الآية ٢١ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢١ من سورة النحل

أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أموات غير أحياء ) أي : هي جمادات لا أرواح فيها فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل .

( وما يشعرون أيان يبعثون ) أي : لا يدرون متى تكون الساعة ، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء ؟

إنما يرتجى ذلك من الذي يعلم كل شيء ، وهو خالق كل شيء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: والذين تدعون من دون الله أيها الناس ( أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ) وجعلها جلّ ثناؤه أمواتا غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فيها.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) وهي هذه الأوثان التي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرّا ولا نفعا ، وفي رفع الأموات وجهان: أحدهما أن يكون خبرا للذين، والآخر على الاستئناف وقوله ( وَمَا يَشْعُرُونَ ) يقول: وما تدري أصنامكم التي تدعون من دون الله متى تبعث ، وقيل: إنما عنى بذلك الكفار، إنهم لا يدرون متى يبعثون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أموات غير أحياء أي هم أموات ، يعني الأصنام ، لا أرواح فيها ولا تسمع ولا تبصر ، أي هي جمادات فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها بالحياة .وما يشعرون أيان يبعثون وما يشعرون يعني الأصنام .

أيان يبعثون وقرأ السلمي ، " إيان " بكسر الهمزة ، وهما لغتان ، موضعه نصب ب يبعثون وهي في [ ص: 86 ] معنى الاستفهام .

والمعنى : لا يدرون متى يبعثون .

وعبر عنها كما عبر عن الآدميين ; لأنهم زعموا أنها تعقل عنهم وتعلم وتشفع لهم عند الله - تعالى - ، فجرى خطابهم على ذلك .

وقد قيل : إن الله يبعث الأصنام يوم القيامة ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم ، وهي في الدنيا جماد لا تعلم متى تبعث .

قال ابن عباس ; تبعث الأصنام وتركب فيها الأرواح ومعها شياطينها فيتبرءون من عبدتها ، ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار .

وقيل : إن الأصنام تطرح في النار مع عبدتها يوم القيامة ; دليله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم .

وقيل : تم الكلام عند قوله : لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات ، وهذا الموت موت كفر .

وما يشعرون أيان يبعثون أي وما يدري الكفار متى يبعثون ، أي وقت البعث ; لأنهم لا يؤمنون بالبعث حثى يستعدوا للقاء الله وقيل : أي وما يدريهم متى الساعة ، ولعلها تكون قريبا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومع هذا ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء لا علم، ولا غيره { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ } فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء والقدرة العامة والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أموات ) أي الأصنام ( غير أحياء وما يشعرون ) يعني الأصنام ( أيان ) متى ( يبعثون ) والقرآن يدل على أن الأصنام تبعث وتجعل فيها الحياة فتتبرأ من عابديها .وقيل : ما يدري الكفار عبدة الأصنام متى يبعثون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أموات» لا روح فيه خبر ثان «غير أحياء» تأكيد «وما يشعرون» أي الأصنام «أيان» وقت «يبعثون» أي الخلق فكيف يعبدون، إذ لا يكون إلهاً إلا الخالق الحي العالم بالغيب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هم جميعًا جمادات لا حياة فيها ولا تشعر بالوقت الذي يبعث الله فيه عابديها، وهي معهم ليُلقى بهم جميعًا في النار يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف - سبحانه - الأوثان التى يعبدها المشركون من دونه ، بثلاثة أوصاف .

تجعلها بمعزل عن النفع ، فضلا عن استحقاقها للعبادة ، فقال - تعالى - ( والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) .فوصفها - أولا - بالعجز التام ، فقال - تعالى - : ( والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً .

.

) .أى : وهذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله - تعالى - لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما صغرت ، بل هم يخلقون بأيديكم ، فأنتم الذين تنحتون الأصنام .

كما قال - سبحانه - حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - الذى قال لقومه على سبيل التهكم بهم : ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم ، أو هو مفتقر إلى من يوجده؟!وهذه الآية الكريمة أصرح فى إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها التى تقول : ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ .

.

) لأن الآية السابقة نفت عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا ، أما هذه الآية التى معنا فنفت عنهم ذلك ، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله - عز وجل - ، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير ، فهم أعجز من عبدتهم ، وعليه فلا تكرار بين الآيتين .وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى - ( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ) .أى : هؤلاء المعبودون من دون الله - تعالى - ، هم أموات لا أثر للحياة فيهم ، فهم لا يسمعون ، ولا يبصرون ، ولا يغنون عن عابديهم شيئا ، فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم للحياة فقدانا تاما .وجملة ( غير أحياء ) جئ بها لتأكيد موتهم ، وللدلالة على عراقة وصفهم بالموت ، حيث إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم ، ولم يكونوا أحياء - كعابديهم - ثم ماتوا ، بل هم أموات أصلا .

أو جئ بها على سبيل التأسيس ، لأن بعض مالا حياة فيه من المخلوقات ، قد تدركه الحياة فيما بعد ، كالنطفة التى يخلق الله - تعالى - منها حياة ، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها حياة ، وهذا أتم فى نقصها ، وفى جهالة عابديها .وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى - : ( وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) .ولفظ ( أيان ) ظرف زمان متضمن معنى متى .وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق ، وعدم إحساسهم بشئ .أى : أن من صفات هذه المعبودات الباطلة ، أنها لا تدرى متى يبعثها الله - تعالى - لتكون وقودا للنار .وبعضهم يجعل الضمير فى ( يشعرون ) يعود على الأصنام ، وفى ( يبعثون ) يعود على العابدين لها ، فيكون المعنى : وما تدرى هذه الأصنام التى تعبد من دون الله - تعالى - متى تبعث عبدتها للحساب يوم القيامة .قال صاحب فتح القدير ما ملخصه : قوله : ( وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) الضمير فى ( يشعرون ) للآلهة وفى ( يبعثون ) للكفار الذين يعبدون الأصنام .والمعنى : وما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار ، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم ، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة .

فضلا عن الأمور التى لا يعلمها إلا الله - سبحانه - .ويجوز أن يكون الضمير فى الفعلين للآلهة .

أى : وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث .

ويدل على ذلك قوله تعالى - : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ .

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على وجود القادر الحكيم على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت تلك الدلائل كما أنها كانت دلائل، فكذلك أيضاً كانت شرحاً وتفصيلاً لأنواع نعم الله تعالى وأقسام إحسانه أتبعه بذكر إبطال عبادة غير الله تعالى والمقصود أنه لما دلت هذه الدلائل الباهرة، والبينات الزاهرة القاهرة على وجود إله قادر حكيم، وثبت أنه هو المولي لجميع هذه النعم والمعطي لكل هذه الخيرات فكيف يحسن في العقول الاشتغال بعبادة موجود سواه لا سيما إذا كان ذلك الموجود جماداً لا يفهم ولا يقدر، فلهذا الوجه قال بعد تلك الآيات: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى: أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها كمن لا يخلق بل لا يقدر ألبتة على شيء أفلا تذكرون فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر وتفكر ونظر.

ويكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، وأنتم ترون في الشاهد إنساناً عاقلاً فاهماً ينعم بالنعمة العظيمة، ومع ذلك فتعلمون أنه يقبح عبادته فهذه الأصنام جمادات محضة، وليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار فكيف تقدمون على عبادتها، وكيف تجوزون الاشتغال بخدمتها وطاعتها.

المسألة الثانية: المراد بقوله: ﴿ مَّن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ الأصنام، وأنها جمادات فلا يليق بها لفظة من لأنها لأولي العلم.

وأجيب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن الكفار لما سموها آلهة وعبدوها، لا جرم أجريت مجرى أولي العلم ألا ترى إلى قوله على أثره: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ .

والوجه الثاني: في الجواب أن السبب فيه المشاكلة بينه وبين من يخلق.

والوجه الثالث: أن يكون المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف من لا علم عنده كقوله: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ يعني أن الآلهة التي تدعونها حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف يصح منهم عبادتها، وليس المراد أنه لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا.

فإن قيل: قوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ المقصود منه إلزام عبدة الأوثان، حيث جعلوا غير الخالق مثل الخالق في التسمية بالإله، وفي الاشتغال بعبادتها، فكان حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والجواب: المراد منه أن من يخلق هذه الأشياء العظيمة ويعطي هذه المنافع الجليلة كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية باسم الإله، وفي الاشتغال بعبادتها والإقدام على غاية تعظيمها فوقع التعبير عن هذا المعنى بقوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ .

المسألة الثالثة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه فقال: إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا يعبدونها بصفة الخالقية لأن قوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ الغرض منه بيان كونه ممتازاً عن الأنداد بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والمعبودية بسبب كونه خالقاً، فهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقاً لبعض الأشياء لوجب كونه إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد قالت المعتزلة الجواب: عنه من وجوه: الوجه الأول: أن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والنجوم والجبال كمن لا يقدر على خلق شيء أصلاً، فهذا يقتضي أن من كان خالقاً لهذه الأشياء فإنه يكون إلهاً ولم يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن يكون إلهاً.

والوجه الثاني: أن معنى الآية: أن من كان خالقاً كان أفضل ممن لا يكون خالقاً، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا  ﴾ ومعناه: أن الذي حصل له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشي بها، وهذا يوجب أن يكون الإنسان أفضل من الصنم، والأفضل لا يليق به عبادة الأخس، فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي بها أن يكون إلهاً، فكذلك هاهنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل من غير الخالق، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، ولا يلزم منه أن بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلهاً.

والوجه الثالث في الجواب: أن كثيراً من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد.

قال الكعبي في تفسيره إنا لا نقول: إنا نخلق أفعالنا: قال ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله: ﴿ وَإِذَ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير  ﴾ وقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين  ﴾ .

واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد، حتى أن أبا عبد الله البصير بالغ وقال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز، لأن الخالق عبارة عن التقدير، وذلك عبارة عن الظن والحسبان، وهو في حق العبد حاصل وفي حق الله تعالى محال.

واعلم أن هذه الأجوبة قوية والاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس بقوي، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين بالآية المتقدمة أن الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ بين بهذه الآية أن العبد لا يمكنه الإتيان بعبادة الله تعالى وشكر نعمه والقيام بحقوق كرمه على سبيل الكمال والتمام، بل العبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات، وبالغ في شكر نعمة الله تعالى فإنه يكون مقصراً، وذلك لأن الاشتغال بشكر النعم مشروط بعلمه بتلك النعم على سبيل التفصيل والتحصيل، فإن من لا يكون متصوراً ولا مفهوماً ولا معلوماً امتنع الاشتغال بشكره، إلا أن العلم بنعم الله تعالى على سبيل التفصيل غير حاصل للعبد، لأن نعم الله تعالى كثيرة وأقسامها وشعبها واسعة عظيمة، وعقول الخلق قاصرة عن الإحاطة بمباديها فضلاً عن غاياتها وأنها غير معلومة على سبيل التفصيل، وما كان كذلك امتنع الاشتغال بشكره على الوجه الذي يكون ذلك الشكر لائقاً بتلك النعم.

فهذا هو المفهوم من قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ يعني: أنكم لا تعرفونها على سبيل التمام والكمال، وإذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها على سبيل التمام والكمال، وذلك يدل على أن شكر الخالق قاصر عن نعم الحق، وعلى أن طاعات الخلق قاصرة عن ربوبية الحق وعلى أن معارف الخلق قاصرة عن كنه جلال الحق، ومما يدل قطعاً على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم الله تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على الإنسان، ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل الأصلح، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بكيفية مصالحه ولا بدفع مفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك، ثم تأمل في جميع ما خلق الله في هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان، وجعلها مهيأة لانتفاعك بها، حتى تعلم أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلاً عن سائر وجوه الفضل والإحسان.

فإن قيل: فلما قررتم أن الاشتغال بالشكر موقوف على حصول العلم بأقسام النعم، ودللتم على أن حصول العالم بأقسام النعم محال أو غير واقع، فكيف أمر الله الخلق بالقيام بشكر النعم؟

قلنا: الطريق إليه أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها.

فهذا هو الطريق الذي به يمكن الخروج عن عهدة الشكر.

والله أعلم.

المسألة الثانية: قال بعضهم: إنه ليس لله على الكافر نعمة وقال الأكثرون: لله على الكافر والمؤمن نعم كثيرة.

والدليل عليه: أن الإنعام بخلق السموات والأرض والإنعام بخلق الإنسان من النطفة، والإنعام بخلق الأنعام وبخلق الخيل والبغال والحمير، وبخلق أصناف النعم من الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وبتسخير البحر ليأكل الإنسان منه لحماً طرياً ويستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن والكافر، ثم أكد تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ وذلك يدل على أن كل هذه الأشياء نعم من الله تعالى في حق الكل، وهذا يدل على أن نعم الله واصلة إلى الكفار، والله أعلم.

أما قوله: ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ والمعنى: أنه لما بين أن الإنسان لا يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل: قال: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه، رحيم بكم حيث لم يقطع نعمه عليكم بسبب تقصيركم.

أما قوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى يسرون ضروباً من الكفر في مكايد الرسول عليه السلام فجعل هذا زجراً لهم عنها.

والثاني: أنه تعالى زيف في الآية الأولى عبادة الأصنام بسبب أنه لا قدرة لها على الخلق والإنعام وزيف في هذه الآية أيضاً عبادتها بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، وهذه الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلاً فكيف تحسن عبادتها؟

أما قوله: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ فاعلم أنه تعالى وصف هذه الأصنام بصفات كثيرة.

فالصفة الأولى: أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون قرأ حفص عن عاصم يسرون ويعلنون ويدعون كلها بالياء على الحكاية عن الغائب، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ بالياء خاصة على المغايبة وتسرون وتعلنون بالتاء على الخطاب، والباقون كلها بالتاء على الخطاب عطفاً على ما قبله.

فإن قيل: أليس أن قوله في أول الآية: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئاً وقوله هاهنا: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ يدل على نفس هذا المعنى، فكان هذا محض التكرير.

وجوابه: أن المذكور في أول الآية أنهم لا يخلقون شيئاً، والمذكور هاهنا أنهم لا يخلقون شيئاً وأنهم مخلوقون لغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى، وكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم فبين أولاً أنها لا تخلق شيئاً، ثم ثانياً أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة لغيرها.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ والمعنى: أنها لو كانت آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى وأمر هذه الأصنام على العكس من ذلك.

فإن قيل: لما قال: ﴿ أَمْوَاتٌ ﴾ علم أنها غير أحياء فما الفائدة في قوله: ﴿ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ .

والجواب من وجهين: الأول: أن الإله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته موت، وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها الحياة.

والثاني: أن هذا الكلام مع الكفار الذين يعبدون الأوثان، وهم في نهاية الجهالة والضلالة، ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن أن يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة، وغرضه منه الإعلام بكون ذلك المخاطب في غاية الغباوة وأنه إنما يعيد تلك الكلمات لكون ذلك السامع في نهاية الجهالة، وأنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ والضمير في قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ عائد إلى الأصنام، وفي الضمير في قوله: ﴿ يُبْعَثُونَ ﴾ قولان: أحدهما: أنه عائد إلى العابدين للأصنام يعني أن الأصنام لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم.

والثاني: أنه عائد إلى الأصنام يعني أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى قال ابن عباس: إن الله يبعث الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بها إلى النار.

فإن قيل: الأصنام جمادات، والجمادات لا توصف بأنها أموات، ولا توصف بأنهم لا يشعرون كذا وكذا.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أن الجماد قد يوصف بكونه ميتاً قال تعالى: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت  ﴾ .

والثاني: أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية والمعبودية قيل لهم؛ ليس الأمر كذلك، بل هي أموات ولا يعرفون شيئاً، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم.

والثالث: أن يكون المراد بقوله: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الملائكة، وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لابد لهم من الموت غير أحياء، أي غير باقية حياتهم: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي لا علم لهم بوقت بعثهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين يَدْعُونَ ﴾ والآلهة الذين يدعوهم الكفار ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ وقرئ بالتاء.

وقرئ: ﴿ يُدْعَون ﴾ ، على البناء للمفعول، نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب.

ومعنى: ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحيّ الذي لا يموت وأمرهم على العكس من ذلك.

والضمير في ﴿ يُبْعَثُونَ ﴾ للداعين، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم.

وفيه تهكم بالمشركين وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم.

وفيه دلالة على أنه لابد من البعث وأنه من لوازم التكليف.

ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير، وهم لا يقدرون على نحو ذلك، فهم أعجز من عبدتهم أموات جمادات لا حياة فيها، غير أحياء يعني أنَّ من الأموات ما يعقب موته حياة، كالنطف التي ينشئها الله حيواناً وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها.

وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في موتها ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي وما يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكم بحالها، لأنّ شعور الجماد محال، فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحيّ القيوم سبحانه.

ووجه ثالث: وهو أن يراد بالذين يدعون الملائكة، وكان ناس منهم يعبدونهم، وأنهم أموات: أي لابد لهم من الموت، غير أحياء: غير باقية حياتهم.

وما يشعرون: ولا علم لهم بوقت بعثهم.

وقرئ: ﴿ إيان ﴾ ، بكسر الهمزة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) أيْ والآلِهَةُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « يَدْعُونَ» بِالياءِ.

وقَرَأ حَفْصٌ ثَلاثَتَها بِالياءِ.

﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ لَمّا نَفى المُشارَكَةَ بَيَّنَ مَن يَخْلُقُ ومَن لا يَخْلُقُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا لِيَنْتُجَ أنَّهم لا يُشارِكُونَهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أثْبَتَ لَهم صِفاتٍ تَنافِي الأُلُوهِيَّةَ فَقالَ: ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ لِأنَّهم ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ مُفْتَقِرَةُ الوُجُودِ إلى التَّخْلِيقِ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ.

﴿ أمْواتٌ ﴾ هم أمْواتٌ لا تَعْتَرِيهِمُ الحَياةُ، أوْ أمْواتٌ حالًا أوْ مَآلًا.

﴿ غَيْرُ أحْياءٍ ﴾ بِالذّاتِ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مَعْبُودٍ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَيًّا بِالذّاتِ لا يَعْتَرِيهِ المَماتُ.

﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ولا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِهِمْ، أوْ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالغُيُوبِ مُقَدِّرًا لِلثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ البَعْثَ مِن تَوابِعِ التَّكْلِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْوَاتٌ} أي هم أموات {غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون أموات جاهلون بالبعث ومعنى أموات غير أحياء أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات أي غير جائز عليها الموت وأمرهم بالعكس من ذلك والضمير في يبعثون للداعين أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء أعمالهم منهم على عبادتهم وفيه دلالة على أنه لا بد من البعث

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْواتٌ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم أمْواتٌ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ لِما أنَّ إثْباتَ المَخْلُوقِيَّةِ لَهم غَيْرُ مُسْتَدْعٍ لِنَفْيِ الحَياةِ عَنْهم لِما أنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ أحْياءٌ، والمُرادُ بِالمَوْتِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهُ الأصْنامُ عَدَمُ الحَياةِ بِلا زِيادَةٍ عَمّا مَن شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ حَيًّا.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ غَيْرُ أحْياءٍ ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أيْضًا أوْ صِفَةُ ( أمْواتٌ ) وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّأْكِيدُ عِنْدَ بَعْضٍ، واخْتِيرَ التَّأْسِيسُ وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ ما لا حَياةَ فِيهِ قَدْ تَعْتَرِيهِ الحَياةُ كالنُّطْفَةِ فَجِيءَ بِهِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ مِثْلِ هَذا البَعْضِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هم أمْواتٌ حالًا وغَيْرُ قابِلِينَ لِلْحَياةِ مَآلًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ ما يَتَناوَلُ جَمِيعَ مَعْبُوداتِهِمْ مِن ذَوِي العُقُولِ وغَيْرِهِمْ فَيَرْتَكِبُ في ( أمْواتٌ ) عُمُومَ المَجازِ لِيَشْمَلَ ما كانَ لَهُ حَياةٌ ثُمَّ ماتَ كَعُزَيْرٍ أوْ سَيَمُوتُ كَعِيسى والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الحَياةُ أصْلًا كالأصْنامِ.

(وغَيْرُ أحْياءٍ) عَلى هَذا إذا فُسِّرَ بِغَيْرِ قابِلِينَ لِلْحَياةِ يَكُونُ مِن وصْفِ الكُلِّ بِصِفَةِ البَعْضِ لِيَكُونَ تَأْسِيسًا في الجُمْلَةِ وإذا اعْتُبِرَ التَّأْكِيدُ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وجُوِّزَ أنَّ مِن أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ أُناسٌ مِنَ المُخاطَبِينَ يَعْبُدُونَهُمْ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ أمْواتًا أنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ وكَوْنُهم غَيْرَ أحْياءٍ غَيْرُ تامَّةٍ حَياتُهم والحَياةُ التّامَّةُ هي الحَياةُ الذّاتِيَّةُ الَّتِي لا يَرِدُ عَلَيْها المَوْتُ، وجُوِّزَ في قِراءَةِ ( والَّذِينَ يَدْعُونَ ) بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ أنْ يَكُونَ الأمْواتُ هُمُ الدّاعِينَ، وأخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهم بِالأمْواتِ لِكَوْنِهِمْ ضُلّالًا غَيْرَ مُهْتَدِينَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ ﴿ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْآلِهَةِ والثّانِي لِعَبَدَتِها، والشُّعُورُ العِلْمُ أوْ مَبادِيهِ، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: شَعُرْتُ أيْ أصَبْتُ الشِّعْرَ، ومِنهُ اسْتُعِيرَ: شَعُرَتْ كَذا أيْ عَلِمْتُ عِلْمًا في الدِّقَّةِ كَإصابَةِ الشِّعْرِ، قِيلَ: وسُمِّيَ الشّاعِرُ شاعِرًا لِفِطْنَتِهِ ودِقَّةِ مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ المَشاعِرَ الحَواسُّ وأنَّ مَعْنى لا تَشْعُرُونَ لا تُدْرِكُونَ بِالحَواسِّ وأنْ لَوْ قِيلَ في كَثِيرٍ مِمّا جاءَ فِيهِ لا تَشْعُرُونَ لا تَعْقِلُونَ لَمْ يَجُزْ إذْ كَثِيرٌ مِمّا لا يَكُونُ مَحْسُوسًا يَكُونُ مَعْقُولًا، (وأيّانَ) عِبارَةٌ عَنْ وقْتِ الشَّيْءِ ويُقارِبُ مَعْنى مَتى، وأصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أيْ أوْ أنَّ أيَّ أيِّ وقْتٍ فَحَذَفَ الألِفَ ثُمَّ جَعَلَ الواوَ ياءً وأدْغَمَ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ «إيّانَ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ، والظّاهِرُ ( أنَّهُ ) مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونَ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ- بِيَشْعُرُونَ- لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ أيْ ما يَشْعُرُ أُولَئِكَ الآلِهَةُ مَتى يُبْعَثُ عَبَدَتُهُمْ، وهَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِناءً عَلى إرادَةِ الأصْنامِ لِأنَّ شُعُورَ الجَمادِ بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ بَدِيهِيُّ الِاسْتِحالَةِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَكَيْفَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرَ.

وفي البَحْرِ أنَّ فِيهِ تَهَكُّمًا بِالمُشْرِكِينَ وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِهِمْ لِيُجازُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاهُمْ، ولَعَلَّ هَذا جارٍ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ في الآلِهَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ البَعْثَ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ لِأنَّهُ لِلْجَزاءِ والجَزاءُ لِلتَّكْلِيفِ فَيَكُونُ هو لَهُ وأنَّ مَعْرِفَةَ وقْتِهِ لا بُدَّ مِنهُ في الأُلُوهِيَّةِ، وقِيلَ: ضَمِيرا (يَشْعُرُونَ - ويُبْعَثُونَ) لِلْآلِهَةِ ويَلْزَمُ مِن نَفْيِ شُعُورِهِمْ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ نَفْيُ شُعُورِهِمْ بِوَقْتِ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، ومَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْواتِ الكَفَرَةَ الضُّلّالَ جَعَلَ ضَمِيرَيِ الجَمْعِ هُنا لَهُمْ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ أيْ وما يَشْعُرُ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ، وقِيلَ: الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( وما يَشْعُرُونَ ) و( أيّانَ يُبْعَثُونَ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها أي: لا تطيقوا إحصاءها، فكيف تقدرون على أداء شكرها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب ورجع.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ في قلوبكم وَما تُعْلِنُونَ بالقول.

ويقال: ما تخفون من أعمالكم وَما تُعْلِنُونَ أي: تظهرون منها، فالسر والعلانية عنده سواء.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: يعبدون من دون الله من الأوثان لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً أي: لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي: ينحتون من الأحجار والخشب وغيره.

أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ قال الكلبي: يعني: أن الأصنام أموات ليس فيها روح وَما يَشْعُرُونَ يعني: الأصنام أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي: متى يحيون فيحاسبون.

ويقال أَمْواتٌ يعني: أن الكفار غير أحياء.

يعني: كأنهم أموات لا يعقلون شيئاً وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يعني: أن الكفار لا يعلمون متى يبعثون.

وأَيَّانَ كلمة اختصار أصله: أي أوان فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: الذين لا يصدقون بالبعث قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ للتوحيد، ويقال: قلوبهم خبيثة لا تدخل المعرفة فيها وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي متعظمون عن الإيمان.

ثم قال تعالى لاَ جَرَمَ أي: حقاً وذكر عن الفراء أنه قال لاَ جَرَمَ بمنزلة لا بد ولا محالة، ثم كثرت في الكلام، حتى صارت بمنزلة حقاً أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ أي: ما يكتمون وما يظهرون من الكفر والمكر في أمر محمد  إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ أي: المتعظمين عن الإيمان.

ويقال: لا يحب المتكبرين الذين يتكبرون على الناس.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.

قال: حدثنا محمد بن جعفر.

قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف.

قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن مسعر بن كدام، عن أبي مصعب، عن أبيه، عن أبي بن كعب قال: «سيأتي المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر في صور الرجال يغشاهم، أو يأتيهم الذل من كل مكان» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها.

/ وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: قال ابن عبَّاسٍ: العلامَاتُ: معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ: هدايةُ «١» الليل، وهذا قولٌ حَسَن فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، والنجم هنا: اسم جنس، وهذا هو الصّواب.

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها ...

الآية: وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّراً عن بعْضها فلذلك قال عزَّ وجلَّ:

لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها نحا هذا المنحَى الطبريُّ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» ، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها.

عامَّةٌ لجميع الناس.

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي:

تدعونهم آلهةً، وأَمْواتٌ: يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع أَمْواتٌ على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره: هم أمواتٌ، وقوله: غَيْرُ أَحْياءٍ: أي: لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا اتصفوا بها، وقوله سبحانه: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: أي: وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.

وقوله سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي:

مُنْكِرَةٌ اتحاد الإله.

ت: وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ " قَرَأ عاصِمٌ: يَدْعُونَ بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.

قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الأمْواتِ هاهُنا: أنَّها لا رُوحَ فِيها.

قالَ الأخْفَشُ: وقَوْلُهُ: " غَيْرُ أحْياءٍ " تَوْكِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ " أيّانَ " بِمَعْنى: " مَتى " .

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ، عَبَّرَ عَنْها كَما يُعَبِّرُ عَنِ الآدَمِيِّينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وَذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ الأصْنامَ لَها أرْواحٌ ومَعَها شَياطِينُها، فَيَتَبَرَّؤُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِالشَّياطِينِ والَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَها إلى النّارِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ، لا يَعْلَمُونَ مَتى بَعْثُهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ ﴿ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ "عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.

وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.

ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ ، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟

والمُخاطَبَةُ: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ.

وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.

ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ.

و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ.

و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ ، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ [سورة النحل: 17] وجملة ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ [سورة النحل: 19].

وما صدْق ﴿ الذين ﴾ الأصنامُ.

وظاهر أن الخطاب هنا متمحّض للمشركين وهم بعض المخاطبين في الضمائر السابقة.

والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمناً مما قبلها وهو نفي الخالقية ونفي العلم عن الأصنام.

فالخبر الأول وهو جملة ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ استفيد من جملة ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ [سورة النحل: 17] وعطف وهم يخلقون } ارتقاء في الاستدلال على انتفاء إلهيتها.

والخبر الثاني وهو جملة ﴿ أموات غير أحياء ﴾ تصريح بما استفيد من جملة ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ [سورة النحل: 19] بطريقة نفي الشيء بنفي ملزومه.

وهي طريقة الكناية التي هي كذكر الشيء بدليله.

فنفي الحياة عن الأصنام في قوله: ﴿ غير أحياء ﴾ يستلزم نفي العلم عنها لأن الحياة شرط في قبول العلم، ولأن نفي أن يكونوا يعلمون ما هو من أحوالهم يستلزم انتفاء أن يعلموا أحوال غيرهم بدلالة فحوى الخطاب، ومن كان هكذا فهو غير إله.

وأسند ﴿ يخلقون ﴾ إلى النائب لظهور الفاعل من المقام، أي وهم مخلوقون لله تعالى، فإنهم من الحجارة التي هي من خلق الله، ولا يخرجها نحت البشر إيّاها على صور وأشكال عن كون الأصل مخلوقاً لله تعالى.

كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام قوله: ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ [سورة الصافات: 96].

وجملة غير أحياء } تأكيد لمضمون جملة ﴿ أموات ﴾ ، للدلالة على عراقة وصف الموت فيهم بأنه ليس فيه شائبة حياة لأنهم حجارة.

ووصفت الحجارة بالموت باعتبار كون الموتتِ عدم الحياة.

ولا يشترط في الوصف بأسماء الأعدام قبولُ الموصوفات بها لملكاتها، كما اصطلح عليه الحكماء، لأن ذلك اصطلاح منطقي دعا إليه تنظيم أصول المحاجة.

وقرأ عاصم ويعقوب ﴿ يدعون ﴾ بالتحتية.

وفيها زيادة تبيين لصرف الخطاب إلى المشركين في قراءة الجمهور.

وجملة ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على إثبات الوحدانية لله تعالى، لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين، وتمهيدٌ لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى ﴿ فالذين لا يؤمنون بالأخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ﴾ [سورة النحل: 22].

ولذلك فالظاهر أن ضميري يشعرون } و ﴿ يبعثون ﴾ عائدان إلى الكفّار على طريق الالتفات في قراءة الجمهور، وعلى تناسق الضمائر في قراءة عاصم ويعقوب.

والمقصود من نفي شعورهم بالبعث تهديدهم بأن البعث الذي أنكروه واقع وأنهم لا يدرون متى يبغتهم، كما قال تعالى: ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ [سورة الأعراف: 187].

والبعث: حقيقته الإرسال من مكان إلى آخر.

ويطلق على إثارة الجاثم.

ومنه قولهم: بعثتُ البعير، إذا أثرته من مَبركه.

ولعلّه من إطلاق اسم الشيء على سببه.

وقد غلب البعث في اصطلاح القرآن على إحضار الناس إلى الحساب بعد الموت.

فمن كان منهم ميتاً فبعثه من جدثه، ومن كان منهم حياً فصادفته ساعة انتهاء الدنيا فمات ساعتئذٍ فبعثُه هو إحياؤه عقب الموت، وبذلك لا يعكر إسناد نفي الشعور بوقت البعث عن الكفّار الأحياء المهدّدين.

ولا يستقيم أن يكون ضمير ﴿ يشعرون ﴾ عائداً إلى ﴿ الذين تدعون ﴾ ، أي الأصنام.

و ﴿ أيان ﴾ اسم استفهام عن الزمان.

مركبة من (أي) و(آن) بمعنى أي زمن، وهي معلقة لفعل ﴿ يشعرون ﴾ عن العمل بالاستفهام، والمعنى: وما يشعرون بزمن بعثهم.

وتقدم ﴿ أيان ﴾ في قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الساعة أيّان مرساها ﴾ في سورة الأعراف (187).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَعْنِي: وإذا قِيلَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وقُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ بِالبَعْثِ.

﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ القائِلُ ذَلِكَ لَهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضٍ لِبَعْضٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ ماذا نُسِبَ إلى إنْزالِ رَبِّكم؛ لِأنَّهم مُنْكِرُونَ لِنُزُولِهِ مِن رَبِّهِمْ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ، اخْتِبارًا لَهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَةِ نُزُولِهِ مِنهُ.

﴿ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وهَذا جَوابُهم عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ اسْتِرْذالًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ ما جاءَ بِهِ الأوَّلُونَ، تَكْذِيبًا لَهُ ولِجَمِيعِ الرُّسُلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ أيْ أثْقالَ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ.

الثّانِي: أنَّها لَمْ تُخَفَّفْ بِالمَصائِبِ.

﴿ وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِما حَمَلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ ما يَتَحَمَّلُونَهُ مِن أوْزارِ مَن أضَلُّوهم.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُضِلَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ الضّالِّ بِإغْوائِهِ.

الثّانِي: أنَّ الضّالَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ المُضِلِّ بِنُصْرَتِهِ وطاعَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ عِلْمِ المُضِلِّ بِما دَعا إلَيْهِ.

الثّانِي: بِغَيْرِ عِلْمِ الضّالِّ بِما أجابَ إلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِالعِلْمِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ لِأنَّهُ تَقْلِيدٌ بِغَيْرِ اسْتِدْلالٍ ولا شُبْهَةٍ.

الثّانِي: أرادَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ يَسُوءُهم ما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ.

فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُعَجَّلًا في الدُّنْيا، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ مُؤَجَّلًا في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن عبد حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق قتادة، عن الحسن عن قيس بن عباد قال: إن الله لما خلق الأرض جَعَلتْ تَمور، فقالت الملائكة ما هذه بمُقِرَّة على ظهرها أحداً، فأصبحت صبحاً، وفيها رواسيها، فلم يدروا من أين خلقت، فقالوا ربنا هل من خلقك شيء أشد من هذا؟

قال: نعم، الحديد، فقالوا: هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟

قال: نعم، النار.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء أشد من النار؟

قال: نعم!

الماء.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الماء؟

قال: نعم الريح.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الريح؟

قال: نعم الرجل.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الرجل؟

قال: نعم المرأة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ رواسي ﴾ قال: الجبال ﴿ أن تميد بكم ﴾ قال: أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ رواسي أن تميد بكم ﴾ قال: حتى لا تميد بكم.

كانوا على الأرض تمور بهم لا يستقر بها، فأصبحوا صبحاً، وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتاداً في الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ قال: أن تكفأ بكم، وفي قوله وأنهاراً قال بكل بلدة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ وسبلاً ﴾ قال: السبل هي الطرق بين الجبال.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في كتاب النجوم، عن قتادة في قوله: ﴿ وسبلاً ﴾ قال: طرقاً ﴿ وعلامات ﴾ قال: هي النجوم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ وعلامات ﴾ قال: أنهار الجبال.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي في قوله: ﴿ وعلامات ﴾ قال: الجبال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلامات ﴾ يعني معالم الطرق بالنهار ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ يعني بالليل.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن إبراهيم ﴿ وعلامات ﴾ قال: هي الاعلام التي في السماء ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ قال: يهتدون به في البحر في أسفارهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وعلامات وبالنجم هم يهتدون ﴾ قال منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل منازل القمر.

وأخرج ابن المنذر، عن إبراهيم، أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ قال: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تُخْلَقُ ولا تخلقُ شيئاً، ولا تملك لأهلها ضراً ولا نفعاً.

قال الله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ الآية.

قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها خيراً ولا نفعاً ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ قال: الله إلهنا ومولانا وخالقنا ورازقنا ولا نعبد ولا ندعو غيره.

﴿ الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ يقول منكرة لهذا الحديث ﴿ وهم مستكبرون ﴾ قال مستكبرون عنه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا جرم ﴾ يقول بلى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله: ﴿ لا جرم ﴾ يعني الحق.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ لا جرم ﴾ قال لا كذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ قال: هذا قضاء الله الذي قضى ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ وذكر لنا، «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إنه ليعجبني الجمال، حتى أود أن علاقة سوطي، وقبالة نعلي حسن، فهل ترهب عليّ الكبر؟

فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟

قال: أجده عارفاً للحق مطمئناً إليه.

قال: فليس ذاك بالكبر، ولكن الكبر أن تبطر الحق وتغمص الناس، فلا ترى أحداً أفضل منك، وتغمص الحق، فتجاوزه إلى غيره» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسين بن علي، أنه كان يجلس إلى المساكين ثم يقول: ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي قال: ثلاث من فعلهن لم يكتب مستكبراً: من ركب الحمار ولم يستنكف، ومن اعتقل الشاة واحتلبها، وأوسع للمسكين وأحسن مجالسته.

وأخرج مسلم والبيهقي في الشعب، عن عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في خطبته «إن الله أوحى إليّ، أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد» .

وأخرج البيهقي، عن عمر بن الخطاب رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله: «من تواضع لي هكذا- وأشار بباطن كفه إلى الأرض وأدناه من الأرض- رفعته هكذا- وأشار بباطن كفه إلى السماء- ورفعها نحو السماء» .

وأخرج الخطيب والبيهقي، عن عمر أنه قال على المنبر: يا أيها الناس تواضعوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تواضع لله رفعه الله وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبر، وضعه الله، وقال: اخسأ خفضك الله، فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير» .

وأخرج البيهقي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من آدمي إلا وفي رأسه سلسلتان- سلسلة في السماء وسلسلة في الأرض- وإذا تواضع العبد، رفعه الملك الذي بيده السلسلة من السماء، وإذا تجبر جذبته السلسلة التي في الأرض» .

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أدمي إلا وفي رأسه حكمة- الحكمة بيد ملك- فإن تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإن ارتفع، قيل للملك: ضع حكمته» .

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكبر تعظماً وضعه الله، ومن تواضع لله تخشعاً رفعه الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟

فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق وغمص الناس» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبيهقي، عن أبي ريحانة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل شيء من الكبر الجنة, قال قائل: يا رسول الله، إني أحب أن أتجمل بعلاقة سوطي وشسع نعلي؟

فقال: إن ذلك ليس بالكبر إن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر من سفه الحق، وغمص الناس بعينيه» وأخرجه البغوي في معجمه والطبراني، عن سوار بن عمرو الأنصاري قال: «قلت يا رسول الله، إني رجل حبب إلي الجمال، وأعطيت منه ما ترى، فما أحب أن يفوقني أحد في شسع افمِنَ الكبر ذاك؟

قال: لا.

قلت: فما الكبر يا رسول الله؟

قال: من سفه الحق وغمص الناس» .

وأخرج البغوي والطبراني، عن سوار بن عمرو الأنصاري قال: «سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رجل حبب إلي الجمال، حتى إني لا أحب أحداً يفوقني بشراك، افمن الكبر ذاك؟

قال: لا.

ولكن الكبر من غمص الناس وبطر الحق» .

وأخرج ابن عساكر، عن ابن عمر، عن أبي ريحانة قال: «يا رسول الله، إني لأحب الجمال حتى في نعلي وعلاقة سوطي، أفمن الكبر ذلك؟

قال: إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، الكبر من سفَّه الحق، وغمص الناس أعمالهم» .

وأخرج ابن عساكر، عن خريم بن فاتك أنه قال: يا رسول الله، إني لأحب الجمال، حتى إني لأحبه في شراك نعلي، وجلاد سوطي، وإن قومي يزعمون أنه من الكبر، فقال: «ليس الكبر أن يحب أحدكم الجمال، ولكن الكبر أن يسفه الحق ويغمص الناس» .

وأخرج سمويه في فوائده، والباوردي، وابن قانع، والطبراني، عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله، إن ثيابي لتغسل، فيعجبني بياضها، ويعجبني علاقة سوطي، وشراك نعلي، فقال النبي:- صلى الله عليه وسلم- ليس ذاك من الكبر، إنما الكبر: أن تسفه الحق وتغمص الناس» .

وأخرج الطبراني، عن أسامة قال: أقبل رجل من بني عامر فقال: يا رسول الله، بلغنا أنك شددت في لبس الحرير والذهب، وإني لأحب الجمال، فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- «إن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر من جهل الحق وغمص الناس بعينيه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني رجل حبب إليَّ الجمال، وأعطيت منه ما ترى؛ حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك، أو شسع، أفمن الكبر هذا؟

قال: لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس» .

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه مثله، وفيه: إن الرجل مالك الرهاوي، وقال البغي بدل الكبر.

وأخرج أحمد في الزهد، عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوصى نوح ابنه، فقال: إني موصيك بوصية وقاصرها عليك حتى لا تنسى، أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، فأما اللتان أوصيك بهما، فإني رأيتهما يكثران الولوج على الله عز وجل، ورأيت الله تبارك وتعالى يستبشر بهما، وصالح خلقه، قل: سبحان الله وبحمده، فإنها صلاة الخلق وبها يرزق الخلق، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فإن السموات والأرض لو كُنَّ حلقة لقصمتها، ولو كُنَّ في كفةٍ لرجحت بهن، وأما اللتان أنهاك عنهما، فالشرك والكبر، فقال عبد الله بن عمرو: يا رسول الله، الكبر أن يكون لي حلة حسنة ألبسها؟

قال: لا إن الله جميل يحب الجمال قال: فالكبر أن يكون لي دابة صالحة أركبها؟

قال: لا، قال: فالكبر أن يكون لي أصحاب يتبعوني وأطعمهم؟

قال: لا، قال: فأيما الكبر يا رسول الله؟

قال: أن تسفه الحق وتغمص الناس» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمرو قال: لا يدخل حظيرة القدس متكبر.

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: المتكبرون يجعلون يوم القيامة في توابيت من نار فتطبق عليهم.

وأخرج أحمد والدارمي والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان والحاكم، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة، الكبر والدين والغلول» قال ابن الجوزي: في جامع المسانيد كذا روى لنا الكبر، وقال الدارقطني إنما هو الكنز بالنون والزاي.

وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قالوا يا رسول الله هلكنا وكيف لنا أن نعلم ما في قلوبنا من دأب الكبر؟

وأين هو؟

فقال: من لبس الصوف، أو حلب الشاة، أو أكل مع من ملكت يمينه، فليس في قلبه إن شاء الله الكبر» .

وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الصوف وانتعل المخصوف وركب حماره وحلب شاته وأكل معه عياله، فقد نحى الله عنه الكبر.

أنا عبد ابن عبد أجْلِس جلسة العبد وآكل أكل العبد، أني قد أوحي إلي أن تواضعوا ولا يبغ أحد على أحد، أن يد الله مبسوطة في خلقه، فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضع نفسه رفعه الله، ولا يمشي امرؤ على الأرض شبراً يبتغي سلطان الله الا أكبه الله» .

وأخرج أحمد في الزهد عن يزيد بن ميسرة قال: قال عيسى عليه السلام: ما لي لا أرى فيكم أفضل العبادة؟

قالوا: وما أفضل العبادة يا روح الله؟

قال: التواضع لله.

وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنكم لتدعون أفضل العبادة: التواضع.

وأخرج البيهقي عن يحيى بن أبي كثير قال: أفضل العمل الورقع، وخير العبادة التواضع.

وأخرج ابن ابي شيبة والبيهقي، عن ابن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، كبّه الله على وجهه في النار» .

وأخرج البيهقي عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للشيطان مصالي وفخوخاً، وإن من مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله والفخر بعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله تعالى» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بأهل النار؟

كل فظ غليظ مستكبر.

الا أنبئكم بأهل الجنة؟

كل ضعيف متضعف ذي طمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» .

وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي، عن جبير بن مطعم قال: يقولون في التيه: وقد ركبت الحمار ولبست الشملة وحلبت الشاة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فعل هذا فليس فيه من الكبر شيء» .

وأخرج أحمد في الزهد، عن عبد الله بن شداد رفع الحديث قال: من لبس الصوف واعتقل الشاة وركب الحمار وأجاب دعوة الرجل الدون أو العبد، لم يكتب عليه من الكبر شيء.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن سلام أنه رؤي في السوق على رأسه حزمة حطب، فقيل له: أليس قد أوسع الله عليك؟

قال: بلى، ولكني أردت أن أدفع الكبر، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» .

وأخرج البيهقي عن جابر قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل رجل، فلما رآه القوم أثنوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأرى على وجهه سفعة من النار.

فلما جاء وجلس قال: أنشدك بالله، أجئت وأنت ترى أنك أفضل القوم؟

قال: نعم» .

وأخرج البيهقي عن ابن المبارك، أنه سئل عن التواضع فقال: التكبر على الأغنياء.

وأخرج البيهقي عن ابن المبارك قال: من التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس لك فضل عليه لدنياك، وأن ترفع نفسك عند من هو فوقك في دنياه، حتى تعلمه أنه ليس لدنياه فضل عليك.

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: من خضع لغني ووضع له نفسه اعظاماً له وطمعاً فيما قبله، ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه.

وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود: لا يبلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يحل بذروته، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامّه سواء.

قال: ففسرها أصحاب عبد الله قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغني في الحرام.

وحتى يكون التواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده وذامّه في الحق سواء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ أَمْوَاتٌ ﴾ ، قال الزجاج: أي وهم أموات (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ تأكيد (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيتبرؤون من عابديهم، ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار (٤) ﴿ أيَّانَ ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿ يُبْعَثُونَ ﴾ ، ولكنه مبني غيرُ مُنَوَّن (٥) (٦) ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا  ﴾ ، وقد تضمنت هذه الآية البيان عما تُوْجِبه صفة من ليس بحي من الامتناع أن يكون منه فعل، لاستحالة ذلك، ذكر الله ذلك في الآية الأولى؛ أن أصنامهم مخلوقة غير خالقة، وذكر في هذه الآية أنها مع كونها مخلوقةً مواتٌ غيرُ ذات روح وأنها مبعوثة، وهي لا تعلم متى وقت بعثها، وكل هذا يدل على جهل من عبدها أو أشركها بالله تعالى.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 193، بلفظه.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 98، بنحوه.

(٣) ساقطة من (د).

(٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 438، والفخر الرازي 20/ 16، و"تفسير القرطبي" 10/ 94.

(٥) في (ش)، (ع): (معرب).

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 193، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ أي لم تكن لهم حياة قط ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدّمت له حياة ثم مات، ثم يعقب موته حياة ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضمير في يشعرون: للأصنام وفي: يبعثون للكفار الذين عبدوهم، وقيل: إن الضميرين للكفار ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ أي تنكر وحدانية الله عز وجل ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي لابد ولا شك، وقيل إن لا نفي لما تقدم، وجرم معناه وجب، أو حق، وأن فاعله بجرم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.

﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.

الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.

﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الباقون على الخطاب.

الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.

﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.

وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.

وعن قتادة بالعكس منه.

قال أهل النظم: إن رسول الله  كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.

ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.

وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.

فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله  ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.

والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.

أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.

فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه  حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه  حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟

فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {  وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.

والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.

ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه  أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.

بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله  في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟

فأزال الله  شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.

والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.

قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.

وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.

وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.

وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله  ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.

قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.

و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.

وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد  ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.

أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟

ولما بين الله  أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.

وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.

فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.

ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.

وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.

وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله  ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟

فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.

ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.

أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.

وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.

وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.

الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.

فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.

وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟

فنزلت.

ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.

وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.

قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.

ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.

قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.

قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.

وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.

أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.

قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.

وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.

ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.

قال جار الله.

معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.

وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.

وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.

احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.

والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.

والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.

والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.

ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.

وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.

والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه  نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.

وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.

وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.

واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.

ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.

روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل  كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله  من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.

ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.

احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله  الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.

والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.

والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.

وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.

وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.

ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.

والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.

قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.

وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.

وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.

وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.

ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.

وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.

ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.

واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله  : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.

وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله  .

﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات  ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.

وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع  شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.

وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.

ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.

والمراد باللحم الطريّ السمك.

قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.

يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.

وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.

قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.

وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله  وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.

قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.

ومبنى الأيمان على العرف والعادة.

ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.

ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.

فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.

ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.

ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.

ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.

استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه  أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.

وهذا باطل بالاتفاق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟

ومن عجائب البحر ومنافعه قوله  : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.

وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.

وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.

وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.

واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.

الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.

ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.

وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.

قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.

والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.

يروى أنه  خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.

قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.

واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.

فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله  بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.

فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله  على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.

قلت: في هذا الحال خلل.

أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.

والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.

وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.

وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.

قوله  : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني  ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.

ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.

يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.

قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.

والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.

وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.

قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.

وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.

وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.

ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.

واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".

ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والقرآن ورد على العكس.

ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.

قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.

قال بعض الأشاعرة.

في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.

أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.

أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها  ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.

وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله  كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين  ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه  يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله  حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول  فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.

ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.

وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.

وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.

وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.

أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله  يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!

وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم  ؟

وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.

ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.

ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.

التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.

وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.

فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله  منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.

﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.

﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.

﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.

فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.

والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .

إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.

وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.

﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.

وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.

وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.

أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..

الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر هذا ليكونوا أيقظ وأحذر؛ لأن في الشاهد من يعلم أن عليه رقيباً حافظاً بما يفعل، كان هو أرقب وأحفظ لأعماله، ويكون أحذر ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب.

والثاني: يعلم ما تسرّون من المكر برسول الله، والكيد له من القتل، والإخراج، وغير ذلك [أي: يعلم ذلك] كله منكم، ما أسررتم وأعلنتم، وهو يخرج على نهاية الوعيد والتعيير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل يدعون: أي: يسمونها: آلهة، وربما كانوا يدعونهم عند الحاجة.

ويحتمل ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يعبدون؛ أي: الذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون؛ فهذا يرجع إلى الأوّل؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ...

﴾ \[الآية\].

يحتمل المراد بقوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الذين عبدوا الأصنام والأوثان وجميع من كفر بالله؛ هم أموات غير أحياء؛ لأن الله  سمَّى الكافر في غير آي من القرآن ميّتاً؛ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ أيضاً.

﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ .

أي: يشعرون حين يبعثون، أي: لو شعروا هذا في الدنيا ما شعروا في الآخرة؛ لم يعلموا ما عملوا.

ويحتمل قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الأصنام التي عبدوها؛ هن أموات غير أحياء.

قال بعضهم: أموات لأنها لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضرّ؛ كالميت ﴿ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : أي: ليس فيها أرواح ينتفع بها كالبهائم والأنعام، ويكون قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ راجعاً إلى الذين عبدوا الأصنام؛ لأنها لا تشعر أيان يبعثون، وهم يعلمون أنها لا تشعر ذلك؛ لكن هم يشعرون حين يبعثون.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ يبعث الآلهة والذين عبدوها جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ قال بعضهم: يحشر أولئك الذين عبدوا الأصنام، ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: حين يبعثون، ولو شعروا ذلك في الدنيا ما فعلوا [ما فعلوا] وإن كان قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ راجعاً إلى الملائكة والملوك الذين عبدوا دون الله يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون وقت يبعثون، وإن كان راجعاً إلى الأصنام، فقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون أنهم يبعثون، لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أن يقال [ذلك] في الأصنام؛ لأن أولئك يعلمون أنهم لا يخلقون، وإنما يقال ذلك في الأصنام: لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، فدل أن ذلك راجع إلى الملائكة والذين عبدوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم ما يبين إبطال ما كانوا يعبدون، وما لا يليق بأمثالها العبادة لها؛ ونصبهم آلهة ثم ذكر ما يبين جعل الألوهية والربوبية أنه لواحد، وأنه هو المستحق لذلك دون العدد الذي عبدوها؛ فقال: إلهكم إله واحد لا العدد الذي عبد أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ : أي: منكرة للإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت.

أو قلوبهم منكرة لجعل الألوهية والربوبية لواحد وصرف العبادة إليه؛ كقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ لما جاء به الرسول، وهم مستكبرون على ما جاء به من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ يحتمل مستكبرون على رسول الله، لم يروه أهلا لخضوع أمثالهم لمثله، أو مستكبرون إلى ما دعتهم الرسل؛ لأن الرسل جميعاً دعوا الخلق إلى وحدانية الله وجعل العبادة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ : من المكر برسول الله، والكيد له، ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من المظاهرة عليه.

أو يعلم ما يسرّون من أعمالهم الخبيثة التي أسروها و [ما] أعلنوها، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ أسرّوا أو أعلنوا.

وقوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ قال الأصم: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ : كلمة تستعملها العرب في إيجاب تحقيق أو نفي تحقيق؛ كقولهم: حقّاً، ولعمري، وايم الله، ونحوه.

وقال الحسن: هو كلمة وعيد.

وقال بعضهم: لا جرم، وحقّاً، وبلى، ولا بدّ، كلّه في الحاصل: يرجع إلى واحد، وهو وعيد؛ لأن قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وعيد.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ .

لأنه لا يحبّ الاستكبار، ولا يليق لأحد من الخلائق أن يتكبر على غيره من الخلق؛ لأن الخلق كلهم أشكال وأمثال، ولا يجوز لكل ذي [مثل وشكل] أن يتكبر على شكله [ومثله]؛ لأن تكبّر بعضهم على بعض كذب وزور؛ إذ جعل كلهم أمثالا وأشكالا، لذلك كان زوراً وكذباً، و قد حرم الله الكذب والزور، وجعله قبيحاً في العقول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومع كون عابديهم صنعوهم بأيديهم فهم جمادات لا حياة فيها ولا علم، فهم لا يعلمون متى يبعثون مع عابديهم يوم القيامة؛ ليرموا معهم في نار جهنم.

<div class="verse-tafsir" id="91.zO3dn"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله