الآية ٢٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢٦ من سورة النحل

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( قد مكر الذين من قبلهم ) قال : هو نمرود الذي بنى الصرح .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد نحوه .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم : أول جبار كان في الأرض نمرود ، فبعث الله عليه بعوضة ، فدخلت في منخره ، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق ، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه ، وكان جبارا أربعمائة سنة ، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه ، ثم أماته الله .

وهو الذي كان بنى صرحا إلى السماء ، وهو الذي قال الله : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) وقال آخرون : بل هو بختنصر .

وذكروا من المكر الذي حكى الله هاهنا ، كما قال في سورة إبراهيم : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) [ إبراهيم : 46 ] .

وقال آخرون : هذا من باب المثل ؛ لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره ، كما قال نوح ، عليه السلام : ( ومكروا مكرا كبارا ) [ نوح : 22 ] أي : احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة ، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة : ( بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ) [ الآية ] [ سبأ : 33 ] .

وقوله : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) أي : اجتثه من أصله ، وأبطل عملهم ، وأصلها كما قال تعالى : ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) [ المائدة : 64 ] .

وقوله : ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) [ الحشر : 2 ] .

وقال هاهنا : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين الذين يصدّون عن سبيل الله ، من أراد اتباع دين الله، فراموا مغالبة الله ببناء بَنَوه، يريدون بزعمهم الارتفاع إلى السماء لحرب من فيها ، وكان الذي رام ذلك فيما ذُكر لنا جبار من جبابرة النَّبَط ، فقال بعضهم: هو نمرود بن كنعان، وقال بعضهم: هو بختنصر، وقد ذكرت بعض أخبارهما في سورة إبراهيم.

وقيل: إن الذي ذُكر في هذا الموضع هو الذي ذكره الله في سورة إبراهيم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم فأُخْرِج، يعني من مدينته، قال: فلقي لوطا على باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به، وقال: إني مهاجر إلى ربي ، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفراخ من فِراخ النسور، فرباهنّ باللحم والخبز حتى كبرن وغلظن واستعلجن، فربطهنّ في تابوت، وقعد في ذلك التابوت ثم رفع لهنّ رجلا من لحم، فطرن، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض، فرأى الجبال تدبّ كدبيب النمل ، ثم رفع لهنّ اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء ، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه وما تحته، ففزع، فألقى اللحم، فاتبعته منقضَّات ، فلما نظرت الجبال إليهنّ، وقد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهنّ، فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن وذلك قول الله تعالى وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ وهي في قراءة ابن مسعود: " وَإنْ كَادَ مَكْرُهُمْ".

فكان طَيْرُورتهن به من بيت المقدس ووقوعهن به في جبل الدخان ، فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح، فبنى حتى إذا شيده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر، يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث، ولم يكن يُحدث وأخذ الله بنيانه من القواعد ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقَّض بهم ، فسقط ، فتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت بابل ، وإنما كان لسان الناس من قبل ذلك بالسريانية.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي.

عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ) قال: هو نمرود حين بنى الصرح.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: إن أوّل جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربع مئة سنة يُضرب رأسه بالمطارق، أرحم الناس به من جمع يديه ، فضرب رأسه بهما، وكان جبارا أربع مئة سنة، فعذّبه الله أربع مئة سنة كمُلكه، ثم أماته الله ، وهو الذي كان بنى صَرْحا إلى السماء، وهو الذي قال الله: ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) .

وأما قوله ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ) فإن معناه: هدم الله بنيانهم من أصله ، والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس ، وكان بعضهم يقول: هذا مثَل للاستئصال ، وإنما معناه: إن الله استأصلهم ، وقال: العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء.

وقوله ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: فخرّ عليهم السقف من فوقهم: أعالي بيوتهم من فوقهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ) إي والله ، لأتاها أمر الله من أصلها( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) والسقف: أعالي البيوت، فائتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم ( وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) قال: أتى الله بنيانهم من أصوله، فخرّ عليهم السقف.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ) قال: مكر نمرود بن كنعان الذي حاجّ إبراهيم في ربه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقال آخرون: عنى بقوله ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) أن العذاب أتاهم من السماء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) يقول: عذاب من السماء لمَّا رأوه استسلموا وذلوا.

وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك: تساقطت عليهم سقوف بيوتهم، إذ أتى أصولها وقواعدها أمر الله، فائتفكت بهم منازلهم لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان ، وخرّ السقف، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وُجِد إليه سبيل ( وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) يقول تعالى ذكره: وأتى هؤلاء الذين مكروا من قَبْل مشركي قريش، عذاب الله من حيث لا يدرون أنه أتاهم منه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرونقوله تعالى : قد مكر الذين من قبلهم أي سبقهم بالكفر أقوام مع الرسل المتقدمين فكانت العاقبة الجميلة للرسل .فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم قال ابن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما : إنه النمرود بن كنعان وقومه ، أرادوا صعود السماء وقتال أهله ; فبنوا الصرح ليصعدوا منه بعد أن صنع بالنسور ما صنع ، فخر .

كما تقدم بيانه في آخر سور [ إبراهيم ] .

ومعنى فأتى الله بنيانهم أي أتى أمره البنيان ، إما زلزلة أو ريحا فخربته .

قال ابن عباس ووهب : كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف .

وقال كعب ومقاتل : كان طول فرسخين ، فهبت ريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي .

ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا ، فلذلك سمي بابل ، وما كان لسان قبل ذلك إلا السريانية .

وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " وقرأ ابن هرمز وابن محيصن " السقف " بضم السين والقاف جميعا .

وضم مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفا ; كما تقدم في " وبالنجم " في الوجهين .

والأشبه أن يكون جمع [ ص: 89 ] سقف .

والقواعد : أصول البناء ، وإذا اختلت القواعد سقط البناء .

وقوله : من فوقهم قال ابن الأعرابي : وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته .

والعرب تقول : خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه .

فجاء بقوله : من فوقهم ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال : من فوقهم أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا .

وقيل : إن المراد بالسقف السماء ; أي إن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم ; قال ابن عباس .

وقيل : إن قوله : فأتى الله بنيانهم من القواعد تمثيل ، والمعنى : أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه .

وقيل : المعنى أحبط الله أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه .

وقيل : المعنى أبطل مكرهم وتدبيرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه السقف من فوقه .

وعلى هذا اختلف في الذين خر عليهم السقف ; فقال ابن عباس وابن زيد ما تقدم .

وقيل : إنه بختنصر وأصحابه ; قال بعض المفسرين .

وقيل : المراد المقتسمون الذين ذكرهم الله في سورة الحجر ; قال الكلبي .

وعلى هذا التأويل يخرج وجه التمثيل ، والله أعلم .وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون أي من حيث ظنوا أنهم في أمان .

وقال ابن عباس : يعني البعوضة التي أهلك الله بها نمرودا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ْ} برسلهم واحتالوا بأنواع الحيل على رد ما جاءوهم به وبنوا من مكرهم قصورا هائلة، { فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ْ} أي: جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها، { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ْ} فصار ما بنوه عذابا عذبوا به، { وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ْ} وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم ويقيهم العذاب فصار عذابهم فيما بنوه وأصَّلوه.وهذا من أحسن الأمثال في إبطال الله مكر أعدائه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قد مكر الذين من قبلهم ) وهو نمرود بن كنعان ، بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء .

قال ابن عباس ووهب : كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع .

وقال كعب ومقاتل : كان طوله فرسخين ، فهبت ريح وألقت رأسه في البحر ، وخر عليهم الباقي وهم تحته ، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل ، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية فذلك قوله تعالى : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) أي : قصد تخريب بنيانهم من أصولها ( فخر عليهم السقف ) يعني أعلى البيوت ( من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) من مأمنهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قد مكر الذين من قبلهم» وهو نمروذ بنى صرحاً طويلا ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها «فأتى اللهُ» قصد «بنيانهم من القواعد» الأساس فأرسل عليه الريح والزلزلة فهدمته «فخر عليهم السقف من فوقهم» أي هم تحته «وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون» من جهة لا تخطر ببالهم وقيل هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قد دبَّر الكفار من قَبْل هؤلاء المشركين المكايد لرسلهم، وما جاءوا به من دعوة الحق، فأتى الله بنيانهم من أساسه وقاعدته، فسقط عليهم السقف مِن فوقهم، وأتاهم الهلاك مِن مأمنهم، من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون أنه يأتيهم منه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم سلى الله - تعالى - نبيه والمؤمنين ، فبين لهم أن هؤلاء المستكبرين الذين قالوا فى القرآن : إنه أساطير الأولين ، سيحيق بهم مكرهم السيئ ، كما حاق بالذين من قبهلم ، فقال - تعالى : ( قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ) .وقوله - سبحانه - ( مكر ) من المكر ، وهو التدبير المحكم ، أو صرف الغير عما يريده بحيلته ، وهو مذموم إن تحرى به الماكر الشر والباطل ، ومحمود إن تحرى به الخير والحق .والمراد به هنا النوع الأول .والمراد بالذين من قبلهم : الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة ، كقوم نوح وهود وصالح .وقوله : ( فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ .

.

) أى : أهلكهم ، كما فى قوله - تعالى -( .

.

.

فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ .

.

) ويقال : أتى فلان من مأمنه أى : نزل به الهلاك من جهة أمنه .

وأتى عليه الدهر .

أى : أهلكه وأفناه .

ومنه الأتوّ .

وهو الموت والبلاء .يقال : أتى على فلان أُتوّ ، أى موت أو بلاء يصيبه .والقواعد : جمع قاعدة .

وهى أساس البناء ، وبها يكون ثباته واستقراره .والمعنى : لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما يقوله المستكبرون من قومك فى شأن القرآن الكريم لكى يصرفوا الناس عن الدخول فى الإِسلام ، فقد مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم ، فكانت عاقبة مكرهم أن أتى الله بنيانهم من القواعد ، بأن اجتث هذا البنيان من أصله؛ واقتلعه من أساسه ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ) أى : فسقط عليهم سقف بنيانهم فأهلكهم ( وأتاهم العذاب ) المبير المدمر ( مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ) ولا يحتسبون بأنه سيأتيهم من هذه الجهة ، بل كانوا يتوقعون أن ما شيدوه سيحميهم من المهالك .فالآية الكريمة تصور بأسلوب بديع معجز ، كيف أن هؤلاء الماكرين ، قد حصنوا أنفسهم بالبناء المحكم المتين ، ليتقوا ما يؤذيهم ، إلا أن جميع هذه التحصينات قد هوت وتساقطت على رءوسهم ، أمام قوة الله - تعالى - التى لا ترد ، فإذا بالبناء الذى بنوه ليحتموا به ، قد صار مقبرة لهم .وصدق الله إذ يقول : ( وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظلموا إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) وقال - سبحانه - : ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ) مع أن السقف لا يكون إلا من فوق ، لتأكيد الكلام وتقويته .وقال القرطبى : قال ابن الأعرابى : وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته ، والعرب تقول خر علينا سقف ، ووقع علينا حائط ، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه .

فجاء بقوله : ( من فوقهم ) ليخرج هذا الشك الذى فى كلام العرب ، فقال : ( من فوقهم ) أى : عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا .

.

.هذا ومن المفسرين الذين رجحوا أن الآية مسوقة على سبيل التمثيل ، الفخر الرازى فقد قال : وفى قوله - سبحانه - ( فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد ) قولان :الأول : أن هذا محض التمثيل .والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء الله ، فجعل الله - تعالى - حالهم فى تلك الحيل ، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده بالأساطين ، فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم ، ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه .- ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم ، صار سبب استئصالهم وفنائهم .الثانى : أن المراد منه مادل عليه الظاهر ، وهو أن الله - تعالى - أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته .والأول أقرب إلى المعنى .ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته ، الإِمام ابن جرير فقد قال - بعد أن سرد بعض الأقوال - : وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال : معنى ذلك ، تساقطت عليهم سقوف بيوتهم ، إذ أتى على أصولها وقواعدها أمر الله ، فانكفأت بهم منازلهم ، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخرّ السقف .وتوجيه معانى كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها ، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وجد إليه سبيل .ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - رحمه الله - أولى بالقبول ، لأنه مادام اللفظ صالحا للحمل على الحقيقة ، فلا داعى لصرفه عن ذلك .وقد حكى لنا القرآن الكريم صنوفا من العذاب الذى أنزله الله - تعالى - بالظالمين ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار، وفي المراد بالذين من قبلهم قولان: القول الأول: وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع.

وقيل فرسخان، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها، فالمراد بالمكر هاهنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء.

والقول الثاني: وهو الأصح، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين.

أما قوله تعالى: ﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الإتيان والحركة على الله محال، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد ﴾ قولان: القول الأول: أن هذا محض التمثيل، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء، وضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم.

ونظيره قولهم: من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه.

والقول الثاني: أن المراد منه ما دل عليه الظاهر، وهو أنه تعالى أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته، والأول أقرب إلى المعنى.

أما قوله تعالى: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ففيه سؤال: وهو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم، فما معنى هذا الكلام.

وجوابه من وجهين: الأول: أن يكون المقصود بالتأكيد.

والثاني: ربما خر السقف، ولا يكون تحته أحد، فلما قال: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ﴾ دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها.

وقوله: ﴿ وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر.

والمعنى: أنهم اعتمدوا على منصوباتهم.

ثم تولد البلاء منها بأعيانها، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصوراً على هذا القدر، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة، والخزي هو العذاب مع الهوان، وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قال الزجاج: قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ﴾ معناه: أين شركائي في زعمكم واعتقادكم.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ وإنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك وآخذ طرفي، فأضيف الطرف إليه.

البحث الثاني: قوله: ﴿ تشاقون فِيهِمْ ﴾ أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، وقيل: المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق الآخر.

البحث الثالث: قرأ نافع: ﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون على الإضافة، والباقون بفتح النون على الجمع.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ قال ابن عباس: يريد الملائكة، وقال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، والفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه أكمل وحصول الشماتة به أقوى.

البحث الثاني: المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء في يوم القيامة مختصة بالكافر، وذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم، وتأكد هذا بقول موسى عليه السلام: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى  ﴾ ثم أنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ قرأ حمزة: ﴿ يتوفاهم الملائكة ﴾ بالياء لأن الملائكة ذكور، والباقون بالتاء للفظ.

ثم قال: ﴿ فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت، قال ابن عباس: أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت.

وقوله: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ أي قالوا ما كنا نعمل من سوء!

والمراد من هذا السوء الشرك، فقالت الملائكة رداً عليهم وتكذيباً: بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك، ومعنى بلى رداً لقولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت.

والقول الثاني: أنه تم الكلام عند قوله: ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة، والمعنى: أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء، ثم هاهنا اختلفوا، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة، قالوا: هذا القول منهم على سبيل الكذب وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا: معنى الآية، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا؟

فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا: ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة رداً عليهم وتكذيباً لهم، ومعنى بلى الرد لقولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

ثم صرح بذكر العقاب فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

القواعد: أساطين البناء التي تعمده.

وقيل: الأساس وهذا تمثيل، يعني: أنهم سووا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا.

ونحوه: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً.

وقيل: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع.

وقيل فرسخان، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا.

ومعنى إتيان الله: إتيان أمره ﴿ مّنَ القواعد ﴾ من جهة القواعد ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون.

وقرئ: ﴿ فأتى الله بيتهم ﴾ .

﴿ فخرّ عليهم السقُفُ ﴾ ، بضمتين ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ يذلهم بعذاب الخزي ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ [آل عمران: 192] يعني هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة ﴿ شُرَكَائِىَ ﴾ على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم ﴿ تشاقون فِيهِمْ ﴾ تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم.

وقرئ: ﴿ تشاقونِ ﴾ ، بكسر النون، بمعنى: تشاقونني؛ لأنّ مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم، فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم، يقولون ذلك شماتة بهم وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفاً لمن سمعه.

وقيل: هم الملائكة قرئ: ﴿ تتوفاهم ﴾ ، بالتاء والياء.

وقرئ: ﴿ الذين توفاهم ﴾ ، بإدغام التاء في التاء ﴿ فَأَلْقَوُاْ السلم ﴾ فسالموا وأخبتوا، وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر، وقالوا: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان، فردّ عليهم أولو العلم ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها رُسُلَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ فَأتاها أمْرُهُ مِن جِهَةِ العُمُدِ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها بِأنْ ضُعْضِعَتْ.

﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ وصارَ سَبَبَ هَلاكِهِمْ.

﴿ وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ لا يَحْتَسِبُونَ ولا يَتَوَقَّعُونَ، وهو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ.

وقِيلَ المُرادُ بِهِ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بَنى الصَّرْحَ بِبابِلَ سُمْكُهُ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ لِيَتَرَصَّدَ أمْرَ السَّماءِ، فَأهَبَّ اللَّهُ الرِّيحَ فَخَرَّ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ فَهَلَكُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)

{قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بنيانهم من القواعد} أي من جهة

النحل (٢٦ _ ٣٠)

القواعد وهي الأساطين هذا تمثيل يعني أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها رسل الله فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وماتوا وهلكوا والجمهور على أن المراد به نمرود بن كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع وقيل فرسخان فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا فأتى الله أي أمره بالاستئصال {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وعِيدٌ لَهم بِرُجُوعِ غائِلَةِ مَكْرِهِمْ عَلَيْهِمْ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ أصابَهم ما أصابَهم مِنَ العَذابِ العاجِلِ، والمَكْرُ صَرْفُ الغَيْرِ عَمّا يَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ وهو هاهُنا عَلى ما قِيلَ مَجازٌ عَنْ مُباشَرَةِ أسْبابِهِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِهِ لِأنَّ ما بَعْدُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الصَّرْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَرْتَكِبَ فِيهِ التَّجْرِيدَ أيْ سَوَّوْا مَنصُوباتٍ وحِيَلًا لِيَخْدَعُوا بِها رُسُلَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ أيْ مِن جِهَةِ الدَّعائِمِ والعُمُدِ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها بِأنْ ضُعْضِعَتْ فَمِنِ ابْتِدائِيَّةٌ والبُنْيانُ اسْمٌ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، ونَقَلالرّاغِبُ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ جَمْعُ بُنْيانَةٍ مِثْلَ شَعِيرٍ وشُعَيْرَةٍ وتَمْرٍ وتَمْرَةٍ ونَخْلٍ ونَخْلَةٍ وإنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ الجَمْعِ يَصِحُّ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وأصْلُ الإتْيانِ كَما قالَ المَجِيءُ بِسُهُولَةٍ وهو مُسْتَحِيلٌ بِظاهِرِهِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ ولِذَلِكَ احْتاجَ بَعْضُهم إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أمْرُ اللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وجُعِلَ ذَلِكَ في الكَشّافِ مِن قَبِيلِ أتى عَلَيْهِ الدَّهْرُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ وأفْناهُ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ.

وقُرِئَ «بِنْيَتَهُمْ» وهو بِمَعْنى بِنائِهِمْ يُقالُ: بَنَيْتُ أبْنِي أبْناءً وبِنْيَةً وبَنى نَعَمْ كَثِيرًا ما يُعَبَّرُ بِالبِنْيَةِ عَنِ الكَعْبَةِ وقَرَأ جَعْفَرٌ بَيْتَهم والضَّحّاكُ «بُيُوتَهُمْ» ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ أيْ سَقَطَ عَلَيْهِمْ سَقْفُ بُنْيانِهِمْ إذْ لا يُتَصَوَّرُ لَهُ القِيامُ بَعْدَ تَهَدُّمِ قَواعِدِهِ (ومِن) مُتَعَلِّقٌ بِخَرَّ وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ السَّقْفِ مُؤَكِّدَةٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ الأعْرابِيِّ إنَّ ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا انْهَدَمَ في مِلْكِ القائِلِ وإنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَهو لِبَيانِ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ حِينَ هُدِمَ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ عَلى بِمَعْنى عَنْ وهي لِلتَّعْلِيلِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ خَرَّ مِن أجْلِ كُفْرِهِمُ السَّقْفُ وجِيءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ مَعَ خَرَّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ قَدْ خَرَّ وهم لَيْسُوا تَحْتَهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ طائِلٍ بَلْ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ فاضِلٌ والكَلامُ تَمْثِيلٌ يَعْنِي أنَّ حالَهم في تَسْوِيَتِهِمُ المَنصُوباتِ والحِيَلَ لِيَمْكُرُوا بِها رُسُلَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإبْطالِ اللَّهِ إيّاها وجَعَلَها سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ فَأتى ذَلِكَ مِن قِبَلِ أساطِينِهِ بِأنْ ضُعْضِعَتْ فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا تَحْتَهُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ ما نَصَبُوهُ وخَيَّلُوهُ سَبَبَ التَّحَصُّنِ والِاسْتِيلاءِ صارَ سَبَبَ البَوارِ والفَناءِ فالأساطِينُ بِمَنزِلَةِ المَنصُوباتِ وانْقِلابُها عَلَيْهِمْ مَهْلَكَةٌ كانْقِلابِ تِلْكَ الحِيَلِ عَلى أصْحابِها والبُنْيانُ ما كانَ زَوَّرُوهُ ورَوَّجُوا فِيهِ تِلْكَ المَنصُوباتِ وتَواطَئُوا عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْيِ المُدَعَّمِ بِالمَكائِدِ، ويُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ، مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا.

ويَقْرُبُ مِن هَذا ما قِيلَ إنَّ المُرادَ أحْبَطَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهُمْ، وقِيلَ: الأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ أنَّ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ بَنى صَرْحًا بِبابِلَ لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ ويَعْرِفُ أمْرَها ويُقاتِلَ أهْلَها وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ فَكانَ طُولُهُ في السَّماءِ عَلى ما حَكى النَّقّاشُ ورُوِيَ عَنْ كَعْبٍ فَرْسَخَيْنِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ووَهْبٌ: كانَ ارْتِفاعُهُ خَمْسَةَ آلافِ ذِراعِ وعَرْشُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ فَهَلَكُوا، وقِيلَ: هَدَمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ ولَمّا سَقَطَ تَبَلْبَلَتِ النّاسُ مِنَ الفَزَعِ فَتَكَلَّمُوايَوْمَئِذَ بِثَلاثٍ وسَبْعِينَ لِسانًا فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلُ وكانَ لِسانُ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ السُّرْيانِيَّةَ، ولا يَخْفى ما في هَذا الخَبَرِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْمَشْهُورِ لِأنَّ مُوجِبَهُ أنَّ هَلاكَ نَمْرُودَ كانَ بِما ذُكِرَ والمَشْهُورُ أنَّهُ عاشَ بَعْدَ قِصَّةِ الصَّرْحِ وأهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَعُوضَةٍ وصَلَتْ لِدِماغِهِ إظْهارًا لِكَمالِ خِسَّتِهِ وعَجْزِهِ وجازاهُ سُبْحانَهُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ لِأنَّهُ صَعِدَ إلى جِهَةِ السَّماءِ بِالنُّسُورِ فَأهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخَسِّ الطُّيُورِ، وما ذُكِرَ في وجْهِ تَسْمِيَةِ المَكانِ المَعْرُوفِ بِبابِلَ هو المَشْهُورُ، وفي مُعْجَمِ البُلْدانِ أنَّ مَدِينَةَ بابِلَ يُوراسِفَ الجَبّارِ واشْتُقَّ اسْمُها مِنَ المُشْتَرِي لِأنَّ بابِلَ بِاللِّسانِ البابِلِيِّ الأوَّلِ اسْمٌ لِلْمُشْتَرِي وأخْرَبَها الإسْكَنْدَرُ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ اللِّسانَ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ السُّرْيانِيَّةَ ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ ونَظَرَ فِيهِ الخازِنُ بِأنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمَهُ كانُوا قَبْلُ وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالعَرَبِيَّةِ وكانَ قَبائِلُ قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ طَسْمٍ وجَدِيسَ يَتَكَلَّمُونَ بِالعَرَبِيَّةِ أيْضًا وقَدْ يُدْفَعُ بِالعِنايَةِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وما فُعِلَ بِهِمْ وبِقُراهُمْ، والكَلامُ أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ واخْتارَ جَماعَةٌ بِناءَهُ عَلى التَّمْثِيلِ حَسْبَما سَمِعْتَ وعَلَيْهِ فالمُرادُ عَلى المُخْتارِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الماكِرِينَ الَّذِينَ هُدِمَ عَلَيْهِمْ بُنْيانُهم وسَقَطَ في أيْدِيهِمْ وقَرَأ الأعْرَجُ (السَّقْفُ) وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٌ ﴿ السَّقْفُ ﴾ بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ وكِلاهُما جَمْعُ سَقْفٍ وفُعُلٌ وفُعْلٌ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ مَحْفُوظانِ في جَمْعِ فَعْلٍ ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ وهو القِياسُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ﴿ السَّقْفُ ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، وذُكِرَ أنَّ الأصْلَ مَضْمُومُ القافِ وساكِنُهُ مُخَفَّفُهُ وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ عَلى عَكْسِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ ورَجْلٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ ﴿ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِإتْيانِهِ مِنهُ بَلْ يَتَوَقَّعُونَ إتْيانَ مُقابِلِهِ مِمّا يُرِيدُونَ ويَشْتَهُونَ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ العاجِلُ، وفي عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ هَلاكِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ العاجِلُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: قد صنع الذين من قبلهم مثل المقتسمين، فأبطل الله كيدهم فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ أي: قلع بنيانهم من أساس البيت فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: سقف البيت، قال الكلبي: وهو نمروذ بن كنعان، بنى صرحاً طوله في السَّماء خمسة آلاف ذراع وكان عرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسون ذراعاً، فهدم الله بنيانه، وخرّ عليهم السقف من فوقهم، فأهلكهم الله.

وقال القتبي: هذا مثل، أي أهلك من قبلهم من الكفار كما أهلك من هدم مسكنه من أسفله فخرّ عليه.

ويقال: هدم بنيان مكرهم من الأصل، فخرّ عليهم السقف، أي: رجع وبال مكرهم إليهم، كقوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أي: لا يعلمون.

قوله عز وجل: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ أي: يعذبهم، وما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم.

وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي: تعادونني وتخالفونني بسببهم وعبادتهم.

قرأ نافع تُشَاقُّونَ بكسر النون على معنى الإضافة والباقون بالنصب لأنها نون الجماعة.

قوله: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي: الملائكة.

ويقال: المؤمنون إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ أي: العقاب وَالسُّوءَ أي: الشدة من العذاب عَلَى الْكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: لاَ جَرَمَ عبَّرت فرقةٌ من اللُّغويِّين عن معناها ب «لاَ بُدَّ ولا محالة» ، وقالت فرقة: معناها: حق أن اللَّه، ومذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ «لا» نفيٌ لما تقدَّم من الكلامِ، و «جرم» :

معناه: وَجَبَ أو حَقَّ ونحوه، هذا مذهبُ الزَّجَّاجِ «١» ، ولكنْ مع مذهبهما، «لا» ملازِمَةٌ ل «جَرَمَ» لا تنفَكُّ هذه مِنْ هذه.

وقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافرين والمؤمنين يأخذ كلُّ أحد منهم بِقِسْطه، قال الشيخُ العارفُ باللَّه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي جَمْرَةَ رحمه اللَّه موتُ النفوسِ حياتُهَا، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْيَا يَمُوتُ، ببَذْل أَهْل التوفيقِ نفوسَهُم وهوانِهَا عليهم، نالوا ما نالوا، وبِحُبِّ أهْل الدنيا نفوسَهُم هانوا وطَرَأَ عليهم الهوانُ هنا وهناك، وقد ورد في الحديثِ: «أنَّه مَا مِنْ عَبْدٍ إِلا وَفِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِنْ تَعَاظَمَ، وارتفع، ضَرَبَ المَلَكُ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: اتضع وَضَعَكَ اللَّهُ، وَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ المَلَكُ، وَقَالَ لَهُ: ارتفع، رَفَعَكَ اللَّهُ» ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بما به يقرِّبنا إِليه بمنِّهِ «٢» .

انتهى.

وقوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: يعني: كفَّار قريشٍ: مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ...

الآية، يقال: إِن سببها النضْرُ بْنُ الحارِثِ، واللام في قوله: لِيَحْمِلُوا يحتملُ أن تكون لاَم العاقبةِ، ويحتمل أن تكون لامَ كَيْ، ويحتمل أن تكون لام الأمْرِ على معنى الحَتْمِ عليهم والصَّغَارِ الموجِبِ لهم.

وقوله/ سبحانه: وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ: «من» : للتبعيضِ وذلك أن هذا الرأس المُضِلَّ يحمل وِزْرَ نفسه ووزراً مِنْ وزر كلِّ مَنْ ضلَّ بسببه، ولا ينقُصُ من أوزار أولئك شيْءٌ، والأوزار هي الأثقال.

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)

وقوله سبحانه: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ ...

الآية: قال ابن

عبَّاس وغيره من المفسِّرين «١» : الإِشارة ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إِلى نَمْرُوذَ الذي بنَى صَرْحاً ليَصْعَدَ فيه إِلى السماء بزعمه، فلما أَفرَطَ في عُلُوِّه، وطَوَّلَهُ في السماء فَرْسَخَيْنِ على ما حكَى النَّقَّاش، بعث اللَّه عليه ريحاً، فهدَمَتْه، وخَرَّ سقفه عليه، وعلى أتباعه، وقيل: إِن جبريلَ هَدَمَهُ بِجَنَاحِهِ، وألقَى أعلاه في البَحْر، وانجعف من أسفله، وقالت فرقة: المراد ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: جميعُ مَنْ كَفَر من الأمم المتقدِّمة، ومكَر، ونزلَتْ به عقوبةٌ، وقوله على هذا: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ...

إلى آخر الآية، تمثيلٌ وتشبيهٌ، أي: حالُهم كحَالِ مَنْ فُعِلَ به هذا.

وقوله: يُخْزِيهِمْ: لفظٌ يعمُّ جميع المكارِهِ التي تَنْزِلُ بهم وذلك كلُّه راجعٌ إِلى إِدخالهم النَّار، ودخولهم فيها.

وتُشَاقُّونَ: معناه: تحاربون، أي: تكُونُونَ في شِقٍّ، والحَقُّ في شقّ، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: هم الملائكةُ فيما قال بعضُ المفسِّرين، وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون.

قال ع «٢» : والصوابُ أن يعمَّ جميعَ مَنْ آتاه اللَّه عِلْمَ ذلك مِنْ ملائكةٍ وأنبياء وغيرهم، وقد تقدَّم تفسير الخِزْي، وأنه الفضيحةُ المُخْجلة، وفي الحديث: «إِنَّ العَارَ وَالتَّخْزِيَةَ لَتَبْلُغُ مِنَ العَبْدِ فِي المَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يُنْطَلَقَ بِهِ إِلَى النَّارِ وَيَنْجُوَ مِنْ ذَلِكَ المَقَامِ» «٣» أخرجه البغويُّ في «المسند المنتخب» له.

انتهى من «الكوكب الدري» .

وقوله سبحانه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: الَّذِينَ: نعت للكافرين في قول أكثر المتأوّلين، والْمَلائِكَةُ يريد القابضين لأرواحهم، والسَّلَمَ هنا: الاستسلام، واللام في قوله: فَلَبِئْسَ لامُ تأكيد، والمثوى:

موضع الإقامة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٦٣) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ " قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ " أيْ: جاحِدَةٌ لا تَعْرِفُ التَّوْحِيدَ ﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعُونَ مِن قَبُولِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (هُودٍ:٢٢)، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُجازِيهِمْ بِسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ.

والمُسْتَكْبِرُونَ: المُتَكَبِّرُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ما يُسِرُّونَ ﴾ حِينَ بَعَثُوا في كُلِّ طَرِيقٍ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ حِينَ أظْهَرُوا العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُسْتَكْبِرِينَ ﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ عَلى مُحَمَّدٍ  ؟

قالَ الزَّجّاجُ: " ماذا " بِمَعْنى " ما الَّذِي " .

و ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ مَرْفُوعَةٌ عَلى الجَوابِ.

كَأنَّهم قالُوا: الَّذِي أُنْزِلَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيِ: الَّذِي تَذْكُرُونَ أنْتُمْ أنَّهُ مُنَزَّلٌ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الأساطِيرِ في (الأنْعامِ:٢٥) .

قالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في طُرُقِ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، ويَقُولُ بَعْضُهم: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، ويَقُولُ بَعْضُهم: شاعِرٌ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (الحِجْرِ:٩٠) في ذِكْرِ المُقْتَسِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وقَدْ شَرَحْناها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والأوْزارُ: الآثامُ، وإنَّما قالَ: كامِلَةً، لِأنَّهُ لَمْ يُكَفَّرْ مِنها شَيْءٌ بِما يُصِيبُهم مِن نَكْبَةٍ، أوْ بَلِيَّةٍ، كَما يُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ، " ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ " أيْ: أنَّهم أضَلُّوهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وإنَّما حَمَلُوا مِن أوْزارِ الأتْباعِ، لِأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يُقْتَدى بِهِمْ في الضَّلالَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " مِن " وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، فَهم يَحْمِلُونَ ما شَرِكُوهم فِيهِ، فَأمّا ما رَكِبَهُ أُولَئِكَ بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ تَزْيِينِ هَؤُلاءِ، فَلا يَحْمِلُونَهُ، فَيَصِحُّ مَعْنى التَّبْعِيضِ.

والثّانِي: أنَّ " مِن " مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَمَلُوا عَلى ظُهُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِ: النَّمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ، وذَلِكَ أنَّهُ بَنى صَرْحًا طَوِيلًا.

واخْتَلَفُوا في طُولِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ طُولُهُ فَرْسَخَيْنِ، قالُوا: ورامَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها بِزَعْمِهِ.

ومَعْنى " المَكْرِ " هاهُنا: التَّدْبِيرُ الفاسِدُ.

وَفِي الهاءِ والمِيمِ مِن " قَبْلِهِمْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْمُقْتَسِمِينَ عَلى عِقابِ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لِكُفّارِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ أيْ: مِنَ الأساسِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا فَألْقَتْ رَأْسَ الصَّرْحِ في البَحْرِ، وخَرَّ عَلَيْهِمُ الباقِي.

قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا سَقَطَ الصَّرْحُ، تَبَلْبَلَتْ ألْسُنُ النّاسِ مِنَ الفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ لِسانًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ " بابِلَ "، وإنَّما كانَ لِسانُ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، لِأنَّ التَّبَلْبُلَ يُوجِبُ الِاخْتِلاطَ والتَّكَلُّمَ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ، فَأمّا أنْ يُوجِبَ إحْداثَ لُغَةٍ مَضْبُوطَةِ الحَواشِي، فَباطِلٌ، وإنَّما اللُّغاتُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الماكِرُ واحِدًا، فَكَيْفَ قالَ: " الَّذِينَ " ولَمْ يَقُلِ: " الَّذِي " ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ الماكِرُ مَلِكًا لَهُ أتْباعٌ، فَأُدْخِلُوا مَعَهُ في الوَصْفِ.

والثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، فَيَقُولُ قائِلُهم: خَرَجْتُ إلى البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنَّما خَرَجَ عَلى بَغْلٍ واحِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ " الَّذِينَ " غَيْرُ مُوقَعٍ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنَّهُ يُرادُ بِهِ: قَدْ مَكَرَ الجَبّارُونَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَكانَ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ رُجُوعُ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ: وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّهُ إنَّما قالَ: " مِن فَوْقِهِمْ "، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، إذْ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، لاحْتَمَلَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، لَأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَقَطَ عَلَيْنا البَيْتُ، وخَرَّ عَلَيْنا الحانُوتُ، وتَداعَتْ عَلَيْنا الدّارُ، ولَيْسُوا تَحْتَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم آمِنُونَ فِيهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: أُخِذُوا مِن مَأْمَنِهِمْ.

ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ.

وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما حَكَيْناهُ مِن أنَّهُ بُنْيانٌ سَقَطَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما هَلَكَ مَن هُدِمَ مَسْكَنُهُ مِن أسْفَلِهِ، فَخَرَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أيْ: يُذِلُّهم بِالعَذابِ.

﴿ وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " شُرَكائِيَ الَّذِينَ " بِهَمْزَةٍ وفَتْحِ الياءِ، وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " شُرَكايَ " مِثْلَ " هُدايَ "، والمَعْنى: أيْنَ شُرَكائِي عَلى زَعْمِكم ؟

هَلّا دَفَعُوا عَنْكم !

.

﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ: تُخالِفُونَ المُسْلِمِينَ فَتَعْبُدُونَهم وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وقَرَأ نافِعٌ: " تُشاقُّونِ " بِكَسْرِ النُّونِ، أرادَ: تُشاقُّونَنِي، فَحَذَفَ النُّونَ الثّانِيَةَ، وأبْقى الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: كُنْتُمْ تُنازِعُونَنِي فِيهِمْ، وتُخالِفُونَ أمْرِي لِأجْلِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

فَأمّا " الخِزْيُ " فَقَدْ شَرَحْناهُ في مَواضِعَ [آلِ عِمْرانَ:١٩٢] و " السُّوءُ " هاهُنا: العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِن القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلى الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِـ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ إلى نَمْرُوذٍ الَّذِي بَنى الصَرْحَ لِيَصْعَدَ فِيهِ إلى السَماءِ عَلى زَعْمِهِ، فَلَمّا أفْرَطَ في غُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَماءِ فَرْسَخَيْنِ عَلى ما حَكى النَقاشُ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَدَمَهُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، وانْجَعَفَ مَن أسْلَفَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: المُرادُ بِـ " الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ " جَمِيعُ مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: حالُهم كَحالِ مِن فَعَلَ بِهِ هَذا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ أيْ: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَنْحُو إلى اللُغْزِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ ﴾ ، فَإنَّكَ تَقُولُ: "انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ" وهو لَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: "انْفَسَدَ عَلَيْهِ مَتاعُهُ".

وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ.

وقَوْلُهُ: "فَأتى" أيْ: فَأتى أمْرُ اللهِ وسُلْطانُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بُنْيانَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنْيَتَهُمْ"، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "بَنِيَّتَهُمْ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "بُيُوتَهُمْ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَقْفُ" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ في الدُنْيا، ذَكَرَ في هَذِهِ حالَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: "يُخْزِيهِمْ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى إدْخالِهِمُ النارَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وأضافَهم إلى نَفْسِهِ في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ، أيْ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما قالَ تَعالى حِكايَةً: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والإضافاتُ تَتَرَتَّبُ مَعْقُولَةً ومَلْفُوظًا بِها بِأرَقِّ سَبَبٍ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا قُلْتُ قُدْنِي قالَ باللهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا فَأضافَ الإناءَ إلى حاسِيهِ.

وقَرَأ البَزِيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "شُرَكايَ" بِقِصْرِ الشُرَكاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمَدِّ وفَتْحِ الياءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالمَدِّ وياءِ ساكِنَةٍ.

وقَوْلُهُ: "تُشاقُّونَ" مَعْناهُ: تُحارِبُونَ وتُحاجُّونَ، أيْ: تَكُونُ في شَقٍّ والحَقُّ في شَقٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشاقُّونَ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحُسْنِ بِخِلافٍ، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَثَلِهِ في "الحَجَرِ" في "تُبَشِّرُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُشاقُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها.

و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ هُمِ المَلائِكَةُ فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الخِطابُ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَن آتاهُ اللهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مَن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا ذكر عاقبة إضلالهم وصدّهم السائلين عن القرآن والإسلام في الآخرة أتبع بالتهديد بأن يقع لهم ما وقع فيه أمثالهم في الدّنيا من الخزي والعذاب مع التأييس من أن يبلغوا بصنعهم ذلك مبلغ مرادهم، وأنهم خائبون في صنعهم كما خاب من قبلهم الذين مكَروا برسلهم.

ولما كان جوابهم السائلين عن القرآن بقولهم هو ﴿ أساطير الأولين ﴾ [سورة النحل: 24] مظهرينه بمظهر النصيحة والإرشاد وهم يريدون الاستبقاء على كفرهم، سمّي ذلك مكراً بالمؤمنين، إذ المكر إلحاق الضرّ بالغير في صورة تمويهه بالنّصح والنّفع، فنُظّر فعلهم بمكر من قبلهم، أي من الأمم السابقة الذين مكروا بغيرهم مثل قوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم فرعون، قال تعالى في قوم صالح: ﴿ ومكروا مكراً ومكرنا مكراً ﴾ [سورة النحل: 50] الآية، وقال: ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ﴾ [سورة الأنعام: 123].

فالتعريف بالموصول في قوله تعالى: ﴿ الذين من قبلهم ﴾ مساوٍ للتعريف بلام الجنس.

ومعنى «أتى الله بنيانهم» استعارة بتشبيه القاصد للانتقام بالجائي نحو المنتقم منه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ [سورة الحشر: 2].

وقوله تعالى: فأتى الله بنيانهم من القواعد} تمثيل لحالات استئصال الأمم، فالبنيان مصدر بمعنى المفعول.

أي المبنى، وهو هنا مستعار للقوّة والعزّة والمنعة وعلوّ القدر.

وإطلاق البناء على مثل هذا وارد في فصيح الكلام.

قال عبدة بن الطبيب: فما كان قيس هُلْكُه هُلْكَ واحد *** ولكنّه بنيان قوم تهدّما وقالت سعدة أمّ الكميت بن معروف: بنى لك معروفٌ بناءً هدمته *** وللشرف العاديّ باننٍ وهادم و ﴿ من القواعد ﴾ متعلق ب «أتى».

﴿ ومِن ﴾ ابتدائيّة، ومجرورها هو مبْدأ الإتيان الذي هو بمعنى الاستئصال، فهو في معنى هدمه.

و ﴿ القواعد ﴾ : الأسس والأساطين التي تجعل عَمداً للبناء يقام عليها السقف.

وهو تخييل أو ترشيح، إذ ليس في الكلام شيء يشبّه بالقواعد.

والخرور: السقوط والهويّ، ففعل خرّ مستعار لِزوال ما به المنعة نظير قوله تعالى: ﴿ يخرّبون بيوتهم بأيديهم ﴾ [سورة الحشر: 2].

﴿ والسّقْف ﴾ : حقيقته غطاء الفراغ الذي بين جدران البيت، يجعل على الجدران ويكون من حَجر ومن أعواد، وهو هنا مستعار لما استعير له البناء.

و ﴿ من فوقهم ﴾ تأكيد لجملة ﴿ فسخرّ عليهم السّقف ﴾ .

ومن مجموع هذه الاستعارات تتركّب الاستعارة التمثيليّة.

وهي تشبيه هيئة القوم الّذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة وأزال تلك العزّة بهيئة قوم أقاموا بنياناً عظيماً ذا دعائم وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده فخرّ سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعاً.

فهذا من أبدع التمثيليّة لأنها تنحلّ إلى عدّة استعارات.

وجملة ﴿ وأتاهم العذاب ﴾ عطف على جملة ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ .

وأل في ﴿ العذاب ﴾ للعهد فهي مفيدة مضمون قوله ﴿ من فوقهم ﴾ مع زيادة قوله تعالى: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ .

فباعتبار هذه الزيادة وردت معطوفة لحصول المغايرة وإلا فإن شأن الموكدة أن لا تعطف.

والمعنى أن العذاب المذكور حلّ بهم بغتة وهم لا يشعرون فإن الأخذ فَجْأ أشدّ نكاية لما يصحبه من الرّعب الشديد بخلاف الشيء الوارد تدريجاً فإنّ النّفس تتلقّاه بصبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هَدَمَ بُنْيانَهم مِن قَواعِدِها وهي الأساسُ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِاسْتِئْصالِهِمْ.

﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَخَرَّ أعالِي بُيُوتِهِمْ وهم تَحْتَها، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّ السَّقْفَ عالٍ إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فَوْقَهم إذْ لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّ العَذابَ أتاهم مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي الَّذِينَ خَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ وقَوْمُهُ حِينَ أرادَ صُعُودَ السَّماءِ وبَنى الصَّرْحَ.

فَهَدَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ وأصْحابُهُ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

الثّالِثُ: يَعْنِي المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ قال: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق.

وارحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله.

وهو الذي كان بَنَى صرحاً إلى السماء الذي قال الله: ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ قال: مكر نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ قال: أتاها أمر الله من أصلها ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم ﴾ و ﴿ السقف ﴾ عالي البيوت فائتفكت بهم بيوتهم، فأهلكهم الله ودمرهم ﴿ وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تشاقون فيهم ﴾ يقول: تخالفوني.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قال جماعة المفسرين: يعني نمرود بن كنعان، بَنَى صرحًا طويلًا ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها (١) ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا  ﴾ قال: دبروا (٢) (٣) وقوله تعالي: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ ﴾ ، أي: أتى أمرُ الله، وهي الريح التي خربتها وحركتها، وهو ما ذكر المفسرون؛ أن الله تعالى أرسل ريحًا فألقت رأس الصرح في البحر وخَرَّ عليهم الباقي (٤) ﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ  ﴾ ، والبنيان اسم للبناء.

وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الْقَوَاعِدِ ﴾ قال أبو إسحاق: أي من أساطين البناء التي تَعْمِده (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ ، أي: سقط عليهم البيوت؛ على أصحاب نمرود (٦) ﴿ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ ليدل أنهم كانوا تحته، إذ (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ، أي: من حيث ظنوا أنهم منه في أمان، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد بالبعوضة؛ يعني التي أهلك بها نمرود (٩) (١) "تفسير مجاهد" 1/ 346، و"مقاتل" 1/ 201 ب، وأخرجه الطبري (7/ 576) عن ابن عباس والسدي وزيد بن أسلم، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 233، والثعلبي 2/ 155 ب، والماوردي (3/ 185، والطوسي 6/ 374، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 16، والزمخشري 2/ 326، وابن عطية 8/ 399، وابن الجوزي 4/ 439، و"الرازي" 20/ 20، و"القرطبي" 10/ 97، والخازن 3/ 112، و"الدر المنثور" 4/ 218، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وتخصيص الآية على النمرود وأصحابه فيه نظر، لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكنهم اعتبروا أن المشار إليهم في هذه الآية هم المذكورون في سورة إبراهيم في قوله: ﴿ وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ ، كما ذكر الطبري؛ وحتى بهذا الاعتبار، لا يسلم لهم، فقد عرفنا موقف العلماء من هذه القصة؛ التضعيف والرد والإنكار، وأغلب الظن أنها إسرائيلية، ومما يؤكده رواية كعب لها، وهو من مصادر الإسرائيليات، ولا يقال: إن الرواية هنا ثبتت عن ابن عباس -  ما- وقوله معتبر، وهو كذلك عند ورودها عن الطرق الصحيحة، والرواية التي أوردها الطبري جاءت من طريق العوفي، وهي طريق غير مرضية، فلا يعتد بها، ولا يعتمد عليها، وقد أشار ابن عطية إلى التعميم بقوله: وقالت فرقة أخرى: المراد به جميع من كافر من الأمم المتقدمة ومكر، ونزلت له عقوبةُ من الله تعالى، وهو ما رجحه الفخر الرازي، والخازن انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 400، والفخر الرازي 20/ 20، والخارن 3/ 112.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) في (أ): (الأمة) والمثبت هو الصحيح، كما في باقي النسخ.

(٤) انظر: "تفسير البغوي" 5/ 16، عن كعب ومقاتل، والزمخشري 2/ 326، وابن عطية 8/ 399، وابن الجوزي 4/ 440، و"تفسير القرطبي" 10/ 97، والخازن 3/ 112، فيهما عن كعب ومقاتل.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 195، بنصه.

(٦) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 355 بمعناه عن قتادة، والطبري 14/ 97 - 98 بمعناه عن قتادة ومجاهد ورجحه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 63، عن مجاهد، و"تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 185.

(٧) في جميع النسخ: (إذا)، والمثبت هو الصحيح المناسب للسياق.

(٨) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 441.

(٩) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 98، وهذا تخصيص بلا دليل، فضلاً أن هذه الطريق إلى ابن عباس منقطعة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مِّنَ القواعد ﴾ الآية: قيل المراد بالذين من قبلهم نمروذ، فإنه بنى صرحاً ليصعد فيه إلى السماء بزعمه، فلما علا فيه هدمه الله وخر سقفه عليه، وقيل: المراد بالذين من قبلهم كل من كفر من الأمم المتقدمة، ونزلت به عقوبة الله فالبنيان والسقف والقواعد على هذا تمثيل ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ توبيخ للمشركين وأضاف الشركاء إلى نفسه أي على زعمكم ودعواكم، وفيه تهكم به ﴿ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي تعادون من أجلهم فمن قرأ بكسر النون فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله عز وجل، ومن قرأ بفتحها فالمفعول محذوف تقديره تعادون المؤمنين من أجلهم ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ هم الأنبياء والعلماء من كل أمة، وقيل: يعني الملائكة واللفظ أعم من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

أي: قال الأتباع للرؤساء: ماذا أنزل ربكم؟

قال الرؤساء: أنزل أساطير الأولين، [أو يخرج على الإضمار، كأنهم قالوا لهم: ماذا يقول إنه أنزل ربكم عليه؟

فقالوا عند ذلك: أساطير الأولين، وإلا لا يحتمل أن يكون ذكروا أساطير الأولين] جواب سؤالهم: ماذا أنزل ربكم؟

مفرداً؛ لأنهم كانوا يقرون بالله بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلا يحتمل أن يكونوا إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم؛ فيقولون: أساطير الأولين إلا أن يكون في السؤال زيادة قول، أو في الجواب إضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: وإذا قيل لهم: ماذا يزعم هذا أنه أنزل عليه ربكم؟

قالوا عند ذلك: إنه يقول: أساطير الأولين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ  ﴾ أي: قالوا: يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر.

أو يكون قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ فقالوا: لم ينزل الله شيئاً إنما يقول أساطير الأولين، ومثل هذا يحتمل أن يكون.

وقوله: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ قال أبو عوسجة: أحاديث الأولين والواحد أسطور، وهي الأحاديث المختلقة؛ كقوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ؛ أي: لا أصل له؛ وأصله الكذب.

وهكذا عادة أولئك الكفرة يقولون للأنباء: أساطير الأولين، وكانوا ينسبون ما يقرأ عليهم إلى السحر، ولو كان في الحقيقة سحراً أو أحاديث الأولين كان دليلا له.

أو قالوا ذلك على الاستهزاء [له]، وذلك جائز أن يخرج قولهم ذلك على الاستهزاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: [أنه يحتمل:] أنهم يحملون أوزارهم كاملة؛ يعني الذين قالوا للرسل: أساطير الأولين، ومن أوزار الذين يقلدون رسلهم، ووفدهم الذين بعثوا عن السؤال عن رسول الله  ؛ فحملوا أوزار أنفسهم؛ وأوزار [الرسل وأوزار] الذين يقلدون الرسل ويقتدون بهم بغير علم؛ لأنهم لم يعلموا أن أولئك يقتدون بالرسل فيضلون، وهم وإن لم يعلموا فذلك عليهم؛ لأنهم هم الذين سنوا ذلك؛ وهو كما روي: "من سَنَّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ويحتمل: ليحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين طمعوا الإسلام؛ إذا أسلموا سقط تلك الأوزار عنهم.

وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ : هم لم يفعلوا ما فعلوا ليحملوا أوزارهم، ولكن معناه - والله أعلم - أي: ليصيروا حاملين لأوزارهم والذين أضلّوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يحتمل ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: بسفه.

﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي: ساء ما يحملون.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لم يعلموا أن تصير أوزارهم عليهم، أو لم يعلموا ما يلحق بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .

لم يزل كانت عادة الكفرة بالمكر برسل الله؛ والكيد لهم، وكذلك مكر كفار مكة برسول الله، يذكر هذا - والله أعلم - لرسول الله ليصبره على أذاهم إياه؛ كما صبر أولئك على مكر قومهم وترك مكافأتهم إياهم؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

ثم مكرهم الذي ذكر كان يخرج على وجهين: أحدهما: فيما جاءت به الرسل؛ كانوا يتكلفون تلبيس ما جاءت به الرسل على قومهم.

والثاني: يرجع مكرهم إلى أنفس الرسل؛ من الهم بقتلهم وإخراجهم من بين أظهرهم؛ ونحوه، فخوف بذلك أهل مكة بصنيعهم لرسول الله؛ أن ينزل بهم كما نزل بأولئك الذين مكروا برسلهم؛ لئلا يعاملوه بمثل معاملة أولئك رسلهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ ﴾ .

قال الحسن: هذا على التمثيل بالبناء الذي بني على غير أساس؛ ينهدم ولا يعلم من أي: سبب انهدم، فعلى ذلك مكرهم يبطل ويتلاشى؛ كالبناء الذي بني على غير أساس ويشبه أن يكون على التمثيل من غير هذا الوجه؛ وهو أنهم قد مكروا وأحكموا مكرهم بهم؛ فيتحصنون بذلك؛ كالبناء الذي يتحصن به؛ فأبطل الله مكرههم؛ كقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً...

﴾ الآية [النمل: 50]، وقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [آل عمران: 54].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا من إبطال مكرهم الذي به كانوا يتحصنون؛ كوقوع السقف الذي به يتحصن من أنواع الأذى والشرور.

ويحتمل على التحقيق؛ وهو ما نزل بقوم لوط؛ من الخسف، وتقليب البنيان، وإمطار الحجر عليها.

وأما ما ذكر بعض أهل التأويل: من الصرح [الذي] بنى نمرود وبنيانه، ووقوعه عليهم؛ فإنا لا نعلم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

كذلك كان يأتي العذاب الظلمة الكذبة؛ من حيث لا علم لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً...

﴾ الآية [الأعراف: 95] وقوله: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ  ﴾ هو من الإتيان، ومعلوم أنه لا يفهم من إتيانه الانتقال من مكان إلى مكان، ولكن إتيان عذابه، أضيف إليه الإتيان؛ لما بأمره يأتيهم، ومنه [...]، فعلى ذلك لا يفهم من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ...

﴾ الآية [البقرة: 210] إتيانُ الانتقال ومجيئه من مكان إلى مكان، وقد ذكرنا هذا وأمثاله في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ .

أخبر أنه يخزيهم يوم القيامة بعد ما عذبهم في الدنيا؛ بقوله: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ : قال أهل التأويل: يعذبهم، وكأن الإخزاء هو الإذلال، والإهانة، والفضح، يذلهم، ويهينهم، ويفضحهم في الآخرة؛ مكان ما كان منهم من الاستكبار، والتجبر على النبي وأصحابه، وكذلك قوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ أي: لا يذلهم، ولا يهينهم؛ لتواضعه للمؤمنين، وخفض جناحه لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: تعادون أوليائي فيهم، أو تعادونني فيهم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ ليس له بشركاء؛ ولكن أضاف إلى نفسه: شركائي؛ على زعمهم في الدنيا أنها شركاؤه، وكذلك قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى ما في زعمهم؛ وتسميتهم إياها آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: كنتم تخالفون فيهم وتعادون؛ أي: تخالفون المؤمنين في عبادتهم إياها؛ لأنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وهم شفعاؤنا عند الله، ونحوه، كانوا يخالفون المؤمنين، وكانوا يشاقّون في ذلك؛ إلا أنه أضاف ذلك إلى نفسه لأنهم أولياؤه، وأنصار دين الله، وأضاف إليه المخالفة والمشاقّة لأنهم خالفوا أمر الله.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ .

قال أهل التأويل: الذي أوتوا العلم الملائكة الكرام الكاتبون، [لكن] هم وغيرهم من المؤمنين محتمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: الذل والهوان والافتضاح وكل سوء على الكافرين هكذا يقابل كل معاند ومكابر في حجج الله وبراهينه مكان استكبارهم وتجبرهم في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ﴾ .

قال الحسن: تتوفاهم الملائكة من بين يدي الله يوم الحساب إلى النار.

وقال بعضهم: تتوفاهم الملائكة - وقت قبض أرواحهم - ظالمي أنفسهم بالشرك والكفر بالله.

وعلى تأويل الحسن: يكون قوله: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في الدنيا، ويجوز أن يوصفوا بالظلم في الآخرة أيضاً؛ بكذبهم فيها في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ وقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وأمثاله من الكذب؛ حيث ينكرون الإشراك في ألوهية الله وعبادته، كأن هذا الإنكار والكذب منهم في أول حالهم، ظنّاً منهم أن ذلك ينفعهم، فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا، أو إلى حال الأمن؛ ليعملوا غير الذي عملوا؛ كقولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ فإذا لم يردّوا وأيسوا عن ذلك؛ فعند ذلك أنطق الله جوارحهم؛ حتى تشهد عليهم بما كان منهم فعند ذلك يقرون، ويعترفون بذنوبهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ قال بعضهم: يسلمون ويستسلمون لأمر الله، ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء، كقولهم: ما كنا نعمل من سوء.

وقال بعضهم: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ : هو الاستخزاء، والخضوع والتضرع.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ عند الموت يؤمنون عند معاينة ذلك، أو سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك، فأكذبهم الله في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ ؛ فقال: ﴿ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هذا وعيد يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة، ولا يحتمل كما جاز في الدنيا؛ ولم يظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ أي: بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على دين الله، أو تكبروا على ما جاء به الرسل من الله، وما أنزل الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد أتى الكفار من قبل هؤلاء بالمكايد لرسلهم، فهدم الله أبنيتهم من أسسها، فسقطت عليهم سقوفهم من فوقهم، وجاءهم العذاب من حيث لا يتوقعون، فقد كانوا يتوقعون أن أبنيتهم تحميهم، فأُهْلكوا بها.

من فوائد الآيات في الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل، يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره وذكره ودعائه.

طبيعة الإنسان الظلم والتجرؤ على المعاصي والتقصير في حقوق ربه، كَفَّار لنعم الله، لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله.

مساواة المُضِل للضال في جريمة الضلال؛ إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره أو بسؤال الناصحين.

أَخْذ الله للمجرمين فجأة أشد نكاية؛ لما يصحبه من الرعب الشديد، بخلاف الشيء الوارد تدريجيًّا.

<div class="verse-tafsir" id="91.vM3RL"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل