الآية ١٢ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢ من سورة النحل

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينبه تعالى عباده على آياته العظام ، ومننه الجسام ، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان ، والشمس والقمر يدوران ، والنجوم الثوابت والسيارات ، في أرجاء السموات نورا وضياء لمهتدين بها في الظلمات ، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه ، يسير بحركة مقدرة ، لا يزيد عليها ولا ينقص منها ، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسييره ، كما قال : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] ; ولهذا قال : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) أي : لدلالات على قدرته الباهرة وسلطانه العظيم ، لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ومن نِعَمه عليكم أيها الناس مع التي ذكرها قبل أن سخر لكم الليل والنهار يتعاقبان عليكم، هذا لتصرّفكم في معاشكم ، وهذا لسكنكم فيه ، ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) لمعرفة أوقات أزمنتكم وشهوركم وسنينكم ، وصلاح معايشكم ( وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ ) لكم بأمر الله تجري في فلكها لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله ذلك على ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبيهه إياهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [ ص: 77 ] قوله تعالى : وسخر لكم الليل والنهار أي للسكون والأعمال ; كما قال : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله .والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات .

وقرأ ابن عامر وأهل الشام والشمس والقمر والنجوم مسخرات بالرفع على الابتداء والخبر .

الباقون بالنصب عطفا على ما قبله .

وقرأ حفص عن عاصم برفع " والنجوم " ، مسخرات خبره .

وقرئ والشمس والقمر والنجوم بالنصب .

مسخرات بالرفع ، وهو خبر ابتداء محذوف أي هي مسخرات ، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة ; كقوله : وهو الحق مصدقا .إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون أي يعقلون عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: سخر لكم هذه الأشياء لمنافعكم وأنواع مصالحكم بحيث لا تستغنون عنها أبدا، فبالليل تسكنون وتنامون وتستريحون، وبالنهار تنتشرون في معايشكم ومنافع دينكم ودنياكم، وبالشمس والقمر من الضياء والنور والإشراق، وإصلاح الأشجار والثمار والنبات، وتجفيف الرطوبات، وإزالة البرودة الضارة للأرض، وللأبدان، وغير ذلك من الضروريات والحاجيات التابعة لوجود الشمس والقمر.

وفيهما وفي النجوم من الزينة للسماء والهداية في ظلمات البر والبحر، ومعرفة الأوقات وحساب الأزمنة ما تتنوع دلالاتها وتتصرف آياتها، ولهذا جمعها في قوله { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لمن لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر فيما هي مهيأة له مستعدة تعقل ما تراه وتسمعه، لا كنظر الغافلين الذين حظهم من النظر حظ البهائم التي لا عقل لها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وسخر لكم ) [ ذلل لكم ] ( الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات ) مذللات ، ( بأمره ) أي : بإذنه ، وقرأ حفص ( والنجوم مسخرات ) بالرفع على الابتداء .

( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وسخَّر لكم الليل والنهار والشمس» بالنصب عطفاً على ما قبله والرفع مبتدأ «والقمر والنجوم» بالوجهين «مسخرات» بالنصب حال والرفع خبر «بأمره» بإرادته «إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» يتدبرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وسخَّر لكم الليل لراحتكم، والنهار لمعاشكم، وسخَّر لكم الشمس ضياء، والقمر نورًا ولمعرفة السنين والحساب، وغير ذلك من المنافع، والنجوم في السماء مذللات لكم بأمر الله لمعرفة الأوقات، ونضج الثمار والزروع، والاهتداء بها في الظلمات.

إن في ذلك التسخير لَدلائلَ واضحةً لقوم سيعقلون عن الله حججه وبراهينه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( سخر ) من التسخير بمعنى التذليل والتكليف ، يقال .

سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإِعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به أى : ومن آياته سبحانه الدالة على وحدانيته وقدرته ، أنه ( سَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار ) يتعاقبان فيكم لتسكنوا فى الليل ، ولتبتغوا الرزق بالنهار .وأنه - سبحانه - سخر لكم ( الشمس والقمر ) يدأبان فى سيرهما بدون كلل أو اضطراب ، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم بنظام ثابت ، كما قال - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وأنه - سبحانه - أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه ، لكى تهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر .هذا وقد قرأ جمهور القراء هذه الأسماء : الليل والنهار .

.

.

إلخ بالنصب على المفعولية لفعل ( سخر ) كما قرأ الجمهور .

أيضاً .

( مسخرات ) بالنصب على الحالية .وقرأ ابن عامر : ( والشمس والقمر والنجوم ) بالرفع على الابتداء ، وقرأ - أيضا قوله - ( مسخرات ) ، بالرفع على أنه خبر عنها .وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات ، على أنهما مبتدأ وخبر : أما بقية الأسماء السابقة فقرأها بالنصب .وقوله ( بأمره ) متعلق بمسخرات .

والمراد بأمره : إرادته ومشيئته وتدبيره ، الجارى على هذا الكون وفق حكمته وإذنه .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .أى : إن فى ذلك المذكور من تسخير الليل والنهار وغيرهما لمنفعتكم ومصلحتكم - يا بنى آدم - لآيات بينات ، ودلائل واضحات ، على وجوب العبادة لله - تعالى - وحده ، لقوم يعقلون نعم الله - تعالى - ، ويستدلون بها على وحدانيته - سبحانه - وقدرته .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً والشمس والقمر والنجوم مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال الذي ذكرناه من وجهين: الأول: أن نقول: إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية والتشكلات الكوكبية إلا أنه لابد لحركاتها واتصالاتها من أسباب، وأسباب تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور مغايرة لها، والأول باطل لوجهين: الأول: أن الأجسام متماثلة، فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة وهو محال، والثاني: أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلاً، وذلك يوجب كونه ساكناً، ويمنع من كونه متحركاً، فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكناً لذاته وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلاً، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركاً لكونه جسماً، فبقي أن يكون متحركاً لغيره، وذلك الغير إما أن يكون سارياً فيه أو مبايناً عنه، والأول باطل، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور مباينة عنها، وذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً عاد التقسم الأول فيه، وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً فإما أن يكون موجباً بالذات أو فاعلاً مختاراً والأول باطل، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض، ولما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك والكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه جسماً وجسمانياً، وذلك هو الله تعالى، فالحاصل أنا ولو حكمنا بإسناد حوادث العالم السفلي إلى الحركات الفلكية والكوكبية فهذه الحركات الكوكبية والفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى وإلا لزم التسلسل وهو محال، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله تعالى، وإذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية، وثبت أن الحركات الفلكية حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه، فكان هذا اعترافاً بأن الكل من الله تعالى وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر ﴾ يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل تعاقب الليل والنهار وحركات الشمس والقمر، فهذه الأشياء لابد وأن يكون حدوثها بتخليق الله تعالى وتسخيره قطعاً للتسلسل، ولما تم هذا الدليل في هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يعني أن كل من كان عاقلاً علم أن القول بالتسلسل باطل ولا بد من الانتهاء في آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير فهذا تقرير أحد الجوابين.

والجواب الثاني عن ذلك السؤال أن نقول: نحن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث النبات والحيوان لأجل تأثير الطباع والأفلاك والأنجم، وذلك لأن تأثير الطبائع والأفلاك والأنجم والشمس والقمر بالنسبة إلى الكل واحد، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان قشره على طبع وعجمه على طبع ولحمه على طبع ثالث وماؤه على طبع رابع، بل نقول: إنا نرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة، والوجه الثاني من تلك الورقة في غاية الحمرة وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة، ونعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة، نسبة واحدة، والطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلاً واحداً، ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابهاً، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضاً إذا وضعنا الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة، وثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابهاً وثبت أن الأثر غير متشابه، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة، والوجه الثاني في غاية الحمرة فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات والألوان والأحوال ليس هو الطبيعة، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ .

واعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، فلما دل الحس في هذه الأجسام النباتية على اختلاف صفاتها وتنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجباً بالذات بل فاعلاً مختاراً فهذا تمام تقرير هذه الدلائل وثبت أن ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ والآية الثانية بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ والآية الثالثة بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ هو الذي نبه على هذه الفوائد النفيسة والدلائل الظاهرة والحمد لله على ألطافه في الدين والدنيا.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: ﴿ والشمس والقمر والنجوم ﴾ كلها بالرفع على الابتداء والخبر هو قوله: ﴿ مسخرات ﴾ وقرأ حفص عن عاصم: ﴿ والنجوم ﴾ بالرفع على أن يكون قوله: ﴿ والنجوم ﴾ ابتداء وإنما حملها على هذا لئلا يتكرر لفظ التسخير، إذ العرب لا تقول سخرت هذا الشيء مسخراً فجوابه أن المعنى أنه تعالى سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرة تحت قدرته وإرادته، وهذا هو الكلام الصحيح، والتقدير: أنه تعالى سخر للناس هذه الأشياء وجعلها موافقة لمصالحها حال كونها مسخرة تحت قدرة الله تعالى وأمره وإذنه، وعلى هذا التقدير فالتكرير الخالي عن الفائدة غير لازم والله أعلم.

بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: التسخير عبارة عن القهر والقسر، ولا يليق ذلك إلا بمن هو قادر يجوز أن يقهر، فكيف يصح ذلك في الليل والنهار وفي الجمادات والشمس والقمر؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لما دبر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة لمصالح العباد صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع، فلهذا المعنى أطلق على هذا النوع من التدبير لفظ التسخير.

وعن الوجه الثاني في الجواب: وهو لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب علم الهيئة، وذلك لأنهم يقولون: الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق والله تعالى يحرك هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، فكانت هذه الحركة قسرية، فلهذا السبب ورد فيها اللفظ التسخير.

السؤال الثاني: إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس كان ذكر النهار والليل مغنياً عن ذكر الشمس.

والجواب: أن حدوث النهار والليل ليس بسبب حركة الشمس، بل حدوثهما بسبب حركة الفلك الأعظم الذي دللنا على أن حركته ليست إلا بتحريك الله سبحانه، وأما حركة الشمس فإنها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم.

السؤال الثالث: ما معنى قوله: ﴿ مسخرات بِأَمْرِهِ ﴾ والمؤثر في التسخير هو القدرة لا الأمر.

والجواب: أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات أم لا، وأكثر المسلمين على أنها جمادات، فلا جرم حملوا الأمر في هذه الآية على الخلق والتقدير، ولفظ الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ومن الناس من يقول إنها ليست جمادات فهاهنا يحمل الأمر على الأذن والتكليف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئت كلها بالنصب على وجعل النجوم مسخرات أو على أن معنى تسخيرها للناس: تصييرها نافعة لهم، حيث يسكنون بالليل، ويبتغون من فضله بالنهار، ويعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، ويهتدون بالنجوم.

فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له بأمره.

ويجوز أن يكون المعنى: أنه سخرها أنواعاً من التسخير جمع مسخر، بمعنى تسخير، من قولك: سخره الله مسخراً، كقولك: سرحه مسرحاً، كأنه قيل: وسخرها لكم تسخيرات بأمره.

وقرئ بنصب ﴿ الليل والنهار ﴾ وحدهما، ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر.

وقرئ: ﴿ والنجوم مسخرات ﴾ ، بالرفع، وما قبله بالنصب، وقال ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فجمع الآية.

وذكر العقل؛ لأنّ الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ ﴾ بِأنْ هَيَّأها لِمَنافِعِكم.

﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ بِأمْرِهِ حالٌ مِنَ الجَمِيعِ أيْ نَفَعَكم بِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِلَّهِ تَعالى خَلَقَها ودَبَّرَها كَيْفَ شاءَ، أوْ لِما خُلِقْنَ لَهُ بِإيجادِهِ وتَقْدِيرِهِ أوْ لِحُكْمِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى أنْ يُقالَ إنَّ المُؤَثِّرَ في تَكْوِينِ النَّباتِ حَرَكاتُ الكَواكِبِ وَأوْضاعُها، فَإنَّ ذَلِكَ إنْ سُلِّمَ فَلا رَيْبَ في أنَّها أيْضًا مُمْكِنَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ واقِعَةٌ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ مُخَصِّصٍ مُخْتارٍ واجِبِ الوُجُودِ دَفْعًا لِلدَّوْرِ والتَّسَلْسُلِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ جُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ.

وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ فَيَكُونُ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ ورَفَعَ ابْنُ عامِرٍ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْضًا.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ جَمَعَ الآيَةَ، وذَكَرَ العَقْلَ لِأنَّها تَدُلُّ أنْواعًا مِنَ الدَّلالَةِ ظاهِرَةً لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ غَيْرَ مُحْوِجَةٍ إلى اسْتِيفاءِ فِكْرٍ كَأحْوالِ النَّباتِ.

﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ اللَّيْلَ ﴾ ، أيْ وسَخَّرَ لَكم ما خَلَقَ لَكم فِيها مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ.

﴿ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أصْنافُهُ فَإنَّها تَتَخالَفُ بِاللَّوْنِ غالِبًا.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ إنَّ اخْتِلافَها في الطِّباعِ والهَيْئاتِ والمَناظِرِ لَيْسَ إلّا بِصُنْعِ صانِعٍ حَكِيمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

{وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ} بنصب الكل عليّ وجعل النجوم مسخرات والنجوم مسخرات

فقط حفص والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخرات شامي على الابتداء والخبر {إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} جمع الآية وذكر العقل لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وحَيْثُ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِما ذُكِرَ لِاشْتِمالِهِ عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ مُحْتاجٍ إلى التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ لِمَن لَهُ نَظَرٌ سَدِيدٌ خَتَمَ الآيَةَ بِالتَّفَكُّرِ ﴿ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَتَعاقَبانِ خِلْفَةً لِمَنامِكم واسْتِراحَتِكم وسَعْيِكم في مَصالِحِكم مِنَ الإسامَةِ وتَعَهُّدِ حالِ الزَّرْعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما أصالَةً وخِلافَةً وأدائِهِما ما نِيطَ بِهِما مِن تَرْبِيَةِ الأشْجارِ والزُّرُوعِ وإنْضاجِ الثَّمَراتِ وتَلْوِينِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّأْثِيراتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِما بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يَقُولُهُ السَّلَفُ في الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِتَسْخِيرِ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ تَمْكِينَهم مِنَ التَّصَرُّفِ بِهِ كَيْفَ شاءُوا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا  ﴾ ونَحْوِهِ بَلْ تَصْرِيفُهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ حَسْبَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنافِعُهم ومَصالِحُهم كَأنَّ ذَلِكَ تَسْخِيرٌ لَهم وتَصَرُّفٌ مِن قَبْلِهِمْ حَسَبَ إرادَتِهِمْ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّ أصْلَ التَّسْخِيرِ السَّوْقُ قَهْرًا ولا يَصِحُّ إرادَةُ ذَلِكَ لِأنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ مِمّا لا يُعْقَلُ فِيما لا شُعُورَ لَهُ مِنَ الجَماداتِ كالشَّمْسِ والقَمَرِ وعَدَمُ تَعَقُّلِهِ في نَحْوِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ فَهو هُنا مَجازٌ عَنِ الإعْدادِ والتَّهْيِئَةِ لِما يُرادُ مِنَ الانْتِفاعِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى ما في المُسَخَّرِ مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ.

وذَكَرَ الإمامُ في المُرادِ مِنَ التَّسْخِيرِ نَحْوَ ما ذَكَرَ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ قالَ فِيهِ: إنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الهَيْئَةِ وهو أنَّهم يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ هي الحَرَكَةُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فاللَّهُ تَعالى سَخَّرَ هَذِهِ الكَواكِبَ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ فَكانَتْ هَذِهِ الحَرَكَةُ قَسْرِيَّةً فَلِذا ورَدَ فِيها لَفْظُ التَّسْخِيرِ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ دُونَ حَرَكَةِ الشَّمْسِ وأمّا حَرَكَتُها فَهي سَبَبٌ لِحُدُوثِ السَّنَةِ ولِذا لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الشَّمْسِ اهـ ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: إنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إلى آخِرِهِ لا يَتَأتّى في عَرْضِ تِسْعِينَ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها وهي هُناكَ لا تَغْرُبُ ولا تَطَّلِعُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ بَلْ بِحَرَكَتِها الخاصَّةِ ولِذا كانَتِ السَّنَةُ يَوْمًا ولَيْلَةً لِما أنَّ ذَلِكَ العَرْضَ غَيْرُ مَسْكُونٍ وكَذا ما يَقْرُبُ مِنهُ فَلا يَدْخُلُ في حَيِّزِ الِامْتِنانِ.

نَعَمْ في كَلامِهِ عِنْدَ المُتَمَسِّكِينَ بِأذْيالِ الشَّرِيعَةِ غَيْرُ ذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ وفي كَوْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِمّا لا شُعُورَ لَهُما خِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ فَذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّهُما عالَمانِ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ وإلَيْهِ ذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ والفَلاسِفَةُ، ولَمْ أشْعُرْ بِوُقُوعِ خِلافٍ في أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ مِمّا لا شُعُورَ لَهُما، نَعَمْ رَأيْتُ في البَهْجَةِ القادِرِيَّةِ عَنِ القُطْبِ الرَّبّانِيِّ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ أنَّ الشَّهْرَ أوِ الأُسْبُوعَ يَأْتِيهِ في صُورَةِ شَخْصٍ فَيُخْبِرُهُ بِما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، ولَعَلَّ هَذا عَلى نَحْوِ ظُهُورِ القُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ وقَوْلِهِ لِمَن كانَ يَحْفَظُهُ: «أنا الَّذِي أسْهَرْتُكَ في الدَّياجِي وأظْمَأْتُكَ في الهَواجِرِ».

وظُهُورِ المَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذَبْحِهِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما جاءَ في الخَبَرِ، وعَلَيْكَ بِالإيمانِ بِما جاءَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ  وأنْتَ في الإيمانِ بِغَيْرِهِ بِالخِيارِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّسْخِيرَ أمْرٌ واحِدٌ مُسْتَمِرٌّ وإنْ تَجَدَّدَتْ آثارُهُ ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ وسائِرُ النُّجُومِ البَيانِيَّةِ وغَيْرِها في حَرَكاتِها وأوْضاعِها المُتَبَدِّلَةِ وغَيْرِ المُتَبَدِّلَةِ وسائِرِ أحْوالِها مُسَخَّراتٌ لِما خُلِقَتْ لَهُ بِخَلْقِهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ الجارِي عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ فالأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ واحِدُ الأوامِرِ ويُرادُ مِنهُ الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ عِنْدَ مَن لا يَقُولُ بِإدْراكِ النُّجُومِ، والمَعْنى أنَّها مُسَخَّرَةٌ لِما خُلِقَتْ لَهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى وإيجادِهِ، قِيلَ: وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَوْدُ مَنافِعِ النُّجُومِ إلَيْهِمْ في الظُّهُورِ بِمَثابَةِ ما قَبْلَها مِنَ الجَدِيدَيْنِ والنَّيِّرَيْنِ لَمْ يُنْسَبْ تَسْخِيرُها إلَيْهِمْ بِأداةِ الِاخْتِصاصِ بَلْ ذُكِرَ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّها تَحْتَ مَلَكُوتِهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ إلى الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ (الشَّمْسُ والقَمَرُ) أيْضًا فَيَكُونُ المُبْتَدَأُ الشَّمْسَ والبَواقِي مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ (ومُسَخَّراتٌ) خَبَرٌ عَنِ الجَمِيعِ، ولا يَتَأتّى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ما قِيلَ في وجْهِ عَدَمِ نِسْبَةِ تَسْخِيرِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِأداةِ الِاخْتِصاصِ كَما لا يَخْفى، واعْتِبارُ عَدَمِ كَوْنِ ظُهُورِ المَنافِعِ بِمَثابَةِ السّابِقِ بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ كَما تَرى.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ في ذَلِكَ: إنَّ المُرادَ بِتَسْخِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَهم نَفْعُهم بِهِما مِن حَيْثُ إنَّهُما وقْتا سَعْيٍ في المَصالِحِ واسْتِراحَةٍ ومِن حَيْثُ ظُهُورُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنافِعُهم مِمّا نِيطَ بِهِ صَلاحُ المُكَوِّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ وأُجْمِلَ مَثَلًا كالشَّمْسِ والقَمَرِ فِيهِما، ويَؤُولُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ إلى النَّفْعِ بِذَلِكَ وهو مَعْنى تَسْخِيرِهِ لَهُمْ، فَيَكُونُ تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَهم مُتَضَمِّنًا لِتَسْخِيرِ ذَلِكَ لَهم فَحَيْثُ أفادَهُ الكَلامُ أوَّلًا اسْتَغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ ثانِيًا وصَرَّحَ بِما هو أعْظَمُ شَأْنًا مِنهُ وهو أنَّ تِلْكَ الأُمُورَ لَمْ تَزَلْ ولا تَزالُ مَقْهُورَةً تَحْتَ قُدْرَتِهِ مُنْقادَةً لِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ سَواءٌ كُنْتُمْ أوْ لَمْ تَكُونُوا فَلْيُتَدَبَّرْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ والنُّجُومَ- ومُسَخَّراتٍ بِالنَّصْبِ فِيهِما وكَذا فِيما تَقَدَّمَ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنْ (النُّجُومَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفِعْلُ المَذْكُورُ (ومُسَخَّراتٍ) مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، أيْ وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، وجُوِّزَ جَعَلَ- جَعَلَ- بِمَعْنى خَلَقَ المُتَعَدِّيَ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ- فَمُسَخَّراتٍ- حالٌ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ (النُّجُومَ) مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِلا إضْمارٍ (ومُسَخَّراتٍ) حِينَئِذٍ قِيلَكَ حالٌ مِنَ الجَمِيعِ عَلى أنَّ التَّسْخِيرَ مَجازٌ عَنِ النَّفْعِ أيْ نَفَعَكم بِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِما خُلِقَتْ لَهُ مِمّا هو طَرِيقٌ لِنَفْعِكم وإلّا فالحَمْلُ عَلى الظّاهِرُ دالٌّ عَلى أنَّ التَّسْخِيرَ في حالِ التَّسْخِيرِ بِأمْرِهِ ولا كَذَلِكَ لِتَأخُّرِ الأوَّلِ، وقِيلَ: لِذَلِكَ أيْضًا: إنَّ المُرادَ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى التَّسْخِيرِ بِأمْرِهِ الإيجادِيِّ لِأنَّ الإحْداثَ لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجَوَّزَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ أنْ يَكُونَ حالًا مُوَكَّدَةً بِتَقْدِيرِ ( بِأمْرِهِ ) مُتَعَلِّقًا بِـ (يُسَخِّرُ) والكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وقَبُولُهُ مُفَوَّضٌ إلَيْكَ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَمَسْرَحٍ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ- لِـ سَخَّرَ- المَذْكُورِ أوَّلًا وسَخَّرَها مُسَخَّراتٍ عَلى مِنوالِ ضَرْبَتُهُ ضَرَباتٍ، وجَمْعٌ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الأنْواعِ، وفي إفادَةِ تَسْخِيرِ ما ذَكَرَ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى يُقالُ: إنَّ المُؤَثِّرَ في تَكْوِينِ النَّباتِ حَرَكاتُ الكَواكِبِ وأوْضاعُها فَإنَّ ذَلِكَ إنْ سَلِمَ فَلا رَيْبَ في أنَّها مُمْكِنَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ واقِعَةٌ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ فَلا بُدَّ مِن مُوجِدِ ضَرُورَةِ احْتِياجِ المُمْكِنِ في وُجُودِهِ إلى مُخَصِّصٍ لِئَلّا يَلْزَمَ مِنَ الوُقُوعِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ مُخْتارٍ لِما أنَّ الإيجابَ يُنافِي التَّرْجِيحَ واجِبَ الوُجُودِ دَفْعًا لِلدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ كَذا قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، واعْتَرَضَهُ المَوْلى العِمادِيُّ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى حُسْبانِ ما ذَكَرَ أدِلَّةَ الصّانِعِ تَعالى وقُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مِمّا لا يُنازِعُ فِيهِ الخَصْمُ ولا يَتَلَعْثَمُ في قَبُولِهِ قالَ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ  ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  ﴾ الآيَةَ وإنَّما ذَلِكَ أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ مِن حَيْثُ إنَّ مَن هَذا شَأْنَهُ لا يُتَوَهَّمُ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ فَضَلّا أنْ يُشارِكَهُ الجَمادُ في الأُلُوهِيَّةِ اهـ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ أدِلَّةَ التَّوْحِيدِ لا يَأْبى أنْ يَكُونَ فِيهِ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى يُقالُ وأيُّ ضَرَرٍ في أنْ يُساقَ شَيْءٌ لِأمْرٍ ويُؤْذَنَ بِأمْرٍ آخَرَ، ولَعَمْرِي لا أرى لِهَذا الِاعْتِراضِ وجْهًا بَعْدَ قَوْلِ القائِلِ في ذَلِكَ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى يُقالُ إلَخْ حَيْثُ لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ وأقْحَمَ عَسى في البَيْنِ لَكِنْ لِلْقائِلِ كَلامٌ يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّهُ اعْتَبَرَ الأدِلَّةَ المَذْكُورَةَ أدِلَّةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ عَزَّ شَأْنُهُ أيْضًا وقَدْ سَبَقَهُ في ذَلِكَ الإمامُ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيِ التَّسْخِيرِ المُتَعَلِّقِ بِما ذَكَرَ ﴿ لآياتٍ ﴾ باهِرَةً مُتَكاثِرَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآثارُ العُلْوِيَّةُ مُتَعَدِّدَةً ودَلالَةُ ما فِيها مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ أظْهَرَ جَمْعُ الآياتِ وعُلِّقَتْ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ كَأنَّهُ لِمَزِيدِ ظُهُورِها مُدْرَكَةً بِبَداهَةِ العَقْلِ بِخِلافِ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ في ذَلِكَ كَذا قالُوا، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا عَلى الوُجُودِ أيْضًا، وأمّا إذا كانَ الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ فَفي دَعْوى الظُّهُورِ المَذْكُورِ بَحْثٌ لِانْجِرارِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ إلى إبْطالِ التَّسَلْسُلِ فَكَيْفَ تَكُونُ الدَّلالَةُ ظاهِرَةً غَيْرَ مُحْوِجَةٍ إلى فِكْرٍ.

وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ إنَّما هو بَعْدَ التَّفَكُّرِ في بَدْءِ أمْرِها وما نَشَأ مِنهُ مِنِ اخْتِلافِ أحْوالِها فافْهَمْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ذَلِكَ والمُشارُ إلَيْهِ نِهايَةُ تَعاجِيبِ الدَّقائِقِ المُودَعَةِ في العُلْوِيّاتِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالتَّسْخِيرِ الَّتِي لا يَتَصَدّى لِمَعْرِفَتِها إلّا المَهَرَةُ الَّذِينَ لَهم نِهايَةُ الإدْراكِ مِن أساطِينِ عُلَماءِ الحِكْمَةِ وحِينَئِذٍ قَطَعَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُنا: (يَعْقِلُونَ) لِلْإشارَةِ إلى احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّفَكُّرِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وهو ما يستقر في الأرض من الغدران، وتشربون منه، وتسقون أنعامكم وَمِنْهُ شَجَرٌ أي: ومن الماء ما يتشرّب في الأرض، فينبت منه الشجر والنبات فِيهِ تُسِيمُونَ أي: ترعون أنعامكم.

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ أي: يخرج لكم بالمطر الزرع، وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ أي: الكروم وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من ألوان الثمرات.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ننبت لَكُمْ بالنون.

وقرأ الباقون بالياء، ومعناهما واحد.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: فيما ذكر من نزول المطر وخروج النبات لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في آياته.

ثم قال عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي ذلّل لكم الليل والنهار لمعايشكم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي: خلق الشمس والقمر وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ أي: مذللات بإذنه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعبرات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: لمن له ذهن الإنسانية.

ثم قال عز وجل: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: وما خلق لكم في الأرض من الدواب والأشجار والثمار مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي في اختلاف ألوانها لعبرة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي: يتعظون.

قرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم كلها بالرفع على معنى الابتداء.

وقرأ عاصم في رواية حفص وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بالنصب على معنى البناء، أي: سخر لكم الشمس والقمر.

ثم ابتدأ فقال: وَالنُّجُومُ بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون الثلاثة كلها بالنصب، ويكون بمعنى المفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .

انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.

وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:

خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.

وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :

الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.

انتهى.

وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .

وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...

الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ذَرَأ لَكُمْ ﴾ أيْ: وسَخَّرَ ما ذَرَأ لَكم.

وذَرَأ بِمَعْنى: خَلَقَ.

و " سَخَّرَ البَحْرَ " أيْ: ذَلَّـلَهُ لِلرُّكُوبِ والغَوْصِ فِيهِ " لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا " يَعْنِي: السَّمَكَ ﴿ وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ يَعْنِي: الدُّرَّ، واللُّؤْلُؤَ، والمَرْجانَ، وَفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ حالِفًا لَوْ حَلَفَ: لا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ لُؤْلُؤًا، أنَّهُ يَحْنَثُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْنَثُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الفُلْكَ ﴾ يَعْنِي: السُّفُنَ.

وفي مَعْنى " مَواخِرَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِوارِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: يُقالُ: مَخَرَتِ السَّفِينَةُ مَخْرًا: إذا شَقَّتِ الماءَ في جَرَيانِها.

والثّانِي: المَواقِرُ، يَعْنِي المَمْلُوءَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالرُّكُوبِ فِيهِ لِلتِّجارَةِ ابْتِغاءَ الرِّبْحِ مِن فَضْلِ اللَّهِ.

والثّانِي: بِما تَسْتَخْرِجُونَ مِن حِلْيَتِهِ، وتَصِيدُونَ مِن حِيتانِهِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي دُخُولِ الواوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى لامٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُهُ: وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ ولِتَبْتَغُوا.

والثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِكَيْ تَبْتَغُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ أيْ: نَصَبَ فِيها جِبالًا ثَوابِتَ " أنْ تَمِيدَ " أيْ: لِئَلّا تَمِيدَ، وقالَ الزَّجّاجُ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ، يُقالُ: مادَ الرَّجُلُ يَمِيدُ مَيْدًا: إذا أُدِيرَ بِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَيْدُ: الحَرَكَةُ والمَيْلُ، يُقالُ: فُلانٌ يَمِيدُ في مِشْيَتِهِ، أيْ: يَتَكَفَّأُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْهارًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وجَعَلَ فِيها سُبُلًا، لِأنَّ مَعْنى " ألْقى ": " جَعَلَ " فَأمّا السُّبُلُ، فَهي الطُّرُقُ.

﴿ وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا إلى مَقاصِدِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلاماتٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مَعالِمُ الطُّرُقِ بِالنَّهارِ، وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ بِاللَّيْلِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها النُّجُومُ أيْضًا، مِنها ما يَكُونُ عَلامَةً لا يُهْتَدى بِهِ، ومِنها ما يُهْتَدى بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ.

والثّالِثُ: الجِبالُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ بِالنَّجْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ الجَدْيُ، والفَرْقَدانِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الجَدْيُ وحْدَهُ، لِأنَّهُ أثْبَتُ النُّجُومِ كُلِّها في مَرْكَزِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، والمُرادُ جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: ﴿ وَبِالنَّجْمِ ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الجِيمِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: " وبِالنُّجُمِ " بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: " وبِالنُّجُومِ " بِواوٍ عَلى الجَمْعِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا الِاهْتِداءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الِاهْتِداءُ إلى القِبْلَةِ.

والثّانِي: إلى الطَّرِيقِ في السَّفَرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.

و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ.

وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ  ﴾ ، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ وكَما قالَ الشاعِرُ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان.

وتقدم ما يفسّر هذه الآية في صدر سورة يونس.

وتسخير هذه الأشياء تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ألا له الخلق والأمر ﴾ في أوائل سورة الأعراف (54) وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم.

وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه، وإدماج بين الاستدلال والامتنان.

ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة، إذ هي دلائل بيّنة واضحة حاصلة بالمشاهدة كل يوم وليلة.

وتقدم وجه إقحام لفظ (قوم) آنفاً، وأن الجملة تذييل.

وقرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لِفعل سخر.

وقرأ ابن عامر والشمسُ والقمرُ والنجومُ } بالرفع على الابتداء ورفع ﴿ مسخرات ﴾ على أنه خبر عنها.

فنكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين.

وقرأ حفص برفع ﴿ النجومُ ﴾ و ﴿ مسخراتٌ ﴾ .

ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفيّ لقلّة من يرقب حركات النجوم.

والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف.

وقد أبدى الفخر في كتاب «درّة التنزيل» وجهاً للفرق بين إفراد آية في المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية: بأن ما ذكر أول وثالثاً يرجع إلى ما نجم من الأرض، فجميعه آية واحدة تابعة لخلق الأرض وما تحتويه (أي وهو كله ذو حالة واحدة وهي حالة النبات في الأرض في الأول وحالة واحدة وهي حالة الذرء في التناسل في الحيوان في الآية الثالثة) وأما ما ذكر في المرة الثانية فإنه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس والقمر والكواكب، وفي كل واحد منها نظام يخصّه ودلائل تخالف دلائل غيره، فكان ما ذكر في ذلك مجموع آيات (أي لأن بعضها أعراض كالليل والنهار وبعضها أجرام لها أنظمة مختلفة ودلالات متعددة).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ الحَقِّ في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِهِ ومِنهم جائِرٌ عَنِ الحَقِّ في حُكْمِهِ.

الثّانِي: وعَلى اللَّهِ أنْ يَهْدِيَ إلى قَصْدِ الحَقِّ في بَيانِ السَّبِيلِ، ومِنهم جائِرٌ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أيْ عادِلٌ عَنْهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِلَلُ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقولون البيان ﴿ ومنها جائر ﴾ قال الأهواء المختلفة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقول: على الله يبين الهدى والضلالة، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال السبيل المتفرقة.

واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الحق على الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال: على الله بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: على السبيل ناكب عن الحق وفي قراءة ابن مسعود ﴿ ومنكم جائر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف، عن علي أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ فمنكم جائر ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الهدى، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: من السبل جائر عن الحق، وقرأ ﴿ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ [ الأنعام: 153] ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ لقصد السبيل الذي هو الحق وقرأ ﴿ ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ [ يونس: 99] ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ [ السجدة: 13] والله أعلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال ترعون فيه أنعامكم.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال فيه ترعون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: ومشى القوم بالعماد إلى الدو ** حاء أعماد المسيم بن المساق وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ قال ما خلق لكم في الأرض مختلفاً: من الدواب، والشجر، والثمار.

نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله عز وجل، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ إلى قوله: ﴿ مُسَخَّرَاتٌ ﴾ ، قراءة العامة بالنصب في هذه المنسوقات كلها (١) ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ  ﴾ ، فكما حملت على التسخير في هاتين كذلك وجب أن يحمل على التسخير في هذه السورة.

وقوله تعالى: ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ حال مؤكدة؛ لأن تسخيرها قد عُرف بقوله: ﴿ وَسَخَّر ﴾ فجاءت الحال مؤكدة، ومجيء الحال مؤكدة في التنزيل وغيره كثير؛ كقوله: ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ .

و: أنا ابنُ دارَة معروفًا (٢) كَفَى بالنأيِ من أسماءَ كاف (٣) وقرأ ابنُ عامر: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ رفعًا (٤) ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ بالرفع وحدها (٥) ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ حالًا مؤكدة أسوغ من كونها خبرَ مبتدأ محذوف؛ لأن الخبر ينبغي أن يكون مفيدًا، لم يجيء إلا كذلك، والحالُ تجيء مؤكِدة (٦) إذا كان يومٌ ذو كَواكِبَ أَشْنَعَا (٧) حمله على الحال ولم يحمله على الخبر (٨) (١) انظر: "السبعة" ص 370، و"علل القراءات" 1/ 302، و"الحجة للقراء" 5/ 55، و"المبسوط في القراءات" ص 223، و"التيسير" ص 137.

(٢) جزء من بيت لسالم بن دارة (مخضرم)، وتمامه: أنا ابن دارة معروفا بها نَسَبي ...

وهل بدارة يا للناس من عارِ وهو من شواهد سيبويه 2/ 79، وورد في "الخصائص" 3/ 60، و"أمالي ابن الشجري"، و"تفسير ابن عطية" 8/ 382، و"الخزانة" 2/ 145، 3/ 266، == و"دارة": أمُّه، سميت بذلك لجمالها، تشبيها بدارة القمر.

والشاهد: قوله (معروفًا) حال مؤكِّدة لمضمون الجملة قبلها: (أنا ابن دارةَ).

(٣) البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي (جاهلي)، وعجزه: وليس لِحبِّها ما عشتُ شافِ "ديوانه" 142، وفيه: (إذا طال شافي) بدل (ما عشت شافي)، وورد في "أمالي ابن الشجري" 1/ 282، 432، و"الخزانة" 4/ 439، 10/ 477 (عجز)، وورد غير منسوب في "الكامل" 2/ 910، و"المقتضب" 4/ 22، و"الخصائص" 2/ 268 (صدر)، و"المنصف" 2/ 115، و"الموضح في وجوه القراءات" 2/ 732 (صدر)، و"شرح المفصل" 6/ 50، 10/ 103.

(النأي) البعد، (أسماء) امرأة؛ يريد كفى النأي من أسماء كفايةً.

والشاهد قوله: (كافٍ) على أنه حال مؤكدة؛ لأنه إذا كفى فهو كافٍ لا محالة.

(٤) انظر: "السبعة" ص 370، و"علل القراءات" 1/ 301، و"الحجة للقراء" 5/ 55، و"المبسوط في القراءات" ص 223، و"التيسير" ص 137.

(٥) انظر: المراجع السابقة.

(٦) نقل القراءات في الآية وتوجيهها من "الحجة للقراء" 5/ 55، بتصرف، وانظر: كذلك التوجيه النحوي للقراءات في: "علل القراءات" 1/ 302، و"الحجة في القراءات" ص 209، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 35، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 732.

(٧) البيت لعمرو بن شَأس مخضرم (توفي نحو سنة20 هـ) وصدره: بَنِي أسدٍ هلْ تعلمونَ بلاءَنا "شعر عمرو بن شأس" ص 36، وورد في "الكتاب" 1/ 47، و"الحجة للقراء" 1/ 148، و"الأزهية" ص 186، و"الخزانة" 8/ 521، ويروى (يومًا ذا كواكب)، أراد إذا كان اليوم يومًا، وأضمر لِعلم المخاطب، ومعناه: إذا كان اليومُ الذي يقع فيه القتال، و (كان) في الوجهين بمعنى وقع.

(الشناعة) الفظاعة، والتشنيع: التشمير، وشنَّعَ النجم: ارتفع في السماء، والشاعر يصف حربًا وشدةً، والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شِدَّة: يومٌ مظلمٌ، حتى إنهم ليقولون: يومٌ ذو كواكب؛ أي اشتدّت ظُلْمته حتى صار كالليل.

انظر: (شنع) في: "المحيط في اللغة" ا/ 288، و"الصحاح" 3/ 1239، و"اللسان" 4/ 2339.

(٨) قال أبو علي: فجعل أي سيبويه (أشنعا) حالاً ولم يجعله خبرًا؛ لأن فيما تقدم من صفة الاسم ما يدل علي الخبر، فيصير الخبر لا يفيد زيادة معنى.

"الحجة للقراء" 1/ 148.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وعلى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أي على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ مَآءً لَّكُم ﴾ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي ترعون أنعامكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.

﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.

الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.

﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الباقون على الخطاب.

الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.

﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.

وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.

وعن قتادة بالعكس منه.

قال أهل النظم: إن رسول الله  كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.

ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.

وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.

فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله  ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.

والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.

أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.

فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه  حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه  حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟

فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {  وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.

والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.

ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه  أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.

بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله  في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟

فأزال الله  شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.

والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.

قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.

وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.

وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.

وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله  ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.

قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.

و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.

وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد  ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.

أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟

ولما بين الله  أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.

وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.

فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.

ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.

وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.

وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله  ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟

فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.

ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.

أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.

وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.

وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.

الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.

فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.

وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟

فنزلت.

ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.

وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.

قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.

ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.

قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.

قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.

وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.

أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.

قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.

وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.

ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.

قال جار الله.

معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.

وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.

وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.

احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.

والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.

والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.

والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.

ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.

وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.

والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه  نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.

وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.

وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.

واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.

ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.

روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل  كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله  من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.

ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.

احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله  الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.

والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.

والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.

وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.

وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.

ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.

والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.

قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.

وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.

وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.

وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.

ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.

وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.

ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.

واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله  : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.

وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله  .

﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات  ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.

وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع  شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.

وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.

ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.

والمراد باللحم الطريّ السمك.

قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.

يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.

وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.

قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.

وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله  وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.

قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.

ومبنى الأيمان على العرف والعادة.

ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.

ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.

فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.

ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.

ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.

ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.

استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه  أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.

وهذا باطل بالاتفاق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟

ومن عجائب البحر ومنافعه قوله  : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.

وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.

وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.

وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.

واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.

الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.

ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.

وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.

قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.

والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.

يروى أنه  خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.

قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.

واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.

فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله  بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.

فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله  على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.

قلت: في هذا الحال خلل.

أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.

والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.

وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.

وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.

قوله  : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني  ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.

ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.

يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.

قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.

والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.

وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.

قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.

وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.

وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.

ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.

واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".

ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والقرآن ورد على العكس.

ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.

قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.

قال بعض الأشاعرة.

في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.

أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.

أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها  ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.

وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله  كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين  ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه  يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله  حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول  فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.

ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.

وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.

وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.

وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.

أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله  يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!

وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم  ؟

وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.

ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.

ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.

التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.

وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.

فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله  منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.

﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.

﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.

﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.

فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.

والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .

إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.

وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.

﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.

وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.

وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.

أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..

الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً ﴾ موصول بقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ ﴾ .

يقول: الذي خلق لكم ما ذكر من الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء لكم؛ منه شراب، ومنه شجر هذا يحتمل ما ذكرنا: أنه أنزل من السماء ماء [لنا]؛ ثم أخبر أنه منه شراب، ومنه شجر.

ويحتمل: هو الذي أنزل من السماء ماء، ثم أخبر: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ جميع ما يشرب من الأشربة؛ إذ منه تكون الأشربة جميعاً؛ وجميع الأشياء.

ويحتمل ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ الماء خاصة.

﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ : الشجر: معروف؛ هو الذي يعلو ويرتفع في الأرض؛ لا يسمى الحشيش وما ينبسط على وجه الأرض شجراً، فظاهر هذا أن يرجع إلى ذلك المعروف؛ إلا أنه ذكر شجراً ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ : أي: تزرعون، دل هذا أنه إنما أراد بالشجر المنبسط على وجه الأرض والمرتفع عليها.

وقال القتبي: السائمة: الراعية، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال أبو عبيدة: أسمت سائمتي: أي: رعيتها: وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ  ﴾ أي: الراعية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .

أي: ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزل من السماء الزرع، والزيتون، وجميع ما ذكر، جعل الله - بلطفه - الماء لقاح كل الأشياء المختلفة والمتفقه، ليس كغيره من الدوابّ؛ حيث لم يجعل لقاح شيء من جنس آخر، إنما جعل لقاح كل نوع من نوعه، وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع الخلائق على إدراك ذلك - وإن اجتهدوا - لم يقدروا عليه، يعرفون الماء ظاهراً؛ ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية؛ التي يكون بها حياة كل أحد وموافقته.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر أن فيه آية لقوم يتفكرون، ولم يذكر أنه لماذا؟

لكنه ذكر أنه آية لقوم يتفكرون؛ بالتفكر يعرف أنه آية لماذا، وهذا يدلّ على أن الأشياء التي غابت عنا ظواهرها بالتفكر والنظر تدرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ ﴾ وما ذكر.

ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلق هذه الأشياء، وجعل فيها منافع للخلق؛ تتصل تلك المنافع إلى الخلق شئن؛ أو أبين أحببن أو كرهن؛ جعل في النهار معاشاً للخلق؛ وتقلباً فيه يتعيشون ويتقلبون، وجعل الليل راحة لهم وسكناً، ينتفعون بهما شاءا أو أبيا، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه، ينتفع الخلائق بما جعل فيها من المنافع شاءت هذه الأشياء أو أبت، فذلك وجه تسخيرها لنا.

ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا: ما جعل في وسعنا استعمال هذه الأشياء؛ والانتفاع بها، والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا.

ويحتمل تسخيرها لنا: ما ينتفع بهن شئن أو أبين بالطباع.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: أي: بأمره تنفع الخلائق ويحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ : أي: كونها في الأصل هكذا؛ بأن تنفع الخلق.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

قال في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ جعل الله  التفكر سبيلا للعقول إلى إدراك الأشياء المغيبة بالحواس الظاهرة؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة، [والتفكر فيها؛ لأن ما غاب عن الحواس الظاهرة] لا يدركه العقل؛ فجعل الحواس الظاهرة سبيلاً للعقول إلى إدراك المغيب عنها.

ذكر - عز وجل - في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وذكر في الآية الثانية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الثالثة: ﴿ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي الرابعة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : فهو - والله أعلم - كرره على مراتب؛ لأنه بالتفكر فيها يعقل ويعلم، ثم بعد العلم والعقل والفهم يتذكر، وإذا تذكر عند ذلك شكر نعمه، ثم قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ و ﴿ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما ذكر فيه: دلالة وحدانية الله  ، ودلالة تدبيره وعلمه وحكمته، ودلالة بعث الخلائق، ودلالة قدرته وسلطانه؛ لأن الليل والنهار يأتيان الجبابرة والفراعنة، ويذهبان بعمرهم ويفنيانه؛ شاءوا أو أبوا، فذلك آية سلطانه وقدرته؛ ليعلم أن له [السلطان والقدرة] لا لهم، وفيهما دلالة البعث؛ لأنه إذا أتى هذا ذهب الآخر حتى لا يبقى له أثر، ثم ينشيء مثله بعد أن لم يبق من الأوّل شيء ولا أثر، فالذي قدر على إنشاء النهار أو الليل بعد ما ذهب أثره وتلاشى - لقادر على إنشاء الخلق بعد ما ذهب أثرهم.

وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، وما ذكر: لما اتسق هذا كله على سنن واحد؛ وتقدير واحد؛ على غير تفاوت فيها ولا تفاضل، وعلى غير تقديم ولا تأخير بل جرى كله على سنن واحد، وتقدير واحد، وميزان واحد؛ من غير تفاوت [ولا تفاضل] ولا اختلاف.

دلّ أنه على تدبير واحد خرج ذلك، لا على الجزاف، وأن مدبر ذلك كله واحد؛ إذ لو كان تدبير عدد لخرج مختلفاً متفاوتاً، فدل أنه تدبير واحد لا عدد، وأنه على تدبير غيرٍ خرج وجرى كذلك، لا بنفسه، وأنه على حكمة، وعلم جرى كذلك، فدل على لزوم الرسالة والعبادة له؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي: مختلفاً أصنافه وجواهره.

يخبر - عز وجل - [عن] قدرته، وسلطانه، ونعمه التي أنعم عليهم بها.

أما سلطانه وقدرته: ما خلق في الأرض وأنبت فيها بالماء لم يرجع إلى جوهر الأرض وجنسها، ولا إلى جوهر الماء وجنسه، وهما كالوالدين: الماء كالأب، والأرض كالأم، فلم يرجع ما خرج منهما من جنسهما، ولا من جوهرهما؛ كما كان في سائر الأشياء رجع التوالد منها إلى جنس الوالدين وجوهرهما؛ بل رجع التوالد والنشوء من الأرض والماء إلى جنس البذر وجوهره؛ ليعلم قدرته وسلطانه على إنشاء الأشياء؛ بأسباب وبغير أسباب، ومن شيء ومن لا شيء.

ويذكر نعمه: حيث أخبر أنه خلق في الأرض من الأصناف المختلفة، والجواهر المتفرقة؛ لينتفعوا بها.

ويحتمل قوله: ﴿ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ من جنس واحد؛ من شيء واحد؛ لأنه يكون من جنس واحد ألوان مختلفة، ومن قدر على إنشاء ألوان مختلفة من شيء واحد لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي آية ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، و ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ  ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

فيحتمل أن يكون كله كناية عن المؤمنين؛ كأنه قال: إن في ذلك لآية للمؤمنين؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر: من التفكر، والتذكر، والعقل، والاعتبار، والصبر، والشكر، وغيره.

ويحتمل: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ ، و ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : أي: لقوم همتهم الفكر والنظر في الآيات، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها، لا لقوم همتهم العناد، والمكابرة، والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها.

وفي ذكر الآية للمتفكرين، والعاقلين، والمتذكرين: لما منفعة الآية تكون لهؤلاء، وإن كانت الآيات لهم ولغيرهم، فمنفعتها لمن ذكر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .

وتسخيره إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه: من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدوابّ: السمك وغيره، فلولا تسخير الله إياه للخلق؛ وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة؛ وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه؛ لشدة أهواله وأفزاعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .

يحتمل السمك خاصة.

ويحتمل السمك وما فيه من الدوابّ؛ من نوع ما لو كان بريّاً أكل؛ من نحو الجواميس وغيرها.

وقوله  : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ .

يحتمل الحلية: اللؤلؤ والمرجان؛ الذي ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ  ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ حِلْيَةً ﴾ : أي: ما يتخذ منه حلية.

وهذا جائز؛ أن يسمّى الشيء باسم ما يتخذ منه؛ وباسم ما يصير به في المتعقب.

أو يسمى حلية؛ لأنه زينة.

ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة؛ ألا ترى أنه ذكر في الأنعام زينة وجمالاً، وفي الخيل والبغال كذلك، فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر أخبر أنه جعل لنا الوصول إلى [ما في] قعر البحر وهو ما ذكر من اللؤلؤ وأنواع الحلي، وما في بطن البحر: وهو ما ذكر من اللحم الطري، وما هو على وجه الماء: وهو السفن التي ذكر.

ووجه تسخيره إيانا الخيل والأسباب التي علمنا؛ حتى نصل إلى ما فيه؛ فكأنه قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه.

وفي ذلك دلالات: إحداها: إباحة التجارة بركوب الأخطار؛ لأن الغائص [في البحر] يخاطر بنفسه؛ وروحه، وكذلك راكب السفن؛ فلولا أنه مباح له طلب ذلك؛ وإلا ما ذكر هذا في منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ قال الحسن، والأصم: المواخر: السفن المحشوات؛ الوافرة أحمالها وأثقالها، يذكر منّته التي منّ بها عليهم؛ حيث جعل لهم السفن والفلك؛ التي يحمل بها الأحمال الثقال العظام في البحار ما سبيلها التسفّل والانحدار في البحر؛ فأمسكها فيه بالسفن العظام الثقيلة.

وقال بعضهم: مواخر: أي: جارية مقبلة مدبرة بريح واحدة في البحر؛ لأن ماء البحر راكدة؛ فأجرى السفن فيه بالرياح؛ حيثما أرادوا وقصدوا؛ إذ الأشياء قد تجري [على الماء] إذا كان له جرية، وأما إذا كان راكداً ساكناً فلا سبيل إلى ذلك؛ فيذكر عظيم منته وقدرته على إجراء السفن في الماء الراكد بالريح.

وقال [بعضهم]: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ أي: جواري تشق الماء شقّاً وتخرقه، يقال: مخرت السفينة؛ ومنه: مخر الأرض: إنما هو شق الماء لها؛ وهو قول القتبي.

وكذلك قال أبو عبيدة: إنه من شق السفن الماء.

وقال أبو عوسجة: المواخر: المستقبلة، يقال: استمخر الإنسان الريح: إذا استقبلها.

وقال أبو عبيدة: مواخر من الاستدبار؛ يقال: إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح: أي: يستدبرها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

يحتمل بالتجارة التي جعل فيها؛ حيث جعل سبيل قطع البحار إلى بلاد نائية بعيدة بالسفن؛ ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا تقوم إلا بالأغذية، ولعلهم لا يظفرون ما به قوام أبدانهم وبنيتهم في بلادهم؛ فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم، فمنّ عليهم بذلك؛ كما من بقطع المفاوز والبراري بالدوابّ؛ بقوله: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ  ﴾ .

أو قال: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بما يستخرج منه، ولعلكم تشكرون جميع ما ذكر: من ألوان النعم والمنافع؛ من أوّل السورة إلى آخرها؛ يستأدي به شكره.

وفي قوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ دلالة إباحة التجارة، وطلب الفضل بركوب الأخطار واحتمال الشدائد؛ حيث أخبر أنه سخر البحر؛ حتى أمكنهم ركوبه بالحيل والأسباب التي علمها لهم؛ لأن الغواص يخاطر بروحه ونفسه، وكذلك راكب السفينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .

أي ألقى في الأرض الجبال؛ لئلا تميد بكم [؛ قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ لئلا تميد بكم] لأنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها؛ كما تكفو السفينة في الماء؛ فأثبتها بالجبال؛ لتقرّ بأهلها، لكن لو كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفو ولا تضطرب، ولكنها تتسرب في الماء وتنهار فيه؛ لأن من طبعها التسفّل والتسرب في الماء؛ إلا أن يقال: [إن] الله - عز وجل - جعل - بلطفه - طبعها طبع ما يضطرب؛ وتكفو، فعند ذلك يحتمل ما ذكروا.

والله أعلم.

ولو قالوا: إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا؛ ويكون أشبه بقولهم؛ ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب لا يضيء بل ينطفئ كما أسرج؛ فيشبه أن يكون انطفاؤه لريح تكون في الأرض، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، والله أعلم بذلك.

وقال بعضهم: بسطت على ظهر الثور فكانت تضطرب بتحركه فأرساها بما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً ﴾ يخرج ذكر ذلك منه ذكر الامتنان والنعمة؛ لأن له أن يترك الأرض على ما خلقها؛ ولا يثبتها بالجبال؛ لتميد بأهلها وتميل؛ فلا يقدروا على القرار عليها والانتفاع بها، لكنه - بفضله ومنته - أثبتها بالجبال؛ ليقروا عليها، ويقدروا على الانتفاع بها.

وكذلك له ألا يجعل لهم فيها أنهاراً جارية؛ فيكون مياههم من آبارها، وكذلك له أن يحوجهم بأنواع الحوائج؛ ثم لا يبين لهم الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، [ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها تقضي حوائجهم بأنواع الحوائج، ثم لا يبين لهم الطرق والسبل]، لكنه بفضله ومنّه بيَّن لهم الطرق والسبل التي تفضي إلى البلدان والأمكنة التي فيها تقضي حوائجهم، وكذلك بفضله جعل لهم في الأرض أنهاراً جارية، وأثبت الأرض بالرواسي؛ ليقروا عليها، وذلك كله بمنّه وفضله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

يحتمل تهتدون الطرق والسبل التي تفضيهم إلى الحوائج.

ويحتمل: تهتدون الهدى المعروف؛ بما ذكر من نعمه ومننه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ هذا أيضاً يخرج مخرج ذكر المنن والنعم عليهم؛ لأنهم لولا ما جعل الله أعلاماً في البحار والبراري يعرفون بها السلوك فيها؛ وإلا لم يقدر أحد معرفة الطرق في البحار والبراري.

ثم يحتمل الأعلام: مرة بطعم الماء والجبال التي جعل فيها وبالرياح، ومرة تكون بالنجم؛ [يعرفون بطعم الماء أن هذا الطريق يفضي إلى موضع كذا، وكذلك يعرفون بالجبال وبالرياح] يعرفون السبل إلى حوائجهم ومقصودهم.

وكذلك بالنجم يعرفون الطرق؛ فالأعلام مختلفة بها يهتدون الطرق والسبل.

ويحتمل: يهتدون بما ذكر من الأعلام والنجم سبب اهتدائهم إلى توحيد الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على الاحتجاج عليهم؛ أي: لا تجعلوا من لا يخلق ولا ينفع ولا ينعم كمن هو خالق الأشياء كلها؛ منعم النعم عليكم، ﴿ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ : [أي]: إن صرف العبادة والشكر إلى غير خالقكم وغير منعمكم جور وظلم.

والثاني: يخرج مخرج تسفيه أحلامهم؛ أنهم يعبدون من يعلمون أنه ليس بخالق، ويتركون عبادة من يعلمون أنه خالق الأشياء كلها، أفلا تذكرون والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: وإن تعدوا أنفس نعمة الله التي أنعمها عليكم وأعينها لا تقدروا على عدّها لكثرتها.

والثاني: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ ﴾ : وإن تكلفتم واجتهدتم كلّ جهدكم أن تقوموا لشكر ما أنعم الله عليكم [ومنّ] وما قدرتم على القيام لشكر واحدة منها؛ فضلا أن تقوموا للكل.

والثالث: يخرج على العتاب والتوبيخ؛ أي: كيف فرغتم لعبادة من لا يخلق ولا ينعم عن عبادة من خلق وأنعم، وكنتم لا تقدرون على إحصاء ما أنعم عليكم؛ فضلا أن تقوموا لشكره.

وقال الحسن في قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ : لا تعرفوا كل النعم؛ لأنه كم من النعم ما لا يعرفه الخلق؛ كقوله: ﴿ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً  ﴾ فإذا لم يعلموا لم يقدروا إحصاءها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنكم وإن افتريتم على الله، وعاندتم حججه وآياته، وكذبتم رسله فإذا استغفرتم؛ وتبتم عما كان منكم؛ يغفر لكم ذلك كله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

والثاني: ﴿ لَغَفُورٌ ﴾ : أي: يستر عليكم ما كان منكم؛ ما لو أظهر ذلك لافتضحتم؛ لكنّه برحمته ستر ذلك عليكم، رحيم بالستر عليكم.

أو ذكر ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ على أثر ذكر النعم وأنواع المنافع؛ ليكونوا رحماء على ما ذكر مما سخر لنا وأذلّ.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وذلَّلَ الله لكم الليل لتسكنوا فيه وتستريحوا، والنهار لتكسبوا فيه ما تعيشون به، وسخر لكم الشمس، وجعلها ضياء، والقمر وجعله نورًا، والنجوم مذللات لكم بأمره القدري، بها تهتدون في ظلمات البر والبحر، وتعلمون الأوقات وغير ذلك، إن في تسخير ذلك كله لدلالات واضحة على قدرة الله لقوم يُعْمِلون عقولهم، فهم الذين يدركون الحكمة منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.2lAJ3"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله