الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢٢ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٢ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد ، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك ، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) وقال تعالى : ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) [ الزمر : 45 ] .
وقوله : ( وهم مستكبرون ) أي : عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده ، كما قال : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ]
يقول تعالى ذكره: معبودكم الذي يستحقّ عليكم العبادة ، وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء: معبود واحد، لأنه لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة ، ولا تجعلوا معه شريكا سواه ( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ) يقول تعالى ذكره: فالذين لا يصدّقون بوعد الله ووعيده ، ولا يقرّون بالمعاد إليه بعد الممات قلوبهم منكرة ، يقول تعالى ذكره: مستنكرة لما نقص عليهم من قدرة الله وعظمته ، وجميل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلا له ، والألوهة ليست لشيء غيره يقول: وهم مستكبرون عن إفراد الله بالألوهة ، والإقرار له بالوحدانية، اتباعا منهم لما مضى عليه من الشرك بالله أسلافهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ) لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه.
قوله تعالى : إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرونقوله تعالى : إلهكم إله واحد لما بين استحالة الإشراك بالله - تعالى - بين أن المعبود واحد لا رب غيره ولا معبود سواه .فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة أي لا تقبل الوعظ ولا ينفع فيها الذكر ، وهذا رد على القدرية .وهم مستكبرون متكبرون متعظمون عن قبول الحق .
وقد تقدم في ( البقرة ) معنى الاستكبار
{ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا أحد.
فأهل الإيمان والعقول أجلته قلوبهم وعظمته، وأحبته حبا عظيما، وصرفوا له كل ما استطاعوا من القربات البدنية والمالية، وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وأثنوا عليه بأسمائه الحسنى وصفاته وأفعاله المقدسة، { فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ } لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره إلا أعظم الخلق جهلا وعنادا وهو: توحيد الله { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } عن عبادته.
قوله تعالى : ( إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) جاحدة ، ( وهم مستكبرون ) متعظمون .
«إلهكم» المستحق للعبادة منكم «إله واحد» لا نظير له في ذاته ولا في صفاته وهو الله تعالى «فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة» جاحدة للوحدانية «وهم مستكبرون» متكبرون عن الإيمان بها.
إلهكم المستحق وحده للعبادة هو الله الإله الواحد، فالذين لا يؤمنون بالبعث قلوبهم جاحدة وحدانيته سبحانه؛ لعدم خوفهم من عقابه، فهم متكبرون عن قبول الحق، وعبادة الله وحده.
وبعد أن أبطل - سبحانه - عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقى الحكيم ، صرح بأنه لا معبود بحق سواه ، فقال : ( إلهكم إله وَاحِدٌ ) .أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له ، لا فى ذاته ولا فى صفاته : فأخلصوا له العبادة ، ولا تجعلوا له شركاء .ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى ، فقال - تعالى - : ( فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) .أى : فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة للحق ، جاحدة لنعم الله ، منصرفة عن وحدانية الله - تعالى - وعن الأدلة الدالة عليها ، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون ، لا يستمعون إلى موعظة واعظ ، ولا إلى إرشاد مرشد .
ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان - الجحود والاستكبار - ، حالفه البوار والخسران ، وآثر سبيل الغى على سبيل الرشد .والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته ( فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على وجود القادر الحكيم على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت تلك الدلائل كما أنها كانت دلائل، فكذلك أيضاً كانت شرحاً وتفصيلاً لأنواع نعم الله تعالى وأقسام إحسانه أتبعه بذكر إبطال عبادة غير الله تعالى والمقصود أنه لما دلت هذه الدلائل الباهرة، والبينات الزاهرة القاهرة على وجود إله قادر حكيم، وثبت أنه هو المولي لجميع هذه النعم والمعطي لكل هذه الخيرات فكيف يحسن في العقول الاشتغال بعبادة موجود سواه لا سيما إذا كان ذلك الموجود جماداً لا يفهم ولا يقدر، فلهذا الوجه قال بعد تلك الآيات: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى: أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها كمن لا يخلق بل لا يقدر ألبتة على شيء أفلا تذكرون فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر وتفكر ونظر.
ويكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، وأنتم ترون في الشاهد إنساناً عاقلاً فاهماً ينعم بالنعمة العظيمة، ومع ذلك فتعلمون أنه يقبح عبادته فهذه الأصنام جمادات محضة، وليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار فكيف تقدمون على عبادتها، وكيف تجوزون الاشتغال بخدمتها وطاعتها.
المسألة الثانية: المراد بقوله: ﴿ مَّن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ الأصنام، وأنها جمادات فلا يليق بها لفظة من لأنها لأولي العلم.
وأجيب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن الكفار لما سموها آلهة وعبدوها، لا جرم أجريت مجرى أولي العلم ألا ترى إلى قوله على أثره: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ .
والوجه الثاني: في الجواب أن السبب فيه المشاكلة بينه وبين من يخلق.
والوجه الثالث: أن يكون المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف من لا علم عنده كقوله: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ يعني أن الآلهة التي تدعونها حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف يصح منهم عبادتها، وليس المراد أنه لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا.
فإن قيل: قوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ المقصود منه إلزام عبدة الأوثان، حيث جعلوا غير الخالق مثل الخالق في التسمية بالإله، وفي الاشتغال بعبادتها، فكان حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.
والجواب: المراد منه أن من يخلق هذه الأشياء العظيمة ويعطي هذه المنافع الجليلة كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية باسم الإله، وفي الاشتغال بعبادتها والإقدام على غاية تعظيمها فوقع التعبير عن هذا المعنى بقوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ .
المسألة الثالثة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه فقال: إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا يعبدونها بصفة الخالقية لأن قوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ الغرض منه بيان كونه ممتازاً عن الأنداد بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والمعبودية بسبب كونه خالقاً، فهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقاً لبعض الأشياء لوجب كونه إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد قالت المعتزلة الجواب: عنه من وجوه: الوجه الأول: أن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والنجوم والجبال كمن لا يقدر على خلق شيء أصلاً، فهذا يقتضي أن من كان خالقاً لهذه الأشياء فإنه يكون إلهاً ولم يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن يكون إلهاً.
والوجه الثاني: أن معنى الآية: أن من كان خالقاً كان أفضل ممن لا يكون خالقاً، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً.
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ ومعناه: أن الذي حصل له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشي بها، وهذا يوجب أن يكون الإنسان أفضل من الصنم، والأفضل لا يليق به عبادة الأخس، فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي بها أن يكون إلهاً، فكذلك هاهنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل من غير الخالق، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، ولا يلزم منه أن بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلهاً.
والوجه الثالث في الجواب: أن كثيراً من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد.
قال الكعبي في تفسيره إنا لا نقول: إنا نخلق أفعالنا: قال ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله: ﴿ وَإِذَ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير ﴾ وقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ .
واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد، حتى أن أبا عبد الله البصير بالغ وقال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز، لأن الخالق عبارة عن التقدير، وذلك عبارة عن الظن والحسبان، وهو في حق العبد حاصل وفي حق الله تعالى محال.
واعلم أن هذه الأجوبة قوية والاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس بقوي، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين بالآية المتقدمة أن الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ بين بهذه الآية أن العبد لا يمكنه الإتيان بعبادة الله تعالى وشكر نعمه والقيام بحقوق كرمه على سبيل الكمال والتمام، بل العبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات، وبالغ في شكر نعمة الله تعالى فإنه يكون مقصراً، وذلك لأن الاشتغال بشكر النعم مشروط بعلمه بتلك النعم على سبيل التفصيل والتحصيل، فإن من لا يكون متصوراً ولا مفهوماً ولا معلوماً امتنع الاشتغال بشكره، إلا أن العلم بنعم الله تعالى على سبيل التفصيل غير حاصل للعبد، لأن نعم الله تعالى كثيرة وأقسامها وشعبها واسعة عظيمة، وعقول الخلق قاصرة عن الإحاطة بمباديها فضلاً عن غاياتها وأنها غير معلومة على سبيل التفصيل، وما كان كذلك امتنع الاشتغال بشكره على الوجه الذي يكون ذلك الشكر لائقاً بتلك النعم.
فهذا هو المفهوم من قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ يعني: أنكم لا تعرفونها على سبيل التمام والكمال، وإذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها على سبيل التمام والكمال، وذلك يدل على أن شكر الخالق قاصر عن نعم الحق، وعلى أن طاعات الخلق قاصرة عن ربوبية الحق وعلى أن معارف الخلق قاصرة عن كنه جلال الحق، ومما يدل قطعاً على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم الله تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على الإنسان، ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل.
ثم إنه تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل الأصلح، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بكيفية مصالحه ولا بدفع مفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك، ثم تأمل في جميع ما خلق الله في هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان، وجعلها مهيأة لانتفاعك بها، حتى تعلم أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلاً عن سائر وجوه الفضل والإحسان.
فإن قيل: فلما قررتم أن الاشتغال بالشكر موقوف على حصول العلم بأقسام النعم، ودللتم على أن حصول العالم بأقسام النعم محال أو غير واقع، فكيف أمر الله الخلق بالقيام بشكر النعم؟
قلنا: الطريق إليه أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها.
فهذا هو الطريق الذي به يمكن الخروج عن عهدة الشكر.
والله أعلم.
المسألة الثانية: قال بعضهم: إنه ليس لله على الكافر نعمة وقال الأكثرون: لله على الكافر والمؤمن نعم كثيرة.
والدليل عليه: أن الإنعام بخلق السموات والأرض والإنعام بخلق الإنسان من النطفة، والإنعام بخلق الأنعام وبخلق الخيل والبغال والحمير، وبخلق أصناف النعم من الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وبتسخير البحر ليأكل الإنسان منه لحماً طرياً ويستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن والكافر، ثم أكد تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ وذلك يدل على أن كل هذه الأشياء نعم من الله تعالى في حق الكل، وهذا يدل على أن نعم الله واصلة إلى الكفار، والله أعلم.
أما قوله: ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ والمعنى: أنه لما بين أن الإنسان لا يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل: قال: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه، رحيم بكم حيث لم يقطع نعمه عليكم بسبب تقصيركم.
أما قوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى يسرون ضروباً من الكفر في مكايد الرسول عليه السلام فجعل هذا زجراً لهم عنها.
والثاني: أنه تعالى زيف في الآية الأولى عبادة الأصنام بسبب أنه لا قدرة لها على الخلق والإنعام وزيف في هذه الآية أيضاً عبادتها بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، وهذه الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلاً فكيف تحسن عبادتها؟
أما قوله: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ فاعلم أنه تعالى وصف هذه الأصنام بصفات كثيرة.
فالصفة الأولى: أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون قرأ حفص عن عاصم يسرون ويعلنون ويدعون كلها بالياء على الحكاية عن الغائب، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ بالياء خاصة على المغايبة وتسرون وتعلنون بالتاء على الخطاب، والباقون كلها بالتاء على الخطاب عطفاً على ما قبله.
فإن قيل: أليس أن قوله في أول الآية: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئاً وقوله هاهنا: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ يدل على نفس هذا المعنى، فكان هذا محض التكرير.
وجوابه: أن المذكور في أول الآية أنهم لا يخلقون شيئاً، والمذكور هاهنا أنهم لا يخلقون شيئاً وأنهم مخلوقون لغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى، وكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم فبين أولاً أنها لا تخلق شيئاً، ثم ثانياً أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة لغيرها.
والصفة الثانية: قوله: ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ والمعنى: أنها لو كانت آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى وأمر هذه الأصنام على العكس من ذلك.
فإن قيل: لما قال: ﴿ أَمْوَاتٌ ﴾ علم أنها غير أحياء فما الفائدة في قوله: ﴿ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ .
والجواب من وجهين: الأول: أن الإله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته موت، وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها الحياة.
والثاني: أن هذا الكلام مع الكفار الذين يعبدون الأوثان، وهم في نهاية الجهالة والضلالة، ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن أن يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة، وغرضه منه الإعلام بكون ذلك المخاطب في غاية الغباوة وأنه إنما يعيد تلك الكلمات لكون ذلك السامع في نهاية الجهالة، وأنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ والضمير في قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ عائد إلى الأصنام، وفي الضمير في قوله: ﴿ يُبْعَثُونَ ﴾ قولان: أحدهما: أنه عائد إلى العابدين للأصنام يعني أن الأصنام لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم.
والثاني: أنه عائد إلى الأصنام يعني أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى قال ابن عباس: إن الله يبعث الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بها إلى النار.
فإن قيل: الأصنام جمادات، والجمادات لا توصف بأنها أموات، ولا توصف بأنهم لا يشعرون كذا وكذا.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أن الجماد قد يوصف بكونه ميتاً قال تعالى: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت ﴾ .
والثاني: أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية والمعبودية قيل لهم؛ ليس الأمر كذلك، بل هي أموات ولا يعرفون شيئاً، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم.
والثالث: أن يكون المراد بقوله: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الملائكة، وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لابد لهم من الموت غير أحياء، أي غير باقية حياتهم: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي لا علم لهم بوقت بعثهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين يَدْعُونَ ﴾ والآلهة الذين يدعوهم الكفار ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ وقرئ بالتاء.
وقرئ: ﴿ يُدْعَون ﴾ ، على البناء للمفعول، نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب.
ومعنى: ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحيّ الذي لا يموت وأمرهم على العكس من ذلك.
والضمير في ﴿ يُبْعَثُونَ ﴾ للداعين، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم.
وفيه تهكم بالمشركين وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم.
وفيه دلالة على أنه لابد من البعث وأنه من لوازم التكليف.
ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير، وهم لا يقدرون على نحو ذلك، فهم أعجز من عبدتهم أموات جمادات لا حياة فيها، غير أحياء يعني أنَّ من الأموات ما يعقب موته حياة، كالنطف التي ينشئها الله حيواناً وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها.
وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في موتها ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي وما يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكم بحالها، لأنّ شعور الجماد محال، فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحيّ القيوم سبحانه.
ووجه ثالث: وهو أن يراد بالذين يدعون الملائكة، وكان ناس منهم يعبدونهم، وأنهم أموات: أي لابد لهم من الموت، غير أحياء: غير باقية حياتهم.
وما يشعرون: ولا علم لهم بوقت بعثهم.
وقرئ: ﴿ إيان ﴾ ، بكسر الهمزة.
<div class="verse-tafsir"
(والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) أيْ والآلِهَةُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « يَدْعُونَ» بِالياءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ثَلاثَتَها بِالياءِ.
﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ لَمّا نَفى المُشارَكَةَ بَيَّنَ مَن يَخْلُقُ ومَن لا يَخْلُقُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا لِيَنْتُجَ أنَّهم لا يُشارِكُونَهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أثْبَتَ لَهم صِفاتٍ تَنافِي الأُلُوهِيَّةَ فَقالَ: ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ لِأنَّهم ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ مُفْتَقِرَةُ الوُجُودِ إلى التَّخْلِيقِ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ.
﴿ أمْواتٌ ﴾ هم أمْواتٌ لا تَعْتَرِيهِمُ الحَياةُ، أوْ أمْواتٌ حالًا أوْ مَآلًا.
﴿ غَيْرُ أحْياءٍ ﴾ بِالذّاتِ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مَعْبُودٍ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَيًّا بِالذّاتِ لا يَعْتَرِيهِ المَماتُ.
﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ولا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِهِمْ، أوْ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالغُيُوبِ مُقَدِّرًا لِلثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ البَعْثَ مِن تَوابِعِ التَّكْلِيفِ.
<div class="verse-tafsir"
{إلهكم إله واحد} أي ثبت بما مر أن الإلهية لا تكون لغير الله وأن معبودكم واحد {فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} للوحدانية {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عنها وعن الإقرار بها
﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ عَلى مَعْنى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ يَوْمَ القِيامَةِ نَظِيرَ ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ أيّانَ إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا إمّا اسْتِفْهامًا أوْ شَرْطًا وتَتَمَحَّضُ لِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى وقْتٍ مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهُ نَحْوَ: وقْتَ يَقُومُ زَيْدٌ أقُومُ، عَلى أنَّ هَذا التَّعَلُّقَ في نَفْسِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (إلَهُكُمْ) تَصْرِيحٌ بِالمُدَّعى وتَلْخِيصٌ لِلنَّتِيجَةِ غَبَّ إقامَةِ الحُجَّةِ ﴿ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ وأحْوالِها الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ وما يَعْقُبُهُ مِنَ الجَزاءِ ﴿ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ ﴾ لِلْوَحْدانِيَّةِ جاحِدَةٌ لَها أوْ لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها ﴿ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنِ الِاعْتِرافِ بِها أوْ عَنِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها، والفاءُ لِلْإيذانِ بِأنَّ إصْرارَهم عَلى الإنْكارِ واسْتِمْرارَهم عَلى الِاسْتِكْبارِ وقَعَ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِلدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِكَ: أحْسَنْتُ إلى زَيْدِ فَإنَّهُ أحْسَنَ إلَيَّ، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِما قُرِّرَ مِنَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ اخْتِصاصُ الإلَهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ فَكانَ مِن نَتِيجَةِ ذَلِكَ إصْرارُهم عَلى الإنْكارِ واسْتِمْرارُهم عَلى الِاسْتِكْبارِ، وبِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ، فَإنَّ الكُفْرَ بِالآخِرَةِ وبِما فِيها مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ عَلى الطّاعَةِ بِالثَّوابِ وعَلى المَعْصِيَةِ بِالعِقابِ يُؤَدِّي إلى قِصَرِ النَّظَرِ عَلى العاجِلِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ المُوجِبِ لِإنْكارِها وإنْكارِ مَوادِّها والِاسْتِكْبارِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيمانُ بِهِ، وأمّا الإيمانُ بِها وبِما فِيها فَيَدْعُو لا مَحالَةَ إلى الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ والتَّأمُّلِ فِيها رَغْبَةً ورَهْبَةً فَيُورِثُ ذَلِكَ يَقِينًا بِالوَحْدانِيَّةِ وخُضُوعًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ وهم مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ، فَيَكُونُ الإنْكارُ إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى والِاسْتِكْبارُ إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ بِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والأوَّلُ أظْهَرُ، وإسْنادُ الإنْكارِ إلى القُلُوبِ لِأنَّها مَحَلُّهُ وهو أبْلَغُ مِن إسْنادِهِ إلَيْهِمْ، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَسْلُكْ في إسْنادِ الِاسْتِكْبارِ مِثْلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ أثَرٌ ظاهِرٌ كَما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ بَعْدُ وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ أي: ذلّل لكم البحر.
ويقال: ذلل لكم ما فى البحر لِتَأْكُلُوا مِنْهُ أي: من البحر لَحْماً طَرِيًّا أي: السمك الطري وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ يعني: من البحر حِلْيَةً تَلْبَسُونَها يعني: لؤلؤاً تتزينون بها.
يعني: زينة للنساء وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ أي: مقبلة، ومدبرة فيه.
ويقال: تذهب وتجيء بريح واحدة.
وقال عكرمة: يعني، السفينة حين تشق الماء يقال: مخرت السفينة إذا جرت، لأنها إذا جرت تشق الماء وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي: لكي تطلبوا من رزقه حين تركبون السفينة للتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: لكي تشكروا الله فيما صنع لكم من النعم.
قوله عز وجل: وَأَلْقى أي: وضع فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني: لكيلا تميد بكم، وقد يحذف لا ويراد إثباته، كما قال هاهنا: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي لا تميد بأهلها.
وروى معمر عن قتادة أنه قال: لما خلقت الأرض كادت تميد، فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً، فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال.
وقال القتبي: الميد، الحركة والميل.
ويقال أَنْ تَمِيدَ أي كراهة أن تميد بكم وَأَنْهاراً أي: وجعل لكم فيها أنهاراً وَسُبُلًا أي: طرقاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: تعرفون بها الطرق وَعَلاماتٍ أي: جعل في الأرض علامات من الجبال وغيرها تهتدون به الطرق في حال السفر.
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي: بالجدي، والفرقدين تعرفون بها الطرق في البر والبحر.
وروى عبد الرزاق عن معمر في قوله: وَعَلاماتٍ قال: قال الكلبي: الجبال.
وقال قتادة: النجوم.
وروى سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله: وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال: منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به.
وقال عمر بن الخطاب: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في طرقكم وقبلتكم، ثم كفوا، وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم» .
وقال السدي: وَعَلاماتٍ أي: الجبال بالنهار يهتدون بها الطرق، والنجوم بالليل.
ثم قال: أَفَمَنْ يَخْلُقُ يعني: أَفَمَنْ يَخْلُقُ هذه الأشياء التي وصفت لكم كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أي: لا يقدر أن يخلق شيئاً وهم الأصنام.
أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي: أفلا تتعظون في صنعه، وتوحّدوه وتعبدوه، ولا تعبدوا غيره.
<div class="verse-tafsir"
ورحمته وتنعيمُهُ طريقُهُ، وإِلى ذلك مصيره، و «طريقٌ قَاصِد» : معناه: بيِّنٌ مستقيمٌ قريبٌ، والألف واللام في السَّبِيلِ، للعهد، وهي سبيلُ الشرْعِ.
وقوله: وَمِنْها جائِرٌ: يريد طريقَ اليهودِ والنصارَى وغيرِهِم، فالضمير في مِنْها يعود على السُّبُلُ التي يتضمَّنها معنى الآية.
وقوله سبحانه: فِيهِ تُسِيمُونَ: يقال: أَسَامَ الرَّجُلُ مَاشِيَتَهُ إِذا أرسلها ترعى.
وقوله سبحانه: وَما ذَرَأَ لَكُمْ: ذرأ: معناه: بثّ ونشر.
ومُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي أصنافه، ويحتمل أنْ يكون التنبيهُ على اختلاف الألوان من حُمْرةٍ وصُفْرةٍ وغير ذلك، والأول أبْيَنُ.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: البَحْر: الماءُ الكثيرُ، ملْحاً كان أو عَذْباً.
قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١» : قولُهُ تعالى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها:
يعني به اللؤلُؤَ والمَرْجان، وهذا امتنان عامٌّ للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيء من ذلك.
انتهى.
ومَواخِرَ: جمعَ مَاخِرَة، والمَخْر في اللغة: الصَّوْت الذي يكون من هبوبِ الريح علَى شيءٍ يشقُّ أو يصحب في الجملة الماءَ فيترتَّب منه أنْ يكون المَخْر من الريحِ، وأنْ يكون من السفينةِ ونحوها، وهو في هذه الآيةِ من السّفن، وقال بعض النحاة:
المخر في كلامِ العرب: الشَّقُّ يقال: مَخَرَ المَاءُ الأَرْضَ، وهذا أيضاً بيِّن أن يقال فيه للفلْكِ مَوَاخِر.
وقوله: وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: يحتملُ: تهتدون في مشيكم وتصرّفكم في السّبل،
قَوْلُهُ تَعالى: " والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ " قَرَأ عاصِمٌ: يَدْعُونَ بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الأمْواتِ هاهُنا: أنَّها لا رُوحَ فِيها.
قالَ الأخْفَشُ: وقَوْلُهُ: " غَيْرُ أحْياءٍ " تَوْكِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ " أيّانَ " بِمَعْنى: " مَتى " .
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ، عَبَّرَ عَنْها كَما يُعَبِّرُ عَنِ الآدَمِيِّينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وَذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ الأصْنامَ لَها أرْواحٌ ومَعَها شَياطِينُها، فَيَتَبَرَّؤُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِالشَّياطِينِ والَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها إلى النّارِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ، لا يَعْلَمُونَ مَتى بَعْثُهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ ﴿ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ "عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ ، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟
والمُخاطَبَةُ: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ.
وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.
ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ.
و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ.
و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ ، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ [سورة النحل: 17] وجملة ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ [سورة النحل: 19].
وما صدْق ﴿ الذين ﴾ الأصنامُ.
وظاهر أن الخطاب هنا متمحّض للمشركين وهم بعض المخاطبين في الضمائر السابقة.
والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمناً مما قبلها وهو نفي الخالقية ونفي العلم عن الأصنام.
فالخبر الأول وهو جملة ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ استفيد من جملة ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ [سورة النحل: 17] وعطف وهم يخلقون } ارتقاء في الاستدلال على انتفاء إلهيتها.
والخبر الثاني وهو جملة ﴿ أموات غير أحياء ﴾ تصريح بما استفيد من جملة ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ [سورة النحل: 19] بطريقة نفي الشيء بنفي ملزومه.
وهي طريقة الكناية التي هي كذكر الشيء بدليله.
فنفي الحياة عن الأصنام في قوله: ﴿ غير أحياء ﴾ يستلزم نفي العلم عنها لأن الحياة شرط في قبول العلم، ولأن نفي أن يكونوا يعلمون ما هو من أحوالهم يستلزم انتفاء أن يعلموا أحوال غيرهم بدلالة فحوى الخطاب، ومن كان هكذا فهو غير إله.
وأسند ﴿ يخلقون ﴾ إلى النائب لظهور الفاعل من المقام، أي وهم مخلوقون لله تعالى، فإنهم من الحجارة التي هي من خلق الله، ولا يخرجها نحت البشر إيّاها على صور وأشكال عن كون الأصل مخلوقاً لله تعالى.
كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام قوله: ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ [سورة الصافات: 96].
وجملة غير أحياء } تأكيد لمضمون جملة ﴿ أموات ﴾ ، للدلالة على عراقة وصف الموت فيهم بأنه ليس فيه شائبة حياة لأنهم حجارة.
ووصفت الحجارة بالموت باعتبار كون الموتتِ عدم الحياة.
ولا يشترط في الوصف بأسماء الأعدام قبولُ الموصوفات بها لملكاتها، كما اصطلح عليه الحكماء، لأن ذلك اصطلاح منطقي دعا إليه تنظيم أصول المحاجة.
وقرأ عاصم ويعقوب ﴿ يدعون ﴾ بالتحتية.
وفيها زيادة تبيين لصرف الخطاب إلى المشركين في قراءة الجمهور.
وجملة ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على إثبات الوحدانية لله تعالى، لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين، وتمهيدٌ لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى ﴿ فالذين لا يؤمنون بالأخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ﴾ [سورة النحل: 22].
ولذلك فالظاهر أن ضميري يشعرون } و ﴿ يبعثون ﴾ عائدان إلى الكفّار على طريق الالتفات في قراءة الجمهور، وعلى تناسق الضمائر في قراءة عاصم ويعقوب.
والمقصود من نفي شعورهم بالبعث تهديدهم بأن البعث الذي أنكروه واقع وأنهم لا يدرون متى يبغتهم، كما قال تعالى: ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ [سورة الأعراف: 187].
والبعث: حقيقته الإرسال من مكان إلى آخر.
ويطلق على إثارة الجاثم.
ومنه قولهم: بعثتُ البعير، إذا أثرته من مَبركه.
ولعلّه من إطلاق اسم الشيء على سببه.
وقد غلب البعث في اصطلاح القرآن على إحضار الناس إلى الحساب بعد الموت.
فمن كان منهم ميتاً فبعثه من جدثه، ومن كان منهم حياً فصادفته ساعة انتهاء الدنيا فمات ساعتئذٍ فبعثُه هو إحياؤه عقب الموت، وبذلك لا يعكر إسناد نفي الشعور بوقت البعث عن الكفّار الأحياء المهدّدين.
ولا يستقيم أن يكون ضمير ﴿ يشعرون ﴾ عائداً إلى ﴿ الذين تدعون ﴾ ، أي الأصنام.
و ﴿ أيان ﴾ اسم استفهام عن الزمان.
مركبة من (أي) و(آن) بمعنى أي زمن، وهي معلقة لفعل ﴿ يشعرون ﴾ عن العمل بالاستفهام، والمعنى: وما يشعرون بزمن بعثهم.
وتقدم ﴿ أيان ﴾ في قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الساعة أيّان مرساها ﴾ في سورة الأعراف (187).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَواخِرَ المَواقِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها الَّتِي تَجْرِي فِيهِ مُعْتَرِضَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها تَمْخُرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ لِأنَّ المَخْرَ في كَلامِهِمْ هُبُوبُ الرِّيحِ.
الرّابِعُ: أنَّها تَجْرِي بِرِيحٍ واحِدَةٍ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّها الَّتِي تَشُقُّ الماءَ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ؛ لِأنَّ المَخْرَ في كَلامِهِمْ شَقُّ الماءِ وتَحْرِيكُهُ قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالتِّجارَةِ فِيهِ.
الثّانِي: بِما تَسْتَخْرِجُونَ مِن حِلْيَتِهِ، وتَأْكُلُونَهُ مِن لُحُومِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ في العَلاماتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَعالِمُ الطَّرِيقِ بِالنَّهارِ، وبِالنُّجُومِ يَهْتَدُونَ بِاللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها النُّجُومُ أيْضًا لِأنَّ مِنَ النُّجُومِ ما يُهْتَدى بِها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ العَلاماتِ الجِبالُ.
وَفي ﴿ النَّجْمُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ النُّجُومَ الثّابِتَةَ، فَعَبَّرَ عَنْها بِالنَّجْمِ الواحِدِ إشارَةً إلى الجِنْسِ.
الثّانِي: أنَّهُ الجَدْيُ وحْدَهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ النُّجُومِ كُلِّها في مَرْكَزِهِ.
وَفي المُرادِ بِالِاهْتِداءِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الِاهْتِداءَ بِها في جَمِيعِ الأسْفارِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ الِاهْتِداءَ بِهِ في القِبْلَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ قالَ: (هُوَ الجَدْيُ يا ابْنَ عَبّاسٍ عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكُمْ)» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَحْفَظُوها، قالَ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لا تَشْكُرُوها وهو مَأْثُورٌ.
وَيَحْتَمِلُ المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ تَكْثِيرًا لِنِعْمَتِهِ أنْ تُحْصى.
الثّانِي: أنَّهُ تَكْثِيرٌ لِشُكْرِهِ أنْ يُؤَدّى.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي خارِجًا مَخْرَجَ الغُفْرانِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن مطر أنه كان لا يرى بركوب البحر بأساً، وقال: ما ذكره الله في القرآن إلا بخير.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث: غازٍ أو حاج أو معتمر.
وأخرج عبد الرزاق، عن علقمة بن شهاب القرشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن أجر يوم في البحر كأجر يوم في البر وإن القتل في البحر، كالقتلتين في البر، وإن المائد في السفينة، كالمتشحط في دمه، وان خيار شهداء أمتي أصحاب الكف، قالوا.
وما أصحاب الكف يا رسول الله؟
قال: قوم تتكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص، عن كعب الأحبار: إن الله قال للبحر الغربي حين خلقه: قد خلقتك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف تعمل بهم؟
قال: أغرقهم، قال الله: إني أحملهم على كفي، وأجعل بأسك في نواحيك، ثم قال للبحر الشرقي: قد خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف أنت فاعل بهم؟
قال أكبرك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني، فأعطاه الله الحلية والصيد الطيب.
وأخرج البزار، عن أبي هريرة قال: كلم الله البحر الغربي، وكلم الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟
قال: أغرقهم.
قال: بأسك في نواحيك، وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي، فقال: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟
قال: أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ يعني حيتان البحر ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ قال هذا اللؤلؤ.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ قال هو السمك وما فيه من الدواب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة: إنه سئل عن رجل قال لامرأته: إن أكلت لحماً فأنت طالق؟
فأكلت سمكاً، قال: هي طالق.
قال الله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء قال: يحنث قال الله: ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر قال: ليس في الحلي زكاة، ثم قرأ ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر ﴾ قال جواري.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تمخر السفن الرياح، ولا تمخر الريح من السفن، إلا الفلك العظام.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تشق الماء بصدرها.
وأخرج ابن ألمنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال السفينتان تجريان بريح واحدة؛ كل واحدة مستقبلة الأخرى.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال هو التجارة والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ مضى الكلام في هذا في سورة البقرة [162].
وقوله تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ الآية دخلت الفاء للإتباع دون العطف، ذكر الله تعالى دلائل وحدانيته ثم أخبر أنه واحد لا نظير له ولا كفء ولا شريك، ثم أتبع هذا إنكار الكفار وحدانيته، وقال: ﴿ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ﴾ ، أي: جاحدة غير عارفة ولا مُقِرَّة بالحق من توحيد الله، وقال ابن عباس: منكرة لهذا القرآن (١) ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ في سورة هود [70].
وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، أي: ممتنعون من قبول الحق، والاستكبار: الترفع بترك الإذعان للحق، قال ابن عباس: ﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ : عن عبادة الله.
(١) ورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 364.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ نفى عن الأصنام صفات الربوبية، وأثبت لهم أضدادها، وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين بوقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم أثبت الربوبية لله وحده فقال: إلهكم إله واحد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً ﴾ موصول بقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ ﴾ .
يقول: الذي خلق لكم ما ذكر من الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء لكم؛ منه شراب، ومنه شجر هذا يحتمل ما ذكرنا: أنه أنزل من السماء ماء [لنا]؛ ثم أخبر أنه منه شراب، ومنه شجر.
ويحتمل: هو الذي أنزل من السماء ماء، ثم أخبر: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ جميع ما يشرب من الأشربة؛ إذ منه تكون الأشربة جميعاً؛ وجميع الأشياء.
ويحتمل ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ الماء خاصة.
﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ : الشجر: معروف؛ هو الذي يعلو ويرتفع في الأرض؛ لا يسمى الحشيش وما ينبسط على وجه الأرض شجراً، فظاهر هذا أن يرجع إلى ذلك المعروف؛ إلا أنه ذكر شجراً ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ : أي: تزرعون، دل هذا أنه إنما أراد بالشجر المنبسط على وجه الأرض والمرتفع عليها.
وقال القتبي: السائمة: الراعية، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال أبو عبيدة: أسمت سائمتي: أي: رعيتها: وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ ﴾ أي: الراعية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
أي: ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزل من السماء الزرع، والزيتون، وجميع ما ذكر، جعل الله - بلطفه - الماء لقاح كل الأشياء المختلفة والمتفقه، ليس كغيره من الدوابّ؛ حيث لم يجعل لقاح شيء من جنس آخر، إنما جعل لقاح كل نوع من نوعه، وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع الخلائق على إدراك ذلك - وإن اجتهدوا - لم يقدروا عليه، يعرفون الماء ظاهراً؛ ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية؛ التي يكون بها حياة كل أحد وموافقته.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
ذكر أن فيه آية لقوم يتفكرون، ولم يذكر أنه لماذا؟
لكنه ذكر أنه آية لقوم يتفكرون؛ بالتفكر يعرف أنه آية لماذا، وهذا يدلّ على أن الأشياء التي غابت عنا ظواهرها بالتفكر والنظر تدرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ ﴾ وما ذكر.
ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلق هذه الأشياء، وجعل فيها منافع للخلق؛ تتصل تلك المنافع إلى الخلق شئن؛ أو أبين أحببن أو كرهن؛ جعل في النهار معاشاً للخلق؛ وتقلباً فيه يتعيشون ويتقلبون، وجعل الليل راحة لهم وسكناً، ينتفعون بهما شاءا أو أبيا، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه، ينتفع الخلائق بما جعل فيها من المنافع شاءت هذه الأشياء أو أبت، فذلك وجه تسخيرها لنا.
ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا: ما جعل في وسعنا استعمال هذه الأشياء؛ والانتفاع بها، والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا.
ويحتمل تسخيرها لنا: ما ينتفع بهن شئن أو أبين بالطباع.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: أي: بأمره تنفع الخلائق ويحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ : أي: كونها في الأصل هكذا؛ بأن تنفع الخلق.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .
قال في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ جعل الله التفكر سبيلا للعقول إلى إدراك الأشياء المغيبة بالحواس الظاهرة؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة، [والتفكر فيها؛ لأن ما غاب عن الحواس الظاهرة] لا يدركه العقل؛ فجعل الحواس الظاهرة سبيلاً للعقول إلى إدراك المغيب عنها.
ذكر - عز وجل - في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وذكر في الآية الثانية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الثالثة: ﴿ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي الرابعة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : فهو - والله أعلم - كرره على مراتب؛ لأنه بالتفكر فيها يعقل ويعلم، ثم بعد العلم والعقل والفهم يتذكر، وإذا تذكر عند ذلك شكر نعمه، ثم قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ و ﴿ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما ذكر فيه: دلالة وحدانية الله ، ودلالة تدبيره وعلمه وحكمته، ودلالة بعث الخلائق، ودلالة قدرته وسلطانه؛ لأن الليل والنهار يأتيان الجبابرة والفراعنة، ويذهبان بعمرهم ويفنيانه؛ شاءوا أو أبوا، فذلك آية سلطانه وقدرته؛ ليعلم أن له [السلطان والقدرة] لا لهم، وفيهما دلالة البعث؛ لأنه إذا أتى هذا ذهب الآخر حتى لا يبقى له أثر، ثم ينشيء مثله بعد أن لم يبق من الأوّل شيء ولا أثر، فالذي قدر على إنشاء النهار أو الليل بعد ما ذهب أثره وتلاشى - لقادر على إنشاء الخلق بعد ما ذهب أثرهم.
وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، وما ذكر: لما اتسق هذا كله على سنن واحد؛ وتقدير واحد؛ على غير تفاوت فيها ولا تفاضل، وعلى غير تقديم ولا تأخير بل جرى كله على سنن واحد، وتقدير واحد، وميزان واحد؛ من غير تفاوت [ولا تفاضل] ولا اختلاف.
دلّ أنه على تدبير واحد خرج ذلك، لا على الجزاف، وأن مدبر ذلك كله واحد؛ إذ لو كان تدبير عدد لخرج مختلفاً متفاوتاً، فدل أنه تدبير واحد لا عدد، وأنه على تدبير غيرٍ خرج وجرى كذلك، لا بنفسه، وأنه على حكمة، وعلم جرى كذلك، فدل على لزوم الرسالة والعبادة له؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي: مختلفاً أصنافه وجواهره.
يخبر - عز وجل - [عن] قدرته، وسلطانه، ونعمه التي أنعم عليهم بها.
أما سلطانه وقدرته: ما خلق في الأرض وأنبت فيها بالماء لم يرجع إلى جوهر الأرض وجنسها، ولا إلى جوهر الماء وجنسه، وهما كالوالدين: الماء كالأب، والأرض كالأم، فلم يرجع ما خرج منهما من جنسهما، ولا من جوهرهما؛ كما كان في سائر الأشياء رجع التوالد منها إلى جنس الوالدين وجوهرهما؛ بل رجع التوالد والنشوء من الأرض والماء إلى جنس البذر وجوهره؛ ليعلم قدرته وسلطانه على إنشاء الأشياء؛ بأسباب وبغير أسباب، ومن شيء ومن لا شيء.
ويذكر نعمه: حيث أخبر أنه خلق في الأرض من الأصناف المختلفة، والجواهر المتفرقة؛ لينتفعوا بها.
ويحتمل قوله: ﴿ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ من جنس واحد؛ من شيء واحد؛ لأنه يكون من جنس واحد ألوان مختلفة، ومن قدر على إنشاء ألوان مختلفة من شيء واحد لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي آية ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ ، و ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
فيحتمل أن يكون كله كناية عن المؤمنين؛ كأنه قال: إن في ذلك لآية للمؤمنين؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر: من التفكر، والتذكر، والعقل، والاعتبار، والصبر، والشكر، وغيره.
ويحتمل: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ ، و ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : أي: لقوم همتهم الفكر والنظر في الآيات، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها، لا لقوم همتهم العناد، والمكابرة، والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها.
وفي ذكر الآية للمتفكرين، والعاقلين، والمتذكرين: لما منفعة الآية تكون لهؤلاء، وإن كانت الآيات لهم ولغيرهم، فمنفعتها لمن ذكر.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .
وتسخيره إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه: من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدوابّ: السمك وغيره، فلولا تسخير الله إياه للخلق؛ وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة؛ وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه؛ لشدة أهواله وأفزاعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .
يحتمل السمك خاصة.
ويحتمل السمك وما فيه من الدوابّ؛ من نوع ما لو كان بريّاً أكل؛ من نحو الجواميس وغيرها.
وقوله : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ .
يحتمل الحلية: اللؤلؤ والمرجان؛ الذي ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ حِلْيَةً ﴾ : أي: ما يتخذ منه حلية.
وهذا جائز؛ أن يسمّى الشيء باسم ما يتخذ منه؛ وباسم ما يصير به في المتعقب.
أو يسمى حلية؛ لأنه زينة.
ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة؛ ألا ترى أنه ذكر في الأنعام زينة وجمالاً، وفي الخيل والبغال كذلك، فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر أخبر أنه جعل لنا الوصول إلى [ما في] قعر البحر وهو ما ذكر من اللؤلؤ وأنواع الحلي، وما في بطن البحر: وهو ما ذكر من اللحم الطري، وما هو على وجه الماء: وهو السفن التي ذكر.
ووجه تسخيره إيانا الخيل والأسباب التي علمنا؛ حتى نصل إلى ما فيه؛ فكأنه قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه.
وفي ذلك دلالات: إحداها: إباحة التجارة بركوب الأخطار؛ لأن الغائص [في البحر] يخاطر بنفسه؛ وروحه، وكذلك راكب السفن؛ فلولا أنه مباح له طلب ذلك؛ وإلا ما ذكر هذا في منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ قال الحسن، والأصم: المواخر: السفن المحشوات؛ الوافرة أحمالها وأثقالها، يذكر منّته التي منّ بها عليهم؛ حيث جعل لهم السفن والفلك؛ التي يحمل بها الأحمال الثقال العظام في البحار ما سبيلها التسفّل والانحدار في البحر؛ فأمسكها فيه بالسفن العظام الثقيلة.
وقال بعضهم: مواخر: أي: جارية مقبلة مدبرة بريح واحدة في البحر؛ لأن ماء البحر راكدة؛ فأجرى السفن فيه بالرياح؛ حيثما أرادوا وقصدوا؛ إذ الأشياء قد تجري [على الماء] إذا كان له جرية، وأما إذا كان راكداً ساكناً فلا سبيل إلى ذلك؛ فيذكر عظيم منته وقدرته على إجراء السفن في الماء الراكد بالريح.
وقال [بعضهم]: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ أي: جواري تشق الماء شقّاً وتخرقه، يقال: مخرت السفينة؛ ومنه: مخر الأرض: إنما هو شق الماء لها؛ وهو قول القتبي.
وكذلك قال أبو عبيدة: إنه من شق السفن الماء.
وقال أبو عوسجة: المواخر: المستقبلة، يقال: استمخر الإنسان الريح: إذا استقبلها.
وقال أبو عبيدة: مواخر من الاستدبار؛ يقال: إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح: أي: يستدبرها.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
يحتمل بالتجارة التي جعل فيها؛ حيث جعل سبيل قطع البحار إلى بلاد نائية بعيدة بالسفن؛ ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا تقوم إلا بالأغذية، ولعلهم لا يظفرون ما به قوام أبدانهم وبنيتهم في بلادهم؛ فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم، فمنّ عليهم بذلك؛ كما من بقطع المفاوز والبراري بالدوابّ؛ بقوله: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .
أو قال: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بما يستخرج منه، ولعلكم تشكرون جميع ما ذكر: من ألوان النعم والمنافع؛ من أوّل السورة إلى آخرها؛ يستأدي به شكره.
وفي قوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ دلالة إباحة التجارة، وطلب الفضل بركوب الأخطار واحتمال الشدائد؛ حيث أخبر أنه سخر البحر؛ حتى أمكنهم ركوبه بالحيل والأسباب التي علمها لهم؛ لأن الغواص يخاطر بروحه ونفسه، وكذلك راكب السفينة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .
أي ألقى في الأرض الجبال؛ لئلا تميد بكم [؛ قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ لئلا تميد بكم] لأنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها؛ كما تكفو السفينة في الماء؛ فأثبتها بالجبال؛ لتقرّ بأهلها، لكن لو كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفو ولا تضطرب، ولكنها تتسرب في الماء وتنهار فيه؛ لأن من طبعها التسفّل والتسرب في الماء؛ إلا أن يقال: [إن] الله - عز وجل - جعل - بلطفه - طبعها طبع ما يضطرب؛ وتكفو، فعند ذلك يحتمل ما ذكروا.
والله أعلم.
ولو قالوا: إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا؛ ويكون أشبه بقولهم؛ ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب لا يضيء بل ينطفئ كما أسرج؛ فيشبه أن يكون انطفاؤه لريح تكون في الأرض، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، والله أعلم بذلك.
وقال بعضهم: بسطت على ظهر الثور فكانت تضطرب بتحركه فأرساها بما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً ﴾ يخرج ذكر ذلك منه ذكر الامتنان والنعمة؛ لأن له أن يترك الأرض على ما خلقها؛ ولا يثبتها بالجبال؛ لتميد بأهلها وتميل؛ فلا يقدروا على القرار عليها والانتفاع بها، لكنه - بفضله ومنته - أثبتها بالجبال؛ ليقروا عليها، ويقدروا على الانتفاع بها.
وكذلك له ألا يجعل لهم فيها أنهاراً جارية؛ فيكون مياههم من آبارها، وكذلك له أن يحوجهم بأنواع الحوائج؛ ثم لا يبين لهم الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، [ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها تقضي حوائجهم بأنواع الحوائج، ثم لا يبين لهم الطرق والسبل]، لكنه بفضله ومنّه بيَّن لهم الطرق والسبل التي تفضي إلى البلدان والأمكنة التي فيها تقضي حوائجهم، وكذلك بفضله جعل لهم في الأرض أنهاراً جارية، وأثبت الأرض بالرواسي؛ ليقروا عليها، وذلك كله بمنّه وفضله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .
يحتمل تهتدون الطرق والسبل التي تفضيهم إلى الحوائج.
ويحتمل: تهتدون الهدى المعروف؛ بما ذكر من نعمه ومننه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ هذا أيضاً يخرج مخرج ذكر المنن والنعم عليهم؛ لأنهم لولا ما جعل الله أعلاماً في البحار والبراري يعرفون بها السلوك فيها؛ وإلا لم يقدر أحد معرفة الطرق في البحار والبراري.
ثم يحتمل الأعلام: مرة بطعم الماء والجبال التي جعل فيها وبالرياح، ومرة تكون بالنجم؛ [يعرفون بطعم الماء أن هذا الطريق يفضي إلى موضع كذا، وكذلك يعرفون بالجبال وبالرياح] يعرفون السبل إلى حوائجهم ومقصودهم.
وكذلك بالنجم يعرفون الطرق؛ فالأعلام مختلفة بها يهتدون الطرق والسبل.
ويحتمل: يهتدون بما ذكر من الأعلام والنجم سبب اهتدائهم إلى توحيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على الاحتجاج عليهم؛ أي: لا تجعلوا من لا يخلق ولا ينفع ولا ينعم كمن هو خالق الأشياء كلها؛ منعم النعم عليكم، ﴿ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ : [أي]: إن صرف العبادة والشكر إلى غير خالقكم وغير منعمكم جور وظلم.
والثاني: يخرج مخرج تسفيه أحلامهم؛ أنهم يعبدون من يعلمون أنه ليس بخالق، ويتركون عبادة من يعلمون أنه خالق الأشياء كلها، أفلا تذكرون والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: وإن تعدوا أنفس نعمة الله التي أنعمها عليكم وأعينها لا تقدروا على عدّها لكثرتها.
والثاني: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ ﴾ : وإن تكلفتم واجتهدتم كلّ جهدكم أن تقوموا لشكر ما أنعم الله عليكم [ومنّ] وما قدرتم على القيام لشكر واحدة منها؛ فضلا أن تقوموا للكل.
والثالث: يخرج على العتاب والتوبيخ؛ أي: كيف فرغتم لعبادة من لا يخلق ولا ينعم عن عبادة من خلق وأنعم، وكنتم لا تقدرون على إحصاء ما أنعم عليكم؛ فضلا أن تقوموا لشكره.
وقال الحسن في قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ : لا تعرفوا كل النعم؛ لأنه كم من النعم ما لا يعرفه الخلق؛ كقوله: ﴿ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ فإذا لم يعلموا لم يقدروا إحصاءها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنكم وإن افتريتم على الله، وعاندتم حججه وآياته، وكذبتم رسله فإذا استغفرتم؛ وتبتم عما كان منكم؛ يغفر لكم ذلك كله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
والثاني: ﴿ لَغَفُورٌ ﴾ : أي: يستر عليكم ما كان منكم؛ ما لو أظهر ذلك لافتضحتم؛ لكنّه برحمته ستر ذلك عليكم، رحيم بالستر عليكم.
أو ذكر ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ على أثر ذكر النعم وأنواع المنافع؛ ليكونوا رحماء على ما ذكر مما سخر لنا وأذلّ.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
معبودكم بحق هو معبود واحد لا شريك له وهو الله، والذين لا يؤمنون بالبعث للجزاء قلوبهم جاحدة وحدانية الله لعدم خوفها، فهي لا تؤمن بحساب ولا عقاب، وهم متكبرون لا يقبلون الحق، ولا يخضعون له.
<div class="verse-tafsir" id="91.OvpPm"