تفسير الآية ١٢ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢ من سورة النحل

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ١٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٢ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينبه تعالى عباده على آياته العظام ، ومننه الجسام ، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان ، والشمس والقمر يدوران ، والنجوم الثوابت والسيارات ، في أرجاء السموات نورا وضياء لمهتدين بها في الظلمات ، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه ، يسير بحركة مقدرة ، لا يزيد عليها ولا ينقص منها ، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسييره ، كما قال : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] ; ولهذا قال : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) أي : لدلالات على قدرته الباهرة وسلطانه العظيم ، لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ومن نِعَمه عليكم أيها الناس مع التي ذكرها قبل أن سخر لكم الليل والنهار يتعاقبان عليكم، هذا لتصرّفكم في معاشكم ، وهذا لسكنكم فيه ، ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) لمعرفة أوقات أزمنتكم وشهوركم وسنينكم ، وصلاح معايشكم ( وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ ) لكم بأمر الله تجري في فلكها لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله ذلك على ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبيهه إياهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [ ص: 77 ] قوله تعالى : وسخر لكم الليل والنهار أي للسكون والأعمال ; كما قال : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله .والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات .

وقرأ ابن عامر وأهل الشام والشمس والقمر والنجوم مسخرات بالرفع على الابتداء والخبر .

الباقون بالنصب عطفا على ما قبله .

وقرأ حفص عن عاصم برفع " والنجوم " ، مسخرات خبره .

وقرئ والشمس والقمر والنجوم بالنصب .

مسخرات بالرفع ، وهو خبر ابتداء محذوف أي هي مسخرات ، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة ; كقوله : وهو الحق مصدقا .إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون أي يعقلون عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: سخر لكم هذه الأشياء لمنافعكم وأنواع مصالحكم بحيث لا تستغنون عنها أبدا، فبالليل تسكنون وتنامون وتستريحون، وبالنهار تنتشرون في معايشكم ومنافع دينكم ودنياكم، وبالشمس والقمر من الضياء والنور والإشراق، وإصلاح الأشجار والثمار والنبات، وتجفيف الرطوبات، وإزالة البرودة الضارة للأرض، وللأبدان، وغير ذلك من الضروريات والحاجيات التابعة لوجود الشمس والقمر.

وفيهما وفي النجوم من الزينة للسماء والهداية في ظلمات البر والبحر، ومعرفة الأوقات وحساب الأزمنة ما تتنوع دلالاتها وتتصرف آياتها، ولهذا جمعها في قوله { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لمن لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر فيما هي مهيأة له مستعدة تعقل ما تراه وتسمعه، لا كنظر الغافلين الذين حظهم من النظر حظ البهائم التي لا عقل لها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وسخر لكم ) [ ذلل لكم ] ( الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات ) مذللات ، ( بأمره ) أي : بإذنه ، وقرأ حفص ( والنجوم مسخرات ) بالرفع على الابتداء .

( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وسخَّر لكم الليل والنهار والشمس» بالنصب عطفاً على ما قبله والرفع مبتدأ «والقمر والنجوم» بالوجهين «مسخرات» بالنصب حال والرفع خبر «بأمره» بإرادته «إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» يتدبرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وسخَّر لكم الليل لراحتكم، والنهار لمعاشكم، وسخَّر لكم الشمس ضياء، والقمر نورًا ولمعرفة السنين والحساب، وغير ذلك من المنافع، والنجوم في السماء مذللات لكم بأمر الله لمعرفة الأوقات، ونضج الثمار والزروع، والاهتداء بها في الظلمات.

إن في ذلك التسخير لَدلائلَ واضحةً لقوم سيعقلون عن الله حججه وبراهينه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( سخر ) من التسخير بمعنى التذليل والتكليف ، يقال .

سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإِعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به أى : ومن آياته سبحانه الدالة على وحدانيته وقدرته ، أنه ( سَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار ) يتعاقبان فيكم لتسكنوا فى الليل ، ولتبتغوا الرزق بالنهار .وأنه - سبحانه - سخر لكم ( الشمس والقمر ) يدأبان فى سيرهما بدون كلل أو اضطراب ، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم بنظام ثابت ، كما قال - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وأنه - سبحانه - أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه ، لكى تهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر .هذا وقد قرأ جمهور القراء هذه الأسماء : الليل والنهار .

.

.

إلخ بالنصب على المفعولية لفعل ( سخر ) كما قرأ الجمهور .

أيضاً .

( مسخرات ) بالنصب على الحالية .وقرأ ابن عامر : ( والشمس والقمر والنجوم ) بالرفع على الابتداء ، وقرأ - أيضا قوله - ( مسخرات ) ، بالرفع على أنه خبر عنها .وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات ، على أنهما مبتدأ وخبر : أما بقية الأسماء السابقة فقرأها بالنصب .وقوله ( بأمره ) متعلق بمسخرات .

والمراد بأمره : إرادته ومشيئته وتدبيره ، الجارى على هذا الكون وفق حكمته وإذنه .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .أى : إن فى ذلك المذكور من تسخير الليل والنهار وغيرهما لمنفعتكم ومصلحتكم - يا بنى آدم - لآيات بينات ، ودلائل واضحات ، على وجوب العبادة لله - تعالى - وحده ، لقوم يعقلون نعم الله - تعالى - ، ويستدلون بها على وحدانيته - سبحانه - وقدرته .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً والشمس والقمر والنجوم مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلي بعد الحيوان النبات، فلما قرر الله تعالى الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات، أتبعه في هذه الآية بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات.

واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر، وأما أن المطر نازل من السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مراراً، والحاصل: أن ماء المطر قسمان: أحدهما: هو الذي جعله الله تعالى شراباً لنا ولكل حي، وهو المراد بقوله: ﴿ لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ ﴾ وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حيّ  ﴾ .

فإن قيل: أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر، أو تقولون قد يكون منه وقد يكون من غيره، وهو الماء الموجود في قعر الأرض؟

أجاب القاضي: بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره.

ولقائل أن يقول: ظاهر الآية يدل على الحصر، لأن قوله: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره.

إذا ثبت هذا فنقول: لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر يسكن هناك، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض  ﴾ ولا يمتنع أيضاً في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر، والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ إلى آخر الآية، وفيه مباحث: البحث الأول: ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة، وهذا إنما يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ والعشب، وهاهنا قولان: القول الأول: قال الزجاج: كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد: يطعمها اللحم إذا عز الشجر *** يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ.

ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ  ﴾ والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق، ومن الشجر ما له ساق، هكذا قال المفسرون، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما، ويمكن أن يجاب عنه بأنه عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضاً فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى: ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه.

القول الثاني: أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول.

البحث الثاني: قوله: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى، وسامت هي تسوم سوماً إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة.

وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقال غيره: لأنها تعلم للإرسال في المرعى، وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿ والخيل المسومة  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: هو أن النبات الذي ينبته الله من ماء السماء قسمان: أحدهما: معد لرعي الأنعام وأسامة الحيوانات، وهو المراد من قوله: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ .

والثاني: ما كان مخلوقاً لأكل الإنسان وهو المراد من قوله: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون ﴾ .

فإن قيل: إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات، وأتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الإنسان، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم  ﴾ فما الفائدة فيه؟

قلنا: أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وأما الترتيب المذكور في الآية الأخرى، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول».

البحث الثاني: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ ننبت ﴾ بالنون على التفخيم والباقون بالياء، قال الواحدي: والياء أشبه بما تقدم.

البحث الثالث: اعلم أن الإنسان خلق محتاجاً إلى الغذاء، والغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من النبات.

والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي، لأن تولد أعضاء الإنسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل النبات لأن المشابهة هناك أكمل وأتم والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات والسعي في تنميتها بواسطة الرعي، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى في الأسامة، وأما الغذاء النباتي فقسمان: حبوب.

وفواكه، أما الحبوب فإليها الإشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون.

والنخيل.

والأعناب، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، وكما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل، ثم قال في صفة البقية: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ فكذلك هاهنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في صفة البقية: ﴿ وَمِن كُلّ الثمرات ﴾ تنبيهاً على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها لا يمكن ذكره في مجلدات، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل.

ثم قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وهاهنا بحثان: البحث الأول: في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود الله تعالى فنقول: إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء.

ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان.

إذا عرفت هذا فنقول: نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة التأثيرات الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة.

ومع تشابه نسب هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة والصفة، فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة.

البحث الثاني: أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ والسبب فيه أنه تعالى ذكر أنه: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً...

يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ .

ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال: إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب؟

وإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاماً وافياً بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئت كلها بالنصب على وجعل النجوم مسخرات أو على أن معنى تسخيرها للناس: تصييرها نافعة لهم، حيث يسكنون بالليل، ويبتغون من فضله بالنهار، ويعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، ويهتدون بالنجوم.

فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له بأمره.

ويجوز أن يكون المعنى: أنه سخرها أنواعاً من التسخير جمع مسخر، بمعنى تسخير، من قولك: سخره الله مسخراً، كقولك: سرحه مسرحاً، كأنه قيل: وسخرها لكم تسخيرات بأمره.

وقرئ بنصب ﴿ الليل والنهار ﴾ وحدهما، ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر.

وقرئ: ﴿ والنجوم مسخرات ﴾ ، بالرفع، وما قبله بالنصب، وقال ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فجمع الآية.

وذكر العقل؛ لأنّ الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالنُّونِ عَلى التَّفْخِيمِ.

﴿ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ وبَعْضِ كُلِّها إذا لَمْ يَنْبُتْ في الأرْضِ كُلُّ ما يُمْكِنُ مِنَ الثِّمارِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يُسامُ فِيهِ عَلى ما يُؤْكَلُ مِنهُ لِأنَّهُ سَيَصِيرُ غِذاءً حَيَوانِيًّا هو أشْرَفُ الأغْذِيَةِ، ومِن هَذا تَقْدِيمُ الزَّرْعِ والتَّصْرِيحُ بِالأجْناسِ الثَّلاثَةِ وتَرْتِيبُها.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّ مَن تَأمَّلَ أنَّ الحَبَّةَ تَقَعُ في الأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها، فَيَنْشَقُّ أعْلاها ويَخْرُجُ مِنهُ ساقُ الشَّجَرَةِ، ويَنْشَقُّ أسْفَلُها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقُها.

ثُمَّ يَنْمُو ويَخْرُجُ مِنهُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ والثِّمارُ، ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنها عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والطِّباعِ مَعَ اتِّحادِ المَوادِّ ونِسْبَةِ الطَّبائِعِ السُّفْلِيَّةِ والتَّأْثِيراتِ الفَلَكِيَّةِ إلى الكُلِّ، عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ مُقَدَّسٍ عَنْ مُنازَعَةِ الأضْدادِ والأنْدادِ ولَعَلَّ فَصَّلَ الآيَةَ بِهِ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

{وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ} بنصب الكل عليّ وجعل النجوم مسخرات والنجوم مسخرات

فقط حفص والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخرات شامي على الابتداء والخبر {إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} جمع الآية وذكر العقل لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وحَيْثُ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِما ذُكِرَ لِاشْتِمالِهِ عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ مُحْتاجٍ إلى التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ لِمَن لَهُ نَظَرٌ سَدِيدٌ خَتَمَ الآيَةَ بِالتَّفَكُّرِ ﴿ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَتَعاقَبانِ خِلْفَةً لِمَنامِكم واسْتِراحَتِكم وسَعْيِكم في مَصالِحِكم مِنَ الإسامَةِ وتَعَهُّدِ حالِ الزَّرْعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما أصالَةً وخِلافَةً وأدائِهِما ما نِيطَ بِهِما مِن تَرْبِيَةِ الأشْجارِ والزُّرُوعِ وإنْضاجِ الثَّمَراتِ وتَلْوِينِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّأْثِيراتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِما بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يَقُولُهُ السَّلَفُ في الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِتَسْخِيرِ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ تَمْكِينَهم مِنَ التَّصَرُّفِ بِهِ كَيْفَ شاءُوا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا  ﴾ ونَحْوِهِ بَلْ تَصْرِيفُهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ حَسْبَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنافِعُهم ومَصالِحُهم كَأنَّ ذَلِكَ تَسْخِيرٌ لَهم وتَصَرُّفٌ مِن قَبْلِهِمْ حَسَبَ إرادَتِهِمْ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّ أصْلَ التَّسْخِيرِ السَّوْقُ قَهْرًا ولا يَصِحُّ إرادَةُ ذَلِكَ لِأنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ مِمّا لا يُعْقَلُ فِيما لا شُعُورَ لَهُ مِنَ الجَماداتِ كالشَّمْسِ والقَمَرِ وعَدَمُ تَعَقُّلِهِ في نَحْوِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ فَهو هُنا مَجازٌ عَنِ الإعْدادِ والتَّهْيِئَةِ لِما يُرادُ مِنَ الانْتِفاعِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى ما في المُسَخَّرِ مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ.

وذَكَرَ الإمامُ في المُرادِ مِنَ التَّسْخِيرِ نَحْوَ ما ذَكَرَ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ قالَ فِيهِ: إنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الهَيْئَةِ وهو أنَّهم يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ هي الحَرَكَةُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فاللَّهُ تَعالى سَخَّرَ هَذِهِ الكَواكِبَ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ فَكانَتْ هَذِهِ الحَرَكَةُ قَسْرِيَّةً فَلِذا ورَدَ فِيها لَفْظُ التَّسْخِيرِ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ دُونَ حَرَكَةِ الشَّمْسِ وأمّا حَرَكَتُها فَهي سَبَبٌ لِحُدُوثِ السَّنَةِ ولِذا لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الشَّمْسِ اهـ ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: إنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إلى آخِرِهِ لا يَتَأتّى في عَرْضِ تِسْعِينَ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها وهي هُناكَ لا تَغْرُبُ ولا تَطَّلِعُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ بَلْ بِحَرَكَتِها الخاصَّةِ ولِذا كانَتِ السَّنَةُ يَوْمًا ولَيْلَةً لِما أنَّ ذَلِكَ العَرْضَ غَيْرُ مَسْكُونٍ وكَذا ما يَقْرُبُ مِنهُ فَلا يَدْخُلُ في حَيِّزِ الِامْتِنانِ.

نَعَمْ في كَلامِهِ عِنْدَ المُتَمَسِّكِينَ بِأذْيالِ الشَّرِيعَةِ غَيْرُ ذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ وفي كَوْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِمّا لا شُعُورَ لَهُما خِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ فَذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّهُما عالَمانِ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ وإلَيْهِ ذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ والفَلاسِفَةُ، ولَمْ أشْعُرْ بِوُقُوعِ خِلافٍ في أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ مِمّا لا شُعُورَ لَهُما، نَعَمْ رَأيْتُ في البَهْجَةِ القادِرِيَّةِ عَنِ القُطْبِ الرَّبّانِيِّ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ أنَّ الشَّهْرَ أوِ الأُسْبُوعَ يَأْتِيهِ في صُورَةِ شَخْصٍ فَيُخْبِرُهُ بِما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، ولَعَلَّ هَذا عَلى نَحْوِ ظُهُورِ القُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ وقَوْلِهِ لِمَن كانَ يَحْفَظُهُ: «أنا الَّذِي أسْهَرْتُكَ في الدَّياجِي وأظْمَأْتُكَ في الهَواجِرِ».

وظُهُورِ المَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذَبْحِهِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما جاءَ في الخَبَرِ، وعَلَيْكَ بِالإيمانِ بِما جاءَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ  وأنْتَ في الإيمانِ بِغَيْرِهِ بِالخِيارِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّسْخِيرَ أمْرٌ واحِدٌ مُسْتَمِرٌّ وإنْ تَجَدَّدَتْ آثارُهُ ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ وسائِرُ النُّجُومِ البَيانِيَّةِ وغَيْرِها في حَرَكاتِها وأوْضاعِها المُتَبَدِّلَةِ وغَيْرِ المُتَبَدِّلَةِ وسائِرِ أحْوالِها مُسَخَّراتٌ لِما خُلِقَتْ لَهُ بِخَلْقِهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ الجارِي عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ فالأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأوامِرِ ويُرادُ مِنهُ الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ عِنْدَ مَن لا يَقُولُ بِإدْراكِ النُّجُومِ، والمَعْنى أنَّها مُسَخَّرَةٌ لِما خُلِقَتْ لَهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى وإيجادِهِ، قِيلَ: وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَوْدُ مَنافِعِ النُّجُومِ إلَيْهِمْ في الظُّهُورِ بِمَثابَةِ ما قَبْلَها مِنَ الجَدِيدَيْنِ والنَّيِّرَيْنِ لَمْ يُنْسَبْ تَسْخِيرُها إلَيْهِمْ بِأداةِ الِاخْتِصاصِ بَلْ ذُكِرَ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّها تَحْتَ مَلَكُوتِهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ إلى الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ (الشَّمْسُ والقَمَرُ) أيْضًا فَيَكُونُ المُبْتَدَأُ الشَّمْسَ والبَواقِي مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ (ومُسَخَّراتٌ) خَبَرٌ عَنِ الجَمِيعِ، ولا يَتَأتّى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ما قِيلَ في وجْهِ عَدَمِ نِسْبَةِ تَسْخِيرِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِأداةِ الِاخْتِصاصِ كَما لا يَخْفى، واعْتِبارُ عَدَمِ كَوْنِ ظُهُورِ المَنافِعِ بِمَثابَةِ السّابِقِ بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ كَما تَرى.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ في ذَلِكَ: إنَّ المُرادَ بِتَسْخِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَهم نَفْعُهم بِهِما مِن حَيْثُ إنَّهُما وقْتا سَعْيٍ في المَصالِحِ واسْتِراحَةٍ ومِن حَيْثُ ظُهُورُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنافِعُهم مِمّا نِيطَ بِهِ صَلاحُ المُكَوِّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ وأُجْمِلَ مَثَلًا كالشَّمْسِ والقَمَرِ فِيهِما، ويَؤُولُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ إلى النَّفْعِ بِذَلِكَ وهو مَعْنى تَسْخِيرِهِ لَهُمْ، فَيَكُونُ تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَهم مُتَضَمِّنًا لِتَسْخِيرِ ذَلِكَ لَهم فَحَيْثُ أفادَهُ الكَلامُ أوَّلًا اسْتَغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ ثانِيًا وصَرَّحَ بِما هو أعْظَمُ شَأْنًا مِنهُ وهو أنَّ تِلْكَ الأُمُورَ لَمْ تَزَلْ ولا تَزالُ مَقْهُورَةً تَحْتَ قُدْرَتِهِ مُنْقادَةً لِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ سَواءٌ كُنْتُمْ أوْ لَمْ تَكُونُوا فَلْيُتَدَبَّرْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ والنُّجُومَ- ومُسَخَّراتٍ بِالنَّصْبِ فِيهِما وكَذا فِيما تَقَدَّمَ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنْ (النُّجُومَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفِعْلُ المَذْكُورُ (ومُسَخَّراتٍ) مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، أيْ وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، وجُوِّزَ جَعَلَ- جَعَلَ- بِمَعْنى خَلَقَ المُتَعَدِّيَ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ- فَمُسَخَّراتٍ- حالٌ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ (النُّجُومَ) مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِلا إضْمارٍ (ومُسَخَّراتٍ) حِينَئِذٍ قِيلَكَ حالٌ مِنَ الجَمِيعِ عَلى أنَّ التَّسْخِيرَ مَجازٌ عَنِ النَّفْعِ أيْ نَفَعَكم بِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِما خُلِقَتْ لَهُ مِمّا هو طَرِيقٌ لِنَفْعِكم وإلّا فالحَمْلُ عَلى الظّاهِرُ دالٌّ عَلى أنَّ التَّسْخِيرَ في حالِ التَّسْخِيرِ بِأمْرِهِ ولا كَذَلِكَ لِتَأخُّرِ الأوَّلِ، وقِيلَ: لِذَلِكَ أيْضًا: إنَّ المُرادَ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى التَّسْخِيرِ بِأمْرِهِ الإيجادِيِّ لِأنَّ الإحْداثَ لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجَوَّزَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ أنْ يَكُونَ حالًا مُوَكَّدَةً بِتَقْدِيرِ ( بِأمْرِهِ ) مُتَعَلِّقًا بِـ (يُسَخِّرُ) والكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وقَبُولُهُ مُفَوَّضٌ إلَيْكَ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَمَسْرَحٍ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ- لِـ سَخَّرَ- المَذْكُورِ أوَّلًا وسَخَّرَها مُسَخَّراتٍ عَلى مِنوالِ ضَرْبَتُهُ ضَرَباتٍ، وجَمْعٌ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الأنْواعِ، وفي إفادَةِ تَسْخِيرِ ما ذَكَرَ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى يُقالُ: إنَّ المُؤَثِّرَ في تَكْوِينِ النَّباتِ حَرَكاتُ الكَواكِبِ وأوْضاعُها فَإنَّ ذَلِكَ إنْ سَلِمَ فَلا رَيْبَ في أنَّها مُمْكِنَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ واقِعَةٌ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ فَلا بُدَّ مِن مُوجِدِ ضَرُورَةِ احْتِياجِ المُمْكِنِ في وُجُودِهِ إلى مُخَصِّصٍ لِئَلّا يَلْزَمَ مِنَ الوُقُوعِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ مُخْتارٍ لِما أنَّ الإيجابَ يُنافِي التَّرْجِيحَ واجِبَ الوُجُودِ دَفْعًا لِلدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ كَذا قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، واعْتَرَضَهُ المَوْلى العِمادِيُّ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى حُسْبانِ ما ذَكَرَ أدِلَّةَ الصّانِعِ تَعالى وقُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مِمّا لا يُنازِعُ فِيهِ الخَصْمُ ولا يَتَلَعْثَمُ في قَبُولِهِ قالَ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ  ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  ﴾ الآيَةَ وإنَّما ذَلِكَ أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ مِن حَيْثُ إنَّ مَن هَذا شَأْنَهُ لا يُتَوَهَّمُ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ فَضَلّا أنْ يُشارِكَهُ الجَمادُ في الأُلُوهِيَّةِ اهـ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ أدِلَّةَ التَّوْحِيدِ لا يَأْبى أنْ يَكُونَ فِيهِ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى يُقالُ وأيُّ ضَرَرٍ في أنْ يُساقَ شَيْءٌ لِأمْرٍ ويُؤْذَنَ بِأمْرٍ آخَرَ، ولَعَمْرِي لا أرى لِهَذا الِاعْتِراضِ وجْهًا بَعْدَ قَوْلِ القائِلِ في ذَلِكَ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى يُقالُ إلَخْ حَيْثُ لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ وأقْحَمَ عَسى في البَيْنِ لَكِنْ لِلْقائِلِ كَلامٌ يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّهُ اعْتَبَرَ الأدِلَّةَ المَذْكُورَةَ أدِلَّةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ عَزَّ شَأْنُهُ أيْضًا وقَدْ سَبَقَهُ في ذَلِكَ الإمامُ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيِ التَّسْخِيرِ المُتَعَلِّقِ بِما ذَكَرَ ﴿ لآياتٍ ﴾ باهِرَةً مُتَكاثِرَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآثارُ العُلْوِيَّةُ مُتَعَدِّدَةً ودَلالَةُ ما فِيها مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ أظْهَرَ جَمْعُ الآياتِ وعُلِّقَتْ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ كَأنَّهُ لِمَزِيدِ ظُهُورِها مُدْرَكَةً بِبَداهَةِ العَقْلِ بِخِلافِ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ في ذَلِكَ كَذا قالُوا، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا عَلى الوُجُودِ أيْضًا، وأمّا إذا كانَ الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ فَفي دَعْوى الظُّهُورِ المَذْكُورِ بَحْثٌ لِانْجِرارِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ إلى إبْطالِ التَّسَلْسُلِ فَكَيْفَ تَكُونُ الدَّلالَةُ ظاهِرَةً غَيْرَ مُحْوِجَةٍ إلى فِكْرٍ.

وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ إنَّما هو بَعْدَ التَّفَكُّرِ في بَدْءِ أمْرِها وما نَشَأ مِنهُ مِنِ اخْتِلافِ أحْوالِها فافْهَمْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ذَلِكَ والمُشارُ إلَيْهِ نِهايَةُ تَعاجِيبِ الدَّقائِقِ المُودَعَةِ في العُلْوِيّاتِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالتَّسْخِيرِ الَّتِي لا يَتَصَدّى لِمَعْرِفَتِها إلّا المَهَرَةُ الَّذِينَ لَهم نِهايَةُ الإدْراكِ مِن أساطِينِ عُلَماءِ الحِكْمَةِ وحِينَئِذٍ قَطَعَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُنا: (يَعْقِلُونَ) لِلْإشارَةِ إلى احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّفَكُّرِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ يقول: من ماء الرجل فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يقول: جدل باطل ظاهر الخصومة، وهو أبي بن خلف، حيث أخذ عظماً بالياً فَفَتَّهُ بيده، وقال: عجباً لمحمد يزعم أنه يعيدنا بعد ما كنا عظاماً ورفاتاً، وإنا نعاد خلقاً جديداً، فنزل أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس: 77] الآية.

ثم بيّن النعمة فقال تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ أي: ما يستدفأ به من الأكسية وغيرها، والذي يتخذ منه البيوت من الشعر والوبر والصوف.

وأما المنافع، فظهورها التي تحمل عليها، وألبانها.

ويقال: الدفء الصغار من الإبل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي: في نسل كل دابة وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: من لحمها.

قوله: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ أي: ولكم يا بني آدم في الأنعام، جَمالٌ حسن المنظر، حِينَ تُرِيحُونَ أي: حتى تروح الإبل راجعة إلى أهلها وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي: تسرح إلى الرعي أول النهار وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي: أمتعتكم وزادكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ قال: هي مكة.

ويقال: هذا الخطاب لأهل مكة، كانوا يخرجون إلى الشام، وإلى اليمن، ويحملون أثقالهم على الإبل.

إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ إذ لم يعجلكم بالعقوبة.

ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي خلقها لكم لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً أي: جمالاً ومنظرا حسنا.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه سئل عن لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يعني: إنما خلق هذه الأصناف الثلاثة للركوب والزينة لا للأكل وسائر الأنعام خلقت للركوب وللأكل، كما قال: وَمِنْها تَأْكُلُونَ وبه كان يقول أبو حنيفة: «إن لحم الخيل مكروه» .

وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي: خلق أشياء تعلمون، وخلق أشياء مما لا تعلمون.

وروي عن النبي  أنه قال: «إن الله خَلَقَ أَرْضَاً بَيْضَاءَ مِثْلَ الدُّنْيَا ثَلاثِينَ مَرَّةً، مَحْشُوَّةً خلقا من خلق الله تَعَالَى، لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله تَعَالَى يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ» قالوا: يا رسول الله أمن ولد آدم هم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آَدَمَ» .

قالوا: فأين إبليس منهم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ إِبْلِيسَ» ، ثم قرأ رسول الله  «وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (١) قوله عز وجل: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي: بيان الهدى، ويقال: هداية الطريق وَمِنْها جائِرٌ أي: من الطرق ما هو مائل من طريق الهدى إلى طريق اليهودية والنصرانية.

وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يعني: بيان الهدى، وَمِنْها جائِرٌ أي: سبيل الضلالة.

وقال قتادة: في قراءة عبد الله بن مسعود وَمِنْها جائِرٌ أي: مائلا عن طريق الهدى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي: لو علم الله تعالى أن الخلق كلهم أهلاً للتوحيد لهداهم.

ويقال: لو شاء الله لأنزل آية يضطر الخلق إلى الإيمان.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 113 إلى ابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .

انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.

وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:

خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.

وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :

الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.

انتهى.

وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .

وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...

الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ: ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿ وَمِنها ﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ: [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] .

.

.

.

∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ: يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ.

و ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ: تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ.

والجُسْأةُ: اليَبَسُ.

والبَدَدُ: السَّعَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.

و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ.

وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ  ﴾ ، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ وكَما قالَ الشاعِرُ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان.

وتقدم ما يفسّر هذه الآية في صدر سورة يونس.

وتسخير هذه الأشياء تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ألا له الخلق والأمر ﴾ في أوائل سورة الأعراف (54) وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم.

وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه، وإدماج بين الاستدلال والامتنان.

ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة، إذ هي دلائل بيّنة واضحة حاصلة بالمشاهدة كل يوم وليلة.

وتقدم وجه إقحام لفظ (قوم) آنفاً، وأن الجملة تذييل.

وقرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لِفعل سخر.

وقرأ ابن عامر والشمسُ والقمرُ والنجومُ } بالرفع على الابتداء ورفع ﴿ مسخرات ﴾ على أنه خبر عنها.

فنكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين.

وقرأ حفص برفع ﴿ النجومُ ﴾ و ﴿ مسخراتٌ ﴾ .

ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفيّ لقلّة من يرقب حركات النجوم.

والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف.

وقد أبدى الفخر في كتاب «درّة التنزيل» وجهاً للفرق بين إفراد آية في المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية: بأن ما ذكر أول وثالثاً يرجع إلى ما نجم من الأرض، فجميعه آية واحدة تابعة لخلق الأرض وما تحتويه (أي وهو كله ذو حالة واحدة وهي حالة النبات في الأرض في الأول وحالة واحدة وهي حالة الذرء في التناسل في الحيوان في الآية الثالثة) وأما ما ذكر في المرة الثانية فإنه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس والقمر والكواكب، وفي كل واحد منها نظام يخصّه ودلائل تخالف دلائل غيره، فكان ما ذكر في ذلك مجموع آيات (أي لأن بعضها أعراض كالليل والنهار وبعضها أجرام لها أنظمة مختلفة ودلالات متعددة).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الخَلْقِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: في عَيْنٍ تَحْتَ العَرْشِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّها أرْضٌ بَيْضاءُ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ ثَلاثِينَ يَوْمًا.

مَشْحُونَةٌ خَلْقًا لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يُعْصى في الأرْضِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَأيْنَ إبْلِيسُ عَنْهُمْ؟

قالَ (لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ إبْلِيسَ) ثُمَّ تَلا ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكم فيها دفء ﴾ قال: الثياب ﴿ ومنافع ﴾ قال: ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكم فيها دفء ومنافع ﴾ قال: نسل كل دابة.

وأخرج الديلمي عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البركة في الغنم، والجمال في الإبل» .

وأخرج ابن ماجة عن عروة البارقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الابل عزّ لأهلها، والغنم بركة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون ﴾ قال: إذا راحت كأعظم ما يكون أسنمة، وأحسن ما تكون ضروعاً ﴿ وحين تسرحون ﴾ قال: إذا سرحت لرعيها.

قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإِبل فقال: «هي عز لأهلها» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد ﴾ قال يعني مكة ﴿ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ قال: لو تكلفتموه لم تطيقوه إلا بجهد شديد.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا بشق الأنفس ﴾ قال: مشقة عليكم.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغوا إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: «اركبوا هذه الدواب سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبه خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله تعالى منه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن دينار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي لأحاديثكم، فرب راكب مركوبة هي خير منه وأطوع لله منه وأكثر ذكراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن حبيب قال: كان يكره طول الوقوف على الدابة، وأن تضرب وهي محسنة.

وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثير» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لتركبوها وزينة ﴾ قال: جعلها لتركبوها وجعلها زينة لكم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة: أن أبا عياض كان يقرؤها ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ﴾ يقول: جعلها زينة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية، فذللها الله لإِسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن وهب بن منبه قال: بلغني أن الله لما أراد أن يخلق الفرس قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقاً، أجعله عزاً لأوليائي، ومذلة لأعدائي، وحمى لأهل طاعتي، فقبض من الريح قبضة، فخلق منها فرساً، فقال: سميتك فرساً وجعلتك عربياً، الخير معقود بناصيتك والغنائم محازة على ظهرك، والغنى معك حيث كنت، ارعاك لسعة الرزق على غيرك من الدواب، وجعلتك لها سيداً، وجعلتك تطير بلا جناحين، فأنت للطلب، وأنت للهرب، وسأحمل عليك رجالاً يسبحوني، فتسبحني معهم إذا سبحوا، ويهللوني، فتهللني معهم إذا هللوا، ويكبروني، فتكبرني معهم إذا كبروا، فلما صهل الفرس؛ قال: باركت عليك، أرهب بصهيلك المشركين، أملأ منه آذانهم، وأرعب منه قلوبهم، وأذل به أعناقهم، فلما عرض الخلق على آدم وسماهم، قال الله تعالى: يا آدم، اختر من خلقي من أحببت، فاختار الفرس، فقال الله اخترت عزك، وعز ولدك باق فيهم ما بقوا، وينتج منه أولادك أولاداً، فبركتي عليك وعليهم، فما من تسبيحة ولا تهليلة ولا تكبيرة تكون من راكب الفرس إلا والفرس تسمعها وتجيبه مثل قوله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عباس، عن أكل لحوم الخيل، فكرهها وقرأ ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل ويقول: قال الله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ فهذه للأكل ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ﴾ فهذه للركوب.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد أنه سئل عن لحوم الخيل؟

فقال: ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحكم في قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ فجعل منه الأكل، ثم قرأ ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ﴾ قال: لم يجعل لكم فيها أكلاً وكان الحكم يقول: الخيل والبغال والحمير حرام في كتاب الله.

وأخرج أبو عبيد وأبو داود والنسائي وابن المنذر، عن خالد بن الوليد قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير» .

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: طعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية.

وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم من طريق أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنهم ذبحوا يوم خيبر الحمير والبغال والخيل، فنهاهم النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الحمير والبغال، ولم ينههم عن الخيل.

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء، عن جابر قال: كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: والبغال؟

قال: أما البغال فلا.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر، عن أسماء قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً، فأكلناه.

وأخرج أحمد، عن دحية الكلبي قال: «قلت يا رسول الله، أحمل لك حماراً على فرس، فينتج لك بغلاً وتركبها؟

قال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» .

وأخرج الخطيب في تاريخه، وابن عساكر، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال البراذين.

وأخرج ابن عساكر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال السوس في الثياب.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما خلق الله لأرضاً من لؤلؤة بيضاء مسيرة ألف عام عليها جبل من ياقوتة حمراء محدق بها، في تلك الأرض ملك قد ملأ شرقها وغربها، له ستمائة رأس، في كل رأس ستمائة وجه، في كل وجه ستون ألف فم.

في كل فم ستون ألف لسان، يثني على الله ويقدسه ويهلله ويكبره، بكل لسان ستمائة ألف وستين ألف مرة، فإذا كان يوم القيامة نظر إلى عظمة الله، فيقول وعزتك ما عبدتك حق عبادتك» فذلك قوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن الشعبي قال إن لله عباداً من وراء الأندلس، كما بيننا وبين الأندلس، ما يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت، وجبالهم الذهب والفضة، لا يحرثون ولا يزرعون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم لها ثمر هي طعامهم، وشجر لها أوراق عراض هي لباسهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن وهب أنه قيل له: أخبرنا من أتى سعالة الريح، وانه رأى بها أربع نجوم كأنها أربعة أقمار؟

فقال وهب: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ إلى قوله: ﴿ مُسَخَّرَاتٌ ﴾ ، قراءة العامة بالنصب في هذه المنسوقات كلها (١) ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ  ﴾ ، فكما حملت على التسخير في هاتين كذلك وجب أن يحمل على التسخير في هذه السورة.

وقوله تعالى: ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ حال مؤكدة؛ لأن تسخيرها قد عُرف بقوله: ﴿ وَسَخَّر ﴾ فجاءت الحال مؤكدة، ومجيء الحال مؤكدة في التنزيل وغيره كثير؛ كقوله: ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ .

و: أنا ابنُ دارَة معروفًا (٢) كَفَى بالنأيِ من أسماءَ كاف (٣) وقرأ ابنُ عامر: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ رفعًا (٤) ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ بالرفع وحدها (٥) ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ حالًا مؤكدة أسوغ من كونها خبرَ مبتدأ محذوف؛ لأن الخبر ينبغي أن يكون مفيدًا، لم يجيء إلا كذلك، والحالُ تجيء مؤكِدة (٦) إذا كان يومٌ ذو كَواكِبَ أَشْنَعَا (٧) حمله على الحال ولم يحمله على الخبر (٨) (١) انظر: "السبعة" ص 370، و"علل القراءات" 1/ 302، و"الحجة للقراء" 5/ 55، و"المبسوط في القراءات" ص 223، و"التيسير" ص 137.

(٢) جزء من بيت لسالم بن دارة (مخضرم)، وتمامه: أنا ابن دارة معروفا بها نَسَبي ...

وهل بدارة يا للناس من عارِ وهو من شواهد سيبويه 2/ 79، وورد في "الخصائص" 3/ 60، و"أمالي ابن الشجري"، و"تفسير ابن عطية" 8/ 382، و"الخزانة" 2/ 145، 3/ 266، == و"دارة": أمُّه، سميت بذلك لجمالها، تشبيها بدارة القمر.

والشاهد: قوله (معروفًا) حال مؤكِّدة لمضمون الجملة قبلها: (أنا ابن دارةَ).

(٣) البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي (جاهلي)، وعجزه: وليس لِحبِّها ما عشتُ شافِ "ديوانه" 142، وفيه: (إذا طال شافي) بدل (ما عشت شافي)، وورد في "أمالي ابن الشجري" 1/ 282، 432، و"الخزانة" 4/ 439، 10/ 477 (عجز)، وورد غير منسوب في "الكامل" 2/ 910، و"المقتضب" 4/ 22، و"الخصائص" 2/ 268 (صدر)، و"المنصف" 2/ 115، و"الموضح في وجوه القراءات" 2/ 732 (صدر)، و"شرح المفصل" 6/ 50، 10/ 103.

(النأي) البعد، (أسماء) امرأة؛ يريد كفى النأي من أسماء كفايةً.

والشاهد قوله: (كافٍ) على أنه حال مؤكدة؛ لأنه إذا كفى فهو كافٍ لا محالة.

(٤) انظر: "السبعة" ص 370، و"علل القراءات" 1/ 301، و"الحجة للقراء" 5/ 55، و"المبسوط في القراءات" ص 223، و"التيسير" ص 137.

(٥) انظر: المراجع السابقة.

(٦) نقل القراءات في الآية وتوجيهها من "الحجة للقراء" 5/ 55، بتصرف، وانظر: كذلك التوجيه النحوي للقراءات في: "علل القراءات" 1/ 302، و"الحجة في القراءات" ص 209، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 35، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 732.

(٧) البيت لعمرو بن شَأس مخضرم (توفي نحو سنة20 هـ) وصدره: بَنِي أسدٍ هلْ تعلمونَ بلاءَنا "شعر عمرو بن شأس" ص 36، وورد في "الكتاب" 1/ 47، و"الحجة للقراء" 1/ 148، و"الأزهية" ص 186، و"الخزانة" 8/ 521، ويروى (يومًا ذا كواكب)، أراد إذا كان اليوم يومًا، وأضمر لِعلم المخاطب، ومعناه: إذا كان اليومُ الذي يقع فيه القتال، و (كان) في الوجهين بمعنى وقع.

(الشناعة) الفظاعة، والتشنيع: التشمير، وشنَّعَ النجم: ارتفع في السماء، والشاعر يصف حربًا وشدةً، والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شِدَّة: يومٌ مظلمٌ، حتى إنهم ليقولون: يومٌ ذو كواكب؛ أي اشتدّت ظُلْمته حتى صار كالليل.

انظر: (شنع) في: "المحيط في اللغة" ا/ 288، و"الصحاح" 3/ 1239، و"اللسان" 4/ 2339.

(٨) قال أبو علي: فجعل أي سيبويه (أشنعا) حالاً ولم يجعله خبرًا؛ لأن فيما تقدم من صفة الاسم ما يدل علي الخبر، فيصير الخبر لا يفيد زيادة معنى.

"الحجة للقراء" 1/ 148.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وعلى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أي على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ مَآءً لَّكُم ﴾ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي ترعون أنعامكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثاً، إنما خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

من [لا يخلق، ولا ينفع]، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضّر، ويدفع  عن ذلك وتبرأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنساناً - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنساناً على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة.

وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ : هو الذي يجادل بالباطل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : أي: ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته.

وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان.

قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصِم، والمخاصَم كلاهما خصيم، ويقال: فلان [خصيمي أي:] خصمي.

مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعاً؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن الخصومة؛ بيّن انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ فهذا احتجاج عليه؛ فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها دفئاً ومنافع؛ كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ : أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء.

ثم قوله: ﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ : قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة.

وقال بعضهم: ما ينتج منه.

وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسّر في آية أخرى؛ وهو قوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 80] جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحرّ، والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 21\] وأخبر أيضاً أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ .

فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها حين الإراحة وحين السرح.

وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالا أسنمتها.

﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ إذا سرحت لرعيها.

أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ألبانها؛ في الرواح والمساء.

وقال بعضهم قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يسّرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد لهم جمالا وحسناً، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالاً، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم نقصاناً في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحاً وتشويهاً.

وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرّحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون [إلى غيرهم، وأن] يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .

ذكر أيضاً ما جعل [فيها لنا] من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواماً ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.

وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله  موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.

فيجاب لهم بوجوه: أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.

فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.

وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر.

قال أبو عبيد: ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك الموضع: المراح.

وقوله: ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحاً وسروحاً.

وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة.

والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .

قوله: ﴿ وَزِينَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصاناً في الوجه والركوب لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .

والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ...

﴾ الآية [النحل: 5] ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ بيّن أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون، وبيّن أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها وزينة.

وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟

فقرأ: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك.

وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...

﴾ الآية، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ  ﴾ وقال: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكراً شافياً مبالغاً غير مكفيّ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره.

والله أعلم.

والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله.

والله أعلم.

وروي عن جابر قال: "لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله  لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة" .

وروي عن جابر  عن النبي  خلاف ذلك قال: "أطعمنا رسول الله  لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" .

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "نحرنا فرساً في عهد رسول الله  فأكلنا" .

وفي بعض الأخبار: "أن رسول الله  نهى عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل" .

قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحاً، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت.

وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله  يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأساً على كل حال، وقول الحسن: إنهم كانوا [يأكلون لحوم الخيل] في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة.

روي عن النبي  أنه قال: "الخيل لثلاثة: فهي لرجل كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر" .

يبيّن أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ ولقال: ولرجل طعام.

ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضاً حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو كبعضها، فمن حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حماراً أهليّاً نزا على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراماً وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك.

إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله  ؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح أكلها.

وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمارٌ أهلي بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن سبيلها بسبيله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك.

أو يخلق من النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم.

أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئاً لا يطلعه الممتحن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل.

وقال بعضهم: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ أي: وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ .

وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ أي: لربهم، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ [ ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ : وهي السبل المتفرقة عن سبيله].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ فيهتدون.

والثاني: لو شاء أعطاهم جميعاً الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعاً، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وذلَّلَ الله لكم الليل لتسكنوا فيه وتستريحوا، والنهار لتكسبوا فيه ما تعيشون به، وسخر لكم الشمس، وجعلها ضياء، والقمر وجعله نورًا، والنجوم مذللات لكم بأمره القدري، بها تهتدون في ظلمات البر والبحر، وتعلمون الأوقات وغير ذلك، إن في تسخير ذلك كله لدلالات واضحة على قدرة الله لقوم يُعْمِلون عقولهم، فهم الذين يدركون الحكمة منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.2lAJ3"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله