تفسير الآية ١٣ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٣ من سورة النحل

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ١٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٣ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه ) لما نبه سبحانه على معالم السماوات ، نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة ، من الحيوانات والمعادن والنباتات [ والجمادات ] على اختلاف ألوانها وأشكالها ، وما فيها من المنافع والخواص ( إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) أي : آلاء الله ونعمه فيشكرونها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني جلّ ثناؤه بقوله ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ ) وسخر لكم ما ذرأ: أي ما خلق لكم في الأرض مختلفا ألوانه من الدوابّ والثمار.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ ) يقول: وما خلق لكم مختلفا ألوانه من الدوابّ ، ومن الشجر والثمار، نعم من الله متظاهرة فاشكروها لله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: من الدوابّ والأشجار والثمار ، ونصب قوله مختلفا ، لأن قوله (وما) في موضع نصب بالمعنى الذي وصفت.

وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون مختلفا ألوانه حالا من " ما "، والخبر دونه تامّ، ولو لم تكن " ما " في موضع نصب، وكان الكلام مبتدأ من قوله ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ ) لم يكن في مختلف إلا الرفع، لأنه كان يصير مرافع " ما " حينئذ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وما ذرأ أي وسخر ما ذرأ في الأرض لكم .

ذرأ أي خلق ; ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم ، فهو ذارئ ; ومنه الذرية وهي نسل الثقلين ، إلا أن العرب تركت همزها ، والجمع الذراري .

يقال : أنمى الله ذرأك وذروك ، أي ذريتك .

وأصل الذرو والذرء التفريق عن جمع .

وفي الحديث : ذرء النار ; أي أنهم خلقوا لها .الثانية : ما ذرأه الله سبحانه منه مسخر مذلل كالدواب والأنعام والأشجار وغيرها ، ومنه غير ذلك .

والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار قال : لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا .

فقيل له : وما هن ؟

فقال : أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه ، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم ، من شر ما خلق وبرأ وذرأ .

وفيه عن يحيى بن سعيد أنه قال : أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار ، الحديث .

وفيه : وشر ما ذرأ في الأرض .

وقد ذكرناه وما في معناه في غير هذا الموضع .[ ص: 78 ] الثالثة : قوله تعالى : مختلفا ألوانه مختلفا نصب على الحال .

وألوانه هيئاته ومناظره ، يعني الدواب والشجر وغيرها .إن في ذلك أي في اختلاف ألوانها .لآية أي لعبرة .لقوم يذكرون أي يتعظون ويعلمون أن في تسخير هذه المكونات لعلامات على وحدانية الله - تعالى - ، وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فيما ذرأ الله ونشر للعباد من كل ما على وجه الأرض، من حيوان وأشجار ونبات، وغير ذلك، مما تختلف ألوانه، وتختلف منافعه، آية على كمال قدرة الله وعميم إحسانه، وسعة بره، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } أي: يستحضرون في ذاكرتهم ما ينفعهم من العلم النافع، ويتأملون ما دعاهم الله إلى التأمل فيه حتى يتذكروا بذلك ما هو دليل عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما ذرأ ) خلق ، ( لكم ) لأجلكم ، أي : وسخر ما خلق لأجلكم ، ( في الأرض ) من الدواب والأشجار والثمار وغيرها ، ( مختلفا ) نصب على الحال ، ( ألوانه ) ( إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) يعتبرون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» سخر لكم «ما ذرَأ» خلق «لكم في الأرض» من الحيوان والنبات وغير ذلك «مختلفاً ألوانه» كأحمر وأصفر وأخضر وغيرها «إن في ذلك لآية لقوم يذكَّرون» يتعظون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وسخَّر ما خلقه لكم في الأرض من الدوابِّ والثمار والمعادن، وغير ذلك مما تختلف ألوانه ومنافعه.

إن في ذلك الخَلْق واختلاف الألوان والمنافع لَعبرةً لقوم يتعظون، ويعلمون أنَّ في تسخير هذه الأشياء علاماتٍ على وحدانية الله تعالى وإفراده بالعبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ) .

.

معطوف على ما قبله من النعم وأصل الذرأ : الخلق بالتناسل والتوالد عن طريق الحمل والتفريخ .قال القرطبى : ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا ، أى خلقهم ، ومنه الذرية وهى نسل الثقلين ، والجمع الذرارى ، ويقال : أنمى الله ذرأك وذروك أى : ذريتك .والمعنى : وسخر لكم - أيضاً - ما أوجده فى الأرض من أجل منفعتكم من عجائب الأمور ، ومختلف الأشياء ، من حيوان ونبات ، ومعادن مختلفة الألوان والأجناس والخواص .ولا شك أن فى اختلاف الألوان والمناظر والهيئات وغير ذلك ، فيه الدلالة الواضحة على قدرة الله - تعالى - وعلى أنه الخالق لكل شئ .قال - تعالى - ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ .

.

.

) ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) أى : إن فى ذلك الذى بيناه لكم ، لآية واضحة على قدرة الله - تعالى - لقوم يعتبرون ، ويتذكرون آلاء الله ونعمه ، فيشكرونه عليها ، ويخلصون له العبادة .وبعد أن ذكر - سبحانه - جملة من نعمه التى أوجدها لعباده فى البر ، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه عليهم عن طريق خلقه للبحر ، فقال - تعالى - : ( وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال الذي ذكرناه من وجهين: الأول: أن نقول: إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية والتشكلات الكوكبية إلا أنه لابد لحركاتها واتصالاتها من أسباب، وأسباب تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور مغايرة لها، والأول باطل لوجهين: الأول: أن الأجسام متماثلة، فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة وهو محال، والثاني: أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلاً، وذلك يوجب كونه ساكناً، ويمنع من كونه متحركاً، فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكناً لذاته وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلاً، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركاً لكونه جسماً، فبقي أن يكون متحركاً لغيره، وذلك الغير إما أن يكون سارياً فيه أو مبايناً عنه، والأول باطل، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور مباينة عنها، وذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً عاد التقسم الأول فيه، وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً فإما أن يكون موجباً بالذات أو فاعلاً مختاراً والأول باطل، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض، ولما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك والكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه جسماً وجسمانياً، وذلك هو الله تعالى، فالحاصل أنا ولو حكمنا بإسناد حوادث العالم السفلي إلى الحركات الفلكية والكوكبية فهذه الحركات الكوكبية والفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى وإلا لزم التسلسل وهو محال، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله تعالى، وإذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية، وثبت أن الحركات الفلكية حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه، فكان هذا اعترافاً بأن الكل من الله تعالى وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر ﴾ يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل تعاقب الليل والنهار وحركات الشمس والقمر، فهذه الأشياء لابد وأن يكون حدوثها بتخليق الله تعالى وتسخيره قطعاً للتسلسل، ولما تم هذا الدليل في هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يعني أن كل من كان عاقلاً علم أن القول بالتسلسل باطل ولا بد من الانتهاء في آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير فهذا تقرير أحد الجوابين.

والجواب الثاني عن ذلك السؤال أن نقول: نحن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث النبات والحيوان لأجل تأثير الطباع والأفلاك والأنجم، وذلك لأن تأثير الطبائع والأفلاك والأنجم والشمس والقمر بالنسبة إلى الكل واحد، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان قشره على طبع وعجمه على طبع ولحمه على طبع ثالث وماؤه على طبع رابع، بل نقول: إنا نرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة، والوجه الثاني من تلك الورقة في غاية الحمرة وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة، ونعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة، نسبة واحدة، والطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلاً واحداً، ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابهاً، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضاً إذا وضعنا الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة، وثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابهاً وثبت أن الأثر غير متشابه، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة، والوجه الثاني في غاية الحمرة فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات والألوان والأحوال ليس هو الطبيعة، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ .

واعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، فلما دل الحس في هذه الأجسام النباتية على اختلاف صفاتها وتنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجباً بالذات بل فاعلاً مختاراً فهذا تمام تقرير هذه الدلائل وثبت أن ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ والآية الثانية بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ والآية الثالثة بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ هو الذي نبه على هذه الفوائد النفيسة والدلائل الظاهرة والحمد لله على ألطافه في الدين والدنيا.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: ﴿ والشمس والقمر والنجوم ﴾ كلها بالرفع على الابتداء والخبر هو قوله: ﴿ مسخرات ﴾ وقرأ حفص عن عاصم: ﴿ والنجوم ﴾ بالرفع على أن يكون قوله: ﴿ والنجوم ﴾ ابتداء وإنما حملها على هذا لئلا يتكرر لفظ التسخير، إذ العرب لا تقول سخرت هذا الشيء مسخراً فجوابه أن المعنى أنه تعالى سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرة تحت قدرته وإرادته، وهذا هو الكلام الصحيح، والتقدير: أنه تعالى سخر للناس هذه الأشياء وجعلها موافقة لمصالحها حال كونها مسخرة تحت قدرة الله تعالى وأمره وإذنه، وعلى هذا التقدير فالتكرير الخالي عن الفائدة غير لازم والله أعلم.

بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: التسخير عبارة عن القهر والقسر، ولا يليق ذلك إلا بمن هو قادر يجوز أن يقهر، فكيف يصح ذلك في الليل والنهار وفي الجمادات والشمس والقمر؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لما دبر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة لمصالح العباد صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع، فلهذا المعنى أطلق على هذا النوع من التدبير لفظ التسخير.

وعن الوجه الثاني في الجواب: وهو لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب علم الهيئة، وذلك لأنهم يقولون: الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق والله تعالى يحرك هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، فكانت هذه الحركة قسرية، فلهذا السبب ورد فيها اللفظ التسخير.

السؤال الثاني: إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس كان ذكر النهار والليل مغنياً عن ذكر الشمس.

والجواب: أن حدوث النهار والليل ليس بسبب حركة الشمس، بل حدوثهما بسبب حركة الفلك الأعظم الذي دللنا على أن حركته ليست إلا بتحريك الله سبحانه، وأما حركة الشمس فإنها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم.

السؤال الثالث: ما معنى قوله: ﴿ مسخرات بِأَمْرِهِ ﴾ والمؤثر في التسخير هو القدرة لا الأمر.

والجواب: أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات أم لا، وأكثر المسلمين على أنها جمادات، فلا جرم حملوا الأمر في هذه الآية على الخلق والتقدير، ولفظ الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ومن الناس من يقول إنها ليست جمادات فهاهنا يحمل الأمر على الأذن والتكليف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ ﴾ معطوف على الليل والنهار يعني: ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك مختلف الهيآت والمناطر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ ﴾ بِأنْ هَيَّأها لِمَنافِعِكم.

﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ بِأمْرِهِ حالٌ مِنَ الجَمِيعِ أيْ نَفَعَكم بِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِلَّهِ تَعالى خَلَقَها ودَبَّرَها كَيْفَ شاءَ، أوْ لِما خُلِقْنَ لَهُ بِإيجادِهِ وتَقْدِيرِهِ أوْ لِحُكْمِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى أنْ يُقالَ إنَّ المُؤَثِّرَ في تَكْوِينِ النَّباتِ حَرَكاتُ الكَواكِبِ وَأوْضاعُها، فَإنَّ ذَلِكَ إنْ سُلِّمَ فَلا رَيْبَ في أنَّها أيْضًا مُمْكِنَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ واقِعَةٌ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ مُخَصِّصٍ مُخْتارٍ واجِبِ الوُجُودِ دَفْعًا لِلدَّوْرِ والتَّسَلْسُلِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ جُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ.

وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ فَيَكُونُ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ ورَفَعَ ابْنُ عامِرٍ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْضًا.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ جَمَعَ الآيَةَ، وذَكَرَ العَقْلَ لِأنَّها تَدُلُّ أنْواعًا مِنَ الدَّلالَةِ ظاهِرَةً لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ غَيْرَ مُحْوِجَةٍ إلى اسْتِيفاءِ فِكْرٍ كَأحْوالِ النَّباتِ.

﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ اللَّيْلَ ﴾ ، أيْ وسَخَّرَ لَكم ما خَلَقَ لَكم فِيها مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ.

﴿ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أصْنافُهُ فَإنَّها تَتَخالَفُ بِاللَّوْنِ غالِبًا.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ إنَّ اخْتِلافَها في الطِّباعِ والهَيْئاتِ والمَناظِرِ لَيْسَ إلّا بِصُنْعِ صانِعٍ حَكِيمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الأرض} معطوف على الليل والنهار أي ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك {مُخْتَلِفًا} حال {أَلْوَانُهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} يتعظون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما ذَرَأ ﴾ أيْ خَلَقَ ومِنهُ الذُّرِّيَّةُ عَلى قَوْلٍ والعَطْفُ عِنْدَ بَعْضٍ عَلى ( النُّجُومَ ) رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ- لِـ جَعَلَ- وما مَوْصُولَةٌ أيْ والَّذِي ذَرَأهُ ﴿ لَكم في الأرْضِ ﴾ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ، وقِيلَ: مِنَ المَعادِنِ ولا بَأْسَ في التَّعْمِيمِ فِيما أرى حالَ كَوْنِهِ ﴿ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أيْ أصْنافُهُ كَما قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهو مَجازٌ مَعْرُوفٌ في ذَلِكَ، قالَ الرّاغِبُ: الألْوانُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الأجْناسِ والأنْواعِ يُقالُ: فُلانٌ أتى بِألْوانٍ مِنَ الحَدِيثِ والطَّعامِ وكانَ ذَلِكَ لِما أنَّ اخْتِلافَها غالِبًا يَكُونُ بِاخْتِلافِ اللَّوْنِ، وقِيلَ: المُرادُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ أيْ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِهِما والأوَّلُ أبْلَغُ أيْ ذَلِكَ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِما خَلَقَ لَهُ مِنَ الخَواصِّ والأحْوالِ والكَيْفِيّاتِ أوْ جَعَلَ ذَلِكَ مُخْتَلِفَ الألْوانِ والأصْنافِ لِتَتَمَتَّعُوا بِأيِّ صِنْفٍ شِئْتُمْ مِنهُ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَوْصُولَ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ في ذَلِكَ شِبْهَ التَّكْرارِ بِناءً عَلى أنَّ اللّامَ في ( لَكم ) لِلنَّفْعِ وقَدْ فَسَّرَ ( سَخَّرَ لَكُمُ ) لِنَفْعِكم فَمَآلُ المَعْنى نَفَعَكم بِما خَلَقَ لِنَفْعِكم فالأوْلى جَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ خَلَقَ أوْ أنْبَتَ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ ويَجْعَلُ ( مُخْتَلِفًا ) حالًا مِن مَفْعُولِهِ واعْتَذَرَ بِأنَّ الخَلْقَ لِلْإنْسانِ لا يَسْتَلْزِمُ التَّسْخِيرَ لُزُومًا عَقْلِيًّا، فَإنَّ الغَرَضَ قَدْ يَتَخَلَّفُ مَعَ أنَّ الإعادَةَ لِطُولِ العَهْدِ لا تُنْكَرُ.

ورُدَّ بِأنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِ المَعْنى نَفَعَكم وما ذَكَرَ عِلاوَةً مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ ( لَكم ) مُتَعَلِّقَةً- بِـ سَخَّرَ- أيْضًا وهي عِنْدَ ذَلِكَ الذّاهِبِ مُتَعَلِّقَةٌ كَما هو الظّاهِرُ بِـ ذَرَأ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ التَّكْرارَ لِما ذُكِرَ ولِلتَّأْكِيدِ أمْرٌ سَهْلٌ، وكَوْنُ المَعْنى نَفَعَكم لا يَأْباهُ مَعَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ سِيقَتْ كالفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَها ولِذا خُتِمَتْ بِالتَّذَكُّرِ، ولَيْسَ لِمَن يُمَيِّزُ بَيْنَ الشِّمالِ واليَمِينِ أنْ يَقُولَ: ما مُبْتَدَأٌ (ومُخْتَلِفًا) حالٌ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ خَبَرُهُ والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ  ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ، وما ذَرَأهُ لَكم في الأرْضِ إنْ فِيهِ لَآيَةً، وحاصِلُهُ تَعالى أنَّ فِيما ذَرَأ لَآيَةً لِظُهُورِ مُخالَفَةِ الآيَةِ عَلَيْهِ السِّباقُ والسِّياقُ بَلْ عَدَمُ لِياقَتِهِ لِأنْ يَكُونَ مَحْمَلًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ أظْهَرُ مِن أنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ، «و» ألْوانُهُ، عَلى ألْوانِ الِاحْتِمالاتِ مَرْفُوعٌ بِمُخْتَلِفًا وقَدَّرَ بَعْضُهم لِيَصِحَّ رَفْعُهُ بِهِ مَوْصُوفًا وقالَ: أيْ صِنْفًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ وهو مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ كَما يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَدَرُّبٍ في عِلْمِ النَّحْوِ، ثُمَّ إنَّ المُشارَ إلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّسْخِيرِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: اخْتِلافُ الألْوانِ وتَنْوِينُ آيَةً لِلتَّفْخِيمِ آيَةٌ فَخِيمَةٌ بَيِّنَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ واحِدٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ وخَتْمُ الآيَةِ بِالتَّذَكُّرِ إمّا لِما في الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ مِن أنَّها كالفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَها وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الأمْرَ ظاهِرٌ جِدًّا غَيْرُ مُحْتاجٍ إلّا إلى تَذَكُّرِ ما عَسى يُغْفَلُ عَنْهُ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَذْكُرُونَ أنَّ اخْتِلافَ طَبائِعِ ما ذُكِرَ وهَيْئاتِهِ وأشْكالِهِ مَعَ اتِّحادِ مادَّتِهِ يَدُلُّ عَلى الفاعِلِ الحَكِيمِ المُخْتارِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ ما ذُكِرَ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ وُجُودِ الصّانِعِ كَما أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ واقْتَدى بِهِ غَيْرُهُ، ولَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُ الإسْلامِ بِناءً عَلى أنَّ الخَصْمَ لا يُنازِعُ في الوُجُودِ وإنَّما يُنازِعُ في الوَحْدانِيَّةِ فَجِيءَ بِما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً مِن وحْدانِيَّتِهِ تَعالى واسْتِحالَةِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ في الأُلُوهِيَّةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِدْلالَ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ عَلى مَجْمُوعِ الوُجُودِ والوَحْدانِيَّةِ والخَصْمُ يُنْكِرُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُنْكِرِ الوُجُودَ وكانَ في أخْذِ الوُجُودِ في المَطْلُوبِ إشارَةً إلى أنَّ القَوْلَ بِهِ مَعَ زَعْمِ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدَمِ القَوْلِ بِهِ كَثِيرُ نَفْعٍ فَتَدَبَّرْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وهو ما يستقر في الأرض من الغدران، وتشربون منه، وتسقون أنعامكم وَمِنْهُ شَجَرٌ أي: ومن الماء ما يتشرّب في الأرض، فينبت منه الشجر والنبات فِيهِ تُسِيمُونَ أي: ترعون أنعامكم.

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ أي: يخرج لكم بالمطر الزرع، وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ أي: الكروم وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من ألوان الثمرات.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ننبت لَكُمْ بالنون.

وقرأ الباقون بالياء، ومعناهما واحد.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: فيما ذكر من نزول المطر وخروج النبات لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في آياته.

ثم قال عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي ذلّل لكم الليل والنهار لمعايشكم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي: خلق الشمس والقمر وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ أي: مذللات بإذنه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعبرات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: لمن له ذهن الإنسانية.

ثم قال عز وجل: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: وما خلق لكم في الأرض من الدواب والأشجار والثمار مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي في اختلاف ألوانها لعبرة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي: يتعظون.

قرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم كلها بالرفع على معنى الابتداء.

وقرأ عاصم في رواية حفص وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بالنصب على معنى البناء، أي: سخر لكم الشمس والقمر.

ثم ابتدأ فقال: وَالنُّجُومُ بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون الثلاثة كلها بالنصب، ويكون بمعنى المفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .

انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.

وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:

خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.

وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :

الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.

انتهى.

وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .

وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...

الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ: ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿ وَمِنها ﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ: [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] .

.

.

.

∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ: يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ.

و ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ: تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ.

والجُسْأةُ: اليَبَسُ.

والبَدَدُ: السَّعَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.

و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ.

وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ  ﴾ ، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ وكَما قالَ الشاعِرُ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ الليل والنهار ﴾ [سورة النحل: 12]، أي وسخّر لكم ما ذرأ لكم في الأرض.

وهو دليل على دقيق الصّنع والحكمة لقوله تعالى: مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } .

وأومئ إلى ما فيه من منّة بقوله ﴿ لكم ﴾ .

والذرء: الخلق بالتناسل والتوّلد بالحمل والتفريخ، فليس الإنبات ذرءاً، وهو شامل للأنعام والكراع (وقد مضت المنّة به) ولغيرها مثل كلاب الصيد والحراسة، وجوارح الصيد، والطيور، والوحوش المأكولة، ومن الشجر والنبات.

وزيد هنا وصف اختلاف ألوانه وهو زيادة للتعجيب ولا دخل له في الامتنان، فهو كقوله تعالى: ﴿ تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ في سورة الرعد (4)، وقوله تعالى: ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ﴾ في سورة فاطر (27).

وبذلك صار هذا آية مستقلة فلذلك ذيّله بجملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾ ، ولكون محل الاستدلال هو اختلاف الألوان مع اتّحاد أصل الذرء أفردت الآية في قوله تعالى: ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ .

والألوان: جمع لون.

وهو كيفية لسطوح الأجسام مدركة بالبصر تنشأ من امتزاج بعض العناصر بالسطح بأصل الخلقة أو بصبغها بعنصر ذي لون معروف.

وتنشأ من اختلاط عنصرين فأكثر ألوانٌ غير متناهية.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا ادع لنا ربك يبيّن لنا ما لونها ﴾ في سورة البقرة (69).

ونيط الاستدلال باختلاف الألوان بوصف التذكّر لأنه استدلال يحصل بمجرّد تذكّر الألوان المختلفة إذ هي مشهورة.

وإقحام لفظ (قوم) وكون الجملة تذييلاً تقدم آنفاً.

وأبدى الفخر في درة التنزيل } وجهاً لاختلاف الأوصاف في قوله تعالى: ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ [سورة النحل: 11] وقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ [سورة النحل: 12] وقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ : بأن ذلك لمراعاة اختلاف شدّة الحاجة إلى قوة التأمل بدلالة المخلوقات الناجمة عن الأرض يحتاج إلى التفكر، وهو إعمال النظر المؤدي إلى العلم.

ودلالة ما ذرأه في الأرض من الحيوان محتاجة إلى مزيد تأمّل في التفكير للاستدلال على اختلاف أحوالها وتناسلها وفوائدها، فكانت بحاجة إلى التذكّر، وهو التفكّر مع تذكّر أجناسها واختلاف خصائصها.

وأما دلالة تسخير الليل والنهار والعوالم العلوية فلأنها أدقّ وأحوج إلى التعمّق.

عبر عن المستدلّين عليها بأنهم يعقلون، والتعقّل هو أعلى أحوال الاستدلال ا ه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ الحَقِّ في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِهِ ومِنهم جائِرٌ عَنِ الحَقِّ في حُكْمِهِ.

الثّانِي: وعَلى اللَّهِ أنْ يَهْدِيَ إلى قَصْدِ الحَقِّ في بَيانِ السَّبِيلِ، ومِنهم جائِرٌ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أيْ عادِلٌ عَنْهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِلَلُ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقولون البيان ﴿ ومنها جائر ﴾ قال الأهواء المختلفة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقول: على الله يبين الهدى والضلالة، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال السبيل المتفرقة.

واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الحق على الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال: على الله بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: على السبيل ناكب عن الحق وفي قراءة ابن مسعود ﴿ ومنكم جائر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف، عن علي أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ فمنكم جائر ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الهدى، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: من السبل جائر عن الحق، وقرأ ﴿ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ [ الأنعام: 153] ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ لقصد السبيل الذي هو الحق وقرأ ﴿ ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ [ يونس: 99] ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ [ السجدة: 13] والله أعلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال ترعون فيه أنعامكم.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال فيه ترعون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: ومشى القوم بالعماد إلى الدو ** حاء أعماد المسيم بن المساق وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ قال ما خلق لكم في الأرض مختلفاً: من الدواب، والشجر، والثمار.

نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله عز وجل، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ ﴾ أي لأجلكم، وهو عطف على ما قبله من المسخرات.

وقوله تعالى: ﴿ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ أي هيأته ومناظره، يعني الدواب والأشجار وغيرها، ونصب مختلفًا على الحال، وذو الحال: ﴿ وَمَا ﴾ العامل فيها قوله: ﴿ سَخَّرَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وعلى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أي على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ مَآءً لَّكُم ﴾ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي ترعون أنعامكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثاً، إنما خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

من [لا يخلق، ولا ينفع]، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضّر، ويدفع  عن ذلك وتبرأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنساناً - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنساناً على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة.

وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ : هو الذي يجادل بالباطل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : أي: ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته.

وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان.

قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصِم، والمخاصَم كلاهما خصيم، ويقال: فلان [خصيمي أي:] خصمي.

مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعاً؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن الخصومة؛ بيّن انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ فهذا احتجاج عليه؛ فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها دفئاً ومنافع؛ كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ : أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء.

ثم قوله: ﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ : قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة.

وقال بعضهم: ما ينتج منه.

وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسّر في آية أخرى؛ وهو قوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 80] جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحرّ، والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 21\] وأخبر أيضاً أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ .

فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها حين الإراحة وحين السرح.

وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالا أسنمتها.

﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ إذا سرحت لرعيها.

أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ألبانها؛ في الرواح والمساء.

وقال بعضهم قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يسّرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد لهم جمالا وحسناً، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالاً، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم نقصاناً في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحاً وتشويهاً.

وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرّحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون [إلى غيرهم، وأن] يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .

ذكر أيضاً ما جعل [فيها لنا] من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواماً ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.

وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله  موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.

فيجاب لهم بوجوه: أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.

فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.

وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر.

قال أبو عبيد: ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك الموضع: المراح.

وقوله: ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحاً وسروحاً.

وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة.

والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .

قوله: ﴿ وَزِينَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصاناً في الوجه والركوب لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .

والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ...

﴾ الآية [النحل: 5] ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ بيّن أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون، وبيّن أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها وزينة.

وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟

فقرأ: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك.

وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...

﴾ الآية، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ  ﴾ وقال: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكراً شافياً مبالغاً غير مكفيّ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره.

والله أعلم.

والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله.

والله أعلم.

وروي عن جابر قال: "لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله  لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة" .

وروي عن جابر  عن النبي  خلاف ذلك قال: "أطعمنا رسول الله  لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" .

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "نحرنا فرساً في عهد رسول الله  فأكلنا" .

وفي بعض الأخبار: "أن رسول الله  نهى عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل" .

قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحاً، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت.

وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله  يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأساً على كل حال، وقول الحسن: إنهم كانوا [يأكلون لحوم الخيل] في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة.

روي عن النبي  أنه قال: "الخيل لثلاثة: فهي لرجل كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر" .

يبيّن أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ ولقال: ولرجل طعام.

ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضاً حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو كبعضها، فمن حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حماراً أهليّاً نزا على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراماً وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك.

إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله  ؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح أكلها.

وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمارٌ أهلي بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن سبيلها بسبيله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك.

أو يخلق من النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم.

أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئاً لا يطلعه الممتحن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل.

وقال بعضهم: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ أي: وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ .

وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ أي: لربهم، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ [ ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ : وهي السبل المتفرقة عن سبيله].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ فيهتدون.

والثاني: لو شاء أعطاهم جميعاً الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعاً، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وسخر لكم ما خلق سبحانه في الأرض مما اختلفت ألوانه من المعادن والحيوان والنبات والزروع، إن في ذلك المذكور من الخلق والتسخير لدلالة جلية على قدرة الله سبحانه لقوم يعتبرون به، ويدركون أن قادر ومنعم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ea8LE"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله