتح الفاء والتاء، أي: أصابتهم الفتنة.

وقرأ الباقون فُتِنُوا على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأشباههم ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروى: أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك «١» ، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، ويروى أن عمَّار بنَ ياسر شكا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القول، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ» قالَ:

أَجدُهُ مُطْمِئَناً بالإِيمَانِ، قَالَ: «فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ» «٢» .

وقوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً معناه: انبسط إلى الكفر باختياره.

ت: وقد ذكر ع «٣» هنا نَبَذاً من مسائل الإكراه، تركت ذلك خشية التطويل، وإذ محلّ بسطها كتب الفقه.

ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)

وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ...

الآية: ذلِكَ إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في أنهَمَ لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْراً.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)

وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...

الآية: قال ابنُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ القُرَشِيُّ، ومِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أنَسِ بْنِ خَطَلٍ، وطُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقَ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقَيْسِ بْنِ الفاكِهِ المَخْزُومِيِّ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ ﴾ فاخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَزَلَ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، أخَذَهُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهُ، فَأعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ.

.

.

.

﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ في سُورَةِ النِّساءِ [٩٦، ٩٧] كَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ إلى مَن كانَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ ناسٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِالإسْلامِ، فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأدْرَكُوهم، حَتّى أعْطَوُا الفِتْنَةَ، فَنَزَلَ ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، كانَ قَدْ هاجَرَ فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ ولا تَشْبَعَ مِن طَعامٍ حَتّى يَرْجِعَ، فَرَجَعَ إلَيْها، فَأكْرَهَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى أعْطاهم بَعْضَ ما يُرِيدُونَ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ نَزَلَ في جَبْرٍ غُلامِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ فَضَرَبَهُ سَيِّدُهُ حَتّى رَجَعَ إلى اليَهُودِيَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ فَقالَ مُقاتِلٌ: هم النَّفَرُ المُسَمَّوْنَ في أوَّلِ الآيَةِ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فاخْتَلَفَ النُّحاةُ في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ ﴾ فَقالَ الكُوفِيُّونَ: جَوابُهُما جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ فَقالَ البَصْرِيُّونَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ مَرْفُوعٌ بِالرَّدِّ عَلى ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ مَحْذُوفًا، لِوُضُوحِ مَعْناهُ، تَقْدِيرُهُ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، فاللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ أيْ: ساكِنٌ إلَيْهِ راضٍ بِهِ.

﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَن أتاهُ بِإيثارٍ واخْتِيارٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن فَتَحَ لَهُ صَدْرَهُ بِالقَبُولِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: مَن تابَعَتْهُ نَفْسُهُ، وانْبَسَطَ إلى ذَلِكَ، يُقالُ: ما يَنْشَرِحُ صَدْرِي بِذَلِكَ، أيْ: ما يَطِيبُ.

وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ عَلى مَعْنى الجَمِيعِ، لِأنَّ " مَن " تَقَعُ عَلى الجَمِيعِ.

* فَصْلٌ الإكْراهُ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ يُبِيحُ النُّطْقَ بِها.

وَفِي الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّهُ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى بَعْضِ أعْضائِهِ التَّلَفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِيَةُ: أنَّ التَّخْوِيفَ لا يَكُونُ إكْراهًا حَتّى يُنالَ بِعَذابٍ.

وإذْ ثَبَتَ جَوازُ " التَّقِيَّةِ " فالأفْضَلُ ألّا يَفْعَلَ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، في أسِيرٍ خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ وَشُرْبِ الخَمْرِ، فَقالَ: إنْ صَبَرَ عَلى القَتْلِ فَلَهُ الشَّرَفُ، وإنْ لَمْ يَصْبِرْ فَلَهُ الرُّخْصَةُ، فَظاهِرُ هَذا، الجَوازُ.

ورَوى عَنْهُ الأثْرَمُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّقِيَّةِ في شُرْبِ الخَمْرِ فَقالَ: إنَّما التَّقِيَّةُ في القَوْلِ.

فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَأمّا إذا أُكْرِهَ عَلى الزِّنا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الفِعْلُ، ولَمْ يَصِحَّ إكْراهُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ.

فَإنْ أُكْرِهَ عَلى الطَّلاقِ، لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ والعَذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ شَرْحُ الصَّدْرِ لِلْكُفْرِ.

و " اسْتَحَبُّوا " بِمَعْنى: أحَبُّوا الدُّنْيا واخْتارُوها عَلى الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ اللَّهَ ﴾ أيْ: وبِأنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ هِدايَتَهم.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [البَقَرَةِ:٧، والنِّساءِ:١٥٥، والمائِدَةِ:٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الغافِلُونَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَنِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ شَرَحْناها في (هُودٍ:٢٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ بِمَكَّةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ خَرَجُوا لِلْهِجْرَةِ، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ  ﴾ ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا، وأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ الشَّيْطانُ قَدْ أزَلَّهُ حَتّى لَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الفَتْحِ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، فَأجارَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ وإنْ كانَ [قَدْ] عادَ إلى الإسْلامِ، فَإنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ فَقَرَأ الأكْثَرُونَ: " فُتِنُوا " بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ عَنْ دِينِهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فُتِنُوا بِمَعْنى: عُذِّبُوا.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: " فَتَنُوا " بِفَتْحِ الفاءِ والتّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، يُشِيرُ إلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا أنْفُسَهم بِإظْهارِ ما أظْهَرُوا لِلتَّقِيَّةِ، لِأنَّ الرُّخْصَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جاهَدُوا ﴾ أيْ: قاتَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وَصَبَرُوا ﴾ عَلى الدِّينِ والجِهادِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الفِتْنَةُ، وهو مَذْهَبُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلُوها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: المُجاهَدَةُ، والمُهاجَرَةُ، والصَّبْرُ.

والرّابِعُ: المُهاجَرَةُ.

ذَكَرَهُما واللَّذَيْنِ قَبْلَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ، إمّا عَلى مَعْنى: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَوْمَ تَأْتِي، وإمّا عَلى مَعْنى: اذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي.

ومَعْنى ﴿ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ﴾ أيْ: عَنْها.

والمُرادُ: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: يا كَعْبُ خَوِّفْنا، فَقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ زَفْرَةً ما يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا وقَعَ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَيُدْلِي بِالخُلَّةِ فَيَقُولُ: " يا رَبِّ أنا خَلِيلُكَ إبْراهِيمُ، لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي "، وإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ﴾ .

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجِدالِ في (هُودٍ:٣٢) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عن نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ والعَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والضَمِيرُ في "أنَّهُمْ" لِمَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِالآخِرَةِ، لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بَيِّنٌ، فَمِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلَّقَ فِيها العِقابَ بِتَكَسُّبِهِمْ وذَلِكَ أنَّ اسْتِحْبابَهم زِينَةَ الدُنْيا ولَذّاتِ الكُفْرِ هو التَكَسُّبُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ كُفْرَ الكافِرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العِقابُ إنَّما هو بِاخْتِراعٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَكَسُّبٍ مِنَ الكافِرِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَلى هَذا مَرَّتْ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ عُمُومٌ عَلى أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم كُفّارٌ في نَفْسِ كُفْرِهِمْ، أو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ الآيَةُ، عِبارَةٌ عن صَرْفِ اللهِ لَهم عن طَرِيقِ الهُدى، واخْتِراعِ الكَفْرِ المُظْلِمِ في قُلُوبِهِمْ، وتَغْلِيبِ الإعْراضِ عَلى نَظَرِهِمْ، فَكَأنَّهُ سَدَّ بِذَلِكَ طُرُقَ هَذِهِ الحَواسِّ حَتّى لا يُنْتَفَعَ بِها في اعْتِبارٍ وتَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ وذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الطَبْعِ والخَتْمِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ.

و"السَمْعُ": اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، ونَبَّهَ عَلى تَكَسُّبِهِمُ الإعْراضَ عَنِ النَظَرِ فَوَصَفَهم بِالغَفْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ "لا جَرَمَ" في هَذِهِ السُورَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: وكُتِبَ بِها إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وأنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ  ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: جاءَتِ الرِوايَةُ هَكَذا أنَّهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ خَرَجُوا، فَيَجِيءُ الجِهادُ الَّذِي ذُكِرَ في الآيَةِ جِهادُهم مَعَ رَسُولِ اللهِ  عَلى الإسْلامِ، ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ، فَمَعْنى بِالجِهادِ المَذْكُورِ جِهادُهم لِمُتَّبِعِيهِمْ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعِياشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا عِنْدِي غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مَن تابَ مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، فَتَحَ اللهُ لَهم بابَ التَوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، والحُسْنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ.

وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، وإنْ وُجِدَ فَهو ضَعِيفٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا" بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِفَتْحِها، فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَيَجِيءُ بِمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوْا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ، كَما فَعَلَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ.

والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أو عَلى الفَعْلَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها، وإنْ لَمْ يَجُرْ لَها ذَكْرٌ صَرِيحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ ﴾ ، المَعْنى: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أيْ: "كُلُّ ذِي نَفْسٍ".

ثُمَّ أجْرِي الفِعْلَ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ فَأنَّثَ العَلامَةَ، و"نَفْسٍ" الأولى هي النَفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثانِيَةُ هي بِمَعْنى الذاتِ، كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ ذاتُهُ.

﴿ وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أيْ: تُجازى، كُلُّ مَن أحْسَنَ بِإحْسانِهِ، وكُلُّ مَن أساءَ بِإساءَتِهِ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجادِلُ، مُؤْمِنَةً كانَتْ أو كافِرَةً، فَإذا جادَلَ الكَفّارُ بِكَذِبِهِمْ وجَحْدِهِمْ لِلْكُفْرِ شَهِدَتْ عَلَيْهِمُ الجَوارِحُ والرُسُلُ وغَيْرَ ذَلِكَ بِحَسْبِ الطَوائِفِ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ، ﴿ وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ ، فَتَجْتَمِعُ آياتُ القُرْآنِ بِاخْتِلافِ المُواطِنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة مبيّنة لجملة ﴿ وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ [سورة النحل: 107] بأن حرمانهم الهداية بحرمانهم الانتفاع بوسائلها: من النظر الصادق في دلائل الوحدانية، ومن الوعي لدعوة الرسول والقرآن المنزّل عليه، ومن ثبات القلب على حفظ ما داخله من الإيمان، حيث انسلخوا منه بعد أن تلبّسوا به.

وافتتاح الجملة باسم الإشارة لتمييزهم أكمل تمييز تبييناً لمعنى الصّلة المتقدمة، وهي اتصافهم بالارتداد إلى الكفر بعد الإيمان بالقول والاعتقاد.

وأخبر عن اسم الإشارة بالموصول لما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الحكم المبين بهذه الجملة.

وهو مضمون جملة ﴿ فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ﴾ [النحل: 106].

والطّبع: مستعار لمنع وصول الإيمان وأدِلّته، على طريقة تشبيه المعقول بالمحسوس.

وقد تقدّم مفصّلاً عند قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ في سورة البقرة (7) وجملة وأولئك هم الغافلون} تكملة للبيان، أي الغافلون الأكملون في الغفلة، لأن الغافل البالغ الغاية ينافي حالة الاهتداء.

والقصر قصر موصوف على صفة، وهو حقيقي ادعائي يقصد به المبالغة، لعدم الاعتداد بالغافلين غيرهم، لأنهم بلغوا الغاية في الغفلة حتى عُدّ كل غافللٍ غيرهم كمن ليس بغافل.

ومن هنا جاء معنى الكَمال في الغفلة لا من لام التّعريف.

وجملة ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ واقعة موقع النتيجة لما قبلها، لأن ما قبلها صار كالدليل على مضمونها، ولذلك افتتحت بكلمة نفي الشكّ.

فإن ﴿ لا جَرم ﴾ بمعنى (لا محالة) أو (لا بُد).

وقد تقدّم آنفاً في هذه السورة عند قوله تعالى: ﴿ لا جرم أن الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون ﴾ وتقدم بسط تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ لا جرم أنّهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ في سورة هود (22).

والمعنى: أن خسارتهم هي الخسارة، لأنهم أضاعوا النعيم إضاعة أبدية.

ويجري هذا المعنى على كلا الوجهين المتقدّمين في ما صْدق (مَن) من قوله: ﴿ من كفر بالله ﴾ [سورة النحل: 106] الآية.

ووقع في سورة هود (22) ﴿ هم الأخسرون ﴾ ووقع هنا هم الخاسرون } لأن آية سورة هود (21) تقدّمها ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون، فكان المقصود بيان أن خسارتهم في الآخرة أشدّ من خسارتهم في الدنيا.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّها نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ومِقْيَسِ بْنِ صَبابَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ ذَلِكَ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبَوَيْهِ ياسِرٍ وسُمَيَّةَ وبِلالٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ، أظْهَرُوا الكُفْرَ بِالإكْراهِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالإيمانِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ وهم مِن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَإذا أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ فَأظْهَرَهُ بِلِسانِهِ وهو مُعْتَقِدٌ الإيمانَ بِقَلْبِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِما أظْهَرَ، ويَحْفَظَ دِينَهُ بِما أضْمَرَ فَهو عَلى إيمانِهِ، ولَوْ لَمْ يُضْمِرْهُ لَكانَ كافِرًا.

وَقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّما يَجُوزُ لِلْمُكْرَهِ إظْهارُ الكُفْرِ عَلَّ وجْهَ التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ الباتِّ.

لِقُبْحِ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ وخَطَرِهِ في العُرْفِ والشَّرْعِ، كَقَوْلِهِ إنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في اعْتِقادِكم، أوْ يُشِيرُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُوافِقُ اسْمُهُ لِاسْمِهِ إذا عَرَفَ مِنهُ الكَذِبَ، وهَذا لَعَمْرِي أوْلى الأمْرَيْنِ، ولَمْ يَصِرِ المُكْرَهُ بِالتَّصْرِيحِ كافِرًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: «لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة، قال لأصحابه: تفرقوا عني، فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض، فالحقوا بي.

فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت، فأصبحوا بمكة فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه قال: أحد..

أحد..

وأما خباب، فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيةً، وأما الجارية، فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلم به.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت: أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا؟

قال: لا.

قال: وأنزل الله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه قال: «أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم.

بخير، ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك؟

قال: مطمئن بالايمان.

قال: إن عادوا فعد.

فنزلت ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ » .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين: «إن النبي لقي عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه ويقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا...

فإن عادوا فقل ذلك لهم» .

وأخرج ابن سعد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ قال: ذلك عمار بن ياسر، وفي قوله: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ قال: ذاك عبد الله بن أبي سرح.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك في قوله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ قال: نزلت في عمار بن ياسر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ قال: نزلت في عمار.

وأخرج ابن جرير عن السدي، أن عبد الله بن أبي سرح أسلم ثم ارتد فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وخباب عند ابن الحضرمي، أو ابن عبد الدار فأخذوهما وعذبوهما حتى كفرا، فنزلت ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ .

وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه، عن أبي المتوكل الناجي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر إلى بئر للمشركين يستقي منها، وحولها ثلاث صفوف يحرسونها، فاستقى في قربة ثم أقبل، فأخذوه فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر، فأنزلت هذه الآية فيه ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر وقالوا: اكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فاتبعهم على ذلك وقلبه كاره فنزلت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية ﴿ إلا من أكره ﴾ في عياش بن أبي ربيعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة: أن هاجروا فإنا لا نرى أنكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية.

وأخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر وابن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ من كفر بالله ﴾ الآية، قال: أخبر الله سبحانه أن ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره، فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يؤاخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا في سورة النحل ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ﴾ ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا...

﴾ الآية، قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة فخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم، فأنزل الله: ﴿ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ [ العنكبوت: 1-2] فكتب بهذا أهل المدينة إلى أهل مكة، فلما جاءهم ذلك تبايعوا على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا.

فأنزل الله: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي نحوه.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية فيمن كان يفتن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فنزلت فيهم ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا...

﴾ الآية، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا.

فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه، «أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أَصَمّ.

فأمر به فقتل.

وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

قال: نعم.

فأرسله...

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: أما صاحبك فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخِذْتَ الرخصة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أحد بني مخزوم، وكان أخا أبي جهل لأمه، وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً.

وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق في قوله: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ قال: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد رضي الله عنهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ ﴾ قال ابن عباس: يريد حقًا إنهم في الآخرة هم المغبونون (١) ﴿ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ أي كَسَب (٢) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 293، و"تفسير البغوي" 5/ 47، بلا نسبة.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 220، بنصه تقريبًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياوة الدنيا ﴾ الإشارة إلى العذاب، والباء للتعليل، فعلل عذابهم بعلتين: إحداهما إيثارهم الحياة الدنيا، والأخرى أن الله لا يهديهم ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ﴾ قرأ الجمهور فتنوا بضم الفاء: أي عذبوا فالآية على هذا في عمار وشبهه من المعذبين على الإسلام، قرأ ابن عامر بفتح الفاء: أي عذاب المسلمين، فالآية على هذا فيمن عذّب المسلمين، ثم هاجر وجاهد كالحضرمي وأشباهه.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ كرر إن ربك توكيداً، والضمير في بعدها يعود على الأفعال المذكورة وهي الجهاد والصبر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.

ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.

﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.

﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.

﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".

الآخرون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.

﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد  .

قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.

﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.

قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.

ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه  أخبر بتبديل مكان الآية.

وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.

﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".

والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.

﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.

﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.

ثم حكى شبهة أخرى عنهم.

كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.

وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.

وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله  إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.

وقيل: هو سلمان الفارسي.

ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.

قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.

ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.

وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.

ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ .

وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.

وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.

ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر  ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.

وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.

فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي  موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.

قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.

زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.

ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.

روي أن النبي  قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

وقرأ هذه الآية.

ثم إنه  من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.

واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .

وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.

وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.

وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.

فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.

وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله  بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

فأتى عمار رسول الله  وهو يبكي فجعل رسول الله  يمسح عينيه وقال  : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.

وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.

وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.

أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.

وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.

ومنهم من قال: ليس له ذلك.

واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.

ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.

وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.

ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله  بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.

ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.

وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.

ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.

والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.

قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.

وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.

ولكن من شرح بالكفر صدره.

فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.

قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه  ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.

وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.

وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.

﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون  ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.

ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".

وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.

ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.

قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.

ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.

ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.

وتكرير "إن" لطول الكلام.

من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.

ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.

وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.

فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه  بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي  بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله  ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.

وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.

ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.

فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين  أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.

قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.

ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا  ﴾ ﴿ ما كنا مشركين  ﴾ ونحو ذلك.

عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل  يفعل ذلك.

ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.

قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.

فوصف الله  تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.

ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.

قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.

قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.

وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".

قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.

وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد  - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.

عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي  يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟

قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً  ما كان نبياً أما كان عربياً؟

كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.

والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.

فكانت الاستعارة مجردة.

ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.

وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.

وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.

ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.

وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي  من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.

قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.

ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.

قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.

وقيل: القتل يوم بدر.

وقيل: إن قول ابن عباس أولى.

والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.

﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.

فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.

وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله  حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟

وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله  فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .

ورجح قول ابن عباس بأنه  قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه  أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.

وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.

ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.

وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".

واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.

والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.

ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.

وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.

والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.

ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم  ﴾ .

ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.

﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.

ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم  رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله  في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.

وكان رسول الله  يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.

وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.

وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.

وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.

وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله  حببه إلى أهل الأديان كلها.

وقيل: الأموال والأولاد.

وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".

﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ .

قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.

قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟

فأجاب الله  بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.

فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.

ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.

والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.

ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.

سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه  خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.

واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.

فما وجه جعل الجمعة عيداً؟

والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.

ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.

ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم  بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.

وفيه أن طريقة إبراهيم  في الدعوة كانت هكذا.

وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.

فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.

وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.

وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.

وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.

فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.

هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.

وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.

ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله  فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.

أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.

والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.

فوقف رسول الله  على حمزة وقد مثل به.

وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.

قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.

ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.

ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم  ﴾ أمر الله  أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.

وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.

ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.

﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.

فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.

ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.

وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.

وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.

وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين  ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.

وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.

ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.

فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.

وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه  يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.

﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم  : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين  ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك  ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.

﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.

قال النبي  : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.

﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً  فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.

﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم  ".

﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.

﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.

﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.

﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.

﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .

قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ ﴾ يحتمل وجهين - حيث ذكر من كفر بالله -: أحدهما: كفر بالله في زعم المكره؛ لأنه أكرهه به ففي زعمه كافر بالله؛ لطلبه ذلك منه، وهو كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ : في زعمهم؛ لأنهم لم يكونوا آلهة، وكقوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ  ﴾ : سماه إلهاً؛ لأنه - في زعم السامري - إله.

والثاني: من كفر بالله شارحاً صدره بالكفر - هو الكافر به حقّاً، وأما من أظهر الكفر بلسانه بالإكراه، وقلبه معتقد بالإيمان على ما كان مطمئنّاً به - فهو ليس بكافر.

وأصله: أن من اعتقد مذهباً [أو ديناً] أن يعتقده بخصال ثلاث: إحداها: يقلد آخر؛ لما رآه أبصرَ وآخذ وأعلم فيه، وهو لا يبلغ ذلك، فيقلده؛ لفضل بصره وعلمه فيه ورأيه.

والثانية: يعتقد للشبهة؛ لما يتراءى عنده أنه الحق؛ فيعتقده لذلك للشبهة التي ذكرنا.

والثالثة: [يعتقد لما] يتضح له الحق فيعتقده.

فلهذه الوجوه الثلاثة يعتقد من يعتقد ديناً أو مذهباً، فأما أن يعتقد الإنسان مذهباً مجانا على الجزاف فلا؛ فكأن إظهار كفر هذا لإكراه من أكرهه لم يصر كافراً.

وأصله أن الإيمان والكفر إنما يكونان بالاختيار؛ فإن الإكراه يزيل اختيار من كفر؛ لذلك يبقى على الإيمان على ما كان؛ لما لم يوجد منه اختيار الكفر.

فإن قيل: أليس أمرنا أن نقاتل أهل الكفر؛ ليسلموا، وذلك إسلام بإكراه؟!

وعلى ذلك نطق الكتاب، وهو قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وقال رسول الله  : "أمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا الله" ، ثم إذا أسلم لخوف السيف - كان إسلامه إسلاماً في الظاهر ما يمنع كذلك أنه إذا أكره على الكفر، فأجرى كلمة الكفر على لسانه - كان كفره كفراً في الظاهر؛ فيحكم بكفره كما حكم في الإسلام على الإكراه؛ فما الفرق فيه؟!

قيل: إن ذلك كان يجيء إلا أن الله -  - أعفى عباده عن ذلك؛ فأبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهروا بلسانهم كلام الكفر بعد أن تكون قلوبهم مطمئنة بذلك؛ فضلاً منه ونعمة، وإلا: القياس أن يحكم بحكم الكفر إذا تكلم بكلام الكفر، وأمّا الطلاق والعتاق والنكاح ونحوه، وهو ظاهر على ما تكلم به، عامل واقع؛ لأن الطلاق والعتاق ونحوهما ممّا يتعلق بالكلام نفسه لا بغيره، فهو - وإن أكره على ذلك - فهو مختار للتكلم به، قاصد له؛ لأن المكره لو أحب أن يستعمل لسانه بالتكلم بما ذكر ما قدر عليه؛ دل أنه على الاختيار يتكلم، وأما البيع والشراء ونحوه لم يتعلق بالكلام نفسه؛ إذ قد يكون بالأخذ والتسليم دون التكلم به؛ لذلك عمل الإكراه في إبطاله كما أبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهر بلسانه كلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بذلك، وعلى ذلك ما روي عن نبيّ الله  حيث قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه" ؛ وذلك في الكفر ليس في غيره؛ لأن الإكراه على الكفر كان ظاهراً يومئذ، ولم يكن في غيره من طلاق وغيره.

وأمّا قتالنا إياهم؛ ليسلموا - فهو يحتمل وجوهاً: أحدها: على المجازاة؛ كقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً  ﴾ ، فنقاتلهم ليظهروا الإسلام، وإن لم يعرف حقيقة على المجازاة.

والثاني: قبلنا منهم الإسلام على الإكراه لنقرهم فيما بين المسلمين؛ فيرون الإسلام ويتعلمون منهم حقيقة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ  ﴾ ؛ سمّاهنّ مؤمنات، ثم أمرنا بامتحانهن؛ بقوله: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ  ﴾ ؛ فإنما يمتحنَّ؛ ليظهر حقيقة إيمانهن، وإلا لم يكن للامتحان معنى لولا ذلك.

وأصله: أن الله جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيْره من الجوارح؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعمالها بالإكراه، وأمّا القلب فإنه لا يملك أحد سواه استعماله، وذلك بفضله ومنّه.

﴿ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ﴾ .

ومن شرح صدره بالكفر فهو كافر به إن كان ليس على الإكراه؛ لما ذكرنا أنه باختياره الكفر ينشرح له الصّدر لما لا يعمل الإكراه على القلب.

﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ﴾ .

أي: ذلك الغضب والعذاب بأنهم.

﴿ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ جحوداً وإنكاراً، وإلا نفس الاستحباب قد يكون من المؤمن؛ فلا يزيل عنه اسم الإيمان؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله -  - ﴿ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ  ﴾ ؛ فلم يزل عنهم اسم الإيمان باختيارهم واستحبابهم الحياة الدنيا؛ فدلّ أن الأول عن الجحود له والإنكار، وهذا على الميل إليه دون الجحود؛ أو أن يكون كذلك لما لم يروا الآخرة كائنة لا محالة ولكن ظنّاً ظنّوا لعلها كائنة؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ وأمّا أهل الإسلام فإنهم لم يكونوا فيها ظانين [متشككين]؛ ولكن متحققين مستيقنين؛ فاستحقوا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

وقت اختيارهم الكفر؛ [لأن الله] لا يهدي القوم المختارين الكفر على الإيمان؛ وقال ذلك لقوم علم الله أنهم يختارون الكفر، وأنهم يموتون على الكفر؛ فلا يهديهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ .

الطبع: هو التغطية: تغطي ظلمة الكفر نور القلب والسمع ونور البصر، كأن لكل أحد نورين وبصرين، ظاهر وباطن يبصر بهما جميعاً؛ فإذا ذهب أحدهما أو عمي - صار لا يبصر؛ كمن يبصر ببصر الظاهر، إنما يبصر بنور بصره ونور الهواء؛ فإذا دخل في أحدهما آفة ذهب الانتفاع، وصار لا يبصر شيئاً؛ فعلى ذلك للقلب بصر خفي، وبصر ظاهر الذي هو معروف؛ فإنما يبصر بهما؛ فإذا غطى ظلمة الكفر بصر القلب صار لا يبصر شيئاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ  ﴾ أخبر أن الأبصار الظاهرة لم تعْمَ؛ ولكن عميت القلوب التي في الصدور، هذا يدل على - ما ذكرنا والله أعلم - معنى طبع السمع والبصر.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ﴾ .

يحتمل: غافلون عن النظر في آياته وحججه، ويحتمل: غافلون عما يحل بهم؛ بكفرهم وتكذيبهم آيات الله وحججه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ .

قد ذكرنا ما قيل فيه: لا بد؛ وحقّاً، وقيل: هو حرف وعيد.

﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ ﴾ .

قال الحسن: إنهم - والله - خسروا الجنة ورحمة الله، خسروا أهلهم ومنزلهم الذي كان لهم في الجنة، وخسروا منهم أنفسهم حين قذفوها في النار.

وقال أبو بكر الأصم: خسروا النعم الدائمة الباقية بالزائلة الفانية، وخسروا أنفسهم؛ حيث قتلوا، وأسروا في الدنيا، والله أعلم.

وقوْله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ﴾ .

قيل: عذبوا على الإيمان بمكة، ثم جاهدوا مع النبي  وأصحابه عدوَّهم، وصبروا على ذلك.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

قيل: من بعد الفتنة لغفور لما كان منهم، (رحيم) ذكر مرتين: أحدهما: قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، [قيل: من بعد الفتنة] فيجيء أن يكتفى بواحد يقول: لغفور رحيم موصولاً بقوله: للذين فعلوا ما ذكر، لكنه ذكر مرتين - والله أعلم -: إنه لغفور لهم يعني: لهؤلاء الذين فتنوا وعذبوا، ولغيرهم.

ذكر أهل التأويل أن أناساً من المؤمنين خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشركون؛ ليردوهم؛ فقاتلوهم؛ فمنهم من قتل، ومنهم من نجا؛ فأنزل الله -  -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...

﴾ الآية.

ومنهم من يقول - أيضاً -: فيهم نزل قوله: ﴿ الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا...

﴾ الآية [العنكبوت: 1-2].

وأكثرهم قالوا: إن قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : إنما نزل في عمار بن ياسر، وليس لنا إلى ذلك حاجة؛ إنما الحاجة فيما ذكرنا من الحكم فيه والحكمة، والله أعلم.

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا ﴾ .

قال الحسن: ﴿ تُجَادِلُ ﴾ ، أي: تخبر، ﴿ عَن نَّفْسِهَا ﴾ : عما عملت من خير أو شرّ.

وقال أبو بكر الأصم: إن كل نفس رهينة بما كسبت من شر حتى يكون طائراً في عنقه.

ولكن ليس لنا فيما ذكر هؤلاء مجادلة، المجادلة: المخاصمة؛ كأنها تخاصم عن نفسها من ارتكاب أشياء، ودعوى أشياء على ما ذكر في غير آية؛ من قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: إن جهنم تزفر زفرة حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ وقد جثا بركبتيه؛ خوفاً منها؛ فعند ذلك تجادل وتخاصم كل نفس عن نفسها، ويشبه أن يكون مجادلتهم على غير هذا، وهو ما ذكر: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا  ﴾ ؛ فتلك مجادلتهم أنفسهم، وكقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ  ﴾ ، وكذلك ما ذكر في المنافقين: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ...

﴾ الآية [المجادلة: 18].

وذلك كله مجادلتهم أنفسهم، أو أن يقال: ﴿ تُجَادِلُ ﴾ لكن لا يفسّر: ما تلك المجادلة؛ لأن الله -  - ذكر المجادلة، ولم يذكر ما تلك المجادلة؟

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

أي: لا ينقصون من حسناتهم ولا يزدادون على سيئاتهم.

وهذه الآية تردّ على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالتخليد لصاحب الكبيرة، وقد أخبر أنه: توفى كل نفس ما عملت من سوء، ولا توفى ما عملت من الخيرات والطاعات.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حقًّا إنهم يوم القيامة هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم بسبب كفرهم بعد إيمانهم الذي لو تمسكوا به لدخلوا الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.2kjoY"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد